الأمر لا ينفي الطابع الديني عن هذه الحركة، والذي يحاول كثير من المثقفين العرب إقناعنا والبرهنة عليه من خلال التفرقة بين الصهيونية واليهودية بتأويلات وتفسيرات مختلفة.
فهذا هرتزل مؤسس الحركة الصهيونية - والذي يقول عنه الكثيرون أنه لاديني وعلماني- كان ينظر لنفسه على أنه المسيح المنتظر حيث ادعى انه رأى المسيا في حلم وأنه أي المسيا كان يصلى من أجله، يقول هرتزل: "ظهر لي المسيا الملك على صورة شيخ مسن في عظمته وجلاله فطوقني بذراعيه، وحملني بعيدا على أجنحة الريح والتقينا على واحد من تلك الغيوم القزحيه بصورة موسى، كانت ملامحه هي تلك الملامح التي عرفتها في حداثتي لدى تمثال (ميكل انجلو) والتفت المسيا إلى موسى مخاطبا إياه بقوله: من أجل هذا الصبي كنت اصلي. لكنه خاطبني قائلا: اذهب وأعلن لليهود بأني سوف آتى عما قريب لاجترح المعجزات العظيمة وأسدي عظائم الأعمال لشعبي وللعالم كله" (١). اما بن غوريون فيقول: "إن ما ضمن بقاء الشعب اليهودي على مر الأجيال وأدى إلى خلق الدولة، هو تلك الرؤيا المسيانيه لدى أنبياء إسرائيل رؤيا خلاص الشعب اليهودي والإنسانية جمعاء. أن دولة إسرائيل هي أداة لتحقيق هذه الرؤيا المسيانيه" (٢).
"فالصهيونية هي في الأساس حركة يهودية ذات منطلقات دينية أصيله، ولكنها تختلف عن اليهودية التقليدية التي كانت سائدة قبل ذلك، هو في تبنيها طريق جديد لتحقيق الحلم اليهودي من خلال رفضها للتصور التقليدي بضرورة انتظار عودة المسيح المنتظر، وضرورة العمل لتهيئة الظروف للتمهيد لهذه العودة وتحقيق الحلم الصهيوني" (٣). فقد كانت الصهيونية سواء بالنسبة لليهود أو المسيحيين بمثابة تحقيق لنبوءة قديمة: "ويحمل معجزة للغرباء، ويجمع إسرائيل الشتات،
стр. 72
ويجتمع اليهود من كافة أقطار الأرض" هكذا قال يشعياه. كما تنبأ حزقيال: "وخلصتكم من الغرباء وجمعتكم من كل الأقطار، أحضركم إلى أرضكم" (١).
وربما يرفض البعض تحليلنا السابق الذي يحصر أهمية قيام الحركة الصهيونية في مجرد أنها رفضت التصور التقليدي الغيبي الذي كان سائداً قبل ذلك، وإتباع منهج جديد لتحقيق الحلم الصهيوني، ويعتبرون في ذلك انتقاصاً للدور الكبير الذي لعبته الحركة في قيام إسرائيل. وكان من الممكن أن يكون هذا الرفض في محله لو أن هذه الحركة عملت لتحقيق قيام إسرائيل بمفردها، أو أنها كانت أول من تبنى هذه الفكرة، ولكننا لاحظنا من خلال العرض السابق كيف أن التفكير بإعادة اليهود إلى فلسطين بدأ قبل ظهور الحركة الصهيونية بثلاثة قرون على أيدي إتباع المذهب البروتستانتي، الذين لم يتركوا مناسبة إلا استغلوها من أجل تحقيق هذه العودة، كما أنهم قاموا بدراسة فلسطين والبحث فيها من أجل إعدادها وتهيئتها لسكانها الجدد، الذين لم يطلب منهم سوا التجاوب مع هذه الجهود وعدم رفضها.
وقد جاء هذا التجاوب من قبل الحركة الصهيونية، التي وجدت كافة الأمور ممهدة أمامها، ولم يكن مطلوب منها سوى تبنى هذه الدعوة نيابة عن اليهود في كل مكان، والعمل على استغلال كافة العوامل الدينية والسياسية والاقتصادية والإنسانية، بالإضافة إلى المتغيرات الدولية لصالحها، من أجل إقناع الحكومة البريطانية وأمريكيا بضرورة توطين اليهود على أرض فلسطين. ومن هنا بدأ الزعماء الصهاينة يتحركون نحو الحكومة البريطانية لمساعدتهم في ذلك.
اللجنة الملكية لهجرة الغرباء
بالإضافة إلى العامل الديني والمكاسب السياسية التي ستجنيها بريطانيا من خلال توطين اليهود في فلسطين، برز عامل آخر مهم، وهو هجرة اليهود من دول أوروبا الشرقية إلى دول أوروبا الغربية وأمريكيا فراراً من الاضطهاد. فقد كانت هذه الهجرة تقلق تلك الحكومات، ومنها بريطانيا التي سعت لوضع حل لهذه المشكلة. فشكلت في عام ١٩٠٢م اللجنة الملكية لهجرة الغرباء، حيث حاولت تقدير أخطار
стр. 73
هذه الهجرة غير المقيدة، وما يجب أن تتخذه الحكومة البريطانية حيالها. وكان من بين الشهود الذين تحدثوا أمام تلك اللجنة (تيودور هرتزل) مؤسس الحركة الصهيونية، الذي قدم حلاً للمشكلة مبنى على أسس صهيونية، حيث قال في شهادته: "لا شيء يحل المشكلة التي دعيت اللجنة إلى حلها وتقديم الرأي بشأنها، سوى تحويل تيار الهجرة الذي سيستمر بصورة متزايدة من أوروبا الشرقية. إن يهود أوروبا الشرقية لا يستطيعون أن يبقوا حيث هم، أين سيذهبون؟ إذا كنتم ترون أن بقاءهم هناك غير مرغوب فيه، فلا بد من إيجاد مكان آخر يهاجرون إليه دون أن تثير هجرتهم المشاكل التي تواجهكم هنا. لن تبرز هذه المشكلة إذا وجد وطن لهم يتم الاعتراف به قانونياً وطناً يهودياً" (١).
وقد لاقى اقتراح هرتزل السابق آذاناً صاغية من السياسيين البريطانيين، حيث اقترح تشامبرلين ـ وزير المستعمرات البريطانية ـ إعطاء العريش لليهود لتكون مركز تجميع لهم قرب فلسطين، ولكن هذا الاقتراح فشل لعدة أسباب، فما كان من تشامبرلين إلا أن أقترح في عام ١٩٠٣م (في عهد حكومة بلفور) إعطاء أوغندا (٢) لليهود ليقيموا فيها وطناً لهم، ولكن المؤتمر الصهيوني السادس المنعقد في لندن عام ١٩٠٣م، رفض هذا العرض لبعده عن الهدف النهائي وهو فلسطين، والتي كانت في هذه الفترة خاضعة للسيطرة التركية، ولذلك لم يكن بمقدور الحكومة البريطانية إعطاء أي التزام للحركة الصهيونية تجاه فلسطين.
وعد بلفور
عندما استطاعت بريطانيا خلال الحرب العالمية الأولى، الاستيلاء على فلسطين في عام ١٩١٧م، أصدر اللورد بلفور وزير الخارجية البريطاني وعده المشؤوم في ٢ـ١١ـ١٩١٧م، في عهد حكومة لويد جورج، والذي ينص على إعطاء اليهود وطناً
стр. 74
قومياً في فلسطين، وهذا النص الحرفي للوعد: "إن حكومة جلالة الملك تنظر بعين العطف إلى تأسيس وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين وستبذل جهدها لتسهيل تحقيق هذه الغاية، على أن يفهم جلياً أنه لن يؤتى بعمل من شأنه أن يغير الحقوق المدنية والدينية التي تتمتع بها الطوائف غير اليهودية المقيمة الآن في فلسطين، ولا الحقوق والوضع السياسي الذي يتمتع به اليهود في البلدان الأخرى" (١).
ويصف السير رونالد ستوز في كتابه (استشراقات) الصدى الذي لقيه صدور الوعد بقوله: "لقي الوعد صدى رائعاً واستحساناً في الصحافة، يضاف إلى ذلك ما حظي به من التأييد العام والكبير لدى آلاف الكهنة الإنغليكانيين والقساوسة البروتستانت وغيرهم من الرجال المتدينين في سائر أنحاء الكرة الغربي" (٢).
هربرت صموئيل ومستقبل فلسطين
لم يكن صدور وعد بلفور في هذا الوقت أمراً غريباً أو مفاجئاً، بالنسبة لصانعي السياسة البريطانية، حيث أن الحكومة البريطانية كانت قد أعربت في اجتماع لها في بداية الحرب العالمية الأولى، عن عزمها إقامة دولة يهودية في فلسطين. ففي ذلك الاجتماع أعلن رئيس الوزراء البريطاني، اسكويت عن تخلى بريطانيا عن سياستها التقليدية إزاء الإمبراطورية العثمانية وسعيها إلى تجزئتها واقتطاعها، فأعرب له (لويد جورج) ـ وزير الخزانة آنذاك ـ عن اهتمامه بإقامة دولة يهودية في فلسطين. كما أشار وزير الخارجية، (إدوارد غراى) "إلى الفرصة التي قد تتاح لتحقيق الأمنية القديمة للشعب اليهودي وإعادة أمجاد الدولة اليهودية" (٣).
وقد حضر هذا الاجتماع هربرت صموئيل ـ المندوب السامي البريطاني في فلسطين، فيما بعد ـ حيث قدم لهذا الاجتماع دراسة عن مستقبل فلسطين بعد الحرب، تضمنت خمسة احتمالات، كان أحدها ينص على وضع فلسطين تحت الحماية البريطانية، حيث بين أهمية ذلك قائلاً: "إن الإمبراطورية البريطانية
стр. 75
باتساعها وازدهارها الحاضر، ليس لديها ما تضيفه إلى عظمتها. ولكن فلسطين على صغر مساحتها تنتفخ ضخامة في مخيلة العالم، حتى أن كل إمبراطورية مهما كانت عظيمة، قد ترفع من مكانتها ومركزها بامتلاكها لها. إن ضم فلسطين إلى الإمبراطورية البريطانية سوف يزيد حتى في لمعان التاج البريطاني، وسيشكل جاذباً شديد القوة لشعب المملكة المتحدة والمملكات المستقلة، خصوصاً إذا ظهر كوسيلة معلنة لمساعدة اليهود على احتلال البلاد من جديد. هناك عطف واسع الانتشار، وعميق الجذور في العالم البروتستانتي، على فكرة إرجاع الشعب العبراني إلى الأرض التي أعطيت ميراثاً له، وهناك اهتمام شديد بتحقيق النبوءات التي توقعت ذلك مسبقاً" (١).
الدافع الديني ووعد بلفور
بالرغم من أن اللورد بلفور كانت له دوافعه السياسية والعسكرية التي سعى إلى تحقيقها من وراء إعطاء هذا الوعد للحركة الصهيونية، إلا أننا لا يجب أن نغفل أثر ثقافته الدينية التي لعبت دوراً حاسماً لصالح صدور هذا الوعد، حيث يبدو أن اللورد بلفور كان ينتظر بفارغ الصبر وقوع فلسطين تحت السيطرة البريطانية، حتى يحقق مطالب الحركة الصهيونية والنبوءات الواردة في العهد القديم، مثله في ذلك مثل الجنرال (اللينبى) الذي قال مقولته المشهورة عندما دخل مدينة القدس ـ "ها قد عدنا يا صلاح الدين، اليوم انتهت الحروب الصليبية! " (٢).
