← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 36506

إعراب القرآن - إسماعيل الأصبهاني

إسماعيل التيمي الأصبهاني

Полный текст (567 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

أحدها: أنّ المعنى: اتخاذك بني إسرائيل عبيداً أحبط ذلك. والثاني: أنّ المعنى أنك لما ظلمت بني إسرائيل ولم تظلمني اعتدت بها نعمة عليَّ. والثالث: أنّ المعنى: لا يوثق بهذه النعمة منك مع ظلمك بني إسرائيل في تعبيدك إياهم. وكل ذلك حجة على فرعون وتقريع له. ويجوز في موضع (أنْ) وجهان: أحدهما: أن تكون في موضع نصب مفعولًا له، أي: لأنّ عَبَّدتَ. والثانى: أن تكون في موضع رفعٍ على البدل من نعمة. * * * قوله تعالى: (أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٩٧)) (أَنْ يَعْلَمَهُ) في موضع نصب، لأنّه خبر (أَوَلَمْ يَكُنْ)، ويجوز أن تنصب (آيَةً) وتجعلها الخبر، وتجعل (أَنْ يَعْلَمَهُ) الاسم، ويجوز أن يكون قوله (أَنْ يَعْلَمَهُ)، مبتدأ والخبر (آيَةً) والجملة خبر (أَوَلَمْ يَكُنْ) واسمها مضمر فيها، كأنّه في التقدير: أولم تكن القصة لهم أن يعلمه علماء بني إسرائيل آية. هذا على قراءة من قرأ بالتاء وأما من قرأ بالياء فإنه يضمر الأمر أو الشأن، ونحو من ذلك قول الشاعر: إذا مِتُّ كَانَ الناسُ صِنْفَانِ شامتٌ ... وآخرُ مُثْنٍ بالذي كُنتُ أصنَعُ

стр. 282

أي: كان الأمر، وأنشد سيبويه لهشام أخي ذي الرمة: هِيَ الشِّفَاء لدائي لَو ظفرتُ بهَا ... ولَيْسَ مِنْهَا شفاءُ الداءِ مَبْذُولُ أي: ليس الأمر. وعلماء بني إسرائيل يعني بهم: عبد الله بن سلام، هذا قول ابن عباس ومجاهد وقتادة. * * * قوله تعالى: (وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (٢٢٤)) الشعراء هاهنا: الذين تعاطوا معارضة القرآن. والغاوون: أتباعهم كانوا يتبعونهم ليسمعوا ما يقولون ليشيعوه. وقوله: (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا) يعني به: حسان بن ثابت. وقيل يعني به: شعراء النبي ﵇ كلهم، وقيل يعني به: شعراء المسلمين. وعلى القول الأول جمهور العلماء. وارتفع قوله: (وَالشُّعَرَاءُ) بالابتداء، و (يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ) الخبر، ويجوز النصب على إضمار فعل، كأنّه في التقدير: و (يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ) الشعراء (يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ)، ثم يحذف الأول لدلالة الثاني عليه، ومثله قولك: زيدٌ ضربته. زيدًا ضربته، إلا أنّ الرفع أجود، ومن هنالك أجمع عليه القراء المشهورون.

стр. 283

وانتصب قوله: (أَيَّ مُنْقَلَبٍ)؛ لأنَّه نعت مصدر محذوف تقديره: وسيعلم الذين ظلموا منقلبا أي منقلب ينقلبون. والعامل في " أَيَّ " " مُنْقَلَبٍ "، ولا يجوز أن يعمل فيها " سيعلم "، لأنّ الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله، وإنما يعمل فيه ما بعده، والعلة في ذلك: أنّ الاستخبار قبل الخبر، ورتبة الاستخبار التقديم. فلم يجز أن يعمل فيه الخبر، لأنَّ الخبر بعده، وذلك أنّه موضوع على أنّه جواب مستخبر. * * *

стр. 284

وَمِنْ سُورَةِ (النَّمْلِ) قوله تعالى: (وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ (٦)) الإيناس: الإبصار. والقبس: قطعة من النار، قال الشاعر: فِي كَفهِ صعدة مُثقفةٌ ... فيها سِنَانٌ كشُعلةِ القبس والاصطلاء: التسخن إلى النار. وفي (لَدُنْ) أربع لغات: لَدُنْ، ولَدْنُ، ولدَى، ولَدُ، والعرب مجمعة على جر ما بعدها إلا مع " غدوة " فإنهم قد ينصبونها بعد " لدن "، وإنما نصبت بها لأنّ هذه النون شُبِّهت بالنون في " عشرين " فنصب ما بعدها على التشبيه بالتمييز، هذا قول سيبويه. * * * فصل: ومما يسأل عنه أن يقال: ما معنى قوله: (أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ)؟ وعنه جوابان: أحدهما: أنّه يعني به "الملائكة".

стр. 285

والثاني: أنّه يعني بـ " القديم تعالى " وحسُن ذلك لكلامه لموسى ﵇ من النار، وإظهاره الآيات، وهو قول ابن عباس والحسن وسعيد بن جبير وقتادة. ومما يسأل عنه أن يقال: لم قال لامرأته (سَآتِيكُمْ) وهي واحدة؟ وعن هذا جوابان: أحدهما: أنّه أقامها مقام الجماعة في الأنس بها والسكون إليها في الأمكنة الموحشة. والثاني: أنّه على طريق الكناية، والعرب قد تستعمل مثل ذلك. والبركة: ثبوت الخير، قال الفراء يقال: بارك الله لك وباركك وبارك فيك وبورك في زيد وبورك عليه. قرأ الكسائي وعاصم وحمزة (بِشِهَابٍ قَبَسٍ) على البدل من (شِهَابٍ)، وقرأ الباقون (بِشِهَابِ قَبَسٍ) على الإضافة. قال الفراء: هو بمنزلة قوله (وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ)، مما يضاف إلى نفسه إذا اختلف اسماه ولفظاه. وهذا عند البصريين غلط، لأنّ الشيء لا يضاف إلى نفسه، وإنما يضاف إلى غيره ليخصصه أو يعرفه، فأما قوله تعالى (وَلَدَارُ الْآخِرَةِ) فتقديره عندهم: ولدار الساعة الآخرة، ثم حذف الموصوف وأقيمت صفته مقامه. ومثله قوله تعالى: (حَبَّ الْحَصِيدِ)، إنما معناه: حبّ النبت الحصيد،

стр. 286

ومن كلام العرب: صلاة الأولى ومسجد الجامع، والتقدير فيهما: صلاة الفريضة الأولى، ومسجد اليوم الجامع، وكذا قراءة من قرأ (بِشِهَابِ قَبَسٍ) إنما معناه: بِشِهَابِ نارٍ، لأنّ الشهاب قد يقع على غير النار. فصار هذا من باب: ثوب خزّ، وخاتم فضةٍ، والمعنى: من خزّ، ومن فضةٍ، ومن قبسٍ. * * * فصل: ومما يسأل عنه أن يقال: ما موضع (إذ)؟ والجواب: أنّ موضعها نصب بإضمار فعل، كأنّه قال: اذكر إذ قال، وهذا قول الزجاج، وقال غيره: هو منصوب بـ (عليم) أي: عليم إذ قال. ويسأل عن موضع قوله: (أَنْ بُورِكَ)؟ قال الفراء: (أنّ) في موضع نصبٍ إذا أضمرت اسم " موسى " في " نودي "، وإن لم تضمر اسمه في نودي " فهي في موضع رفع، أي: نودي ذلك. قال. وفي حرف أبي بن كعب (أنْ بُورِكت النار). وتلخيص الوجه الأول: أن يكون المعنى: ونودي موسى بأن بورك، ثم حذف " الباء " فوصل الفعل إلى " أنّ ". وتلخيص الوجه الثاني: أن يكون المعنى: ونودي البركة و (مَنْ حَوْلَهَا) في موضع رفع؛ لأنّه معطوف على موضع " مَن " الأولى.

