← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 36506

إعراب القرآن - إسماعيل الأصبهاني

إسماعيل التيمي الأصبهاني

Полный текст (567 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

وَمِنْ سُورَةِ (سَبَإٍ) قوله تعالى: (وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ (١٠)) التأويب: سير النهار، والأساد: سير الليل. وقيل في (أَوِّبِي مَعَهُ) سبحي. وهو قول ابن عباس ومجاهد والضحاك وقتادة. وتأويله عند أهل اللغة: سبحي معه مؤوبةً، أي: سبحي معه في النهار، وسيري معه. وقيل تأويله: رجعي معه التسبيح، لأنّ أصله من آب يؤوب، أي: ارجع. وقيل معناه: سيري معه حيث شاء. وجاء في التفسير: أنّ الحديد لانَ في يده حتى صار كالشمع، قال: وأسيل له الحديد حتى صار كالطين، فكان يعمل به ما يشاء. فأما النصب في قوله (وَالطَّيْرَ) ففيه أربعة أوجه: أحدها: أنّه معطوف على قوله: (فَضْلًا)، والتقدير: آتينا داود منَّا فَضْلًا والطيرَ يَا جِبَالُ أَوِّبِي معه، وهذا قول الكسائي. والثاني: أنّه نصب بإضمار فعل، كأنّه قال: وسخرنا له الطير، وهو قول أبي عمرو. والثالث: أنّه مفعول معه، كأنّه قال: يَا جِبَالُ أَوِّبِي معه مع الطير، قال الشاعر: فَكُونُوا أُنتُم وَبنَى أبيكُم ... مكانَ الكُليَتيَن منَ الطِّحَالِ

стр. 317

أي: مع بني أبيكم. والرابع: أن يكون معطوفاً على موضع الجبال؛ لأنَّ موضعها نصب بالنداء، كما تقول: يا زيدُ والضحاكَ، قال الشاعر: ألا يَا زيدُ والضحاكَ سِيرا ... فقَد جَاوزتُما خَمْرَ الطرِيقِ وروي أنّ الأعمش أو غيره قرأ (وَالطَّيْرُ) بالرفع، وكذلك قرأ يعقوب، وأجازه الفراء، ورفعه من وجهين: أحدهما: أن يكون معطوفا على لفظ (الجبال)، كما تقول: يا زيدُ والضحاكُ، وهو اختيار الخليل، وأبو عمرو يختار: يا زيدُ والضحاك. والثاني: أن يكون معطوفاً على المضمر في (أَوِّبِي) وهو قول الفراء. وحسُن العطف على المضمر المرفوع وإن لم يؤكد؛ لأنَّ قوله (معه) قام مقام التوكيد، كما قال في آيةٍ أخرى (مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا)، فقامت (لا) مقام التوكيد. وقد جاء العطف من غير توكيد ولا فصل في نحو قول عمر بن أبي ربيعة: قُلْتُ إذا أقبلَتْ وزَهرٌ تَهادَى ... كنِعاجِ المَلا تَعَسَّفْنَ رَمْلا وهو قبيح، وكان حقه أن يقول: هي وزهر. قوله تعالى: (لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ)

стр. 318

قال الزجاج: " سبأ " مدينة بينها وبين صنعاء مسيرة ثلاثة أيام. قال غيره: هي قبيلة، وقيل: " سباً " رجل، وهو أبو اليمن، وللعرب فيها مذهبان: منهم من يصرفها. يجعلها اسما للحي. أو اسما للمكان. أو لأبٍ، قال جرير: تَدعُوك تَيْمٌ في قُرى سَبَأٍ ... فَدعَضَّ أعناقََهم جِلْدُ الجواميسِ ومنهم من لا يصرفها، يجعلها اسما لقبيلة أو لمدينة أو لبقعة أو لأم. قال الشاعر: مِنْ سَبَأَ الحاضرينَ مَأْرِبَ إذ ... يَبْنُون مِنْ دونِ سَيْلِهِ العَرِما والعرم: المُسَنّاة، واحدها " عرمة " وكأنه مأخوذ من (عُرامة) الماء، ويقال له أيضاً " مُحبس الماء "، قال الأعشى في العرم: ففي ذاك للمؤتسي أُسوْةً ... ومأرب عفّى عليه العَرمْ رُخامُ بنتهُ لهم حِمَيرٌ ... إذا جاءَه ماؤهم لم يَرِمْ والخمط: كل نبت قد أخذ طعما من المرارة، هذا قول الزجاج، وقال أبو عبيدة: الخمط: كل شجرة ذات شوك، وقيل: الخمط: شجر الأراك، وهو قول ابن عباس والحسن وقتادة والضحاك.

стр. 319

وأُكلُهُ: ثمره، يقال: أَكُلُ وأُكُل. بضمّ الهمزة، فأما الأَكُل بالفتح فمصدر أَكَل. والأثل: الطرفاء. وقيل: خشب وهو قول الحسن. والمعروف أنْ الأثل شجر يَشبه الطرفاء. والسدر: شجر النبق، وقيل: السدر هاهنا السمر، وهو شجر أم غيلان. وقرئ (ذَوَاتَيْ أُكُلِ خَمْطٍ) بالإضافة، وهي قراءة أبي عمرو، وقرأ الباقون (ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ) بتنوين (أُكُلٍ)، جعلوا (خَمْطٍ) بدلا من (أُكُلٍ) وهو بدل بعض من كل. حدثني أبي عن عمه إبراهيم بن غالب عن القاضي منذر بن سعيد قال: حدثنا أبو النجم عصام بن منصور المرادي عن أبي بكر أحمد بن عبد الله بن عبد الرحيم البرقي حدثنا أبو محمد عبد الملك بن هشام قال كان عمرو بن عامر فيما حدثني أبو زيد الأنصاري: رأى جرذاً في سد مأرب الذي كان يحبس عليهم الماء فيصرفونه حيث شاءوا من أرضهم فلما رأى ذلك علم أنّه لا بقاء للسد على ذلك، فاعتزم على النقلة عن اليمن، وكاد قومه، فأمر أصغر ولده إذا أغلظ له أن يقوم إليه فيلطمه، ففعل ابنه ما أمره به، فقال عمرو: لا أقيم ببلد لطم وجهي فيه أصغر ولدي، وعرض أمواله. فقال أشراف من أشراف اليمن: اغتنموا غضبة عمرو، واشتروا أمواله، ففعلوا. وانتقل في ولده وولد ولده، وقالت الأزد: لا نتخلف عن عمرو بن عامر، فباعوا أموالهم وخرجوا معه، فساروا حتى نزلوا بلاد (عكّ) فحاربتهم عكّ. فكانت حربهم سجلًا ففي ذلك يقول عباس بن مرداس: وعكُّ بن عدنان الذين تلعَبُوا ... بغسَانَ حتى طُرَدوا كلّ مطردٍ. وغسان: ماء يسد مأرب، كان شربا لولد مازن من بني الأزد بن الغوث، فسموا به، ويقال: غسان: ما، بالمشلل قريب من الجحفة. قال حسان بن ثابت:

стр. 320

إِمَّا سأَلتَ فإِنا مَعْشَرٌ نُجُبٌ ... الأَزْدُ نِسْبَتُنا وَالْمَاءُ غَسَّانُ قال: ثم ارتحلوا وتفرقوا في البلاد فنزل آل جفنة بنْ عمر بن عامر الشام. ونزلت الأوس والخزرج يثرب. ونزلت خزاعة بطن مرّ، ونزلت أزد السراةِ السراةَ، ونزلت أزد عمانَ عمان، ثم أرسل الله على السد السيل فهلك به. ففيه أنزل الله على رسوله محمد ﷺ (لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ (١٥)). قال ويقال: من ولد عمر بن عامر (ربيعة بن نفر بن أبي حارثة بن عمرو) ومن ولد ربيعة (النعمان بن المنذر) فيما يقال، وقالت العرب: " تفرقوا أيدي سبأ "، فأجري هذا مثلاً، أنشد الفراء: عَينًا تَرى الناسَ إليها نَسبَا ... مِنْ صَادرٍ وواردٍ أيدي سَبَأ * * * قوله تعالى: (وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٠)) قرأ الكسائي وعاصم وحمزة (صَدَّقَ) بالتشديد، وقرأ الباقون (صَدَقَ) بالتخفيف. فمن شدد نصب (الظن) لأنّه مفعول بـ (صَدَّقَ). وذلك أنّه قال (وَلَأُضِلَّنَّهُمْ) (وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ)، فقال ذلك بالظن فصدق ظنه. وأما من خفف فذهب الفراء إلى أنّ المعنى: ولقد صدق عليهم إبليس ظنه بالرفع، على أنّ قوله (ظَنَّهُ) بدل من (إِبْلِيسُ)، قال: ولو قرأ قارئ " ولقد صدق عليهم إبليسَ ظنُّه " لجاز كما تقول: صدقك ظنُّك وكذلك ظنَّك؛ لأنَّ (الظن) يخطئ ويصيب.