فاللورد بلفور كان بروتستانتينياً مؤمناً، ترعرع في أحضان التقاليد البروتستانتية الإسكوتلندية، بكل ما تحمله من حب للعهد القديم، وإيمان شديد بضرورة عودة اليهود إلى فلسطين كمقدمة لعودة المسيح المنتظر. وعن ثقافته تقول ابنة أخته ومؤرخة حياته، (بلانش دوغويل): "لقد تأثر منذ نعومة أظفاره بدراسة التوراة في الكنائس، وكلما اشتد عوده زاد إعجابه بالفلسفة اليهودية، وكان دائماً يتحدث باهتمام عن ذلك، وما زلت أذكر أنني في طفولتي اقتبست منه الفكرة
стр. 76
بأن الدين النصراني والحضارة النصرانية، مدينة بالشيء الكثير لليهودية" (١). ويقول عنه (ب. جروبر) في كتابه (إسرائيل في العقل الأمريكي): "لقد كان بلفور أكثر فهماً من هرتزل لطموحات الصهيونية" (٢)، وكان صهيونياً أكثر من أي صهيوني آخر، كما كان يردد ذلك بفخر. وهل كانت طموحات هرتزل وزعماء الحركة الصهيونية تفوق ما جاء في وعد بلفور الذي أكد على وجود اليهود كأمة، ثم دمج الوعد في صك الانتداب الذي وافقت عليه عصبة الأمم؟ وهل كانت طموحات هرتزل وتوقعاته ترقى إلى ما وصل إليه تفكير بلفور، عندما أجاز لليهود توسيع حدودهم شمالاً وشرقاً بحجة الحصول على المياه التي يحتاجونها؟ فقد جاء في مذكرة بلفور حول سوريا وفلسطين وما بين النهرين قوله: "إذا كان للصهيونية أن تؤثر على المشكلة اليهودية في العالم، فينبغي أن تكون فلسطين متاحة لأكبر عدد من المهاجرين اليهود، ولذا فإن من المرغوب فيه أن تكون لها السيادة على القوة المائية التي تخصها بشكل طبيعي سواء كان عن طريق توسيع حدودها شمالاً، أم عن طريق عقد معاهدة مع سوريا الواقعة تحت الانتداب.
وللسبب ذاته يجب أن تمتد فلسطين لتشمل الأراضي الواقعة شرق نهر الأردن" (٣).
صهيونية لويد جورج
إذا كانت تلك هي صهيونية اللورد بلفور، فإن صهيونية رئيس وزرائه (لويد جورج)، لا تقل عن ذلك. فقد تربى لويد جورج على يد خاله الواعظ في إحدى الكنائس المعمدانية، المعروفة بتعصبها وإيمانها الشديد بضرورة عودة اليهود إلى أرض فلسطين كمقدمة لعودة المسيح المنتظر. وكانت للويد جورج خلفية كبيرة بالعهد القديم، حيث اعترف بأثره عليه عندما قال: "نشأت في مدرسة تعلمت فيها تاريخ اليهود أكثر من تاريخ بلادي، وبمقدوري أن أذكر أسماء جميع ملوك إسرائيل، ولكنني أشك إن كنت أستطيع ذكر أسماء بضعة ملوك من ملوك إنجلترا أو مثل ذلك العدد من ملوك ويلز. لقد تشربنا تاريخ جنسكم ـ يقصد اليهود ـ في أعظم أيام
стр. 77
مجده عندما أقام أدبه العظيم الذي سيتردد صداه حتى آخر أيام هذا العالم القديم، والذي سيؤثر في الأخلاق الإنسانية ويشكلها وسيدعم ويلهم الحاضر الإنساني، لا لليهود فحسب، بل للمسيحيين كذلك. لقد استوعبناه وجعلناه جزءاً من أفضل ما في الأخلاق المسيحية" (١).
وهذا هو حاييم وايزمان يؤكد مدى إعجاب لويد جورج بالعهد القديم، عندما تحدث عن إحدى لقاءاته معه، حيث قال: "وصلت إلى مقر رئيس الوزراء في دوانج ستريت وكانت الشوارع مكتظة بالأهالي المتهليين. ولما دخلت على لويد جورج وجدته يقرأ في مزامير داوود، وعرضت عليه خلاصة مستعجلة لأعمالنا وزياراتنا لبلاد فلسطين" (٢).
وهكذا التقت أهداف الحكومة البريطانية بأهداف الصهيونية التي اغتصبت أراضي الغير تحت مسمّيات دينية متعصبة. أما كون الفلسطينيين قد عاشوا في فلسطين آلاف السنين، وأنهم كانوا وهم ما زالوا سكان البلاد الذين يملكون أكثرية الأرض والعقار، فهو بالنسبة لهم كأنه لم يكن. ومنذ بدايات الصهيونية، كتب مؤسس الحركة الصهيوينة (ثيودور هيرتزل) في يونيو ١٨٩٥ م في مذكراته: "علينا أن نقذف بسكان فلسطين المفلسين الفقراء خارج فلسطين بإيجاد فرص عمل لهم في دول أخري، وحرمانهم من التوظيف داخل (بلدنا!) وفي حزيران يونيو ١٩٣٨ م اجتمعت الوكالة اليهودية ليوم كامل في فلسطين حيث قررت بأغلبية ساحقة عملية التهجير الجماعي (الترانسفير) لعرب فلسطين من أراضي الدولة اليهودية المزمع إقامتها" (٣).
الانتداب البريطاني وتسليم فلسطين
بعد صدور وعد بلفور، سعت بريطانيا جاهدة للحصول على موافقة الحلفاء لإخضاع فلسطين للانتداب البريطاني، وقد تم لها ذلك بسبب الدعم الأمريكي
стр. 78
اللامحدود، والضغوط والمناورات التي استخدمت لإقناع الحلفاء بذلك. "ففي يوم ٢٥ أبريل ١٩٢٠م وافق المجلس الأعلى للدول المتحالفة عند انعقاده في سان ريمو، على أن يوكل إلى الحكومة البريطانية مهمة الانتداب على فلسطين، وفي ٢٤ يوليو ١٩٢٢م أسند مجلس جمعية الأمم المتحدة مهمة الانتداب إلى الحكومة البريطانية، غير أن الانتداب لم يطبق رسمياً، لأن تركيا لم تكن قد وافقت على انفصال الولايات العربية عنها. وبمقتضى معاهدة سيفر التي عقدت في ١٠ أغسطس ١٩٢٠ م، وافقت تركيا على انفصال الولايات العربية عنها، كما وافقت على تصريح بلفور، بيد أن معاهدة سيفر لم يتم التصديق عليها في الجمعية الوطنية التركية، التي رفضت بعض أحكامها بما في ذلك تصريح بلفور. ولم يصبح فصل الولايات العربية عن تركيا نافذاً بصورة قانونية إلا بعد ثلاث سنوات عندما أبرمت معاهدة لوزان، ووقعت عليها تركيا في ٢٤ يوليو ١٩٢٣م" (١).
وبعد أن حصلت بريطانيا على ما تريد لتحقيق الحلم الصهيوني عن طريق وضع فلسطين تحت انتدابها، الذي تم في ظله فتح أبواب فلسطين على مصراعيها أمام الهجرة اليهودية، بالإضافة إلى التسهيلات الكبيرة التي قدمتها سلطات الانتداب لليهود، والتي مكنتهم من إقامة المستعمرات، وشراء الأراضي، وتأسيس نواة الجيش الإسرائيلي. وحتى في بعض الحالات التي وجدت فيها الحكومة البريطانية، أن بعض المسئولين يقفون حائلاً أمام سرعة تنفيذ المشروع الصهيوني كما تريد، قامت هذه الحكومة بإبعاد أمثال هؤلاء المسئولين عن مناصبهم، كما فعلت ذلك مع الجنرال (بولز) الحاكم العسكري لفلسطين في بداية الانتداب. الذي قدم توصيات إلى حكومته، طالبها فيها بانتهاج سياسة عادلة تجاه السكان العرب في فلسطين، بالإضافة إلى مطالبته بإلغاء اللجنة الصهيونية، بسبب تدخلها المستمر في شؤون فلسطين الداخلية.
стр. 79
هربرت صموئيل
عندما اتضح للسلطات البريطانية أن الجنرال بولز يقف حائلاً في وجهه تحقيق الأهداف الصهيونية، سارعت هذه السلطات بإقالته من منصبه، وعينت مكانه هربرت صموئيل الصهيوني العريق، وسلمته مقدرات فلسطين ووضعته على رأس الإدارة المدنية، بعد استبدال الحكم العسكري بحكم مدني، مع العلم بأن أحكام معاهدات لاهاى، لا تجيز للدولة المحتلة إقامة حكم غير عسكري قبل التوقيع على معاهدة سلام. وقد تم هذا التبديل بعد مداخلات أجراها الرئيس الأمريكي ويلسون والكولونيل هاوس واللورد بلفور، مما حذا بالأخير إلى إصدار التعليمات اللازمة "والإتيان بضباط يعطفون على الأماني الصهيونية، لإحلالهم محل الذين شكا الصهيونيون منهم" (١).
وبمجرد أن تولى هربرت صموئيل منصبه الجديد، قام بأعمال كثيرة تخدم الأهداف الصهيونية، حيث أعتمد اللغة العبرية كلغة رسمية في فلسطين، وملأ الدوائر الحكومية بالموظفين اليهود. "وفي تصرف غير عادى أمر بإطلاق سراح الزعيم الصهيوني جابوتنسكى، بالرغم من أن سلطات الانتداب كانت قد حكمت عليه بالسجن لمدة ١٥ عاماً" (٢).
الضباط البريطانيون ... وبناء الجيش الإسرائيلي
أطلق هربرت صموئيل يد الضباط البريطانيين، لتقديم المساعدة للمنظمات العسكرية اليهودية، وتغاضى عن كثير من تصرفاتهم التي تتنافى مع مهمتهم في فلسطين. حيث قام كثير من الضباط البريطانيين بتزويد المنظمات اليهودية بالأسلحة اللازمة لها، هذا في الوقت الذي منع السلاح عن العرب. كما قام كثير من هؤلاء الضباط بالإشراف على تدريب هذه المنظمات.
стр. 80
وينغيت والتفسير العسكري للتوراة
كان الكابتن تشالز اورد وينغيت مؤسس الوحدات الليلية الخاصة، "ابناً لعائلة اسكتلندية تنتمي إلى جماعة (اخوان بليموث) إحدى طوائف (المنشقين) في إنجلترا المتشبعة بروح بوريتانية صارمة. حيث كانت قصص التوراة وترانيم سفر المزامير مادة قراءاته الأولى. وظل يلهج بها طوال حياته، حتى أصبحت دارجة على لسانه. وعن طريقهما عرف أول مره شعب إسرائيل وأرض إسرائيل، اللذين ألهبا خياله منذ نعومة أظفاره" (١).
وفي أثناء توجهه إلى فلسطين، انكب وينغيت على دراسة مشكلات ارض إسرائيل الحديثة. واتضح له بسرعة، أن النضال اليهودي ليس غريبا عنه أبداً. إذ أن قصص التوراة عن حروب بني إسرائيل ضد ملوك الكنعانيين، ومناظر البلد التي كان مولعاً بها، قربته من المسألة اليهودية أكثر فأكثر. وفور وصوله، التحق وينغيت بالقوات البريطانية العاملة في فلسطين، وبدأ نشاطه من أجل تحقيق إقامة الدولة اليهودية، من خلال نشاطه العسكري المميز، حيث قام بتشكيل الوحدات الليلية الخاصة التي لعبت دوراً أساسياً في محاربة الثوار الفلسطينيين، كما لعب دوراً أساسياً في إنشاء الجيش الإسرائيلي من خلال تدريب أفراده وتزويدهم بالمعدات، وقد حدث أن التقى وينغيت بحاييم وايزمان وابن غوريون وقدم لهما خطة مفصلة لإنشاء جيش عبري في فلسطين ليكون جاهزاً لتسلم البلاد في اللحظة المناسبة. لهذا يعتبر وينجيت من أشهر الضابط الإنجليز الذين قدموا مساعدة للمنظمات الصهيونية العسكرية، حيث كان ينظر إلى المساعدة التي يقدمها لليهود كواجب ديني مفروض عليه أن يؤديه.
