قوله تعالى: (وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ (٣٤))
أي: ابتليناه، وقيل: سُلب ملكه أربعين يوماً. وكان ملكه في خاتمه. فلما أخذه الشيطان رماه في البحر، فوجده سليمان بعد أربعين يوماً في بطن سمكة.
وقيل: كان ذنبه أنّه وطئ في ليلة عدداً كثيرةً من جواريه حرصاً على كثرة الولد.
وقيل: كان ذنبه أنّه وطئ امرأته في الحيض.
وقيل: كانت له امرأة سباها من المغرب، وقتل أباها، فاتخذت صنماً على صورة أبيها، فكانت تسجد له، وكان اتخاذها له بعلم سليمان، فعوقب على تمكينها من ذلك (١).
قال الفراء في قوله: (حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ) يعني: الشمس، كان قد عرض هذا الخيل، وكان غنمها من جيش قاتله، فظفر به، فلما صلى الظهر دعا بها فلم يزل يعرضها حتى غابت الشمس، ولم يصل العصر، وكان مهيباً لا يُبتدأ بشيء حتى يأمر به، فلم يذكر العصر، ولم يكن ذلك عن تخُّيرٍ منه، فلمَّا ذكرها قال: (إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ)؛ يقول: آثرت حُبَّ الخير: يعني الخيل، والعرب تقول للخيل خير.
يروى عن علي بن أبي طالب ﵁ في قوله (عَنْ ذِكْرِ رَبِّي) أنّه قال: يعني صلاة العصر، وهو قول قتادة والسُّدِّي، قال الزجاج: أراها صلاةً كانت مفروضة عليه في ذلك الوقت؛ لأنّ صلاة العصر لم تفرض على غير نبينا ﵇.
وأضمر (الشمس) في قوله (حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ) أي سترت، ولم يجرِ لها ذكر؛ لأنّه
стр. 352
شيء قد عُرف، كما قال تعالى: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ) يعني: القرآن، ولم يجرِ له ذكر، وقال: (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ) يعني: الأرض، ولم يجرِ لها ذكر. هذا قول جميع النحويين.
قال الزجاج: وما أراهم أعملوا الفكر في هذا؛ لأنّ في الكلام ما يقوم مقام ذكر الشمس، وهو قوله: (إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ) فالعثي يدل على معنى الشمس.
* * *
قوله تعالى: (قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ (٨٤))
قرأ حمزة وعاصم برفع الأول ونصب الثاني، وقرأ الباقون بنصبهما جميعا، وهي قراءة الحسن، والأولى قراءة الأعمش وابن عباس ومجاهد.
فمن رفع الأول جعله خبر مبتدأ محذوف، كأنّه قال: أنا الحق، أي: ذو الحق والحقّ أقول. قال الفراء: هو مبتدأ والخبر محذوف، كأنّه قال: فالحقُّ مني، وذكر أنّ مجاهداً قرأ (فَالْحَقُّ مني وَالْحَقَّ أَقُولُ). والأوّل معنى قول ابن عباس قال الفراء: وقد يكون رفعه على تأويل: الحق لأقومن، كما تقول: عزمة صادقة لآتينْك، لأنّ فيه تأويل: عزمة صادقة أنّ آتيك، قال: ومثله (ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ).
стр. 353
ومن نصب فعلى تقدير: فَالْحَقَّ لأملأن، فينصب على المصدر، وإن كان فيه الألف واللام، لأنّه يؤدي عن قولك: حقاً لأملأن، ويكون قوله (وَالْحَقَّ أَقُولُ) اعتراضاً بين الكلامين.
ونصب (الحق) الثاني بـ (أَقُولُ) ويجوز رفعه على الابتداء. و (أَقُولُ) الخبر، و (الهاء) محذوفة؛ كأنّه قال: والحقُّ أقوله، كما قال امرؤ القيس:
فَلما دَنَوتُ تسديتُها ... فثوبٌ نسيتَ وثوبًا أجُر
يروى: فثوبٌ وثوبًا بالرفع والنصب، فالرفع على ما ذكر لك، والنصب على أنّه مفعول مقدم.
* * *
стр. 354
وَمِنْ سُورَةِ (الزُّمَر)
قوله تعالى: (وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ)
الأزواج: الأصناف. ويعني بالأنعام هاهنا: الإبل والبقر والضأن والمعز، من كل صنفٍ اثنين، وهو قول قتادة والضحاك ومجاهد.
قال الحسن: أنزل لكم من الأنعام: جعل لكم.
وقيل: أنزلها بعد أن خلقها في الجنة.
وقيل: الظلمات الثلاث هاهنا: ظلمة ظهر الرجل، وظلمة البطن، وظلمة الرحم، وقيل: بل
ظلمة البطن، وظلمة الرحم، وظلمة المشيمة، وهذا قول ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك والسُّدِّي وعبد الرحمن بن زيد.
* * *
قوله تعالى: (قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ (٦٤))
الألف هاهنا: ألف إنكار.
ويسأل عن نصب قوله (أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي)؟
стр. 355
وفيه جوابان:
أحدهما: أن يكون منصوباً ب (أَعْبُدُ)، كأنّه قال: أفغير الله أعبد، فيكون (تَأْمُرُونِّي) اعتراضاً. وحقيقته: أفغير الله أعبد فيما تأمرونني أيها الجاهلون.
والثاني: أن يكون التقدير: أتأمروني أعبد غير الله أيُّها الجاهلون، فلا يكون (تَأْمُرُونِّي) اعتراضاً،: لكن على التقديم: التأخير.
ويُسْأَل عن موضع (أَعْبُدُ) من الإعراب؟
وفيه جوابان:
أحدهما: أنّه لا موضع لها من الإعراب؛ وذلك إذا جعلت التقدير: أعبد غير الله فيما تأمروني أيها الجاهلون.
والثاني: أن يكون موضعه نصباً على الحال. وذلك إذا لم تجعل (تَأْمُرُونِّي) اعتراضاً، فيكون التقدير: أتأمرونني عابداً غير الله. فخرَّجه مخرج الحال، ومعناه: أنّ أعبد، على تقدير المصدر، والمصدر قد يأتي في موضع الحال، نحو قولك: جئته ركضاً ومشياً وكلمته مشافهة وشفاهاً.
وارتفع (أعبدُ) لأنك لما حذفت (أنْ) رجع الفعل إلى أصله، قال طرفة:
أَلا أَيُّهَذا الزَّاجِرِي أَحْضُرُ الوغَى ... وأَن أَشْهَدَ اللَّذَّاتِ هَلْ أَنتَ مُخْلدي
يريد: أنّ أحضر، فلما حذف (أنّ) ارتفع الفعل، ورواه بعضهم بالنصب على إضمار (أنْ)؛ لأنَّ الثانية تدل عليها.
