← Общие книги

Общие книги · id 36505

الحملة الصليبية على العالم الإسلامي والعالم

يوسف الطويل

Полный текст (1 191 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وكنتيجة للثورة الفلسطينية والمعارضة الفاتيكانية وما رافقها من توتر دولي، تراجعت الحكومة البريطانية عن مشروع التقسيم، ثم أصدرت في عام ١٩٣٩م الورقة البيضاء التي حددت بموجبها عدد اليهود الذين يسمح لهم بالهجرة سنويا إلى فلسطين، ومساحة الأراضي التي يسمح لهم بتملكها، ولكن ذلك لم يرق للدوائر الصهيونية التي حاولت الالتفاف على هذا الأمر من خلال ممارسة بعض الضغوط على الفاتيكان، "حيث كان آخر فصول النزاع اليهودي المسيحي في تلك الفترة محاولة الصهيونية العالمية تجريم البابا بيوس الثاني عشر بتهمة الوقوف مع النازية في الحرب العالمية الثانية، ثم الضغوط الهائلة التي أفضت إلى تبرئة اليهود من دم السيد المسيح" (١). ولكن هذه المحاولة لم تنجح في جعل البابا يغيرّ رأيه في مشروع التقسيم. وقد عكست الصحف الأمريكية الكاثوليكية (ساين وتابليت) الحملة الفاتيكانية ضد التقسيم، وركزت على أن فلسطين ليست ولن تكون وطناً قومياً لليهود، حيث ظل هذا الموقف من الثوابت الفاتيكانية حتى إلى ما بعد تصويت الأمم المتحدة على قبول عضوية إسرائيل في المنظمة الدولية. ففي ٢٢ من حزيران - يونيو من العام ١٩٤٣ م، ورداً على بيان المنظمات الصهيونية الذي صدر في نيويورك (بيان بلتيمور) في أيار ـ مايو ١٩٤٢م، وجه المبعوث الفاتيكاني إلى الولايات المتحدة الأسقف (أملتو تشيكونياني) مذكرة إلى الحكومة الأمريكية جدد فيها نداءات البابا (بنديكت الخامس عشر) بمعارضة إنشاء دولة يهودية في فلسطين، وضمن المذكرة صورة عن مذكرة الكاردينال (غسباري) إلى عصبة الأمم في ٤ من حزيران - يونيو ١٩٢٢م والتي جاء فيها: "إذا كانت إقامة وطن يهودي أمراً مرغوباً فيه، فلن يكون من العسير إيجاد مكان مناسب أكثر من فلسطين. إن مشاكل دولية جديدة سوف تترتب على زيادة عدد السكان اليهود هناك، وسيتصدى كاثوليك العالم لهذا الأمر" (٢). غير أن الصهيونية المسيحية كانت أقدر على انتزاع موقف من الكونجرس، "يدعو فيه الإدارة الأمريكية إلى بذل جهودها لاتخاذ كل الإجراءات اللازمة لفتح

стр. 37

أبواب فلسطين أمام اليهود، وإفساح المجال أمامهم لاستعمارها بحيث يتمكن الشعب اليهودي من إعادة بناء فلسطين كدولة يهودية ديموقراطية حرة". ونتيجة لذلك أوفد الفاتيكان في عام ١٩٤٤م إلى الولايات المتحدة المونسينيور (توماس ماكماهون) ليحذر من خطر خضوع الغرب إلى المطالب الصهيونية بالضغط على المجموعات المسيحية في الشرق. وأكد ماكماهون خلال ذلك أن المسيحيين في العالم يطالبون بصوت واحد، "أن تحافظ أرض المسيح على قداستها وحرمتها". وقبل اعتراف الأمم المتحدة بإسرائيل بأسبوعين وجه البابا (بيوس الثاني عشر) رسالة رعوية في الأول من أيار ـ مايو ١٩٤٨م، قال فيها: " في الوقت الحاضر هناك قضية أخرى تحزننا وتدمي قلوبنا. إننا نعني بذلك قضية الأماكن المقدسة في فلسطين التي تعرضت منذ وقت طويل لأحداث محزنة والتي تؤدي يومياً إلى عمليات قتل وتدمير، ومع ذلك فإذا كان هناك جزء من العالم عزيز على ضمير كل إنسان واع ومتحضر، فإن هذا الجزء هو فلسطين .. " ثم دعا المؤمنين إلى تخصيص الصلاة في شهر أيار ـ مايو " لتسوية قضية فلسطين على أساس المساواة حتى يسود السلام والتفاهم" (١). وهكذا احتلت الكنيسة الكاثوليكية، موقعاً أمامياً في التصدي للحركة الصهيونية منذ البداية. فالفاتيكان الذي لم يعترف حتى اليوم بإسرائيل اعترافاً قانونياً، يعارض أهداف الحركة الصهيونية اليهودية، ويعارض هجرة اليهود إلى فلسطين. ولا ينتقص من دور الفاتيكان في التصدي للحركة الصهيونية، وثيقة التبرئة التي صدرت في عام ١٩٦٣. "فالمعروف أن البابا (غريغوري الثالث عشر) أصدر حكم الإدانة ضد اليهود في العام ١٥٨١م، ولم يرفع هذا الحكم إلا مؤخرا في عام ١٩٦٠م عندما كلف البابا (يوحنا الثالث والعشرون) الكاردينال (بيا) إعداد مسودة نص مجمعي عن اليهود، يزيل عنهم تهمة قتل المسيح، حيث نشر نص هذه الوثيقة في عام ١٩٦٣" (٢).

стр. 38

وقد أثارت هذه الوثيقة احتجاجات واسعة في البلدان العربية وبرزت أصداؤها من خلال مناقشات ومداخلات واعتراضات أساقفته هذه البلدان المشتركين في المجمع، "حيث أظهرت المناقشات مقاومة قوية من بطريرك إنطاكية للكاثوليكية (طبوني) وبطريرك الأقباط الكاثوليك (اسطفانس الأول)، يؤازرهما عدد لا بأس به من أساقفة الكاثوليك الشرقيين، الذين اجمعوا على أن التطرق إلى موضوع اليهود ونفي التهمة التاريخية عنهم قد يؤدي إلى الاعتراف بدولة إسرائيل من قبل الفاتيكان من جهة، وقد يخدم مصلحة اليهود سياسياً في نزاعهم مع العرب من جهة ثانية. أما بطريرك الروم ـ الكاثوليك مكسيموس الرابع فقد أشار إلى أن المسودة المقترحة (عن اليهود) يمكن أن تقر وتصدر فقط في حال إذا كانت الكنيسة ستتحدث عن ديانات أخرى، بما في ذلك الإسلام" (١). ولكن بالرغم من هذه الاحتجاجات فقد صدرت هذه الوثيقة مسدلة الستار على فصل مهم من فصول النزاع اليهودي المسيحي في تلك الفترة، بعد أن أفضت إلى تبرئة اليهود من دم المسيح. وهنا لا بد أن نشير إلى أمر مهم وهو أن صدور هذه الوثيقة لا يشكل تغييراً جوهرياً في نظرة الكنيسة الكاثوليكية لليهود أو تغييراً في العقيدة الكاثوليكية. فالهدف الذي بسببه صدرت الوثيقة، كان لرد الهجوم العنيف الذي تعرضت له الكنيسة الكاثوليكية من الصهيونية وأعوانها، بدعوى أن الاضطهاد الذي تعرض له اليهود في أوروبا كان بسبب تلك الإدانة التي صدرت قبل أربعة قرون والتي تحمل اليهود مسئولية قتل المسيح. وهنا لا يمكن لأي إنسان عاقل أن يدعي أن تلك الإدانة كانت صحيحة أو أنها تعتبر جزء جوهري من العقيدة المسيحية. وبالتالي فإن التخلي عنها أو إلغائها لا يعتبر تحولاً كبيراً في نظرة الكاثوليك لليهود وعلاقتهم بإسرائيل. فالوثيقة لم تنكر أن اليهود تآمروا على قتل المسيح، ولكنها تنكر أن يتحمل اليهود كشعب ذنب هذا التآمر على مر التاريخ وتعاقب عليه الأجيال بعد الأجيال. مما تقدم يتضح لنا الموقف المتشدد للكنيسة الكاثوليكية من الحركة الصهيونية ودولة إسرائيل، والذي لم يترك إي أمل في إعادة بعث اليهود، أو عودتهم وتملكهم لأرض فلسطين من جديد، حيث انعكس ذلك على موقف أتباعها في

стр. 39

العالم، الذين نجد تعاطفهم مع القضية الفلسطينية واضحاً في البلدان الكاثوليكية في أمريكا اللاتينية وإيطاليا وفرنسا وأسبانيا .. الخ. موقف البروتستانت من اليهود عندما ظهر المذهب البروتستانتي على يد (مارتن لوثر) في القرن السادس عشر، قلب الموقف الكاثوليكي رأساً على عقب، من خلال التغيرات اللاهوتية التي جاء بها والتي روجت لفكرة أن اليهود أمة مفضلة وأكدت على ضرورة عودتهم إلى أرض فلسطين، كمقدمة لعودة المسيح المنتظر وبزوغ فجر العصر الألفي السعيد. وقد كان من أهم الأسباب التي أدت إلى حدوث هذه التغيرات اللاهوتية، هو ما دعا إليه لوثر من وجوب إقامة الحقيقة الدينية على أساس الفهم الشخصي دون الخضوع لفهم رجال الدين لها. فأصبح كل بروتستانتي حر في دراسة الكتاب المقدس وتفسيره، واستنتاج معنى النصوص بشكل فردى مع عدم الاعتراف بأن فهم الكتاب المقدس وفقاً على رجال الكنيسة وحدهم. وهذا الوضع أدى إلى فتح الباب على مصراعيه أمام أصحاب البدع والأضاليل، مما أدى إلى تعدد الفرق البروتستانتية نفسها حتى وصل عددها الآن إلى أكثر من ٢٠٠ فرقة في مذهب لم يتعدَ وجوده أكثر من أربعة قرون! (١). كما أنه في ظل هذا المذهب ازداد الاهتمام بالعهد القديم (التوراة) تحت شعار العودة إلى الكتاب المقدس باعتباره مصدر العقيدة النقية، مع عدم الاعتراف بالإلهامات والتعاليم غير المكتوبة التي يتناقلها الباباوات الواحد عن الآخر، والتي تعتبر مصدراً مهماً من مصادر العقيدة المسيحية. وهكذا أصبح العهد القديم يشكل جزءاً مهماً من مصادر العقيدة البروتستانتية، فأصبح هو المرجع الأعلى للسلوك والاعتقاد، ومصدراً للتعاليم الخلقية والمعلومات التاريخية أيضاً، حيث أن العهد القديم يتكون من ٣٩ سفراً يذهب أغلب الباحثين إلى أنه لا يمكن نسبة إلا خمسة أسفارـ تجاوزاً ـ إلى سيدنا موسى، أما الباقية فهي عبارة عن سجل لتاريخ بنى