فقد كان وينغيت ـ مثله، مثل معظم الصهاينة غير اليهود ـ من الحرفيين الدينيين، الذين يفسرون العهد القديم تفسيراً حرفياً، ولذا كان مثابراً على تفسير الأحداث التاريخية التي وردت في الإنجيل تفسيراً عسكرياً وكأنها حدثت بالأمس،
стр. 81
على حد قول بن جوريون. وكان وينغيت مقتنعاً تمام الاقتناع بأنه مرسل في مهمة دينية مقدسة ومحددة لإنقاذ إسرائيل، وفي ذلك يقول عنه موشى ديان: "كان وينغيت يؤمن إيماناً لا يتزعزع بالتوراة. فقبل أن ينطلق في مهمته كان يقرأ في التوراة، المقطع الذي يتحدث عن المنطقة التي سيسلكها، فيجد فيه ضماناً لانتصارنا، انتصار إله يهوذا" (١).
ويوضح دافيد كوهين ـ وهو أحد الزعماء الصهاينة ـ مدى معرفة وينغيت بفلسطين، ومدى إيمانه بكل ما ورد بشأنها في التوراة، فيقول: "كنت معتاداً على التجول في البلد (فلسطين) برفقة زوار من أبناء الشعب الإنجليزي، كانوا على معرفة بأسماء من تاريخنا، ويعرفون خريطة البلد جيداً ويحفظون مقاطع من التوراة عن ظهر قلب. لكن أياً منهم لم يكن شبيهاً بوينغت في عمق معرفته، واطلاعه المذهل، وقدرته على تفسير ما ورد في التوراة. كان يروى شفاها مقطعاً في أثر مقطع. ها هي حاروشت هغوييم، ديبواره وبراك، جبال غلبواع، تل هاموريه، شوننم وعين دور ـ كل هذا كما لو كان يقرأ في خريطة أمام عينيه ـ هنا تماماً، تقريباً هنا، ... ربما خلف هذه الصخور ... هنا أرسلوا الإشارات الضوئية ... لهذا السبب أو ذاك أصيبوا ... بالتأكيد فروا من هذا الوادي ... ولماذا لم يساعدهم إخوانهم من السبط الفلاني، أما كانوا قاطنين هنا، وراء الجبل؟ وكان يتحدث بألم، بانفعال وغضب، كما لو أن الأمر حدث البارحة، كما لو أن الانقسام الكبير بين آل داود وأسباط إسرائيل أمر يخصه شخصياً" (٢).
و وينغيت هذا لم يكن إلا نموذجاً من النماذج الكثيرة لضباط وجنود ومسئولين إنجليز، عملوا في فلسطين، وكانت النظرة الدينية البحتة هي التي تحكم تصرفاتهم وقراراتهم تجاه فلسطين. وقد علمت من خلال قصص الاجداد ان هذا الضابط عمل في قريتنا (يبنا) قضاء الرملة ومارس كافة انواع الارهاب ضد سكانها وقد ذكر ابن قريتنا، الاديب والقاص محمد جاد الحق في روايته (قبل الرحيل) بعض من جرائمه
стр. 82
حيث يقول: "لقد دأب هذاعلى التفنن في أساليب اقترافه لجرائمه، لكأنه يقوم بعمل يحبه ويتعشقه. وتتراوح جرائمه ما بين الاعتداء على الناس، بالضرب والشتيمة، وسرقة ما يلقاه في حوزتهم، وبين القتل العمد رمياً بالرصاص أو طعناً بالحراب. كان ساديّاً يجد لذته في تعذيب ضحاياه حتى الموت. وليس شرطاً أن يكون هؤلاء ثواراً، أو حتى مجرد رجال راشدين. بل كثيراً ما عمد إلى قتل غلمان، أو مزارعين يلقاهم في الطرقات، أو في أي مكان بين البيارات والحقول أو على رمال الشاطئ.
هكذا تناقلت الروايات سيرته. حاول أهل القرية اغتياله في أكثر من مناسبة، دون أن يفلحوا، مما أضفى على غريمهم هذا هالة أسطورية من الرهبة. لكن محاولاتهم ما كانت لتذهب بغير عقاب يوقعه بهم، تمثل في صور عديدة مختلفة. منها العقوبات الجماعية، يفرضها عليهم، اعتباطاً ومن تلقاء نفسه. وكأنه دولة قائمة بذاتها، لا يُسأل عما يفعل. ومنها اللجوء إلى قتل مجموعات من الناس كيفما اتفق، ربما صادفها في طريقه، أو عمد إلى جمعها من المزارعين، أو من بين روَّاد المقاهي وأصحاب الحوانيت، أو المارة. أما أهون تلك العقوبات فقد كان حجز أعداد غفيرة من أهل القرية في ساحتها العامة، لساعات طويلة تحت أشعة الشمس اللاهبة، أو المطر المنهمر، تبعاً للفصل الراهن حينئذ. بل هم مازالوا يذكرون في قهر وأسى كيف ألقى هذا الانكليزي - اليهودي فجر ذات يوم بخليل السلال وولده ابراهيم من فوق الجسر إلى لجة الوادي، ليلقيا حتفهما دون أن تشفع لهما توسلاتهما وضراعتهما شيئاً" (١).
الدافع الديني للتحيز
مما تقدم يمكننا تقدير حجم المساعدة، ودوافعها الدينية، التي قدمتها بريطانيا للحركة الصهيونية. فهذه المساعدة لم تكن بدافع الحصول على مكاسب مادية، أو بسبب أثر اللوبي الصهيوني، أو نتيجة لدهاء وعبقرية الزعماء الصهاينة، بل كان الدافع الأساسي لها كما اتضح لنا، دافعاً دينياً في الأساس. تقول دائرة المعارف البريطانية: "إن الاهتمام بعودة اليهود إلى فلسطين قد بقى حياً في الأذهان بفعل
стр. 83
النصارى المتدينين، وعلى الأخص في بريطانيا التي كان اهتمامها أكثر من اهتمام اليهود أنفسهم" (١).
كما أن حاييم وايزمان ـ أول رئيس لدولة إسرائيل ـ وضح هذا الأمر بجلاء في كتابه (التجربة والخطأ) حيث قال: "لقد احتضنت بريطانيا الحركة الصهيونية منذ نشأتها، وأخذت على عاتقها تحقيق أهدافها، ووافقت على تسليم فلسطين خالية من سكانها العرب لليهود في عام ١٩٣٢م. ولولا الثورات المتعاقبة التي قام بها عرب فلسطين، لتم إنجاز هذا الاتفاق في الموعد المذكور" (٢). ويقول وايزمان في مكان آخر: "للقارئ أن يسأل، ما هي أسباب حماسة الإنجليز لمساعدة اليهود وشدة عطفهم على أماني اليهود في فلسطين؟ والجواب على ذلك، أن الإنجليز ـ لاسيما من كان منهم من المدرسة القديمة (يقصد البروتستانت) ـ هم أشد الناس تأثراً بالتوراة. وتدين الإنجليز هو الذي يساعدنا في تحقيق آمالنا، لأن الإنجليزي المتدين يؤمن بما جاء في التوراة من وجوب عودة اليهود إلى فلسطين. وقد قدمت الكنيسة الإنجليزية في هذه الناحية أكبر المساعدات" (٣).
وهكذا لعبت بريطانيا دوراً رئيساً في قيام دولة إسرائيل بفضل وعد بلفور وما تبعه من انتداب، كان هدفه الأساسي الإعداد والتحضير لإعلان الاستقلال في عام ١٩٤٨ م.
стр. 84
الفصل الرابع
أمريكيا والمشروع الصهيوني
كان دافيد بن جوريون والزعماء الصهاينة الآخرين يعلمون، عندما أعلنوا عن قيام دولة إسرائيل في عام ١٩٤٨ م، بأنه لا بد من وجود حليف قوى يقوم بحماية هذه الدولة الوليدة، حيث كانت الولايات المتحدة الأمريكية هي الدولة المؤهلة للقيام بهذه المهمة بعد أن خرجت من الحرب العالمية الثانية كأقوى قوة في العالم، وأصبحت تلعب دوراً رئيساً في تشكيل السياسة الدولية. وهذا لا يعنى أن بريطانيا قد تخلت عن دعم إسرائيل، أو أن أمريكيا كانت غائبة عن دعم مطالب الحركة الصهيونية في فلسطين قبل ذلك. كلا، إن هذا التغير فرضته المتغيرات الدولية، بحيث أصبحت أمريكيا تحتل مركز الصدارة في دعم الحركة الصهيونية بعد الحرب العالمية الثانية. فأمريكيا مثلها مثل بريطانيا ذات أغلبية بروتستانتية، تغلغلت في تفكير مواطنيها الأفكار والنبوءات التوراتية الخاصة بعودة اليهود إلى فلسطين كمقدمة لعودة المسيح المنتظر، حتى قبل ظهور الحركة الصهيونية بفترة كبيرة من الزمن.
هجرة البروتستانت إلى أمريكيا
عندما بدأ الاستيطان الأوروبي لأمريكا كان معظم المهاجرين الجدد من البروتستانت، الذين فروا من الاضطهاد الديني الذي ساد أوروبا في ذلك الوقت، حيث هاجر إلي أمريكيا كثير من البيوريتان المتدينين، فراراً من الاضطهاد الديني الذي ساد إنجلترا أثناء حكم آل ستيوارت (١)، حيث كانوا ينظرون إلى أنفسهم من منطلق خاص بهم. "فعلى غرار الخروج الجماعي المذكور في العهد القديم والذي هرب فيه اليهود من مصر ورحلوا إلى ارض جديدة وعدهم الرب بها، نظر البيوريتانيون لأنفسهم على أنهم الشعب المختار الجديد، ونظروا إلى العالم الجديد على انه إسرائيل الجديدة. أما العالم القديم بالنسبة لهم، فكان هو مصر التي فروا منها. لقد
стр. 85
عقدوا عهداً مع الرب: انه إذا أمن الرب ذهابهم إلى العالم الجديد، فإنهم سيؤسسون مجتمعاً تحكمه القوانين الإلهية" (١).
وهكذا كان هؤلاء المستوطنون الجدد يحملون معهم تراثهم الديني المستمد من العهد القديم، والذي أخذ يلعب دوراً رئيساً في تشكيل الفكر الأمريكي منذ ذلك الوقت. ومما قوى من أهمية هذا الدور، هو ربط هؤلاء المستوطنين بين تجاربهم التي مروا بها منذ رحيلهم من أوروبا وإنجلترا بالذات، وبين التجارب التي مر بها اليهود القدماء عندما فروا من ظلم فرعون إلى أرض فلسطين (٢). حيث اعتبروا أمريكا هي (أورشليم الجديدة) أو (كنعان الجديدة) وشبهوا أنفسهم بالعبرانيين القدماء حين فروا من ظلم فرعون (الملك الإنجليزي جيمس الأول) وهربوا من ارض مصر (إنجلترا) بحثا عن ارض الميعاد (الجديدة) (٣). فقد رأى البيوريتانيين في تجربتهم الخاصة المتمثلة "بالهروب إلى البراري، من أوروبا المنحوسة مساوية لتجربة اليهود الذين قادهم موسى من مصر، غير أنها كانت أكثر بكثير من تجربة مساوية. لقد آمنوا بأن تجربتهم لم تكن في الحقيقة إلا تجسيداً حياً لتجربة الخروج. وقد فسروا تجربتهم على أنها تكرار للتاريخ الذي شكل شعب الرب القديم" (٤).
فهم مثلهم مثل اليهود فروا من الظلم بحثاً عن الأرض الموعودة التي تدر لبناً وعسلاً، وجابهوا الصعاب في رحلتهم عبر المحيط، كما حدث لليهود في صحراء سيناء عند خروجهم من مصر. كما أنهم جوبهوا بمقاومة السكان الأصليين كما جوبه اليهود بمقاومة أهل فلسطين، وعندما كانوا يعلنون الحرب على أصحاب البلاد الأصليين، كانوا يستحضرون العهد القديم، حيث ثمة تشابه بين تجاربهم في حربهم مع الهنود الحمر، وتجربة اليهود في حربهم ضد الفلسطينيين في الماضي.