стр. 287

قوله تعالى: (وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ ... (٢٤)) الخبأ: أصله من خبأت الشيء أي سترته وأخفيته، وخبء السماوات: الأمطار والرياح، وخبء الأرض: الأشجار والنبات. ومما يسأل عنه أن يقال: ما موضع (أنْ) من (أَلَّا يَسْجُدُواا)؟ والجواب أنّ التقدير مختلف: أما من خفف (أَلَا يَسْجُدُوا) فإن المعنى عنده: ألا يا قوم اسجدوا، فاسجدوا على هذه القراءة مبني؛ لأنّه أمر، والعرب تحذف المنادى وتدع حرف النداء ليدل عليه، قال الشاعر: يا لعنةَ اللهِ والأقوامِ كلِّهمُ ... والصالحينَ على سَمْعانَ مِنْ جارِ والمعنى: يا قوم لعنة الله، وقيل: " يا " هاهنا للتنبيه، وليس بحرف نداء، قال ذو الرّمة: أَلا يَا اسْلَمي يَا دارَمَيَّ عَلَى البِلا ... وَلازالَ مُنهلاً بجرعَائِك القَطرُ روى الفراء عن الكسائي عن عيسى الهمداني قال: لم أسمع المشيخة يقرؤنها إلا بالتخفيف على نية الأمر، قال: وهي في حرف عبد الله بن مسعود (هَلا تَسجُدُون) بالتاء، فهذا تقولة لقوله (ألا يا)؛ لأنّ قولك (ألا) تقوم بمنزلة قولك: قم، وفي حرف أُبي (ألا تسجدون)، قال: وهو وجه الكلام، لأنها سجدة.

стр. 288

ومن قرأ (ألا يسجدوا) فشدد، فلا ينبغي لها أن تكون سجدة؛ لأنَّ المعنى: وزين لهم الشيطان ألَّا يسجدوا. فعلى هذا القول يكون موضع " أنّ " نصباً على البدل من (أعمالهم). وقال علي بن عيسى المعنى: وزين لهم الشيطان أعمالهم لئلا يسجدوا. وقيل موضع (أنّ) جر على البدل من (السبيل)، كأنّه قال: فصدَّهم عن أن يسجدوا، و (لا) على هذا الوجه زائدة. * * * قوله تعالى: (قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ (٢٩)) يسأل عن معنى قوله: (كَرِيمٌ)؟ وفيه أجوبة: أحدها: أنّه مختوم وذلك لكرمه. والثاني: أنّه جعلته كريماً لكرم صاحبه، فإنه من عند ملك. والثالث: أنّه حقيق بأن يؤمل الخير العظيم من جهته. والرابع: أنّ الطير حملته وذلك لكرمه. والخامس: أنّه جعلته كريماً من قبل أنّ صاحبه يطيعه الجن والإنس. وقيل: أنها قالت كريم قبل أن تعلم أنّه من سليمان، قال الفراء: ولا يعجبني ذلك، لأنهم زعموا أنها كانت قارئة قد قرأت الكتاب قبل أن تخرج إلى ملئها. والملأ: الأشراف لأنهم ملاء بما يراد منهم.

стр. 289

فصل: ومما يسأل عنه أن يقال: كيف قال (وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) ولم تكن تلك اللغة عربية، وقال علي بن عيسى: هو حكاية للمعنى، وقيل: بل كان بالعربية؛ لأنَّ المكتوب إليها كانت من العرب. وهي بلقيس بنت شراحيل، وقيل: هي بنت الهدهاد الحميري. ومما يسأل عنه أن يقال: لم قدم (إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ) على قوله (وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)؟ وفيه ثلاثة أجوبة: أحدها: أنً قوله (إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ) كان عنوانا. والثاني: أنّ (الواو) لا ترتب. فالكلام على التقديم والتأخير، قال حسان (٢): بَهاليل منُهم جعفرٌ وابنُ أمةِ ... عَليٌّ ومنهُم أحمدُ المتَخيّرُ والثالث: أنّ الكتاب إلى كافرة فخشي سليمان أن يكون منها مكروه في اسم الله تعالى فقدم اسمه قبله. والقراءة (إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ) بالكسر، قال الفراء: ولو فتحت (إنّ) والتي قبلها لكان جائزاً على قولك: ألقي إليَّ أنّه من سليمان وأنه اسم الله، وقع التكرير على الكتاب، فعلى هذا يكون موضعها رفعاً على البدل من الكتاب، قال: ويجوز نصبها على سقوط الجار منهما، قال: وهي في قراءة أبي: (وَأن بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)، وفي ذلك حجة لمن فتحهما؛ لأنََّّ (أنّ) إذا كانت مخففة مفتوحة مع الفعل، أو ما يحكى لم تكن إلا مخففة النون. قوله تعالى: (أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣١) قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ)

стр. 290

يسأل عن موضع (أنّ) من قوله (أَلَّا تَعْلُوا)؟ والجواب: أنها تحتمل أن تكون في موضع رفع على البدل من كتاب، كأنّه قال: أُلْقِيَ إِلَيَّ أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ. ويجوز أن تكون في موضع نصب على تقدير: بأن لا تعلو علي. قال الزجاج: كان الكتاب (بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله سليمان إلى بلقيس بنت شراحيل: لا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ). * * * قوله تعالى: (قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ) قال الزجاج: يروى أنّه كان معها ألف " قَيل "، مع كل " قَيل " مائة ألف رجل، ولذلك قالوا: (قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ)، قال: وقيل كان مع كل " قَيل " ألف رجل. وهذا أشبه. وجاء أنّهم عرضوا عليها القتال بقولهم: نحن أولو قوة، عن ابن زيد. ومعنى قوله: (أفسدوها) خربوها. وقوله: (وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً) استعبدوهم، قال ابن عباس: وذلك إذا دخلوا عنوة. وقيل في قوله (وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ) أنّه من قول الله تعالى، وأن كلامها ينقضي عند قوله (أَذِلَّةً)، فقال الله تعالى: (وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ).

стр. 291

وقيل: هو من كلامها. قال الزجاج: أنفذت إليه لبنة من الذهب مع امرأة في حريرة، فأمر سليمان أن يطرح لبن من ذهب ولبن من فضة تحت أرجل الدواب، ليريها هوان ما بُعثت به. قال الفراء: ذكروا أنّ رسولها مع الهدية كانت امرأة واحدة. قال علي بن عيسى: قيل أرسلت إليه بوصائف وغلماناً على زيٍّ واحد، وقالت: إن ميَّز بينهما وردَّ الهدية، وأبى إلا المتابعة على دينه فهو نبي. وإن قبل الهدية فإنما هو من الملوك، وعندنا ما نرضيه به، وهو قول ابن عباس. قال الفراء: (فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ) إنما يريد: فلما جاء الرسول سليمان، قال: وهى في قراءة عبد الله (فَلَمَّا جَاءَوا سُلَيْمَانَ) على الجمع، لما قال المرسلون صلح جاءوا، وصلح (جاء) لأنّ المرسل كان واحداً يدلُّ على ذلك قول سليمان: (ارجعْ إليهم)، فعلى هذا القول يكون الضمير في (جاء) عائداً إلى الرسول. قال غير الفراء: الضمير يعود على المال أي: فلما جاء المال سليمان، لأنّ قوله: (أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ) يدل على ذلك. وقيل: يعود على الرسل؛ لأنَّ قولها (إني مُرسلة) يدل عليه. وقيل: يعود على المهدى، لأنّ المهدى والهدية سواء. وقيل في قوله: (فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ)، إنه جمع في موضع الواحد. وقد تقدم شرح هذا فيما مضى من الكتاب.

