← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 36506

إعراب القرآن - إسماعيل الأصبهاني

إسماعيل التيمي الأصبهاني

Полный текст (567 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

وَمِنْ سُورَةِ (الرَّعْدِ) قوله تعالى: (اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا) والعَمَدُ والعُمُدُ جميعاً بمعنى. واحدها " عمود ". إلا أنّ " عُمُداً " جمع " عمود " و " عَمَد " اسم للجمع. ومثله: أديم وأدم، وإهاب وأهب. ويُسْأَل عن قوله تعالى (بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا)؟ وعنه جوابان: أحدهما: أنها بغير عمد ونحن نراها كذلك، وهو قول قتادة وإياس بن معاوية. والثاني: أنها بعمد لا نراها، وهو قول ابن عباس ومجاهد. وأنكر بعض المعتزلة هذا القول، قال: لأنّه لو كان لها عمد لكانت أجساما غلاظاً. وكانت ترى والله إنما دل بهذا على وحدانيته من حيث لا يمكن أحد أن يقيم جسماً بغير عمد إلا هو فلذلك كان هذا التأويل خطأ. والجواب عن هذا أنّه إذا رفع السماوات بعمدٍ وتلك العمد لا ترى، فيه أعظم قدرة، كما لو كانت بغير عمد. وقال النابغة في العمد: وخَيِّسِ الجِنَّ إِنِّي قَدْ أَذِنْتُ لَهُمْ ... يَبْنُونَ تَدْمُرَ بالصُّفاحِ والعَمَدِ * * * قوله تعالى: (وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا)

стр. 177

العَجَبُ والتَّعجب: هجوم ما لا يعرف سببه على النفس. قرأ نافع والكسائي (أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ) على الاستفهام في الأول والخبر فى الثاني، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة وعاصم بالاستفهام في الموضعين جميعاً. إلا أنّ حمزة وعاصما يهمزان همزتين، وقرأ ابن عامر على الخبر في الأول والاستفهام في الثاني، وعنه في ذلك خلاف. ومما يسأل عنه أن يقال: ما العامل في (إذا)؟ والجواب أنَّ العامل محذوف تقديره: أإذا كنا ترابا نُبعث. ودل عليه (لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ). فإن قيل: فهل يجوز أن يعمل فيه " خلق " أو " جديد "؟ قيل: لا يجوز ذلك؛ لأنَّ اللام لا يعمل ما بعدها فيما قبلها. فإن قيل: فهل يجوز أن يعمل فيها (كنَّا)؟ قيل: لا يجوز. لأنها مضافة إليه، والمضاف إليه لا يعمل في المضاف. * * * قوله تعالى: (لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ) الْمُعَقِّبَات: المتناوبات، وقيل الْمُعَقِّبَات هاهنا ملائكة الليل تعقب ملائكة النهار وهو قول الحسن وقتادة ومجاهد، وروي عن ابن عباس: أنها الولاة والأمراء، وقال الحسن: هي أربعة من الملائكة يجتمعون عند صلاة الفجر، وصلاة العصر. ويُسأَل عن قوله (مِنْ أَمْرِ اللَّهِ)؟ وفيه أجوبة:

стр. 178

قال الحسن: يحفظونه بأمر الله، وهو قول قتادة أيضاً. وقال ابن عباس: الملائكة من أمر الله. وقال مجاهد وإبراهيم: يحفظونه من أمر الله من الجن والهوام. وقيل المعنى: عن أمر الله، كما تقول: أطعمته عن جوع وكسوته عن عُري. وأصح هذه الأقوال أن يكون المعنى: له معقبات من أمر الله يحفظونه من بين يديه ومن خلفه. واختلف في الضمير الذي فى (له): فقال بعضهم: يعود على (من) في قوله: (مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ). وقيل: يعود على اسم الله جل ثناؤه، وهو عالم الغيب والشهادة. وقيل: على النبي ﷺ في قوله: (إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ)، وهو قول عبد الرحمن بن زيد. * * * قوله تعالى: (وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ)

стр. 179

الرعد: ملك يزجر السحاب. هذا قول ابن عباس. وقال علي بن عيسى: هو اصطكاك أجرام السحاب بقدرة الله سبحانه. والخيفة والخوف بمعنى واحد. والصواعق جمع صاعقة. وتميم تقول: صاقعة. والجدال: الخصومة. والْمِحَالِ: الأخذ بالعقاب هاهنا، يقال: ما حلته مما حلةً ومحالًا، ومحلت به محلًا، قال الأعشى: فَرْع نَبْعٍ يَهْتزُّ فِي غُصُنِ المَجْ ... د غزِيرُ النَّدَى شَدِيدُ المِحال وهذه الآية نزلت في رجلٍ جاء إلى النبي صلى الله عليه مجادلةً، فقال: يا محمد، مِمَّ ربُّك، أمن لؤلؤٍ أم ياقوتٍ أم ذهبٍ أم فضةٍ؟، فأرسل الله عليه صاعقةً ذهبت بقحفه، وهو قول أنس بن مالك ومجاهد. وقيل: نزلت في أربد أخي لبيد بن ربيعة لما أراد هو وعامر بن الطفيل قتل النبي ﷺ ، فقال أربد لعامر: أنا أشغله بالحديث فاضربه أنت، فأقبل أربد يسأل النبي صلى الله عليه؛ ليشغله وهمَّ عامر بضربه ﵇. فجفت يده على قائم السيف، فرجعا خائبين، وأصابت أربد في طريقه صاعقة فأحرقته، وأما عامر فابتلي بغدةٍ كغدة البعير، فكان يقول: أغدة كغدة البعير، حتى قتلته. وقال لبيد يرثي أخاه أربد: أخشَى على أُربَدَ الحُتُوفَ ولا ... أرهَبُ نَوءَ السّماك والأسَدِ فَجَّعَني الرَّعْدُ والصَّواعِقُ بالـ ... فارِسِ يَوْمَ الكَريهةِ النُّجُدِ وكان اسم أربد (قيساً) ولم يكن من أبي ربيعة، وكان عامر قد قال للنبي ﷺ : إن

стр. 180

جعلت لي نصف ثمار المدينة، وجعلت لي الأمر بعدك أسلمت، فقال النبي ﵇: (اللهم اكفني عامراً واهدِ بني عامر)، فانصرف وهو يقول: والله لأملأنها عليك خيلًا جُرداً أو رجالًا مُردًا ولأربطنَّ بكلّ نخلةٍ فرساً. فأصابته غدة في طريقه ذلك. فكان يقول: أغدة كغد البعير وموتا في بيت سلولية. * * * فصل: ويسأل عن معنى قوله (وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ)؟ ففيه ثلاثة أجوبة: أحدها: أنّه ملك يسبح ويزجر السحاب بذلك التسبيح، وهو قول ابن عباس. والثاني: أنّه يسبح بما فيه من الدلالة على تعظيم الله تعالى ووجوب حمده. والثالث: أنّه يسبح بما فيه من الآية التي تدعو إلى تسيبح الله جل وعز. * * * قوله تعالى: (وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا) الطاعة والطوع: الانقياد. والكَره والكُره والكراهة بمعنى. والظلال جمع ظلٍ وهو ستر الشخص ما بإزائه. والغُدو والغَداة وغدوة بمعنى. والآصال جمع أُصُل والأُصُل جمع أصيل وهو العشي وقد يقال فى جمعه أصائل. قال أبو ذؤيب: لعَمْرِي لأَنتَ البَيْتُ أُكْرِمُ أَهْلَه ... وأَقْعُدُ فِي أَفيائه بالأَصَائِل ويُسأَل عن معنى قوله (وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا)؟