стр. 356
قوله تعالى: (. . حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا)
يسأل عن دخول هذه (الواو) هاهنا. وعن جواب (إِذَا) من قوله (حَتَّى إِذَا)؟
فذهب المبرد إلى أنّ (الواو) زائدة، والمعنى: حتى إذا جاءوها فُتِحت أبوابها. وكان يُنكر قول من يقول هي (واو الثمانية)، قال: لأنّ هذا غير معروفٍ في كلام العرب. وأنشد:
فلمَّا أَجَزْنا ساحةَ الحيِّ وانتحى ... بنا بَطْنُ حِقْفٍ ذي قِفافٍ عَقَنْقَلِ
قال: المعنى: فلما أجزنا ساحة الحي انتحى.
قال ابن الرماني: جاءت (الواو) هاهنا للتصرف في الكلام. وقال أيضا: جاءت لتدل على
أبواب الجنة الثمانية. وهو قول أكثر المفسرين.
وأكثر النحويين يمنع ذلك.
والجواب على هذا محذوف، والتقدير: حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها وكان كيت وكيت فازوا ونالوا المنى وما أشبه ذلك، وهذا معنى قول الخليل؛ لأنَّه قال في بيت امرئ القيس الذي تقدم ذكره:
الجواب محذوف، والتقدير: فلما أجزنا ساحة الحي خلونا ونعمنا، قال بعض الهذليين:
حتَّى إِذَا أَسْلَكُوهم فِي قُتائِدةٍ، ... شَلًّا كَمَا تَطْردُ الجمَّالةُ الشُّرُدا
فحذف جواب (إذا)؛ لأنَّ هذا البيت آخر القصيدة.
стр. 357
وقيل: (الواو) واو الحال، دخلت لتدل على أنّهم إذا جاءوها وجدوا أبوابها مفتحة، فلم يعقهم عائق عن الدخول، وحُذِفت من الأول، كأن جهنم قد أغلقت، وأقيموا على أبوابها؛ لأنّه أشدّ لخوفهم وفزعهم؛ لأنَّ البلاء توقعه أشد من وقوعه.
* * *
стр. 358
وَمِنْ سُورَةِ الْمُؤْمِنِ (غَافِرٍ)
قوله تعالى: (قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ (١١))
يسأل: عن الإماتة الأولى، والإماتة الثانية، والإحياء الأول: الإحياء الثاني؟
وفيه جوابان:
أحدهما: أنَّ الإماتة الأولى إماتتهم عند خروجهم من الدنيا، والإحياء الأول إحياؤهم بمسألة منكر ونكير. والإماتة الثانية إماتتهم بعد المساءلة، والإحياء الثاني إحياؤهم للبعث يوم القيامة، هذا قول السُّدِّي.
والثاني: أنّ الإماتة الأولى كونهم نطفة، والإحياء الأول إحياؤهم في الدنيا، والإماتة الثانية إماتتهم عند خروجهم من الدنيا، والإحياء الثاني إحياؤهم يوم القيامة.
* * *
قوله تعالى: (وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ (٢٨))
قيل: هذا المؤمن كان إسرائيلياً يكتم إيمانه من آل فرعون، وقيل: كان قبطياً من آل فرعون.
ويُسأَل عن قوله: (أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ) ما علة دخول (أنّ) هاهنا، وما موضعها من الإعراب؟
والجواب: أنها دخلت لتدل على أنّ القتل إنما كان من أجل الإيمان، ولو حذفت لم يدل على هذا، وإنما يدل على قتل رجل مؤمن لا من أجل إيمانه، والتقدير: أتقتلون رجلًا من أجل أن يقول، أي: لأنّ يقول، وتلخيصه من أجل قوله، ولو حذفت (أنّ) كان التقدير: أتقتلون رجلًا قائلًا ربي الله؛ لأنّ (يقول) حينئذٍ نعتٌ لرجل، كما تقول: مررت برجل يأكل، أي: رجلٍ آكلٍ.
стр. 359
وموضع (أنّ) نصب على المفعول له.
وقوله: (يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ) روي عن الخليل أنّ (بعضًا) هاهنا زائدة، والمعنى: يصيبكم الذي يعدكم.
قال بعض المفسرين: (بعض) هاهنا بمعنى: كل، وبه قال ابن قتيبة. وهذان القولان غير مرضيين عند العلماء؛ لأنّ (بعضًا) اسم ولا يصح زيادة الأسماء، وإنما يزاد الحرف في بعض المواضع، و (بعض) ضد كل، فلا يدل على ضدها؛ لأنّ المعاني إن فعل ذلك بها تشكل، قال ابن الرماني: إنما قال (يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ) على المظاهرة بالحجاج، أي: إنه يكفي بعضه فكيف جميعه، وقيل: بعضه في الدنيا، وقيل: كان يتوعدهم بأمور مختلفة، فخوفهم ببعض تلك الأمور.
* * *
стр. 360
وَمِنْ سُورَةِ حم السَّجْدَة (فُصِّلَتْ)
قوله تعالى: (ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا (١١))
قد تقدم في سورة البقرة أنّ السماء قد تقع في معنى الجمع، وهي هاهنا كذلك؛ لقوله تعالى: (فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ) فرد الضمير على الجمع.
جاء في التفسير: أنّه تعالى خلقها أولا دخانا، ثم نقلها إلى حال السماء من الكثافة والالتئام.
وقوله: (ثم استوَى) معناه: قصد، وروي عن الحسن أنّه قال: ثم استوى أمره ولطفه إلى السماء. حدثنا أبو الحسن الحوفي عن أبي بكر الأدفوني حدثنا أبو جعفر أحمد بن محمد النحاس قال: قرئ على إسحاق بن إبراهيم عن هناد بن السري حدثنا أبو بكر بن عياش عن أبي سعيد بن المرزبان عن عكرمة عن ابن عباس قال هناد وقرأته أنا على أبي بكر: أنّ اليهود أتت النبي ﷺ فسألته عن خلق السماوات والأرض؟ - فقال: خلق الله تعالى الأرض يوم الأحد ويوم الإثنين وخلق الجبال وما فيهن يوم الثلاثاء وخلق الشجر والماء والمدائن والعمارات يوم الأربعاء فهذه أربعة أيام، فقال تعالى (قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ)، ثم قال (فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ) ويقول: لمن سأل. وخلق يوم الخميس السماء وخلق يوم الجمعة النجوم والشمس والقمر والملائكة صلوات الله عليهم، إلى ثلاث ساعات بقيت منه، فخلق في أول ساعة من هذه الثلاث الآجال. وفي الثانية ألقى الآفة على كل شيء مما ينفع الناس، وفي الثالثة خلق آدم ﵇، وأسكنه الجنة وأمر الملائكة بالسجود له. وأخرجه منها في آخر ساعة.