стр. 292

قوله تعالى: (وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ ... (٨٢)) قال ابن عمر: إذا لم يأمر الناس بمعروف ولم ينهوا عن منكر خرجت الدابة. وجاء في خبر مرفوع أنها تخرج من شعب بني مخزوم. واختلف في معنى قوله (تُكَلِّمُهُمْ): فيه ثلاثة أجوبة: أحدها: أنّ المعنى تكلمهم بما يسوؤهم من أنّهم صائرون إلى النار، وأنها تكلمهم كلاما صحيحاً يفهومونه. وقيل: إنها تكتب على جبين الكافر " كافر " وعلى جبين المؤمن " مؤمن ". والثاني: أنّ معنى " تُكَلِّمُهُمْ " تجرحهم من الكلم، وشدد لتوكيد الفعل والمبالغة فيه. والثالث: أنّ كلامها: (أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ). وقيل: أنها تخرج من بين الصفا والمروة. وموضع (أنّ) في مذهب من فتحها نصب. والمعنى: بأنّ الناس. قال الفراء: وفي قراءة عبد الله (بأنَّ الناس)، وهذا يؤكد النصب، وفي قراءة أُبي (تُبينهم أنّ الناسَ)، وهذا حجة لمن فتح (أنّ) إلا أنّ أهل المدينة يكسرونها على الاستئناف. * * *

стр. 293

وَمِنْ سُورَةِ (الْقَصَصِ) قوله تعالى: (فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا) اللام في (لِيَكُونَ) لام كي، أي: لكي يكون لهم، إلا أنّه أخبر بعاقبة الأمر، ولهذا يسميها بعض النحويين " لام العاقبة ". ويسميها قوم " لام الصيرورة "، أي: فصار لهم عدوًّا، ومثل هذه اللام قولهم: تلد للموت، ويبني للخراب، أي: هذا عاقبة ما تلد وما يبني، وهذه اللام " لام الجر " دخلت على الفعل فأضمر بعدها (أنّ) ليكون (أنّ مع الفعل) بتأويل المصدر، والمصدر اسم، وتكون اللام داخله على اسم؛ لأنها من عوامل الأسماء، ويجوز إظهار (أنّ) مع هذه اللام، تقول: جئتك لأنّ تكرمني وما أشبه ذلك. قال ابن إسحاق: التقطوه ليكون لهم ولداً فكان عاقبة أمره أنّ كان لهم عَدُوًّا وَحَزَنًا. قال قتادة في قوله (وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ) أنّ المعنى فيه: أنّهم لا يشعرون أنّ هلاكهم على يديه. * * * قوله تعالى: (قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (٣٣)) جاء في التفسير أنّ موسى ﵇ أخذ بلحية فرعون وهو صغير. فقال فرعون لامرأته: هذا الذي نخافه أن يذهب بملكنا، ألا تري ما فعل؟ فقالت: إنه صغير لا يعقل ما يفعل، ولكن ألقِ بين يديه

стр. 294

ذهباً وجمرةً من النار، فإن أخذ الذهب كان كما قلت، وإن أخذ الجمرة علمت أنّه يفعل ما يفعله بغير عقل. ففعل فرعون ذلك، فأراد موسى أن يأخذ الذهب فصرفه عنه جبريل ﵇، فأخذ الجمرة فأحرقت يده فجعلها في فيه فلذلك صار لا يفصح. وهو معنى قوله تعالى (وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي)، لأنّ تلك العقدة حدثت من الجمرة. وقرأ حمزة وعاصم (رِدْءًا يُصَدِّقُنِي) بضم القاف على النعت، وقرأ الباقون بالجزم على أنّه جواب الدعاء. ومثله قوله تعالى (فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ)، قرئ رفعاً وجزماً. وأهل المدينة يخففون الهمزة فيقولون (رِدًا يُصَدِّقُنِي). * * * قوله تعالى: (وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ) جاء في التفسير أنّ المعنى: ويختار للنبوة من شاء. (مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ) أن يتخيروا غير ما اختار الله تعالى، لأنهم لا يعلمون وجه المصلحة. قال الحسن: ما كان لهم أن يختاروا الأنبياء فيبعثوهم.

стр. 295

قال الفراء: يقال " الْخِيْرَةُ والْخِيَرَةُ " و"الطِيْرَة والطِيَرَة". و" ما " في قوله (مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ) نفي، والوقف المختار: قوله (وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ) ويبتدأ (مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ). فلا يجوز أن تكون (ما) غير نافية، فقد ذهب إليه بعض القدرية؛ لأنَّ من أصل مذهبهم أنّ الخير من الله دون الشر، والأوّل هو المذهب. * * * قوله تعالى: (إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ) قال ابن جريج: كان قارون ابن عم موسى لأبيه وأمّه. وقال ابن إسحاق: كان ابن خالته، وقال قتادة: إنما بغى عليه بكثرة ماله. قال علي بن عيسى: " الكنز " جمع المال بعضه إلى بعض، إلا أنّه قد كثر لما يُخبأ تحت الأرض، ولا يطلق اسم " كنز " في أسماء الشريعة إلا على ما لا تخرج زكاته، والوعيد الذي جاء فيه. والمفاتح: جمع مفتح جاء على حذف الزيادة، وقيل: يقال، "مفتح ومفتاح" فمن قال " مفتح " قال في الجمع " مفاتح "، ومن قال " مفتاح " قال في الجمع " مفاتيح ". ومعنى " تنوء " تثقل، يقال: ناء بحمله ينوء إذا نهض نهوضاً يثقل، ومنه أخذت (الأنواء) لأنّ الطالع إذا غاب الغارب ينوء، وقيل: لأنّ الغارب إذا غاب ناء الطالع، أي: نهض متثاقلًا.

стр. 296

وقيل: لأنّ النجوم تنهض من الشرق نهوضاً بثقلٍ. قال قتادة: (العُصبة) ما بين العشرة إلى الأربعين، قال ابن عباس: يجوز أن يكون ثلاثة، وقيل: مفاتحه خزائنه، وقيل: المفاتح على بابها، وكان يحملها سبعون بغلًا، وكانت من جلود قدر كل مفتاح منها إصبع، وقيل: كان يحملها أربعون بغلًا، وقيل: مفاتحه أمواله، وقيل: كان أربع مائة ألف، وقيل: إنه قال إذا كان لموسى النبوة، وكان الذبح والقربان الذي يقرَّب في يد هارون، فما في يدي، أو مالي؟ فهذا كان بغيه. * * * فصل: ويُسأَل عن قوله: (لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ)، وإنما العصبة هي التي تنوء بها؟ والجواب: أنّه يقال: نؤت بالحمل، وأنأت غيري، ونؤت بغيري، كما تقول ذهبت وأذهبت غيري وذهبت به فالباء والهمزة تتعاقبان في تعدي الفعل، ولهذا لا يجوز أن يجمع بينهما لا تقول: أدخل بزيد الدار، ولكن: أدخل زيداً الدار. ودخل بزيد الدار و (دُخِلَتْ) إن شئت، ومثل ذلك قوله تعالى (فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ)، وإنما معناه: فجاء بها، وقيل: إنما جاز ذلك لأنّه