стр. 321

قوله تعالى: (وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٤)) قال المفسرون معناه: وأنا لعلى هدى وأنتم في ضلالٍ مبين. ومعنى (أو) هاهنا معنى (الواو)، قال الفراء: وكذلك هو في المعنى، غير أنّ العربية على غير ذلك لا تكون (أو) بمنزلة (الواو) ولكنها تكون في الأمر المفوض، كما تقول: إن شئت فخذ درهما أو اثنين، فله أن يأخذ واحداً أو اثنين، وليس له أن يأخذ ثلاثة. قال والمعنى في قوله (وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ) إنّا لضالون أو لمهتدون، وإنكم أيضاً لضالون أو مهتدون، وهو يعلم أنّ رسوله المهتدي وأن غيره الضال، قال: وأنت تقول في الكلام للرجل يكذبك: والله إن أحدنا لكاذب، فكذبته تكذيباً غير مكشوف، وهو في القرآن وفي كلام العرب كثير يوجه الكلام إلى أحسن مذاهبه إذا عرف، كقول القائل: والله لقد قام زيد، وهو كاذب، فيقول العالم بأن الأمر على خلاف ذلك: قل " إن شاء الله " أو قل " فيما أظن " فيكذبه بأحسن من تصريح التكذيب. قال علي بن عيسى: هذا على الإنصاف في الحجاج، كما يقول القائل: أحدنا كاذب، وحقيقة (أو) هاهنا أنها لأحد الأمرين. * * * قوله تعالى: (بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ) قال الحسن وابن زيد المعنى: بل مكركم في الليل والنهار، وكذلك هو في العربية يتسع فى الكلام فتضاف الأحداث إلى الزمان، ويخبر عن الزمان بما يقع فيه، فيقال: صيام النهار وقيام الليل، والمعنى: الصيام في النهار، والقيام في الليل، ويقولون: ليل قائم ونهار صائم، والليل والنهار غير

стр. 322

صائمين، قال الشاعر: لقَد لمتِنَا يَا أم غَيلانَ في السُّرى ... وَنمِتِ وَمَا ليلُ المطيّ بنَائِمِ وأضاف الليل إلى المطي على الاتساع، ووصف الليل بالنوم، وهذا على حدّ قولك: ليلي نائم، فيقول السامع: ليس ليلك بنائم. * * * قوله تعالى: (قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (٤٨)) يجوز في (عَلَّامُ) وجهان: النصب والرفع فالنصب من وجهين: أحدهما: أن يكون نعتاً لـ (رَبِّي)، كأنّه قال: قل إن رَبِّي علامَ الغيوبِ يقذف بالحق. والثاني: أن يكون نصباً على المدح، كأنك قلت: أعني علامَ الغيوب. وأما الرفع فيجوز من وجهين أيضاً: أحدهما: أن يكون بدلًا من المضمر في " يقذف "؛ لأنَّ في " يقذف " ضميراً تقديره: يقذف هو. والثاني: أن يكون خبر مبتدأ محذوف. كأنّه قال: هو علاَّمُ الغيوب.

стр. 323

وقد قيل: هو مرفوع على موضع (إنّ) قبل دخولها، كما تعطف على موضعها بالرفع، وليس بوجه. * * *

стр. 324

وَمِنْ سُورَةِ (فَاطِرِ) قوله تعالى: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا) العزة: المنعة، ويقال: عزَّ الشيء إذا امتنعَ. ومنه قيل: شاةٌ عزوز إذا كانت عَسِرَة الحلب، وقيل: أصله من عزَّ إذا غلب، ومنه يقال: مَن عزَّ بزَّ، أي: من غلب سلب، قالت الخنساء: وكُنَّا القديم سَراةَ الأديمِ ... والنَّاسً إذْ ذَاكَ مَنْ عزَّ بَزَّا والعَزَان: أطراف الأرض؛ لأنها ممتنعة لعسر المشي فيها، ومن كلام الزهري لرجل كان يأخذ عنه، ويقوم إذا رآه حتى إذا ظن أنّه قد استنفد ما عنده ترك القيام، فقال له: إنك في العَزَان بعدُ فعد إلى القيام، أي: أنت في الطرف. والصُّعود: ضد الهبوط، وهما المصدران. فأما (الصَّعُود) و (الهَبُوط) بفتح الأول فاسمان؛ يقال: صعد يصعد صَعوداً، إذا ارتفع، وأصعد في الأرض يصعد إصعاداً، قال الشاعر: هَوايَ مَعَ الرَّكبِ اليمَانِينَ مُصعِدُ ... جَنِيبَ وجُثماني بِمكة مُوثقُ والكلم: يذكر ويؤنث، تقول: هذه كلم وهذا كلم، وكذلك كل جمع ليس بينه وبين واحده إلا " الهاء " يجوز فيه التذكير والتأنيث. نحو: هذه نخل وهذا نخلٍ، قال الله تعالى: (كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ).

стр. 325

وقال: (كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ). وقرأ أبو عبد الرحمن (الكلامُ الطيِّبُ). والفرق بين الكلام والكلم: أنّ (الكلام) يقع على الجملة القائمة بنفسها. نحو قولك: زيد قائم، و (الكلم) إنما هو جمع كلمة، كلبنة ولبن وخلفة وخلف، أنشد الفراء: مَا لكِ تَرغينَ وَلا تَرغُو الخَلفِ ... وَتَضْجَرينَ والمَطِيُّ مُعْتَرِفْ ومما يسأل عنه أن يقال: علامَ يعود الضمير الذي في قوله (يَرْفَعُهُ)؟ وفيه ثلاثة أجوبة: أحدها: أنّ المعنى: والعمل الصالح يرفع الكلم الطيب. والثاني: أنّ المعنى: والله يرفعه. والثالث: أنّ الكلام يرفع العمل الصالح، ويجوز فى (العمل) على هذا الوجه النصب بإضمار فعلٍ تقديره: ويرفع الكلمُ الطيبُ العملَ الصالحَ يرفعه، ثم حذفت؛ لأنّ الثاني يفسره، ومثله: قام زيدُ وعمراً ضربته، وأجاز الفراء أن تنصب على تقدير: يرفع الله العمل الصالح يرفع، فيَكون " الله " فاعلاً. * * * قوله تعالى: (وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ) الأجاج: الشديد المرارة. وأصله من أُجّت النار، كأنّه يحرق من شدة المرارة، ويقال: ماء ملح، ولا يقال: مالح، وماء ملح أجاج، إذا كان فيه مرارة.