قالت اليهود: ثم ماذا يا محمد؟ قال: ثم استوى على العرش، قالوا: قد أصبت لو تَمَّمت ثم
стр. 361
استراح يوم السبت. فغضب النبي ﷺ غضباً شديداً، فنزلت (وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ (٣٨) فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ).
قال أبو جعفر روي عن عطاء عن ابن عباس ﵁: أنّ الله تعالى خلق يومًا واحداً فسماه (الأحد)، ثم خلق ثانياً فسماه (الإثنين) ثم خلق ثالثاً فسماه (الثلاثاء) ثم خلق رابعاً فسماه (الأربعاء) ثم خلق خامساً فسماه (الخميس) ثم جمع الخلق فسماه (يوم الجمعة).
وروى عبد الله بن أبي رافع مولى أم سلمة عن أبي هريرة ﵁ أنّه قال: أخذ النبي صلى الله عليه بيدي فقال: (خلق الله التربة يوم السبت، وخلق الجبال فيها يوم الأحد، وخلق الشجر فيها يوم الإثنين، وخلق المكروه فيها يوم الثلاثاء، وخلق النور فيها يوم الأربعاء، وبث فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم ﵇ بعد العصر في آخر ساعة من ساعات الجمعة فيما بين العصر إلى الليل).
قال أبو جعفر: الحديثان ليسا بمتناقضين؛ لأنا إن عملنا على الحديث الأول فالخلق في ستة أيام، وليس في التنزيل أنّه لا يخلق بعدها شيئًا. فيكون هذا متناقضاً، وإن عملنا على الثاني فليس في التنزيل أنّه لم يخلق قبلها شيئًا.
قال ابن عباس فيما روى عنه أبو مالك وأبو صالح: (ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ) كان ذلك الدخان من تنفس الماء حين تنفس فجعله سماءً واحدةً ثم فتقها فجعلها سبع سماوات في يومين الخميس والجمعة.
قال غيره: قد صح أنّ الله تعالى خلق السماوات والأرض في ستة أيام مقدار كل يوم ألف سنة من أيامِ الدنيا، فكان بين ابتدائه في خلق ذلك وخلق القلم الذي أمره بكتابة ما هو كائن إلى قيام الساعة يوم وهو ألف سنة، فصار ابتداء الخلق إلى الفراغ منه سبعة آلاف سنة.
قال ابن عباس: إقامة الخلق في الأرض سبعة أيام، كما كان الخلق في سبعة أيام، ومدة الدنيا سبعة آلاف سنة.
стр. 362
قال العلماء: نظير خلق الأرض في يومين. ثم لما فيها من تتمة أربعة أيام، قول القائل: خرجت من البصرة إلى بغداد في عشرة أيام ثم إلى الكوفة في خمسة عشر يوماً. أي في تتمة هذا العدد، ولا يريد أنّه سار من بغداد إلى الكوفة في خمسة عشر يوماً، وقد فسَّرنا هذا فيما تقدم بأشبع من هذا.
* * *
قوله تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ (٣٧))
يُسأل عن الضمير في قوله تعالى (الذِى خَلقَهُن) علامَ يعود، وكيف جمع، وإنما تقدم ذكر الشمس والقمر؟
والجواب: أنّ الضمير يعود على الآيات، والمعنى: واسجدوا لله الذي خلقهن، أي: خلق الآيات، وليس يعود الضمير على الشمس والقمر فتجب تثنيته.
* * *
стр. 363
وَمِنْ سُورَةِ حم عسق (الشُّورَى)
قوله تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ (٣٢)
الجواري: السفن، واحدها جارية.
قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو (الجواري) بالياء في الوصل، ووقف ابن كثير وحده على الياء، وقرأ الباقون بحذف الياء في الوصل والوقف.
فإثبات الياء هو الأصل في الوقف، وحذفها على التشبيه بحذفها مع التنوين؛ لأنّ التنوين وحرف التعريف يتعاقبان على الكلمة، فأعطي أحدهما حكم الآخر، فمن أثبتها في الوقف فعلى الأصل. ومن حذفها فعلى التشبيه بما وقف عليه من المنون.
والأعلام: الجبال، واحدها علم، قالت الخنساء.
وإِنْ صَخرًا لتأتمّ الهداةُ بهِ ... كأنّه عَلمٌ فِي رَأسِهِ نارُ
ومعنى يظلن: يدمن ويقمن، يقال: ظل يفعل كذا وكذا. إذا فعله نهاراً، وبات يفعل كذا وكذا، إذا فعله ليلًا.
والرواكد: الثوابت، والإيباق: الإهلاك والإتلاف هذا قول ابن عباس ومجاهد والسُّدِّي.
стр. 364
وقرأ نافع وابن عامر (وَيَعْلَمُ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا)
بالرفع على القطع. وقرأ الباقون (وَيَعْلَمَ) بالنصب على إضمار (أنّ). والكوفيون يقولون: نصب على الصرف، وإنما أضمرت (أنّ) ليكون مع الفعل مصدراً فيعطف على مصدر ما قبله، ومثله قول الشاعر:
لَلُبْسُ عَباءةٍ وتَقَرَّ عَيْني ... أَحَبُّ إليَّ من لُبْسِ الشُّفوفِ
أي: وأن تقرّ عيني، أضمر (أنّ) لأنّ في صدر الكلام مصدر: هو (لُبْس).
* * *
قوله تعالى: (وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا (٥١))
قال الفراء: هذا كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يرى في منامه، ويلهمه يعني " الوحي " قال: (مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ)، كما كلم موسى ﵇، (أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا) مثل ما كان من الملائكة التي تكلم الأنبياء ﵈.
قال غيره: إرسال الرسول أحد أقسام الكلام، كما يقال: عتابك السيف، كأنّه قيل: إلا وحيا أو إرسالًا.
وقيل المعنى؛ إلا أن، كما تقول: لألازمنَّك أو تقضيني حقي، فلا يكون الإرسال على هذا الوجه كلاماً.
