والجواب الثاني: أنّه مبتدأ والخبر محذوف، أي: عليكم أذانٌ من الله، وفيه معنى الأمر، وهذا قول علي بن عيسى.
والثالث: أنّه مبتدأ والخبر قوله (أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ)، على حذف الباء. كأنّه قال: بأنَّ الله.
وعلى الوجهين الأولين يكون موضع (أنَّ) نصباً على أنّه مفعول له.
وقرأت القراء (وَرَسُولُهُ) بالرفع، وقرأ عيسى بن عمر (وَرَسُولَهُ) بالنصب، وقرأ بعض أهل البدو (وَرَسُولِهِ) بالجر.
فأما الرفع فمن وجهين:
أحدهما: أن يكون معطوفاً على المضمر في " بريء " وحسُن العطف عليه وإن كان غير مؤكد لأنّ قوله تعالى (مِنَ الْمُشْرِكِينَ) قام مقام التوكيد.
والثاني: أن يكون مبتدأ، والخبر محذوف تقديره: ورسوله برىءَ أيضاً، ثم حذف الخبر لدلالة " أنّ " عليه.
وذكر سيبويه وجها ثالثاً: وهو أن يكون معطوفاً على موضع " أنّ ". وهذا وهم منه، لأنّ " أنّ " المفتوحة مع ما بعدها في تأويل المصدر، فقد تغيرت عن حكم المبتدأ وصارت في حكم " ليت " و " لعل " فكأن في إحداثها معنى يفارق المبتدأ، فكما لا يجوز العطف على مواضعهن فكذلك موضع " أنَّ " لا يجوز العطف عليه، وإنما يجوز العطف على موضع " إنَّ " المكسورة، كما قال الشاعر:
فَمَنْ يَكُ أَمْسَى بِالْمَدِينَةِ رَحْلُهُ ... فإِني وقَيَّاراً بِهَا لغَرِيبُ
стр. 142
ولعل سيبويه توهم أنها مكسورة فحمل على موضعها، وقد قرئ في الشواذ (إن الله) بالكسر؛ ولعله تأول على هذه القراءة.
فأما النصب: فعلى العطف على اللفظ، ومثله قول الراجز:
إنَّ الربيعَ الجودَ والخريفَا ... يدا أبي العباس والضُّيوفا
وأما الجر: فحمله قوم على القسم. وهي قراءة بعيدة شاذة.
* * *
قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ)
يسأل عن موضع " الَّذِينَ يَكْنِزُونَ " من الإعراب؟
وفيه جوابان:
أحدهما: أنّ موضعه نصب؛ لأنَّه معطوف على اسم " إنَّ "، ولكون المعنى: وإن الذين يكنزون الذهب والفضة يأكلونها.
والثاني: أن يكون رفعاً على الاستئناف.
ويقل: لِمَ قال (يُنْفِقُونَهَا) ولم يقل (ينفقونهما)؟
وفي هذا أجوبة:
أحدها: أنّه يرجع إلى ما دل عليه الكلام، كأنّه قال: ولا ينفقون الكنوز.
والثاني: أنّه لما ذكر الذهب والفضة دل على " الأموال "، فكأنه قال: ولا ينفقون الأموال
стр. 143
والثالث: أنّ الذهب مؤنث، وهو جمعٌ واحده " ذهبة "، وهذا الجمع ليس بينه وبين واحده إلا " الهاء " يذكر ويؤنث. قال الله تعالى: (كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ) وقال: (كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ) فذكر. ثم لما اجتمعا في التأنيث، وكان كل واحد منهما يؤخذ عن صاحبه في الزكاة على قول جمهور أهل العلم جعلهما كالشيء الواحد، ورد الضمير إليهما بلفظ التأنيث.
والرابع: أنّه اكتفى بأحدهما عن الآخر للإيجاز. ورد الضمير إلى الففة لأنّه أقرب إليه، وإن شئت إلى الذهب، على مذهب من يؤنثه. والعرب تكتفي بأحد الشيئين عن الآخر للإيجاز والاختصار، قال الشاعر:
رَمَاني بأَمرٍ كنتُ مِنْهُ وَوَالِدِي ... بَرِيًّا وَمِنْ أجْلِ الطَّوِيِّ رَماني
ولم يقل: بريئين، وكذا قول الآخر:
نحنُ بما عِندنا وأنتَ بما عن ... دَكَ راضٍ والرأيُ مختلفُ
ومثله قوله تعالى: (وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ)، وتقدير هذا عند سيبويه: أنَ الخبر الأول محذوف لدلالة الثاني عليه، كأنّه قال: والله أحق أن يرضوه ورسوله أحق أن يرضوه، ثم حذف، وقال أبو العباس: هو على التقديم والتأخير. كأنّه قال: والله أحق أن يرضوه ورسوله. وقد قيل: إنه اقتصر على أحدهما لأنّ رضا الرسول ﵇ رضا الله تعالى، فترك ذكره لأنّه دلَّ عليه مع الإيجاز، وقيل: أنّه لم يذكر تعظيماً له بإفراد الذكر.
стр. 144
قوله تعالى: (اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ)
هذه الآية نزلت في قوم أيأس الله تعالى نبيه من إسلامهم، وروى الحسن وقتادة أنّ النبي ﵇ قال: لأزيدن على السبعين، فأنزل الله تعالى: (سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ)، وكان النبي ﵇ يدعو لهم بالمغفرة رجاء أن يكون لله تعالى بهم لطف فيستجيب له، فلما أيأسه كف عن ذلك.
ويُسأل عن صيغة الأمر في قوله (اسْتَغْفِرْ لَهُمْ)؟
والجواب: أنّه للمبالغة عن اليأس من المغفرة، وخصص عدد السبعين للمبالغة. وذلك أنّ العرب تبالغ بالسبعة والسبعين، ولهذا قيل للأسد سبع؛ لأنَّهم تأولوا فيه لقوته أنها ضوعفت له سبع مرات.
* * *
قوله تعالى: (وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ)
هذا معطوف على قوله تعالى: (لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ).
وسأل عن هَؤُلَاءِ الثلاثة؟
والجواب: أنّهم كعب بن مالك وهلال بن أمية ومرار بن ربيعة، وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة وجابر: هؤلاء الثلاثة من الأنصار.
стр. 145
ويسأل عن قوله (خُلِّفُوا) عن ماذا خُلِّفُوا؟
الجواب: أنّ مجاهداً قال: خُلِّفُوا عن التوية، وقال قتادة: خُلِّفُوا عن غزوة تبوك.
والظن هاهنا بمعنى اليقين، ومثله قول دريد بن الصمة:
فقلتُ لهم ظُنُّوا بأَلْفَي مُدَجَّجٍ ... سَرَاتُهمُ كالفارِسي المُسَرَّدِ
* * *
стр. 146
وَمِنْ سُورَةِ (يُونُسَ)
قوله تعالى: (وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا)
الكسب: اجتلاب النفع، والجزاء المكافأة، والسيئة: نقيض الحسنة.
وسأل عن ارتفاع (جزاء)؟
وفيه وجهان:
أحدهما: أن يكون مبتدأ والخبر (بِمِثْلِهَا) على زيادة الباء، وهذا قول أبي الحسن. لأنّه وجد في مكان آخر (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا)، ويجوز أن تكون الباء متعلقة بخبرٍ محذوف تقديره: وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ كائنٌ بمثلها، ثم حذفت كما تقول: إنما أنا بك وأمري بيدك وما أشبه ذلك.