стр. 86
لقد عانوا من الانقسام ومن تجارب الحرب الأهلية المرة بين الشمال والجنوب، كما حدث مع اليهود القدماء عندما انقسمت مملكتهم إلى مملكتين إحداهما في الشمال والأخرى في الجنوب.
لقد كان هؤلاء المستوطنون يعلمون أن الأرض التي استولوا عليها من سكانها الأصليين ليست أرضهم، كما أنهم يعلمون أن ما يقومون به من عمليات اضطهاد وقتل وتشريد للسكان الأصليين، يتنافى مع أبسط المبادئ الأخلاقية، فكانوا لذلك بحاجة إلى شيء يبرر لهم أفعالهم هذه ويضفي عليها نوعاً من الشرعية والأخلاقية ولو مزيفة، فلم يجدوا هذا التبرير إلا في العهد القديم. فكما أن اليهود القدماء برروا احتلالهم لفلسطين بالإدعاء بأنها الأرض الموعودة التي وهبها الله لشعبه المختار ـ كما يقولون- فإن هؤلاء المستوطنون الجدد فعلوا نفس الشيء بالإدعاء بأن الله أختار العنصر الأنجلوسكسونى البروتستانتي الأبيض لقيادة العالم، بل إنهم ذهبوا إلى أبعد من ذلك عندما شبهوا الشعب الأمريكي بالشعب اليهودي الذي يسعى إلى دخول الأرض الموعودة.
ولأن زعم هؤلاء المهاجرين الأوائل بأنهم شعب الله المختار، لا وجود له في أي كتاب مقدس، فإن بعضهم سعى إلى إيجاد رابطة بينهم وبين اليهود الذين يدعون أنهم شعب مختار. لهذا فقد زعم أحد الكتاب ويدعى ريتشارد بروترز في كتابه (المعرفة المنزلة للنبوءات والأزمنة) "بأن الإنجليز السكسون هم من أصل يهودي، على أساس أنهم ينحدرون من سلالات الأسباط التي أدعى اليهود أن أفرادها فقدوا بعد اجتياح الآشوريين لمملكة إسرائيل عام ٧٢١ قبل الميلاد" (١). وربما يفسر هذا الادعاء ما كتبه هيرمان ملفيل في بداية القرن التاسع عشر متحدثاً عن الشعب الأمريكي حيث قال: "نحن الأمريكيون شعب خاص، شعب مختار وإسرائيل العصر الحاضر" (٢).
يقول القس البروتستانتي صموئيل ويكمان في موعظته الشهيرة على ظهر السفينة (أرابلا) التي حملت أول مجموعه من البروتستانت البيورتانيين (التطهيريين)
стр. 87
إلى خليج ماساشوستس: "أن أورشليم كانت لكن نيوانجلاند (المستعمرة الأولى) هي الموجودة الآن، وأن اليهود كانوا لكنكم انتم (البروتستانت التطهيريون) شعب الله المختار، وعهد الله معكم فضعوا اسم نيوانجلاند مكان اسم أورشليم. وعندما وصلت المجموعة الثانية من المستوطنين إلى شاطئ نيو انجلاند على ظهر السفينة (ماي فلاور) عام ١٦٢٠ م وقعوا فيما بينهم (عهد ماي فلاور) الذي حددوا فيه طريقة الحياة التي يرغبونها وأسس المجتمع المثالي في أورشليم الجديدة أو إسرائيل الجديدة (أمريكا) ... وذلك تمجيداً لاسمه تعالى، وترويجاً للدين المسيحي ... " (١).
مما تقدم يتضح لنا أهمية الدور الذي لعبه التراث الديني المستمد من العهد القديم في تشكيل الفكر الأمريكي منذ بداياته الأولى، وهذا ما دفع والتر ماكدوجال في كتابه (أرض الميعاد والدولة الصليبية) إلى القول: "أن نشأة أمريكيا كانت نتيجة اندفاعية دينيه، بل أن مغامرة كولمبوس لم تكن إلا مغامرة دينيه وبكلمات كولمبوس، فإن الرب جعله رسولا للجنة الجديدة والأرض الجديدة بعد أن حدثه بها يوحنا المقدس في سفر الرؤيا وأراه النقطة التي يجدها عندها، أن اكتشاف أمريكا قبل أي شيء آخر كان نهاية حج عظيم ونهاية للبحث الروحي العظيم" (٢).
الفكر الأمريكي والبعث اليهودي
في ظل هذا الوضع، ومع نهاية القرن الثامن عشر الذي شهد بعث الأمة الأمريكية، أصبح الاعتقاد بالبعث اليهودي يشكل جانباً مهماً من الفكر الأمريكي، "وكان من شأن الحماسة الأمريكية لإعادة اليهود إلى إسرائيل، بعد استثارته، أن يثبت انه أقوى من النزعة الاعادية الانجليزية. لأنه أكثر حيوية ومستنداً إلى قاعدة أوسع. فالطبعة الأمريكية تضيف إلى الاقتناع الإنجليزي بمسؤولية خاصة عن إنقاذ اليهود المشتتين، الإيمان بأن أمريكا نفسها صبت في ذلك القالب منذ بداياتها
стр. 88
الأولى، وبأن مصير إسرائيل يعانق مصيرها" (١). ولهذا كان واضحاً منذ البدايات الأولى أثر العهد القديم في الحياة الأمريكية. فقادة الولايات المتحدة وشعبها وكتابها أسموا دولتهم وقت إنشائها بـ (أورشليم الجديدة)، وأسموا مدنهم ومستوطناتهم بأسماء توراتية، منها: صهيون، وأورشليم، وحبرون، واليهودية، وسالم (التي اشتهرت بإحراق الساحرات)، وعدن، وأسموا أولادهم بأسماء آباء العهد القديم وأبطاله، بدل اسماء القديسين وتلاميذ المسيح ﵇.
السامري على الدولار
لو تأملنا ورقة العملة النقدية الأمريكية، فئة دولار واحد، فسنجد رسماً مثيراً لهرم مصري وقد اعتلته قمة ذهبية عليها عين وحيدة، ويخرج من القمة الذهبية خيوط إشعاع، وقد كتب فوق الهرم باللاتينية (المصري الوحيد)، وتحته (إنه يرانا) ـ أو يرقبنا أو يرعانا. وليست مصادفة أن نفس هذا الرسم بتفاصيله يستخدم كرمز أساسي من رموز الماسونية "وهي واحدة من أقدم الحركات اليهودية التي تستهدف السيطرة على العالم، وفروعها وجمعياتها حالياً كثيرة ومنتشرة كالسرطان" (٢).
ولفهم معاني هذا الرمز (الصهيوني في أصوله وتفاصيله) نعود إلى قصة السامري، ذلك الذي خرج مع بني إسرائيل عند خروجهم من مصر، وصنع لهم عجلاً ذهبياً عبدوه، حتى عاد موسى ﵇ فنسف العجل في اليم نسفا وطرد السامري. لكن اليهود رأوا في السامري أول رسل الصهيونية، وظلوا يحفظون مغزى حركته التحريفية التي قام بها، والتي منحتهم ما ظلوا يؤمنون به حتى اليوم: الذهب، وتصور وثني لإله متجسد. وإكراماً للسامري، الذي دعاه اليهود المصري الوحيد (أو الحقيقي أو الأصلي) حافظوا على الرموز المصرية بين رموزهم الماسونية، وخصوه برمز الهرم ذي القمة الذهبية، ورمز الشمس المشرقة، ورمز العين (إشارة إلى اثنين من أهم المعبودات المصرية القديمة وهما: رع كبير الأرباب ورب الشمس، وحورس رب الانتقام وكان يعتقد أن لعينه خصائص سحرية شافية)،
стр. 89
واعتقدوا أن السامري يرعاهم، واتخذوا من الانتساب إليه ذريعة تربطهم بمصر التي عاشوا فيها عبيداً، وخرجوا منها خائفين يترقبون مع نبي لم يؤمن به إلا قليل منهم، ولم يؤمنوا به إلا قليلاً، ذريعة تعطيهم ـ فيما بعد ـ حق المطالبة بما يدعونه إسرائيل الكبرى التي يزعمون أنها من النيل إلى الفرات. وسيكتشف أي باحث في التاريخ حجم حقدهم المسموم ومداه المحموم حين يعرف أن الأرض من النيل إلى الفرات إن هي إلا إمبراطورية تحتمس الثالث الملك المصري الذي استعبد بني إسرائيل، وهاهم العبيد يحلمون بالانتقام من سيدهم والاستيلاء على ممتلكاته. كل هذه المعاني والرموز السرية الماسونية والصهيونية، وكل هذا الحقد التاريخي الفادح، اختزله اليهود في رمز الهرم ذي القمة الذهبية والعين، واختاره الأمريكيون الأوائل شعاراً لعملتهم الأولى (دولار واحد) " (١).
وخاتم داود
خاتم الدولة هو شعارها الرسمي، وهو ـ بلا شك ـ شعار يتم اختياره بعناية للتعبير عن هويتها وانتمائها، وقد اختار المؤسسون الأوائل للولايات المتحدة الأمريكية، درع داود (النجمة السداسية) شعاراً لهم وضعوه على رأس النسر الأمريكي (والنسر رمز توراتي معروف هو الآخر). ولنلاحظ أن اختيار هذا الشعار الصهيوني تم قبل أكثر من قرن كامل من انعقاد المؤتمر الصهيوني الأول في بازل بسويسرا. فقد انعقد المؤتمر في ١٨٩٧م، في حين تولى (جورج واشنطن) ـ الرئيس الأول للولايات المتحدة الأمريكية ـ مقاليد الحكم في ١٧٨٩ م. إذن فقد سبقت صهيونية أمريكا صهيونية (هرتزل) بل إن صهاينة أمريكا زايدوا على (هرتزل) نفسه كما سنرى.
يقول شفيق مقار في كتابه (المسيحية والتوراة): "من المعطيات المهمة التي توجه البحث صوب العالم الجديد (أي أمريكا) احتواء الخاتم الرسمي لدولة الولايات المتحدة الأمريكية، منذ ما قبل ظهور الصهيونية اليهودية بوقت طويل على (مجن داود) النجمة السداسية التي ترفرف اليوم من علم المحطة الصهيونية الأولى (إسرائيل)، والمجن في الخاتم من ثلاث عشرة نجمة تمثل
стр. 90
كل نجمة منها ولاية من الولايات الثلاث عشرة الأولى التي تألف منها الاتحاد. ويشير جوزيف كامبل، في كتابه (قوة الأسطورة) إلى أن النجوم المستخدمة في الخاتم الأمريكي تشكل ١٣ نقطة هي عينها النقاط الـ ١٣ في النجمة اليهودية بحيث أدمجت في خاتم الدولة الأمريكي" (١).
أمريكا مهد الصهيونية
ان الولايات المتحدة، منذ ظهورها، دخلت في تشكيل بنيتها وفي صنع روحها مؤثرات عبرانية بالغة الفعالية ـ لا من غلبة عنصر البروتستانتية الأنجلو سكسونية فحسب، بل ومن دخول اليهود كشركاء مؤسسين، إن صح التعبير، في تكوين أمتها وتحديد مسارها، "فقد غزت اللغة العبرانية العالم الجديد قبل أن ينادي هرتزل بإنشاء الدولة اليهودية بأكثر من قرنين ونصف القرن! وكانت لغة التعليم الأساسية في جامعة هارفارد عند تأسيسها في عام ١٦٣٦ م، وشريعة موسى كانت هي القانون الذي أراد جون كوتون تبنيه إلى جانب العبرية التي أرادها لغة رسميه لأبناء مستعمرات الدم الأزرق الثلاث عشرة على ساحل الأطلنطي" (٢). كما إن الحقائق التاريخية التي كشفت عنها البحوث تشير إلى أن أولئك اليهود كانوا من بين مؤسسي الولايات الثلاث عشرة الأولى التي تألف منها الاتحاد.