стр. 365
قرأ نافع وابن عامر (أَوْ يُرْسِلُ) بالرفع، وهو الوجه على تقدير: أو هو يرسلُ رسولًا. وقرأ الباقون بالنصب على إضمار (أنّ) كأنّه في التقدير: أو أن يرسلَ رسولًا، ولا يجوز أن يكون معطوفاً على (يُكَلِّمَهُ)؛ لأنّ المعنى يصير: وما كان لبشر أن يكلمه الله ولا كان أن يرسل رسولًا، وهذا إبطال النبوة.
* * *
стр. 366
وَمِنْ سُورَةِ (الزُّخْرُف)
قوله تعالى: (وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (٣١)
القريتان هاهنا: مكة والطائف، ويعني بالرجل هاهنا: الوليد بن المغيرة القرشي أو حبيب بن عمرو الثقفي. وهو قول ابن عباس، وقال مجاهد يعني بالرجلين عتبة بن ربيعة من أهل مكة وابن عبد ياليل من أهل الطائف، وقال قتادة: يعني من أهل مكة " الوليد بن المغيرة " ومن أهل الطائف " عروة بن مسعود الثقفي " وقيل: يعني بالذي من الطائف " كنانة بن عمرو "، وهو قول السُّدِّي.
وفي الكلام حذف، والتقدير: لولا أنزل هذا القرآن على أحد رجلين من القريتين عظيم، ولا يجوز أن يكون على غير حذف؛ لأنّ رجلا لا يكون من قريتين، وقيل التقدير: لولا أنزل هذا القرآن على رجل من رجلين من القرية، ثم حذف؛ لأنَّ المعنى مفهوم.
* * *
قوله تعالى: (وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ (٤٥)
الأصل في " سل ": " اسأل " فألقيت حركة الهمزة على السين، وانفتحت السين، فاستغني عن همزة الوصل فبقي " سل "، ومن العرب من يقول " اسأل " على الأصل، ومنهم من ينقل الحركة إلى السين وشرك همزة الوصل على حالها فيقول " اسَال " ومثله في أنّ همزة الوصل دخلت على متحرك " الحَمْرُ " وليس لهما نظير إلا إذا سميت رجلاً بالباء من قولك " اضرب " فإنك تقول هذا " إبٌ " وهو مذهب الخليل، وقال غيره " رِبٌ ".
ومما يسأل عنه أن يقال: من الذي أمر أن يسألهم؟
стр. 367
وفيه جوابان:
أحدهما: قال الضحاك وقتادة يعني به: أهل الكتابين.
والثاني: أنّه يعني به: الأنبياء ﵈ حين جُمِعوا له ليلة الإسراء، وهو قول عبد الرحمن بن زيد.
وفي الكلام على الوجه الأول حذف، والتقدير: وسل أمم من أرسلنا من قبلك، وهو كقوله " وسَل القرية "، وقيل: سلهم وإن كانوا كفاراً فإن تواتر خبرهم تقوم به الحجة.
والآلهة: جمع إله، مثل: إزار وآزرة، وكان المشركون يعظمون الأصنام تعظيم ملوك بني آدم، وكان ذلك التعظيم كالعبادة لها، والمشركون مع ذلك مُقرون أنَّ الله تعالى هو خالقهم ورازقهم، ويدل عليه قوله تعالى: (لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ).
* * *
قوله تعالى: (قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ (٨١)
في (إنْ) هاهنا وجهان:
أحدهما: أن يكون نفياً، كأنّه قال: ما كان للرحمن ولد. ومثله قوله: (وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ) أي: في الذي ما مكناكم.
والوجه الثاني: أنها شرط، والتقدير: (قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ) على زعمكم فأنا أول العابدين.
وقيل في العابدين ثلاثة أقوال:
стр. 368
أحدها: أنّه من العبادة كأنّه قال: فأنا أول من يعبده على أنّ لا ولد له؛ لأنَّ من جعل له ولداً لم يعبده حق العبادة، هذا قول المبرد.
والثاني: أن " عابدين " هاهنا بمعنى " جاحدين "، والمعنى: أنّه لا ولد له على الحقيقة، وإذا كان كذلك وجب أن يُجحد ادعاء من ادعاه وينكر ولا يعتقد.
والثالث: أنّ معنى عابدين هاهنا بمعنى الآنفين، يقال عبدت من كذا أعبد عبداً، قال الشاعر:
أُلا هَزِئتْ أم الوَليدِ وَأصبحت ... لما أبصَرتْ في الرأسِ مني تَعبدُ
وقال الفرزدق:
أُولَئِكَ قومي إن هجَوني هَجَوتُهم ... وَأُعبدُ أنْ يُهجا كُليبَ بِدارِمِ
قال مجاهد المعنى: قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين لله في تكذيبكم، وقال عبد الرحمن ابن زيد وقتادة المعنى: قل ما كان للرحمن ولد، وروي عن ابن عباس فيما روى السُّدِّي أنّ المعنى: قل لو كان للرحمن ولد لكنت أول من عبده بأنّ له ولدا. ولكن لا ولد له.
والرحمن: اسمٌ ممنوع، ومعنى ممنوع: أنّه لا يُسمى به غير الله تعالى، وقيل: إنَّ الجاهلية لم تكن تعرفه. فلمَّا نزل قالوا: لا نعرف هذا الاسم، وقيل: إنه لما نزل قالوا: لا نعرف (الرحمن) إلا هذا الذي باليمامة، وقد جاء في الشعر الجاهلي، قال الشاعر وهو " سلامة بن جندل ":
عَجِلتُم عَلينا حُجتينِ عليكُمُ ... وَمَا يشأ الرحمنُ يُعقَدِ ويُطلقِ
стр. 369
قوله تعالى: (وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٥) وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٨٦) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (٨٧) وَقِيلِهِ يَا رَبِّ إِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ لَا يُؤْمِنُونَ (٨٨))
الساعة هاهنا: القيامة.
ومعنى (إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ) أي: إلا من شهد بأنّه أهل العفو عنه.
ومعنى قوله (الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ) أي: يدعون إلهًا، إلا أنّه حذف.
قرأ عاصم (وَقِيلِهِ يَا رَبِّ) وكذلك قرأ حمزة، وهي قراءة السُّلمي وبعض أصحاب عبد الله بن مسعود، وقرأ أهل المدينة (وقِيلَهُ) بالنصب، وهي قراءة الحسن أيضاً، وروي عن الأعمش أو غيره (وقيلُهُ) بالرفع.
فمن جرّ عطفه على " الساعةِ " كأنّه قال: وعنده علم الساعة وعلم قِيلِهِ يَا رَبِّ، وقيل: ويجوز أن يكون معطوفاً على " الْحَقِّ " من قوله: (إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ) (وَقِيلِهِ).