والثاني: أن يكون فاعلًا بإضمار فعل تقديره: استقر لهم جزاء سيئة بمثلها ثم حذفت " استقر " فبقي " لهم جزاء سيئة بمثلها " ثم حذفت " لهم " لدلالة الكلام على أنّ هذا مستقر لهم.
ويجوز أن يكون (جَزَاءُ سَيِّئَةٍ) مبتدأ والخبر محذوف تقديره: لهم جزاء سيئة بمثلها، وإن شئت قدرته: جزاء سيئة بمثلها كائن، وهذه إجازة أبي الفتح.
* * *
قوله تعالى: (لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ)
يسأل عن " البشرى في الحياة الدنيا " ما هي:
стр. 147
وفيه أجوبة:
أحدها: أنها بشرى الملائكة ﵈ للمؤمنين عند الموت.
والثاني: الرؤيا الصالحة يراها الرجل. أو تُرى له، وهذا في خبرٍ مرفوع، والأوّل قول قتادة والزهري والضحاك.
والثالث: أنّ البشرى القرآن.
والرابع: أنّ المؤمن يُفتح له باب إلى الجنة في قبره فيشاهد ما أُعدَّ له في الجنة قبل دخولها.
* * *
قوله تعالى (وَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦٥))
العزة: القدرة.
ويسأل عن صيغة النهي في قوله (وَلَا يَحْزُنْكَ)؟
والجواب: أنّ هذا تسلية للنبي ﷺ .
ويُسأَل: لم كسرت (إنَّ) هاهنا؟
والجواب: أنها كسرت للاستئناف بالتذكير لا ينفي الحزن. ولا يجوز أن تكون كسرت لأنها وقعت بعد القول؛ لأنّه يصير حكاية عنهم، وأن النبي ﵇ يحزن لذلك وهذا كفر.
ويجوز فتحها على تقدير " اللام " كأنّه قال: ولا يحزنك قولهم لأنّ العزة لله جميعاً.
стр. 148
وقد غلط القتبي في هذا وزعم أنّ فتحها يكون كفراً، وليس كما ظن، وسواء فتحت أو كسرت إذا كانت معمولة للقول إلا إذا تعلقت بغير القول، ولا خلل في القراءة، ومثل الفتح قول ذي الرمة:
فَمَا هَجَرتكِ النَفسُ يا مَيُّ أنّها ... قلتْكِ وَلكنْ قلَّ منكِ نَصيبُها
ولكنَّهم يا أُملحَ النَّاسِ أُولِعَوا ... بِقول إذا ما جئتُ هَذا حَبِيبُها
وقال القتبي عند ذكر هذه المسألة: إذا قلت هذا قاتلٌ أخي -بالتنوين- دل على أنّه لم يقتل، وإذا قلت هذا قاتلُ أخي -بحذف التنوين- دل على أنّه قتل، وهذا غلط بإجماعٍ من النحويين، لأنّ التنوين قد يحذف وأنت تريد الحال والاستقبال، قال الله تعالى (هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ)، يريد: بالغًا الكعبة، وقال: (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ)، أي: ستذوق.
* * *
قوله تعالى: (فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ)
يقال: أجمعت على الأمر، وأجمعت الأمر، أي: عزمت عليه.
واختلف في انتصاب قوله (وَشُرَكَاءَكُمْ):
فقال الفراء: هو نصب بإضمار فعل. كأنّه قال: وادعوا شُرَكَاءَكُمْ، وقال: كذا هو في مصحف أبي وقال غيره: أضمر (واجمعوا شُرَكَاءَكُمْ)؛ لأنَّ (أجمعُوا) يدل عليه.
وروى الأصمعي: أنّه سمع نافعا يقرأ (فَاجْمَعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ)، فهذا يدل على هذا الإضمار، ويُقال: أجمعت الأمر وجمعت الأمر وأجمعت عليه.
стр. 149
وذهب المحققون من أصحابنا إلى أنّه مفعول معه تقديره: مع شركائكم. كما أنشد سيبويه:
فكُونُوا أُنتُم وَبني أبِيكُم ... مَكَانَ الكُليتَينِ مِنَ الطحالِ
ويدل على صحة هذا القول قراءة الحسن (فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ) فعطف على المضمر في (اجمعوا). وحسن العطف عليه لأنّ الفصل قام مقام التوكيد.
* * *
قوله تعالى: (فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ)
اختلف في قوله (نُنَجِّيكَ):
فقال أكثر المفسرين: معنى ننجيك نخلصك ببدنك أي بجسمك؛ لأنّه لو سلط عليه دواب البحر فأكلته لادعى قومه أنّه لم يمت، فالمعنى على هذا: نخرجك ببدنك بعد موتك.
وقال أبو العباس المبرد: الناس يغلطون في هذا. إنما المعنى في (ننجيك) نلقيك بنجوةٍ من الأرض، والنجوة ما ارتفع من الأرض، قال الشاعر:
فَمَنْ بِنَجْوَتِه كمَنْ بِعَقْوته ... والمُستَكِنُّ كمَنْ يَمْشِي بقِروَاحِ
وقوله (بِبَدَنِكَ) أي بدرعك. والدرع يسمى بدنا.
قال غيره: المعنى ببدنك دون روحك.
стр. 150
قوله تعالى: (فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ)
القرية مأخوذ من قريت الماء إذا جمعته، والخزي: الهوان والوضع من القدر وأصله العيب.
ويُسأَل عن (لولا)؟
وفيها جوابان:
أحدهما: أنّه بمعنى (هلاّ) يكون تحضيضًا، نحو قول الشاعر:
تَعُدُّونَ عَقْرَ النِّيبِ أَفْضَلَ مَجْدِكُم ... بَنِي ضَوْطَرَى لَوْلا الكَمِيَّ المُقَنَّعَا
ويكون تأنيباً، نحو قولك: لولا امتنعت من الفساد، كما تقول: هلا، والمعنى على هذا: هلا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس. والأصل: فلولا كان أهل قرية، فحذف.
والجواب الثاني: أن " لولا " بمعنى " ما " النفي، وهذا قولٌ ذكره ابن النحاس، ولم أسمعه عن غيره. والتقدير على هذا: ما كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس.
ويُسأَل عن هذا الاستثناء ما هو؟
والجواب: أنّه استثناء منقطع في اللفظ؛ لأنَّه بعد (قرية)، متصل في المعنى إذ المعنى: فلولا كان أهل قرية.
стр. 151
ويونس اسم أعجمي لا ينصرف للعجمة والتعريف، وليس من الأنس والاستنناس وإن وافق اللفظُ اللفظَ.
* * *
قوله تعالى: (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي)
الشك: التوقف بين الحق والباطل، والدين هاهنا: الملة.
ومما يسأل عنه أن يقال: لم قال (إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي) وهم يعتقدون بطلان هذا الدين؟
وعن هذا ثلاثة أجوبة:
أحدها: أن يكون التقدير: من كان شاكًّا في أمري وهو مصمم على أمره فهذا حكمه.
والثاني: أن يكون المعنى أنّهم في حكم الشاك لاضطراب أنفسهم عند ورود الآيات.
والثالث: أن يكون فيهم الشاك وغير الشاك، فجرى على التغليب.
وهذه الأقوال كلها عن أصحاب المعاني.