стр. 297

(دخل) فيها معنى (تميل)، أي: تميل بالعصبة. فأما قول أبي عبيدة: أنّه مقلوب وأنّ المعنى لتنوء العصبة بها، كما قال: إِنَّ سِراجاً لَكَرِيمٌ مَفْخَرُهْ ... تَحلا بهِ العَيْنُ إِذَا مَا تَجْهَرُهْ أي: يحلا بالعين، فقلب. وقال آخر: كَانتْ عُقُوبةُ ما جَنَيتُ كما ... كانَ الزِّناءُ عقوبةَ الرجمِ وقال امرؤ القيس: يُضيء الظَّلامَ وجهُها لضجيعِها ... كمِصْبَاح زَيتٍ في قناديلِ ذُبَّالِ أي: في ذُبَّالِ قناديل، والذبال في القناديل. وهذا ليس بشيء، ولا يجب أن يحمل القرآن عليه؛ لأنَّ هذه تجري مجرى الغلط من العرب، ومثل هذا في شعرهم كثير، قال الآخر: مِثْل القَنافِذِ هَدَّاجُونَ قَدْ بَلَغَتْ ... نَجْرَانَ أَو بَلَغَتْ سَوآتِهِم هَجَرُ وكان حقه أن يقول (هجر سوءاتهم) لأنّ السوءات هي التي تبلغ هجر، وقال: غَداةَ أحلَّتْ لابنِ أَصْرَمَ طَعْنَةٌ ... حُصينٌ عَبيطاتُ السَّدائِفِ والخمرُ والعبيطات: مفعولة، والطعنة: فاعلة فقلب، ومن أغلاطهم. قول الراجز: برية لم تعرف المرَقَّقا ... ولم تذُق من البُقُولِ الفُستَقا.

стр. 298

ظن " الفستق " من البقول، فأما قول خداش بن زهير: وتركبُ خيلا لا هوادةَ بينَها ... وتشقَى الرماحُ بالضياطِرةِ الحمرِ فذهب جمهور العلماء إلى أنّ المعنى: وتشقى الضياطرة الحمر بالرماح. فقلب، وليس الأمر عندي كذلك، وإنما يريد أنّ رماحهم تشرف عن هَؤُلَاءِ الضياطرة، فإذا طعنوا بها فقد شقيت الرماح؛ لأنَّ منزلتها أرفع من أن يطعنوا بها، وكذا قول زهير: فَتُنْتَجْ لَكُمْ غِلمانَ أَشأَم كلُّهُمْ ... كأَحْمَرِ عَادٍ ثُمَّ تُرْضِعْ فَتَفْطِمِ قالوا: إنما هو أحمر ثمود فغلط فنسبه إلى عاد، وليس هذا عندي غلطا؛ لأنّ ثمودا تسمى عاد الآخرة، ألا ترى إلى قوله تعالى: (وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى). وإنما سُمُّوا ثمود لأنّ الله تعالى لما أهلك عاد، بقيت منهم بقية تناسلوا فهم ثمود، فاشتق لهم من الثمد وهو الماء القليل؛ لأنَّهم قلوا عن عدد عاد الأولى، وهذا كثير في الشعر يجري مجرى الغلط ولا يجب أن يحمل القرآن عليه. * * * قوله تعالى: (وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ) أختلف العلماء في (وَيْكَأَنَّهُ): فذهب الفراء إلى أنّ أصلها (ويلك) فحذفت اللام وجعلت (أنّ) مفتوحة في موضع نصب بفعلٍ مضمر، كأنّه قال: ويلك اعلم أنّه، وأنشد لعنترة: ولقد شَفَى نفسِي وأَبْرَأَ سُقْمَها ... قيلُ الفوارسِ وَيْكَ عنترَة أَقْدمِ قال: وحدثني شيخ من أهل البصرة قال سمعت أعرابية تقول لزوجها: أين ابنك ويلك؟ - فقال

стр. 299

لها: ويكأنه وراء البيت، قال معناه: أما ترينه وراء البيت، قال الشاعر: سَألتَاني الطلاقَ أنّ رأتَا مَا ... لي قَليلا قد جئتُماني بِنُكرِ ويكأنّ من يكن له نشبٌ يح ... بب ومن يفتقر يعش عيش ضرِّ وقال البصريون: (وي) كلمة ينبه بها على أمرٍ من الأمور. وهي حرف مفصول من كأن، وذلك أنّهم لما رأوا الخسف نبهوا من تكلم على قدر علمه. وقيل: هي كلمة يستعملها الرجل إذا فاجأه أمر مفظع. وقيل: معناها: ألا كأنّه، وأما كأنّه. وقيل: المعنى: وي بأن الله تعالى، كأنّه قال: تنبيهك بهذا، إلا أنّه حذف. وقيل: المعنى: ألم ترى أنّ الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر، لا لكرامة " قارون " بسط الرزق له. فعلى مذهب البصريين تكتب (وي كأنّه) منفصلة. وعلى مذهب الفراء تكتب (ويكأنه) متصلة، وقد حكى الفراء الوجه الأول، ولم ينكره إلا أنّه قال: لم تكتبها العرب متصلة، ثم قال: ويجوز أن يكون كثر بها الكلام فوصلت بما ليس منها، كما اجتمعت العرب على كتابة (يابنم) فوصلوها لكثرتها، فأجاز ما ذهب إليه البصريون. ولم يجز البصريون قوله، فصار قول البصريين إجماعاً.

стр. 300

وقرأ الفراء (لَخُسِفَ بِنَا) بضم الخاء على ما لم يسمّ فاعله. وقرأ الحسين (لَخَسَفَ بِنَا) أضمر في خسف اسم الله تعالى، ويسوغ هذه القراءة قراءة عبد الله (لا تخسف بنا). * * *

стр. 301

وَمِنْ سُورَةِ (الْعَنْكَبُوتِ) قوله تعالى: (وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ) يسأل عن قوله: (وَلَا فِي السَّمَاءِ) كيف وصفهم بذلك، وليسوا من أهل السماء؟ وعن هذا جوابان: الأول: أنّ المعنى: لستم بمعجزين هرباً في الأرض ولا في السماء. والثاني: أنّ المعنى: ولا من في السماء معجز، فحذف (مَن) لدلالة (مَنْ) الأولى، قال حسان: أُمَن يَهجو رسُولَ الله منكُم ... ويَمدحُه وينصُره سَواءُ كأنّه قال: ومن يمدحه وينصره. قال الفراء ومثله: إضرب من أتاك وأتى أباك، وأكرم من أتاك ولم يأت زيدًا، أي: ومنْ أتى أباك، ومن لم يأتِ زيداً. * * * قوله تعالى: (وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٢٥) قرئ (مَوَدَّةُ بَيْنِكُمْ) بالرفع والإضافة. وقرئ (مَوَدَّةً بَيْنَكُمْ) منونا رفعا و (بَيْنَكُمْ) نصبا.