ومن نصب أضمر فعلًا تقديره: ويعلم قِيلَهَ يا رب. وهو اختيار أبي إسحاق، وقال الفراء: كأنّه قال: وشكى شكواه إلى ربه، قال: وهي فى إحدى القراءتين، قال: ويجوز نصبه على قوله: (نَسْمَعُ سِرَّهُمْ) (وَقِيلَهُ)، وقال الرماني التقدير: إلا من شهد بالحق وقال قِيلَهُ يا رب إنَّ هَؤُلَاءِ قوم لا يؤمنون، على جهة الإنكار عليهم، ويجوز أن يكون معطوفاً على موضع الساعة؛ لأنّ معنى قوله (وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ)، وَيَعلمُ السَاعةَ، والساعة مفعولة وليست ظرفاً؛ لأنّ الله تعالى لا يعلم في ساعة دون ساعة تعالى عن ذلك.
стр. 370
وأما الرفع فعلى أنّه معطوف على (علم الساعة) والمعنى: وعنده علمُ الساعة وقيلُه، أي: وعنده قيلُه.
قال مجاهد: ولا تشفع الملائكة وعيسى وعزير ﵈ إلا من شهد بالحق، وهو يعلم الحق، وقال قتادة: إلا من شهد بالحق الملائكة وعيسى وعزير عند الله شهادةً بالحق.
* * *
стр. 371
وَمِنْ سُورَةِ (الدُّخَان)
قوله تعالى: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (٣) فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (٤)
أي: أنزلنا القرآن، والليلة المباركة: ليلة القدر، وهو قول قتادة وعبد الرحمن بن زيد، قالوا: أُنزل القرآن جملةً واحدةً إلى بيت العزة في السماء الدنيا، ثم نزل على النبي ﷺ نجوماً في نيْفٍ وعشرين سنة، وقال عكرمة: الليلة المباركة: ليلة النصف من شعبان، وقيل: الليلة المباركة: في جميع شهر رمضان؛ تقسم فيها الآجال والأرزاق وغيرهما من الألطاف، وهو قول الحسن.
وسميت " مباركة " لأنها يقسم فيها أرزاق العباد من السنة إلى السنة. وقيل في (أنزلناه) أي: ابتدأنا إنزاله.
ويُسأَل عن نصب قوله (أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا)؟
وفيه وجهان:
أحدهما: أن يكون مصدراً، أي: أمرُنا أمراً؛ لأنّ معنى (فِيهَا يُفْرَقُ) كمعنى (فيها يؤمر) فدل يُفْرَقُ على يؤمر.
والقول الثاني: أنّه منصوب على الحال على أحد وجهين: إما أن يكون على تقدير: ذا أمر، ثم حذف، كما قال (ولكنَّ البِرّ). أو يكون وضع المصدر موضع الحال كما يقال: جاء مشياً وركضاً،
стр. 372
أي: ماشياً وراكضاً.
* * *
قوله تعالى: (فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ (٢٩))
يقال ما معنى (فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ)؟
وفيه ثلاثة أجوبة:
أحدها: أنّ المعنى: أهل السماء والأرض؛ لأنهم يسخط الله تعالى عليهم في مكان خزي.
والثاني: أنّ المعنى: لو كانت السماء والأرض ممن يبكي على أحدٍ لم تبكِ على هَؤُلَاءِ؛ لأنَّهم عصاة مجرمون.
والثالث: أنّ المعنى: أنّه لم تبكِ عليهم كما تبكي على المؤمن إذا مات مصلاهُ ومصعدُ عمله، وهذا قول ابن عباس وسعيد بن جبير، والأوّل قول الحسن.
* * *
قوله تعالى: (ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (٤٩))
يسأل عن معنى (الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ) هاهنا؟
وفيه جوابان:
أحدهما: أن يكون على طريق النقيض، المعنى: ذق إنك أنت الذليل المهين، إلا أنّه جاء على جهة الاستخفاف، وهذا في الكلام مستعمل يقول الرجل للرجل يستجهله ويستحمقه: ما أنت إلا عاقل.
стр. 373
والثاني: ذق العذاب إنك أنت العزيز في قومك الكريم عليهم، وما أغنى عنك ذلك شيئًا.
قال قتادة: نزلت في أبي جهل، وذلك أنّه كان يقول: أنا أعز مَن بها وأكرم، فقيل له: أأنت الذي كنت تقول ذلك في قومك وتطلب العزَّ والكرم بمعصية الله، ذق هذا العذاب.
ومما جاء على طريق النقيض قوله تعالى: (إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ) قيل معناه: أنت السفيه الغوي؛ لأنهم إنما قالوا ذلك على طريق الاستخفاف به. قال الحسن المعنى: ذق إنك أنت العزيز الكريم عند نفسك، والمعني به أبو جهل.
ويجوز في قوله (أنت) وجهان:
أحدهما: أن يكون توكيداً للكاف. و (العزيز) خبر (إنّ).
والثاني: أن يكون (أنت) مبتدأ، و (العزيز) خبره، والجملة خبر (إنَّ).
* * *
قوله تعالى: (لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٥٦))
يقال: لم استثنى هاهنا الموتة الأولى، وهي قد انقضت؟
والجواب: أنّه استثنى من غير الجنس، والتقدير على مذهب سيبويه: لكن الموتة الأولى، ومثله: ما زاد إلا ما نقص، أي: لكن نقص.
قال الفراء: " إلا " هاهنا بمعنى " سوى " والتقدير: سوى الموتةِ الأولى، ومثله:
стр. 374
(وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ).
وقال غيره: " إلا " بمعنى " بعد " والتقدير: بعد الموتة الأولى، وإنما جاز أن تقع " إلا " موقع " بعد "؛ لأنَّ " إلا " لإخراج بعضٍ من كل، و " بعد " لإخراج الثاني عن الوقت الأول.
والموتة: المرة الواحدة من الموت، والميتة الموت. والميتة - بفتح الميم - الميتة، وكثير من المحدثين يغلط في مثل هذا فيقول في (البحر): هو الطهور ماؤه والحل ميتته - بكسر الميم - والصواب فتحها.
* * *
стр. 375
وَمِنْ سُورَةِ (الْجَاثِيةِ)
قوله تعالى: (إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ (٣) وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٤) وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٥)
يقال: ما الآيات في السماء والأرض؟
والجواب: الدلائل، وهي من وجوهٍ كثيرة:
منها - أنّه يدل خلقها على خالقٍ لها؛ لأنَّه لا يكون بناء بغير بانٍ.
ومنها - أنها أعظم الخلق.