стр. 40

إسرائيل في فلسطين، بالإضافة إلى بعض الأسفار والنبوءات التي كتبها حاخامات اليهود على فترات متفاوتة من الزمن. وفي ظل هذا الوضع أصبح العهد القديم مصدراً مهماً للمعلومات التاريخية عند العامة، حيث اقتصر تاريخ فلسطين على القصص المتعلقة بالوجود اليهودي فيها دون غيرها، وبالتالي أصبح البروتستانت مهيئين للاعتقاد بأنه لم يكن في فلسطين إلا الأساطير والقصص التاريخية الواردة في العهد القديم، حيث كان يبدو وكأنه لا وجود للشعوب الأخرى التي عاشت في فلسطين. وهكذا رسخت في أذهان البروتستانت فكرة الرابطة الأبدية بين اليهود وفلسطين باعتبارها وطنهم القومي الذي أٌخرجوا منه، والذي يجب أن يعودوا إليه طبقاً للنبوءات الواردة في العهد القديم. كما أن حركة الإصلاح الديني أعطت وزناً كبيراً للغة العبرية باعتبارها اللغة الأصلية للكتاب المقدس. فلكي يفهم المؤمنون كلمة الله بشكل صحيح لا بد لهم من معرفة اللغة الأصلية التي كتب بها، وبالتالي أصبح العلماء والمصلحون وحتى العامة منكبين على دراسة اللغة العبرية وتعلمها. وهكذا يمكننا تقدير الخدمة التي قدمها لوثر لليهود، حيث أعاد بعثهم من جديد وأكد على وجوب عودتهم إلى أرض فلسطين، كمقدمة لعودة المسيح المنتظر. لهذا فإن الكنيسة الكاثوليكية كانت تصفه "بأنه يهودي أو نصف يهودي ـ متهود" وكان الكاثوليك يقولون: "أن لوثر من أصحاب البدع والأضاليل وإنه وأمثاله زاغوا عن طريق الإيمان" (١). كما أن كثيراً من الباحثين يذهبون إلى القول بأن المذهب البروتستانتي أصلاً من صنع اليهود والماسون حيث يقول عبد الله التل في كتابه (جذور البلاء): "وجدت الماسونية في البروتستانتية خير سند لها في حربها ضد الكتلكة، وتبادل الفريقان الخدمات، الماسون يساندون البروتستانت لإذكاء الحرب بين الفرق النصرانية، والبروتستانت ينخرطون في محافل الماسون للإستفاده من نشاطهم السري ومؤامراتهم ودسائسهم" (٢). ويقول عبد الله الزغبي في كتابه (الماسونية في العراء): "لقد ضرب التخطيط اليهودي بالحركة اللوثرية حجراً فأصاب به عصافير:

стр. 41

١ـ أصاب الكرسي البابوي في أكرم أبنائه. ٢ـ استغل الدين للمصلحة اليهودية استغلالاً فجاً بعد أن ربط العهد الجديد بالعهد القديم. فقد كان العهد القديم قبل لوثر مهجوراً، مصفداً في أقبية الأديرة، ثم أخذ بالظهور منذ الحركة اللوثرية، وفاز بالترجمة والانتشار لاستغلال ما يرونه مواعيد" (١). ويضيف: "أكاد أجزم أن دماً يهودياً يسرى بعروق لوثر، فقد خدم اليهودية خدمة لا تقدر، حسبه إخراج العهد القديم من الخزائن الرطبة والأقبية المظلمة وترجمته وربطه بالعهد الجديد ليصبح جميع مطالعيه ساعين لتنفيذ العهود التي سطرت بعد إبراهيم بقرون وألصقت به" (٢). ويمكن القول أن جمع الكتابين (العهد القديم والعهد الجديد) في مجلد واحد هو من التحولات البارزة في عالم الأفكار والأديان، حيث إنه مع عصر النهضة وحركة الإصلاح الديني، أخذت التفسيرات الحرفية والشخصية للعهد القديم تنتشر وتسود، وذهب أتباع هذه الحركة إلى الاقتناع بأن ما ورد في العهد القديم هو نبوءة حرفية عن المستقبل. وخرجت من بطن هذه الحركة وتفسيراتها عقائد عبرت عن المدى الذي وصلت إليه عملية تهويد المسيحية، من بينها العقيدة الألفية، "وهى عقيدة تعود في جذورها إلى اليهودية، لكن البروتستانتية أحيتها وجعلتها فكرة مركزية في عقيدتها، وتدور حول عودة المسيح المخلص الذي سيحكم العالم لمدة ألف عام، حيث يسود خلالها السلام والعدل في مجتمع الإنسان والحيوان. وعلى الرغم من أن العهد القديم لم يذكر نصاً حول هذه العقيدة التي تتحدث عن نهاية الأزمنة، فإن عناصر يهودية روجت لهذه العقيدة في عدد من المؤلفات والكتب، تعبيراً عن تطلع يهودي لفكرة الملك المقدس في المستقبل، والذي يأتي علي هيئة ماشيح عبراني، في حين رأت المسيحية التقليدية

стр. 42

في هذه العقيدة نوعاً من الهرطقة والكفر، واعتبرت الكنيسة الكاثوليكية هي مملكة المسيح" (١). وهكذا فإن أهمية الأفكار التي جاءت بها حركة الإصلاح الديني على يد لوثر، تعود إلى أنها مهدت الطريق أمام نفس الأفكار التي نادت بها الحركة الصهيونية في القرن التاسع عشر من خلال تأكيدها على وجود الأمة اليهودية وضرورة بعث هذه الأمة من جديد وكون فلسطين وطناً لليهود. فهذه الأفكار التي أكدتها البروتستانتية لا تختلف كثيراً عن الصهيونية كفكرة "والتي تنطوي في جوهرها على دعوة اليهود للعودة إلى صهيون، أي مناشدة اليهود في العالم للعودة إلى أرض إسرائيل بحدودها التي ورد ذكرها في الكتب المقدسة لدى اليهود" (٢). وهكذا آمن البروتستانت بأن اليهود لابد عائدون إلى الأرض المقدسة كما جاء في النبوءات التوراتية، مما أيقظ قضية انبعاث اليهود وعودتهم الجماعية إلى فلسطين، حيث يظهر المسيح للمرة الثانية، ويحكم لألف عام. وقد آمن بعض البروتستانت بضرورة اعتناق اليهود للمسيحية تمهيدا لقدوم المسيح، وآمن بعضهم بإمكان تحولهم هذا بعد قدومه (٣). وقد أدى انتشار الأفكار المتعلقة ببعث الأمة اليهودية بين معتنقي المذهب البروتستانتي إلى سعى الكثيرين منهم لتحقيقها طبقاً للنبوءات الواردة في العهد القديم، فمع العودة إلى أهمية الكتاب المقدس، قام الإصلاحيون بترجمته إلى لغات عديدة. كما أصبحت العودة إلى التوراة، وهى القسم الأول والأكبر من الكتاب المقدس، أساساً في المفهوم الديني الجديد، ومحورا للتعليم في المدارس. ومع انبعاث التاريخ القديم، بكل تفاصيله وحكاياته التوراتية، تحولت فلسطين في الضمير البروتستانتي من الأرض المقدسة للمسيحيين، إلى أرض الشعب

стр. 43

المختار، حيث "يصر المسيحيون البروتستانت على أن إسرائيل الجديدة، ليست الكنيسة المسيحية كما اعتبرهاـ مجازاً ـ القديس (أوغسطين)، بل هي بنو إسرائيل، المفترض عودتهم إلى فلسطين لإقامة مملكة الله على الأرض جغرافياً وليس مجازاً، وهو ما اعتبروه مقدمة ضرورياً للمجيء الثاني ولتحقيق المملكة الألفية السعيدة (رؤيا الفصل ٢). أما الكنيسة بالنسبة إلى البروتستانت فهي مملكة الله السماوية في حين أن إسرائيل هي مملكة الله الجغرافية على أرض فلسطين وبالتالي أصبح البروتستانت من اشد أنصار إسرائيل حماساً ودعماً لها" (١).

стр. 44

الفصل الثاني بريطانيا والمشروع الصهيوني وطدت حركة الإصلاح الديني أقدامها في إنجلترا منذ أن أنفصل الملك (هنري الثامن) عن كنيسة روما في القرن السادس عشر، "حيث لعب الخلاف بينه وبين كنيسة روما حول طلبه الموافقة على طلاق زوجته دوراً رئيسياً في انتشار البروتستانتية في إنجلترا، مما دفع الملك هنري إلى إصدار أمره الملكي سنة ١٥٣٨م إلى كنائس إنجلترا بإنهاء الوصاية الكهنوتية على الكتاب المقدس وتفسيره، وتمكين كل فرد من المؤمنين من الإطلاع على نصوص الأسفار المقدسة وتفسيرها التفسير الذي يمليه عليه عقله وضميره" (١). كما ساهمت طموحات الطبقة الرأسمالية الناشئة في حدوث هذا الانفصال، حيث كان التجار الأثرياء كارهين أشد الكره لسطوة الكنيسة الكاثوليكية وقيودها على التجارة والمعاملات المالية، وبخاصة فيما يتعلق بمسألة الفوائد على رؤوس الأموال (الربا). "حيث كانوا ضائقين أشد الضيق بما رأوه تدخلاً غير مشروع من جانب بيروقراطية كهنوتية أجنبية في أنشطتهم التجارية ومعاملاتهم المالية ومتضررين مما كانت تفرضه على تلك الأنشطة من ضرائب، فكان دعمهم وترحيبهم بحركة الإصلاح الديني للتخلص من نفوذ الكنيسة الكاثوليكية" (٢). وعلى المستوى الديني, شهدت نهاية الحرب الأهلية ظهور محاولة البيوريتانيين أصحاب المذهب الطهراني في الاستفادة من التسوية الثورية "لغرض استكمال الإصلاح الديني، وإقامة مؤسسة دينية جديدة تستند إلى (البروتستانتية الربانية) ألحقة، تعم كلمتها المملكة وتستبعد الكثلكة مرة وإلى الأبد من الجسم السياسي البريطاني. حيث تم ذلك عند الإطاحة بالملك (جيمس الثاني) الكاثوليكي المذهب، وهربه من البلاد وما تبع ذلك من وضع (لائحة الحقوق) عام ١٦٨٨م، ووضع الإطار

стр. 45

الديني الذي توج في فترة لاحقة بإقرار التسامح الديني التام بين جميع المذاهب" (١). هذه الأمور وغيرها أدت إلى توطيد البروتستانتية أقدامها في بريطانيا، مما انعكس بصوره مباشرة على الموقف من اليهود، حيث ظهرت في بريطانيا، بين عدد من المسيحيين البروتستانت، رجالاً ونساءً، حركة تدعى (حركة العودة)، وهى حركة منطلقة من إيمان المسيحيين بعودة اليهود إلى فلسطين. وقد اعتقد رواد هذه الحركة أن على العالم، أن يساعد اليهود في استعادة فلسطين. وسيتضح أن مشكلة هؤلاء الرئيسية لم تكن في إقناع العالم بل في إقناع اليهود أنفسهم (٢). وقد أسس هذه الحركة عالم اللاهوت توماس بريتمان، حيث لاقت دعوته آذاناً صاغية من الكثير من رجال الدولة الكبار، أمثال القاضي وعضو البرلمان (هنري فنش) الذي أصدر أول كتاب عن الصهيونية في لندن في سنة ١٦٢٨م، وقد كان فنش من المؤمنين بفكرة العصر الألفي السعيد، والتي تعنى عودة المسيح المنتظر، الذي سيقيم مملكة الله في الأرض والتي ستدوم ألف عام، ولابد من عودة اليهود إلى أرض فلسطين كمقدمة لذلك. ثم وصلت حركة الإصلاح الديني إلى ذروتها في إنجلترا في القرن السابع عشر، في عهد ما يسمى بالثورة البيوريتانية، عندما تولى أولفرت كروميل السلطة وأعلن الجمهورية. والحركة البيوريتانية (حركة التطهر) والتي ظهرت وانتشرت في القرنين السادس عشر والسابع عشر الميلاديين، "هي الحركة التي حولت الأفكار والمبادئ الدينية المتعلقة باليهود إلى عقيدة سياسية، أهم أفكارها: فكرة وجود الشعب اليهودي، وفكرة عودة الشعب اليهودي إلى فلسطين، وفكرة ـ استيطانه وسيادته في فلسطين" (٣). ففي عهد البيوريتاريين ازداد الاهتمام بالعهد القديم بشكل كبير، وأصبح كتابهم الوحيد الذي يستمدون منه فلسفتهم وأفكارهم ومعتقداتهم وطريقة

стр. 46

سلوكهم. كما ازداد في عهدهم الاهتمام باللغة العبرية بشكل كبير جداً، "حتى جعلها بعضهم اللغة الوحيدة للصلاة وتلاوة الكتاب المقدس، وأقترح بعضهم أن يتضمن منهج التعليم العام في المدارس الثانوية دراسة العبرية، وظهرت لديهم نزعة التخلي عن المبادئ الخلقية المسيحية واستعاضوا عنها بالعادات والأخلاق اليهودية، بل إن إحدى مجموعاتهم المتطرفة دعت الحكومة الإنجليزية لإعلان التوراة دستوراً للقانون، وذهب بعضهم إلى أبعد من ذلك فأعتنق اليهودية، أما الذين بقوا على مسيحيتهم فقد أخذوا ينظرون بعطف متزايد إلى أولئك الذين أطلقوا عليهم أسم شعب الله القديم "اليهود" (١). وقد انتشرت الحركة البوريتانية بمبادئها وأفكارها، خارج بريطانيا، وكان نشاطها الطويل نواة للاهتمام البريطاني بالمسألة اليهودية. المطالبة بإعادة اليهود إلى فلسطين كان من نتائج انتشار البروتستانتية في إنجلترا، ظهور حركة منظمة تنادى بإعادة اليهود إلى فلسطين. ففي عام ١٦٤٩م قام اثنان من الإنجليز المقيمين في أمستردام برفع عريضة إلى حكومتهم يطلبون فيها بذل جهد مشترك مع هولندا لتوطين اليهود في فلسطين، حيث جاء في العريضة: "ستكون هذه الأمة الإنجليزية مع سكان الأراضي المنخفضة (هولندا) أول الناس وأكثرهم استعدادا لنقل أبناء إسرائيل وبناتها إلى الأرض التي وعد بها أجدادهم إبراهيم وأسحق ويعقوب كإرث باق أبداً" (٢). ولم تكن هذه الأفكار سائدة في إنجلترا وحدها في هذه الفترة، بل إنها امتدت إلى المناطق الأخرى من أوروبا والتي أصبحت البروتستانتية راسخة الأقدام فيها مثل هولندا والدنمرك ومجموعة الدول الاسكندنافية. ولكن بالرغم من أن هذه الأفكار كانت تخبو من حين لآخر، ولاقى الكثير من المؤمنين بها الازدراء والتعذيب، إلا أن الكتابات الكثيرة التي روجت لهذه الأفكار ساعدت على تعزيز فكرة العودة اليهودية إلى فلسطين.