стр. 302

وقرئ (مَوَدَّةً بَيْنَكُمْ) بالنصب والتنوين وقرئ (مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ) بالنصب والإضافة. فأما من قرأ (مَوَدَّةُ بَيْنِكُمْ) بالرفع. فيجوز فيه وجهان: أحدهما: أن يكون خبر مبتدأ محذوف، أي: هي مودةُ بينكم. وكذا من رفع ونوّن. والوجه الثاني: أن يكون خبر (إنَّ) وتكون (ما) بمعنى الذي، والمعنى: إن الذي اتخذتم بينكم أوثانا مودة. وقال الفراء: (مَوَدَّةُ بَيْنِكُمْ) رفع بالصفة، وينقطع الكلام عند قوله: (إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا) ثم قال: ليس مودتكم تلك الأوثان، ولا عبادتكم إياها بشيء إنما مودة ما بينكم في الحياة الدنيا، ثم ينقطع الكلام. فـ (ما) على هذا الوجه صلة في (إنما) كافة، وتفسير هذا أنّه يجعل (مَوَدَّةُ بَيْنِكُمْ) مبتدأ، و (في الحياة الدنبا) الخبر. وأما من نصب فيجوز في قراءته وجهان: أحدهما: أن يكون مفعولًا له. أي: للمودة بينكم. والثاني: أن يكون بدلًا من الأوثان. ويجوز في (الأوثان) الرفع على أن تكون (ما) بمعنى (الذي) كأنّه قال: إنّ الذي اتخذتم بينكم أوثان، أي: ليست آلهة. * * *

стр. 303

وَمِنْ سُورَةِ (الرُّومِ) قوله تعالى: (الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣)) البضع: ما بين الثلاثة إلى العشرة، وقيل: ما بين الثلاثة إلى نصف العقد، وقيل: ما بين الثلاثة إلى السبعة، وقيل: ما بين الثلاثة إلى التسعة، والقول الأول جاء في خبرٍ مرفوع، وما سوى ذلك أقوال أهل اللغة. أجمع القراء على ضم " الغين " من (غُلبت الروم)، وروي عن أبي عمر أنّه قرأ (الم *غَلبت الروم) جعلهم فاعلين، فقيل له: علامَ غلبوا؟ - فقال: على أدنى ريف الشام. وجاء في التفسير: أنّ فارس ظفرت بالروم، فحزن لذلك المسلمون، وفرح به مشركو أهل مكة؛ لأنّ أهل فارس ليسوا أهل كتاب، وكانوا يعبدون الأوثان، ففرح المشركون بغلبتهم. ومال المسلمون إلى الروم؛ لأنهم أهل كتاب، وكان لهم نبي، قالوا: ويدل على ذلك قوله: (وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ) ثم قال (وَيَوْمَئِذٍ) أي: يوم يغلبون، يعني: الروم (يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ) إذا غلبوا، وقد كان ذلك كله، ويروى أنّ فارس غلبت على أطراف الشام من بلاد الروم، ثم بعد سنتين وأشهُر غلبت الروم فارس، واستنقذت ما أخذت فارس من بلاد الشام، ففرح المسلمون بذلك لأمرين: أحدهما: ميلهم إلى الروم. والثاني: ظهور ما أخبرهم النبي ﷺ أنّه يقع في ذلك الوقت. ومما يسأل عنه أن يقال: لم بنيت (قَبْلُ، بَعْدُ)؟

стр. 304

والجواب: أنهما قطعتا من الإضافة. وتضمنتا معناها، فصارتا كبعض الاسم وبعض الاسم لا يعرب، فوجب البناء لأنّه ليس بعد الإعراب إلا البناء، وحُركتا لالتقاء الساكنين. فأما الضم ففيه أربعة أقوال: أحدها: أنهما لما قطعتا من الإضافة جعلتا غايتين فأعطيتا غاية الحركات وهي الضمة. والثاني: أنّه لما كان لهما. في الأصل تمكن بُنيا على الضم إشعارًا بذلك، كما فعلوا بالمنادى. ألا ترى أنهما يعرسان إذا أضيفتا أو نكرتا كما يُفعل بالمنادى. والثالث: أنّ الضم لا يدخلهما في حال الإعراب، وإنما يدخلهما الفتح والكسر في النصب والجر، فلما بنوهما أعطوهما حركة لا تكون لهما في حال تمكنهما. والرابع: أنهما لما قُطِعتا من الإضافة ضعفتا فقويتا بالضمة. فهذه أربعة أقوال للبصريين. فأما الكوفيون فلهم قولان: أحدهما: أنهما لما تضمنتا معناهما في أنفسهما ومعنى المضاف إليه قويتا بالضمة، وهذا قول الفراء، وقد طرده في أشياء: من ذلك أنّه قال ضم أول فعل ما لم يسم فاعله، لأنّه يدل على نفسه وعلى الفاعل، وضم (منذُ) لأنّه يدل على معنى " من وإلى " لأنك إذا قلت: ما رأيته منذ يومين. فمعناه: ما رأيته من أول اليومين إلى آخرها. وكذلك (نحن) ضم لأنّه يقع على التثنية والجمع. والقول الثاني: أنهما لو فتحتا لأشبهتا حالهما متمكنتين، ولو كسرتا لأشبهت المضاف إلى المتكلم، فأما السكون فلا سبيل إليه؛ لأنّ ما قبلهما ساكن. فلم يبقَ إلا الضم فأعطيتاه، وهذا قول هشام.

стр. 305

وأجاز الفراء تنوينهما والمراد بهما مع ذلك الإضافة، وأنشد: كأَنَّ مِحَطّاً فِي يَدَيْ حارِثِيّةٍ ... صَناعٍ عَلَتْ مِني بِهِ الجِلْدَ مِن عَلُ وأنشد: وَنَحنُ قتلنا الأزدَ أُزدَ شَنُوءةٍ ... فَما شَربُوا بَعدُ على لذَّةٍ خَمرَا قال ولو نصب ونوّن كان وجها، وكان كما قال: فَسَاغَ لي الشرابُ وكنتُ قبلًا ... أكادُ أغَصُّ بالماءِ المعينِ وأجاز أيضا: جئت من قبلٍ ومن بعدٍ بالجر والتنوين. وهذا يجوز إذا كانتا نكرتين. فأما ما أنشد من الضم والتنوين والنصب فهو من ضرورات الشعر. وللبصريين فيه مذهبان: أحدهما: أن يترك على ضمِّه وينون ويقدر أنّ التنوين لحقه بعد البناء وهذا مذهب الخليل. والثاني: أنّه إذا لحقه التنوين ضرورة رُد إلى النصب؛ لأنَّه الأصل، كما يُرد ما لا ينصرف إلى أصله إذا نون، ومثل ذلك " المنادى المفرد " إذا نوّن يبقى على ضمه عند الخليل، ويُرد إلى النصب عند أبي عمرو، قال الشاعر: سلامُ اللَّهِ يا مطرٌ عليها ... وَلَيسَ عليك يا مَطرُ السَّلامُ هذا قول الخليل وأصحابه، وأبو عمرو ينشد: ضَربت صدرَها إليَّ وقالتْ ... يا عَدِيَّاً لقد وَقَتْكَ الأوَاقي بالنصب.