ومنها - أنها محكمة على اتساقٍ ونظامٍ، وهذا يدل على أنّ صانعها واحدٍ، وعلى أنّه قديم؛ لأنَّه صانع غير مصنوع.
ومنها - أنها ممسكة مع عظمها وثقل جرمها بغير عمد. . . إلى أشباه ذلك
ويسأل: عن الآيات في خلق الإنسان؟
والجواب: أنها من وجوه:
منها - خلق الإنسان على ما هو به من وضع كل شيء في موضعه لا يصلح له، وذلك يقتضي أنّ الصانع عالم بموضع المصلحة.
ومنها - جعل الحواس الخمس على الهيئة التي تصلح لها.
ومنها - آلة مطعمه ومشربه، ومآل ذلك، كل هذا في تدبيرٍ محكم.
стр. 376
قرأ الكسائي وحمزة (آياتٍ) بالكسر، وقرأ الباقون بالرفع في الثانية والثالثة،
فمن كسر
(التاء) جعل (الآيات) في موضع نصب على التكرير للتوكيد، والعرب تؤكد بتكرير اللفظ (، نحو قولك: رأيت زيداً زيداً، ومثله قول الراجز:
لقَائِل يَا نَصْر نَصرًا نَصرَا
هذا مذهب حذاق النحويين، وقال الأخفش: هو عطف على عاملين. كأنّه قال: إنَّ في السماوات والأرض لآيات وفى خلقكم آياتٍ، فعطف على (إن) و (في) وأنشد:
سَألتُ الفَتَى المكيّ ذا العلم ... ما الذي يحلُّ مِنَ التَّقبيلِ في رَمضَانِ
فقالَ ليَ المكيُّ أمَّا لزوجةٍ ... فسبعَ وأمَّا خُلةٍ فثمانِ
فعطف (خلةً) على زوجةٍ، و (ثمانياً) على سبع. وأنشد سيبويه:
أكلَّ امرئ تحسبين امرأً ... ونارٍ توقَّدُ بالليل ناراً
فعطف (ناراً) الأولى على (امرئٍ) الأول، وعطف (ناراً) الثانية على (امرئٍ) الثاني، ومثل ذلك:
هَوَنْ عَليكَ فَإن الأمورَ ... بكفّ الإلهِ مَقَادِيرها
فَليسَ بآتيكَ منهيُّها ... ولا قاصرٌ عَنْكَ مأمُورُها
стр. 377
والعطف على عاملين عند البصريين لا يجوز؛ لا تقول: في الدار زيد، والسوق عمرو، وأنت تريد: وفي السوق عمرو؛ لأنّ حرف الجرّ ضعيف، فلا يعمل بعد الفصل بالأجنبي.
وأما من رفع فإنّه جعل (الآيات) الثانية رفعاً بالابتداء والخبر المجرور الذي هو (وَفِي خَلْقِكُمْ)، وجعل (الآيات) الثالثة تكريرًا للثانية، قال الفراء: العرب تقول: إنّ لي عليك مالًا وعلى أخيك مالٌ كثير، فينصبون الثاني ويرفعونها وأجاز الفراء رفع (الآيات) وفيها " اللام " وأنشد قال: أنشدنا الكسائي:
إن الخِلافَةَ بَعدَهُم لذَمِيمَةً ... وَخَلائفَ طرف لما أحقرُ
وذكر أنَّ أبيًّا قرأ (وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ لَآيَاتٌ)، وكذلك في الثالثة. وأجاز الكسائي: في الدار لزيدٌ، والبصريون لا يجيزون ذلك.
* * *
стр. 378
وَمِنْ سُورَةِ (الْأَحْقَافِ)
قوله تعالى: (فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا (٢٤))
العارض: الدفعة من المطر هاهنا، وأصل العارض: الماء ولا يلبث. ومنه قيل: الدنيا عرضٌ، ولذلك قالوا لخلاف الجوهر عرض؛ لقلة بقائه. وقيل: سمي السحاب عارضاً لأخذه في عرض السماء قال الأعشى:
يَا مَن يَرَى عَارِضًا قَد بتُّ أرقُبُهُ ... كأنَّمَا البَرقُ في حَافَاتهِ الشُّعَلُ
والضمير يعود على العذاب، أي: فلمّا رأوا العذاب الذي تقدم ذكره معترضاً مستقبل أوديتهم ظنّوه مطرًا.
وقوله: (مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ) نكرة، وإن كان بلفظ المعرفة؛ لأنَّ الانفصال مقدّرٌ فيه، والمعنى: فلمَّا رأوه مستقبلًا أوديتهم. وكذلك، (ممطرنا) إنما معناه: ممطر لنا، واسم الفاعل إذا كان بمعنى الحال والاستقبال كان الانفصال مقدرًا فيه، نحو قولك: هذا ضاربُ زيد غداً، وشاتم عمر الساعة، والمعنى سيضربه وهو يشتمه، وعليه قوله تعالى: (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ)، وقوله: (هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ)، قال جرير:
стр. 379
يَا رُبَّ غَابِطنَا لو كانَ يطلبُكُم ... لاقَى مُبَاعَدَةً مِنكُم وحِرمانا
يريد: يا رب غابط لنا؛ لأنَّ (رُبَّ) لا تدخل على معرفة، وإنما تدخل على النكرة وكذلك (كل).
* * *
قوله تعالى: (وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (٢٩))
يسأل: عن معنى (وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا)؟
وفيه جوابان:
أحدهما: أنّ المعنى: صرفناهم بالرجم بالشهب، فقالوا إنّ هذا لأمرٍ كبيرٍ، هذا قول ابن عباس وسعيد بن جبير.
والثاني: أنّ المعنى عدلنا بهم إليك.
وقيل: صُرفوا بالتوفيق.
قال ابن عباس: كانوا سبعة نفرٍ، وقال ذرٌّ بن حبيش: كانوا تسعة نفر.
قال ابن عباس: كانوا من أهل نصيبين، وقال قتادة: صرفوا إليه من (نينوى) وهي مدينة يونس ﵇.
* * *
стр. 380
وَمِنْ سُورَةِ (مُحَمَّدٍ) ﷺ
قوله تعالى: (وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ (٦))
يُسأل عن معنى (عَرَّفَهَا لَهُمْ)؟
وفيه جوابان:
أحدهما: أنّه تعالى عرَّفها لهم. فوصفها على ما يشوق إليهات ليعلموا ما يستوجبون بأعمالهم من الثواب، وما يحرمون بارتكاب المعاصي.