стр. 47

الأفكار الصهيونية تغزو عقول الطبقات المثقفة تأثر كثير من الأدباء والفنانين بأفكار وأساطير العهد القديم، وأصبح مصدر إلهام لكثير منهم "فقد فسحت الأجواء البروتستانتية المجال واسعاً أمام اليهودية لدخول عالم الفن والأدب، وما عادت أهمية التوراة تنحصر في كونها كتاباً دينياً، إذ أضحت مرجعاً لتعليم الأخلاق. وهكذا انطلقت اليهودية مع عصر النهضة لتصبح ركناً أساسيا في الفكر الأوروبي الحديث، ومصدر الهام لشعراء الغرب وأدبائه ورساميه" (١). و"اليوم تضم اكبر متاحف الدنيا وأهمها، اللوحات الزيتية للفنانين المسيحيين البروتستانت، الذين خلدوا مرحلة وهج الإصلاح الديني برسمهم حكايات التوراة وأنبياء التوراة عوضاً عن القديسين. ويحتل (رمبراندت) الرسام الهولندي البروتستانتي مكان الصدارة في بعث المشاهد الإسرائيلية القديمة وشخصياتها. فقد استلهم رمبراندت التوراة عندما رسم العديد من اللوحات لإبراهيم ويعقوب وشاوؤل وشمشون وإستر وداود، كما إنه استلهم الحياة اليهودية المعاصرة، فرسم عروساً يهودية ولوحة ليهودي طاعن في السن" (٢). أما في مجال الأدب فقد أصبح أنبياء اليهود يحتلون بالتدريج مكانة الأبطال اليونانيين الكلاسيكيين في عالم الأدب الغربي. كما شاعت شخصيات العهد القديم في الأعمال الأدبية حتى أن بعض هذه الأعمال حملت أسماء بعض شخصيات العهد القديم، مثل (استر) و (ناتان الحكيم). بالإضافة إلى ذلك ظهر بعض الفلاسفة والعلماء من المؤمنين بضرورة عودة اليهود إلى أرض فلسطين. فقد جاء في كتاب (تعليقات على رسائل القديس بولس) الذي كتبه الفيلسوف الإنجليزي جون لوك، قوله: "إن الله قادر على جمع اليهود في كيان واحد وجعلهم في وضع مزدهر في وطنهم" (٣). كما أن إسحاق نيوتن مكتشف قانون الجاذبية، في كتابه (ملاحظات على نبوءات دانيال ورؤيا القديس جون) "توصل إلى أن اليهود سيعودون إلى وطنهم، وحاول أن يضع جدولاً زمنياً للأحداث

стр. 48

التي ستفضي لذلك، وتوقع تدخل قوة أرضية من أجل إعادة اليهود المشتتين" (١). وكان (جوزيف برستلى ـ مكتشف الأوكسجين) شديد الإيمان بعودة اليهود إلى فلسطين، بشرط تحولهم إلى المسيحية، حيث كان هذا الرأي السائد بين البروتستانت. وهكذا فقد كان القرن السابع عشر هو العصر الذهبي لانتشار الأفكار الدينية المتعلقة بعودة اليهود إلى فلسطين. تغير في الأفكار شهد القرن الثامن عشر فترة عدم استقرار في أوروبا بسبب كثرة الحروب وما تبعها من ثورات، حيث بدأ يظهر تغير في مضامين الأفكار المتعلقة بعودة اليهود إلى فلسطين. فبعد أن كانت هذه الأفكار تحمل الطابع الديني البحت، تسربت إليها الأفكار السياسية، حيث أصبح للقوى الأرضية دور يجب عليها أن تقوم به لكي تعيد اليهود إلى فلسطين، هذا التدخل الذي كان مرفوضاً قبل ذلك حتى من اليهود أنفسهم الذين كانوا يرون أن عودتهم إلى أرض فلسطين لا بد وأن تتم بتدخل قوة إلهية. وربما كانت جماعة حراس المعبد (ناطورى كارتا) من الجماعات القليلة التي بقيت محافظة على هذه العقيدة، حيث ترى هذه الجماعة "أن دولة إسرائيل هي ثمرة الغطرسة الآثمة للكافرين العلمانيين من أتباع الحركة الصهيونية، الذين تحدوا مشيئة الرب بإنشاء الدولة دون انتظار تدخله على شكل معجزة وظهور المسيح المخلص، الذي يعتبر في نظرهم الوحيد القادر على إقامة دولة إسرائيل لتكون مملكة للكهنة والقديسين" (٢). ولهذا "يعتبرون أن قيام الدولة قبل مجيء المسيا ضلال مبين، وإثم عظيم، وقد طلبت الطائفة رسمياً من الرئيس الأمريكي نيكسون بحث طلبها بعودة مدينة القدس إلى العرب. والجدير بالذكر أن أعضاء طائفة ناتوري كارتا (٦٠ ألفا) لا يعترفون بدولة إسرائيل على أساس أن دولة ما تحمل هذا الاسم (لا يمكن أن تنشأ إلا مع عودة المسيح) أي المسيا المنتظر" (٣).

стр. 49

كما أن فكرة تحول اليهود إلى المسيحية كأمر لازم لعودة اليهود إلى أرض فلسطين لم تعد ضرورية، ففي عام ١٨٠٠م نشر (جيمس بيشنو) ـ وهو من المؤمنين بالعصر الألفي السعيد ـ كتابه (عودة اليهود أزمة جميع الأمم) "حيث أعتبر فيه عودة اليهود إلى فلسطين قضية دولية، بالإضافة إلى أنه لم يربط عودتهم بتحولهم إلى المسيحية كما كان سائداً قبل ذلك" (١). وأصبح الاعتقاد السائد بأن اليهود سيدخلون المسيحية بظهور المسيح المنتظر الذي سينقذهم من أعدائهم. اللورد شافتسبرى حمل القرن التاسع عشر تطوراً بارزاً في طبيعة (حركة العودة)، حيث ظهرت جماعات بروتستانتية تعتبر عودة اليهود إلى أرض فلسطين ركناً أساسياً في عقيدتها. ففي هذا القرن شهدت إنجلترا نهضة دينية جديدة مشابهة في مبادئها ومعتقداتها لتلك التي كانت سائدة في عهد الثورة البوريتانية، وكان من أبرز ممثلي هذه الفترة اللورد شافتسبرى الذي كان مؤمناً بضرورة قيام دولة يهودية في فلسطين تحقيقاً للنبوءات التوراتية، حيث عبر عن ذلك بقوله: "إن التطلع إلى المجيء الثاني للمسيح والإيمان بأنه سيحدث قد شكلا المبدأ المحرك والقوة الدافعة في حياتي، نظراً لأني نظرت إلى كل ما يحدث في العالم باعتباره خاضعاً لذلك الحدث العظيم وفي مكانة ثانوية بالنسبة إليه" (٢). لهذا فقد نشر شافتسبرى في عام ١٨٣٩م مقالاً في إحدى الصحف، لخص فيه فكرته عن العودة اليهودية، التي تقوم على أساس تدخل البشر لتحقيق نبوءات العهد القديم المتعلقة بعودة اليهود إلى فلسطين. كما تقدم اللورد شافتيسبرى بمشروع إلى وزارة الخارجية البريطانية لاستيطان اليهود في فلسطين، على أن يخضعوا للحكم القائم في البلاد، وطالب بضمانات من الدول الأربع الكبرى. وبالرغم من أن مشروع شافتيسبرى لم ينجح، إلا أن صاحبه لم يعرف اليأس، وانتظر مناسبة أخرى. فلما كانت حرب القرم بين العثمانيين والروس على وشك

стр. 50

الوقوع سنة ١٨٥٤م، سجل في مذكراته "أن المنطقة في غليان، وأنها مقبلة على تغيرات، وأن عدداً كبيراً من المناطق سيصبح بلا حكام. ولما تساءل عن القوة التي يمكن إعطاؤها فلسطين، وهل ستكون لهولندي أم إحدى دول الشرق؟ رد على تساؤله بنفسه في مذكراته، كالآتي: "لا. لا. لا. هناك بلد بلا شعب، والله يوجهنا الآن بحكمته ورحمته نحو شعب بلا وطن". وقد تبنى الصهاينة فيما بعد هذه الجملة وأصبحت من أول الشعارات الصهيونية، "أرض بلا شعب، لشعب بلا أرض" (١). فقد كان شافتسبرى يعتقد أن فلسطين بلداً مهجوراً من السكان، وكان كغيره من المتدينين البروتستانت الذين "نظروا إلى فلسطين من زاوية أنها ارض التوراة وعهد التوراة، وما رأوا فيها شيئاً غير ذلك، حيث أنهم أرادوا بعث الماضي حياً أمام أعينهم، وهذا ما دعاهم، بوعي منهم وبلا وعى، إلى إغماض عيونهم عن كل ما لا يريدون رؤيته" (٢). ومن أهم الأعمال التي قام بها شافتسبرى تأسيسه صندوق استكشاف فلسطين في عام ١٨٦٥م، حيث قال في الخطاب الافتتاحي الذي ألقاه بمناسبة تعينه رئيساً للصندوق: "دعونا لا نتأخر في إرسال أفضل العلماء لتنقيب طول فلسطين وعرضها ولمسح الأرض وتغطية كل زاوية فيها إذا أمكن، ولتجفيفها وقياسها، أي إذا شئتم لإعدادها من أجل عودة مالكيها القدماء. إذ ينبغي علىّ أن أعتقد بأنه لن يطول الزمن كثيراً قبل أن يقع هذا الحدث العظيم" (٣). واعتقاد شافتسبرى وغيره عن أرض فلسطين بأنها أرض خالية، يخالف الواقع الذي يحاول الصهاينة طمسه لأغراض دعائية. فهذا السير مونتفيور ـ وهو من المؤمنين بضرورة إعادة اليهود إلى أرض فلسطين ـ والذي زار منطقة صفد في عام ١٨٣٩م يقول: "إنه رأى مساحات من أشجار الزيتون عمرها -على ما أعتقد- يزيد عن ٥٠ سنة، وكروماً ومراع شاسعة وآبار كثيرة، وكذلك التين والبندق والليمون، والتوت وغيرها ... الخ ... وحقولاً غنية بالقمح والشعير والعدس" (٤). ولكن شافتسبرى وغيره