ويقال: لم جعل جواب (إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ) (لا أعبُدُ)، وهو لا يعبد غير الله شكوا أو لم يشكوا؟
والجواب: أنّ المعنى لا تطمعوا أن تشككوني بشككم حتى أعبد غير الله كعبادتكم، كأنّه قال: إن نتم في شك من ديني فلا أعبد الذين يعبدون من دون الله بشككم.
* * *
стр. 152
وَمِنْ سُورَةِ (هُودٍ) ﵇
قوله تعالى (قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ)
معنى آوي: أنضم، والعصمة: المنع.
ومما يسأل عنه أن يقال: لم دعاه إلى الركوب معه وقد نهي أن يركب معه كافر؟
والجواب: أنّ الحسن قال: كان منافقاً يظاهر بالإيمان، وقال غيره: دعاه على شريطة الإيمان.
ويُسْأَل عن قوله تعالى: (إِلَّا مَنْ رَحِمَ)؟
وفيه ثلاثة أجوبة:
أحدها: أن يكون استثناء منقطعاً، كأنّه قال: لكن من رحم معصوم.
والثاني: أن يكون المعنى: لا عاصم إلا من رحمنا، كأنّه في التقدير: لا عاصم إلا الله.
والثالث: أن يكون المعنى: لا عاصم إلا من ﵀ فنجاه. وهو نوح ﵇.
وقيل " عاصم " هاهنا بمعنى معصوم، والتقدير على هذا: لا معصوم من أمر الله إلا من ﵀، و " فاعل " قد يأتي في معنى " مفعول "، وعلى هذا قوله تعالى: (فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ)، وقال الحطيئة:
دَعِ المَكارِمَ لَا تَرْحَلْ لِبُغْيَتِها ... واقْعُدْ فإنَّك أنتَ الطَّاعِمُ الْكَاسِي
стр. 153
و" عاصم " مع " لا " بمنزلة اسم واحد مبني على الفتح لتضمنه معنى " مِنْ "، لأنّ هذا جواب " هل من عاصم " وحق الجواب أن يكون وفق السؤال، فكان يجب أن يكون " لا من عاصم " إلا أنّ " مِنْ "، حذفت، وضُمِّن الكلام معناها، فبني الاسم، وخبر " لا "، اليوم "، والعامل في " اليوم " الخبر المحذوف، كأنّه في التقدير: لا عاصم كائن اليوم، ولا يجوز أن يعمل عاصم في " اليوم " لأنّه يصير فى صلته، ويبقى بلا خبر.
* * *
قوله تعالى: (قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ)
يسأل عن قوله: (إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ)؟
وفيه جوابان:
أحدهما: أنّه ليس من أهلك الذين وعدتك أنّ أنجيهم معك، وكان ابنه لصُلبه، عن ابن عباس وسعيد بن جبير والضحاك، واحتجوابقوله: (وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ).
وقدره بعضهم: ليس من أهل دينك.
والثاني: أنّه لم يكن ابنه لصلبه، ولكن كان ابن امرأته، وروي عن الحسن ومجاهد أنهما قالا كان لغير رشده.
وقال أصحاب المعارف اسمه (يام).
стр. 154
وقرأ الكسائي (إِنَّهُ عَمِلَ غَيْرَ صَالِحٍ)، جعله فعلا ماضيا، وقرأ الباقون (إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ)، وفي هذه القراءة وجهان:
أحدهما: أن يكون المعنى: إنه ذو عمل غير صالح، ثم حذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه.
والثاني: أنّه لما كثر منه ذلك أقام المصدر مقام اسم الفاعل، كما قالت الخنساء (٣):
تَرْتَعُ مَا رَتَعتْ حَتَّى إِذا ادَّكَرَتْ ... فإِنما هِيَ إِقْبَالٌ وإِدْبارُ
ومن كلام العرب: إنما أنت أكلٌ وشرب.
وقد روي عن ابن عباس ومجاهد وإبراهيم أنّ المعنى: إن سؤالك هذا عمل غير صالح، فعلى هذا الوجه لا يكون في الكلام حذف.
* * *
قوله تعالى: (وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ)
يقال: أقلع السحابُ إذا ارتفع، وغاض الماء إذا غاب في الأرض، والجودى: جبل بناحية آمد، قال أمية:
سُبْحانَه ثُمَّ سُبْحاناً يَعُودُ لَهُ ... وقَبْلَنا سَبَّح الجُودِيُّ والجُمُدُ
ومعنى (وَقُضِيَ الْأَمْرُ) وقع إهلاك قوم نوح.
стр. 155
ونصب (بُعْدًا) على المصدر وفيه معنى الدعاء، ويجوز أن يكون من قول الله تعالى، ويجوز أنّ يكون من قول المؤمنين.
وقد جمعت هذه الآية من عجيب البلاغة أشياء:
منها - أنّ الكلام خرج مخرج الأمر على جهة التعظيم لفاعله من نحو: كن فيكون، من غير معاناة ولا لغوب.
ومنها - حسن البيان في تقدير الحال.
ومنها - الإيجاز من غير إخلال.
ومنها - تقبل الفهم على أتم الكمال.
إلى غير ذلك من المعاني اللطيفة، وقد رأيت في معنى هذه الآية في نصف سفر من أسفار التوراة. وأنت تراها هاهنا في غاية الإيجاز والاختصار والبيان؛ ويروى أنّ كفار قريش لما تعاطوا معارضة القرآن عكفوا على لباب البر ولحوم الضأن وسلاف الخمر أربعين يوماً، لتصفوا أذهانهم، وكانوا من فصحاء العرب، وأخذوا فيما أرادوا، فلمَّا سمعوا هذه الآية قال بعضهم لبعض: هذا كلام لا يشبه كلام المخلوقين وتركوا ما أخذوا فيه وافترقوا.
* * *
قوله تعالى: (وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى)
السلام في الكلام على أربعة أوجه:
السلام التحية، والسلام اسم من أسماء الله ، ومنه قوله تعالى: (لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ)، والسلام جمع سلامة مثل حمام وحمامة، وقد قيل في قوله تعالى: (لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ)، أي: دار السلامة؛ لأنَّ من صار إليها يسلم من آفات الدنيا وعذاب النار، والسلام ضرب من الشجر وهو من العِضَاه سمي بذلك لأنّه لعظمه يسلم من العوارض الداخلة عليه.
стр. 156
والحنيذ: المشوي، وهو " فعيل " بمعنى " مفعول " أي: محنوذ، كما يقال: طبيخ ومطبوخ.
قال العجاج:
وَهَرَبًا مِن حَنذِه أنْ يَهَرَجَا
وقيل: حنيذٌ نضيجٌ
ومما يسأل عنه أن يقال: لِمَ قدم إلى الملائكة الطعام وهو يعلم أنّهم لا يأكلون؟
والجواب: أنّهم لما أتوه في غير صورهم توهم أنّهم أضياف، قال الحسن أتوه في صورة الآدميين فاستضافوه.
ويُسأَل عن البشرى التي أتوا بها؟
والجواب: أنها كانت بإسحاق، هذا قول الحسن. وقال غيره: كانت بهلاك قوم لوط.
وقرأ حمزة والكسائي (سِلْمٌ)، وقرأ الباقون (سَلَامٌ).
وقيل فى " سِلْمٌ " أنّ معناه " المسالمة ".
وقيل " سِلْمٌ " و " سلام " بمعنى، كما يقال: حِلٌّ وحلالٌ، وحِرْمٌ وحَرَامٌ، وِإثمٌ وآثامٌ.