стр. 306

وأجاز الفراء (من قبلِ ومن بعدِ) بلا تنوين على نية الإضافة، وأنشد: إِلَّا عُلالَة أَو بُداهة ... سابِحٍ نَهْدِ الجُزَارَه ومثله: يَا مَن رَأَى عارِضاً أُكَفْكِفُهُ ... بَيْنَ ذِراعَيْ وجَبْهَةِ الأَسَدِ قال: وسمعت أبا ثروان العلكي يقول: قطع الله الغداة يد ورجل من قاله. قال المبرد: إنما تحذف هذا وما أشبهه إكتفاءً بالثاني من الأول، لأنّ المعنى مفهوم وليس في (قبل وبعد) ما يدل على المضاف إليه، وفي هذين البيتين ما يدل على الإضافة. وقيل: المعنى إلا علالة سانح وبداهته، ثم حذف، ومثله قوله تعالى: (وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ)، يريد والحافظاتها فحذف. وأجاز هشام: جئت قبلَ وبعدَ، بالنصب على نية الإضافة، وكل هذا ينكره البصريون. * * * قوله تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا)

стр. 307

قيل:: خوفاً من المطر في السفر. وطمعاً فيه في الحضر. وفي قوله (وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا) ثلاثة أقوال: أحدها: أنّه حذف (أنّ) والتقدير: ومن آياته أن يريكم. فلما حذف (أنّ) ارتفع الفعل، قال طرفة: أَلا أَيُّهَذا الزاجِرِي أَحْضُرُ الوغَى ... وأَن أَشْهَدَ اللَّذَّاتِ هَلْ أَنتَ مُخْلدي يريد: أن أحضر. فحذف ألا تراه أظهرها في قوله (وأن أشهد). والثاني: أنّ المعنى ومن آياته آية يريكم، ثم حذف لدلالة (من) عليها، قال الشاعر: وَمَا الدَّهرُ إِلا تَارَتانِ فَمِنْهُمَا ... أَموتُ وأُخْرى أَبْتَغي العَيْشَ أَكْدَحُ يريد: فمنهما تارة أموت فيها وأخرى أبتغي العيش فيها، فحذف لدلالة (من) على المعنى. والثالث: أنّه على التقديم والتأخير، والمعنى: ويريكم البرق من آياته، فهذا على غير حذف. * * * قوله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ) يقال ما معنى: (وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ)، وهل يهون عليه شيء دون شيء؟ وفي هذا ثلاثة أجوبة: أحدها: أنّ المعنى: وهو أهون عليه عندكم، ثم حذف، وهذا قول المفسرين.

стр. 308

والثاني: أنّ (أهون) بمعنى (هين). كما قال: لعمرُكَ مَا أدرِي وإني لأوجَلُ ... على أيِّنا تَعدُو المنيةُ أوّلُ وقال آخر: تَمنى رجالٌ أنّ أموتَ وإنْ أمت ... فَتِلك سبيلٌ لستُ فيها بأوحَدِ أي: بواحدٍ، وهذا قول أهل اللغة. والقول الثالث: أنّ الهاء في عليه تعود على (الخلق)، أي: والإعادة على الخلق أهون من النشأة الأولى؛ لأنَّه إنما يقال له كن فيكون، وفي النشأة الأولى: كان نطفةً ثم علقةً ثم مضغةً، ثم عظاماً ثم كسيت العظام لحماً ثم نفخ فيه الروح، فهذا على المخلوق صعب والإنشاء يكون أهون عليه، وهذا قول النحويين، ويروى مثله عن ابن عباس. قال الفراء: حدثني حَبَّان عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: (وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ) يقول على المخلوق، لأنّه يقول له يوم القيامة " كن فيكون ". فأما ما يروى عن مجاهد من أنّه قال: الإنشاء عليه أهون من الابتداء. فقول مرغوب عنه، لأنّه لا يهون عليه شيء دون شيء ﵎. * * * قوله تعالى: (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ (٤١)) قيل: البر: أهل البادية، والبحر: القرى التي على الأنهار العظيمة، هذا قول قتادة. قال مجاهد: البر: ظهر الأرض، والبحر: البحر المعروف " تؤخذ كل سفينةٍ غصبا ". وقيل: البر: الأرض القفر. والبحر: المجرى الواسع للماء عذباً كان أو مالحاً.

стр. 309

وقيل: الْبَرّ: البرية. والبحر: الريف، والمواضع الخصبة. وأصل (الْبَرِّ) من البِرّ، لأنّه يبر بصلاح المقام فيه، وأصل (البحر) الشق، ومنه " البحيرة ". ومنه قيل " بحر " لأنّه شق في الأرض. ثم كثر فسمي الماء الملح بحراً، وأنشد ثعلب: وقَد عادَ ماءُ الأرضِ بحراً فَزادني ... إلى مَرضِي أنّ أبْحَرَ المشربُ العَذْبُ والفساد: ضد الصلاح، وقيل الفساد هاهنا: المعاصي، وقيل: هو على الحذف، والتقدير: ظهر عقاب الفساد في البر والبحر. قال الفراء: أجدب البر، وانقطعت مادة البحر بذنوبهم، كان ذلك ليُذاقوا الشدة في العاجل. * * * قوله تعالى: (وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا (٥١)) قال الخليل: الفعل الماضي هاهنا في موضع المستقبل، والمعنى: ليظلّن. ومما يسأل عنه أن يقال: أين جواب الشرط في قوله: (وَلَئِنْ)؟ والجواب: [ ... ]. بجواب القسم وكان [ ... ] (١). لتقدمه على الشرط، ولو تقدم الشرط لكان الجواب لها كقولك: إن أرسلنا ريحاً لظلوا والله يكفرون.

стр. 310

وهذه (اللام) يسميها البصريون لام التوطئة، ويسميها الكوفيون لام إنذار القسم. ويسأل عن (الهاء) في قوله (فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا)؟ وفيها ثلاثة أجوبة: أحدها: أنها تعود على السحاب، والمعنى: ولئن رأوا السحاب مصفراً؛ لأنّه إذا كان كذلك لم يكن فيه مطر. والثاني: أنها تعود على الزرع؛ لأنَّ قوله (إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ) يدل عليه، فأما من قرأ (إِلَى أَثَرِ) على الإفراد، فيجوز أن تعود الهاء على (أثر)؛ لأنَّه يدل على الزرع. والثالث: أنها تعود على الريح، أي: فرأوا الريح مصفراً، وهو قول الحسن، ومجازه: أنّ الريح تأنيثها غير حقيقي، والمؤنث الحقيقي إنما يكون في الحيوان، فذكر الوصف، كما قال تعالى: (فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ)، والموعظة مؤنثة. * * *

стр. 311

وَمِنْ سُورَةِ (لُقْمَان) قوله تعالى: (وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٧) يقال: مدّ النهر ومدّه نهر آخر، قال الفراء: تقول العرب: دجلة تمد بنارنا وأنهارنا، والله يمدنا بها، ونقول: قد أمددتك بألفٍ فمدوك. قرأ أبو عمرو (وَالْبَحْرَ يَمُدُّهُ) بالنصب، ورفع الباقون، فالنصب: على العطف على (ما) من قوله: (وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ ... وَالْبَحْرَ)، والرفع: على القطع مما قبله، ويكون رفعاً بالابتداء، و (يَمُدُّهُ) في موضع نصبٍ على الحال، والخبر محذوف، كأنّه قال: والبحر يمده من بعده سبعة أبحر مدادٌ، ثم حذف، لأنّ المعنى مفهوم، أو يضمر (يكون مدادا) وإلى هذا ذهب الفراء، ولا يجوز أن تعطفه على المضمر في قوله: (في الأرض) كأنّه في التقدير: ولو أنّ ما استقر في الأرض من شجرة أقلام هو والبحر، لأنّ البحر لا يكون أقلاماً. وموضع (أنّ) رفع بإضمار فعل، كأنّه في التقدير: ولو وقع أنّ ما في الأرض؛ لأنّ (لو) بالفعل أولى، لما فيها من معنى الشرط، ولا يجوز أن تعطف البحر على موضعها؛ لأنَّها مفتوحة، وقد ذهب عنها معنى الابتداء. * * *