فقد اضطر اليهود، أبناء أوربا بالتبني الذين ازدرتهم أوربا خلال القرون من الخامس عشر إلى السابع عشر الميلادي، إلى الهجرة والبحث عن ملاذ، وقد وجدوا ذلك الملاذ في أمريكا، الأرض التي كان مقدراً لها أن تصبح الابنة المفضلة لأوربا، وهكذا يمكن القول من وجه بعينه إن بين اليهود وأمريكا قضية مشتركة من مبدأ الأمر، وإن ذلك التوافق شكل علاقتهما منذ التقائهما. ولهذا فإن الأمريكيون ينظرون إلى إسرائيل على أنها شديدة الشبه بأمريكا، "أمه مهاجرة، ودولة مهاجرين، وملاذ مضطهدين ومظلومين، ومجتمع رواد استيطان، بلد قوي وشجاع عازم على النضال
стр. 91
في صف الحق، ونظام ديمقراطي تظلله سيادة القانون (الوحيد في الشرق الأوسط) وواحة ثقافة استهلاكية غربية في صحراء قاحلة تحيط بها من كل جانب، وثمة عدد كبير من الأمريكيين في إسرائيل. فالروابط بالغة المتانة إلى درجة أن إسرائيل ليست بنظر عدد غير قليل من الأمريكيين، سوى ولاية حادية وخمسين" (١).
ويفصل احد الكاتب الأمريكين هذه القضية المشتركة بقوله: "إن كلاً من الولايات المتحدة وإسرائيل يضمهما عناق حميم في سياق علاقة خاصة غريبة، وسواء كانت إسرائيل بالنسبة للولايات المتحدة أصلاً استراتيجياً أو مشكلة استراتيجية، فإنها تجسد مثلاً أعلى مغروساً بعمق في الفكر الأمريكي منذ السنوات الأولى لظهور أمريكا في العالم الجديد". ولكن هذه العلاقة الخاصة التي يتحدث عنها الكاتب، وغيره من الساسة ورجال الدين والفكر في أمريكيا، "كلفت الولايات المتحدة ٩١.٨٢ بليون دولار نقداً. أما إذا أضيف إلى ذلك الكلفة غير المباشرة مثل تسهيلات القروض وإلغائها, وما دفعه الاقتصاد الأميركي لشراء نفط عالي السعر بسبب الصراع, أو خلال مراحل المقاطعة, أو مستتبعات الحروب العربية الإسرائيلية وغير ذلك, فإن "سعر" العلاقة الخاصة يصل إلى ١.٦ تريليون دولار" (٢).
رؤساء أمريكا والبعث اليهودي
لا يملك أي متتبع لسيرة رؤساء الولايات المتحدة الأمريكية إلا ضرب أكف العجب وهو يرى إيمانهم الصهيوني العميق، وعداءهم الذي لا تشوبه شائبة لكل ما هو عربي وإسلامي. كما سيجد متتبع سيرتهم دورهم واضحاً في إقامة الكيان الصهيوني، وسيكتشف أن هذا الدور لم يكن دور المعاون أو المساند فأمريكا هي المالك الحقيقي للمشروع الصهيوني، وهي المتصرف في أمره كذلك. فقد كان واضحاً منذ البداية أثر الرموز التوراتية على الرؤساء الأمريكيين الأوائل جورج واشنطون وجون آدمز وجفرسون، حيث أخذت الرموز التوراتية تهيمن على كل كبيرة
стр. 92
وصغيرة في الحياة الأمريكية: عملتها، شعارها، خاتمها، أسماء مدنها .. والأهم تفكيرها وطبيعة مؤسسيها.
جورج واشنطن
كان الرئيس الأمريكي الأول جورج واشنطن من أوائل الأمريكان الذين انتسبوا إلى المحافل الماسونية اليهودية، "حيث انتسب إليها في عام ١٧٥٥ م وترقى في الدرجات إلى أعلاها، وقام بتأسيس محفلاً ماسونياً في فرجينيا دعاه محفل إسكندرية نمره ٢٣ وانتخب رئيساً له، وبعد وفاته أجمع أعضاء المحفل على تسميته (محفل واشنطون الإسكندري) وذلك رغبه أن يبقى ذكر رئيسهم المجيد في الأفواه وأن تكون آثاره الماسونية غرضاً تصوب إليها الأفكار للاقتداء به" (١).
وانتساب الرئيس جورج واشنطون إلى هذه المحافل يعكس بجلاء خلفياته الدينية التوراتية، حيث كان رجلاً شديد التدين (عبرانياً) وظل حتى أخريات أيامه عظيم التقديس للشعائر والطقوس اليهودية والتاريخ المقدس الذي تضمنه العهد القديم. ففي رسالتين وجههما إلى اثنين من قادة اليهود أعرب واشنطن عن أمله في: "أن يظل الرب صانع المعجزات الذي خلص العبرانيين في الأزمنة القديمة من بغى مضطهديهم المصريين، وزرعهم في ارض الميعاد، يسقيهم من السماء، وأن ينعم ذلك الرب القدير يهوة، على كل منٌ بالولايات المتحدة التي تأسست بقدرته، بالبركات الدنيوية والروحية التي انعم بها على شعبه" (٢).
أما الرئيس الثاني لأمريكا جون آدمز فقد بعث في عام ١٨١٨ م برسالة إلى الصحفي اليهودي، مردخاى مانويل نوح عبر فيها عن أمنيته في أن يعود اليهود إلى جوديا ـ يهودا ـ لتصبح أمة مستقلة .. "لأنني اعتقد أنه بعد أن يعودوا إلى مكانه مستقلة، لن يكونوا مطاردين بعدها، سيزيلون من على أنفسهم، التصلب والغرابة في طباعهم" (٣).
стр. 93
توماس جيفرسون
اقترح الرئيس الثالث لأمريكا توماس جيفرسون، وواضع وثيقة استقلالها، أن يمثل رمز الولايات المتحدة الأمريكية، على شكل أبناء إسرائيل تقودهم في النهار غيمه وفي الليل عمود من النار، بدلاً من الرمز المعمول به حالياً. وواضح أن هذا الشكل المقترح رمزاً للولايات المتحدة يتفق مع النص التوراتى الوارد في سفر الخروج والذي يقول: "كان الرب يسير أمامهم نهاراً في عمود سحاب يهديهم في الطريق، وليلاً في عمود نور ليضئ لهم" (١). أما بنيامين فرانكلين "فقد اقترح أن يكون الشعار صورة موسى وهو يشق البحر الأحمر بعصاه" (٢). وهنا مرة أخرى تتأكد لنا صهيونية الرمز الأمريكي، وهي صهيونية سبقت إعلان الصهيونية اليهودية بأكثر من قرن كامل، ويضعنا (شفيق مقار) أمام رموز أخرى حيث يقول: "ومن تلك المعطيات أيضاً أن الرسم الأول الذي اقترح لعلم الولايات المتحدة كان رسماً لصور موسى خارجاً من مصر على رأس بني إسرائيل، لكنه ـ وقد أثار جدلاً ـ استعيض عنه برسم النسر، والمسألة مجرد استبدال رمز توراتي برمز توراتي آخر" (٣).
كما أن الرئيس جيفرسون -الذي كان صاحب أول إعلان حرب أمريكي ضد بلد عربي هو ليبيا في عام ١٨٠١ - كان من ابلغ من تحدث عن المعنى الإسرائيلي لأميركا بل انه ختم خطابه التدشيني لفترة الرئاسة الثانية بتعبير يشبه الصورة التي اقترحها لخاتم الجمهورية "إنني بحاجة إلى فضل ذلك الذي هدى آبائنا في البحر، كما هدى بنى إسرائيل واخذ بيدهم من أرضهم الام ليزرعهم في بلد يفيض بكل لوازم الحياة ورفاه العيش" (٤).
стр. 94
جيمس ماديسون
كان جيمس ماديسون الرئيس الرابع لأمريكا، رجلاً شديد التدين اتجه طموحه ـ قبل أن تجتذبه السياسة ـ إلى سلك الكنيسة، ولذا امتاز على غيره من الرؤساء الأمريكيين المؤمنين بإجادته اللغة العبرية وتبحره في آدابها، أي العهد القديم وكتابات الكهنة والأحبار اليهود (١). وبتأثير تلك الخلفية العبرانية، كان فعل العامل الديني في حالته قوياً، حيث قام بتعيين الداعية اليهودي الشهير (موردخاي نوح) قنصلا فخرياً للولايات المتحدة الأمريكية في تونس ـ بناء على طلب نوح نفسه ـ سنة ١٨١٣م، ليصبح أول يهودي يمثل الولايات المتحدة الأمريكية. وقد تبع هذا التعيين المشؤوم ان قامت أمريكيا وفي عام ١٨١٥م بإعلان الحرب على الجزائر بحجة الدفاع عن المصالح الأمريكية في المنطقة .. ومن الجزائر انتقلت القوات الأمريكية إلى تونس في عام ١٨١٦م (٢).
ولما عاد نوح إلى أمريكا، حاول إقامة مشروع (أرارات) تبركاً باسم الجبل الذي تقول التوراة أن سفينة نوح ﵇ رست عليه، ليكون وطناً قومياً لليهود على جزيرة بنهر نياجرا، ولما فشلت المحاولة اتجه نوح بمشروعه إلى سوريا، وفي هذا الصدد ألقى محاضرة قال فيها: "إن عدد اليهود قد بلغ ٧ ملايين (كان هذا في١٨٣٧ م) وإنهم يتحكمون في ثروات طائلة لا سبيل إلى مقارنتها بما في يد الآخرين، وعلى هذا فـ (إعادة احتلال اليهود لسوريا) ليست مستحيلة، خاصة وأن دولتهم التي وصفها بأنها حكومة عادلة ليبرالية ومتصفة بالتسامح، ستكون عوناً كبيراً لمصالح فرنسا وإنجلترا" (٣).
وفي سنة ١٨٤٤ م عدل نوح خطته مرة أخرى، عازماً على إقامة وطن اليهود القومي في صهيون (فلسطين)، وكعادته، ألقى نوح محاضرة ضمنها مشروعه الجديد، واقترح أن يتم السعي لدى سلطان تركيا للحصول على موافقته على شراء الأرض اللازمة لإنشاء الوطن اليهودي بأموال اليهود وامتلاكها. ويبدو أن دعوة نوح
стр. 95
السابقة، كانت صدى لموعظة المبشر ليفى برسونس في عام ١٨٢١م التي قال فيها: "في قلب كل يهودي، تتأجج رغبة لا يمكن إخمادها، لاستيطان الأرض التي أعطيت لأجدادهم إذا دمرت الإمبراطورية العثمانية، فان معجزة فقط يمكنها أن تمنع عودة اليهود الفورية إلى أرضهم، من كافة أقطار العالم" (١). والمهم هنا هو أن محاضرة نوح تلك لم تلفت نظر اليهود إليها، لكن المسيحيين الصهاينة أولوها اهتماماً كبيراً، وكتب (اسحق ليسر) في صحيفة الغرب يقول: "أثارت محاضرة نوح قدراً كبيراً من الاهتمام بين مواطنينا المسيحيين، فاق بكثير ما أثارته من اهتمام بيننا نحن اليهود" (٢).
الرئيس المنصر جون كوينسي آدمز
أصبح جون آدمز الرئيس السادس للولايات المتحدة الأمريكية في عام ١٨٢٥ م، وخلافاً لأسلافه الثلاثة اكتفى آدمز بفترة رئاسية واحدة، وآدمز لم يشتهر بأنه كان وزيراً لخارجية أمريكا أو رئيس لها فحسب، بل اشتهر بدوره كمنصر بروتستانتي انصب جهده على اختصار الطريق إلى تحقق مخطط الله، عن طريق محاولة إقناع اليهود بتغيير رأيهم فيما يتعلق بمسألة المجيء، والقبول بالمسيح (حسب الإيمان المسيحي) والتعجيل بذلك ببدء العصر الألفي السعيد، حيث كان هذا هو الاعتقاد السائد لدى المسيحيين الصهاينة في ذلك الوقت، وأنه لابد من أن يشرق عصر ذهبي يضع حداً للظلم وللشر المستشري في العالم. وقد علق على ذلك الباحث جروس بقوله: "إن الطموح إلى تحويل اليهود إلى المسيحية اكتسب قوة جعلت منه شبه حملة صليبية اجتماعية في مستهل حياة الجمهورية الأمريكية، وأنه تولدت عنه حركة شاعت بين النخبة الأمريكية كان من أوائل مؤيديها جون كوينسي آدمز، حيث تحول الرمز اللاهوتي إلى مخطط سياسي هو المشروع الصهيوني الذي اضطلعت الولايات المتحدة الأمريكية بدور القائد في تنفيذه" (٣).