стр. 181

والجواب: أنّ الحسن وقتادة وعبد الرحمن بن زيد قالوا: المؤمن يسجد طوعا والكافر يسجد كرها، والمعنى على هذا أنّ السجود واجب لله تعالى، فالمؤمن يفعله طوعاً والكافر يؤخذ بالسجود كرها، أي هذا الحكم في وجوب السجود لله. وقيل: المؤمن يسجد طوعاً والكافر في حكم الساجد كرهاً لما فيه من الحاجة والذلة التي تدعو إلى الخضوع لله تعالى. وأما سجود الظلال فبما فيها من أثر الصنعة، وقيل: إن الكافر إذا سجد لغير الله سجد ظله لله تعالى. قوله تعالي: (مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ) الأنهار: جمع نَهَر كجَمَل وأجمال، ويجوز أن يكون جمع نَهْر، كَفْرد وأفراد، والنهر المجرى الواسع من مجاري الماء على وجه الأرض، وأصله الاتساع، ومنه النهار لاتساع الضياء، وأنهرت الدم إذا وسَّعت مجراه، قال الشاعر: مَلَكْتُ بِهَا كَفِّي فأَنْهَرْتُ فَتْقَها ... يَرى قائمٌ مِنْ دُونِهَا مَا وراءَها أي وسَّعت فتقَها. والأكْلَ: مصدر. والأُكُل بضم الهمزة المأكول.

стр. 182

ومما يسأل عنه أن يقال: ما معنى (أُكُلُهَا دَائِمٌ)؟ وفيه جوابان: أحدهما: أنّ ثمارها لا تنقطع كانقطاعها في الدنيا في غير أزمنتها، وهو قول الحسن. والثاني: أنّ التنعم به لا ينقطع. ويُسأَل عن معنى (مَثَلُ الْجَنَّةِ)؟ وفيه أجوبة: أحدها: أنّ المعنى صفة الجنة التي وعد المتقون تجري من تحتها الأنهار، فتجري من تحتها الأنهار وما بعده خبر المبتدأ الذي هو (مَثَلُ الْجَنَّةِ). والجواب الثاني: أنّ (مثلا) هاهنا بمعنى (الشبه) والخبر محذوف تقديره: مثل الجنة التي هي كذا وكذا أجل مثل. والجواب الثالث: أنّ التقدير: وفيما يتلى عليكم مَثَلُ الْجَنَّةِ وهو قول سيبويه. * * *

стр. 183

وَمِنْ سُورَةِ (إِبْرَاهِيمَ) قوله تعالى: (قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ) يسأل عن قوله (يُقِيمُوا الصَّلَاةَ) ما موضعه من الإعراب؟ والجواب جزمٌ من ثلاثة أوجه: أحدها: جواب الأمر الذي هو (قُلْ). لأنّ المعنى في (قُلْ): إن تقل لهم يقيموا الصلاة. والثانى: أنّه جواب أمر محذوف تقديره: قل لعبادي أقيموا الصلاة يقيموا الصلاة. والثالث: أنّه على حذف لام الأمر. كأنّه قال: قل لعبادي ليقيموا الصلاة، وإنما جاز حذف " اللام " هاهنا، لأنّ في الكلام عليها دليلا، فعلى هذا يجوز: قل له يضربُ زيدًا، ولا يجوز: يضربْ زيدًا، لأنّه لا دليل على اللام، ولا عوض منها. وهذا قول الزجاج. * * * قوله تعالى: (وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ) قرأ الكسائي (وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لَتَزُولُ) بضم اللام الأخيرة وفتح الأولى. وقرأ الباقون: بكسر الأولى وفتح الثانية. ومعنى قراءة الجماعة: وما كان مكرهم لتزول منه الجبال. أي: ليبطل الحق والإسلام، لأنهما ثابتان بالدلبل والبرهان. فهما كالجبال. وأما قراءة الكسائي فمعناها: الاستعظام لمكرهم، كأنها تزول منه الجبال لعظمه. و (إنْ) في القراءة الأولى بمعنى (ما) وهو قول ابن عباس والحسن، وعلى القراءة الثانية (إن) مخففة من الثقيلة.

стр. 184

وقد قيل في معنى القراءة الأولى: إن هذا نزل في نمرود بن كوش بن كنعان حين اتخذ التابوت وأخذ أربعة من النسور فأجاعها أياماً وعلق فوقها لحمًا وربط التابوت إليها فطارت النسور بالتابوت وهو ووزيره فيه إلى أن بلغت حيث شاء الله تعالى، فظن أنّه بلغ السماء. ففتح باب التابوت من أعلاه فرأى بعد السماء منه كبعدها حين كان في الأرض، وفتح بابا من أسفل التابوت فرأى الأرض قد غابت عنه فهاله الأمر. فصوب النسور وسقط التابوت، وكانت له وجبة فظنت الجبال أنّه أمر نزل من السماء فزالت عن مواضعها لهول ذلك. فالمعنى على هذا: وإنه كان مكرهم لتزول منه الجبال. أي: قد زالت. وفي التأويل الأول: همت بالزوال، ويروى أنّ عمر وعليا ﵄ قرأا (وَإِنْ كَادَ مَكْرُهُمْ لَتَزُولُ مِنْهُ الْجِبَالُ)، فهذا يدل على التأويل الأول ويدل عليه أيضا قوله (تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا). أي: إعظاما لما جاءوا به. * * *

стр. 185

وَمِنْ سُورَةِ (الْحِجْرِ) قوله تعالى: (الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ (١) جر (قرآنا) لأنّه معطوف على (الكتاب) تقديره: تلك آيات الكتاب: آيات قرآن مبين. وأجاز الفراء الرفع على تقدير: وهو قرآن مبين، أو يكون معطوفاً على آيات، وأجاز النصب على المدح وأنشد: إلى المَلِكِ القَرْمِ وابنِ الهُمامِ ... وليثِ الكتيبة في المُزْدَحَمْ وذا الرأي حِينَ تُغَمُّ الأمورُ ... بِذاتِ الصليلِ وَذات اللُّجَم وزعم أنّ المدح تنصب نكرته ومعرفته، أما قوله (معرفته) فصحيح، وأما (نكرته) فإن أصحابنا لا يجيزون ذلك. لأنّه لا يمدح الشيء الذي لا يعرف. وإنما يمدح ما يعرف، والنكرة مجهولة فلذلك امتنع. * * * قوله تعالى: (رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا) يقال (رُبَّ) بالتشديد، و (رُبَ) بالتخفيف، قال أبو كبير: أَزُهَيرُ إِنْ يَشِبِ القَذالُ فإِنَّني ... رُبَ هَيْضَلٍ مرسٍ لفَفْت بِهَيْضَلِ زعم بعضهم أنها لغة، وليست بلغة عندنا. وإنما اضطر الشاعر فخففها، والدليل على ذلك: أن كل ما كان من الحروف على حرفين فإنه ساكن الثاني نحو: هل ومِنْ وقد وما أشبه ذلك، ويقال: رُبَّمَا ورُبمَا ورُبَّتَما ورُبَتَما، و (التاء) لتأنيث الكلمة، و (ما) كافة وهي تبع للتخفيف عوض من التضعيف، وحكى أبو حاتم هذه الوجوه كلها بفتح الراء لغة.

стр. 186

فصل: ومما يسأل عنه هاهنا أن يقال: لم جاء (رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا)، وربَّ للتقليل؟ وعن هذا جوابان: أحدهما: لأنّه أبلغ في التهديد، كما تقول: ربما ندمت على هذا، وأنت تعلم أنّه يندم ندماً طويلاً، أي يكفيك قليل الندم فكيف كثيره. والثاني: أنّه يشغلهم العذاب عن تمني ذلك إلا في أوقات قليلة. وقرأ ابن نافع وعاصم (رُبَمَا) بالتخفيف، وقرأ الباقون بالتشديد على الأصل. وساغ التخفيف هاهنا وإن لم يكن من الضرورات؛ لأنَّها لما وصلت بـ (ما) كثرت وثقلت فخففت. * * * قوله تعالى: (قَالَ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (٧١) لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (٧٢) قال ابن عباس: لَعَمْرُكَ، أي: وحياتك. قال لي بعض شيوخنا: أقسم الله تعالى بحياة نبيه إجلالاً له ومحبة. والسكرة هاهنا: الجهل. والعمهُ: التحير. قال رؤبة: ومَهْمَهٍ أَطْرافُه فِي مَهْمَهِ ... أَعْمَى الهُدَى بالجاهِلينَ العُمهِ

стр. 187

ومما يسأل عنه أن يقال: كيف قال (هَؤُلَاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ)؟ وعنه جوابان: أحدهما: أنّه أراد هَؤُلَاءِ بناتي فتزوجوهن إن كنتم فاعلين، وهذا قول الحسن وقتادة، وقوله (إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ) كناية عن طلب الجماع. والثاني: أنّه أراد نساءهم لأنهم أمته ونساؤهم في الحكم كبناته. وهو قول الزجاج. ويعترض في الجواب الأول: كيف يجوز أن يتزوج الكافر بالمؤمنة؟ والجواب: أنّه كان ذلك في شريعتهم جائزًا، وقد كان في أول الإسلام، وهو قول الحسن. وقيل: قال ذلك لرؤساء الكفار لأنهم يكفون أتباعهم. * * * قوله تعالى: (وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ (٧٤) يسأل عن (سِجِّيلٍ)؟. وفيه للعلماء ثمانية أقوالٍ: أحدها: أنها حجارةٌ صلبةٌ وليست كحجارة الثلج والبَردَ. والثاني: أنّه فارسي معرب (سنْك) و (كِل) عن ابن عباس وقتادة. والثالث: أنّ معناه شديد عن أبي عبيدة، وأنشد: ضَرباً تَواصى بهِ الأبطالُ سِجينًا إلا أنّه أبدل النون لاماً.

стр. 188

والرابع: أنّه مثل السجل في الإرسال، وهو الدلو. قال بعض بني أبي لهب: مَنْ يُسَاجِلْني يُسَاجِلْ ماجِداً ... يَمْلأُ الدَّلْوَ إِلى عَقْدِ الكَرَب الخامس: أنّه من استجلته أي: أرسلته. السادس: أنّه من استجلته أي: أعطيته. السابع: أنّه من السجل وهو الكتاب، قيل: كان على هذه الحجارة كتابةٌ. الثامن: أنّه من أسماء سماء الدنيا، وهي تسمى سجيلا، وهذا قول ابن زيد. وقيل: أصله (سجين) وهو اسم من أسماء جهنم ثم أبدلت النون لاما. وهذا كقول أبي عبيدة، قال الشاعر في إبدال النون لاما: وَقَفْتُ فِيهَا أُصَيْلاً لا أُسائِلُها ... عَيَّتْ جَواباً وَمَا بالرَّبْع مِنْ أَحَدِ يريد أصيلانًا. * * * قوله تعالى: (وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (٨٧)) قال ابن عباس وابن مسعود وسعيد بن جبير ومجاهد: هي سبع سور من أول القرآن، وروى عن الحسن وعطاء: أنها فاتحة الكتاب. وقال ابن عباس وابن مسعود من طريقة أخرى بهذا القول. ويروى عن النبي ﷺ أنّ السبع المثاني أمُّ القرآن. وسميت السبع الطوال مثاني لأنها تثنى فيها الأخبار والأمثال والعبر، وقد روي أيضاً عن ابن عباس أنّ المثاني جميع القرآن.

стр. 189

قوله تعالى: (الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ (٩١)) قال الكسائي: هو من العَضِيهَةِ وهي الكذب. أي: جعلوا القرآن كذبًا. وقيل معنى (عضين): أنّهم جعلوه فرقا: قالوا فيه هو سحرٌ، وقالوا كهانة، وقالوا شعرٌ وقالوا أساطير الأولين، وهو قول قتادة. ولام الفعل من عضين على القول الأول هاء، وعلى القول الثاني واو، لأنّه من العضو، كأنهم عضوه أعضاءً، إلا أنّ اللام حُذِفت وعُوض منها هذا الجمع، أعني جمع السلامة وهو مختص بمن يعقل إلا أنّه جاز هاهنا، لأنّه عوض من المحذوف. ومثله: عزون وثبون وما أشبه ذلك. * * * قوله تعالى: (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ) أي: افرق، قال أبو ذؤيب: وكأَنَّهنّ ربَابةٌ وكأَنُّهُ يَسَرُ ... يَفِيضُ علَى القّداحِ ويَصْدَعُ ومما يسأل عنه أن يقال: ما (ما) هناهنا؟ والجواب: أنها تحتمل أن تكون مصدرية، فيكون التقدير: فاصدع بالأمر، وتحتمل أن تكون بمعنى (الذي) فهذا الوجه محتاج إلى عمل، وذلك أنّ الأصل: فاصدع بما تؤمر بالصدع به فحذفت الباء واجتمعت الإضافة والألف واللام، وهما لا يجتمعان، فحذفت الألف واللام فصار: فاصدع بما تؤمر بصدعه، ثم حذفت المضاف وأتمت المضاف إليه مقامه، على حد (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ)، فصار: فاصدع بما تؤمر به، ثم حذفت الباء على حد حذفها من قول الشاعر:

стр. 190

أَمَرْتُكَ الخَيرَ فافعلْ ما أُمِرْتَ به ... فقد تَرَكْتُكَ ذا مال وذا نَشَبِ فصار: فاصدع بما تؤمره، ثم حذفت الهاء لطول الاسم بالصلة على حد قولك: ما أكلتُ الخبزُ، أي: الذي أكلته الخبز، فبقي (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ). * * *

стр. 191

وَمِنْ سُورَةِ (النَّحْلِ) قوله تعالى: (أَتَى أَمْرُ اللَّهِ) قال الحسن وابن جريج، عقابه لمن أقام على الكفر. وقال الضحاك: فرائضه وأحكامه. وقيل أمره: القيامة، فعلى هذا الوجه يكون (أتى) بمعنى (يأتي)، وجاز وقوع الماضي هاهنا لصدق الخبر بما أخبر، فصار بمنزلة ما قد مضى، وقد شرحناه فيما تقدم. * * * قوله تعالى: (فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ) يقال: لم قال (مِنْ فَوْقِهِمْ)، وقد عُلم أنّ السقف يخر من فوقهم؟ وعنه جوابان: أحدهما: أنّه للتوكيد، كما تقول لمن تخاطبه: قلتُ أنت كذا وكذا. والثاني: أنّه جاء كذلك ليدل أنّهم كانوا تحته، لأنّه يجوز أن يقول الرجل: خرَّ عليَّ السقف وتهدم عليَّ المنزل، ولم يكن تحتها. وقال ابن عباس وعبد الرحمن بن زيد: نزل هذا في نمرود. وقيل: في بختنصَر.

стр. 192

قوله تعالى: (نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا) يقال: سقيته إذا ناولته ليشرب. وأسقيته إذا جعلت له ماء ليشربه دائماً، من نهر أو غيره، وقد يقال: سقى وأسقى بمعنى، قال لبيد: سَقَى قَوْمي بَنِي مَجْدٍ وأَسْقَى ... نُمَيْراً والقبائِلَ مِنْ هِلالِ ومما يسأل عنه أن يقال: على ما يعود الضمير في (بطونه)؟ والجواب: أنّ العلماء اختلفوا في ذلك: فذهب بعضهم: إلى أنّ (الأنعام) جمع، والجمع يذكَّر ويؤنث، فجاء هاهنا على لغة من يذكر، وجاء في سورة " المؤمنين " على لغة من يؤنث. وذهب آخرون: إلى أنّه رد على واحد الأنعام، وأنشد: وَطابَ ألبانُ اللقاح فَبَرَدْ ردَّه إلى اللبن. وقيل: الأنعام، والمنعم سواء، فحصل على المعنى، وأنشدوا للأعشى: فإن تَعهديني وَلي لِمّةٌ ... فإنّ الحوادثَ أودَى بها

стр. 193

حمله على الحدثان. وقل: المعنى نسقيكم مما في بطون الذكور. وقيل: " من " تدل على التبعيض، فكأنه قال: نسقيكم من بطون بعض الأنعام؛ لأنَّه ليس لجميعها لبن. وقال إسماعيل القاضي: رد إلى الفحل، واستدل بذلك على أنّ اللبن للرجل في الأصل. * * * قوله تعالى: (وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا) السَّكَر: ما يسكر، والرزق الحسن: الخَلُّ، وقال ابن عباس وسعيد بن جبير والشعبي وإبراهيم وعبد الرحمن بن زيد والحسن ومجاهد وقتادة: السَّكَر: ما حرم من الشراب، والرزق الحسن: ما أحل منه، وقيل: هو ما حلا طعمه من شراب أو غيره، وهو من قول الشعبي. ويُسأل عن " الهاء " في " منه " علامَ يعود؟ وفيها جوابان: أحدهما: أنها تعود على المذكور. والثاني: أنها تعود على معنى الثمرات؛ لأنَّ الثمرات والثمر سواء، فكذا " الهاء " في قوله: (فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ). قيل: يعود على الشراب، وهو العسل، هذا قول الحسن وقتادة.

стр. 194

وقال مجاهد: يعود على القرآن. * * * قوله تعالى: (وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا) يسأل: بما نصب (شَيْئًا)؟ وفيه جوابان: أحدهما: أنّه بدل من (رِزْقًا)، وهو قول البصريين. والثاني: أنّه مفعول بـ (رِزْقًا)، وهو قول الكوفيين وبعض البصريين. وفيه بعد؛ لأنَّ (الرزق) اسم، والأسماء لا تعمل، والمصدر (الرزق) هذا قول المبرد. * * * قوله تعالى: (لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (١٠٣) يقال: ألحد ولحد بمعنى واحد، وذلك إذا مال، ومنه اللحد لأنّه في جانب القبر.

стр. 195

ويُسأل: من الذي ألحدوا إليه؟ والجواب: أنّ ابن عباس قال: كان المشركون يقولون إنما يُعلم محمدا ﷺ " بلعام ". وقال الضحاك: كانوا يقولون يُعلمه " سلمان ". وقوله (لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ) يعني به القرآن، كما تقول العرب للقصيدة: هذه لسان فلان، قال الشاعر: لِسَانُ السُّوءِ تُهديهَا إلينَا ... أُجبتُ وَمَا حَسِبتُك أن تُجِيبا. وقرأ حمزة والكسائي (يَلْحَدُونَ) بالفتح، وقرأ الباقون بالضم وهما لغتان. * * * قوله تعالى: (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا) قال ابن عباس ومجاهد وقتادة: القرية: مكة. وقيل: كل قرية كانت على هذه الصفة. فهي التي ضرب بها المثل. والأنعم: جمع نعمة، كشدة وأشد، وقيل: واحدها (نعم) كغصن وأغصن، وقيل: واحدها (نعماء) كبأساء وأبؤس.

стр. 196

ومما يُسأل عنه أن يُقال: لِمَ قال (لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ)، والجوع لا يُلبس؟ والجواب: لما يظهر عليهم من الهزال وشحوب اللون، فصار كاللباس. وقيل: إن القحط بلغ بهم إلى أنّ أكلوا القد والوبر مخلوطين بالدم والقراد. ويُسأل عن قوله تعالى: (فَأَذَاقَهَا اللَّهُ)؟ والجواب: أنّه استعارة، والعرب تقول: اركب هذا الفرس وذقه، أي: اختبره، وكذا يقولون: ذق هذا الأمر، قال الشمَّاخ: فَذاقَ فَأعطتهُ من اللين جَانِباً ... كفى ولها أن يُغرقَ السهمَ حاجزُ يصف قوساً. * * * قوله تعالى: (وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ) نصب (الكذبَ) بـ (تصفُ)، و (ما) مصدرية. وقرئ في الشاذ (لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكُذُبُ)، جمع كذوبٍ، وهو وصف للألسنة. وقرئ أيضا (الكَذِبِ) بالجر على أنّه بدلَ من (ما).

стр. 197

والألسنة: جمع لسان على مذهب من يُذكر، ومن أنَّث قال في جمعه (ألسن) قال العجاج: وتَلحَجُ الألسُنُ فينا مَلحجا وهذه الآية نزلت في تحريمهم البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي. * * *

стр. 198

وَمِنْ سُورَةِ (بَنِي إِسْرَائِيلَ) قوله تعالى: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا) المسجد الحرام بمكة، والمسجد الأقصى ببيت القدس، وهو مسجد سليمان ﵇، عن الحسن، وقيل: الأقصى لبعد المسافة بينهما. قال الحسن: صلى النبي صلى الله عليه المغرب في المسجد الحرام، ثم أسرى به إلى بيت القدس في ليلته، ثم رجع فصلى الصبح في المسجد الحرام، فلما أخبر المشركين بذلك كذبوه وقالوا: يسير مسيرة شهر في ليلة واحدة، وسألوه عن ييت المقدس، فطوى الله تعالى له الأرض حتى أبصرها، فكان ينظر إليها ويصف لهم. وقيل: كان تلك الليلة في المسجد الحرام، كما قال الحسن وقتادة. وقيل: كان في بيت أم هانئ، وقال: من المسجد الحرام، لأنّ الحرم كله مسجد. ومعنى قوله (بَارَكْنَا حَوْلَهُ): يعني بالعمار والأنهار، وقيل: باركنا حوله لما حوله من الأنبياء ﵈، ولهذا جعل مقدَّساً. ومعنى (سبحان): براءة وتنزيه، قال الأعشى: أَقولُ لمَّا جَاءَنِي فَجْرُه ... سُبحانَ مِن عَلْقَمَةَ الفاجِرِ ويُسأَل عن نصب (سبحانَ)؟ والجواب: أنّه نصب على المصدر إلا أنّه لا ينصرف؛ لأنّه جعل اسما للتسبيح فهو معرفة، وفي آخره زائدتان، فجرى مجرى (عثمان) ونظيره من المصادر (برةُ) في أنّه لا ينصرف، قال النابغة:

стр. 199

إِنَّا اقْتَسَمْنا خُطَّتَيْنا بَيْنَنا ... فَحَمَلْتُ بَرَّةَ واحْتَمَلْتَ فَجارِ وقال أبو عبيدة: هو منادى، كأنّه قال: يا سبحان الذي، ولا يجيز هذا حذاق أصحابنا؛ لأنَّه لا معنى له. وقوله: (الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ)، تقديره عند البصريين: باركنا ما حوله، فحذف (ما) وهي موصوفة، ولقيت الصفة التي هي (حوله) تدل على المحذوف. وقال الكوفيون: هي موصولة. ولا يجيز البصريون حذف الموصول. * * * قوله تعالى: (وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ) آتينا: أي أعطينا. ويُسأل عن نصب قوله (ذُرِّيَّةَ)؟ وفي نصبها وجهان: أحدهما: أن يكون بدلا من (وَكِيل). كأنّه في التقدير: ألا تتخذوا من دوني وكيلا ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ. والثاني: أن يكون منادى، كأنّه قال: يا ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ. هذا على قراءة من قرأ (أَلَّا تَتَّخِذُوا) بالتاء، وأما من قرأ (أَلَّا يَتَّخِذُوا) بالياء، فـ (ذُرِّيَّةَ) في قوله بدل من (وَكِيل) كما كان فى أحد الوجهين الأولين.

стр. 200

قوله تعالى: (وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ) الإنسان يقع على المذكر والمؤنث، فإن أردت الفصل قلت للمذكر (رجل) وللمؤنث (امرأة)، ومثل ذلك: فرس، هذا مشترك، فإن أردت الفصل قلت (حصان) و (حجر) وفي الهماليج (برذون) و (زمكة)، وكذلك: بعير، يقع على المذكر والمؤنث، فإن فصلت قلت (جمل) و (ناقة). واشتقاق الإنسان: من الإِنس والأنس. وهو (فِعْلان) من ذلك، هذا مذهب البصريين. ْوقال الكوفيون: هو من النسيان، وأصله (إنسيان) حذفت الياء منه استخفافا، واحتجوا على ذلك بقول العرب (أنيسيان)، وهذه الياء عند البصريين زائدة، وهذا التصغير شاذ، ومثله عندهم عشيشية ومغيرلان الشمس ولييلية في أشباه ذلك. والطانر هاهنا: عمل الإنسان، شُبِّه بالطائر الذي يسنح ويُتبرك به. والطائر الذي يبرح فيتشاءم به. والسانح: الذي يجعل ميامنه إلى مياسرك، والبارح الذي يجعل مياسره إلى ميامنك، والأصل في هذا إنه إذا كان سانحاً أمكن الرأي. وإذا كان بارحا لم يمكنه. وإنما خاطب الله تعالى العرب على عادتهم وما يعرفونه. قال ابن عباس ومجاهد وقتادة: طائره عمله. ويقال: لم قال (أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ)، ولم يقل في يده؟ والجواب: لأنّه في العنق ألزم؛ لأنَّه يصير بمنزلة الطوق. ولأن محل ما يزين من طوق أو غيره العنق وكذا موضع الغل.

стр. 201

ونصب (حسيباً) على الحال، والعامل فيها (كفى)، وقيل: هو نصب على التمييز، والأوّل أقيس. وموضع (بنفسك) رفع، لأنّه فاعل (كفى) والباء زائدة، وقال أبو بكر بن السراج المعنى: كفى الاكتفاء بنفسك، فالفاعل على هذا محذوف. وقرأ ابن عامر (يُلقَّاهُ) بضم الباء وتشديد القاف، وقرأ الباقون (يَلْقَاهُ) بالتخفيف وفتح الياء. وقُرئ (وَيُخْرَجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا) وقرئ (وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا). فمن قرأ (نُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا) فمعناه: يظهر له كتابا. فتنصب " كتابا " على هذا الوجه لأنّه مفعول. ومن قرأ (وَيُخْرَجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا) نصب " كتابا " على الحال. أي: ويخرج له طائره كتابا. ولو قرئ: ويخرج له كتاب، لجاز على أنّه الفاعل، وكذا لو قرئ: وَيُخْرَجُ له كتابٌ له، على ما لم يسمَّ فاعله لجاز، إلا أنّ القراءة سنة. ونصب (منشورا) على الحال من (يلقاه) في القراءتين جميعا. * * * قوله تعالى: (وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا) الأمر: ضد النهي، والإتراف: التنعم. والفسق: الخروج عن الطاعة.

стр. 202

والمعنى: أمرناهم بالطاعة ففسقوا، وهو قول ابن عباس وسعيد بن جبير. وهذه قراءة السبعة، ومثله: أمرتك فعصيتني. وقرئ (أَمَّرْنَا) ومعناه: كثَّرنا، وقيل جعلناهم أمراء. والأوّل أجود؛ لأنّ القرية الواحدة لا يكون فيها عدة أمراء في وقت واحد. وقرئ (آمرنا) بالمد أي: كثرنا. وذكر ابن خالويه: أنّ بعضهم قرأ (أَُمِرْنا) بكسر الميم بغير مد، وذكر أنّ معناها: كثرنا، وأن (أُمِر) يأتي لازماً ومتعدياً. ويُسأل: لم خص المترفون؟ والجواب: لأنهم الرؤساء، وَمِنْ سواهم تبع لهم، كما أمر فرعون وكان من عداه من القبط تبعًا له. * * * قوله تعالى: (وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ) الإملاق: الفقر هذا قول ابن عباس ومجاهد، وذلك أنّهم كانو يئدون البنات خوفاً من الفقر، فنهاهم الله عن ذلك. والزنا يمد ويقصر، قال الشاعر: أَبا حاضِرٍ مَنْ يَزْنِ يُعْرَفْ زِناؤُهُ ... ومَنْ يَشرَبِ الخُرْطُومَ يُصْبِحْ مُسَكَّرا

стр. 203

والخرطوم: الخمر، إلا أنّ القرآن جاء بالقصر، والإسراف، مجاوزة الحد، والسلطان هاهنا: القود والدية، وهو قول ابن عباس والضحاك، وقال قتادة: هو القود. ومما يسأل عنه أن يقال: كيف قال (خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ)، أفيجوز قتلهم لغير إملاق؟ قيل: لا، وإنما نهى تعالى عن قتلهم ألبتة، ثم أشعرهم بمكان الخوف، ومثله قوله تعالى: (وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ)، لم يأمرهم أن يكونوا ثانيا ولا ثالثا. ويقال: ما معنى (كَان فاحِشَةً) أتراه الآن ليس بفاحشة؟ والجواب: أنّه كان عندهم في الجاهلية فاحشة. وهو كذلك الآن، ومثل هذا في القرآن كثير. ويقال: ما موضع (وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ)؟ والجواب: أنّه يحتمل النصب والجزم، فأما النصب: فعلى قوله: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ) وأن لا تقتلوا. وأما الجزم: فعلى النهي. ويُسأَل عن الضمير في قوله: (إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا) علامَ يعود؟ وفيه جوابان: أحدهما: أنّه يعود على الولي، وهو قول قتادة. والثاني: أنّه يعود على المقتول، وهو قول مجاهد. والقول الأول أبين. وقرأ ابن كثير (كانَ خِطاءً) مكسور الخاء ممدردة مهموزة، وقرأ ابن عامر (خَطَأً) بالفتح والهمز من غير مد، وقرأ الباقون (خِطْأ) مكسورة الخاء ساكنة الطاء مهموزة من غير مد، وهذه لغات.

стр. 204

وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي: (فَلَا تُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ) بالتاء جزماً، وقرأ الباقون بالياء. فالتاء على أنّه خطابٌ للنبي صلى الله عليه. وقيل: هو لولي المقتول. والولي: الوارث من الرجال. * * * قوله تعالى: (وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ) قال ابن عباس والحسن وسعيد بن جبير وقتادة وإبراهيم وابن جريج وابن زيد والضحاك ومجاهد: الرؤيا ما رآه النبي ﷺ ليلة الإسراء، فلما أخبر المشركين بما رأى كذبوا به. وقيل: هي رؤيا نوم، وهي رؤياه التي رأى أنّه سيدخل مكة، روي هذا عن ابن عباس من جهة أخرى. والشجرة الملعونة: الزقوم، وقد ذكرها الله تعالى في مكان آخر، فقال: (إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعَامُ الْأَثِيمِ)، هذا قول ابن عباس والحسن وسعيد بن جبير وابن مالك وقتادة وإبراهيم ومجاهد والضحاك وابن زيد، وكانت فتنتهم بها أنّ أبا جهل قال: النار تأكل الشجر، فكيف تنبت فيها، وارتد قوم، وزاد الله في بصائر آخرين. وقال أصحاب المعاني: يجوز أن تكون شجرة الزقوم نبتاً من النار أو من جوهر لا تأكله النار، وكذلك سلاسل النار وأغلالها وعقاربها وحياتها، وكذلك الضريع وما أشبه ذلك.

стр. 205

والفتنة هاهنا: الاختبار. قوله تعالى: (يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ) الفتيل: ما يكون في شقِّ النواه. واختلف في الإمام هاهنا: فقيل: إمامهم نبيهم، وهو قول مجاهد وقتادة. وقال ابن عباس والحسن والضحاك: إمامهم كتاب عملهم. وقيل: كتابهم الذي أنزل الله تعالى فيه الحلال والحرام والفرائض، وهو قول ابن زيد. وقيل: من كانوا يأتمون به في الدنيا. وهو قول أبي عبيدة. ويُسأَل عن قوله (وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى)؟ والجواب: أنّ ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن زيد قالوا: من كان في هذه الدنيا وهي شاهدة له من تدبيرها وتصريفها أعمى عن اعتقاد الصواب فهو في الآخرة التي هي غائبة عنه أعمى. وقرأ أبو عمرو (وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى) بالإمالة، وفخم (فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى)، واستشهد بقوله (وَأَضَلُّ سَبِيلًا)، أي: أشد عمى، وهو من عمى القلب، وقرأ ابن كثير وابن عامر ونافع وحفص عن عاصم بالتفخيم فيه جميعاً، وقرأ الكسائي وحمزة وأبو بكر عن عاصم بالإمالة فيهما جميعاً. وقيل: فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى عن طريق الجنة.

стр. 206

واحتج قوم لقراءة أبي عمرو بأن الأول رأس آية فجاز إمالته، وليس الثاني كذلك ففخم. وقد ذكرنا أنّه من عمى القلب. ولا يجوز أن يكون من عمى البصر؛ لأنّه لا يقال: هذا أعمى من هذا، كما لا يقال: هذا أحمر من هذا. وكذا جميع الألوان والعاهات والخلق. ونصب (يَوْمَ) بفعل مضمر تقديره: اذكر يوم ندعو. وقيل: هو منصوب بـ (يعيدهم) يوم ندعو. وهو قول الزجاج. * * * قوله تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي) اختلف في الروح هاهنا: فقيل: هو جبريل ﵇، هذا قول ابن عباس. وقال علي ﵁: هو ملك له سبعون ألف وجه لكل وجه سبعون ألف فم لكل فم سبعون ألف لسان يسبح الله تعالى بجميع ذلك. - وقيل: الروح ما تكون به الحياة - وقيل: الروح ملك يقوم يوم القيامة صفًا، وتقوم الملائكة صفا، واستدلوا على ذلك بقوله (يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا)، قال قتادة: سأل عن ذلك قوم من اليهود، وقيل سأل عنه اليهود. وقيل: في قوله (قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي) أي: من الأمر الذي يعلمه ربي. ومما يسأل عنه أن يقال: لِمَ لم يجابوا عن الروح؟ والجواب: لما في ذلك من المصلحة، ليوكلوا إلى علم ما فى عقولهم من الدلالة، مع ما في ذلك من الرياضة.

стр. 207

وقيل: إنهم وجدوا في كتابهم: أنّه إن أجابهم عن الروح فليس بنبي. * * * قوله تعالى: (قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ) (أو) هاهنا للإباحة. أي: إن دعوت بأحدهما كان جائزاً، وإن دعوت بهما جميعاً كان جائزاً. وهذان الاسمان ممنوعان. أي: لم يتسم أحد بهما غير الله تعالى. و (ما) في (أَيًّامًا)، صلة، كقوله تعالى: (عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ). وقيل: هي بمعنى (أي شيء) كررت مع اختلاف اللفظين للتوكيد، كقولك: ما رأيت كالليلة ليلة. و (أَيًّا) نصب بتدعو. وقرئ (قُلِ ادْعُوا)، (أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ)، بكسر اللام والواو على أصل التقاء الساكنين، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ونافع والكسائي بضم الواو واللام، وهو أجود، والعلة في ذلك أنّ بعدهما ضمة العين فكرهوا الخروج من كسر إلى ضم وليس بينهما إلا حاجز ضعيف، وهو الساكن، ومن زعم من النحويين أنّ ضمة الهمزة من (ادعو) ألقيت على اللام والواو، فقد أخطأ؛ لأنّ هذه الهمزة لا حظَّ لها في الحركة، وإنما تحرك عند الابتداء، فإذا اتصل الكلام سقطت الحركة، وقد كسر بعضهم اللام، وضم الواو جمع بين اللغتين، ولو ضم اللام وكسر الواو لكان جائزاً في العربية، إلا أنّه لا يُقرأ إلا بما صحَّ عن السلف ﵃. * * *

стр. 208

وَمِنْ سُورَةِ (الْكَهْفِ) قوله تعالى: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ) القيِّم: المستقيم. والعوج: العدول عن الحق إلى الباطل، يقال: ليس في الدين عوج، وكذلك ليس في الأرض عوج، ويقال: في العصا عَوج بالفتح. وأجمع العلماء على أنّه على التقديم والتأخير. أي: أنزل على عبده الكتاب قيما ولم يجعل له عوجاً. قال ابن عباس والضحاك: أنزله مستقيماً معتدلًا. وقيل: ولم يجعل له عوجا أي: لم يجعله مخلوقاً، ويروى هذا عن ابن عباس أيضاً. ووزن (قَيِّم) فيعل، وأصله (قيوم) فقلبت الواو ياء وأدغمت الياء فيها، وهذا حكم كل (واو) و (ياء) اجتمعتا وسبقت الأولى منهما بالسكون، نحو: سيِّد وميتِّ وطيّ وليّ، والأصل: سيود وميوت وطوي ولوي، ففعل بهذه الأشياء ما ذكرناه. وقرأ الأعمش (الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ)، وروي أنّ عمر قرأ (الْحَيَّ الْقَيَّامُ)، والأصل فيه القيوام، ففعل به ما قد ذكرناه، وكذلك: القيوم، أصله: قيووم. ونصب (قيما) على الحال من الكتاب. والعامل فيه " أنزل ".

стр. 209

قوله تعالى: (كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ) الكلمة هاهنا: قولهم (اتخذ الله ولداً)، واختُلف في نصبها: فقال قوم: انتصب على تفسير المضمر، على حد قولك: نعم رجلا زيد، والتقدير على هذا: كبرت الكلمة كلمةً، ثم حذفت الأول، لدلالة الثاني عليه. ومثله: كرُم رجلا زيد، ولؤم صاحبا عمرو. وقال قوم: انتصب على التمييز المنقول عن الفاعل. على حد قولك: تصببت عرقاً، وتفقأت شحماً، قال الشاعر: وَلقَد عَلِمتُ إذَا الرياحُ تنَاوحَت ... هَدَجَ الرئال تكبهُن شَمَالا. وهذا البيت إذا حُذف منه (تكبهن شمالا) بقي موزونا، وكانَ من مرفل الكامل إذا حركت اللام، فإن أسكنتها كان من الذال، وهو على تمامه من الكامل، ويحكى أنّ أول من نبه على هذا أبو عمرو بن العلاء. وقيل: نصب (كلمة) على الحال من المضمر في (كبرت). وقرأ ابن كثير (كَبُرَتْ كَلِمَةٌ) بالرفع، جعل كبرت بمعنى عظمت. وأما قوله تعالى: (تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ)، فهو نعت لمحذوف تقديره: كبرت كلمةٌ كلمةٌ تخرج من أفواههم، ترفع (كلمة) المضمرة، كما ترفع (زيد) من قولك: نعم رجلاً زيد، ورفعه من وجهين: أحدهما: أن يكون مبتدأ وما قبله الخبر. والثاني: أن يكون خبر مبتدأ محذوف، والتفسير في الآية على هذا: هي كلمة تخرج، ولا يجوز أن يكون (تخرج) وصفًا لـ (كلمة) الظاهرة؛ لأنَّ الوصف يقرب النكرة من المعرفة، والتمييز والتفسير

стр. 210

والحال لا تكون معرفة ألبتة، ولا يجوز أن يكون حالًا من (كلمة) المنصوبة لأمرين: أحدهما: أنّ الحال يقوم مقام الوصف. والثاني: أنّ الحال لا يكون من نكرة في غالب الأمر. ولكن يجوز أن يكون (تخرج) وصفاً لـ (كلمة) على مذهب من رفع كلمة. * * * قوله تعالى: (أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا (٩) الكهف: الغار، والرقيم: قيل: هو لوح أو حجر أو صحيفة كتب فيه أسماء أصحاب الكهف وخبرهم حين أووا إلى الكهف؛ لأنَّه من عجائب الأمور، وجعل في خزائن الملوك، وقيل: جعل على باب كهفهم، ورقيم على هذا بمعنى مرقوم، مثل: جريح ومجروح وصريع ومصروع، يقال: رقمت الكتاب أرقمه، وفي القرآن (كِتَابٌ مَرْقُومٌ)، ومن هذا قيل: في الثوب رقم، وقيل للحية: أرقم، لما فيها من الخطوط، وهذا الذي ذكرناه من أنّه كتاب كتب فيه حديثهم قول مجاهد وسعيد بن جبير، وفي بعض الروايات عن ابن عباس: أنّه الوادي الذي كانوا فيه، وروي مثل ذلك عن الضحاك، وقيل: الرقيم الجبل الذي كانوا فيه، وهو قول الحسن، وقيل: الرقيم اسم كلبهم، وجاء في التفسير عن الحسن: أنّهم قوم هربوا بدينهم من قومهم إلى كهف وكان من حديثهم ما قصه الله تعالى في كتابه. وقيل في قوله (أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا)، أنّ معناه: أكانوا أعجب من خلق السماوات والأرض وما فيهن. و (أم) هاهنا بمعنى: بل أحسبت، وفيها معنى التعجب.

стр. 211

وحدثني أبي عن عمه إبراهيم بن غالب حدثنا القاضي منذر بن سعيد حدثنا أبو النجم عصام بن منصور المرادي القزويني حدثنا أبو بكر أحمد بن عبد الله بن عبد الرحيم الرقي حدثنا أبو محمد عبد الملك بن هشام حدثنا زياد بن عبد الله بن البكائي عن محمد بن إسحاق المطلبي قال حدثني بعض أهل العلم عن سعيد بن جبير وعكرمة عن عبد الله بن عباس ﵁ في خبر طويل: أنّ النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط أنفذتهما قريش إلى أحبار اليهود بالمدينة، وقالوا لهما: اسألاهم عن (محمد). وصفا لهم صفته، وأخبراهم بقوله فإنهم أهل الكتاب الأول؛ وعندهم علم ليس عندنا من علم الأنبياء. فخرجا حتى قدما المدينة. فسألا أحبار اليهود عن النبي ﷺ ، وقالا لهم ما قالت قريش وقالا: أخبرونا عن صاحبنا. فقالت لهما أحبار اليهود: سلوه عن ثلاث، نأمركم بهن. فإن أخبركم بهن فهو نبي مرسل، وإن لم يفعل فهو رجل متقول فارؤوا فيه رأيكم، سلوه عن فتية ذهبوا فى الدهر الأول، ما كان أمرهم؟ فإنه قد كان لهم حديث عجب، وسلوه عن رجلٍ طواف قد بلغ مشارق الأرض ومغاربها ما كان نبأه؟ وسلوه عن الروح، ما هو؟ -فإذا أخبركم بذلك فاتبعوه فإنه نبي، وإن لم يفعل، فاصنعوا في أمره ما بدا لكم، فأقبل النضر وعقبة حتى قدما مكة على قريش فقالا: يا معشر قريش قد جئناكم بفصل ما بينكم وبين " محمد "، وقصَّا عليهم القصة، فجاءوا النبي ﷺ فسألوه عن ذلك، فقال ﵇، أخبركم بما سألتم عنه غداً، ولم يستثن، فانصرفوا عنه، فمكث ﵇ خمس عشرة ليلة لا يحدث الله إليه في ذلك وحيا، ولا يأتيه جبريل، حتى أرجف أهل مكة وقالوا: وعدنا محمد غداً، واليوم خمس عشرة ليلة قد أصبحنا منها لا يخبرنا بشيء مما سألناه، وأحزن النبي صلى الله عليه مكث الوحي عنه، وشق ما يتكلم به أهل مكة عليه، ثم جاءه جبريل ﵇ عن الله تعالى بسورة الكهف، فيه معاتبة على حزنه عليهم، وخبر ما سألوا عنه من أمر الفتية، والرجل الطواف، والروح. قال ابن إسحاق: فذكر لي أنّ رسول الله ﷺ قال لجبريل ﵇ حين جاءه: لقد أحبست عني يا جبريل حتى سؤت ظنا، فقال له جبريل: (وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا)، فافتتح السورة تعالى: بحمده، وذكر نبوة رسول الله لما أنكروا عليه من ذلك فقال: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ) يعني: محمداً، إنك رسول مني. أي: تحقيق لما سألوا عنه من نبوتك، (وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا قَيِّمًا) أي: معتدلاً لا اختلاف فيه (لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ)، أي: عاجل عقوبته في الدنيا، ثم مر في السورة.

стр. 212

قوله تعالى: (لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا (١٢)) اختلف العلماء في قوله: (أَيُّ الْحِزْبَيْنِ): فقال الخليل: (لنعلم) ملغي. و (أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى) مبتدأ وخبر، والتقدير: لنعلم الذي نقول فيه: أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى، قال يونس: (أَيُّ الْحِزْبَيْنِ) حكاية. وقال الفراء: الكلام فيه معنى الاستفهام، فلذلك لم يعمل فيه (لنعلم). قال سيبويه: (أَيُّ) هاهنا مبنية، وذلك لحذف العائد عليها، كأن الأصل: لنعلم أي الحزيين هو أحصى، فلما حذف (هو) رجعت (أي) إلى أصلها وهو البناء؛ لأنها بمنزلة (الذي) و (مَنْ) و (ما). قال الكسائي: المعنى لنعلم ما يقولون، ثم ابتدأ: أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى، ومثل هذه الآية قوله (فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا) وقوله (ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا)، وأنشد سيبويه: وَلَقَدْ أَبِيتُ مِنَ الفَتَاة بمَنْزِلِ ... فأَبِيتُ لَا حَرِجٌ وَلَا مَحْرُومُ استشهادا لقول الخليل، وتأوله هو على تقدير: لا حرج ولا محروم في مكان، على الابتداء والخبر، وجعل الجملة خبر لـ (بات)، وقدره الخليل: فأبيت بمنزلة الذي يقال له لا حرج ولا محروم. وأما النصب في (أَمَدًا):

стр. 213

فقال الزجاج: إنه تمييز، وهذا وهم؛ لأنّ (أحصى) فعل وليس باسم، قال الله تعالى (أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ). وقال مرة أخرى: هو منصوب بـ (لبثوا) على الظرف، وهذا القول أصح من الأول. وأي الحزبين هاهنا يراد به: الفتية من حصرهم من أهل زمانهم. * * * قوله تعالى: (سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ) الرجم: القذف، عن قتادة، وروي عن ابن عباس أنّه قال: أنا والله من ذلك القليل الذي استثنى الله تعالى، كانوا سبعة وثامنهم كلبهم. * * * فصل: ومما يسأل عنه أن يقال: لم دخلت " الواو " في قوله (وثامنهم)، وحذفت فيما سوى ذلك؟ والجواب: أنها دخلت لتدل على تمام القصة، وموضعها مع ما بعدها نصب على الحال. وقيل: دخلت لتعطف جملة على جملة. وقال بعضهم: خصت بعدد السبعة؛ لأنَّ السبعة أصل للمبالغة في العدة، لأنّ جلائل الأمور سبعة سبعة.

стр. 214

وأما من يقول هي واو الثمانية، ويستدل بذلك على أنّ للجنة ثمانية أبواب. لقوله تعالى (حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا). فشيء لا يعرفه النحويون وإنما هو من قول بعض المفسرين. ولو حُذفت هذه الواو لكان جائزاً؛ لأنّ الضمير في قوله (وثامنهم) يربط الجملتين، وذلك نحو قولك: رأيت زيدًا وأبوه قائم، ولو قلت: رأيت زيداً أبوه قائم لكان جائزاً، وتقول: رأيت زيداً وعمرو قائم، فلا يجوز حذف الواو؛ لأنّه لا ضمير هاهنا يربط الجملتين. ولو دخلت الواو في قوله تعالى: (سيقولون ثلاثةٌ ورابعهم كلبهم) (ويقولون خمسةٌ وسادسهم كلبهم) لكان جائزاً عند النحويين. * * * قوله تعالى: (وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا (٢٥) اختلف العلماء في هذا: فقال قوم: هذا إخبار من الله تعالى بمقدار لبثهم، ثم قال لنبيه ﵇: إن حاجك المشركون فيهم قل: الله أعلم بما لبثوا، هذا قول مجاهد والضحاك وعبيد بن عمير. وقال قتادة: هو حكاية عن قول اليهود لأجل قوله تعالى (قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا)، فكأنه في التقدير: سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم، ويقولون كذا وكذا، ويقولون ولبثوا في كهفهم، وقد ذكرنا عن ابن عباس أنّه قال: أنا من ذلك القليل الذي استثناه الله تعالى. * * * فصل: ومما يسأل عنه أن يقال: كيف جاء قوله تعالى: (وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ)، وإنما يقال: ثلاثمائة سنة؟

стр. 215

وعن هذا جوابان: أحدهما: أنّ التقدير: ولبثوا في كهفهم ثلاثمائة سنة، على المستعمل، إلا أنّه وضع الجميع موضع الواحد على الأصل، لأنّ الأصل أن تكون الإضافة إلى الجميع. كما قال الشاعر: ثلاثُ مئين قد مضَينَ كوامِلًا ... وها أنا ذا أرتَجي مَرّ أربَعِ. فجاء به على الأصل. والثاني: أنّ العرب تستغني عن الواحد بالجمع. وعن الجمع بالواحد، فمما استغني فيه عن الواحد بالجمع قولهم: قدر أعشار، وثوب أخلاق، ومما استغنوا فيه بالواحد عن الجمع قوله: بها جِيَفٌ الحَسْرى فأمَّا عِظامُها ... فَبيضٌ وأَمَّا جِلْدُها فَصَلِيبُ وقال آخر: كُلُوا في نصْف بَطنكُم تَعيشُوا ... فَإنَّ زمانَكُم زَمنٌ خَمِيصُ. وقال الله تعالى في الاستغناء بالجمع عن الواحد: (فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ) الخطاب: للنبي ﷺ ، ثم قال للكفار: (فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ)، يدل على ذلك قوله: (فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)، ومما جاء من قوله تعالى على الاستغناء بالواحد عن الجمع قوله تعالى: (ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا)، وهو كثير. وهذا كله على قراءة حمزة والكسائي، فأما الباقون فإنهم نونوا (ثَلَاثَمِائَةٌ). وفي نصب (سنين) قولان: أحدهما: أنّه بدل من ثلاثمائة.
следующие страницы →