стр. 51

أرادوا من خلال زعمهم السابق، إقناع الحكومة الإنجليزية والشعب الإنجليزي بالدرجة الأولى، بوجوب الإسراع بتوطين اليهود في فلسطين والإعداد لذلك عن طريق إنشاء مزيد من الجمعيات والمنظمات التي تقوم بإجراء الأبحاث والدراسات حول فلسطين. وفعلاً فقد شهد القرن التاسع عشر الميلادي زيادة كبيرة في عدد الجمعيات والمنظمات التي تدعى أنها تهدف إلى استكشاف فلسطين وتطويرها، وكأن هذه الأرض خالية من السكان!! ولهذا فقد تعرضت فلسطين منذ أواخر القرن الخامس عشر -كغيرها من بلاد المشرق الغنى بتاريخه وآثاره- "لرحلات متعددة قام بها رحالة وعلماء أجانب، أفراداُ وجماعات. إلا أن فلسطين قد لاقت ـ من دون سائر بلاد الشرق ـ اهتماماً خاصاً، لكونها أرض التوراة ومهد المسيح، فتوجهت إليها أنظار اللاهوتيين والعلماء لدراسة أرضها وتربتها ومناخها وآثارها، وللتنقيب عن أي أثر أو دليل يعود إلى العهد التوراتي" (١)، حيث كانت الدوافع الدينية ـ أحيانا ـ وحدها البارزة وراء البعثات الاستكشافية. ومن ابرز الأمثلة، الأمريكي (إدوارد روبنسون) الذي ابتدأ يعمل مع تلميذه وصديقه (إيلى سميث) في منطقة القدس منذ سنة ١٨٣٨م. وقد اعترف منافسه السويسري تيتس توبلر بأن أعمال روبنسون، في جغرافية فلسطين، تتجاوز في أهميتها أعمال السابقين جميعاً. أما الكابتن (ويلسون)، وقد كان من المتطوعين الأوائل منذ سنة ١٨٦٦م لعمليات المسح في القدس وضواحيها، فقد كان يعلن أمام الجميع العطف الكبير الذي كان يحمله دوماً لاستيطان اليهود في فلسطين. كذلك كان يعلن زميله (كيتشنر) صراحة أن عمله في فلسطين ليس كباحث آثار فقط، وإنما كرجل سياسي أيضا، لذلك، فهو يتفحص البلاد أرضها وتربتها تمهيدا للاستيطان اليهودي وللمستقبل المشرق الذي يبدو أن فجره سوف يطل على هذه الأرض. ولكن يبقى الاسم الأول البارز بين هؤلاء اسم الكابتن كلود كوندر (١٨٤٨ـ١٩١٠م)، ويعود ذلك إلى حماسته الصهيونية التي لا حد لها، والى العمل الذي قام به، برسم خريطة مفصلة تشمل فلسطين كلها، وقد سميت حينئذ

стр. 52

فلسطين الغربية. أما فلسطين الشرقية (الأردن حالياً) فقد كانت هي الأخرى هدفاً للاستيطان اليهودي، وكانت مهمة (كوندر) الأساسية أن يضع على الخريطة الأماكن التوراتية، وان يرسم الحدود لقبائل بنى إسرائيل الاثنى عشر وقد أتاح هذا العمل الفرصة لكوندر كي يتعرف على فلسطين أكثر من غيره. وقد نشر العديد من الكتب والمقالات عن تاريخ فلسطين وحاضرها ومستقبلها، فكان أكثر كاتب بريطاني (صهيوني) إنتاجاً، وهو الذي وصفه المؤرخ اليهودي (سوكولوف) بأنه أفضل عالم وخبير بفلسطين في عصره. وحين أعلن هيرتسل قيام الصهيونية رسمياً في بازل، كان كوندر من أوائل الذين اعتنقوها. كما أنه وافق فوراً على خطة لورانس اوليفانت باستيطان اليهود أرض جلعاد، شرقي الأردن، وقدم له خبرته في شؤون الأرض والناس. وهكذا مهدت أعمال بعثة (صندوق استكشاف فلسطين) الذي أنشأه شافتسبرى، بالإضافة إلى شهادات الرحالة والعلماء وكتاباتهم، درباً "واضح المعالم للصهيونية السياسية، كما ساهمت في زرع فكرة فلسطين الكبرى التي أصبحت إسرائيل الكبرى" (١). وبالرغم من أن شافتسبرى كان من أبرز المهتمين بعودة اليهود إلى أرض فلسطين في القرن التاسع عشر الميلادي، إلا أن ـ هناك ـ كثيراً من ذوى المكانة والنفوذ عملوا جادين لتحقيق هذا الهدف. فقد كان هناك نبلاء بريطانيون وعلى رأسهم (دوق كنت) وكثير من أعضاء مجلس اللوردات، بالإضافة إلى أدباء وشعراء عبروا عن عطفهم وإعجابهم بالشعب اليهودي ودعوه للعودة إلى أرضه في فلسطين؟ ولم يكن شافتيسبرى ـ بحماسته اللامحدودة ـ نسيجاً وحده، بل كان واحداً من مجموعة من كبار الإنكليز الذين صرفوا جل اهتمامهم وعملهم، في العقدين الخامس والسادس من القرن التاسع عشر الميلادي، من أجل إعادة اليهود إلى فلسطين. ومن هؤلاء البارزين الكولونيل (تشارلز هنري تشرشل) الذي كان قنصلاً سابقاً لبريطانيا في دمشق. "فقد كان من كبار المتحمسين للدولة اليهودية، ومن المؤمنين بأن مهمة بريطانيا التاريخية أن تقود اليهود المعذبين في عودتهم إلى وطنهم الأصلي. فقد بعث الكولونيل تشرشل برسالة إلى السير (موسى

стр. 53

مونتفيورى)، أحد أقطاب اليهود الأثرياء، يناشده فيها أن يأخذ اليهود قضيتهم على عاتقهم، وهذا أمر لابد منه، إذ تبقى لليهود خطوة البداية. وليتقدم الحركة الأشخاص اليهود البارزون في مجتمعهم. فليجتمعوا، وليتفقوا وليقدموا العرائض. وقد فاقت حماسة تشرشل الإنكليزي عشرات المرات حماسة اليهود الذين كان يخاطبهم. فقد كانت أقصى ردة، لمونتفيورى على حماسة تشرشل، انه اكتفى ذات مرة بإعطائه مبلغاً من المال كي يوزعه على فقراء اليهود لدى عودته إلى الشرق. أما ردة فعل مجلس ممثلي اليهود في لندن، على رسالة مماثلة، فقد كانت في منتهى البرودة والحذر، وتذرع المجلس بضرورة استشارة اليهود في كل أوروبا" (١). أما الكولونيل (جورج غولير)، الحاكم البروتستانتي السابق في جنوب استراليا، فقد كان يعتبر أيضاً من أبرز هؤلاء المنادين بعودة اليهود إلى فلسطين، بمساعدة بريطانيا. فمنذ عودته من استراليا إلى بلده، كرس نشاطه للمسألة اليهودية، وقد تفوق على رفاقه لكونه خبيراً بالإدارة، وخبيراً بالاستعمار ووسائله، حيث قال في تقديمه لمشروعه الصهيوني: "إنني بفضل العناية الإلهية ... تمكنت من تأسيس أروع مستعمرة ظهرت حتى الآن في العالم كله. ولذلك فإنني أطمح جاداً إلى أن أصبح مستشاراً في شأن تأسيس أهم مستعمرة يمكن للعالم أن يشهدها ـ أول مستعمرة يهودية في فلسطين" (٢). اليهود في الأدب الإنجليزي أنعكس التعاطف مع اليهود وآمالهم في العودة إلى فلسطين على الأدب الإنجليزي ـ كما أشرنا سابقاًـ حيث أصبح أنبياء اليهود يحتلون بالتدريج مكانة الأبطال اليونانيين الكلاسيكيين في عالم الأدب الغربي، وحتى اليهود باتوا يصورون كشخصيات متميزة. وجاءت مرحلة حل الأدب فيها مكان النهج الديني، ولمعت أسماء عديدة من الشعراء والأدباء الذين انصرفت أقلامهم إلى وصف الشخصيات والصفات

стр. 54

اليهودية. وقد فاقت حماسة البعض منهم في تأييده عودة اليهود إلى فلسطين، كل تصور. فحتى بداية القرن التاسع عشر كان اليهودي يصور في القصص الإنجليزي، إما على صورة (شايلوك) (١) أو (اليهودي التائه)، "غير أن روايتي (هارنغتون) التي صدرت عام ١٨١٧ لماريا ادجورت، و (ايفنهو) ١٨١١م، للسير (والتر سكوت) قدمتا مفهوماً جديداً لليهودي بإبرازه على أنه شخصية طيبة، حيث وجدت ثمة بادرة عابرة حملت بذرة هذا التغيير في رواية طوباياس كوليت (مغامرات فرديناند كونت فادم ـ ١٧٥٣) التي قدمت ميتاسا على أنه إسرائيلي سخي يمارس فعل الخير مع كلٍّ من اليهود والأمميين بطريقة سوية" (٢). وقد ساهم في هذا التغيير عدد من الشعراء الكبار أمثال (جون ملتون، وكوليريدج، واللورد بايرون، ووليان بليك، ووليام وردزوورث، وروبرت براونينغ). "وكان من الروائيين (والتر سكوت) الذي ابتدع شخصية ربيكا في روايته الشهيرة (آيفنهو)، و (اسكندر دوماس) الابن الذي نادى بلسان إحدى بطلاته المسرحيات بوطن دائم للشعب اليهودي. أما (دزرائيلى)، الذي أصبح رئيسا للوزراء في بريطانيا، فقد ألف العديد من الروايات، تضمنت اثنتان منها، محتوى سياسياً صهيونياً واضحاً. وقد كان دزرائيلى من كبار المتحمسين للصهيونية" (٣). وعندما جاء النصف الثاني من القرن التاسع عشر الميلادي تبنى كلاً من (روبرت براونتج) و (جورج اليوت)، قضية عودة اليهود إلى فلسطين. "فقد جاء في قصيدة براوتنج (يوم الصليب المقدس) عام ١٨٥٥ قوله: سيرحم الله يعقوب وسيرى إسرائيل في حماه

стр. 55

عندما ترى يهودا القدس سينضم الغرباء وسيتشبت المسيحيون ببيت يعقوب هكذا قال النبي وهكذا يعتقد الأنبياء" (١). أما جورج اليوت، فقد كتبت في عام ١٨٧٤م رواية (دانيال ديروندا)، حيث تعتبر هذه الرواية أول رواية صهيونية ـ ولو جزئياً ـ في تاريخ الأدب الإنجليزي. "وقد اعتبرت انسيكلوبيديا الصهيونية وإسرائيل أن رواية دانيال ديروندا كانت مقدمة أدبية لوعد بلفور" (٢). "فإمكانية وجود أنبياء وقادة بين اليهود على غرار العهد القديم، تبدو واضحة فيها، وكذلك تظهر الشخصية اليهودية والتراث اليهودي في أعلى مجدها وشاعريتها. كما أن هدف إنشاء جمهورية يهودية بحته مرسوم ليس فقط كإمكانية وإنما كواجب" (٣). فالكاتبة جعلت من دانيال بطلاً صهيونياً يكتشف بنفسه قوميته وإرثه اليهودي، حيث يقول ديروندا بعد لقائه بموردخاى: "إن الفكرة التي تتمكن منى هي استعادة وجود سياسي لشعبي، جعلهم أمة أخرى، إعطائهم مركزاً قومياً، مثلما للإنجليز. إنها مهمة تتقدم إلىّ كواجب ... وأنا مصمم على تكريس حياتي لها، على الأقل قد أتمكن من إيقاظ حركة في العقول الأخرى مثلما أوقظت في عقلي" (٤). أما اللورد (بايون) فقد اختصر قضية عودة اليهود إلى فلسطين والأفكار التي سيطرت على عقول الأدباء والمفكرين البروتستانت، في بيتين من الشعر، حيث قال في مؤلفه (الألحان العبرية): حتى الحمامة وجدت لها عش .. عرين لكل رجل ..