стр. 312

وَمِنْ سُورَةِ (السَّجْدَةِ) قوله تعالى: (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ (٢٣)) يسأل علامَ تعود (الهاء) في قوله (مِنْ لِقَائِهِ)؟ وفي هذا أجوبة: أحدها: أنّ المعنى: فلا تكن في مرية من لقاء موسى الكتاب، فهو يعود على الكتاب، هذا قول الزجاج. والثاني: أنها تعود على الأذى، والمعنى: فلا تكن في مريةٍ من لقاء الأذى، كما لقي موسى، وهو قول الحسن. والثالث: أنها تعود على موسى. والتقدير: فلا تكن يا محمد في مرية من لقاء موسى. وقيل: يعود على الابتداء، والمعنى: فلا تكن في مريةٍ من لقاء إيتائك الكتاب كما أوتي موسى. * * *

стр. 313

وَمِنْ سُورَةِ (الْأَحْزَابِ) قوله تعالى: (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى) قرأ نافع وعاصم (وَقَرْنَ) بفتح القاف، وقرأ الباقون (وَقِرْنَ) بالكسر، فأما من قرأ (وَقَرْنَ) فهي قراءة فيها نظر، وذلك أنّه لا يخلو أن يكون من " الوقار " أو من " القرار " فلا يجوز أنّ يكون من " الوقار " لأنّه إنما يقال: وقر يقر، مثل: وعد يعد. فإذا أمرت قلت (قِرن) كما قرأت الجماعة، وهذا على ميزان قولك: عِدن، ولا يجوز أن يكون من " القرار " لأنّه إنما يقال: قرّ في المكان يقِر بكسر القاف، وقرَّت عينه تقر، فلو كان من " القرار " لقيل: اقررن، ثم يستثقل تكرير (الراء) فتنقل حركتها إلى القاف، ثم تحذف إحدى الرائين لالتقاء الساكنين، وتحذف همزة الوصل للاستغناء عنها فيبقى (قِرن) كما قرأت الجماعة. فهذان الوجهان يجوزان في قراءة من كسر، وأما الفتح فبعيد إلا أنّه قد حُكي: قررت في المكان أقر، وهي لغة حكاها الكسائي. فيجوز على هذا أن يكون الأصل (اقررنَ) ثم فعل به ما فعل بـ اقررن، ثم ألقيت فتحة الراء على القاف، وحذفت لالتقاء الساكنين، وحذفت الهمزة للاستغناء عنها. كما فعل فيما تقدم، وأكثر ما يجيء هذا في (فَعِلت) نحو: ظَلْت وظِلْت ومَسْت ومِسْت وأحسست وأحست، وأنشد أبو زيد: سِوى أنَّ العِتاقَ من المَطَايَا ... أَحَسْنَ به فَهُنَّ إليه شُوسُ إلا أنّ الفراء حكى: هق ينحطن من الجبل، في معنى: ينحططن. وقيل في التبرج: التبختر، وقيل: التكسر. وهو قول قتادة. وقيل الظهور.

стр. 314

قوله تعالى: (مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ ... (٤٠)) قرأ عاصم (وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ) بفتح التاء وهي قراءة الحسن، وقرأ الباقون بالكسر. كأن المعنى عنده: هو آخر النبيين. ويروى عن علقمة أنّه قرأ (خَاتمهُ مِسْكَ) أي: آخره مسك. قال المبرد: (خَاتَمَ) فعل ماض على وزن (فاعل) وهو في معنى: ختم النبييين، فنصب في هذا الوجه على أنّه مفعول، وفي حرف عبد الله (ولكن نبيا ختم النبيين)، وقراءة من كسر يدل على هذا المعنى؛ لأنّه اسم فاعل من ختم. كضارب من ضرب. والنبييين: في مذهب من كسر في موضع جر بالإضافة، وكذا في مذهب من فتح، إلا عند المبرد فإنه في موضع نصب على ما قدمناه. ويجوز في (رَسُولَ اللَّهِ) وجهان: النصب والرفع. فالنصب: على أنّه خبر (كان) أي: ولكن كان محمد رسول الله. والرفع: على معنى: ولكن هو رسول الله. وهذه الآية نزلت في زيد بن حارثة وذلك أنّ النبي ﷺ تبناه فكان يُقال زيد ابن رسول الله. وكان النبي ﵇ خطب زينب بنت جحش امرأة زيد بعد أنّ طلقها زيد فامتنعت،

стр. 315

فأنزل الله تعالى: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ ... ) إلى آخر القصة، وأنزل (ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ ... )، فلما نزلت هذه الآية قال زيد: أنا ابن حارثة، وأذن الله تعالى لنبيه في تزويج زينب. قال قتادة: أولاد النبي ﵇: القاسم، وبه كان يُكنى، وإبراهيم. والطيب، والطاهر، قال غيره: وعبد الله، قيل: الطيب والطاهر وعبد الله أسماء كانت لواحد. * * * قوله تعالى: (وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ) نصب " امرأةً " بإضمار فعلٍ تقديره: وأحللنا لك امرأةً مؤمنةً إن وهبت. ومما يسأل عنه أن يقال: لم قال (إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ)، ولم يقل: إن وهبت نفسها لك؟ والجواب: أنّه لو قال ذلك لتوهم أنّه يجوز لغيره، فذكر النبي صلى الله عليه ليزول اللبس. قال علي بن الحسين: هذه امرأة من الأزد يقال لها، (أم شريك)، وقال الشعبي: هي امرأة من الأنصار، وقيل: هي زينب بنت جحش، وقال ابن عباس: لم يكن عند النبي ﵇ امرأة وهبت نفسها له. * * * قوله تعالى: (ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ) (كُلُّهُنَّ): توكيد للمضمر في (يَرْضَيْنَ)، أي: يَرْضَيْنَ كلهن، ولا يجوز نصبه على توكيد المضمر في (آتَيْتَهُنَّ)، لأنَّ المعنى ليس عليه، لا يريد: آتيتهن كلهن، وإنما يريد: يرضين كلهن.

стр. 316

وَمِنْ سُورَةِ (سَبَإٍ) قوله تعالى: (وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ (١٠)) التأويب: سير النهار، والأساد: سير الليل. وقيل في (أَوِّبِي مَعَهُ) سبحي. وهو قول ابن عباس ومجاهد والضحاك وقتادة. وتأويله عند أهل اللغة: سبحي معه مؤوبةً، أي: سبحي معه في النهار، وسيري معه. وقيل تأويله: رجعي معه التسبيح، لأنّ أصله من آب يؤوب، أي: ارجع. وقيل معناه: سيري معه حيث شاء. وجاء في التفسير: أنّ الحديد لانَ في يده حتى صار كالشمع، قال: وأسيل له الحديد حتى صار كالطين، فكان يعمل به ما يشاء. فأما النصب في قوله (وَالطَّيْرَ) ففيه أربعة أوجه: أحدها: أنّه معطوف على قوله: (فَضْلًا)، والتقدير: آتينا داود منَّا فَضْلًا والطيرَ يَا جِبَالُ أَوِّبِي معه، وهذا قول الكسائي. والثاني: أنّه نصب بإضمار فعل، كأنّه قال: وسخرنا له الطير، وهو قول أبي عمرو. والثالث: أنّه مفعول معه، كأنّه قال: يَا جِبَالُ أَوِّبِي معه مع الطير، قال الشاعر: فَكُونُوا أُنتُم وَبنَى أبيكُم ... مكانَ الكُليَتيَن منَ الطِّحَالِ