стр. 326

والفُلك: السفن، وهو يقع على الواحد والجمع بلفظ واحد والتقدير مختلف: فإذا كان واحداً كان بمنزلة " قُفُل " و " بُرُد " قال الله تعالى: (فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ) فجعله واحداً. وإذا كان جمعاً كان بمنزلة " أُسْد " و " وُثن " وعليه قوله: (وَتَرَى الفُلكَ فيهِ مَواخرَ) وإنما كان كذلك لأنهم جمعوا (فَعَلا) على (فُعَلِ) وجاز أن يجمع (فُعُل) على (فُعْلِ) وليس بابه من قبل أنّ (فُعُلا) و (فَعَلا) يشتركان؛ نحو: رُشُد ورَشَد، وسُقُم وسَقَم، وعُدُم وعَدَم، وحُزُن وحَزَن، وعُرُب وعَرَب، وعُجم وعَجَم في أشباه. لذلك، و (فَعَل) يجمع على (فُعْل) نحو: أُسَد وأُسْد، ووَثَن ووُثْن، فجمعوا (فُعُلا) كجمع (فَعَل) وهذا مذهب سيبويه وإن لم يصرح به. ويقال: مَخَرت السفينة، إذا شقت الماء تمخر مخراً فهي ماخرة والجمع مواخر. ومما يسأل عنه أن يقال: الحلية إنما تخرج من الملح دون العذب، فكيف قال (يَخْرُجُ مِنْهُمَا)؟ وعن هذا جوابان: أحدهما: أنّه كذلك إلا أنّه جمع بينهما في ذلك لاصطحابهما؛ لأنّ المعنى قد عُرف، ومثل ذلك قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا (١٥) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا)، والقمر إنما هو في سماء الدنيا، غير أنّه وإن كان قد اختص بمكانٍ من السماوات فهو فيها، وكذلك البحران وإن كان اللؤلؤ والمرجان يخرجان من أحدهما فهو يخرج منهما وإن اختص خروجهما من أحدهما. والقول الثاني: أنّ في البحر عيوناً عذبةَ واللؤلؤ والمرجان يخرجان من بينهما، ذكر أنهما يتكونان في الماء العذب الذي في تلك العيون. فقد اشترك العذب والملح فيهما.

стр. 327

قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا (٢٧)) الجُدُد: جمع " جُدَّة " وهي الطريقة، وجدد: طرائق، قال الشاعر: كَأنّ سَرَاتَهُ وَجُدّةَ ظَهْرِهِ ... كَنَائِنُ يَجرِي بَيْنَهُنَّ دَليصُ يعني بالجدة: الخطة السوداء التي في متن الحمار، والدليص: البراق. والغرابيب: حجارة سود واحدها " غربيب "، وقال (سود) والغرابيب لا تكون إلا سوداً للتوكيد، كما تقول: رأيت زيداً زيداً؟. إذا أردت التوكيد، وقيل: هو على التقديم والتأخير، كأنّه قال: وجدد سود غربيب، لأنّه يقال: أسود غربيب، وأسود حالك، وأسود حلكوك، وأسود حانك بمعنى واحد. وقوله: (فَأَخْرَجْنَا بِهِ) أضاف الفعل إلى نفسه، وكان الأول بلفظ الغائب، لقوله (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ) لأنّ الضمير هو الظهر في المعنى فقام أحدهما مقام الآخر. ونصب (مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا) على الحال، وهي حال مقدرة؛ لأنَّ الثمرة أول ما تخرج لا تختلف ألوانها، وإنما تختلف عند البلاغ، والحال على أربعة أوجه: هذا أحدها، وهو الحال المقدرة.

стр. 328

والثاني: حال مؤكدة، نحو قوله تعالى: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا)، فهذه حال مؤكدة؛ لأنّ صراط الله لا يكون إلا مستقيماً. ومثله (وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا)، لأنّ الحق لا يكون إلا مُصَدِّقًا. والثالث: حال منقلبة، نحو قولك: قام زيد ضاحكاً؛ لأنَّه يجوز أن يقوم عابساً، ففرقت بين المعنيين. والرابع: حال منفية، نحو قولك: ما لزيد غيرَ ملتفتٍ ولا مقبلٍ علينا. وأجمع القراء على رفع (العلماء) ونصب (اسم الله تعالى)، وهو الصواب الذي لا معدل عنه، إلا أنّ طلحة بن مصرف قرأ كذلك: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءَ) فرفع (اسم الله تعالى) ونصب (العلماء)، ويروى مثل ذلك عن أبي حنيفة، وأكثر أهل العلم يذهب إلى أنّه لحن، وقد اعتذر بعضهم لهذا بأن قال: هو على القلب. كما تقول: تهيبني الفلاةُ، في معنى تهيبت الفلاة، وكما قال الشاعر: غداةَ أحلَّتْ لابنِ أَصْرَمَ طَعْنَةٌ ... حُصينٍ عَبيطاتِ السَّدائِفِ والخمرُ فنصب (الطعنة) وهي فاعلة، ورفع (العبيطات) وهي مفعولة، والمعنى: أنَّ الطعنة التي طعنها أحلت له العبيطات، لأنّه نذر أنّ لا يأكل عبيطاً من اللحم ولا يشرب خمراً حتى يقتل فلانًا ويأخذ بثأره، فلما قتله أحل له ذلك القتل ما كان حرّم، ومثله قول امرئ القيس: حلّت ليَ الخمرُ وكنت امرءًا ... عن شُربها في شُغلٍ شاغلِ وقال قوم: (يَخْشَى) هاهنا بمعنى يراعي، والتقدير: إنما يراعي الله من عباده العلماء، لأنهم هم المخاطبون الذين يفهمون. ما يخاطبهم به، ومن سواهم تبع لهم. ومثل ذلك قولهم: ما تركت ذلك إلا خشيتك، أي: مراعاة لك. وقيل: (يَخْشَى) بمعنى: يعلم، والمعنى: كذلك يعلم الله من عباده العلماء، وهذه التأويلات بعيدة. * * *

стр. 329

وَمِنْ سُورَةِ (يس) قوله تعالى: (لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ (٦) الإنذار: التخويف. و " اللام " في (لِتُنْذِرَ) لام كي، قال قتادة المعنى لتنذر قوماً لم ينذر آباؤهم، على جحد؛ لأنّ عرب الجاهلية لم يكن فيهم نبي قبل محمد ﵇. وهذا التأويل إنما يصح إذا كان (القوم) هاهنا يُعنى بهم العرب المضرية والعدنانية، فأما القحطانية فقد كان فيهم هود وصالح وشعيب ﵇، ومبعُد أيضاً من قبل أنّ قيسًا بُعث فيهم خالد بن سنان، وهو الذي أطفأ نار الجمرة التي كانت ببلاد قيس، وروي أنّ بنته وفدت على النبي ﷺ فأكرمها، وقال: (هذه بنت نبي ضيَّعه قومه)، وقال عكرمة المعنى: لتنذر قوماً كالذي أنذر آباؤهم، فعلى هذا يكون الإنذار لجميع الناس، وتحتمل (ما) على هذا الوجه أن تكون بمعنى (الذي)، فيكون التقدير: لتنذر قوماً كالذي أنذر آباؤهم، وتحتمل أن تكون مصدرية والتقدير: لتنذر قوماً كإنذار آبائهم. * * * قوله تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ (١٢)) قال قتادة ومجاهد في قوله: (وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا) أي: أعمالهم، وقال مجاهد (وآثارهم) خطاهم إلى المساجد قال غيره (وآثارهم) ما أثروا من الآثار الصالحة أو غير الصالحة، فعُمل بها، فلهم أجر من عمل بها بعدهم، أو وزره وهو قول الفراء.

стр. 330

و (الإمام) هاهنا الكتاب الذي تثبته الملائكة ﵈، وتكتب فيه أعمال العباد. وأجمع القراء على النصب في قوله (وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ) على إضمار فعلٍ، والمعنى: وأحصينا كُلّ شيء أحصيناه. قال الفراء: والرفع وجه جيد، قد سمعت ذلك من العرب. * * * قوله تعالى: (وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٣٨) وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ (٣٩)) العرجون: الكِباسة، وهو القنو أيضا، والقنا والعنكول والعثكال، والقديم: البالي. ويُسأَل عن قوله (لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا)؟ وفيه ثلاثة أجوبة: أحدها: أنها تجري لانتهاء أمرها عند انقضاء الدنيا. والثاني: أنها تجري لوقت واحد لا تعدوه، وهو قول قتادة. والثالث: أنها تجري إلى أبعد منازلها في الغروب. * * * وقوله (لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ) قيل معناه: حتى يكون نقصان ضوئها كنقصانه، وقال أبو صالح: لا يدرك أحدهما ضوء الآخر، وقيل: الشمس لا تدرك القمر في سرعة سيره، ولا الليل سابق النهار وكل على مقادير قدرها الله تعالى.

стр. 331

والفلك: موضع النجوم من الهواء. وأصله: الاستدارة، ومنه قيل: فلكة المغزل، ويروى أنّ بعضهم قرأ (وَالشَّمْسُ تَجْرِي [لا مُسْتَقَرَّ لَهَا]) أي لا نهاية. وقرأ نافع وأبو عمرو وابن كثير (وَالْقَمَرُ قَدَّرْنَاهُ) بالرفع، وقرأ الباقون بالنصب، فمن رفع جعله مبتدأ، والخبر في قوله (قَدَّرْنَاهُ) وهذا كما تقول: زيد قام وعبد الله أكرمته، وأما النصب فعلى إضمار فعل يدل عليه (قَدَّرْنَاهُ)، كأنّه قال: وقدرنا القمر قَدَّرْنَاهُ منازل، ثم حذف الفعل الأول لدلالة الثاني عليه، كما تقول: زيد قام وعمراً أكرمته، والنصب أجود من الرفع، لأنك تعطف فعلا على فعل. قال الربيع بن ضبع الفراري: أَصْبَحْتُ لَا أَحْمِلُ السلاحَ وَلَا ... أَملِكُ رأْسَ البعيرِ إِن نَفَرا والذئبَ أَخْشاه إِن مَرَرْتُ بِهِ ... وَحْدِي وأَخْشَى الرياحَ والمَطَرا يريد: وأخشى الذئب أخشاه، وأما الرفع فهو عطف جملة على جملة وفي الكلام حذف، والتقدير: والقمرُ قدرناه ذا منازل، ثم حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، ولا يجوز أن يكون بلا حذف؛ لأنّ القمر غير المنازل وإنما يجري في المنازل. ولا يجوز أن تنصب (منازل) على الظرف؛ لأنّه محدود والفعل لا يصل إلى المحدود إلا بحرف جر نحو: جلست في المسجد، ولا يجوز: جلست المسجد، وإنما يصل الفعل بغير حرف إلى الظرف المبهم نحو: أمام ووراء وفوق وتحت ويمنة ويسرة وما كان في معناها.

стр. 332

قوله تعالى: (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ (٥١)) الصور: قرن من نور ينفخ فيه يوم القيامة. واشتقاقه من: صرت الشيء أصوره، أي: أملته وعطفته، كأنّه قال: يمل الناس إلى الحشر ويعطفهم. وقيل: الصور جمع صورة بمعنى الصور. والمعنى: ينفخ في صور بني آدم، وأصل الصورة أيضاً من الميل، لأنَّها تُمال إلدى هيأة من الهيئات. والأجداث: القبور، واحدها: جدث، هذه لغة أهل العالية، وأهل السافلة يقولون " جدف "، والويل: بمعنى القبوح، هذا قول الأصمعي، وقال المفسرون: هو وادٍ في جهنم. وموضع قوله (في الصور) رفع، لأنّه مفعولٌ لم يسم فاعله لـ (نُفِخ)، كما تقول: جُلِس في المكان. ويحتمل قوله (من مرقدنا) هذا وجهين: أحدهما: أن يكون " هذا " نعتاً للمرقد، فتبتدئ حينئذ (مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ). والثاني: أن يكون الوقف على قوله (مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا)، وانقطع الكلام، ثم قالت الملائكة (هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ)، وفي حرف عبد الله (من أهَبنا من مرقدنا هذا)، وهو بمعنى البعث، والبعث: بمعنى الإيقاظ هاهنا. يقال: بعثت ناقتي فانبعثت، أي: أثرتها فثارت، وهبَّ من منامه وأهبَّه غيره. وانبعث من منامه وبعثه غيره.

стр. 333

والنسول: الإسراع في الخروج، يقال: نسل ينسل نسولًا. قال الشاعر: عَسَلانَ الذئبِ أمسَى قارِباً ... بَرَدَ الليلُ عليه فَنَسَلْ قال امرؤ القيس: وإنهْ تَكُ قَدْ سَاءَتْكِ مني خليقَةٌ ... فَسُلِّي ثيابي من ثيابِكِ تَنْسُلِ وقال قتادة في قوله (مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا) يعني بين النفختين. وقال ابن زيد: قوله (هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ) من قول الكافرين. وقال قتادة: هو من قول المؤمنين، والأوّل أعني: أنّه من قول الملائكة، قول الفراء. * * * قوله تعالى: (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)) يقال: مَنْ المخاطب في قوله (كُنْ)؟ وفيه ثلاثة أجوبة عن الزجاج: أحدها: أنّه لم يقع قول، وإنما هو إخبار لحدوث ما يريد، كأنّه في التقدير: إنما أمره إذا أراد شيئا أن يكونه فيكون، فعبر عن هذا المعنى بـ (كُنْ) لأنّه أبلغ فيما يراد.

стр. 334

والثاني: أنّ المعنى: إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول من أجله (كن فيكون)، فالمخاطب في هذين الوجهين معدوم، وجاز أمر المعدوم لأنّ الآمر هو الموجد له. والثالث: أنّ هذا إنما هو في التحويلات نحو قوله: (كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ) و (كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا) وما أشبه ذلك. ولفظ الأمر في الكلام على عشرة أوجه: أحدها: الأمر لمن دونك، نحو قولك لغلامك: قم والثاني: الندب، نحو قوله تعالى: (فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا). والثالث: الإباحة، نحو قوله: (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ). والرابع: الدعاء، نحو قوله: (آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً)، ونحو قوله: (وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا). والخامس: الرغبة، نحو قوله: ارفق بنفسك، أحسن إلى نفسك. والسادس: الشفاعة، نحو قولك: هب لي ذنبه، شفعني فيه. والسابع: التحويل، نحو قوله: (كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ) و (كُونُوا حِجَارَةً) والثامن: التهديد، نحو: (اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ) (قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ).

стр. 335

والتاسع: الاختراع والإحداث، نحو: (كُنْ فَيَكُونُ). والعاشر: التعجب. نحو: (أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ). ومن قرأ (فيكونَ) عطف على قوله (أنّ نقول لهُ) ولا يجوز أن يكون جواباً لـ (كن)؛ لأنّ حق الجواب أن يكون مخالفاً لما هو جواب له: إما باختلاف اللفظ، أو باختلاف الفاعل، فاختلاف اللفظ نحو قولك: قم تُكرم، واخرج فيُحسن إليك، وأما اختلاف الفاعل فنحو قولك: قم أقم معك، واخرج أخرجُ معك، وقوله (كن فيكون) قد اتفق فيه الأمران: اتفاق اللفظ، واتفاق الفاعل، فصار بمنزلة قولك: قم تقم، وهذا لا فائدة فيه. فأما من رفع فعلى القطع، كأنّه قال: فهو يكون، والرفع أجود من النصب، قال علي بن عيسى: الأمر هاهنا أفخم من الفعل فجاء للتعظيم والتفخيم، قال: ويجوز أن يكون بمنزلة التسهيل والتهوين وأنشد: قَالَتْ لَهُ العَينَانِ سَمْعًا وَطَاعَةً ... وحدَّرتا كالدُّرِّ لمَّا يُثَقَّب والملكوت والملك بمعنى واحد إلا أنّ الملكوتَ أكثر مبالغة. * * * َ

стр. 336

وَمِنْ سُورَةِ (الصَّافَّاتِ) قوله تعالى: (إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ (٦) التزيين: التحسين، وحفظ الشيء: صونه، والمارد: الخارج إلى الفساد العاتي. واختلف القراء: فقرأ نافع وأبو عمرو وابن عامر وابن كثير (بِزِينَةِ الْكَوَاكِبِ) وقرأ عاصم من طريق أبي بكر (بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبَ) ينون (زِينَةٍ) وينصب (الْكَوَاكِبَ)، وقرأ حمزة وحفص عن عاصم (بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ) بالتنوبن وجر الكواكب. فمن أضاف ولم ينوّن جعل المصدر الذي هو (زِينَةٍ) مضافاً إلى الكواكب، وأما من نوّن ونصب (الكواكب) فإنه نصبها (بِزِينَةٍ)، كأنّه قال: ولقد زينا السماء الدنيا بأن زينا الكواكب، لأنّ تزيين الكواكب تزيين للسماء. ومن نوّن وجرّ جعل الكواكب بدلًا من (زِينَةٍ)، كأنّه قال: ولقد زينا السماء الدنيا بالكواكب، وهذا من بدل الشيء من الشيء الذي هو هو؛ لأنَّ الكواكب هي الزينة، ومثله (وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِرَاطِ اللَّهِ)، وأجاز الفراء الرفع في (الكواكب) مع تنوين (زينةٍ) على أن تكون (الكواكب) هي (الرينة) للسماء، قال: يريد زيناها بتزيينها الكواكب.

стр. 337

قوله تعالى: (قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ (٥١) القرين والمقارن، والصاحب والصاحب ألفاظ متقاربة المعنى، والمدينون المجاوزون، والسواء: الوسط، سُمِّي سواء لاستواء المسافة منه إلى جميع جوانبه، قال ابن عباس: كان القرين رجلا من الناس، وقال مجاهد: كان شيطاناً. وروي عن أبي عمروٍ (هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونِ) بكسر النون، رواه حسين (فأطلِعَ) بقطع الألف، والنحويون لا يجيزون ذلك؛ لأنَّ الأسماء إذا أضيفت حذفت منها النون، فكان يجب أن يقال: هل أنتم مطلعي وإنما يقال (يطلعونِ) في (يطلعونني) بحذف إحدى النونين، كما قرأ نافع (فَبِمَ تُبَشًرُونِ)، فهذا يجوز في الفعل ولا يجوز في الاسم، وأنشد الفراء: وَمَا أَدْري وظني كلَّ ظَنِّ ... أَمُسْلِمُني إلى قومٍ شَرَاحٍ

стр. 338

يعني: شراحيل، والمبرد يروي هذا البيت (يسلمُني). قال القراء في قوله (هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ) هذا الرجل من أهل الجنة كان له أخ من أهل الكفر وأحب أن يرى مكانه، فيأذن الله له، فيطلع إليه في النار ويخاطبه. فإذا رآه قال (وَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ) قال: وفي حرف عبد الله (لتغوين) ولولا رحمة رَبِّي (لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ) معك في النار. والعامل في قوله: (أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا) مضمر، كأنّه قال: نُدان ونُجازى إنا لمدينون. ولا يجوز أن يعمل فيه (مدينون)، لأنّ الاستفهام لا يعمل ما بعده فيما قبله. ويقال: مُتُّ ومِتُّ، وكان القياس أن يقول من يقول (مِتُّ) (أمُات) إلا أنّه جاء (فَعِل يفعُل) ومثله: دمتُ أدُوم وفَضِل يَفضُل، وقد حكى الكسائي: مِتّ تماتُ ودِمتَ تدامُ على القياس، كما تقول: خِفتُ أُخَافُ ونمِتُ أنامُ. * * * قوله تعالى: (أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ (٦٢)) الألف في قوله (أَذَلِكَ خَيْرٌ): ألف تبكيبٍ وتقريع، وشجرة الزقوم: هي الشجرة الملعونة في القرآن، وكانت فتنتهم بها أنّ أبا جهل قال: النار تأكل الشجر، فكيف ينبت فيها الشجر؟ - وللعلماء عن هذا جوابان: أحدهما: أنها شجرة من النار. والثاني: أنها من جوهرٍ لا تأكله النار، وقد استقصيت شرح هذا فى سورة بني إسرائيل. وذكر ابن إسحاق أنّ أبا جهل لما سمع " شجرة الزقوم " قال: أتعلمون ما شجرة الزقوم؟ - قالوا: لا، قال؛ عجوة يثرب، بسمن الحجاز، والله لنتزقمهاً تزقمًا،

стр. 339

فأنزل الله تعالى: (إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعَامُ الْأَثِيمِ (٤٤) كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ (٤٥). * * * فصل: ومما يسأل عنه أن يقال: إنما يشبه الشيء بما يُعرف. ورؤوس الشياطين لا تُعرف. فكيف شبَّه طلع هذه الشجرة برؤوس الشياطين وهي لا تعرف؟ وعن هذا ثلاثة أجوبة: أحدها: أنّ رؤوس الشياطين ثمرة شجرة يقال لها الأستن، وإياه عنى النابغة: تَحِيْدُ عن أَسْتَنٍ سُوْدٍ أسافِلُها ... مَشْي الإِماءِ الغوادي تَحْمِل الحُزَمَا وهذه الشجرة تشبه بني آدم، قال الأصمعي: ويقال له " الصوم "، وأنشد: موكّلٍ بشدُوف الصَوم يَرقبُهُ ... مِنَ المغاربُ مَهضُومُ الحشَانةِ يصف وعلًا يظن هذا الشجر قناصين فهو يرقبه. والجواب الثاني: أنّ الشيطان جنس من الحيّات، أنشد الفراء: عَنجردٌ تَحلف حينَ أحلِفُ ... كمِثلِ شيطانِ الحَماطِ أعرفُ وأنشد المبرد: وفي البقل إن لم يدفع الله شَرَّهُ ... شياطينُ يَنْزُو بعضُهنّ إلى بَعضِ والثالث: أنّ الله تعالى شنَّع صور الشياطين عند الناس، فاستقر في قلوبهم أنها شنعة، فشبّه طلع هذه الشجرة بما استقرت شناعته في القلوب، قال الراجز:

стр. 340

أبصَرتُها تَلتهِم الثُعبانَا ... شَيطانةٌ تَزوجت شَيطانا وقال أبو النجم: الرأسُ قملٌ كلُّه وصِئبَانْ ... وليسَ في الرجلين إلا خيطانْ فهي التي يفزع منها الشيطان وقال امرؤ القيس: أَيَقْتُلُني والمَشْرَفِيُّ مُضاجِعي ... ومَسْنونةٌ زُرْقٌ كأَنيابِ أَغوالِ فشبه أسنته بأنياب الأغوال، ولا يقول أحد أنّه رأى الغول، ومن قاله من العرب فكاذب، نحو ما يحكى عن تأبط شرًّا. هذا قول المحققين من أصحابنا. * * * قوله تعالى: (فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٨٧) فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (٨٨)) قيل في قوله: (فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ) قولان: أحدهما: أنّ المعنى: أي شيء ظنكم به أسوأ ظنٍّ. والثاني: فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ أنّه يصنع بكم. وقيل في قوله: (فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ) أقوال: أحدها: أنّ المعنى نظر في علم النجوم ليعلمهم أنّه يعلم من علمهم مثل ما يعلمون، فيكون

стр. 341

إنكاره لعبادتهم الأصنام وقولهم بعلم النجوم على بصيرة، لئلا يحتجوا عليه بأنه لا يحسنها، وكان يقال " من جهل شيئًا عاداه "، فقال: إني سقيم، أي: سأسقم. والثاني: أنّه نظر في نجوم الأرض، وهو جمع نجم وهو ما لم يقم على ساق فرآها تجف وتذوي، فقال: إني سقيم، أي: سأسقم وأذهب كما تذهب هذه النجوم. وقيل: فنظر نظرة في النجوم، أي: فيم ينجم له من الرأي، أي: يظهر، يقال نجم النبت إذا ظهر، فقال: إني سقيم. قال الفراء في قوله (إني سقيم) أي: مطعون، ويقال: إنها كلمة فيها معراض، أي: كل من كان في عنقه الموت فهو سقيم وإن لم يكن به حين قالها سقم ظاهر، قال: وهو وجه حسن. وروي عن يحيى بن المهلّب عن الحسن بن عمارة عن المنهال بن عمرو عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن أبي بن كعب في قوله تعالى: (لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ)، قال: لم ينسَ ولكنها من معاريض الكلام، وقد جاء عن عمر ﵁: (إن في المعاريض لما يغنيك عن الكذب). وقيل: كذب إبراهيم ﵇ ثلاث كذبات: قوله (إني سَقِيم) وقوله (بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا)، وقوله في " سارة " هي أختي، وهذا على ما ذهب إليه الفراء من المعاريض: (إني سقيم) سأسقم، و (فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا) على طريق التبكيت لهم، وكأنه فعله لتعظيمهم إياه، وسارة أخته في الدين. وقيل: الكذب يجوز في المكيدة والتقية ومسرَّة الأهل بما لا يضر.

стр. 342

قوله تعالى: (فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (١٠١) فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ (١٠٢)) قوله: (مَاذَا تَرَى) من الرأي، أي: ما رأيك في ذلك. وقال الفراء المعنى: ماذا تُريني من رأيك أو ضميرك، و (رأى) في الكلام على خمسة أوجه: - بمعنى أبصر، نحو: رأيت - وبمعنى علم، نحو: رأيت زيداً عالماً - وبمعنى ظنَّ، نحو قوله (إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (٦) وَنَرَاهُ قَرِيبًا (٧)، فالأول بمعنى الظن، والثاني بمعنى العلم. - وبمعنى أعتقد، نحو قوله: وإنَّا لقَومٌ لا نَرَى القَتْلَ سبة ... إذا مَا رأتهُ عَامِر وسلولُ - وبمعنى الرأي، نحو قولك رأيت هذا الرأي. فأما " رأيت في المنام " فمن رؤية البصر، فلا يجوز أن تكون " ترى " هاهنا بمعنى تبصر؛ لأنَّه لم يشر إلى شيء يُبصر بالعين. ولا يجوز أن تكون بمعنى " علم " أو " ظن " أو " اعتقد "؛ لأنَّ هذه الأشياء تتعدى إلى مفعولين، وليس هاهنا إلا مفعول واحد، مع استحالة المعنى، فلم يبق إلا أن يكون من " الرأي " والمعنى: ماذا تراه.

стр. 343

واختلف في جواب (لما): فقيل: هو محذوف، والمعنى: (فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣) وَنَادَيْنَاهُ). فازا أو ظفرا بما أرادا. وقيل: " الواو " زائدة: والمعنى: فَلَمَّا أَسْلَمَا تَلَّهُ لِلْجَبِينِ. والتل: الصرع. وقيل في معنى قوله: (بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ): أطاق أن يسعى معه، وهو قول مجاهد، وقال عبد الرحمن بن زيد: هو السعي في العبادة. وقيل: إنه أمر أن يقعد مقعد الذابح، وينتظر الأمر بإمضاء الذبح على ما رآه في منامه، ففعل، وقيل: إنه أمر على شرط التخلية والتمكين، فكان كما رُوي أنّه كلما اعتمد بالشفرة انقلبت، وجُعل على حلقِه صفيحة من نحاس، وقيل: بل ذبح، ووصل الله تعالى ما فراه بلا فصل. واختلف في الذبيح: فقيل: هو إسماعيل، وقيل: هو إسحاق، روى محمد بن خالد عن سلمة بن قتيبة عن مبارك عن الحسن عن الأحنف عن العباس بن عبد المطلب ﵁ أنّه قال: الذبيح إسحاق، وروى أبو الخطاب حدثنا أبو داودد عن زيد بن عطاء عن سماك بن حرب عن محمد بن المنتشر عن مسروق أنّه كان يقول: الذبيح إسحاق، وروى إسحاق بن إبراهيم الشهيدي عن يحيى بن اليمان عن إسرائيل عن نور عن مجاهد عن ابن عمر قال: الذبيح إسماعيل، وروى محمد بن عبيد حدثنا مسلم بن إبراهيم عن الحجاج بن الحجاج عن الفرزدق هيثم بن غالب قال: سمعت أبا هريرة على منبر النبي ﷺ يقول: الذبيح إسماعيل، والأوّل قول علي وابن مسعود والحسن وكعب الأحبار، والثاني قول محمد بن كعب وسعيد بن المسيب وابن عباس والحسن بخلاف.

стр. 344

وقيل: كان الذبيح يومئذ ابن ثلاث عشرة سنة. وجاء عن النبي ﷺ أنّه قال (أنا ابن الذبيحين)، فهذا يدل على أنّ الذبيح (إسماعيل)، لأنّ النبي ﵇ من ولد إسماعيل، والذبيح الثاني (عبد الله) أب النبي ﷺ . حدثني أبي عن عمه حدثنا القاضي منذر بن سعيد حدثنا أبو النجم عصام بن منصور عن أبي بكر أحمد بن عبد الله البرقي عن أبي محمد عبد الملك بن هشام عن زياد بن عبد الله البكاي عن محمد بن إسحاق، قال: حدثني يزيد بن أبي حبيب المصري عن يزيد بن عبد الله عن عبد الله بن دريد الغافقي قال: سمعت علي بن أبي طالب ﵁ يحدث، قال: كان عبد المطلب نائما في الحجر، فأتاه آت، فقال: احفر طيبة، قال عبد المطلب: وما طيبة؟ - قال: فذهب عني، قال عبد المطلب: فلما كان الغد رجعت إلى مضجعي فنمت فيه، فجاءني فقال: احفر برة، قلت،: وما برة؟ قال: فذهب عني، فلما كان من الغد رجعت إلى مضجعي فنمت فيه، فجاءني فقال: احفر المضنونة، قلت: وما المضنونة؟ - قال: فذهب عني. فلمَّا كان الغد رجعت إلى مضجعي فنمت، فجاءني فقال احفر زمزم، قلت وما زمزم؟ - قال: لا ينُزف أبدا ولا يندم، وهي بين الفرث والدم عند نقرة الغراب الأعصم عند قرية النمل، قال: فلما بيّن له شأنها. وعرف موضعها، وعرف أنّه قد صُدق، غدا بمعوله ومعه ابنه الحارث، وليس له يومئذ ولد غيره، فَحفر فلمَّا بدا له الفيء كبَّر، فعرفت قريش أنّه قد أدرك حاجته، فقاموا إليه، فقالوا له: يا عبد المطلب، إنّها بئر أبينا إسماعيل. وإنّ لنا فيها حقا فأشركنا معك فيها، فقال: ما أنا بفاعل، إن هذا الأمر قد خصصت به دونكم وأعطيته من بينكم. قالوا له: فأنصفنا، فإنّا غير تاركيك حتى نخاصمك فيها. قال: فاجعلوا بيني وبينكم من شئتم أحاكمكم إليه، قالوا كاهنة بني سعد بن هذيم، قال: نعم، وكانت بأطراف الشام، فركب عبد المطلب ومعه نفر من بني أبيه من بني عبد مناف، وركب من كل قبيلة من قريش نفر والأرض إذ ذاك مفاوز، فخرجوا حتى إذا كانوا ببعض تلك المفاوز بين الحجاز والشام فني ماء عبد المطلب وأصحابه، فظمئوا حتى أيقنوا بالهلكة، فاستسقوا من معهم من قبائل قريش فأبوا عليهم، فقالوا إنا بمفاوز، ونحن نخشى على أنفسنا مثل ما أصابكم، فلما رأى عبد المطلب ذلك قال لأصحابه ماذا ترون؟ - قالوا: ما رأينا إلا تبع رأيك. فمُرنا بما شئت، قال: فإني أرى أن يحفر كل رجل منكم حفرته لنفسه بما بكم الآن في القرة، فكلما مات رجل دفنه أصحابه في حفرته، ثم واروه حتى يكون آخركم رجلًا، فضيعة رجلٍ واحد أيسر من ضيعة ركب، قالوا: نعم ما أمرت به، ففعلوا ثم قعدوا ينتظرون الموت عطشاً، ثم إنّ عبد المطلب قال لأصحابه:

стр. 345

والله إنَّ إلقاءنا بأيدينا هكذا للموت لا نبتغي لأنفسنا فرجاً لعجز، فعسى الله أن يرزقنا ماء ببعض البلاد ارتحلوا، فارتحلوا حتى إذا فرغوا، وقبائل قريش ينظرون إليهم ماهم فاعلون، تقدم عبد المطلب إلى راحلته فركبها، فلما انبعثت به انفجرت من تحت خفها عين ماء عذب فكبَّر عبد المطلب وكبَّر أصحابه، ثم نزل فشرب وشربوا، واستقوا حتى ملأوا أسقيتهم ودعا عبد المطلب قبائل قريش فقال: هلم إلى الماء، فقد سقانا الله فاشربوا واستقوا. فشربوا واستقوا، ثم قالوا له: والله لقد قُضِي لك علينا يا عبد المطلب، والله لا نخاصمك في زمزم أبداً، إنّ الذي سقاك هذا الماء بهذه الفلاة لهو سقاك زمزم فارجع إلى سقايتك راشداً، فرجع ورجعوا، ولم يصلوا إلى الكاهنة، قال: وكان قد نذر حين لقي من قريش ما لقي (لئن وُلدِ له عشرة نفر ثم بلغوا معه حتى يمنعوه لينحرن أحدهم عند الكعبة) فلما وُلد له عشرة، وعلم أنّهم سيمنعونه، أحب أن يفي بنذره، فجمع بنيه وأخبرهم بذلك، ودعاهم إلى الوفاء لله تعالى. فأطاعوه، قالوا: كيف نصنع؟ - قال: ليأخذ كل رجل منكم قدحاً ثم يكتب عليه اسمه، ثم ائتوني، ففعلوا، وأتوه فدخل بهم على " هبل " في جوف الكعبة، وكان (عبد الله) أحب ولده إليه، فكان يرى أنّ السهم إذا أخطأه فقد أشوى، فلما أخذ صاحب القداحِ القداح ليضرب بها، قام عبد المطلب يدعو الله عند هبل، فضرب صاحب القداح، فخرج القدح على عبد الله. فأخذ عبد المطلب بيده وأخذ الشفرة، ثم أقبل إلى إسافٍ ونائله ليذبحه، فقامت إليه قريش من أنديتها، فقالوا ما تريد يا عبد المطلب؟ - قال: أذبحه، قالوا له: والله لا ندعك تذبحه، لئن فعلت لا يزال الرجل يأتي بابنه حتى يذبحه، فما بقاء للناس على هذا، وساعدهم بنوه، فقال له المغيرة بن عبد الله المخزومي: لا ندعك تذبحه حتى تعذر فيه، فإن كان فداء فديناه بأموالنا، وقالت له قريش: اذهب إلى عرَّافةٍ بالحجاز لها تابع، فسلها وأنت على رأس أمرك. فذهب وذهبوا معه إلى خيبر، فسألوا العرَّافة عن ذلك، فقالت: ارجعوا عني اليوم حتى يأتي تابعي فأسأله، فرجعوا، فلما كان من الغد، عادوا إليها. فقالت لهم: قد جاءني الخبر، كم الدية فيكم؟ - قالوا عشرة من الإبل، وكانت كذلك، قالت: فارجعوا إلى بلادكم ثم قربوا صاحبكم وقربوا عشراً من الإبل، ثم اضربراً عليه وعليها بالقداح فإن خرجت على صاحبكم فزيدوا من الإبل حتى يرضى ربكم. فإن خرجت على الإبل فانحروها عنه، فقد رضي ربكم ونجا صاحبكم، فرجعوا إلى مكة فلما أجمعوا على ذلك قام عبد المطلب يدعو الله، ثم قربوا عبد الله وعشراً من الإبل، وعبد المطلب يدعو، فخرج القدح على عبد الله، فزاودوا عشراً، وضربوا فخرج على عبد الله، فزاودوا عشرًا فخرج على عبد الله، فزادوا عشراً فخرج على عبد الله. إلى أن بلغت مائة فخرجت على الإبل، فقالت قريش ومن حضر: قد انتهى، رضي ربك يا عبد المطلب فقال: لا والله، حتى أضرب عليها ثلاث مرات ففعل، تخرج في جميع ذلك على الإبل، فنُحرت وتُركت لا يصد عنها إنسان ولا سبع، فكان النبي ﷺ -

стр. 346

يقول (أنا ابن الذبيحين) فهذا يدل على أنّ الذبيح إسماعيل ﵇؛ لأنَّ النبي من ولده. * * * قوله تعالى: (وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (١٤٧)) (أو) هاهنا لأحد الأمرين على طريق الإبهام من المخبر، قال سيبويه: هي تخيير. كأنّ الرائي خُيِّر في أن يقول: هم مائة ألف أو يزيدون. وقال بعض الكوفيين: (أو) بمعنى (الواو) كأنّه قال: ويزيدون. وقال بعضهم: هي بمعنى (بل)، وهذان القولان عند العلماء غير مرضيين قال ابن جني: هي شك من الرائي. وأجود هذه الأقوال الأول والثاني. * * *

стр. 347

وَمِنْ سُورَةِ (ص) قوله تعالى: (ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (١)) الذكر هاهنا: الشرف،: هو قول ابن عباس، كأنّه قال:: القرآن ذي الشرف، وقال الضحاك وقتادة: ذي الذكر: ذي التذكير. قال قتادة في قوله (فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ) أي: في حميةٍ وفراق، وقال عبد الرحمن بن زيد: الشقاق: الخلاف، وأصله من المشاقة وهو أن يصير كل واحد من الفريقين في شق، أي: في جانب، ومنه يقال: شق فلان العصا، إذا خالف. قال الفراء: أجمع القراء على إسكان (صاد) إلا الحسن فإنّه جرها بلا تنوين لاجتماع الساكنين، وشبهه بقولهم: خاز باز، وتركته في حيص بيص. وأنشد: لم يَلتَحِصني حَيصَ بَيصَ الحاصِي قال و (صاد) في معنى: وجب والله، نزل والله، حق والله، فهي جوابٌ لقوله (والقرآن) كما تقول: نزل والله. قال ابن عباس: هو اسم من أسماء الله تعالى. وقال السُّدِّي: هو من حروف المعجم، وقال الضحاك

стр. 348

معناه: صدق الله، وقال قتادة: هو اسم من أسماء القرآن. واختُلف في كسر (الصاد): فقال الفراء: هو لالتقاء الساكنين، وقال غيره: هو أمرٌ من المصاداة، كأنّه قال: صادِ القرآن. أي: عارف بعملك وقابله، وهذا قول الحسن. وقرأ بعضهم (صَادَ) بالفتح، جعله اسماً للسورة. ولم يصرفه للتعريف والتأنيث، ويجوز أن يكون موضع (صاد) في هذا الوجه نصباً، كأنّه قال: اتلُ صادَ، ولو رفع لجاز علي تقدير: هذه صادُ، فأما من أسكن فيجوز أن يكون في موضع نصب على تقدير: اتلُ، وعلى تقدير حذف حرف القسم في مذهب من جعلها قسمًا، ويجوز أن يكون في موضع رفع على تقدير: هذه (ص)، في مذهب من جعلها اسما للسورة. واختلف في جواب القسم: فقال الفراء: جواب قوله (والقرآن) (صاد)، وقد تقدم ذكره، وقيل: جوابه محذوف. كأنّه قال: والقرآن ذي الذكر لقد جاء الحق وظهر الأمر، وقيل: الجواب ما كفى منه قوله (بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا) كأنّه قال: والقرآن ذي الذكر ما الأمر كما قالوا، وهو قول قتادة، وقيل: الجواب ما كفى منه قوله (كم أهلكنا) وهذا مروي عن الفراء مع قوله الأول، وقيل: الجواب في آخر السورة، وهو قوله (إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ (٦٤))، إلا أنّه بُعد عن أول الكلام.

стр. 349

قوله تعالى: (إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ (٣١)) العرض: إظهار الشيء، يقال: عرضت عليه كذا وكذا. والعشي: آخر النهار، وهو الأصيل أيضاً: العصر والقصر. والصافنات: من الخيل. يقال: فرس صافن إذا قام على ثلاث وثنى سنبله، وهو جمع " صافنة "، وإنما يفعل ذلك الفرس؛ لأنّه يراوح، قال مجاهد الصفون: رفع إحدى يدي الفرس حتى تكون على طرف الحافر، وقال عبد الرحمن بن زيد: هو قيامه على ثلاث، قال الشاعر: أَلِفَ الصُّفُوْنَ فما يَزال كأنَّه ... مِمَّا يقومُ على الثلاثِ كَسِيْرا قال الفراء في حرف عبد الله (إذ عُرض عليهِ بالعَشِي الصوافِنُ) وهو بمنزلة الصافنات. وقرئ (إذ عُرض عليه بالعَشِي الصْافِيَاتُ) أي: المتخيّرة. والجياد: جمع جواد، وياؤها منقلبة عن واو، وأصلها (جِواد). والخير هاهنا: الخيل، وكان النبي ﵇ يسمي " زيد الخيل " " زيد الخير "، قال قتادة

стр. 350

والسُّدِّي: الخير الخيل ها هنا. ويقال: طفق يفعل كذا وكذا، وجعل يقول كذا وكذا، وأخذ يفعل. . كل ذلك بمعنى. والكرسي: أصله من التكرس، وهو الاجتماع. ومنه قيل للجر " كراسة " لأنها مجتمعة. والجسد هاهنا: شيطان، قال ابن عباس: اسمه (صخر)، وقال مجاهد: اسمه (آصف)، وقال السُّدِّي: اسمه (حبقيق). واختلف في قوله: (فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ): فقيل: كشف عراقيبها وضرب أعناقها، وقال: لا تشغلني عن عبادة ربي مرة أخرى، وهو قول الحسن. وقال ابن عباس: مسح أعرافها وعراقيبها حبالها. قال الزجاج: هذا لا يوجب ذنباً، واستعظم ضرب أعناقها وكشف عراقيبها، وقال: لعله أوحي إليه بذلك، وأبيح له، لأنّ ضرب أعناق الخيل لا يوجبه تأخره عن الصلاة. قال الفراء في قوله (وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا) أي: صنماً. وقيل: كان سليمان ﵇ يحب بعض ولده فجعله في السحاب خوفاً عليه، فعوقب بذلك وألقي جسد ولده ميتاً على كرسيه (١).

стр. 351

قوله تعالى: (وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ (٣٤)) أي: ابتليناه، وقيل: سُلب ملكه أربعين يوماً. وكان ملكه في خاتمه. فلما أخذه الشيطان رماه في البحر، فوجده سليمان بعد أربعين يوماً في بطن سمكة. وقيل: كان ذنبه أنّه وطئ في ليلة عدداً كثيرةً من جواريه حرصاً على كثرة الولد. وقيل: كان ذنبه أنّه وطئ امرأته في الحيض. وقيل: كانت له امرأة سباها من المغرب، وقتل أباها، فاتخذت صنماً على صورة أبيها، فكانت تسجد له، وكان اتخاذها له بعلم سليمان، فعوقب على تمكينها من ذلك (١). قال الفراء في قوله: (حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ) يعني: الشمس، كان قد عرض هذا الخيل، وكان غنمها من جيش قاتله، فظفر به، فلما صلى الظهر دعا بها فلم يزل يعرضها حتى غابت الشمس، ولم يصل العصر، وكان مهيباً لا يُبتدأ بشيء حتى يأمر به، فلم يذكر العصر، ولم يكن ذلك عن تخُّيرٍ منه، فلمَّا ذكرها قال: (إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ)؛ يقول: آثرت حُبَّ الخير: يعني الخيل، والعرب تقول للخيل خير. يروى عن علي بن أبي طالب ﵁ في قوله (عَنْ ذِكْرِ رَبِّي) أنّه قال: يعني صلاة العصر، وهو قول قتادة والسُّدِّي، قال الزجاج: أراها صلاةً كانت مفروضة عليه في ذلك الوقت؛ لأنّ صلاة العصر لم تفرض على غير نبينا ﵇. وأضمر (الشمس) في قوله (حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ) أي سترت، ولم يجرِ لها ذكر؛ لأنّه

стр. 352

شيء قد عُرف، كما قال تعالى: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ) يعني: القرآن، ولم يجرِ له ذكر، وقال: (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ) يعني: الأرض، ولم يجرِ لها ذكر. هذا قول جميع النحويين. قال الزجاج: وما أراهم أعملوا الفكر في هذا؛ لأنّ في الكلام ما يقوم مقام ذكر الشمس، وهو قوله: (إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ) فالعثي يدل على معنى الشمس. * * * قوله تعالى: (قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ (٨٤)) قرأ حمزة وعاصم برفع الأول ونصب الثاني، وقرأ الباقون بنصبهما جميعا، وهي قراءة الحسن، والأولى قراءة الأعمش وابن عباس ومجاهد. فمن رفع الأول جعله خبر مبتدأ محذوف، كأنّه قال: أنا الحق، أي: ذو الحق والحقّ أقول. قال الفراء: هو مبتدأ والخبر محذوف، كأنّه قال: فالحقُّ مني، وذكر أنّ مجاهداً قرأ (فَالْحَقُّ مني وَالْحَقَّ أَقُولُ). والأوّل معنى قول ابن عباس قال الفراء: وقد يكون رفعه على تأويل: الحق لأقومن، كما تقول: عزمة صادقة لآتينْك، لأنّ فيه تأويل: عزمة صادقة أنّ آتيك، قال: ومثله (ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ).

стр. 353

ومن نصب فعلى تقدير: فَالْحَقَّ لأملأن، فينصب على المصدر، وإن كان فيه الألف واللام، لأنّه يؤدي عن قولك: حقاً لأملأن، ويكون قوله (وَالْحَقَّ أَقُولُ) اعتراضاً بين الكلامين. ونصب (الحق) الثاني بـ (أَقُولُ) ويجوز رفعه على الابتداء. و (أَقُولُ) الخبر، و (الهاء) محذوفة؛ كأنّه قال: والحقُّ أقوله، كما قال امرؤ القيس: فَلما دَنَوتُ تسديتُها ... فثوبٌ نسيتَ وثوبًا أجُر يروى: فثوبٌ وثوبًا بالرفع والنصب، فالرفع على ما ذكر لك، والنصب على أنّه مفعول مقدم. * * *

стр. 354

وَمِنْ سُورَةِ (الزُّمَر) قوله تعالى: (وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ) الأزواج: الأصناف. ويعني بالأنعام هاهنا: الإبل والبقر والضأن والمعز، من كل صنفٍ اثنين، وهو قول قتادة والضحاك ومجاهد. قال الحسن: أنزل لكم من الأنعام: جعل لكم. وقيل: أنزلها بعد أن خلقها في الجنة. وقيل: الظلمات الثلاث هاهنا: ظلمة ظهر الرجل، وظلمة البطن، وظلمة الرحم، وقيل: بل ظلمة البطن، وظلمة الرحم، وظلمة المشيمة، وهذا قول ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك والسُّدِّي وعبد الرحمن بن زيد. * * * قوله تعالى: (قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ (٦٤)) الألف هاهنا: ألف إنكار. ويسأل عن نصب قوله (أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي)؟

стр. 355

وفيه جوابان: أحدهما: أن يكون منصوباً ب (أَعْبُدُ)، كأنّه قال: أفغير الله أعبد، فيكون (تَأْمُرُونِّي) اعتراضاً. وحقيقته: أفغير الله أعبد فيما تأمرونني أيها الجاهلون. والثاني: أن يكون التقدير: أتأمروني أعبد غير الله أيُّها الجاهلون، فلا يكون (تَأْمُرُونِّي) اعتراضاً،: لكن على التقديم: التأخير. ويُسْأَل عن موضع (أَعْبُدُ) من الإعراب؟ وفيه جوابان: أحدهما: أنّه لا موضع لها من الإعراب؛ وذلك إذا جعلت التقدير: أعبد غير الله فيما تأمروني أيها الجاهلون. والثاني: أن يكون موضعه نصباً على الحال. وذلك إذا لم تجعل (تَأْمُرُونِّي) اعتراضاً، فيكون التقدير: أتأمرونني عابداً غير الله. فخرَّجه مخرج الحال، ومعناه: أنّ أعبد، على تقدير المصدر، والمصدر قد يأتي في موضع الحال، نحو قولك: جئته ركضاً ومشياً وكلمته مشافهة وشفاهاً. وارتفع (أعبدُ) لأنك لما حذفت (أنْ) رجع الفعل إلى أصله، قال طرفة: أَلا أَيُّهَذا الزَّاجِرِي أَحْضُرُ الوغَى ... وأَن أَشْهَدَ اللَّذَّاتِ هَلْ أَنتَ مُخْلدي يريد: أنّ أحضر، فلما حذف (أنّ) ارتفع الفعل، ورواه بعضهم بالنصب على إضمار (أنْ)؛ لأنَّ الثانية تدل عليها.
следующие страницы →