стр. 56

وصخره لكل أرنب .. ولليهود ـ قبر فقط" (١). السياسيون والبعث اليهودي بالإضافة إلى هذا الاهتمام بالبعث اليهودي من قبل رجال الدين والأدباء والذي كان مبني على أسس دينية، برز اهتمام آخر في القرن التاسع عشر الميلادي، اصطبغ بالصبغة السياسية، حيث أصبح الوجود اليهودي في فلسطين له أهمية سياسية بالنسبة لإنجلترا لكي تستطيع حماية مستعمراتها فيما وراء البحار، وأصبحت السلطتان الدينية والدنيوية تتاجران بضرورة عودة اليهود إلى فلسطين. وهكذا تم خلال هذا القرن ربط الأفكار الدينية مع المتطلبات السياسية للإمبراطورية البريطانية، ومنذ ذلك الحين بدأ ما وصفه دافيد بولك "بالاتحاد العجيب بين السياسة الإمبراطورية ونوع من الصهيونية المسيحية الأبوية التي تتجلى في السياسة البريطانية فيما بعد" (٢). فقد كانت سياسة بريطانيا تجاه فلسطين في هذا الوقت، تغذيها عدة عوامل أهمها: ١ـ محاولتها الحفاظ على ميزان القوى في أوروبا. ٢ـ تأمين تجارتها مع الهند المهددة من فرنسا وروسيا. ٣ـ الحد من طموحات محمد على في توسيع دولته. كما أن بريطانيا كانت مهتمة بالشرق الأوسط وبخاصة فلسطين لأهميتها الإستراتيجية للإمبراطورية البريطانية. ولذلك سعت لكي توجد لها موطئ قدم في هذه المنطقة الإستراتيجية، فكانت بحاجة إلى من تحميه في هذه المنطقة ليرعى مصالحها، وليكون ذريعة لتدخلها في المنطقة عندما تجد أن هذه المصالح في خطر. فقد كانت فرنسا تتمتع بنفوذ في المنطقة باعتبارها حامية المسيحيين الكاثوليك، وكانت روسيا قد حصلت على حق حماية مصالح الرعايا الأرثوذكس. لهذا سعت بريطانيا للتحالف مع الدولة العثمانية ودعمها لكبح جماح الأطماع التوسعية الروسية

стр. 57

والفرنسية، وطموحات محمد على في بلاد الشام. وقد كانت بريطانيا تعتقد أن توطين اليهود في فلسطين هو الذي يمكن أن يحقق هذا الهدف. اللورد بالمستون عندما تولى اللورد بالمستون وزارة الخارجية في عام ١٨٣٠م كان أهم نصير سياسي لمشروع اللورد شافتسبرى الخاص بإعادة اليهود إلى فلسطين، هذا بالرغم من أنه لم يكن بروتستانتياً مؤمناً ولم يكن من الرجال الذين تؤثر فيهم الأفكار الدينية. إلا أنه كان سياسياً محنكاً، حيث أدرك ما فعلته الأفكار البروتستانتية المتعلقة بعودة اليهود إلى أرض فلسطين، من آثار في الرأي العام البروتستانتي. ولذلك كانت خطوته الأولى افتتاح قنصلية بريطانية في القدس في عام ١٨٣٨ م بناءً على إلحاح اللورد شافتسبرى، وقد كانت تعليمات بالمستون للقنصل الجديد تنص على أن من بين مهامه حماية كل اليهود المقيمين في فلسطين. وقد قام اللورد شافتسبرى بوداع القنصل الجديد حيث عبر في مذكراته الخاصة بالمناسبة، عن أمله بأن يأتي اليوم الذي ستحفر فيه فلسطين وتنقب، ويوم ذاك "تبرهن الأرض المقدسة على مصداقية التوراة وصحتها" (١). لقد كان بالمستون يرى أن استيطان اليهود في فلسطين سيحقق للمصالح البريطانية مكسبين: الأول: إرضاء الرأي العام البروتستانتي المتدين الذي يتشوق إلى إعادة اليهود إلى فلسطين، مما سيساهم في إيجاد مجموعة موالية لبريطانيا في منطقة ليس لها فيها من يواليها. الثاني: أن استيطان اليهود في فلسطين، وتدفق أموالهم إليها، سيدعم تركيا المنهارة والتي سعى بالمستون إلى تجديد شبابها لكي تستطيع الوقوف في وجه

стр. 58

الأطماع الروسية والفرنسية من جهة، ومحاولات محمد على الاستيلاء على بلاد الشام من جهة أخرى (١). لهذا فقد حاول بالمستون استغلال النفوذ البريطاني لدى الباب العالي على أثر التدخل الإنجليزي الناجح ضد حملة إبراهيم باشا في بلاد الشام ـ هذا التدخل الذي أدى إلى فشل هذه الحملة ـ أراد بالمستون استغلال هذا النفوذ؛ لكي يحث السلطان على القيام بعمل ملموس لتوطين اليهود في فلسطين. ففي عام ١٨٤٠م وجه بالمستون رسالة إلى السفير الإنجليزي في القسطنطينية قال فيها: "لا تتوانى عن متابعة نصحي للباب العالي بدعوة اليهود للعودة إلى فلسطين. إنك لا تدرى مدى ما سيثيره مثل هذا الإجراء من اهتمام المتدينين في هذا البلد بقضية السلطان. إن نفوذهم كبير واتصالاتهم واسعة، فضلاً عن ذلك، فإن هذا الإجراء في حد ذاته سيكون ذا فائدة كبيرة للسلطان، إذ سيجلب إلى ملكه عدداً كبيراً من الأثرياء الرأسماليين الذين سيوظفون الناس ويثرون الإمبراطورية" (٢). وهكذا نرى أن بالمستون كان مدفوعاً لتوطين اليهود في فلسطين بدافع سياسي وبدافع ديني ـ لإرضاء الرأي العام المتدين، صاحب النفوذ. فبالمستون لم يكن بوسعه أن يهمل ضغوط الرأي العام البروتستانتي الذي يؤيد إقامة دولة يهودية في فلسطين. "ففي عام ١٨٣٩م تلقى بالمستون مذكرة من هنرى اسن، سكرتير البحرية البريطانية، رفعها نيابة عن الكثيرين ممن ينتظرون تحرير إسرائيل. وكانت المذكرة موجهة إلى كل دول شمال أوروبا وأمريكيا البروتستانتية، وتطالب الحكام الأوربيين بأن يقتدوا بقورش وينفذوا إرادة الله عن طريق السماح لليهود بالعودة إلى فلسطين. وقد قام بالمستون برفع المذكرة إلى الملكة فكتوريا التي كانت معروفة بورعها" (٣). ولم يكن بالمستون، الوحيد في وزارة الخارجية، المؤمن بأهمية توطين

стр. 59

اليهود في فلسطين من الناحيتين السياسية والدينية، بل إن هناك الكثيرين غيره كانوا يوافقونه وجهة النظر هذه، أمثال إدوارد متفورد ولورانس اوليفرنت وغيرهما. القس وليام هشلر كان القس هشلر، الذي كان يعمل ملحقاً في السفارة البريطانية في فينا، من أكثر المتحمسين لفكرة إعادة اليهود إلى فلسطين في نهاية القرن التاسع عشر. "فقد قام في عام ١٨٨٢ بعقد مؤتمر مسيحي في لندن، دعا إليه كبار المسيحيين للنظر في توطين اليهود المهاجرين من رومانيا وروسيا في فلسطين" (١). وقد زار هشلر فلسطين أكثر من مرة وألف في عام ١٨٩٤م كتاباً بعنوان (إعادة اليهود إلى فلسطين حسب نبوءات الأنبياء) حيث توصل فيه من خلال بعض الحسابات إلى أن اليهود سيعادون إلى فلسطين في عام ١٨٩٧ـ ١٨٩٨ م. كما أن القس هشلر نشر مقالاً في العدد الأول من صحيفة (دى فلت) اليهودية، أختتمه بقوله: "أفيقوا يا أبناء إبراهيم، فالله ذاته الأب السماوي، يدعوكم إلى الرجوع إلى وطنكم القديم" (٢). وأثناء عمل هشلر في السفارة البريطانية في فينا، قدم له أحد أصدقائه كتاب (الدولة اليهودية لهرتزل) فلم يكد هشلر يفرغ من قراءة الكتاب حتى هرع إلى سفير بلاده قائلاً: "إن الحركة التي قدرها الله من قبل قد جاءت" (٣) - يقصد الحركة الصهيونيةـ وبعد قراءته الكتاب طلب عقد لقاء مع هرتزل، حيث استطاع هرتزل بفضل هذا اللقاء، مقابلة قيصر ألمانيا، والذي كان يأمل منه أن يستغل نفوذه لدى الباب العالي ليقنعه بتوطين اليهود في فلسطين، ولكن هذا المسعى لم ينجح بسبب رفض السلطان عبد الحميد لذلك.

стр. 60

الفصل الثالث ظهور الحركة الصهيونية بالرغم من أن الكتابات والدراسات المتعلقة بالحركة الصهيونية احتلت حيزاً كبيراً في الأدبيات العربية خلال القرن الحالي، إلا أنها في أغلبها لم تستطع وضع هذه الحركة في حجمها الطبيعي، وبيان دورها الحقيقي في قيام إسرائيل، حيث يعزو معظم الكتاب والمحللين ـ المهتمين بالقضية الفلسطينية ـ للحركة الصهيونية، القيام بالدور الرئيس في إقامة دولة إسرائيل، ويضفون على زعماء هذه الحركة هالة من العبقرية والدهاء والقدرة على المناورة واستغلال الفرص، واستعمال وسائل الضغط المختلفة على الحكومات وصانعي القرار، من خلال ما يقال عن سيطرة اليهود واللوبي الصهيوني على وسائل الإعلام والاقتصاد العالمي. واعتقد ان ما عرضنا له في السابق يكشف ولو جزئياً زيف هذه الدعاوى ويكشف ان دور الحركة الصهيونية وزعمائها لم يكن في أحسن الأحوال إلا كصدى للأفكار التي انتشرت بين المسيحيين البروتستانت. ولذلك فإنه ليس من المغالاة في شيء القول "بأن الصهيونية غير اليهودية، كانت قد انتشرت في أوروبا، ووصلت فكراً وتخطيطاً إلى أعلى مراحل الصهيونية ـ أي مشروع الدولة ـ بينما كان اليهود أنفسهم، سواء في أوروبا الغربية أو أوروبا الشرقية، لا يزالون خارج النشاطات الصهيونية، وفي الكثير من الأحيان كانوا يقفون ضدها، كان بعضهم لا يستوعبها عقلياً، وبعضهم يرفضها دينياً أو نفسياً، وبعضهم لم يسمع بها بعد. ويمكن القول، بصورة عامة، إن اليهود كانوا آخر من اكتشف الصهيونية في أوروبا" (١). ويؤكد هذه الحقيقة رئيس الوزراء الإسرائيلي (نتنياهو) بقوله: "كان التأييد للفكرة الصهيونية، منذ البداية بين من هم غير يهود، اكبر بكثير منه في الأوساط اليهودية" (٢). وقد لاحظنا من خلال العرض السابق كيف أن المسيحيين البروتستانت بدؤوا يطالبون بإعادة اليهود إلى فلسطين منذ القرن