стр. 317

أي: مع بني أبيكم. والرابع: أن يكون معطوفاً على موضع الجبال؛ لأنَّ موضعها نصب بالنداء، كما تقول: يا زيدُ والضحاكَ، قال الشاعر: ألا يَا زيدُ والضحاكَ سِيرا ... فقَد جَاوزتُما خَمْرَ الطرِيقِ وروي أنّ الأعمش أو غيره قرأ (وَالطَّيْرُ) بالرفع، وكذلك قرأ يعقوب، وأجازه الفراء، ورفعه من وجهين: أحدهما: أن يكون معطوفا على لفظ (الجبال)، كما تقول: يا زيدُ والضحاكُ، وهو اختيار الخليل، وأبو عمرو يختار: يا زيدُ والضحاك. والثاني: أن يكون معطوفاً على المضمر في (أَوِّبِي) وهو قول الفراء. وحسُن العطف على المضمر المرفوع وإن لم يؤكد؛ لأنَّ قوله (معه) قام مقام التوكيد، كما قال في آيةٍ أخرى (مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا)، فقامت (لا) مقام التوكيد. وقد جاء العطف من غير توكيد ولا فصل في نحو قول عمر بن أبي ربيعة: قُلْتُ إذا أقبلَتْ وزَهرٌ تَهادَى ... كنِعاجِ المَلا تَعَسَّفْنَ رَمْلا وهو قبيح، وكان حقه أن يقول: هي وزهر. قوله تعالى: (لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ)

стр. 318

قال الزجاج: " سبأ " مدينة بينها وبين صنعاء مسيرة ثلاثة أيام. قال غيره: هي قبيلة، وقيل: " سباً " رجل، وهو أبو اليمن، وللعرب فيها مذهبان: منهم من يصرفها. يجعلها اسما للحي. أو اسما للمكان. أو لأبٍ، قال جرير: تَدعُوك تَيْمٌ في قُرى سَبَأٍ ... فَدعَضَّ أعناقََهم جِلْدُ الجواميسِ ومنهم من لا يصرفها، يجعلها اسما لقبيلة أو لمدينة أو لبقعة أو لأم. قال الشاعر: مِنْ سَبَأَ الحاضرينَ مَأْرِبَ إذ ... يَبْنُون مِنْ دونِ سَيْلِهِ العَرِما والعرم: المُسَنّاة، واحدها " عرمة " وكأنه مأخوذ من (عُرامة) الماء، ويقال له أيضاً " مُحبس الماء "، قال الأعشى في العرم: ففي ذاك للمؤتسي أُسوْةً ... ومأرب عفّى عليه العَرمْ رُخامُ بنتهُ لهم حِمَيرٌ ... إذا جاءَه ماؤهم لم يَرِمْ والخمط: كل نبت قد أخذ طعما من المرارة، هذا قول الزجاج، وقال أبو عبيدة: الخمط: كل شجرة ذات شوك، وقيل: الخمط: شجر الأراك، وهو قول ابن عباس والحسن وقتادة والضحاك.

стр. 319

وأُكلُهُ: ثمره، يقال: أَكُلُ وأُكُل. بضمّ الهمزة، فأما الأَكُل بالفتح فمصدر أَكَل. والأثل: الطرفاء. وقيل: خشب وهو قول الحسن. والمعروف أنْ الأثل شجر يَشبه الطرفاء. والسدر: شجر النبق، وقيل: السدر هاهنا السمر، وهو شجر أم غيلان. وقرئ (ذَوَاتَيْ أُكُلِ خَمْطٍ) بالإضافة، وهي قراءة أبي عمرو، وقرأ الباقون (ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ) بتنوين (أُكُلٍ)، جعلوا (خَمْطٍ) بدلا من (أُكُلٍ) وهو بدل بعض من كل. حدثني أبي عن عمه إبراهيم بن غالب عن القاضي منذر بن سعيد قال: حدثنا أبو النجم عصام بن منصور المرادي عن أبي بكر أحمد بن عبد الله بن عبد الرحيم البرقي حدثنا أبو محمد عبد الملك بن هشام قال كان عمرو بن عامر فيما حدثني أبو زيد الأنصاري: رأى جرذاً في سد مأرب الذي كان يحبس عليهم الماء فيصرفونه حيث شاءوا من أرضهم فلما رأى ذلك علم أنّه لا بقاء للسد على ذلك، فاعتزم على النقلة عن اليمن، وكاد قومه، فأمر أصغر ولده إذا أغلظ له أن يقوم إليه فيلطمه، ففعل ابنه ما أمره به، فقال عمرو: لا أقيم ببلد لطم وجهي فيه أصغر ولدي، وعرض أمواله. فقال أشراف من أشراف اليمن: اغتنموا غضبة عمرو، واشتروا أمواله، ففعلوا. وانتقل في ولده وولد ولده، وقالت الأزد: لا نتخلف عن عمرو بن عامر، فباعوا أموالهم وخرجوا معه، فساروا حتى نزلوا بلاد (عكّ) فحاربتهم عكّ. فكانت حربهم سجلًا ففي ذلك يقول عباس بن مرداس: وعكُّ بن عدنان الذين تلعَبُوا ... بغسَانَ حتى طُرَدوا كلّ مطردٍ. وغسان: ماء يسد مأرب، كان شربا لولد مازن من بني الأزد بن الغوث، فسموا به، ويقال: غسان: ما، بالمشلل قريب من الجحفة. قال حسان بن ثابت:

стр. 320

إِمَّا سأَلتَ فإِنا مَعْشَرٌ نُجُبٌ ... الأَزْدُ نِسْبَتُنا وَالْمَاءُ غَسَّانُ قال: ثم ارتحلوا وتفرقوا في البلاد فنزل آل جفنة بنْ عمر بن عامر الشام. ونزلت الأوس والخزرج يثرب. ونزلت خزاعة بطن مرّ، ونزلت أزد السراةِ السراةَ، ونزلت أزد عمانَ عمان، ثم أرسل الله على السد السيل فهلك به. ففيه أنزل الله على رسوله محمد ﷺ (لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ (١٥)). قال ويقال: من ولد عمر بن عامر (ربيعة بن نفر بن أبي حارثة بن عمرو) ومن ولد ربيعة (النعمان بن المنذر) فيما يقال، وقالت العرب: " تفرقوا أيدي سبأ "، فأجري هذا مثلاً، أنشد الفراء: عَينًا تَرى الناسَ إليها نَسبَا ... مِنْ صَادرٍ وواردٍ أيدي سَبَأ * * * قوله تعالى: (وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٠)) قرأ الكسائي وعاصم وحمزة (صَدَّقَ) بالتشديد، وقرأ الباقون (صَدَقَ) بالتخفيف. فمن شدد نصب (الظن) لأنّه مفعول بـ (صَدَّقَ). وذلك أنّه قال (وَلَأُضِلَّنَّهُمْ) (وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ)، فقال ذلك بالظن فصدق ظنه. وأما من خفف فذهب الفراء إلى أنّ المعنى: ولقد صدق عليهم إبليس ظنه بالرفع، على أنّ قوله (ظَنَّهُ) بدل من (إِبْلِيسُ)، قال: ولو قرأ قارئ " ولقد صدق عليهم إبليسَ ظنُّه " لجاز كما تقول: صدقك ظنُّك وكذلك ظنَّك؛ لأنَّ (الظن) يخطئ ويصيب.
следующие страницы →