والثاني: أنَّ المعنى: طيَّبها لهم بضروب الملاذ من (العَرْف) والعَرْف: الرائحة الطيبة التي تتقبلها النفس تقبل ما تعرفه ولا تنكره.
وقيل: طبقات الجنة أربع: طبقة نعيم وهي أعلاها، وهي طبقة النبيين، ثم طبقة نعيم للمؤمنين المجاوزين بأعمالهم، ثم طبقة نعيم للمعوضين من غيرهم، ثم طبقة نعيم للمنتدين بالتفضل عليهم. وللطبقات تفاوت، والمراتب لا تتفاوت. كما قال تعالى: (لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ)، وقال: (أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى).
* * *
قوله تعالى: (فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ (١٨))
يسأل عن موضع (ذكراهم) من الإعراب؟
стр. 381
والجواب: أنّ موضعها رفع، والتقدير: فَأَنَّى لهم ذكراهم إذا جاءتهم الساعة.
وأنى: بمعنى " من أين لهم " ومثل (فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ) قوله تعالى: (يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى)، أي: ليس ينفعه ذكره ولا ندامته.
* * *
قوله تعالى: (طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ)
يسأل عن معنى قوله: (طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ)، وبمَ ارتفع؟
وفيه وجهان:
أحدهما: أن يكون المعنى: قولوا أمرنا طاعةٌ وقولٌ معروف، قال مجاهد: أمر الله تعالى بذلك المنافقين، وقال غيره: هو حكاية عنهم يقولون: طاعة وقول معروف قبل فرض الجهاد؛ لأنَّ نقيضه قوله (فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ).
والثاني: أنّ المعنى طاعة وقول معروف أمثل وأليق من أحوال هؤلاء المنافقين.
وقيل: المعنى: طاعة وقول معروف خير لهم من جزعهم عند نزول فرض الجهاد وهو قول الحسن.
و (طَاعَةٌ) على القول الأول خبر مبتدأ محذوف. وعلى القول الثاني مبتدأ محذوف الخبر.
* * *
стр. 382
وَمِنْ سُورَةِ (الْفَتْحِ)
قوله تعالى: (وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ)
قال قتادة: لولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات بمكة.
قال ابن زيد: المعرّة: الإثم، وقال: ابن إسحاق: غُرم الدية وكفارة قتل الخطأ عتق رقبة مؤمنة، ومن لم يطق فصيام شهرين، قال: وهي كفارة الخطأ في الحرب، قال الفراء: كان بمكة مسلمون من الرجال والنساء فقال الله تعالى: لولا أن تقتلوهم وأنتم لا تعرفونهم فتصييكم منهم معرة، يعني: الدية، ثم قال (لَوْ تَزَيَّلُوا) أي: لو خلص الكفار من المؤمنين لأنزل الله بهم القتل والعذاب.
ومما يسأل عنه أن يقال: ما موضع قوله تعالى: (أَنْ تَطَئُوهُمْ)؟
وفيه جوابان:
أحدهما: أنّ موضع (أنّ) رفع على البدل من رجال في قوله (وَلَوْلَا رِجَالٌ) والتقدير: ولولا وطئ رجالٍ ونساء، أي: قتلهم، وهو بدل الاشتمال، ومثله: نفعني عبدُ الله علمُه، وأعجبتني الجاريةُ حسنُها، ومثله (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ)، ومثل ذلك قول الأعشى:
стр. 383
لقد كَان في حَولٍ ثَواءٍ ثَوَيتُه ... تُقَضي لبانات ويسأم سائمُ
أي: في ثواء حولٍ.
والثاني: أن يكون موضعها نصبًا على البدل من (الهاء والميم) في (تعلموهم)، والتقدير: ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموا أن تطؤوهم، أي: لم تعلموا وطأهم، وهو بدل الاشتمال أيضًا.
* * *
قوله تعالى: (لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ)
يسأل عن الاستثناء في قوله (إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ) كذا يسميه المفسرون والفقهاء، وهو في الحقيقة شرط؟
وفيه أجوبة:
أحدها: أنّه تأديبٌ من الله تعالى ليتأدب الخلق بذلك، فيقولوا: سأفعل ذلك إن شاء الله.
والثاني: أنّه تقييدٌ لدخول الجميع أو البعض، وهو قول علي بن عيسى.
والثالث: أنّه على التقديم والتأخير، والمعنى: لتدخلن المسجد الحرام آمنين إن شاء الله، والاستثناء واقعٌ على دخولهم آمنين.
فهذه ثلاثة أقوالٍ للبصريين، وقال بعض الكوفيين (إنْ) بمعنى (إذ) والمعنى: إذ شاء الله،
стр. 384
ولا يجوز هذا عند أهل البصرة.
* * *
قوله تعالى (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى (٢٩))
الشطأ: فراخ الزرع التي تخرج من جوانبه، ومنه شاطئ النهر، أي جانبه، وأشطأ الزرع فهو مشطئٌ.
وآزره: عاونه، واستغلظ: طلب الغِلْظ، والسوق: جمع ساق، وساق الشجرة حاملتها.
وقيل (سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ): علامة نورٍ تُجعل في وجوههم يوم القيامة، وهو قول ابن عباس والحسن وعطية. وقال مجاهد: علامتهم في الدنيا من أثر الخشوع.
* * *
فصل:
ومما يسأل عنه أن يقال ما معنى قوله: (ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ)؟
وفيه جوابان:
أحدهما: أنّ هذه الصفات التي تقدمت مثلهم في التوراة، تم الكلام، ثم قال: ومثلهم في الإنجيل كزرع من صفته كيت وكيت.
стр. 385
والثاني: أنّ المعنى: أنّ صفته في التوراة: الإنجيل الصفة التي تقدمت.
فعلى القول الأول يكون الوقف على (التوراة)، وعلى القول الثاني يكون الوقف على (الإنجيل)، والإشارة بذلك إلى الوصف المتقدم ذكره.
* * *
стр. 386
وَمِنْ سُورَةِ (الْحُجُرَاتِ)
قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (٤))
جاء في التفسير: أنّ أعراباً جفاةً جاءوا، فجعلوا ينادون من وراء الحجرات: يا محمد، اُخرج إلينا، وهو قول قتادة ومجاهد وكانوا من بني تميم.
قال الفراء: أتاه وفد بني تميم، وهو نائم في الظهيرة، فجعلوا ينادون: اخرج إلينا يا محمد، فاستيقظ، فخرج إليهم، ونزل: (إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ)، ثم أذن لهم بعد ذلك، وقام شاعرهم وشاعر المسلمين وخطيبهم وخطيب المسلمين فَعَلت أصواتهم بالتفاخر، فنزلت: (لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ).