стр. 61

السادس عشر الميلادي، ولم يتركوا وسيلة لتحقيق ذلك، من خلال عقد اللقاءات وطرح المشاريع على رجال الدولة، والقيام برحلات استكشافية لدراسة فلسطين وتهيئتها لعودة اليهود إليها، هذا في حين كان اليهود آخر من يفكر في هذا الأمر. "ويعود السبب في إحجام اليهود عن المشاركة والتجاوب مع هذه الدعوات إلى فقره تلموذية شهيره في الجزء المسمى "كيتوبوت" ص١١١ والتى تتردد في اجزاء اخرى من التلمود، حيث يقول الله انه فرض على اليهود ثلاثة مواثيق: اثنان منهما يتعارضان بوضوح مع المعتقدات الصهيونية وهما: ١ - يجب على اليهود الا يتمردوا على غير اليهود. ٢ - يجب الا يقوم اليهود بالهجرة إلى فلسطين قبل مجئ المسيح. ٣ - والميثاق الثالث يفرض على اليهود عدم الصلاة بقوة طلباً لقدوم المسيح، حتى لا يأتي قبل موعده المحدد. وقد قامت الغلبية العظمى من اهم حاحامات اليهودية التقليدية بتفسير المواثيق الثلاثة وواصلت اعتبار وجود اليهود في المنفى التزاماً دينياً للتكفير عن الآثام اليهودية التى جعلت الله يقوم بنفيهم" (١). فاليهود المتدينون يبنون آمال المستقبل من العبرة بالماضي. "فهم يفسرون التوراة، بان الإسرائيليين القدماء أضاعوا الأرض المقدسة بسبب ارتكابهم المعاصي ضد الآخرين، وبسبب تخليهم عن إلههم الواحد من أجل آلهة أخرى. واليهودية في جوهرها دين ميثاق وعهد وان اختلف هذا العهد من جيل إلى جيل، فهو دائماً يبقى عقداً بين الشعب والله. فالله وعدهم بالأرض، وبأن يعيشوا فيها عيشة ازدهار، لكن في مقابل ذلك، على اليهود من جانبهم أن يقوموا بتنفيذ الشروط الخلقية والمبدئية للعهد، كما يشرحها أنبياء الله في كل عصر. فالله وحده إذاً هو الذي يحكم على سلوك أبناءه اليهود، وهو وحده الذي يرى ـ في مرحلة ما ـ أنهم قد وصلوا إلى حد

стр. 62

المثالية الخلقية، مما يستدعى تصحيح العهد، فيرسل لهم مسيحاً ليخلصهم من الشتات، ويعيدهم إلى الأرض المقدسة" (١). وعقيدة المسيح المنتظر أو (النزعة المسيحانية) (٢) لدى اليهود بدأت بالتكوين منذ بداية زوال (دولة) اليهود التي كانت قائمه في فلسطين، أي منذ هدم الهيكل الثاني ثم الهزيمة الكبرى التي لحقت باليهود في باركوخبا عام ١٣٢م. فمنذ ذلك الحين، فيما يروى مؤرخو اليهود ظهر الاعتقاد بمجيء (المسيح) الذي سوف يخلص بني إسرائيل من المنفى، ويعيد إليهم مجدهم التليد. "حيث اتخذ هذا الأمل المسيحاني شكل أمل مزدوج: أمل مزدوج في العودة إلى العصر الذهبي لليهود، وأمل في قيام عالم أفضل، مختلف كل الاختلاف عن عالمنا، وهذا الخلاص المسيحاني لن يحدث إلا عند نهاية الزمن. والتعجيل بمعجزة مجيء العصر المسيحاني لا يمكن أن يأتي إلا من الله، وما على الإنسان إلا أن يصلي لله ويحسن عمله أملا في ألا يتأخر الخلاص وكل محاولة للعودة إلى أرض إسرائيل قبل ظهور الإشارات الإلهية، كفر وهرطقة وثورة ضد الإله وعودة اليهود إلى أرض آبائهم شأن من اختصاص الإله وحده، ولا تتم بقرار من بنى البشر" (٣). كانت هذه هي النظرة التي حكمت تفكير اليهود منذ تدمير الهيكل للمرة الثانية وحتى بداية القرن التاسع عشر، حيث التزموا بهذه الرؤية الدينية طوال هذه الفترة، ولم يبذلوا أي جهد في سبيل العودة إلى فلسطين، وظلوا ينتظرون المسيح المنتظر لكي يخلصهم ويعيدهم إلى فلسطين بمعجزه إلهية، "حيث ملأت قصص المسيح المنتظر كثير من الثرات اليهودي القديم والحديث وكثيراً ما كانت سبباً في نزول بلايا ورزايا كثيرة باليهود في ادوار مختلفة ولا تزال هذه العقيدة إلى اليوم راسخة في نفوس الطبقات المتدينة من اليهود. واذا قام شخص وادعى انه المسيح المنتظر

стр. 63

الذي يحنون اليه منذ ازمان طويلة انكروا ادعاءه وسفهوا قوله ورفضوا الاذغان لما يدعوهم اليه. وكأن الامة اليهودية كانت ترمي لهذه الفكرة إلى غاية معنوية لا يريدون تحقيقها بوجه من الوجوه" (١). لقد كانت تظهر بين الفترة والأخرى دعوات من بعض اليهود الذين يدعون أنهم المسيح المنتظر، فيلتف حولهم اليهود ويعقدوا عليهم الآمال ولكن سرعان ما يتضح كذب دعواتهم فتنهى هذه الدعوات بمقتل صاحبها أو تراجعه عن دعوته. "ففي عام ٦٤٠ م ادعى يهودي من بيت ارامايا من قرية الفلوجة بالعراق، انه المسيح المنتظر، وقد تجمع حوله حوالي ٤٠٠ شخصاً من مختلف المهن وحرقوا ثلاث كنائس، وقتلوا عمدة المنطقة، ولما بلغ خبر هذا المسيح وأعوانه السلطة أرسلت ثلة من الجيش أعملت فيهم بطشاً وتقتيلاً وقبض على المسيح المنتظر وأعدم" (٢). ومن أولئك الأدعياء في الشرق الإسلامي خلال القرون الوسطى، دجال ظهر في الشام في آخر خلافة عمر بن عبد العزيز، وآخر من بلدة شرين ادعى انه سيحقق معجزة استعادة فلسطين. وظهر يهودي آخر من بلدة أصفهان يدعى عبيد الله أبو عيسى الأصفهاني، ابتدأ دعوته في زمن آخر ملوك بنى أميه ٧٤٤م، وقال: "إن عودة فلسطين لن تتم إلا بالقتال، واعد جيشاً قوامه عشرة آلاف مقاتل من اليهود، وقد عاشت حركته فترة من الزمن في عهد أبو العباس السفاح، إلا أن الخليفة المنصور قضى على هذه الحركة وهزم جيش اليهود وفر أبو عيسى باتجاه الشمال" (٣). وفي حوالي ١١٦٠ م وفي عهد خلافة المقتفى لأمر الله العباسي حدثت فتنه كان سببها يهودي يدعى داود الروحي، كان قد ادعى أنه المسيح المنتظر. "وداود هذا نشأ في سواد الموصل ثم انتقل إلى بغداد حيث تفقه في علوم اليهود في مدارسهم الكبرى. وقد اختار بلدة العمادية شمال العراق ليعلن نبوأته فيها، إذ كان ينوى الاستيلاء على قلعتها الشهيرة بالقوة فبلغ خبر ذلك صاحب العمادية فقتله" (٤).

стр. 64

اما في العصر الحديث فقد ظهرت النزعة المشيحانية بين الجماعات اليهودية مع تطور المجتمعات الغربية وظهور النظام المصرفي الحديث والدولة القومية المركزية، "حيث فقدت كثير من الجماعات اليهودية الوظيفية وظائفها كتجار ومرابين، وتزايد بؤس أفراد هذه الجماعات وفقرهم، وعدم استطاعتهم التكيف مع التطور الذي شهدته أوروبا في عصر النهضة. وبالتالي زادت هامشيتهم وزاد الاضطهاد الواقع عليهم، ومن ثم ففي أوقات البؤس والضيق كانت الجماهير اليهودية تتذكر دائما الرسول الذي سيبعثه إله الطبيعة والتاريخ ليصلح أحوالهم" (١). وقد ظهرت آخر هذه الدعوات الميشيحانية في عام ١٦٤٨م عندما ظهر شاب يهوى يدعى (سبتاى زيفى) من أزمير بتركيا لم يتجاوز عمره الثانية والعشرين، حيث أعلن أنه المسيح المنتظر. وما أن أعلن دعوته حتى تبعه عدد كبير من اليهود المتحمسين، واستمر في نشر دعوته في الأوساط الدينية اليهودية في العالم، فصار له أعوان كثيرون. "وفي سنة ١٦٦٦م غادر أزمير مع جمهور من أعوانه متجها نحو اسطنبول لممارسة سلطته كملك، ولكن الباخرة التي كانت تقله مع أعوانه داهمتها عاصفة شديدة اضطرها إلى اللجوء إلى مضايق الدردنيل، ومن هناك سيق مكبلاً بالحديد إلى اسطنبول، فسجن، إلا أن سجنه زاد من الإقبال علي دعوته، فأمر السلطان محمد الرابع بنقله إلى سجن أدرنه، وأقنعه بالعدول عن دعوته بعد أن تحداه أن يمنع طلقات الرصاص من اختراق جسده، فما كان من (سبتاى زيفى) إلا أن ادعى الإسلام وغير اسمه إلى (محمد أفندي) " (٢). وتعد حركة شبتاي تسفي "أهم الحركات المشيحانية التي هزت اليهودية الحاخامية من جذورها حتى لم تقم لها قائمة بعد ذلك، وهو ما مهد الطريق لظهور الحركة الصهيونية التي ترفض القيود الدينية وترفض الأوامر والنواهي وتعلي الذات القومية" (٣). هكذا كان حال اليهود طوال تاريخهم الطويل حائرين بين الدعوات الميشحانية وبين قيود حاخاماتهم التى تمنعهم من العوده إلى فلسطين بدون انتظار المسيح

стр. 65

المنتظر. ففي القرن الثالث عشر قام الحاخام اليعازر بن موشيه الزعيم الروحى للتجمع اليهودي في المانيا بتحذير اليهود الذين يهاجرون بكثافه إلى فلسطين من ان الله سيعاقبهم بالموت. وفي نفس الوقت تقريباً قام الحاخام عيزرا في اسبانيا بكتابة ان اليهودي الذي يهاجر إلى فلسطين انما يهجر الله الذي يوجد فقط في الشتات، حيث يعيش اغلب اليهود وليس في فلسطين. وفي منتصف القرن الثامن عشر كتب الحاخام الالماني الشهير يوناثان ايبشوتز "ان الهجرة المكثفة إلى فلسطين حتى مع موافقة كل دول العالم هي امر محظور قبل مجئ المسيح" (١). وبناء على هذه الصهيونية المسيائية المتدينة (إن جاز التعبير)، لا يوجد سبب على الأرض ـ مهما تكن أهميته ـ يستدعى العودة إلى صهيون، إلا أن يكون السبب هو الأمر الإلهي. فالعودة مرتبطة بسلطة الله التي لا تناقش. ولذلك فالصهاينة المتدينون يتهمون، كل من نادى بالعودة إلى فلسطين بدون انتظار عودة المسيح المنتظر، بالهرطقة، أي الكفر. ومن هنا تختلف هذه الصهيونية الدينية، عن الصهيونية السياسية التي قرر رجالها في مؤتمر بازل سنة ١٨٩٧م العودة إلى الأرض المقدسة، ولم ينتظروا المعجزة الإلهية. "فالصهاينة المتدينون لا يرون في إي مؤتمر سياسي طريقاً للعودة، وهم، أكثر من ذلك ـ لا يرون حتى في عذاب الهولوكوست ومعسكرات النازية سببا للعودة. فالعودة إن لم تقترن بالإرادة الإلهية ـ بقدوم المسيح الجديد ـ هي عودة باطلة (٢). ولقد رأينا كيف أن اليهود أنفسهم أحجموا عن المشاركة في تأييد أو دعم دعوات المتدينين البروتستانت لهم من أجل العودة إلى أرض فلسطين، حيث كانت هذه المشكلة من أشد الصعاب التي واجهها الصهاينة غير اليهود (البروتستانت). ولكن مع بدايات القرن التاسع عشر الميلادي، ولأسباب كثيرة أهمها، تنامي التيار المسيحي البروتستنتي الداعم لأماني اليهود بالعودة إلى فلسطين، بالإضافة إلى ازدياد اضطهاد اليهود في أوروبا، ظهر عدد من المفكرين اليهود الذين نشروا العديد

стр. 66

من الكتابات التي هاجمت الأفكار التقليدية، التي ترى بأن الخلاص لن يتم إلا من خلال معجزة إلهية على يد المسيح المخلص، حيث نادى هؤلاء المفكرون بضرورة تحرك اليهود من اجل تحقيق حلم العودة إلى ارض فلسطين من خلال العمل واستغلال كافة العوامل التي تخدمهم في هذا المجال. وبذلك كان هؤلاء المفكرون من أمثال الكعى وكاليشتر وغيرهم، هم الدعاة الأوائل الذين مهدوا الطريق أمام ظهور الحركة الصهيونية على يد هرتسل. لهذا فإن الكثيرون يعتبرون أن الحركة الصهيونية المتعارف عليها الآن، وكما دعا هيرسل إليها في مؤتمر بازل سنة ١٨٩٧م، "هي الوارث الشرعي لعدد من النداءات والدعوات الفكرية التي ابتدأت تظهر في أواخر الثلاثينات من القرن التاسع عشر الميلادي، لكنها لم تجد تجاوباً ـ ولو محدوداً ـ إلا مع بداية الستينات وهذا فضلا عن أن بعض النداءات والمؤلفات لم تكن لتجد الحد الأدنى من الانتشار والشهرة ـ حتى بين اليهود أنفسهم. ومع ذلك، فإنها في مجموعها مقدمة مهمة لمعرفة الصهيونية، فكراً وحركة سياسية يهودية" (١). ففي ستينيات القرن التاسع عشر، أضحى العامل المشترك لدى الرواد الأوائل، أمثال الكعى، وكاليشر وهس، اعتقادهم أن مستقبل الشعب اليهودي مشروط بعودته إلى وطنه التاريخي، وطالبوا بالعمل لتحقيق ذلك بدون انتظار عودة المسيح المخلص. ١ـ يهودا الكعى (١٧٩٨ـ١٨٧٨م) كان يهودا الكعى غارقاً مثله مثل باقي اليهود، في الغيبيات الدينية، لما انتشرت في البلقان إشاعة تقول أن سنة ١٨٤٠م ستكون سنة الخلاص. حيث تعلق معظم اليهود وخصوصاً المتدينين منهم بهذه الشائعة ـ النبوة. "وقبل موعد الخلاص بعام، إي في سنة ١٨٣٩ م، نشر الكعى كتاباً في تعليم اللغة العبرية، دعا فيه اليهود إلى الاستغراق في الصلاة تمهيداً لتحقيق النبوءة المسيائية، ثم اتبعه بكتاب ثان سنة ١٨٤٠م سماه (شلوم يروشالايم) حث فيه اليهود على دفع عشر مدخولاتهم

стр. 67

لمساعدة يهود القدس، ولكن لما فشلت النبوة بعدم ظهور المسيح المخلص، ولما وقعت حادثة دمشق الشهيرة في السنة نفسها، أي سنة ١٨٤٠م وهى الحادثة التي اتهم فيها اليهود بقتل المسيحيين واستنزاف دمهم ـ تخلى الكعى عن الغيبيات الدينية وسيلة وحيدة لخلاص اليهود، وبات يدعو إلى درب عملي، خصوصاً بعد رؤيته أهمية تدخل القناصل والدول الأجنبية لوقف محاكمة اليهود في دمشق" (١). لهذا كرس يهودا الكعى ما تبقى من حياته داعياً إلى تخليص اليهود وعودتهم، بالصلاة والعمل. "وقد نشر منذ سنة ١٨٤٣م سلسلة من الكتيبات والمقالات ركز فيها على أهمية الطلب من شعوب العالم كي تسمح لليهود بالعودة إلى وطنهم، كما طالب اليهود بدفع العشر من اجل العودة، حيث ربط بين الخلاص اليهودي وابتياع الأرض المقدسة (أي فلسطين) من أصحابها غير اليهود" (٢). ٢ـ تسفى هيرش كاليشر (١٧٩٥ـ١٨٧٤م) كتب هيرش في عام ١٨٣٧ يقول: "ان الله امر اليهود بالا يقوموا ابداً بانشاء دولتهم بانفسهم ومن خلال جهودهم. وفي نفس العام الذي حظر فيه هيرش على اليهود اعلان دولة يهودية، حدث زلزال في شمال فلسطين قتل الغالبية العظمى من سكان مدينة صفد والذين كان الكثير منهم من اليهود، وكانوا هاجروا حديثاً إلى فلسطين. وقد ارجع الخاخام البولندي الشهير موشيه تيتلباوم هذا الزلزال إلى عدم رضا الله عن الهجرة اليهودية الزائدة إلى فلسطين وقال تيتلباوم: ليست مشيئة الله ان نذهب إلى ارض اسرائيل عن طريق جهودنا ومشيئتنا (٣). ولكن هيرش كاليشر منذ ١٨٤٢م غير آراءه تماماً واعلن أن استرداد صهيون يجب أن يبدأ بالعمل عليه من جانب اليهود أولا، أما المعجزة الميسائية، بقدوم المسيح المنتظر، فتتبع ذلك. لهذا دعا الحاخام كاليشر اليهود للاعتماد على أنفسهم

стр. 68

لان خلاص بنى إسرائيل لا يمكن تصور حدوثه بواسطة معجزة "فالرب لن ينزل لقيادة شعبه، وهو لن يرسل المسيح من السماء لينفخ النفير ويجمع اليهود المشتتين للتوجه إلى أورشليم" (١) ... "فالناس البلهاء فقط، يمكن أن يصدقوا هراء كهذا. أما العقلاء فيعرفون أن الخلاص لا يكون إلا بالتدريج، وهو فوق كل شيء لن يكون إلا نتيجة جهود اليهود أنفسهم. وإذا كانت القدرة الإلهية ستقوم بمعجزة، فأي مغفل لا يكون مستعداً، عندئذ، للذهاب إلى فلسطين؟ إما أن يتخلى المرء عن بيته وماله من أجل المسيح المنتظر، فذاك هو الامتحان الحقيقي، وذاك هو التحدي" (٢). تم نشر كاليشر أفكاره سنة ١٨٤٣م في كتاب من جزأين بعنوان (عقيدة صادقة) ثم أكمل تصوره في مجلد أخير نشره سنة ١٨٦٢م بعنوان (البحث عن صهيون) وهو أكثر كتبه شهرة. ومن أهم الأفكار التي جاء بها كاليشر: "إن خلاص اليهود كما تنبأ الأنبياء به، يمكن أن يتم بوسائل طبيعية، أي بمجهود اليهود أنفسهم، من دون أن يتطلب ذلك مجيء المسيح، وإن الاستيطان في فلسطين يجب أن يتم من دون تأخير. ولهذا فإن كاليشر دعا اليهود إلى الاستيطان في فلسطين، حيث قال: "إن الخلاص يحتاج إلى النشاط الاستيطاني وإلى الاستعمار العملي في فلسطين بدلاً من المعجزة الإلهية" (٣). ونتيجة لهذه الآراء اتهم كاليشر بالهرطقة وقوبلت آراؤه، كما قوبلت آراء الكعى المماثلة، بعدم التجاوب من قبل اليهود، إن لم يكن بالبرود، وذلك بسبب دعوتهما إلى الإسراع في النهاية، وعدم انتظار المعجزة الإلهية، مما جعل اليهودية الأرثوذكسية تناصبهما العداء. كما أن (ليون بنسكر) ـ أحد قادة الحركة الصهيونية ـ "كان على غرار كاليشر وهس، يرفض الاعتماد على الإيمان الغيبي بالمسيح المنتظر، و وضع اللوم على الإيمان الغيبي بجعل اليهود يتخلفون عن الاهتمام

стр. 69

بحريتهم القومية ووحدتهم واستقلالهم، مما جعلهم يغرقون إلى الأسفل، فالأسفل" (١). هرتسل ومؤتمر بازل مع انتشار كتابات وأفكار المفكرين اليهود، أمثال الكعى وكالشر وهس وبنسكر وغيرهم بين اليهود في دول أوروبا، أصبح الجو مهيئاً لتوحيد جهود المؤمنين بهذا النهج الجديد من خلال حركة يهودية عامة، تزعمها هيرسل مؤسس الحركة الصهيونية، الذي اخذ ينشر أفكاره بين اليهود وغيرهم من المسيحيين البروتستانت، حيث من الملاحظ أن الحركة الصهيونية في مبدأ أمرها لم تلقَ قبولاً واسعاً بين اليهود، في حين أثارت حماساً شارف الهوس بين المؤمنين المسيحيين المتحمسين لتوفير متطلبات المجيء الثاني. وبالمقابل، كانت أقوى معارضة للصهيونية من جانب المتدينين اليهود من الأرثوذكس (المتمسكين بحرفية العقيدة)، واليهود الشرقيين، وبعض الحاخامات، واليهود الإصلاحيين. وقد ظل موقف اليهود المتدينين من الحركة الصهيونية متمسكاً بالشك وعدم الاطمئنان، في أفضل حالاته، وبالرفض الصريح والمناوأة في اشد تلك الحالات، كما في هذه الكلام للحبر المتدين صدوق من لوبلين الذي قال: "أن أورشليم ارفع الذرى التي تتطلع إليها قلوب اليهود .. لكنى أخشى أن يبدو رحيلي وصعودي إلى أورشليم كما لو كانا علامة على تحبيدى للنشاط الصهيوني. وأنى لاتضرع إلى الرب، وان روحي لتتلهف إلى كلمته، وأني لأتمنى من كل روحي أن يكون يوم الفداء آت. وأنى لانتظر بكل يقظة وقع أقدام مسيحه الذي وعدنا به. لكنى، حتى وان عذبت بثلاثمائة قضيب محمى بالنار، لن أتحرك من مكاني، ولن اصعد إلى أورشليم لصالح الصهيونيين. ولقد بلغ إيمان اليهود الأرثوذكس بشيطانية الحركة الصهيونية أن الحاخام يوسف حاييم أعلن بملء (الفم)، عندما زار تيودور هرتزل فلسطين، أن "الشر قد دخل الأرض المقدسة معه" وقال: "إننا لا نعرف حتى الآن ما الذي يمكننا أن

стр. 70

نفعله دفاعاً عن أنفسنا في مواجهة هؤلاء الصهيونيين الذين يريدون تدمير كل إسرائيل، فليرحمنا الله" (١). وأهم ما يعنينا في المذهب الأرثوذكسي "أنه كان يدافع عن بقاء الشتات اليهودي حيث هو، ويرفض أي استعجال (مسيحاني) وأي عودة بالتالي إلى أرض فلسطين قبل أن تظهر العلائم الإلهية لظهور المسيح. ومن هنا كان ضد أي محاولة بشريه للتعجيل بنهاية العالم، وضد الصهيونية بشكل حاد وقاطع" (٢). وليس أدل على هذه المعارضة للحركة الصهيونية من جانب اليهود هو أنه عندما بدأ التحضير الجدي لعقد أول مؤتمر صهيوني مع مطلع سنة ١٨٩٧م، كان مقرراً عقده في ميونخ، ولكن لما أرسلت الدعوات الرسمية، غضب اليهود الغربيون وأعلنوا سخطهم على المؤتمر واعتبرته الصحافة الألمانية اليهودية خيانة، كما أعلنت رابطة رجال الدين اليهود في ألمانيا أن هذا المؤتمر يناقض الدعوة الميسائية، ولذا رفضته بشده، "وقد أدت هذه الحملة إلى نقل مكان المؤتمر إلى بازل بسويسرا، حيث افتتح المؤتمر يوم الأحد ٢٩ أغسطس ١٨٩٧م في صالة الاحتفالات التابعة لكازينو بلدية بازل، وأصدر المؤتمر قرارات تعرف الآن باسم (برنامج بازل) الذي أصبح الوثيقة النظرية والعملية لأهداف الصهيونية" (٣)، حيث أعلنت الحركة الصهيونية عن برنامجها السياسي الذي يهدف إلى إقامة وطن قومي للشعب اليهودي في أرض فلسطين. وإذا كان لنا أن نقيم إنجازات المؤتمر الصهيوني الأول، فإنه يمكن القول إن أهم إنجاز له على الإطلاق، تمثل في انعقاد المؤتمر ذاته، أي التقاء الزعماء اليهود واتفاقهم على نهج جديد في التعامل مع المسألة اليهودية. وقد تمثل هذا النهج في رفض تصور اليهود التقليدي حول المسيح المنتظر، والبدء في البحث عن طرق عملية من أجل تحقيق الحلم القديم للشعب اليهودي، بحيث تكون هذا الطرق متكيفة وملائمة مع عوامل الزمن الملائمة لحركتها، وهنا نود أن نؤكد على أن هذا

стр. 71

الأمر لا ينفي الطابع الديني عن هذه الحركة، والذي يحاول كثير من المثقفين العرب إقناعنا والبرهنة عليه من خلال التفرقة بين الصهيونية واليهودية بتأويلات وتفسيرات مختلفة. فهذا هرتزل مؤسس الحركة الصهيونية - والذي يقول عنه الكثيرون أنه لاديني وعلماني- كان ينظر لنفسه على أنه المسيح المنتظر حيث ادعى انه رأى المسيا في حلم وأنه أي المسيا كان يصلى من أجله، يقول هرتزل: "ظهر لي المسيا الملك على صورة شيخ مسن في عظمته وجلاله فطوقني بذراعيه، وحملني بعيدا على أجنحة الريح والتقينا على واحد من تلك الغيوم القزحيه بصورة موسى، كانت ملامحه هي تلك الملامح التي عرفتها في حداثتي لدى تمثال (ميكل انجلو) والتفت المسيا إلى موسى مخاطبا إياه بقوله: من أجل هذا الصبي كنت اصلي. لكنه خاطبني قائلا: اذهب وأعلن لليهود بأني سوف آتى عما قريب لاجترح المعجزات العظيمة وأسدي عظائم الأعمال لشعبي وللعالم كله" (١). اما بن غوريون فيقول: "إن ما ضمن بقاء الشعب اليهودي على مر الأجيال وأدى إلى خلق الدولة، هو تلك الرؤيا المسيانيه لدى أنبياء إسرائيل رؤيا خلاص الشعب اليهودي والإنسانية جمعاء. أن دولة إسرائيل هي أداة لتحقيق هذه الرؤيا المسيانيه" (٢). "فالصهيونية هي في الأساس حركة يهودية ذات منطلقات دينية أصيله، ولكنها تختلف عن اليهودية التقليدية التي كانت سائدة قبل ذلك، هو في تبنيها طريق جديد لتحقيق الحلم اليهودي من خلال رفضها للتصور التقليدي بضرورة انتظار عودة المسيح المنتظر، وضرورة العمل لتهيئة الظروف للتمهيد لهذه العودة وتحقيق الحلم الصهيوني" (٣). فقد كانت الصهيونية سواء بالنسبة لليهود أو المسيحيين بمثابة تحقيق لنبوءة قديمة: "ويحمل معجزة للغرباء، ويجمع إسرائيل الشتات،

стр. 72

ويجتمع اليهود من كافة أقطار الأرض" هكذا قال يشعياه. كما تنبأ حزقيال: "وخلصتكم من الغرباء وجمعتكم من كل الأقطار، أحضركم إلى أرضكم" (١). وربما يرفض البعض تحليلنا السابق الذي يحصر أهمية قيام الحركة الصهيونية في مجرد أنها رفضت التصور التقليدي الغيبي الذي كان سائداً قبل ذلك، وإتباع منهج جديد لتحقيق الحلم الصهيوني، ويعتبرون في ذلك انتقاصاً للدور الكبير الذي لعبته الحركة في قيام إسرائيل. وكان من الممكن أن يكون هذا الرفض في محله لو أن هذه الحركة عملت لتحقيق قيام إسرائيل بمفردها، أو أنها كانت أول من تبنى هذه الفكرة، ولكننا لاحظنا من خلال العرض السابق كيف أن التفكير بإعادة اليهود إلى فلسطين بدأ قبل ظهور الحركة الصهيونية بثلاثة قرون على أيدي إتباع المذهب البروتستانتي، الذين لم يتركوا مناسبة إلا استغلوها من أجل تحقيق هذه العودة، كما أنهم قاموا بدراسة فلسطين والبحث فيها من أجل إعدادها وتهيئتها لسكانها الجدد، الذين لم يطلب منهم سوا التجاوب مع هذه الجهود وعدم رفضها. وقد جاء هذا التجاوب من قبل الحركة الصهيونية، التي وجدت كافة الأمور ممهدة أمامها، ولم يكن مطلوب منها سوى تبنى هذه الدعوة نيابة عن اليهود في كل مكان، والعمل على استغلال كافة العوامل الدينية والسياسية والاقتصادية والإنسانية، بالإضافة إلى المتغيرات الدولية لصالحها، من أجل إقناع الحكومة البريطانية وأمريكيا بضرورة توطين اليهود على أرض فلسطين. ومن هنا بدأ الزعماء الصهاينة يتحركون نحو الحكومة البريطانية لمساعدتهم في ذلك. اللجنة الملكية لهجرة الغرباء بالإضافة إلى العامل الديني والمكاسب السياسية التي ستجنيها بريطانيا من خلال توطين اليهود في فلسطين، برز عامل آخر مهم، وهو هجرة اليهود من دول أوروبا الشرقية إلى دول أوروبا الغربية وأمريكيا فراراً من الاضطهاد. فقد كانت هذه الهجرة تقلق تلك الحكومات، ومنها بريطانيا التي سعت لوضع حل لهذه المشكلة. فشكلت في عام ١٩٠٢م اللجنة الملكية لهجرة الغرباء، حيث حاولت تقدير أخطار

стр. 73

هذه الهجرة غير المقيدة، وما يجب أن تتخذه الحكومة البريطانية حيالها. وكان من بين الشهود الذين تحدثوا أمام تلك اللجنة (تيودور هرتزل) مؤسس الحركة الصهيونية، الذي قدم حلاً للمشكلة مبنى على أسس صهيونية، حيث قال في شهادته: "لا شيء يحل المشكلة التي دعيت اللجنة إلى حلها وتقديم الرأي بشأنها، سوى تحويل تيار الهجرة الذي سيستمر بصورة متزايدة من أوروبا الشرقية. إن يهود أوروبا الشرقية لا يستطيعون أن يبقوا حيث هم، أين سيذهبون؟ إذا كنتم ترون أن بقاءهم هناك غير مرغوب فيه، فلا بد من إيجاد مكان آخر يهاجرون إليه دون أن تثير هجرتهم المشاكل التي تواجهكم هنا. لن تبرز هذه المشكلة إذا وجد وطن لهم يتم الاعتراف به قانونياً وطناً يهودياً" (١). وقد لاقى اقتراح هرتزل السابق آذاناً صاغية من السياسيين البريطانيين، حيث اقترح تشامبرلين ـ وزير المستعمرات البريطانية ـ إعطاء العريش لليهود لتكون مركز تجميع لهم قرب فلسطين، ولكن هذا الاقتراح فشل لعدة أسباب، فما كان من تشامبرلين إلا أن أقترح في عام ١٩٠٣م (في عهد حكومة بلفور) إعطاء أوغندا (٢) لليهود ليقيموا فيها وطناً لهم، ولكن المؤتمر الصهيوني السادس المنعقد في لندن عام ١٩٠٣م، رفض هذا العرض لبعده عن الهدف النهائي وهو فلسطين، والتي كانت في هذه الفترة خاضعة للسيطرة التركية، ولذلك لم يكن بمقدور الحكومة البريطانية إعطاء أي التزام للحركة الصهيونية تجاه فلسطين. وعد بلفور عندما استطاعت بريطانيا خلال الحرب العالمية الأولى، الاستيلاء على فلسطين في عام ١٩١٧م، أصدر اللورد بلفور وزير الخارجية البريطاني وعده المشؤوم في ٢ـ١١ـ١٩١٧م، في عهد حكومة لويد جورج، والذي ينص على إعطاء اليهود وطناً

стр. 74

قومياً في فلسطين، وهذا النص الحرفي للوعد: "إن حكومة جلالة الملك تنظر بعين العطف إلى تأسيس وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين وستبذل جهدها لتسهيل تحقيق هذه الغاية، على أن يفهم جلياً أنه لن يؤتى بعمل من شأنه أن يغير الحقوق المدنية والدينية التي تتمتع بها الطوائف غير اليهودية المقيمة الآن في فلسطين، ولا الحقوق والوضع السياسي الذي يتمتع به اليهود في البلدان الأخرى" (١). ويصف السير رونالد ستوز في كتابه (استشراقات) الصدى الذي لقيه صدور الوعد بقوله: "لقي الوعد صدى رائعاً واستحساناً في الصحافة، يضاف إلى ذلك ما حظي به من التأييد العام والكبير لدى آلاف الكهنة الإنغليكانيين والقساوسة البروتستانت وغيرهم من الرجال المتدينين في سائر أنحاء الكرة الغربي" (٢). هربرت صموئيل ومستقبل فلسطين لم يكن صدور وعد بلفور في هذا الوقت أمراً غريباً أو مفاجئاً، بالنسبة لصانعي السياسة البريطانية، حيث أن الحكومة البريطانية كانت قد أعربت في اجتماع لها في بداية الحرب العالمية الأولى، عن عزمها إقامة دولة يهودية في فلسطين. ففي ذلك الاجتماع أعلن رئيس الوزراء البريطاني، اسكويت عن تخلى بريطانيا عن سياستها التقليدية إزاء الإمبراطورية العثمانية وسعيها إلى تجزئتها واقتطاعها، فأعرب له (لويد جورج) ـ وزير الخزانة آنذاك ـ عن اهتمامه بإقامة دولة يهودية في فلسطين. كما أشار وزير الخارجية، (إدوارد غراى) "إلى الفرصة التي قد تتاح لتحقيق الأمنية القديمة للشعب اليهودي وإعادة أمجاد الدولة اليهودية" (٣). وقد حضر هذا الاجتماع هربرت صموئيل ـ المندوب السامي البريطاني في فلسطين، فيما بعد ـ حيث قدم لهذا الاجتماع دراسة عن مستقبل فلسطين بعد الحرب، تضمنت خمسة احتمالات، كان أحدها ينص على وضع فلسطين تحت الحماية البريطانية، حيث بين أهمية ذلك قائلاً: "إن الإمبراطورية البريطانية

стр. 75

باتساعها وازدهارها الحاضر، ليس لديها ما تضيفه إلى عظمتها. ولكن فلسطين على صغر مساحتها تنتفخ ضخامة في مخيلة العالم، حتى أن كل إمبراطورية مهما كانت عظيمة، قد ترفع من مكانتها ومركزها بامتلاكها لها. إن ضم فلسطين إلى الإمبراطورية البريطانية سوف يزيد حتى في لمعان التاج البريطاني، وسيشكل جاذباً شديد القوة لشعب المملكة المتحدة والمملكات المستقلة، خصوصاً إذا ظهر كوسيلة معلنة لمساعدة اليهود على احتلال البلاد من جديد. هناك عطف واسع الانتشار، وعميق الجذور في العالم البروتستانتي، على فكرة إرجاع الشعب العبراني إلى الأرض التي أعطيت ميراثاً له، وهناك اهتمام شديد بتحقيق النبوءات التي توقعت ذلك مسبقاً" (١). الدافع الديني ووعد بلفور بالرغم من أن اللورد بلفور كانت له دوافعه السياسية والعسكرية التي سعى إلى تحقيقها من وراء إعطاء هذا الوعد للحركة الصهيونية، إلا أننا لا يجب أن نغفل أثر ثقافته الدينية التي لعبت دوراً حاسماً لصالح صدور هذا الوعد، حيث يبدو أن اللورد بلفور كان ينتظر بفارغ الصبر وقوع فلسطين تحت السيطرة البريطانية، حتى يحقق مطالب الحركة الصهيونية والنبوءات الواردة في العهد القديم، مثله في ذلك مثل الجنرال (اللينبى) الذي قال مقولته المشهورة عندما دخل مدينة القدس ـ "ها قد عدنا يا صلاح الدين، اليوم انتهت الحروب الصليبية! " (٢). فاللورد بلفور كان بروتستانتينياً مؤمناً، ترعرع في أحضان التقاليد البروتستانتية الإسكوتلندية، بكل ما تحمله من حب للعهد القديم، وإيمان شديد بضرورة عودة اليهود إلى فلسطين كمقدمة لعودة المسيح المنتظر. وعن ثقافته تقول ابنة أخته ومؤرخة حياته، (بلانش دوغويل): "لقد تأثر منذ نعومة أظفاره بدراسة التوراة في الكنائس، وكلما اشتد عوده زاد إعجابه بالفلسفة اليهودية، وكان دائماً يتحدث باهتمام عن ذلك، وما زلت أذكر أنني في طفولتي اقتبست منه الفكرة
следующие страницы →