قال الشاعر:
وَقَقنَا فَقُلْنَا إِيه سِلمٌ فَسَلَّمَتْ ... كَمَا انْكَلَّ بالبَرْقِ الغَمامُ اللَّوائِحُ
стр. 157
ويُسأل: لم نصب (قَالُوا سَلَامًا). ورفع (قَالَ سَلَامٌ)؟
والجواب: أنّ الأول على معنى: سلمنا سلاماً، كأنّه دعاء له. والثاني على معنى: عليكم سلامٌ.
إلا أنّه خولف بينهما لئلا يتوهم الحكاية، ولأن المرفوع أبلغ، لأنّه حاصل. والمنصوب مجتلب.
فالأول على هذا مصدر لفعل مضمر، والثاني مبتدأ وخبره محذوف، وأجاز بعضهم أن يكون خبر مبتدأ محذوف، كأنّه قال: أمرنا سلام.
* * *
قوله تعالى: (وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ)
يسأل عن معنى (ضَحِكَتْ)؟
والجواب: أنها ضحكت سروراً بالسلامة.
وجاء في التفسير: أنها كانت قائمة بحيث ترى الملائكة.
وفيل: كانت من وراء الستر تسمع كلامهم.
وقيل: كانت قائمة تخدم الأضياف، وإبراهيم ﵇ جالس.
وقيل: ضحكت تعجباً من حال الأضياف في امتناعهم من أكل الطعام.
وقيل: ضحكت تعجباً من حال قوم لوط إذ أتاهم العذاب وهم في غفلة، وهذا قول قتادة.
وقيل: ضحكت تعجباً من أن يكون له ولد، وهي عجوز قد هرمت، وهذا قول وهب بن منبه.
وقال مجاهد: ضحكت بمعنى حاضت، قال الفراء لم أسمعه من ثقة، ووجهه أنّه على طريق الكناية، قال الكميت:
وَأُضحَكتِ السِّبَاعَ سُيُوفُ سَعدٍ ... لِقَتْلى ما دُفِنَّ ولا وُدينَا.
стр. 158
و (يَعْقُوبُ) مرتفع بالاستئناف، وفيه معنى البشارة، وهو ولد إسحاق. بشرت بنبي بين نبيين، وهو (إسحاق) أبوه نبي. وابنه نبي.
فأما من قرأ (وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ)، فإنه نصب بإضمار فعل يدل عليه (بشرنا) كأنّه قال: ومن وراء إسحاق وهبنا لها يعقوب. وأجاز بعضهم أن يكون معطوفاً على (إسحاق)، كأنّه قال: فبشرناها بإسحاق ويعقوب من وراء إسحاق. قالوا: والوراء بمعنى الولد، والظاهر في الكلام أنّ وراء بمعنى خلف.
ومنع أكثر النحويين العطف هاهنا؛ لأنّه لا يجوز العطف على عاملين مع تأخره عن حرف العطف، فلا يجوز: مررت بزيد فى الدارِ والبيتِ عمروٍ، وكذلك إن قلت: مررت بزيد فى الدار وفي البيت عمروٍ وإنما لم يجز العطف على عاملين؛ لأنّه أضعف من العامل الذي قام مقامه، وهو لا يجر ولا ينصب، أعني: حرف العطف. وأجازه الأخفش، وأنشد:
سَألتُ الفَتَى المكّي ذا العلم ما الذي ... يحلُّ مِنَ التَّقبيلِ في رَمضَانِ
فقالَ ليَ المكيُّ أمَّا لزوجةٍ ... فسبعٌ وأمَّا خُلةٍ فثمانِ
قرأ حمزة وابن عامر وحفص عن عاصم (وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ)، نصبا على ما ذكرناه من إضمار فعل، أو على أنّه في موضع جر، وهو مذهب الأخفش.
стр. 159
وقرأ الباقون رفعا على الابتداء و (وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ) الخبر، ويجوز أن ترفعه بالظرف الذي هو (وراء) وهو قياس قول أبي الحسن الأخفش.
* * *
قوله تعالى: (أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ (٧٢))
البعل: الزوج، وأصله القائم بالأمر، ومن هذا قيل للنخل بعلٌ. وهو الذي استغنى عن سقي الأنهار والعيون وماء السماء؛ لأنّه قائم بأمره في استغنائه عن تكلف السقي.
وبعل اسم صنم، ومنها قوله تعالى (أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ).
والعجيب والعجاب بمعنى واحد، قال ابن إسحاق: كان لإبراهيم ﵇ حين بشر بإسحاق ويعقوب مائة وعشرون سنة ولسارة تسعون سنة.
ويُسأَل عن النصب في قوله (شَيْخًا)؟
والجواب: أنّه منصوب على الحال، والعامل فيه معنى التنبيه الذي في (ها)، كأنّه قال: انتبه وانظر. وإن شئت جعلت العامل فيه معنى الإشارة، أي: أشرت إليه شيخاً. وإن شئت أعملت فيه مجموعهما. وكذا ما جرى مجراه، تقول: هذا زيد مقبلًا، ولا يجوز: مقبلا هذا زيد؛ لأنَّ العامل غير متصرف، فإن قلت: ها مقبلا ذا زيد، وجعلت العامل معنى الإشارة لم يجز، وإن جعلت العامل معنى التنبيه جاز.
стр. 160
ويجوز الرفع في (شيخ) من خمسة أوجه:
أحدها: أن تجعل " شيخاً " بدلًا من " بعلي ". كأنك قلت: هذا شيخ.
والثاني: أن يكون (بعلي)، بدلا من " هذا ": " شيخ " خبر المبتدأ.
والثالث: أن يكون " بعلي " و " شيخ " جميعاً خبراً عن " هذا "، كما تقول: هذا حلو حامض، أي: جمع الطعمين.
والرابع: أن يكون " بعلي " عطف بيان على هذا و" شيخ " خبر المبتدأ.
والخامس: أن يكون خبر مبتدأ محذوف، كأنك قلت: هو شيخ.
* * *
قوله تعالى: (قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ)
يقال: سرى وأسرى، والسرى: سير الليل، قال الله تعالى: (وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ)، فهذا من سرى. وقال (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ)، وقال امرؤ القيس:
سَرَيْتُ بِهِمْ حَتَّى تَكِلَّ مطيُّهم ... وَحَتَّى الجِيادُ مَا يُقَدْن بأَرْسانِ
وقال النابغة:
سَرَتْ عَلَيْهِ منَ الجَوْزاء ساريةٌ ... تُزْجي الشَّمالُ عَليَه سالِفَ البَرَدِ
فقال أسرت. وقال: سارية أخذه من (سرى) فجمع بين اللغتين.
و (القطع) القطعة العظيمة تمضي من الليل.
стр. 161
قال ابن عباس: طائفة من الليل.
وقيل: نصف الليل. كأنّه قطع نصفين
وقرأ ابن كثير ونافع (فَاسْرِ) من سريت، وقرأ الباقون (فَأَسْرِ).
وقرأ أبن كثير وأبو عمرو (إِلَّا امْرَأَتُكَ) بالرفع على البدل من (أَحَدٌ)، كأنّه قال: ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك. وقرأ الباقون (إِلَّا امْرَأَتَكَ) بالنصب على الأصل في الاستثناء من أحد شيئين: إما من الأهل، وإما من أحد، فالتقدير الأول: فاسر بأهلك إلا امرأتك فهذا استثناء من موجب، والتقدير الثاني: ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك، وهذا استثناء من منفي به.
* * *
قوله تعالى: (فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (١٠٦))
الشقاء والشقاوة والشقوة بمعنى. والماء في شقي منقلبة عن واو.
والزفير: ترديد الصوت من الحزن، وأصله: الشدة، من قولهم مزفور للشديد الخلق، وزفرت النار إذا سمع لها صوت من شدة توقدها.
والشهيق: صوت فظيع يخرج من الجوف بمد النفس، ويقال: الزفير أول نهاق الحمار والشهيق آخره.
والخلود -: البقاء في أمدٍ ما، والفرق بين الخلود والدوام: أنّ الدائم الباقي أبداً، والخالد الباقي في أمدٍ ما، ولذلك يوصف القديم تعالى بأنه دائم ولا يوصف بأنه خالد.
стр. 162
السعادة ضد الشقاوة. والجذُّ: القطع، قال النابغة:
تجُدُّ السَّلُوقِيَّ المُضاعَفَ نَسْجُه ... وتُوقِد بالصُّفُّاحِ نارَ الحُباحِب
واختلف في تأويل هاتين الآيتين. وهما من أشد ما في القرآن إشكالًا، والكلام فيهما يأتي على ضربين:
أحدهما: على معنى الاستثناء.
والثاني: على معنى تحديد الخلود بدوام السماوات والأرض.
قال ابن زيد بن أسلم: (إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ) استثناء في الزيادة من العذاب لأهل النار، والزيادة من النعيم لأهل الجنة، وقد بينه بقوله تعالى: (عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ)، و (إلا) على هذا بمعنى (سوى).
قال قتادة: الله أعلم بثنياه، ذكر لنا ناساً يصيبهم سفعٌ من النار بذنوبهم، ثم يدخلهم الجنة برحمته، يسمون (الجهنميين)، والاستثناء على هذا متصل من الموحدين الذين هم من أمة محمد ﷺ . العاصين. قال: وهم الذين أنفذ فيهم الوعيد ثم أخرجوا بالشفاعة و (ما) على هذا القول بمعنى (من) كما قال تعالى: (يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ)، وكما تقول العرب إذا سمعت الرعد: سبحان ما سبحت له.
قال الفراء والزجاج وغيرهما: هو استثناء من الزيادة في الخلود لأهل النار ولأهل الجنة، و (إلا) بمعنى (سوى)، حكى سيبويه: لو كان معنا رجل إلا زيدٌ لهلكنا؛ أي: سوى.
وقيل: المعنى إلا من شاء ربك أن يتجاوز عنه، وهو استثناء من الجنس، وهذا كقول قتادة.
стр. 163
وقيل: إنّ (ما) بمعنى (من) والاستثناء من الأعيان. والتقدير: إلا من شاء ربك أن يخرجه بتوحيده من النار ويدخله الجنة. وإلا من شاء ربك من أهل الجنة ممن يدخله النار بذنوبه وإصراره ثم يخرجه منها. وهو أيضا كقول قتادة.
وروي عن السُّدِّي أنّه قال: الاستثناء لأهل الشقاء هو لأهل التوحيد الذين يدخلون النار فلا يدومون فيها مع أهلها بل يخرجون منها إلى الجنة، وفي أهل السعادة استثناء مما يقضى لأهل التوحيد المخرجين من النار، فالاستثناء لأهل الشقاء على هذا من الأعيان، و (ما) بمعنى (من) ولأهل السعادة من الزمان، و (ما) على بابها، وقد روي مثل هذا عن الضحاك، وهو قريب من قول قتادة.
وقال يحيى بن سلام البصري: (إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ) يعني ما سبقهم به الذين دخلوا قبلهم من الفريقين، واحتج بقوله تعالى: (وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا) (وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا) قال: والزمرة تدخل بعد الزمرة، فلابد أن يقع بينهما تفاوت في الدخول، والاستثناءان على هذا من الزمان.
وقال الفراء والزجاج وغيرهما: هو استثناء تستثنيه العرب وتفعله. كقولك: والله لأضربن زيداً إلا أنّ أرى غير ذلك، وأنت عازم على ضربه، والضمير عائد على المؤمنين والكافرين الذين تقدم ذكرهم.
وقال المازني: هو استثناء من الزمان الذي هم فيه، في قبورهم إلى أن يبعثوا. وقال الزجاج أيضاً مثل هذا.
وقال جماعة من المفسرين: الاستثناء واقع على مقامهم في الحشر والحساب؛ لأنَّهم حيننذ ليسوا في جنة ولا نار.
وقال جماعة من أصحاب المعاني: هو استثناء واقع على الزيادة في الخلود على مقدار دوام السماوات والأرض في الدنيا، ثم قال (إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ) من الزيادة في مدة الخلود على دوام السماوات والأرض في الدنبا.
قال أبو عبيدة: عزيمة المشيئة تقدمت بخلود الفريقين، فوقع الاستثناء، والعزيمة قد تقدمت بالحتم في الخلود، وهو كقول الفراء والزجاج في بعض ما روي عنهما.
стр. 164
وروي عن الزجاج أيضًا أنّه استثناء يجوز أن يكون وقع على قوله: (لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ) (إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ) من أنواع العذاب التي لم تذكر. وفي أهل الجنة استثناء مما دل عليه الكلام، كأنّه قال: لهم نعيم ما ذكر وما لم يذكر مما شاء الله.
قال بعض الكوفيين: " إلا " بمعنى " الواو " أي: خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض وما شاء ربُّك من الزيادة على دوامهن في الدنيا.
وقال بعضهم: هو استثناء في أهل الشقاء على تقدير: إلا ما شاء ربك من الوقت الذي يسعدهم فيه بدخول الجنة. وفي أهل السعادة إلا ما شاء ربك من الوقت الذي أشقاهم فيه بدخول النار، و " ما " للزمان الذي يكونون فيه، وهو في الموضعين للموحدين العصاة.
وقال جماعة: الاستثناء لأهل التوحيد، والمعنى: إلا ما شاء ربُّك أن يتجاوز عنهم، ولا يدخلهم النار. قال أبو مجلز: جزاؤه إن شاء تجاوز عنهم والاستثناء من الأعيان وهو العصاة من الموحدين، و (ما) بمعنى (من)، وكان الحسن يقول: استثنى ثم عزم (إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ)، وإنه أراد أن يخلدهم بقوله (فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ).
وقال بعضهم المعنى: خالدين فيها بعد إعادة السماوات والأرض، لأنّه تعالى يفنيهما حتى تكونا آخراً كما كانتا أولًا، ثم يعيدهما. فاستثنى (إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ)، فوقع الاستثناء على موقفهم فى الحساب حتى يفرغ منه.
وقيل: الاستثناء واقع على الموقوفين على النار من المؤمنين، فإذا أخرجوا من النار بالشفاعة، وأدخدوا الجنة سقط الاستثناء عنهم وعن أهل النار، وبقي كل فريق فيها بعد مخلداً أبد الآبدين، وهو كقول قتادة والضحاك.
فهذه أقوال العلماء، وفيها تداخل إلا أني أوردتها على ما سمعتها من شيوخنا ﵃ وأما تجديد الخلود بدوام السماوات والأرض فقال قتادة: ما دامت السماوات والأرض مبدلتين.
وقال عبد الرحمن بن زيد: ما دامت السماء سماءً والأرض أرضاً، وقيل: ما دامت سماوات أهل الآخرة وأرضهم، وقيل: العرب تستعمل دوام السماوات والأرض في معنى الأبد؛ لأنهم كانوا يعتقدون أنّ ذلك لا يتغير فخاطبهم الله تعالى على قدر عقولهم وما يعرفون.
стр. 165
قال زهير:
ألا لا أُرى عَلى الحَوادثٍ بَاقيا ... وَلا خَالدًا إلا الجَبالَ الرَواسِيا
وإلا السماءَ والبلادَ ورَبَّنا ... وأيامَنا مَعدُودَةً واللياليَا
لأنّه توهم أنّ هذه الأشياء تخلد ولا تتغير.
وقال عمرو بن معدي كرب:
وكلُّ أخٍ مُفارِقُه أَخُوه ... لَعَمْرُ أَبِيكَ إلَّا الفَرْقدانِ
لأنّه توهم أنّ الفرقدين لا يفترقان.
قال يحيى بن سلام: الجنة في السماء والنار في الأرض، وذلك ما لا انقطاع له.
قال عمرو بن عبيد قال بعض أهل العلم: إنما عنى بقوله (خَالدينَ فيها) بعدما يعيدهما، وذلك أنّه يفنيهما، فكأنه قال: خالدين فيها بعد ما يعيد السماوات والأرض.
وقال أحمد بن سالم: المعنى في أهل النار خالدين فيها ما دامت سماوات أهل النار وأرضهم، وكذلك في أهل الجنة ما دامت سماواتهم وأرضهم، قال: وسماء الجنة العرش والكرسي.
وقد أشبعت القول على هاتين الآيتين في كتاب " متخير الفريد ".
وقرأ الكسائي وحمزة وحفص عن عاصم (وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا) بضم السين، وقرأ الباقون (سَعِدُوا) بفتحها، وفي ضم السين بُعد، ومجازه: أنّه استعمل على حذف الزيادة، وعلى هذا قالوا " مسعود " وإنما هو من أسعده الله، وقالوا " مُحَبوب " وحقه أن يقال " مُحَب "
قال عنترة:
وَلقَدَ نَزَلْتِ فلا تَظُني غيرَهُ ... مِنِّي بِمنزلةِ الْمُحبِّ المكرَّمِ
وهذا وإن كان الأصل فمحبوب أكثر في الاستعمال، وزعم بعضهم: أنّ " سَعِدَ " يتعدى ولذلك بناه لما لم يسمَّ فاعله؛ لأنَّ اللازم لا يجوز رده إلى ما لم يسمَّ فاعله.
стр. 166
قوله تعالى: (وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ)
قرأ ابن كثير ونافع (وَإِنْ كُلًّا) بالتخفيف على أنهما أعملا (إنْ) مخففة كعملها مثقلة. وقرأ ابن عامر بتشديد (إنَّ) على الأصل. وكذلك حمزة وحفص عن عاصم، وقرأ أبو عمرو والكسائي كذلك إلا أنهما خففا الميم، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر بتخفيف (إنْ) وتشديد الميم.
وهذه اللام لام القسم دخلت على (ما) التي للتوكيد. وقيل: هي لام الابتداء دخلت على معنى (ما)، وحكي عن العرب: إني لبحمد الله لصالح.
فأما من شددها ففيها خمسة أوجه:
أحدها: أنّ المعنى: لمما، فاجتمعت ثلاث ميمات فحذفت واحدة ووقع الإدغام، قال الشاعر:
وإني لمما أُصدِرُ الأمرَ وَجَههُ ... إذا هُوَ أُعْيا بالنَبيلِ مَصَادِرُه.
والثاني: أنها بمعنى، (إلا) كقول العرب، سألتك لما فعلت.
والثالث: أنها مخففة شددت للتأكيد، وهو قول المازني.
والرابع: أنها من " لممت الشيء " إذا جمعته، إلا أنها بنيت على (فعلى) فلم تصرف مثل تترى والخامس: أنّ الزهري قرأ (لما) بالتنوين بمعنى شديد. و، (كلٌّ) معرفة؛ لأنَّها في نية الإضافة.
* * *
стр. 167
وَمِنْ سُورَةِ (يُوسُفَ) ﵇
قوله تعالى: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢))
يسأل عن قوله (قُرْآنًا) بم انتصب؟
وفيه وجهان:
أحدهما: أنّه بدلٌ من الهاء في (أنزلناه)، كأنّه قال: (إنا أنزلنا قرآناً عربياً).
والثاني: أنّه توطئةٌ للحال؛ لأنَّ " عربياً " حال، وهذا كما تقول: مررت بزيدٍ رجلاً صالحاً، تنصب " صالحا " على الحال، وتجعل " رجلا " توطئة للحال.
وقوله تعالى (تعقلون)، يعني: كي تعقلون معاني القرآن؛ لأنّه أنزل على معاني كلام العرب.
* * *
قوله تعالى: (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ)
القصص والخبر سواء.
وقوله تعالى: (وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ)، قيل معناه: من الغافلين عن الحكم التي في القرآن.
وأجمع القراء على النصب في (القرآن)؛ لأنَّه وصفٌ لمعمول (أوحينا) وهو (هذا)، أو بدل عطف بيان.
стр. 168
ويجوز الجر على البدل من (ما).
ويجوز الرفع على تقدير (هو) كأنّه قال: بما أوحينا إليك هذا، قيل: ما هو؟ - قال: القرآن، أي: هو القرآن.
ولا يجوز أن يقرأ بهذين الوجهين إلا أن يصح بهما رواية؛ لأنّ القراءة سنة.
* * *
قوله تعالى: (إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا)
قال الحسن: الأحد عشر إخوته، والشمس والقمر أبواه.
ويقال: لم أعيد ذكر (رأيتهم)؟
وفيه جوابان:
أحدهما: أنّه أعيد للتوكيد لما طال الكلام.
والثاني: ليدل أنّه رآهم ورأى سجودهم له.
وقيل في معنى السجود هاهنا: أنّه سجود التكرمة، وقيل سجود الخضوع.
ويسأل عن العامل في (إذ)؟
والجواب: أنّه فعل مضمر، كأنّه قال: اذكر إذ قال يوسف. وقال الزجاج: العامل فيه (نَقُصُّ) أي: نقص عليك إذ قال يوسف، وهذا وهم؛ لأنَّ الله تعالى لم يقص على نبيه ﵇ هذا القصَصَ وقت قول يوسف.
стр. 169
فصل:
ومما يسأل عنه أن يقال: لم قال (ساجدين) بالياء والنون، وهذا الجمع لمن يعقل، ولا يكون لما لا يعقل؟
والجواب: أنّه لما أخبر عنهم بالسجود الذي لا يكون إلا لمن يعقل أجراهم مجرى من يعقل. كما قال: (يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ)، أمروا كما أمر من يعقل.
وقرأ ابن عامر (يَا أَبَتَ) بالفتح، وقرأ الباقون بالكسر، ووقف ابن كثير (يَا أَبَه) بالهاء، ووقف الباقون على التاء.
فوجه قراءة ابن عامر أنّه أراد " الألف " فحذف واكتفى منها بالفتحة، وهذه الألف بدل من ياء.
وأما الكسر فعلى أنّه أراد الإضافة إلى النفس. فحذف الياء واكتفى منها بالكسر.
وأجاز الفراء (يا أُبَتْ) والتاء عوض من ياء المتكلم المحذوفة.
* * *
قوله تعالى: (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ)
الهمُّ: مقاربة الشيء من غير دخول فيه.
стр. 170
واختلف في معناه هاهنا:
فقال بعضهم: همت المرأة بالعزيمة على ذلك، وهَمُّ يوسف لشدة المحبة من جهة الشهوة، وهو قول الحسن.
وقال غيره: همَّا بالشهوة.
وقال بعض المفسرين: همت به أي عزمت. وهم بها أي بضربها.
* * *
فصل:
ومما يسأل عنه أن يقال: ما البرهان الذي رآه؟
والجواب: أنّ ابن عباس والحسن وسعيد بن جبير ومجاهداً قالوا: رأى صورة يعقوب ﵇ عاضاً على أنامله.
وقال قتادة: نودي يا يوسف، أنت مكتوب في الأنبياء وتعمل عمل السفهاء، وروي عن ابن عباس أنّه قال: رأى ملكا (١).
* * *
قوله تعالى: (قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا)
المراودة والإرادة من أصل واحد.
واختلف في الشاهد:
فقيل: كان صبياً في المهد، وهو قول ابن عباس. وأبي هريرة وسعيد بن جبير، وهو أحد من تكلم في المهد.
وقال ابن عباس مرة أخرى: كان رجلا حكيما. وكذلك قال عكرمة ومجاهد، وروي مثل ذلك عن سعيد بن جبير والحسن وقتادة، وروي عن مجاهد أيضاً أنّ الشاهد قَدُّ القميص (٢).
стр. 171
و (مِنْ) في قوله (مِنْ قُبُلٍ) لابتداء الغاية، أي كان القدُّ من هنالك.
و (مِن) في قوله (مِنَ الكاذيين) للتبعيض.
* * *
قوله تعالى: (ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ (٣٥))
بدا: ظهر. وفاعله مضمر، تقديره: ثم بدا لهم بداء لَيَسْجُنُنَّهُ.
ودل (لَيَسْجُنُنَّهُ) عليه.
* * *
قوله تعالى: (جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٧٥))
الظلم: وضع الشيء في غير موضعه، ومن كلامهم (مَن شابَهَ أبَاه فما ظلم)، أي: ما وضع الشبه في غير مكانه، ومن هذا يقال: سقاء مظلوم، إذا لم يرب، ومنه سمي النقص ظلما قال الله تعالى: (وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا).
ويسأل عن معنى قوله: (جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ)؟
والجواب: أنّ معناه: جزاء من وجد في رحله أخذه رقًا فهو جزاؤه عندنا.
كجزائه عندكم، وذلك أنّه كان من عادتهم أن يسترقوا السارق، وهو قول الحسن ومعمر وابن إسحاق
стр. 172
والسُّدِّي. فهذا تقدير المعنى.
فأما الإعراب فيحتمل وجهين:
أحدهما: أن يكون المعنى: جزاؤه استرقاق من وجد في رحله. فهذا الجزاء جزاؤه، كما تقول: حد السارق القطع.
والثاني: أن يكون المعنى: جزاؤه من وجد في رحله فالسارق جزاؤه. فيكون مبتدأ ثانيا والفاء جواب الجزاء والجملة خبر (من).
ويجوز في (مَن) وجهان:
أحدهما: أن يكون خبراً بمعنى (الذي)، كأنّه قال: جزاؤه الذي وجد في رحله مسترقا، وينصب " مسترقا " على الحال.
والثاني: أن يكون شرطاً، كأنّه قال: جزاء السرق إن وجد في رحل رجل منا فالموجود في رحله جزاؤه استرقاقاً.
* * *
قوله تعالى: (قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ)
يسأل عن قوله تعالى: (فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ) كيف نسبوا السرق إلى يوسف ﵇؟
والجواب: أنّ سعيد بن جبير وقتادة وابن جريج قالوا: سرق يوسف صنما كان لجده أبى أمه، فكسره وألقاه على الطريق.
وقيل: أنّه كان يسرق من طعام المائدة ويعطيه للمساكين.
وقال ابن إسحاق: إن جدته خبأت في ثيابه " منطقة " إسحاق لتملكه بالسرقة؛ محبة لمقامه عندها.
стр. 173
ويسأل عن " الهاء " في قوله (فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ)؟.
والجواب: أنّه أسر قوله (أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا)، أي: ممن قلتم له هذا، وهو قول ابن عباس والحسن وقتادة.
وأنث لأنّه أراد الكلمة.
وقال الحسن: لم يكونو أنبياء في ذلك الوقت، وإنما أُعطوا النبوة بعد ذلك.
* * *
قوله تعالى: (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا)
العير: جماعة القافلة إذا كان فيها حمير، وقيل: إن قافلة الإبل سميت عيراً على التشبيه بذلك، والعَير - بفتح العين - الحمار.
والقرية هاهنا مصر، وهو قول ابن عباس والحسن وقتادة.
وكان الأصل: واسأل أهل القرية وأهل العير، ثم حذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه للإيجاز؛ لأنّ المعنى مفهوم.
وقيل: ليس في الكلام حذف؛ لأنّ يعقوب ﵇ نبي يجوز أن تخرق له العادة وتكلمه القرية والعير.
* * *
قوله تعالى: (سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي)
стр. 174
الاستغفار: طلب المغفرة.
ومما يسأل عنه أن يقال: لم أخَّر يعقوب ﵇ الدعاء لولده مع محبته إصلاح حالهم؟
وعن هذا أجوبة:
أحدها: أنّه أخَّرهم إلى السحر؛ لأنّه أقرب إلى الإجابة، وهو قول ابن مسعود وإبراهيم التيمي وابن جريج وعمرو بن قيس.
وقيل: أخَّرهم إلى يوم الجمعة، وهو قول ابن عباس رواه عن النبي ﷺ .
وقيل: سألوه أن يستغفر لهم دائماً، فلذلك قال " سوف ".
وقيل: أخَّر ذلك لحنكته واجتماع رأيه؛ لينبههم على عظيم ما فعلوه، ويردعهم، ألا ترى أن يوسف لحداثة سنه كيف لم يؤخِّر بل قال اليوم يغفر الله لكم.
* * *
قوله تعالى: (حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ)
الاستيئاس: استفعال من اليأس وهو انقطاع الطمع.
والظن: قوة أحد النقيضين.
قرأ عاصم وحمزة والكسائي (كُذِبُوا) بالتخفيف. وقرأ الباقون (كُذِّبُوا)، وقرئ في الشواذ (كَذِبُوا).
стр. 175
فمعنى قراءة من خفف: أنّ الأمم ظنت أنّ الرسل كذبوهم فيما أخبروهم به من نصر الله لهم وإهلاك أعدائهم، وهو قول ابن عباس وابن مسعود وابن جبير ومجاهد وابن زيد والضحاك.
وأما من شدد فالمعنى: أنّ الرسل أيقنوا أنّ الأمم قد كذبوهم تكذيبا عمهم حتى لا يفلح فيهم أحد، وهو قول الحسن وقتادة وعائشة. والظن على القول الأول بمعنى الشك. وعلى القول الثاني بمعنى اليقين.
وأما من قرأ (وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا) فالضمير في (ظنوا) عائد على الكفار وفي (كُذِّبُوا) عائد على الرسل ﵈. وهو قول عائشة وهذه القراءة تروى عنها.
стр. 176
وَمِنْ سُورَةِ (الرَّعْدِ)
قوله تعالى: (اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا)
والعَمَدُ والعُمُدُ جميعاً بمعنى. واحدها " عمود ". إلا أنّ " عُمُداً " جمع " عمود " و " عَمَد " اسم للجمع. ومثله: أديم وأدم، وإهاب وأهب.
ويُسْأَل عن قوله تعالى (بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا)؟
وعنه جوابان:
أحدهما: أنها بغير عمد ونحن نراها كذلك، وهو قول قتادة وإياس بن معاوية.
والثاني: أنها بعمد لا نراها، وهو قول ابن عباس ومجاهد.
وأنكر بعض المعتزلة هذا القول، قال: لأنّه لو كان لها عمد لكانت أجساما غلاظاً. وكانت ترى والله إنما دل بهذا على وحدانيته من حيث لا يمكن أحد أن يقيم جسماً بغير عمد إلا هو فلذلك كان هذا التأويل خطأ.
والجواب عن هذا أنّه إذا رفع السماوات بعمدٍ وتلك العمد لا ترى، فيه أعظم قدرة، كما لو كانت بغير عمد.
وقال النابغة في العمد:
وخَيِّسِ الجِنَّ إِنِّي قَدْ أَذِنْتُ لَهُمْ ... يَبْنُونَ تَدْمُرَ بالصُّفاحِ والعَمَدِ
* * *
قوله تعالى: (وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا)
стр. 177
العَجَبُ والتَّعجب: هجوم ما لا يعرف سببه على النفس.
قرأ نافع والكسائي (أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ) على الاستفهام في الأول والخبر فى الثاني، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة وعاصم بالاستفهام في الموضعين جميعاً. إلا أنّ حمزة وعاصما يهمزان همزتين، وقرأ ابن عامر على الخبر في الأول والاستفهام في الثاني، وعنه في ذلك خلاف.
ومما يسأل عنه أن يقال: ما العامل في (إذا)؟
والجواب أنَّ العامل محذوف تقديره: أإذا كنا ترابا نُبعث. ودل عليه (لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ).
فإن قيل: فهل يجوز أن يعمل فيه " خلق " أو " جديد "؟
قيل: لا يجوز ذلك؛ لأنَّ اللام لا يعمل ما بعدها فيما قبلها.
فإن قيل: فهل يجوز أن يعمل فيها (كنَّا)؟
قيل: لا يجوز. لأنها مضافة إليه، والمضاف إليه لا يعمل في المضاف.
* * *
قوله تعالى: (لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ)
الْمُعَقِّبَات: المتناوبات، وقيل الْمُعَقِّبَات هاهنا ملائكة الليل تعقب ملائكة النهار وهو قول الحسن وقتادة ومجاهد، وروي عن ابن عباس: أنها الولاة والأمراء، وقال الحسن: هي أربعة من الملائكة يجتمعون عند صلاة الفجر، وصلاة العصر.
ويُسأَل عن قوله (مِنْ أَمْرِ اللَّهِ)؟
وفيه أجوبة:
стр. 178
قال الحسن: يحفظونه بأمر الله، وهو قول قتادة أيضاً.
وقال ابن عباس: الملائكة من أمر الله.
وقال مجاهد وإبراهيم: يحفظونه من أمر الله من الجن والهوام.
وقيل المعنى: عن أمر الله، كما تقول: أطعمته عن جوع وكسوته عن عُري.
وأصح هذه الأقوال أن يكون المعنى: له معقبات من أمر الله يحفظونه من بين يديه ومن خلفه.
واختلف في الضمير الذي فى (له):
فقال بعضهم: يعود على (من) في قوله: (مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ).
وقيل: يعود على اسم الله جل ثناؤه، وهو عالم الغيب والشهادة.
وقيل: على النبي ﷺ في قوله: (إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ)، وهو قول عبد الرحمن بن زيد.
* * *
قوله تعالى: (وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ)
стр. 179
الرعد: ملك يزجر السحاب. هذا قول ابن عباس. وقال علي بن عيسى: هو اصطكاك أجرام السحاب بقدرة الله سبحانه.
والخيفة والخوف بمعنى واحد.
والصواعق جمع صاعقة. وتميم تقول: صاقعة.
والجدال: الخصومة.
والْمِحَالِ: الأخذ بالعقاب هاهنا، يقال: ما حلته مما حلةً ومحالًا، ومحلت به محلًا، قال الأعشى:
فَرْع نَبْعٍ يَهْتزُّ فِي غُصُنِ المَجْ ... د غزِيرُ النَّدَى شَدِيدُ المِحال
وهذه الآية نزلت في رجلٍ جاء إلى النبي صلى الله عليه مجادلةً، فقال: يا محمد، مِمَّ ربُّك، أمن لؤلؤٍ أم ياقوتٍ أم ذهبٍ أم فضةٍ؟، فأرسل الله عليه صاعقةً ذهبت بقحفه، وهو قول أنس بن مالك ومجاهد.
وقيل: نزلت في أربد أخي لبيد بن ربيعة لما أراد هو وعامر بن الطفيل قتل النبي ﷺ ، فقال أربد لعامر: أنا أشغله بالحديث فاضربه أنت، فأقبل أربد يسأل النبي صلى الله عليه؛ ليشغله وهمَّ عامر بضربه ﵇. فجفت يده على قائم السيف، فرجعا خائبين، وأصابت أربد في طريقه صاعقة فأحرقته، وأما عامر فابتلي بغدةٍ كغدة البعير، فكان يقول: أغدة كغدة البعير، حتى قتلته. وقال لبيد يرثي أخاه أربد:
أخشَى على أُربَدَ الحُتُوفَ ولا ... أرهَبُ نَوءَ السّماك والأسَدِ
فَجَّعَني الرَّعْدُ والصَّواعِقُ بالـ ... فارِسِ يَوْمَ الكَريهةِ النُّجُدِ
وكان اسم أربد (قيساً) ولم يكن من أبي ربيعة، وكان عامر قد قال للنبي ﷺ : إن
стр. 180
جعلت لي نصف ثمار المدينة، وجعلت لي الأمر بعدك أسلمت، فقال النبي ﵇: (اللهم اكفني عامراً واهدِ بني عامر)، فانصرف وهو يقول: والله لأملأنها عليك خيلًا جُرداً أو رجالًا مُردًا ولأربطنَّ بكلّ نخلةٍ فرساً. فأصابته غدة في طريقه ذلك. فكان يقول: أغدة كغد البعير وموتا في بيت سلولية.
* * *
فصل:
ويسأل عن معنى قوله (وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ)؟
ففيه ثلاثة أجوبة:
أحدها: أنّه ملك يسبح ويزجر السحاب بذلك التسبيح، وهو قول ابن عباس.
والثاني: أنّه يسبح بما فيه من الدلالة على تعظيم الله تعالى ووجوب حمده.
والثالث: أنّه يسبح بما فيه من الآية التي تدعو إلى تسيبح الله جل وعز.
* * *
قوله تعالى: (وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا)
الطاعة والطوع: الانقياد. والكَره والكُره والكراهة بمعنى. والظلال جمع ظلٍ وهو ستر الشخص ما بإزائه.
والغُدو والغَداة وغدوة بمعنى. والآصال جمع أُصُل والأُصُل جمع أصيل وهو العشي وقد يقال فى جمعه أصائل. قال أبو ذؤيب:
لعَمْرِي لأَنتَ البَيْتُ أُكْرِمُ أَهْلَه ... وأَقْعُدُ فِي أَفيائه بالأَصَائِل
ويُسأَل عن معنى قوله (وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا)؟