стр. 96
وكمنصر بروتستانتي عمل آدمز من موقعه كرئيس للولايات المتحدة الأمريكية لتحقيق الحلم الصهيوني، "حيث بدل جهوداً كبيرة أثمرت عن عقد اتفاقية مع الإمبراطورية العثمانية في عام ١٨٣٠ م، استغلتها الكنيسة البروتستانتية في إطلاق العنان للبعثات التبشيرية البروتستانتية في المنطقة، والتي انتشرت ستون بعثه منها، بقرار من المجلس الأمريكي للبعثات الخارجية من اليونان حتى إيران، ومن اسطنبول وحتى القدس. وهذه البعثات هي التي مهدت الطريق أمام مشاريع الاستيطان اليهودي في فلسطين عملاً بتعاليم الصهيونية المسيحية التي تؤمن بها الكنيسة البروتستانتية الأمريكية" (١). حيث لعبت هذه البعثات دوراً تخريبياً في المنطقة العربية والعالم الإسلامي باعتبارها أداة وركيزة للاستعمار والصهيونية، ومعول هدم وتدمير لكل ما يمت للإسلام بصله (٢).
فالتبشير كان ولازال دعامة من دعامات الاستعمار وأداة من أدوات الفكر الغربي، فقد قدم الاستعمار ولا يزال يقدم العون المادي والمعنوي للمبشرين ويقوم بحمايتهم وإزالة الصعاب من أمامهم. "فارتباط التنصير بالاستعمار يكاد يكون عضوياً، حيث مهدت السلطات الاستعمارية لنشاط التنصير ووفرت له الحماية والأمن والدعم المعنوي والمادي، وكان كثير من مبشري القرن التاسع عشر الميلادي يتحركون بعقلية صليبية وكانوا استعماريين يقومون بدور مزدوج في التبشير وخدمة مخططات دولهم الاستعمارية. لقد كان المبشرون هم الرواد الأوائل للاستعمار الثقافي الغربي في عالمنا الإسلامي وبلادنا العربية" (٣). ويقول علي عبد الحليم محمود: "كان التبشير هو الخطوة الأولى التي مهدت للاستعمار ومكنته من الاستيلاء على بلاد المسلمين وتسخير أرضهم وخيراتها وكثير من أبنائها لخدمة الأغراض السياسية والتبشيرية معاً" (٤). ويقول باحث آخر: "إن التبشير الديني نفسه
стр. 97
ستار للتبشير التجاري والسياسي وأساس متين للاستعمار، ولنذكر أن أكثر الفتنة الداخلية في الشرق من دينية وسياسية واجتماعية إنما قام به المبشرون الذين استأجرهم الاستعمار" (١).
أندرو جاكسون .. وخرافة المعاد
عبر (أندرو جاكسون) الرئيس الأمريكي السابع (١٨٢٩ـ١٨٣٧م) عن تعاطفه مع اليهود عندما كافأ مؤيده اليهودي موردخاي نوح ـ الذي ظهر على مسرح الأحداث في عهده مرة أخرى بتعيينه مشرفاً عاماً على ميناء نيويورك. كما عبر في أحاديثه الخاصة وخطبه عن إيمانه بضرورة إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين متبنياً نفس الرؤية التي عبر عنها (حزقيا نايلز) رئيس تحرير مجلة (نايلز ويكلي ريجستر) في مجلته حيث قال: "إن النتائج التي تترتب على إعطاء اليهود ذلك الوطن فلسطين ستتجاوز كل ما يمكن أن يتصوره أي متكهن بالنتائج. فصحارى فلسطين المجدبة ستخضر وتورق وتزهر وتتفتح كالورود، وأورشليم التي باتت في الحضيض (بسبب وجودها في حوزة العرب المسلمين) سوف ترتفع ثانية وتضارع أكبر مدن العالم جمالاً وثراء وروعة" (٢). وهنا نلاحظ تطابق كامل بين نظرة المسيحيين البروتستانت على ضفتي الأطلسي تجاه فلسطين، من خلال الاعتقاد بأنها صحراء مجذبة وقاحلة.
أول تدخل لنصرة اليهود خارج أمريكا
شهد عهد الرئيس الأمريكي الثامن (مارتين فان بورين)، (١٨٣٧ـ١٨٤١م)، أول تدخل أمريكي فيما وراء البحار لنصرة الجنس اليهودي. ففي١٨٤٠ م تلقى وزير الخارجية الأمريكي (جون فور سايث) مكاتبة رسمية سرية وعاجلة من قنصل بلاده في بيروت، تضمنت المكاتبة قصة القبض على عدد من اليهود في دمشق، بسبب قيامهم بذبح أطفال ورجال دين مسيحيين لاستخدام دمهم في صنع فطير عيد الفصح اليهودي. وعلى الفور رد الرئيس بورين، ووزير خارجيته فورسايث على المكاتبة معترضين على التقارير الواردة عن أحداث مزعومة في دمشق .. والتي
стр. 98
اعتبراها "مثالاً سيئاً على التعصب والخرافات الشائعة في العالم القديم، وهي أمراض سعت الولايات المتحدة إلى أن تظل بمنجاة منها". وبناء عليه فقد صدرت التعليمات إلى قنصلي أمريكا في الإسكندرية والقسطنطينية بـ "بذل المساعي الحميدة لصالح أفراد ذلك الجنس اليهودي المضطهد المقهور" (١)، كما سارع المبعوث الأمريكي إلى بريطانيا بالإعراب للحكومة البريطانية عن "بالغ القلق إزاء ضروب القسوة التي تمارس تجاه اليهود في الشرق" (٢).
العمل من أجل تحقيق النبوءات التوراتية
منذ البداية كان التطلع إلى العصر الالفي السعيد واعادة اليهود إلى ارضهم، يشغل تفكير الرواد الاوائل، ولعل كريستوفر كولومبوس كان أول من حمل هذه العقيدة إلى الولايات المتحدة، فقد كتب في مذكراته إن العالم سوف ينتهي في عام ١٦٥٠م، وان اكتشافه للعالم الجديد هو جزء من خطة الهية لاقامة جنة الالفية. وقال في مذكراته ايضا: "إن الله جعلني رسولاً إلى الجنة الجديدة والى الأرض الجديدة التي تحدث عنها القديس يوحنا في نبوءاته، وهو الذي أرشدني إلى المكان الذي أجدها فيه" (٣).
وفي عام ١٨١٤، نشرت في نيويورك الموعظة المشهورة للقس، جون مكدونالد، أكد فيها الدور المركزي الذي تنبأ به النبي يشعياهو، للدولة الجديدة في أمريكا، في إعادة اليهود إلى أرضهم، حيث قال القس: "يا سفراء أمريكا، انهضوا واستعدوا لإسماع بشرى السعادة والخلاص لأبناء شعب منقذكم، الذين يعانون من الظلم ... أرسلوا أبناءهم واستخدموا أموالهم في سبيل تحقيق هذه الرسالة الإلهية" (٤).
و في نهاية النصف الأول من القرن التاسع عشر، بدأ التعاطف الأمريكي مع اليهود يتحول إلى عمل ملموس لتحقيق النبوءات التوراتية، سواء عن طريق أفراد أو
стр. 99
جمعيات أو كنائس. ففي عام ١٨٤٠ م بعث مؤسس الكنيسة المورمينية، جوزيف سميث، تلميذه اورسون هايد من أجل تسهيل نبوءة (بعث إسرائيل)، ومن بين كتب التوصية التي حملها هايد معه، كتاب من وزير خارجية الولايات المتحدة، وآخر من حاكم ولاية إيلينوى. يقول هايد: "إن فكرة نهضة اليهود في فلسطين تقوى يوماً بعد يوم .. لقد بدأت العجلة الكبرى بالدوران، ولا شك في ذلك، وأن الرب أمر بأن تدور هذه العجلة على محورها" (١).
وفي عام ١٨٥٠ م قام (واردكريون) القنصل الأمريكي في القدس، بتأسيس مستوطنة زراعية في منطقة القدس، وخطط لتأسيس مستوطنات أخرى، وحاول الحصول على دعم زعماء اليهود، ولكنهم لم يستجيبوا له رغم أنه تحول عن ديانته المسيحية إلى اليهودية. وكان القنصل الأمريكي يرى أن تلك المستوطنات الزراعية ستكون البداية الأولى لفلسطين الجديدة، حيث ستقيم الأمة اليهودية وتزدهر (٢). وقد حذا حذو القنصل الأمريكي، بعض المواطنين الأمريكيين، إذ أسسوا مستوطنة زراعية بالقرب من يافا لنفس الغرض.
وهكذا، وفي ظل هذا الوضع كان من الطبيعي أن تظهر في النصف الثاني من القرن التاسع عشر الميلادي في أمريكيا عدة مذاهب بروتستانتية نادت بعودة اليهود إلى فلسطين، انطلاقا من إيمانها بالمعتقدات المسيائية. ولم يكتف أصحاب هذه المذاهب بالدعوة، بل عملوا من أجلها (٣). فقد تبنت كثير من الفرق البروتستانتية الدعوة إلى هذه الأفكار، مثل المشيخيين والمعمدانيين والمرمون والسبتيين وغيرها من الفرق. وقد علق على ذلك هنرى فورد في كتابه ـ اليهودي العالمي ـ بقوله: "لقد سيطر اليهود على الكنيسة في عقائدها وفي حركة التحرر الفكري المسماة بالليبرالية، وإذا كان ثمة مكان تدرس فيه القضية اليهودية دراسة صريحة وصادقة،
стр. 100
فهو موجود في الكنيسة العصرية، لأنها المؤسسة التي أخذت تمنح الولاء دون وعى أو إدراك إلى مجموعة الدعاية الصهيونية" (١).
كما أنه بدأ واضحاً خلال هذا القرن مدى التعاطف مع اليهود وآمالهم في العودة إلى فلسطين، سواء على المستوى الشعبي أو المستوى الحكومي، حتى قبل ظهور الحركة الصهيونية بفترة كبيره، حيث ازدادت في هذه الفترة المشاريع الهادفة إلى إعادة اليهود إلى فلسطين، واحتل مشروع موردخاى نواه (نوح) الذي تقدم به سنة ١٨٤٥ أمام جمع من المسيحيين في نيويورك، مركز الصدارة بين مشاريع العودة، فهو ينص ـ إلى جانب التطورات التي أضافها إليه فيما بعد ـ على عودة اليهود نهائيا إلى فلسطين. إلا أنه كمرحلة تمهيدية دعاهم إلى إقامة المستوطنات في منطقة آرارات قرب بافالو وشلالات نياجرا. وقد أيد الرئيس الأمريكي جون آدمز عودة اليهود، في رسالة وجهها إلى نواه" (٢).
يهودي يوبخ الرئيس
في عام ١٨٤١م تعاقب ثلاثة رؤساء على حكم أمريكا، أولهم (مارتين فان بورين)، الذي انتهت رئاسته في تلك السنة، وثانيهم (ويليم هنري هاريسون)، الذي وافته المنية بعد شهر واحد من تنصيبه رئيساً تاسعاً للولايات المتحدة الأمريكية، والثالث الأخير هو (جون تايلر)، (١٨٤١ـ١٨٤٥م) الذي أصبح الرئيس الأمريكي العاشر، وكان عليه أن يتلقى أول توبيخ يهودي علني لرئيس أمريكي، عندما زل لسانه أثناء تأبينه الرئيس الراحل واصفاً أمريكا بأنها أمة مسيحية، وهو خطأ عاقبة عليه (يعقوب حزقيال) القيادي اليهودي من فرجينيا برسالة قال فيها: "وأين نحن؟ " وبدلاً من أن يغضب الرئيس من هذا المتطفل المنتمي إلى أقلية تريد تعليم الرئيس، والسيطرة على الأغلبية، بدلاً من هذا بادر تايلر إلى الاعتذار مؤكداً أنه يكن
стр. 101
لليهود أعمق الاحترام وأصدقه، وبعدها وبخ الرئيس ـعلناًـ الجنرال (وينفيلد سكوت) لأنه رأس مؤتمراً من ضباط الجيش والبحرية لم يمثل فيه اليهود" (١).
أما خلفه (جيمس نوكس بولك) الرئيس الأمريكي الحادي عشر (١٨٤٥ـ١٨٤ م) فقد عمد إلى تشكيل فيلق الحرس اليهودي الأول في بلتيمور بولاية مريلاند (١٨٤٦م)، وهو أول فيلق في الجيش الأمريكي يكون كل جنوده وضباطه من اليهود، وبهذا سبقت أمريكا تشكيل الفيلق اليهودي البريطاني بـ ٩٨ سنة، ومعروف دور الفيلق اليهودي البريطاني في اغتصاب فلسطين. وإضافة إلى هذا أعاد بولك تجربة تعيين قناصل يهود لأمريكا في الخارج.
فرانكلين بيرس
في منتصف القرن التاسع عشر وفي عهد الرئيس، (فرانكلين بيرس)، (١٨٥٣ - ١٨٥٧م)، نجح اليهود في احتلال أعلى منصة قضاء أمريكية، وتمكنوا من أن يصبحوا المحكمين الأساسيين في صفقات أمريكا ومعاهداتها. فقد كان بيرس معروفاً بتدينه (أي بهوسه الصهيوني)، وبارتباطاته اليهودية الوثيقة، ومن خلال ذلك التدين حقق اليهود اختراقاً جديداً بالغ الأهمية، تمثل في فتح أبواب المحكمة العليا أمام اليهود، وقام بإسناد منصب وزير بالسلك الدبلوماسي إلى (أوجست بلمونت) في لاهاي، فكان ذلك بمثابة فتح لأبواب المناصب الدبلوماسية العليا أمام اليهود، الذين كان اختراقهم للسلك الدبلوماسي الأمريكي قد اقتصر حتى ذلك الوقت على مستوى القناصل، وبأعداد محدودة للغاية (٢). وإمعاناً في إظهار الولاء، قام بيرس بتعيين رسام الخرائط اليهودي (جوليوس بين) مشرفاً عاماً على أنشطة وزارة الحرب في تخصصه، وهي مخاطرة كبيرة أوصلت اليهود إلى التحكم في أدق المراكز العصبية للعسكرية الأمريكية.
стр. 102
أمريكيا تعاقب سويسرا من أجل اليهود
بظهور الرئيس الأمريكي الخامس عشر (جيمس بوكانان) (١٨٥٧ـ١٨٦١م) على مسرح الأحداث، أقدم بوكانان على أول إجراء من نوعه في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية، إذ دعا إلى البيت الأبيض وفداً من كبار الحاخامات اليهود ضم: اسحق ماير وايز، وداود عينهورن، واسحق ليسر، وذلك لمعرفة مطالبهم فيما يتعلق بمشروع معاهدة تجارية ألحت وزارتا الداخلية والخارجية على إبرامها مع سويسرا، بدلاً من تلك التي خربها تدخل منظمة بناي بريث (اليهودية الصهيونية المتطرفة) في عهد الرئيس (ميلارد فيلمور)، وحتى يرفع عن نفسه الحرج أمام اليهود اجتمع (الرئيس شخصياً) مع الحاخامات وأعلن عدة تعديلات جذرية على المعاهدة، مع إعلان أن الغرض من هذه التعديلات هو إعلام السويسريين بأن أمريكا لا تقر موقف المقاطعات السويسرية من القانون الذي يقضي بحق المقاطعات في منع اليهود من الإقامة، وإن كانوا يتمتعون بالجنسية الأمريكية.
و بوكانان هنا كان يمارس ذلك الحق الذي أعطته أمريكا لنفسها، منذ أن أعلن (جيمس مونرو) مبدأه الخاص بحق أمريكا في التدخل خارج حدودها، وهو المبدأ الذي أقر ـ منذ البداية ـ لصالح اليهود، وها هو بوكانان يواصل تطبيقه ـ ولصالح اليهود كذلك ـ متدخلاً في شؤون المقاطعات السويسرية، وقد واصل الرؤساء التاليين له نفس السياسة حتى حصل اليهود على كل ما أرادوا من القانون السويسري في ١٨٧٤م، وظلوا يواصلون طريقهم مدعومين من أمريكا حتى أصبحت سويسرا واحدة من أهم قواعد الصهيونية في العالم. ويقارن شفيق مقار بين ما فعله بوكانان، وما فعله السناتور الأمريكي (سكوب جاكسون)، عندما عمد إلى تخريب قانون التجارة لسنة١٩٧٤م، وأوقف بذلك تنفيذ الاتفاقية التجارية لبيع القمح التي أبرمت بين واشنطن وموسكو في ١٩٧٢م، معلقاً بيع القمح للاتحاد السوفيتي ومنح وضع الدولة الأكثر رعاية، على فتح أبواب الهجرة أمام اليهود السوفييت (١).
стр. 103
الجماعات المسيحية الصهيونية خلال القرن التاسع عشر
في هذا القرن أيضاً ظهرت كثير من الطوائف والجمعيات المسيحية التي دعت إلى ضرورة إعادة اليهود إلى أرض فلسطين، حيث أخذت تنشر دعوتها بين العامة، بالإضافة إلى سعيها للتأثير على الشخصيات المهمة في أمريكيا، حيث ساعدت نصوص الدستور الأمريكي وخاصة في بنده الأول على امتداد وإنشاء المذاهب في أمريكا، والتي بلغ عددها ١٢٠٠ مذهباً، وحمتها بحيث لا يمكن للكونغرس صياغة أي تشريع يمنع أي مذهب ديني، أو يحد فترة ممارسة الحريات الدينية، وقد جاء ذلك انطلاقاً من أن مجموعات الاستيطان الأولى التي وفدت إلى أمريكا جاء بعضها هرباً من الملاحقات الدينية في موطنها الأصلي (١).
جماعة أخوة المسيح
في عام ١٨٤٨م أسس جون طوماس الجماعة الدينية المعروفة باسم (أخوة المسيح) والتي تقوم دعوتها التبشيرية بشكل رئيس، على تطبيق النبوءات التوراتية وسفر الرؤيا، على الأحداث الحاضرة والمستقبلية. "وقد ساهمت هذه الطائفة بلسان أحد أتباعها وبقلمه، في إظهار الحركة الصهيونية بمظهر البينة أو العلامة على مجيء المسيح قريباً ليبسط حكمه وسلطانه على العالم أجمع من مقره في القدس، وذلك كما جاء في كتاب (فرانك جنادى) فلسطين واليهود، أو الحركة الصهيونية بينة لظهور المسيح عما قريب في القدس، ليحكم العالم بأسره من هناك" (٢).
جمعية بنى بريث (أبناء العهد)
في عام ١٨٤٣م أنشأ هنرى جونز بالتعاون مع مجموعة من الصهاينة الأمريكيين، جمعية بنى بريث في مدينة نيويورك، بهدف تسهيل إعادة اليهود إلى فلسطين. ومن نيويورك انتشرت فروع الجمعية في أمريكيا وجميع أنحاء العالم. وقد
стр. 104
أنشئ فرع للجمعية في فلسطين في عام ١٨٨٨ م من اجل المساهمة في بناء المستعمرات اليهودية لتكون نواة للوطن القومي اليهودي. كما تم فتح فرعين للجمعية في مصر (١).
وقد استطاعت هذه الجمعية وفروعها المنتشرة في كثير من البلدان التأثير على كثير من الشخصيات المهمة في أمريكيا والعالم، من أجل كسب دعمهم ومساندتهم للمطالب الصهيونية في فلسطين. وقد حرص غالبية الرؤساء والمسؤولين الأمريكيين على المشاركة في المناسبات والحفلات التي تقيمها الجمعية، لكي يشيدوا بالأعمال العظيمة التي تقوم بها هذه الجمعية من أجل خدمة الأهداف الصهيونية (٢).
جمعية شهود يهوه
أنشأت هذه الجمعية في ولاية بنسلفانيا الأمريكية في عام١٨٨٤ م، ثم انتقلت إلى مدينة نيويورك في عام ١٩٠٩م، حيث أخذت توفد المبشرين إلى جميع أنحاء العالم لكسب التأييد لفكرة إعادة اليهود إلى أرض فلسطين، تحقيقاً للنبوءات التوراتية. وقد وصل نشاط هذه الجمعية إلى البلاد العربية نفسها، حيث تصدى لها رجال الدين المسيحي من كل الطوائف المسيحية، وفندوا دعاوى جماعة شهود يهوه باعتبارها ضلالات وهرطقات تسعى لتصديع الكنيسة وكسر عقائدها خدمة لليهودية والصهيونية التي تهدف:
١. تفسير العهد القديم تفسيراً يهودياً.
٢. التبشير بفلسطين وطناً قومياً لليهود العائدين لتأسيس دوله برئاسة المسيح.
стр. 105
٣. التركيز على كتاب يوحنا لتفسيره تفسيراً يهودياً، حيث وجد اليهود في رؤيا يوحنا فخاً لتضليل المسيحيين، فانصرف شهود يهوه إليه ليبشروا بقرب مجيء المسيح، ولكن مسيحهم المنتظر هو مسيح يقيم حكومة عالمية في القدس وزراءها من اليهود (١).
يقول عبد الله التل، في كتابه جذور البلاء عن هذه الجمعية: "هي جمعية يهودية ترتدي ثوباً مسيحياً مزيفاً، وهى في الواقع من أخطر الجمعيات اليهودية في العالم، ذلك أنها تقوم على مبدأ خداع الجماهير المسيحية الساذجة، وإدخال نبوءات التوراة في النفوس المؤمنة ليصبح الاعتقاد جازماً عند المسيحيين، بوجوب عودة اليهود إلى أرض الميعاد. وطريقة التبشير عند أتباع هذه الجمعية، هي اقتحام بيوت الناس بوقاحة عجيبة والبدء بإلقاء دروس دينية من التوراة اليهودية، لاستدرار عطف السامعين وكسبهم في صف الداعية، إلى ضرورة عودة اليهود لأرض الميعاد، تحقيقاً لأوامر اليهود.
ولقد تسربت هذه الجمعية إلى البلاد العربية، وخدعت حكومات عربية كثيرة، فتغاضت عن نشاطها، وفي لبنان استفحل نفوذها، فهب فريق من رجال الدين المسيحي الواعين وهالهم التطبيق العملي لتعاليم هذه الجمعية، وقاد المعركة ضد شهود يهوه، الخورى، جورج فاخورى، وفضح أسرارها وكشف حقيقتها" (٢). كما قام الرئيس الراحل جمال عبد الناصر بطردهم من مصر ووقف البابا شنوده وقيادات الكنيسة المصرية وجها لوجه أمامهم وتم فضح مخططاتهم للمواطنين (٣).
اندرو جونسون
بعد اغتيال الرئيس الأمريكي (ابراهام لنكولن)، أصبح (أندرو جونسون ١٨٦٥ ـ ١٨٦٩م) الرئيس السابع عشر للولايات المتحدة الأمريكية، حيث أبدى تعاطفه مع اليهود وكان المتحدث الرئيس في حفل افتتاح معبد (فاين ستريت) بمدينة ناشفيل
стр. 106
في ١٨٧٤م، حيث اصطحبه الحاخام اسحق ماير وايز إلى المعبد في عربته، وحين صعد جونسون إلى المنصة كان يعتمر اليارمولكا ـ الطاقية اليهودية المعروفة ـ وقال إنه: "لم يوجد من امتلأ حباً لليهود مثله بين أبناء ديانته المسيحيين جميعاً، ولم يوجد من اهتم اهتمامه العميق والدائم بنجاح اليهود ورخائهم وازدهار ديانتهم ومعبدهم". ذلك المعبد الذي قال عنه إنه "سيظل النصب المقدس الذي يجسد كد اليهود ومثابرتهم واستحقاقهم النجاح والرخاء والرفاه، لا في مدينة ناشفيل فحسب، بل وفي كل مكان" (١).
يوليسيس جرانت
كان يوليسيس جرانت هو الرئيس الثاني القادم من صفوف العسكرية الأمريكية بعد الحرب الأهلية ليصبح الرئيس الثامن عشر (١٨٦٩ - ١٨٧٧م)، وعلى الرغم من بزوغ نجمه كقائد ميداني فذ، فإن القرار الذي سبق أن أصدره ـ وألغاه الرئيس إبراهام لنكولن ـ بإبعاد اليهود خارج تينسى خلال ٢٤ ساعة ظل يطارده، وما كان يمكن لجرانت أن يحصل على الرئاسة لولا المساعدات الجادة التي قدمها إليه عدد من قادة اليهود، إذ أدركوا أن قدوم جرانت المحمل بعقدة الذنب سيعطيهم فرصة أكبر لابتزاز الرئيس، وربما هذا هو ما دفع سيمون وولف -أحد أهم من تولوا الدعاية لجرانت من اليهود، وسنراه بسرعة قنصلاً لأمريكا في مصر ـ للمفاخرة بأن "بوسعه أن يقرر بمنتهى الوضوح، أن الرئيس يوليسيس جرانت فعل من أجل اليهود طوال مدتي رئاسته من ١٨٦٩م إلى ١٨٧٧م، أكثر مما فعل أي رئيس أمريكي دخل البيت الأبيض قبله" (٢).
هايز وإجازة السبت
نجح رذرفورد هايز (١٨٧٧ـ١٨٨١م) في أن يصبح الرئيس الأمريكي التاسع عشر، وفي عهده، كان عدد الموظفين اليهود في الإدارة الأمريكية قد زاد إلى الحد الذي جعل صوتهم يرتفع مطالباً بمنحهم يوم السبت إجازة اتساقاً مع تحريم التوراة
стр. 107
للعمل في ذلك اليوم. وعندما تباطأت إدارة هايز في الاستجابة لذلك الطلب، نظراً لما وجدت فيه من ظلم للموظفين الآخرين من غير اليهود، أوعزت القيادات اليهودية إلى مرشح لشغل منصب بالسلك الدبلوماسي أن يعلن أنه، عندما يباشر مهام منصبه، لن يكون بوسعه أن يعمل في يوم السبت، وأعطت المسألة تغطية إعلامية جعلتها قضية عامة. ولما وصلت الرسالة واضحة إلى هايز، سارع بالتصريح للصحفيين بأن "أي مواطن يكون على استعداد لأن يضحي بفرصة كهذه على مذبح معتقداته الدينية لابد أن يكون مواطناً صالحاً، ومن الظلم لدافعي الضرائب الأمريكيين أن نخسره" وأعلن عن موافقته على المطلب اليهودي (١).
بقى أن نشير إلى أن هايز بدأ رئاسته بتعيين (بنيامين وبييكسوتو) رئيس (البناي بريث) قنصلا لأمريكا لدى روسيا، مع تكليفه بمهمة مماثلة لتلك التي أداها في رومانيا، فقد كان عليه أن يحقق في تصرفات حكومة روسيا غير الطيبة إزاء اليهود، والتي أدت إلى إلغاء المعاهدة التجارية التي كانت مبرمة بين روسيا وأمريكا، لكن المهمة لم تتم، فقد رفض القيصر الروسي استقبال المحقق الأمريكي، معلنا رفضه قبوله ممثلا دبلوماسيا لدى بلاط سانت بطرسبرج.
أول يهودي يمثل أمريكا في مصر ..
لم يعمر الرئيس العشرون (جميس إبرام جارفيلد ١٨٨١م) الجنرال الثالث القادم من الحرب الأهلية، في منصبه طويلاً، إذ تم اغتياله، لكنه ككل الرؤساء من عمر منهم ومن لم يعمر ـ كان قد أدى للصهاينة خدمة متميزة بالفعل، حين عين اليهودي (سيمون وولف) قنصلاً لأمريكا في مصر، معلناً ـ صراحة ـ عن واحدة من أعقد عُقد الصهاينة، سواء منهم اليهود والمسيحيون، وهي عقدة عبودية اليهود في مصر، وفي هذا قال جارفيلد: "إنه يشعر بسعادة غامرة لأنه عين سليل الشعب الذي استعبد في مصر قديماً مبعوثاً دبلوماسياً إلى ذلك البلد من الأمة الأمريكية الحرة العظيمة".
стр. 108
وقد كتب سيمون وولف مذكرات مهمة أثناء وجوده في مصر، ترجمت إلى العربية في الستينيات تحت عنوان (مصر وكيف غدر بها)، وفي هذه المذكرات نلاحظ أن التاجر اليهودي وولف، يفحص بضاعته (مصر) جيداً، ممنياً النفس بأن الثمرة أوشكت على النضج والسقوط في يده. ولنلاحظ أنه عمل في مصر في أحرج سنوات حياتها، تلك التي سبقت ـ مباشرة ـ سقوطها في قبضة الاحتلال البريطاني ١٨٨٢م.
ولم يختم جارفيلد حياته قبل أن يبعث رسالة إلى حكومة القيصر الروسي بشأن أوضاع اليهود، لكن القيصر لم يعرالرسالة التفاتاً، ويبدو أن الصد المتكرر الذي واجه به قيصر روسيا محاولات التدخل الأمريكية، نبه الرئيس الحادي والعشرين " (تشستر آلان آرثر) (١٨٨١ـ١٨٨٥م) إلى وجود صعوبات تحول دون التدخل لصالح اليهود أحياناً، ولهذا فقد حاول حل هذه المشكلة بتعيين، أدولفوس سولومونز ـ رئيس البناي بريث ـ ممثلا للولايات المتحدة الأمريكية في هيئة الصليب الأحمر الدولية، التي كانت أمريكا قد انضمت إلى معاهدة جنيف الخاصة بها تواً، وهكذا أصبح بمقدور (بناي بريث) أن تتدخل في شؤون روسيا وغيرها تحت ستار المساعدات الإنسانية عبر هيئة الصليب الأحمر (١).
المشيخية في البيت الأبيض
بعد جارفيلد تولى الرئاسة الأمريكية الرئيس كليفلاند لمرتين منفصلتين، حيث كان كليفلاند مسيحياً بروتستانتياً مشيخياً، أي من إتباع الكنيسة المشيخية التي تعتبر أهم الكنائس المسيحية الصهيونية التي دفعت بأبنائها إلى البيت الأبيض. "والكنيسة المشيخية تستمد تعاليمها من أفكار، جون كالفن (١٠٥٩ـ١٥٦٤م) وهو لاهوتي فرنسي بروتستانتي من رجالات الإصلاح الكنسي تحول عن الكاثوليكية علم ١٥٢٣م، وصار من قادة البروتستانت المشهورين، حيث نشأ عن مبادئه مذهب مهم من المسيحية هو (المذهب الكالفيني) وهو نظام متبع في الكنائس
стр. 109
البروتستانتية المعروفة بالكنائس المصلحة، حيث آمن كالفن بأن الكتاب المقدس هو المصدر الوحيد لشريعة الله ونواميسه كما انه لا يعترف بسلطة البابا" (١).
والمهم هنا هو أن إتباع الكنيسة المشيخية كانوا ولازالوا من أهم مؤيدي اليهود، ولم يقتصر نشاطها في أمريكا بل امتد إلى المنطقة العربية، فالجامعة الأمريكية في القاهرة، وكذلك في بيروت من أعمال الكنيسة المشيخية، والقس صموئيل زويمر) كان مشيخياً، وهو الذي رعى ورأس المؤتمر التبشيري المنعقد في القاهرة ببيت الزعيم (أحمد عرابي) بعد هزيمة عرابي أمام الإنجليز ونجاحهم في احتلال مصر ١٨٨٢ م، ذلك المؤتمر الذي وضع أسس الهيمنة الغربية لصالح المشروع الصهيوني على منطقتنا (٢).
وفي عهد كليفلاند كانت منظمة بناي بريث الصهيونية، قد بلغت حداً بالغاً من القوة والسطوة، مما جعل الرئيس يرسل إليها برسالة مفتوحة قال فيها إنها "جمعية أنشئت لتحقيق أهداف نبيلة" وإنه: "لا ينبغي أن يقتصر ما تحدثه من أثر على إثارة حماس أعضائها، بل ينبغي أن تستجلب تمنيات النجاح لها من جانب كل من يهمهم الارتقاء بالنوع الإنساني وتنمية الغرائز العليا في الطبيعة الإنسانية". ورجا (الرئيس) أن: "تتقبل الجمعية صادق تمنياته بأن يتضاعف ما كانت قد توصلت إليه من نجاحات تثلج الصدر" (٣).
وليم بلاكستون والبعثة العبرية نيابة عن إسرائيل
في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي ظهر رجال دين، يطالبون بعمل شعبي لإعادة اليهود إلى فلسطين، وكان من أبرز هؤلاء وليام بلاكستون، "رجل الدين والمؤلف والمليونير الذي ينفق الملايين على التبشير، والذي يعتبر أباً للصهيونية اليهودية، بسبب نشاطه المتواصل من أجل تحقيق النبوءات التوراتية. فقد كان بلاكستون ممولاً، ورجل صناعة كبير، وكان في نفس الوقت شديد التعصب، حج إلى
стр. 110
الأراضي المقدسة برفقة ابنته في ١٨٨٨م، وأدعى أن تطويرها زراعياً وتجاريأ لن يتم إلا على أيدي ورثة هذه الأرض وهم اليهود، وعاد ليطلق الشعار الذي استغلته الصهيونية حتى اليوم حيث تحدث عن "الشذوذ المتمثل في أن فلسطين هذه تركت هكذا أرضاً بغير شعب بدلاً من أن تعطى لشعب بغير أرض" (١).
وفي عام ١٨٧٨م ألف بلاكستون كتاب (عيسى قادم) الذي بيع منه أكثر من مليون نسخة، وترجم إلى ٤٨ لغة بما فيها العبرية. وقد أثار هذا الكتاب جميع الأمريكيين بكافة طبقاتهم، حيث كان من أكثر الكتب التي تتحدث عن عودة اليهود إلى أرض فلسطين كمقدمة لعودة المسيح المنتظر. وبالإضافة إلى ذلك فقد أسس القس بلاكستون في شيكاغو منظمة سماها (البعثة العبرية نيابة عن إسرائيل). "وقد عملت هذه المنظمة في مجالات متعددة ودعت اليهود إلى العودة إلى فلسطين، واستمرت هذه المنظمة في العمل حتى يومنا هذا وأصبح أسمها حالياً، أتباع أمريكيا المسيحية" (٢). وعندما أنشئت الحركة الصهيونية بزعامة هرتزل، "قام القس بلاكستون بإرسال نسخة من التوراة إلى هرتزل، واضعاً خطوطاً وعلامات تحت النصوص التي تشير إلى استعادة فلسطين، ولقد حفظت هذه النسخة في ضريح هرتزل" (٣).
الرئيس هايسون ومظلمة بلا كستون
نجح بنيامين هاريسون، مرشح الحزب الجمهوري، في أن يصبح الرئيس الأمريكي الثالث والعشرين (١٨٨٩ـ ١٨٩٣م) مزيحاً الرئيس السابق عليه، واللاحق له (كليفلاند). فقد توسطت فترة هاريسون فترتي رئاسة كليفلاند، حيث كان هاريسون هو الوحيد في قائمة رؤساء الولايات المتحدة الأمريكية القادم من ولاية إنديانا، وهو ـ كذلك الرئيس الأول على رأس المائة الثانية من حكم أمريكا، الذي استهله الرئيس جورج واشنطن ١٧٧٩م.