وقيل: نزلت في قومٍ كانوا يسبقون النبي ﷺ بالقول إذا سُئل عن شيء.
والحجرات: جمع حجرة، وفيها ثلاث لغات: حُجُرات - بضمتين - وحُجَرات - بفتح الجيم - وحُجْرات - بإسكانها، والأولى أفصح، قال الشاعر:
أمَا كَانَ عَبَّاد كفيًّا لدارهم ... بَلى ولأبياتٍ بِهَا الحُجُراتُ
* * *
قوله تعالى: (وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ (٧))
يسأل عن قوله (لَوْ يُطِيعُكُمْ) في صفة النبي ﷺ ؟
والجواب: أنّه على طريق المجاز. لأنّ حقيقة الطاعة: موافقة الداعي الأجلِّ فيما دعا إليه من الأدون، ولا يجوز أن يقال: إن الله تعالى يطيع العبد، كما لا يجوز أن يقال: إنّ العبد أمر ربه ونهاه، ولكن
стр. 387
دعاه فأجابه، فكأنّ الطاعة هاهنا: الإجابة لما سألوا منه.
والعنت: المعاندة.
ويُسأل عن خبر (أنَّ)؟
والجواب: أنَّ النحويين يجعلونه في الظرف الذي هو (فيكم)، وهذا القول فيه نظر؛ لأنَّ حق الخبر أن يكون مفيداً، ولا يجوز: النار حارة؛ لأنَّه لا فائدة في الكلام، ومجاز هذا القول أنّه على طريق التنبيه
لهم على مكان رسول الله ﷺ ، كما يقول القائل للرجل يريد أن ينبهه على شيء: فلانٌ حاضر، والمخاطب يعلم ذلك، فهذا وجه.
والوجه عندي: أن يكون الخبر في قوله (لعنتم)؛ لأنّ الفائدة واقعة به، والمعنى: واعلموا أنّ رسول الله لو يطيعكم لعنتنم، كما تقول: إنّ زيدًا لو أكرمته لقصدك، وما أشبه ذلك.
* * *
стр. 388
وَمِنْ سُورَةِ (ق)
قوله تعالى: (ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (١) بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ (٢) أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ (٣))
قد تقدم في صدر الكتاب ما قيل في فواتح السور، ومما لم نذكره هنالك بعض ما قيل في (ق):
قيل: (ق) جبلٌ محيطٌ بالدنيا، وقد ذكرنا قول الحسن: أنّه اسمٌ للسورة، وقيل معناه: قضي الأمر؛ وكذا قيل في (حم): حُمْ الأمر، أي: دنا، قال الفراء: هو قسم أقسم به.
والمجيد: العظيم الكريم، يقال: مَجَد الرجل، ومَجُد، إذا عظم وكرُم، وقيل: إذا عظم كرمه، والأصل من مَجَدتِ الإبل مجوداً إذا عظمت بطونها لكثرة أكلها من الربيع.
* * *
فصل:
ومما يسأل عنه أن يقال: أين جواب القسم؟
والجواب عن ذلك: أنّه محذوف. والتقدير فيه: قاف والقرآن المجيد ليُبعثُنَّ، ويدل عليه قوله: (أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا).
وكذا جواب (إذا) محذوف، وتقديره: أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا بُعثنا أو رُجعنا، ويدل عليه قوله: (ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ)، أي: أمرٌ لا يُنال، وهو جحد منهم، كما تقول للرجل يخطئ في المسألة: لقد ذهبت مذهباً بعيداً من الصواب، أي: أخطأت.
стр. 389
ويقال: عجيب وعُجاب وعُجَّاب، وهذه أبنية للمبالغة، ومثله كبير وكُبَّار وكُثَّار، وله نظائر.
* * *
قوله تعالى: (إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (١٧))
يسأل عن توحيد (قَعِيدٌ)؟
وعنه جوابان:
أحدهما: أنّه واحدٌ يراد به الجمع، قال الفراء: حدثني حبان عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس في قوله (قعيد قال: يريد قعوداً عن اليمين وعن الشمال. وهذا كما تقول: أنتم صديقٌ لي، وكما قالوا (رسولٌ) في معنى (رسل)، قال الهذلي:
أَلِكْني إليها وخَيْرُ الرَّسُولِ ... أَعْلَمُهم بِنُوَاحِي الخَبَرْ
فجعل (الرسول) في معنى (الرسل)، والعلة في هذا: أنّ (فعيلا) و (فعولاً) من أبنية المصادر نحو: الزئير والدوي والقبول والولوع، والمصدر يقع بلفظ الواحد، ويراد به التثنية والجمع؛ لأنّه جنس، والجنس يدل واحده على ما هو أكثر منه.
والجواب الثاني: أن يكون المعنى: عن اليمين قعيد وعن الشمال قعيد، ثم حذف اكتفاء بأحد الاسمين عن الثاني؛ لأنّ المعنى مفهوم، قال الشاعر:
نحنُ بِما عِنْدَنا وأنتَ بِمَا ... عِندِكَ راضٍ والرأيُ مختلفُ
стр. 390
والمعنى: نحن بما عندنا راضون، وأنت بما عندك راضٍ. فحذف، وقال الفرزدق:
إني ضَمنتُ لِمَن أتَاني راجيًا ... وَأُبِي، وكانَ وكنتُ غَيرَ غَدورِ
يريد: وكان أبي غير غدور، فحذف، ولم يقل: وكنا غير غدوين، ومثله:
رَمَاني بأَمرٍ كنتُ مِنْهُ وَوَالِدِي ... بَرِيًّا وَمِنْ أجلِ الطُّوِيِّ رَماني
ولم يقل: بريئين، ومثله: (وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يَرْضُوهُ). وقوله (وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً)، وقد ذكرنا ذلك فيما تقدم.
قال مجاهد: القعيد: الرصد، وقال أيضاً: عن اليمين ملك يكتب الحسنات وعن الشمال ملك يكتب السيئات، وهو قول الحسن. وزاد الحسن: حتى إذا مات طُويت صحيفة عمله، وقيل له يوم القيامة (اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا)، ثم قال: عدل والله من جعله حسيب نفسه.
* * *
قوله تعالى: (أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ (٢٤))
جهنم: اسم أعجمي لا ينصرف للتعريف والعجمة، وقيل: هو عربي، وأصله من قولهم: بئر جهنام إذا كانت بعيدة القعر، فلم ينصرف في هذا الوجه للتعريف والتأنيث.
وسأل عن التثنية في قوله (ألقيا)؟
وفيها خمسة أجوبة: