← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 36506

إعراب القرآن - إسماعيل الأصبهاني

إسماعيل التيمي الأصبهاني

Полный текст (567 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

من الشيء، نحو قوله تعالى (وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ)، وقد عُلم أنّ المعنى: وأوتيت من كل شيء يؤتاه الملوك، ولم يرد جمع الأشياء، قال: وأما احتجاجه بقوله تعالى (إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ) فإنَّ الجنَّ جنس من الملائكة، وقيل يقع الجنُّ على جميع الملائكة؛ لاجتنانها عن العيون، قال أعشى قيس بن ثعلبة: لو كانَ شيءٌ خالداً أو معمراً ... لكان سليمانَ البريُّ من الدَّهرِ براه إلهي واصطفاه عبادُهُ ... ملَّكه ما بين نوبَا إلى مِصْرِ وسَخّر منْ جِنَّ الملائك تسعةً ... قياما لديه يعملون بلا أجرِ وقال الله تعالى: (وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا)، وقال: (وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ)، فالجنة هاهنا الملائكة بلا خلاف؛ لأنَّ قريشا قالت: الملائكة بنات الله، فردَّ الله عليهم، وأما قوله: إنَّ لإبليس نسلاً وذريةً، والملائكة ليست كذلك، فلا دليل فيه؛ لأنَّ الله تعالى لما أهبطه إلى الأرض ولعنه تغيَّرت حاله عن حال الملائكة، فإذا كان كذلك لم تصح الدلالة بذلك، وأما قوله: إنه مخلوقٌ من النار والملائكة خُلقوا من الريح. فقال الحسن: الملائكة خلقوا من النور، والنار والنور سواء، وقوله: الملائكة لا يطعمون ولا يشربون، والجن يطعمون ويشربون. فقد جاء عن العرب ما يدل على أنّهم لا يطعمون ولا يشربون، أنشد أبو القاسم الزجاجي قال أنشدنا ابن دريد قال أنشدنا أبو حاتم: ونارٍ قد خضأتُ بُعيدَ وَهنٍ ... بدارٍ ما أريدُ بها مُقَامَا سِوَى تَرْحِيلِ راحلةٍ وعَينٍ ... أُكالئُها مَخافَةً أَن تَنامَا أتَوا نَاري فقلتُ: منُونَ أنتم ... فقالوا: الجنُّ قلتُ عِمواً ظلاما فَقُلتُ إلى الطعام، فقالَ منهم ... زعيمَ يحسدُ الإنسَ الطعاما لقد فُضلتُمُ بالأكل فينا ... ولكنْ ذلك يُعقبكمُ سقاما

стр. 37

فهذا يدل على أنّهم لا يأكلون ولا يشربون؛ لأنَّهم روحانيون، وجاء في بعض الأخبار النهي عن التمسح بالعظم والروث، قال: لأنّ ذلك طعام الجن وطعام دوابهم، فإن صح ذلك، فلأنهم لما سكنوا الأرض خالفوا حكم الملائكة؛ لأنَّهم خرجوا من جملتهم بمعصية إبليس، وقد قيل في تأويل الحديث: إنهم يتشممون ذلك ولا يأكلونه. والقول الأول قول الحسن، والثاني قول الجمهور من العلماء، روي عن ابن عباس القولان جميعاً، وروي عن ابن مسعود قال: كانت الملائكة تقاتل الجن، فسُبي إبليسُ وكان صغيراً، وكان مع الملائكة، فتُعبد معها بالأمر بالسجود، فلذلك قال الله تعالى (إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ). ويسأل عن سجود الملائكة لآدم على أيّ وجهٍ كان؟ وفيه جوابان: أحدهما: أنّه كان على وجه التحية لآدم والتكرمة. والعبادة لله تعالى لا لآدم وهو قول قتادة. والثاني: أنّه كان على معنى القِبلة، كما أمروا بالسجود إلى القبلة والوجه الأول أبين. * * * فصل: ويسأل عن قوله (وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ) ما معنى (كان)؟ الجواب: أنّ بعضهم قال المعنى: وصار من الكافرين، وقيل: كان في علم الله من الكافرين، وقال بعضهم: كان كافرًا في الأصل. * * * فصل: قوله (وَإذْ قُلنا) في موضع نصب؛ لأنَّها معطوفة على (إذ) الأولى، كأنّه قال: واذكر إذ قال

стр. 38

ربُّك للملائكة. وقال أبو عبيدة: لا موضع لها، وقد نبهنا على فساد هذا فيما تقدم. و (إبليس): اسم أعجمي لا ينصرف في المعرفة للتعريف والعجمة: قال الزجاج وغيره من النحويين: هو اسم أعجمي معرّب، واستدلوا على ذلك بامتناع صرفه، وذهب قوم إلى أنّه عربي مشتق من (الإبلاس)، وأنشدوا للعجاج: يَا صاحِ هَلْ تَعْرِفُ رَسْماً مُكْرَسا ... قَالَ نَعَمْ أَعْرِفُهُ وأَبْلَسا وقال رؤبة: وحَضَرَتْ يومَ خَمِيسٍ الأَخْماسْ ... وَفِي الوجوهِ صُفْرَةٌ وإِبْلاسْ أي اكتئابٌ وكسوف، وزعموا أنّه لم ينصرف استثقالا له، لأنَّه اسمٌ لا نظير له من أسماء العرب، فشبهته العربُ بأسماء العجم التي لا تنصرف، وزعموا أنّ (إسحاق) الذي لا ينصرف من: أسحقه الله إسحاقاً، وأنّ (أيوب) من آب يؤوب، وأنَّ (إدريس) من الدرس. . في أشباهٍ ذلك.

стр. 39

وغلطوا في ذلك؛ لأنّ هذه ألفاظ معرَّبة وافقت ألفاظ العربية. وكان أبو بكر بن السراج يمثّل ذلك على جهة التبعيد بمن يقول: إنّ الطير ولدُ الحوت، وغلطوا أيضا في أنّه لا نظير له في أسماء العرب: العرب تقول (إزميل) اسمًا للشفرة، قال الشاعر: هُم مَنَعوا الشَيخَ المافيّ بعدما ... رأى حُمَة الإزميل فوق البراجمِ وقالوا: إغريض للطلع: وإخريط لصبغٍ بعينه أحمر، ويقال: هو العصفر قال الراجز: مُلتَهِبُ تَلهبَ الإحريضِ وقالوا سيف إصليت ماض كثير الماء، وقال الراجز: كأنَّني سيفٌ بها إصْليتُ وقالوا ثوبٌ إضريج أي: مشبع الصبغ، وقالوا من الصفرة خاصة. قال النابغة: تُحيّيهم بيضُ الولائدِ بينهُم ... وأَكْسِيةُ الإِضْريجِ فَوْقَ المَشاجِبِ وهذا كثير، وإنما أوردنا هذه الأشياء لزعمهم أنّه لا نظير له. و (إبليس) نصب على الاستثناء المتصل في مذهب من جعله من الملائكة، وعلى الاستثناء المنقطع في مذهب من جعله من غير الملائكة.

стр. 40

قوله تعالى: (وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ) يسأل ما معنى قوله تعالى (وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ)؟ والجواب: أنّ المعنى ولا تكونوا أوّل كافر بالقرآن من أهل الكتاب، وقد كانت قريش كفرت به بمكة وقيل المعنى: ولا تكونوا السابقين إلى الكفر فيتبعكم الناس، أي لا تكونوا أئمة في الكفر به. وقيل المعنى: ولا تكونوا أوّل جاحدٍ أنّ صفة النبي في كتابكم. والهاء في (به) على هذا القول تعود على النبي ﵇. وفي القول الأول تعود على القرآن. وقيل المعنى: ولا تكونوا أوّل كافر بما معكم من كتابكم، لأنكم إذا جحدتم ما فيه من صفة النبي ﷺ فقد كفرتم به. والأول قول أبي العالية. والقول الثاني قول ابن جريج، والقول الثالث حكاه الزجاج. * * * فصل: ومما يسأل عنه أن يقال: لِمَ وحِّد (كافر) في قوله تعالى (أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ) وقبله جمع؟ وفي هذا أجوبة: قال الفراء، لأنّه في مذهب الفعل؛ معناه أوّل من كفر به، ولو أُريد الاسم لم يجز إلا بالجمع مثل قولك للجماعة، لا تكونوا أوّل رجالٍ يفعلون ذلك، لا يجوز أنّ تقول: لا تكونوا أوّل رجُل يفعل ذلك. وقال أبو العباس: هذا الذي قاله الفراء خارجٌ من المعنى المفهوم؛ لأنّ الفعل هاهنا والاسم سواء، إذا قال القائل: زيد أوّل رجل جاء فمعناه: أوّل الرجال الذين جاءوا رجلا رجلا وكذلك إذا قال:

стр. 41

أوّل كافرٍ به، وأوّل مؤمنٍ، فمعناه: أوّل الكافرين، وأول المؤمنين لا فصل بينهما في لغة ولا قياس، ولا فيما يتقبله الناس. قال ومجازه: لا تكونوا أوّل قبيل كافرٍ به، وأول حزب كافر به، وهو ممّا يسوغ به النعت؛ لأنَّا نقول: جاءني قبيلٌ صالحٌ وحيٌّ كريمٌ، ونظير ما ذكره أبو العباس قول الشاعر: وإذا همُ طعموا فالأمُ طاعم ... وإذا هم جاعوا فشرُّ جياعِ وقال الزجاج في هذه المسألة: إذا قلت الجيش رجل فإنما يكره في هذا أنّ يتوهم أنك تقلله، فأما إذا عرف معناه فهو سائغٌ جيد، تقول: جيشهم إنَّما هو رجلٌ وفرس أي ليس بكثير الأتباع، فيدلُّ المعنى على أنّك تريد: الجيش خيل ورجال، وهو في فاعل ومفعول أبين؛ كقولك: الجندُ مقبل، والجيش مهزوم، قال غيره لا يجوز: نحن أوّل رجل قام، ويجوز: نحن أوّل قائم. قال علي بن عيسى: إنّ جعْلَ الواحد بإزاء الجماعة إذا لم يكن فيه معنى الفعل كان قبيحاً، ألا ترى أنّه يقبح: إخوتك أوّل رجل، وإنما يحسن: أخوك أوّل رجل؛ لأنّك ذكرت واحداً فقابلت به واحداً على معنى الجميع، ولا يجيء على ذلك القياس إذا ذكرت جميعا إلا أنّ تقابل به الجميع، وقد علمنا أنّهم جعلوا لفظ الواحد في موضع الجمع للإيجاز. وأبين هذه الأقوال قولُ أبي العباس. * * * فصل: ويقال: إذا كانوا أو كافر به، ما في ذلك من تعظيم الأمر عليهم في أنّ لا يكونوا ثاني كافر؟ فالجواب: لأنَّهم إذا كانوا أئمةً في الضلالة كانت ضلالتهم أعظم على نحو ما جاء من قولهم: (من سَنَّ سنة خير كان له أجرها وأجر من يعمل بها إلى يوم القيامة، ومن سَنَّ سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من يعمل بها إلى يوم القيامة. ونصب (أَوَّلَ كَافِرٍ) لأنّه خبر كان، وأما نصب قوله (مصدقًا) فلأنّه حال من الهاء المحذوفة،

стр. 42

كأنَّه قال: وآمنوا بما أنزلته مصدقاً لما معكم، ويصلح أنّ ينتصب بآمنوا. كأنّه قال: آمنوا بالقرآن مصدقاً. و (معكم) ظرف والعامل فيه الاستقرار؛ كأنّه قال: وآمنوا بما أنزلت مصدقا للذي استقر معكم. وهذا الاستقرار مع الظرف الذي يتعلق به من صلة الذي. قوله تعالى: (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ) استعينوا: استفعلوا من العون، وأصله (استعونوا) فاستثقلت الكسرة على الواو، فنقلت إلى العين، فانقلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها؛ لأنَّه ليس في كلام العرب واو ساكنة قبلها كسرة. والصبر: نقيض الجزع. وأصل الصلاة: عند أكثر أهل اللغة الدعاء ومنه قول الأعشى: عَليكِ مثلُ الذِي صليتِ فاغتَمِضي ... يَومًا فَإِنَّ لِجَنْبِ المَرْءِ مُضْطَجَعا أي دعوت، ومثله: وقابَلَها الرّيحُ فِي دَنِّها ... وصَلَّى عَلَى دَنِّها وارْتَسَمْ وقيل أصلها اللزوم، من قول الشاعر: لم أكُن مِن جُنَاتها عَلمَ اللهُ ... وأني بحرّها اليومَ صالٍ أي ملازم لحرّها. فكأنّ معنى الصلاة: ملازمة العبادة على الحد الذي أمر الله تعالى به.

стр. 43

وقيل أصلها من الصلا وهو عظم العجز؛ لرفعه في الركوع والسجود. ومن هذا قول النابغة: فآبَ مُصَلُّوهُ بعَيْنٍ جَلِيَّةٍ ... وغُودِرَ بالجَوْلانِ حَزْمٌ ونائلُ أي: الذي جاءوا في صلا السابق. وعلى القول الأول أكثر العلماء، ومنه قوله تعالى (وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً) أي: دعاؤهم. والأصل على ما قلنا: الدعاء، وهو اسم لغويٌّ. فأضيف إلى ذلك الدعاء عملٌ بالجوارح، فقيل: صلا، وصار اسما شرعيا، ومثل هذا (الصوم) أصله الإمساك في اللغة. وجاء في الشرع: الإمساك عن الطعام، فصار اسما شرعيًّا بهذه الزيادة. والكبيرة: نقيض الصغيرة، يُقال: كبر الشيء فهو كبير. وكبر الأمر: أي عظُم. وأصل الخشوع: التذلل، قال جرير: لَمَّا أَتَى خَبَرُ الزُّبَيْرِ تَوَاضَعَتْ ... سُورُ الْمَدِينَةِ والجِبالُ الخُشَّعُ ومنه خشعت الأصوات، أي سكنت وزلّت. * * * فصل: ومما يسأل عنه أن يقال: ما وجه الاستعانة بالصلاة؟ والجواب: أنّه لمَّا كان في الصلاة تلاوةُ القرآن، وفيها الدعاء والخضوع لله ، كان ذلك معونةً على ما يتنازع إليه النفس من حبّ الرئاسة، والأنفة من الانقياد إلى الطاعة. وهذا الخطاب وإن كان لأهل الكتاب فهو أدبٌ لجميع العباد.

стр. 44

ويُقَال: ما معنى الاستعانة بالصبر؟ قيل المعنى: استعينوا بالاستشعار للصبر. وقيل: استعينوا بالصبر، أي: بالصوم. ويسأل عن معنى كبيرة هاهنا؟ والجواب: أنّ الحسن والضحّاك قالا: ثقيلة، والأصل في ذلك أنّ ما يكبُر يثقُل على الإنسان حمله كالأجسام الجافية. ويُسْأَل عن (الهاء) في قوله: (وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ) علامَ يعود؟ والجواب: أنّها تعود على الإجابة للنبي ﷺ ، فهذا قول وإن لم يجر للإجابة ذكر؛ لأنّ الحال تدلُّ عليها، وقال قوم: تعود على الاستعانة. لأنّ (استعينوا) تدلُّ على الاستعانة، ومثله قول الشاعر: إذا نُهي السَّفيهُ جَرَى إليهِ ... وخَالفَ، والسَّفيهُ إلى خلافِ أى جرى إلى السفيه، ودلّ السفيه على السَّفه. ومثل الأول (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ)، يعني القرآن، ولم يجر له ذكر. وقيل: تعود على الصلاة، وهو القول المختار، وجاز أنّ يردّ عليها لقربها منه. وقيل: يعود إليهما جميعاً، وإن كان الضمير واحداً وهما اثنان،

стр. 45

كما قال الله تعالى: (وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ)، فرد الضمير إلى واحدٍ، وقال الشاعر: أمَّا الوَسَامةُ أو حُسنُ النساءِ فقد ... أوتيت منه أوان العقل محتنكُ وهذا كثير في كلامهم. * * * فصل: ومما يسأل عنه أن يقال: لم خصّ الخاشعَ بأنها لا تكبر عليه دون غيره؟ والجواب: أنّ الخاشع قد توطأ له ذلك بالاعتياد له. والمعرفة بما له فيه فقد صار لذلك بمنزلة من لا يشُقُّ فعله عليه ولا يثقل تناوله. ويقال: لمن هذا الخطاب؟ والجواب: أنّه لأهل الكتاب على هذا أكثر العلم، وقال بعضهم: هو لجميع المسلمين. قوله تعالى: (ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ) يُسأل عن قوله تعالى (ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ) ما معنى (هَؤُلَاءِ) هنا، وكيف يتصل به (تقتلون)، وما موضعه من الإعراب؟ فالجواب: أنّ فيه ثلاثة أقوال:

стр. 46

أحدهما: أنّ معناه النداء. كأنّه قال: ثم أنتم يا هَؤُلَاءِ تقتلون أنفسكم. والثاني: أنّ معناه التوكيد لـ (أنتم)، والخبر (تقتلون) أعني خبر (أنتم)؛ لأنّه مبتدأ. والثالث: أنّه بمعنى (الذي)، وصلته (تقتلون). وموضع (تقتلون) رفع إذا كان خبراً. وإذا كان (هَؤُلَاءِ) بمعنى (الذين) فلا موضع لـ تقتلون؛ لأنّه صلة. قال الزجاج: ومثله في الصلة (وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى) أي: وما التي بيمينك، وأنشد النحويون: عَدَسْ مَا لعَبَّادٍ عليكِ إِمارَةٌ ... نَجَوْت وَهَذَا تَحْمِلينَ طَلِيقُ وهذا القول الأخير على مذهب الكوفيين، ولا يجيزه أكثر البصريين، وقد ذهب إليه جماعة من المتأخرين ممن يري رأي البصريين. * * * قوله تعالى: (وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ) الزحزحة: التنحية. والعذاب: اسم للتعذيب، وهو بمنزلة الكلام من التكليم. والتعمير: طول العمر، وعُمر الشيء ومدته سواء. وقوله: (وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ) فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنّه كناية عن أحدهم الذي جرى ذكره

стр. 47

في قوله تعالى: (يَوَدُّ أَحَدُهُمْ). والثاني: أنّه كناية عن التعمير. والثالث: أنّه عماد، ومنع الزجاج هذا القول الأخير قال: إذا جاءت (الباء) في خبر (ما) لم يصلح العماد عند البصريين، ولا يجوز عندهم: ما هو بقائم، ولا: ما هو قائما زيد. قال غيره: إذا كانت (ما) غير عاملة في (الباء) جاز؛ كقولك: ما بهذا بأس. * * * فصل: ومما يسأل عنه أن يقال: ما موضع (أَنْ يُعَمَّرَ)؟ والجواب: رفع، فإن قيل: من أي وجه؟ - قيل: من وجهين: أحدهما: إبتداء وخبره (بِمُزَحْزِحِهِ). أو يكون على تقدير الجواب لما كُني عنه؛ كأنّه قيل: وما هو الذي بِمُزَحْزِحِهِ، فقيل: هو التعمير. ْوالوجه الآخر: أنّ يرتفع (بِمُزَحْزِحِهِ) ارتفاع الفاعل بفعله؛ كما تقول: مررت برجل معجبٍ قيامُه وقيل في معنى (بِمُزَحْزِحِهِ) بمبعده، وقال ابن عباس: بمنحيه. وهو قول أبي العالية أيضاً. * * * قوله تعالى: (مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا) قال ابن دريد: النسخ نسخك كتابا عن كتاب. قال صاحب العين: النسخ أنّ تُزيل أمرًا كان من قبل يُعمل به ينسخُه بحادث غيره، كالآية ينزل فيها أمر ثم يُخفّف عن العباد، فينسخ تلك الآية آيةٌ أخرى، فالأولى منسوخة والأخرى ناسخة.

стр. 48

والنسأ: التأخير. والآية: القطعة من القرآن، قال ابن عباس: " مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ " ما نبدل من آية: * * * فصل: ومما يُسأل عنه أن يقال: ما معنى (ننسأها) بالهمز؟ قبل: نؤخرها. قيل: فما معنى التأخير هاهنا؟ ففي هذا جوابان: أحدهما: أنّ يكون المعنى نؤخرها فلا ننزلها، وننزل بدلًا منها ما يقوم مقامها في المصلحة، أو تكون أصلح للعباد منها. والثاني: أنّ يكون المعنى نؤخرها إلى وقتٍ ثان، ونأتي بدلا منها في الوقت المتقدم ما يقوم مقامها. فأما من تأوّل ذلك على معنى يرجع إلى النسخ فلا يحسُن. إذ كان محصوله فى التقدير: ما ننسخ من آية أو ننسخها، وهذا لا يصح. ويقال: هل يجوز نسخُ القرآن بالسنة؟ فالجواب: أنّ بعض أهل العلم أجازه، وبعضهم منعه. واختلف في القراءة: فقرأ ابن عامر (ما نُنسِخ من آية) بضم النون وكسر السين، وقرأ الباقون (مَا نَنْسَخْ) بفتحها.

стр. 49

فأما (نَنسَخ) فمن نسخت فأنا ناسخٌ، والشيء منسوخ. وأمَّا (نُنسِخ) ففيه وجهان: أحدهما: أنّ يكون بمعنى ما نُنسِخك يا محمد، هو قول أبي عبدة، يُقال نَسخت الكتابَ، وأنسخته غيري. والثاني: أنّ يكون نُنسِخ جعلته ذا نسخ، كما يُقال: أقبرته جعلته ذا قبر ويروى أنّ الحجاج قتل رجلا فقال له قومه: أقبرنا فلانا، أي اجعله ذا قبر. واختلف في (ننسأها): فقرأ ابن كثير وأبو عمرو (ننسأها) بالهمزة، وهو جزم بالشرط، ولا يجوز حذفها عندهما؛ لأنّ سكونها علامةُ الجزم، وقرأ الباقون (نُنْسِهَا) بضم النون وكسر السين، على أنّ يكون من (النسيان) أو يكون من الترك، والأول قول قتادة والثاني قول ابن عباس. قال الزجاج: هذا خطأ، وإنما يقال: نسيت بمعنى تركت، ولا يقال: أُنسيت بمعنى تركت، وإنَّما معنى نُنسِها: نتركها أي نأمر من يتركها. * * * فصل: ومما يسأل عنه أن يقال: كيف يجوز على الجماعة الكثيرة أنّ تنسى شيئا كانت حافظةٌ له، حتى لا يذكره ذاكر منها؟ والجواب: أنّ فيه قولين: أحدهما: أنّه إذا أُمر الناس بترك تلاوته نُسي على مرور الأيام. والثاني: أنّ يكون معجزةً للنبي ﵇، وقد جاءت أحاديث متظاهرة في أنها نزلت أشياء من القرآن ثم نُسِخت تلاوتها. فمنها ما ذكر أبو موسى الأشعري أنّهم كانوا يقرؤون: (لو أنّ لابن آدم واديين من ذهب لا بتغى لهما ثالثا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا الترابُ ويتوب الله على من تاب).

стр. 50

ثم رُفع. ومنها عن قتادة عن أنس أنّ السبعين من الأنصار الذين قُتْلوا ببئر معونه كانوا يقرون فيهم كتابا (بلغوا عنا قومنا أنا لقينا ربّنا ورضي عنا وأرضانا) ثم إن في ذلك رفع. ومنها (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة). ومنها ما روي عن أبي بكر ﵁ أنّه قال كنَّا نقرأ (لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم). ومنها ما حكي أنّ سورة الأحزاب كانت تعادل سورة البقرة في الطول. * * * فصل: ومما يسأل عنه أن يقال: على كم وجه يصحُّ النسخ؟ والجواب على ثلاثة أوجهٍ: نسخ الحكم دون اللفظ، ونسخ اللفظ دون الحكم، ونسخهما جميعاً، فالأوّل: كقوله (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ) إلى قوله (يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ). والثاني: كآية الرجم كانت منزلة فرُفع لفظها وبقي حكمها. والثالث: يجوز وإن لم يقطع بأنه كان، كالذي قيل إنه كان على المؤمنين فرضا قيام الليل، ثم نسخ. ولا يجوز النسخ إلا في الأمر والنهي. ولا يجوز في الخبر والقصص؛ لأنّ ذلك يؤدي إلى الكذب، والقرآن منزّهٌ عن ذلك. ويقال: ما معنى (نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا)؟ وفيه جوابان: أحدهما: أنّ يكون المعنى: بخيرٍ منها لكم في التسهيل والتيسير، كالأمر بالقتال الذي سُهِّل على المسلمين في قوله: (الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ)، (أَوْ مِثْلِهَا): كالعبادة بالتوجه إلى الكعبة بعد

стр. 51

ما كان إلى بيت المقدس. والثاني: أنّ يكون المعنى بخير منها في الوقت الثاني، أي هي لكم في الوقت الثاني خير من الأولى لكم في الوقت الأول، أو مثلها في ذلك، وهو معنى قول الحسن، كأنّ الآية في الوقت الثاني في الدعاء إلى الطاعة، والزجر في المعصية مثل الآية الأولى في وقتها، فيكون اللطف بالثانية. كاللطف بالأولى، إلا أنّه في الوقت الثاني يستقيم بها دون الأول، والجواب الأول معنى قول ابن عباس. * * * قوله تعالى: (وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ) يقال: رغبت في الشيء أحببته، ورغبت عنه كرهته. والملة: الدين. وفي (إبراهيم) أربع لغات: إبراهيم، وإبراهام. وإبراهِم، وإبراهَم. والاصطفاء: افتعال من الصفوة، والطاء مبدلة من تاء الافتعال؛ لأنَّ الطاء تشبه الصاد في الاستعلاء والإطباق، وهي من مخرج التاء، فاختاروها ليكون العمل من جهةٍ واحدة. والسَّفه: الخفّة، والمعنى ومن يمل عن ملة إبراهيم إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ، واختلف في (سَفِهَ نَفْسَهُ) فقال الأخفش: أهل التأويل يزعمون أنّ المعنى: سَفَّه نفسه. وقال يونس أراها لغة، قال الزجاج: ذهب يونس إلى أنَّ (فَعِل) للمبالغة. كما أنّ (فَعَّل) لذلك، قال ويجوز على هذا سَفِهت زيدًا بمعنى: سَفّهت. وقال أبو عبيدة: معناه أهلك نفسه، وأوبق نفسه، قال ابن زيد: إلا من أخطأ خطيئة، فهذا كله وجه واحد في التأويل، وقال آخرون: هو على التفسير. كقوله تعالى (فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا).

стр. 52

وهو قول الفراء قال: العرب توقع سَفِهَ على نفسه وهي معرفة وكذا (بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا)، وأنكر هذا الزجاج، وقال: معنى التمييز لا يحتمل التعريف؛ لأنَّ التمييز إنما هو واحد يدلُّ على جنسه فإذا عرَّفته صار مقصوداً، وقيل: هو تمييز على تقدير الانفصال كما تقول: مررت برجلٍ مثله. أي: مثلٍ له، وقيل: هو على حذف حرف الجر كما قال تعالى (وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ)، أي: على عقدة النكاح قال الشاعر: نُغالي اللَّحْمَ للأَضْيافِ نِيّاً ... ونبذلُه إِذا نَضِجَ القُدورُ كأنّ قال: نغالي باللحم، قال الزجاج: وهذا مذهبٌ صحيح، والاختيار عنده أنّ يكون سفِه في معنى جهل، وهو موافق لما قال ابن السراج في (بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا)؛ لأنَّ البَطِر مستقل للنعمة غيرُ راضٍ بها. ويقال: لما قال (وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ). فخصّ الآخرة بالذكر، وهو في الدنيا كذلك؟ والجواب: أنّ الحسن قال: المعنى أنّه من الذين يستوجبون على الله الكرامة وحسن الثواب، فلما كان خلوص الثواب في الآخرة دون الدنيا وصفه بما ينبئ عن ذلك. في هذه الآية دلالة على أنّ ملة نبينا ﷺ هي ملة إبراهيم ﵇ مع زياداتٍ في ملّة نبينا. فبين أنّ الذين يرغبون من الكفار عن هذه الملة وهي تلك الملّة قد سَفِهوا أنفسَهم. وهذا قول قتادة والربيع.

стр. 53

قوله تعالى: (وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ) وَصَّى وأوصى وأمر وعهد بمعنى. ومما يُسأل عنه أن يقال: علامَ تعود الهاء من (بها)؟ والجواب فيه قولان: أحدهما: أنّها تعود على الملة وقد تقدم ذكرها، وهو قول الزجاج. والثاني: أنّها تعود على الكلمة التي هي (أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) قاله بعض أهل اللغة. وسأل بما ارتفع (يَعقُوبُ)؟ والجواب أنّ فيه قولين: أحدهما: أنّه معطوف على إبراهيم، والتقدير: ووصى بها يعقوب، وهذا معنى قول ابن عباس وقتادة والثاني: أنّه على الاستئناف. أي: ووصى يعقوب أنّ يا بني. والفرق بين التقديرين: أنّ الأوّل لا أضمار فيه؛ لأنّه معطوف، والثاني فيه إضمار. * * * فصل: ويُسأَل عن قوله (فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) كيف نهاهم عن الموت، وليس الموتُ إليهم، فيصحُّ أنّ ينهاهم عنه؟ والجواب: أنّ أبا بكر السَّراج قال: لم ينهوا عن الموت وإن كان اللفظ على ذلك، وإنما نُهوا في الحقيقة عن ترك الإسلام لئلا يصادفهم الموتُ عليه، فإنّه لابد منه، والتقدير: أثبتوا على الإسلام لئلا يصادفكم الموت وأنتم على غيره، ومثله من الكلام: لا أرينك هاهنا. فالنهي في اللفظ للمتكلم وهو

стр. 54

في المعنى للمخاطب كأنّه قال: لا تتعرّض للكون هاهنا. فإن من كان هاهنا، أراه. * * * قوله تعالى: (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ) القصاص: القود، والحياة: نقض الموت، والألباب: العقول واحدها لبٌّ. وهذا من الكلام الموجز، ونظيره من كلام العرب (القتل أنفى للقتل) إلا أنّ ما في القرآن أوجه وأفصح وأكثر معاني، والفرق بينهما في البلاغة من أربعة أوجه وهي أنّه: أكثر في الفائدة، وأوجز في العبارة، وأبعد من الكلفة بتكرير الجملة، وأحسن تأليفا بالحروف المتلائمة. أمّا الكثرة في الفائدة: ففيه كلُّ ما في (القتل أنفى للقتل) وزيادة معاني حسنة منها: إبانة العدل لذكره القِصاص؛ لأنَّه ليس في قولهم (القتل أنفى للقتل) بيان أنّه قصاص. ومنها: إبانة الغرض المرغوب فيه وهو الحياة. ومنها: الاستدعاء بالرغبة والرهبة وحكم الله به. وأما الإيجاز في العبارة: فإن الذي هو نظير (القتل أنفى للقتل) قوله تعالى (القِصَاصِ حَيَاةٌ)، وهذا عشرة أحرف، والأول أربعة عشر حرفا. وأما بعدهُ من الكلفة بالتكرير الذي فيه على النفس مشقة، فإنّ قولهم (القتلُ أنفى للقتل) فيه تكرير غيره أبلغ منه، ومتى كان التكرير كذلك، فهو مقصّر في باب البلاغة. وأمَّا الحسن بتأليف الحروف المتلائمة: فإنه يدرك بالحسّ، ويوجد في اللفظ؛ لأنّ الخروج من الفاء إلى اللام أعدل من الخروج من اللام إلى الهمزة؛ لبُعد الهمزة من اللام، وكذا الخروج من الصاد إلى الحاء أعدل من الخروج من الألف إلى اللام.

стр. 55

فباجتماع هذه الأمور التي ذكرنا صار أبلغَ منه وأحسن. وإن كان الأوّل حسنًا بليغا، وقد أخذه الشاعر فقال: أَبْلِغْ أَبا مالكٍ عنِّي مُغَلْغَلةً، ... وَفِي العِتاب حَياةٌ بَيْنَ أَقوام * * * فصل: ويُسأل عن معنى (لعل) هاهنا؟ والجواب أنّ فيها ثلاثة أقوال: أحدها: أنّ يكون بمعنى (اللام) كأنّه قال: لتتقوا. والثاني: أنّ يكون للرجاء والطمع، كأنّه قال: على رجائكم وطمعكم في التقوى. والثالث: على معنى التّعرُّض، كأنّه قال: على تعرضكم للتقوى. وقيل في (تتقون) قولان: أحدهما: لعلكم تتقون القتل؛ للخوف من القِصاص وهو قول ابن زيد. والثاني: لعلكم تتقون ربكم باجتناب معاصيه. * * * قوله تعالى: (أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ) الأصل في أيّام: أيوام؛ لأنَّ الواحد يوم، ولكن الواو والياء إذا اجتمعتا وسبقت الأولى منهما

стр. 56

بالسكون قلبت الواو ياء، وأدغمت في الياء التي بعدها. ويُسأل عن قوله (أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ) ما هي؟ والجواب: أنّ عطاء وابن عباس قالا: ثلاثة أيام من كل شهر ثم نُسخ ذلك، وقال ابن أبي ليلى: المعنيُّ به شهر رمضان، وإنما كان صيام ثلاثة أيام من كل شهر تطوعا. * * * فصل: ويُسأل عن الذين يطيقونه؟ وفيه ثلاثة أجوبة: أحدها: أنّ المعنيُّ به سائر الناس، ومن شاء صام ومن شاء أفطر وافتدى لكل يوم بإطعام مسكين، ثم نُسخَ ذلك، وهو قول ابن عباس والشعبي. والثاني: أنّه نزل فيمن كان يطيقه. ثم صار إلى حال العجز عنه، وهو قول السُّدِّيّ. ويُسأل عن الهاء في (يطيقونه) علامَ يعود؟ وفيه جوابان: أحدهما: أنّ يعود على الصيام. والثاني: أنّ يعود على الفداء؛ لأنّه معلوم وإن لم يجر له ذكر. وعلى القول الأوّل أكثر العلماء.

стр. 57

فصل: ويُسأَل عن الناصب لقوله (أَيَّامًا)؟ والجواب: أنّه يجوز أنّ يكون ظرفا، والعامل فيه فعلٌ مضمر يدل عليه (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ) كأنّه قال: الصيام في أيام معدودات، ولا يجوز أنّ يعمل فيه (كُتِبَ عَلَيْكُمُ)؛ لأنَّ فيه التفرقة بين الصلة والموصول؛ لأنّ (كما كتب) في موضع المصدر، وكذلك لا يجوز أنْ يعمل فيه الصيام الذي في الآية لهذه العلة. ويجوز أنّ يكون مفعولًا على السعة، كقولك: اليومَ صمته، وكأنه قال: صوموا أياما معدودات. وقال الفراء: هو مفعول لما لم يُسمّ فاعله، وخالفه الزجاج في ذلك، ومثْله الفراء بقولك: أعطي زيدٌ المالَ، قال الزجاج: لأنّه لا يجوز عنده رفع الأيام كما يجوز رفع المال، وإذا كان المفروض في الحقيقة هو الصيام دون الأيام، فلا يجوز ما قاله الفراء إلا على السعة. * * * قوله تعالى: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ) الشهر معروف، وجمعه في القلة (أشهر) وفي الكثرة (شهور)، وأصله من الاشتهار. وأصل (رمضان) من الرَّمَض وهو شدة وقع الشمس على الرمل وغيره، كذلك قال ابن دريد، واشتقاق رمضان من هذا؛ لأنهم سَمُّوا الشهور بالأزمنة التي وقعت فيها، فوافق رمضان. أيامَ رمضِ الحرّ. وقالوا في جمعه (رمضانات)، وأنشد صاحب العين: إنْ شهراً مباركاً قد أتانا ... مثلَ ما بعدَ قيلهِ رمضانُ

стр. 58

وروي عن مجاهد أنّه قال: لا تقل (رمضان) ولكن قل كما قال الله تعالى (شَهْرُ رَمَضَانَ) فإئك لا تدري ما رمضان، حدثنا أبو الحسن الحوفي عن أبي بكر بن الأدفوني حدثنا أبو جعفر أحمد بن محمد النحاس قال قُرئ على أحمد بن محمد بن الحجاج عن يحيى بن سليمان قال حدثني عبيد الله بن موسى حدثنا عثمان بن الأسود عن مجاهد قال: لا تقل رمضان، ولكن قل كما قال الله تعالى (شَهْرُ رَمَضَانَ) فإنك لا تدري ما رمضان؟ قال يحيى بن سليمان وحدثنا يعلى بن عبيد حدثنا طلحة بن عمرو عن مجاهد وعطاء أنهما كانا يكرهان أنّ يقولا (رمضان) ويقولان نقول كما قال الله تعالى. (شَهْرُ رَمَضَانَ) لعل رمضان اسم من أسماء الله تعالى. وليس العمل على ما قالا؛ لأنّ الأخبار جاءت بخلاف ذلك. وقد روى مالك في الموطأ يرفعه أنّ النبي ﷺ قال: (من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه). وحدثنا أبو الحسن عن أبي بكر حدثنا أبو جعفر قال قُرئ على أحمد بن شعيب عن إسحاق بن إبراهيم أخبرنا يحيى بن سعيد قال حدثنا المهلب بن أبي حبيبة، قال أحمد وأخبرنا عبيد الله بن سعيد حدثنا يحيى عن المهلب بن أبي حبيبة، قال حدثني الحسن عن أبي بكرة عن النبي ﷺ قال: (لا يقولنَ أحدكم صمتُ رمضانَ ولا قمته كلّه) فلا أدري أكره التركيبة أم قال: لابد من غفلةٍ ورقدة، واللفظ لعبيد الله. وحدثنا أبو الحسن عن أبي بكر عن أبي جعفر أخبرنا عمرانُ بن خالد أخبرنا شعيب أخبرنا ابن جريج قال أخبرني عطاء قال سمعت ابن عباس ﵁ يقول، قال رسول الله ﷺ لامرأة من الأنصار (إذا كان رمضان فاعتمري فيه، فإنّ عمرةً فيه تعدل حجة).

стр. 59

فصل: ومما يسأل عنه أن يقال: ما معنى (أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ)؟ والجواب أنّ فيه قولين: أحدهما: أنّه أنزل كلُّه في ليلة القدر إلى بيت العزة في السماء الدنيا، ثم أُنزل على النبي ﷺ بعد ذلك نجوما، وهو قول ابن عباس وسعيد بن جبير والحسن. والثاني: أنّ معناه أنزل في فضله قرآن، كما نقول: أُنزل في عائشة قرآن. وقد قيل إن المعنى: ابتُدئ إنزاله في ليلة القدر من شهر رمضان. * * * فصل: ومما يُسأل عنه أنّ يُقال: ما معنى (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ)؟ وفيه جوابان: أحدهما: أنّ المعنى فمن شَهِدَ مِنْكُمُ الْمِصْرَ، وحضر ولم يغب؛ لأنَّه يقال: شاهدٌ بمعنى حاضر. والجواب الثاني: أنّ يكون التقدير: فمن شَهِد منكم الشهر مقيمًا. * * * فصل: ومما يسأل عنه أن يقال: بمَ ارتفع (شَهرُ رمَضَانَ)؟ والجواب أنّه يرتفع من ثلاثة أوجه: أحدها: أنّ يكون خبر مبتدأ محذوف يدل عليه قوله (أيامًا) كأنّه قال: هي شهر رمضان. والثاني: أنّ يكون بدلًا من الصيام؛ كأنّه قال: كتب عليكم شهر رمضان. والثالث: يرتفع بالابتداء، ويكون الخبر (الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ).

стр. 60

وإن شئت جعلت (الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ) وصفاً، وأضمرت الخبر حتى كأنَّه قال: وفيما كتب عليكم شهرُ رمضان. أي: صيام شهر رمضان. * * * فصل: ومما يسأل عنه أن يقال: لِمَ لم يُكنّ عن (الشهر)؛ لأنّه قد جرى ذكره، كقولك: شهر رمضان المبارك من شهده فليصُمه؟ ْقيل: هذا كقوله (الْحَاقَّةُ (١) مَا الْحَاقَّةُ (٢)) و (الْقَارِعَةُ (١) مَا الْقَارِعَةُ (٢))، وما أشبه ذلك مما أعيد بلفظ التعظيم والتفخيم. وأما دخول الفاء في قوله (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ)، فإن شئت جعلتها زائدة كما قال الشاعر: لَا تَجْزَعِي إِن مُنْفِساً أَهْلَكْتُه ... وإِذا هَلكتُ فعِنْدَ ذَلِكَ فاجْزَعِي لابدّ أنّ تكون إحدى الفائين هاهنا زائدة؛ لأنّ (إذا) إنما يقتضي جواباً واحداً وإن شئت أنّ تقول دخلت الفاء؛ لأنّ فيه معنى الجزاء؛ لأنّ شهر رمضان وإن كان معرفةً فليس بمعرفة معينة، ألا ترى أنّه شائع في جميع هذا القبيل لا يُراد به واحد بعينه. ويجوز فيه النصب من وجهين: أحدهما: على الأمر، كأنّه قال: صوموا شهر رمضان.

стр. 61

والثاني: أنّ يكون على البدل من (أيّام). وقد قرأ بذلك مجاهد. و (هُدًى لِلنَّاسِ) في موضع نصب على الحال. * * * فصل: ومما يسأل عنه أن يقال: كيف جاز أنّ يُعطف الظرف على الاسم في قوله (وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ)؟ فالجواب: أنّه بمعنى الاسم، كأنّه قال: أو مسافراً، ومثله (دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا) أي: دعانا مضطجعا. ويُسْأَل عن اللام في قوله: (وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ) علامَ عُطِفت؟ وفيه جوابان: أحدهما: أنها معطوفة على الجملة؛ لأنَّ المعنى شرع لكم ذلك، فأريد منكم ولتكملوا العدهّ، ومثله: (وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ) أي: وليكون من الموقنين أريناه ذلك. والوجه الثاني: أنّ يكون على تأويل محذوف دلّ عليه ما تقدم؛ كأنّه قال: يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر، قال: فعل الله ذلك ليُسهِّلَ عليكم، ولتكملوا العدة، قال الشاعر: بادَت وغيَّر آيهُنّ مع البلى ... إلا رواكدَ جمرُهنّ هَبَاءُ ومُشَجَّجٌ أَمَّا سَواءُ قَذالِهَ ... فَبَدا وغَيَّر سارَهُ المَعْزاءُ فعطف على تأويل الكلام الأوّل كأنَّه قال: بها رواكد ومُشَجَّجٍ، وهذا قول الزجاج

стр. 62

والأول قول الفراء. ورفع قوله (فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) بالابتداء، والخبر محذوف، كأنّه قال: فعله عدة من أيامٍ أخر، ويجوز النصبُ في العربية على تقدير: فليَعُدَّ عِدَّةَ أَيَّامٍ أُخَرَ لا مما أفطر. ولم ينصرف (أخَر) لأنّها صفه معدولة عما يجب في نظائرها من الألف واللام، ونظائرها نحو: الصُّغَر والكُبَر، فأما من قال: لم ينصرف لأنها صفة، فيلزمه أنّ لا يصرف (لُبَدًا) و (حُطماً)، ومن قال: لم ينصرف لأنّ الواحد غير مصروف، يلزمه أنّ لا يصرف (غِضاباً) و (عِطاشاً)؛ لأنّ الواحد غير مصروف. * * * قوله تعالى: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ) يسألون: من السؤال، والصدُّ: المنع. وهذه الآية نزلت في سرية للنبي ﷺ التقت مع عمرو بن الحضرمي في آخر يوم من جمادى الآخرة فخافوا أنّ يخلُّوهم ذلك اليوم فيدخل الشهر الحرام، فلقوهم وقُتل عمرو بن الحضرمي، فقال المشركون: محمد يُحلُّ القتال في الشهر الحرام. وجاءوا فسألوا النبي ﷺ عن ذلك. فأنزل الله هذه الآية، وهذا قول الحسن. وقال غيره: السائلون المسلمون. واختلف في أمر القتال في الشهر الحرام: فذهب الجمهور من العلماء إلى أنّه منسوخ.

стр. 63

وذهب عطاء إلى أنّه على التحريم، والوجه الأوّل أظهر، لقوله تعالى (اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ). * * * فصل: ويُسأل عن جرّ (قِتَالٍ)؟ والجواب: أنّه بدل من الشهر، وهو بدل الاشتمال، ومثله قوله تعالى: (قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ (٤) النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ (٥))، وقال الأعشى: لقد كَان في حَولٍ ثَواءٍ ثَوَيتُه ... تُقَضّي لُبانات ويَسأم سائمُ وقال الكوفيون: هو جرٌّ على إضمار (عن). وقال بعضهم: هو على التكرير، وهذه ألفاظٌ متقاربة في المعنى، وإن اختلفت العبارة. * * * فصل: ويُسأل عن جرّ (الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ)؟ وفيه جوابان: أحدهما: أنّ يكون معطوفا على (سبيل الله) كأنّه قال: وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وعن المسجد الحرام، وهو قول أبي العباس.

стр. 64

والثاني: أنّه معطوف على (الشَّهْرِ الْحَرَامِ) كأنّه قال: يسألونك عن القتال في الشهر الحرام والمسجد الحرام، وهذا قول الحسن والفراء. وأنكر بعضهم هذا لأنّه فيما زعم لم يسألوا عن المسجد؛ لأنَّهم لا يشكون فيه، وليس كما ذهب إليه من قِبَل أنّ القوم لمَّا استعظموا القتال في الشهر الحرام. وكان القتال عند المسجد الحرام يجري مجراه في الاستعظام، جمع بينهما في السؤال، وإن كان القتال إنما وقع في الشهر الحرام خاصةً، كأنهم قالوا: هل استحللت الشهر الحرام والمسجد الحرام، ولا يجوز حمله على (الباء) في قوله (وكفرٌ به)؛ لأنّه لا يُعطف على المضمر المجرور إلا بإعادة الجار إلا في ضرورة شعر، وسأشرحه في سورة النساء. * * * فصل: ومما يسأل عنه قوله: (وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ)؟ والجواب: أنَّ الفتنة في الدين وهي الكفر أعظم من القتل في الشهر الحرام. ويُسْأَل بما ارتفع (وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ)؟ والجواب: أنّه مرفوع بالابتداء، وما بعده معطوف عليه، وخبره (أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ)، وهذا قول الزجاج، وأجاز الفراء رفعه من وجهين فقال: إن شئت جعلته مردوداً على (كَبِيرٌ) يعني: قل قتال فيه كبيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ. وإن شئت جعلت الصدَّ كبيرًا، يريد القتال فيه كبير وكبيرٌ الصدُّ عن سبيل الله وَكُفْرٌ بِهِ. وخطّأه علماؤنا في ذلك، قالوا لأنّه يصير المعنى في التقدير الأوّل: قل القتال في الشهر الحرام كفر بالله، وهذا خطأ بإجماع، ويصير التقدير في الثاني: وإخراج أهله منه أكبر عند الله من الكفر وهذا

стр. 65

خطأ بإجماع. وللفراء أنّ يقول في هذا المعنى: وإخراج أهله منه أكبر من القتل فيه لا من الكفر به؛ لأنّ المعنى في إخراج أهله منه: إخراج النبي صلى الله عليه رسلم والمؤمنين معه. فأما الوجه الأوّل فليس له منه تخلصُّ. * * * قوله تعالى: (اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ) الوليُّ: النصير والمعين، وجمعه أولياء، وأصله من الوَلي وهو القرب، قال علقمة: تكلفُني ليلى وقد شَطّ وَليُّهَا ... وعادت عَوادٍ بيننا وخُطُوبُ واختُلف في (الطاغوت): فقال قوم هو كاهن، وقال آخرون هو صنم. وقال آخرون هو الشيطان، وقيل: هو كل ما عُبِدَ من دون الله، وأصله من الطغيان يقال طغى يطغى، وطغا يطغو، وهو (فلعوت)؛ لأنَّه مقلوب، وأصله: طغيوت أو طغووت، على إحدى اللغتين، ثم قُدِّمت اللام وأُخرت العين، فصار طيغوتًا أو طوغوتا، فقلب لتحرك حرف العلّة وانفتاح ما قبله، والطاغوت يقع على الواحد والجمع بلفظه، ويُذكّر ويؤنّث، قال الله تعالي: (اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا)، وقال في هذه الآية (أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ)، وقد قيل: هو واحد وضع موضع الجمع في هذا الموضع، كما قال العباس بن مرداس: فقُلنا أسلموا إنّا أخوكم ... فقد برئَتْ منَ الإحَنِ الصُّدرُ وجمع (طاغوت): طواغيت وطواغِت وطواغٍ على حذف الزيادة وطواغي على العوضِ من الحذف.

стр. 66

فصل: ويُسأَل عن معنى قوله (يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ)؟ والجواب: أنَّ الظلمات هاهنا الكفر، والنور الإيمان. وقال قتادة: من ظلمات الضلالة إلى نور الهدى. ويُسأَل عن قوله (وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ)، فيقال: كيف يخرجونهم من النور وهم لم يدخلوا فيه؟ وفي هذا أربعة أجوبة: أحدها: أنّه كقول القائل: أخرجني أبي من ميراثه، وهو لم يدخُل فيه، وإنما ذلك لأنّه لو لم يعمل ما عَمِل لدخل فيه فصار لذلك بمنزلة الداخل فيه الذي أُخرج عنه، قال الشاعر: فإن تكنِ الأيامُ أحسَن مرةً ... إليَّ فقد عَادَت لهنّ ذبوبُ ولم يكن لها ذبوب قبل ذلك. والجواب الثاني: يروى عن مجاهد قال: نزلت في قومٍ ارتدوا عن الإسلام، فكأنّهم خرجوا من نور الإسلام بعد ما دخلوا فيه. والجواب الثالث: أنَّها نزلت في المنافقين، كأنّهم كانوا في نور بما أظهروه من الإسلام وخرجوا منه بما أبطنوه من الكفر. والجواب الرابع: أنّهم كانوا في نورٍ وُلدوا فيه. فلما كبروا وكفروا خرجوا منه، ويدُلُّ على صحة هذا القول قول النبي ﷺ (كل مولود يولد على الفطرة، حتى يكون أبواه هما اللذان يهوّدانه أو ينصّرانه أو يمجسانه).

стр. 67

قوله تعالى: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي) الاطمننان: السكون والتَّوطؤ، والجزء: النصيب. والصورُ: الإمالة، والصورُ أيضا القطع. ومما يسأل عنه أن يقال: ما سبب سؤاله أنّ يُريَه كيفَ الإحياء؟ وفي هذا جوابان: أحدهما: أنّه رأى جيفةً يمزقها السباع. فأراد أنّ يعرف كيف الإحياء. وهذا قول الحسن وقتادة والضحاك. والجواب الثاني: أنّ نمرود لما نازعه في الإحياء، أراد أنّ يعرِف ذلك علم بيان بعد علم الاستدلال، وهذا قول أبي إسحاق. وزعم قوم أنّه شكٌّ، وهذا غلط ممن قاله؛ لأنّ الشك في قدرة الله تعالى على إحياء الموتى كفر لا يجوز على أحدٍ من الأنبياء ﵈. * * * فصل: ويُسْأَل عن قوله (لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي)؟ والجواب: أنّه أراد ليزَداد قلبي يقينا إلى يقينه، وهذا قول الحسن وسعيد بن جبير والربيع ومجاهد. ولا يجوز أنّ يريد: ليطمئن قلبي بالعلم بعد الشك لما قدمناه.

стр. 68

ويقال: ما كانت الطير؟ والجواب: أنّ مجاهداً وابن جريج وابن زيد وابن إسحاق قالوا: الديك والطاووس والغراب والحمام. أمر أنّ يقطّعها ويخلط ريشها بدمها، ثم يُفرقها على كلّ جبلٍ جزءا جزءا. وقرأ حمزة (فَصِرْهُنَّ إِلَيْكَ)، وقرأ الباقون (فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ) بالضم. وقد قلنا إن معنى (صُرْ) اقطع، وهو قول ابن عبّاسٍ وسعيد بن جبير والحسن ومجاهد، وقال توبةُ ابن الحميّر: فَأدنَت لي الأسبابَ حتى بلغتُها ... بنهضي وقَد كادَ ارتقائي يصورُها. أي: يقطعها. وقال عطاء وابن زيد المعنى: اضممهن إليك، وهذا من صاره يصُورُه إذا أماله، قال الشاعر: ووجاءَتْ خُلْعَةٌ دُهْسٌ صَفايا ... يَصُورُ عُنُوقَها أَحْوَى زَنِيمُ يصف غنماً وتيساً يعطف عنوقها. فأما من قرأ بالكسر. فيحتمل الوجهين المتقدمين، قال بعض بني سُليم: وفرعٌ يصيرُ الجيدَ وحفٍ كأنّه ... على الليثِ قِنوانُ الكُرُوم الدَوَلحِ يريد: يميلُ الجيدَ.

стр. 69

فصل: قوله تعالى: (إِذْ قَالَ)، موضع (إذ) نصبَ من وجهين: أحدهما: أنّ يكون على إضمار (اذكر) كأنّه قال: اذكر إذ قال إبراهيم، وهذا قول الزجاج. والثاني: أنّ يكون معطوفا على قوله (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ)، كأنّه قال: ألم تر إذ قال إبراهيم. وإذا كان معنى فصُرهن إليك: قطعهن، فـ (إليك) من صلة (خذ). كأنّه قال: خذ إليك أربعةً من الطير فصُرهن. وإذا كان معناها: أملهنّ واعطفهُن، فـ (إليك) متعلقة يه. وهذه الألف التي في قوله (أولم تُؤمن) ألف تحقيق وإيجابٍ، كما قال جرير: ألستُم خيرَ مَن ركبَ المطايَا ... وأندَى العَالمينَ بُطونَ راحِ والطير: جمع طائر. مثل راكب وركب وصاحب وصحب، والطير مؤنثة. ونصب (سعيا) على الحال، والعامل فيها (يَأْتِينَكَ). وقوله (أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) في موضع نصب بـ (اعْلَمْ). * * *

стр. 70

مِنْ سُورَةِ (آل عمران) قوله تعالى: (نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ) قيل في قوله (مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ) يعني من كتابٍ ورسولٍ، وهو قول مجاهد وقتادة والربيع وسائر أهل العلم. فإن قيل: لِمَ قال (بَيْنَ يَدَيْهِ)؟ قيل: لأنّه ظاهر له كظهور ما بين يديه. وقيل في معنى (مُصَدِّقًا) قولان: أحدهما: أنّه مُصَدِّقٌ لما بين يديه لموافقته إياه في الخبر. والثاني: أنّه مُصَدِّقٌ، أي: يُخبر بصدق الأنبياء. وفي قوله (نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ) قولان: أحدهما: بالصدق في إخباره. والثاني: بالحق أي، بما توجبه الحكمة من الإنزال، كما توجبه الحكمة من الإرسال وهو حقٌّ من الوجهين. * * * فصل: ويُسأل ما وزن التوراة؟ والجواب: أنّ فيها ثلاثة أقوال:

стр. 71

أحدها: أنها (تَفعَلة) وأصلها (تورية) تحركت الياء، وانفتح ما قبلها، فانقلبت ألفا، و (تَفعَلة) في الكلام قيل جداً، قالوا: تتفَلة في تتفُلة. والقول الثاني: أنها (تفعلِة) والأصل (تورِية) مثل: توقية وتوفية، فانقلبت إلى (تَفعَلة) وقلبت ياؤها. هذان القولان رديئان: وهما للكوفيين. وأما البصريون فالتوراة عندهم (فوعَلة) وأصلها (وَورَية) مثل: حوقلة ودوخلة، فأبدلوا من الواو الأولى تاء كما فعلوا في (تولج) والأصل: وولج، لأنّه من الولوج، وقلبوا الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها. وهذا القول المختار؛ لأنّ (توقيةً) لا يجوز فيها (توقاة) و (تفعَلة) قيل في الكلام، واشتقاق (تورية) من قولهم: وريت بك زنادي، كأنّها ضياء في الدين، كما أنّ ما يخرج من الزناد ضياء. وأما (إنجيل) فهو (إفعيل) من النجل. واختلف في معناه: فقال علي بن عيسى: النجل الأصل، لأنّ الإنجيل أصلٌ من أصول العلم. قال غيره: النجل الفرع، ومنه قيل للولد نجل، فكأنّ الإنجيل فرع على التوراة، يستخرج منها. وعندي: أنّه من النَّجَل وهو السَّعَة، يقال: عينٌ نجلاء، أي: واسعة. وطعنةٌ نجلاء، ومنه قول الشاعر: وأطْعَنُ الطَّعْنَة النَّجْلاءَ عَنْ عُرُضٍ ... وأكتم السِّرّ فيه ضربةُ العُنُق فكأنه قد وسّع عليهم في الإنجيل ما ضيق فيه على أهل التوراة، وكلٌّ محتمل.

стр. 72

قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ) الحكم: مأخوذ من قولك: أحكمت الشيء إذا ثقفتَهُ وأتقنته. وأم الكتاب: أصل الكتاب. والمتشابه: الذي يشبه بعضُه بعضاً فيغمض. والزيغ: الميل، والابتغاء: التطلب. والفتنة: أصلها الاختبار، ومن قولهم: فتنت الذهب بالنار أي اختبرته وقيل معناه: خلصته. والتأويل: المرجع، يقال آل الأمر إلى كذا أي: رجع، وأكثر العلماء يعبر عنه بالتفسير، والأوّل الأصل، قال الأعشى: عَلَى أَنها كَانَتْ تَأَوُّلُ حُبِّها ... تَأَوُّلُ رِبْعِيِّ السِّقاب فأَصْحَبا أي كان حبها صغير فآل إلى العِظم كما آل السُقبُ وهو الصغير من أولاد النوق إلى الكبر. والراسخون: الثابتون، والإيمان: التصديق. * * * فصل: ومما يسأل عنه أن يقال: ما المحكم، وما المتشابه هاهنا؟ والجواب فيه خلاف: قيل المحكم الناسخ والمتشابه المنسوخ. وهذا قول ابن عباس وقتادة.

стр. 73

وقال مجاهد: المحكم ما لم تشتبه معانيه، والمتشابه ما اشتبهت معانيه، نحو (وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ) (وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى). وقال محمد بن جعفر بن الزبير: الحكم ما لا يحتمل من التأويل إلا وجهًا واحدا، والمتشابه ما يحتمل أوجهًا. وقال ابن زيد: المحكم الذي لم يتكرّر لفظه، والمتشابه ما تكرر لفظه. قال جابر بن عبد الله: المحكم ما يعلم تعيين تأويله، والمتشابه ما لا يُعلم تعيين تأويله نحو (يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا). فهذه خمسة أقوال للعلماء. ويقال: ما معنى (فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ)؟ والجواب: أنّهم يحتجون به على باطلهم. فإن قيل: ففيمن نزلت؟ والجواب: نزلت في وفد نجران لمَّا حاجوا النبي ﷺ في عيسى بن مريم ﵇، فقالوا: أليس هو كلمةَ الله وروحاً منه؟ - فقال: بلى، فقالوا: حسبنا. فأنزل الله تعالى (فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ) ثم أنزل (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ). وقيل: بل كلٌّ من احتجّ بالمتشابه لباطله، فالآية فيه عامة، كالحرورية والسبابية، وهو قول قتادة. ومما يسأل عنه الملحدون هذه الآية، وذلك أنّهم يقولون: لِمَ أُنزل في القرآن المتشابه، والغرض به هداية الخلق؟ والجواب: أنّه أُنزل للاستدعاء إلى النظر الذي يوجب العلم دون الإنكار على الخبر من غير نظرٍ، وذلك أنّه لو لم يعلم بالنظر أنَّ جميع ما أتى به النبي ﵇ حق، لجوّز أنّ يكون الخبر كذباً.

стр. 74

وبطل دلالة السمع. * * * فصل: ومما يسأل عنه أن يقال: ففي أي شيء يقع المتشابه؟ قيل: في أمور الدين كالتوحيد، ونفي التشبيه، ألا ترى أنّ قوله تعالى: (ثُم استَوى عَلى العرش)، يحتمل في اللغة أنّ يكون كاستواء الجالس على سريره، ويحتمل أنّ يكون بمعنى القهر والاستيلاء، كما قال الشاعر: قَدِ اسْتَوى بِشْرٌ عَلَى العِرَاق، ... مِنْ غَيرِ سَيْفٍ ودَمٍ مُهْراقٍ واستواء الجالس لا يجوز على الله . ونحو قوله تعالى (يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ)، يحتمل في اللغة أنّ يكون ساق الإنسان، وساق الشجرة، والشدّة من قولهم: قامت الحربُ على ساق، والوجهان الأولان لا يجوزان على الله، وأشباه لذلك. ومما يُسأل عنه أنّ يُقال: لم أفرد (أم الكتاب)؟ وفي هذا جوابان: أحدهما: أنّه أراد: هُنّ أم الكتاب، كما يقال: مَن نظير زيد؛ فيقول مجيبا: نحن نظيره. والثاني:، أنّه استغنى فيه بالإفراد عن الجمع، كما قال: (وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً)، ولم يقل آيتين.

стр. 75

وسأل: هل يعرف الراسخون في العلم تأويل المتشابه؟ وفي هذا جوابان: أحدهما: أنَّ تأويل المتشابه لا يعلمه إلا الله تعالى، والوقف على هذا عند قوله تعالى: (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ) ثم يبتدأ (وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ)، فعلى هذا ليس للراسخين من المزية إلا قولهم (آمَنَّا بِهِ)، وذلك نحو قيام الساعة وما بيننا وبينها من المدة وهذا قول عائشة والحسن ومالك ﵃، ومن حجتهم: (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ). والجواب الثاني: أنّ الله تعالى يعلمه والراسخون يعلمونه قائلين: آمَنَّا بِهِ، وهذا قول ابن عباس ومجاهد والربيع. وقرأ ابن عباس فيما حدثني أبو محمد مكي بن أبي طالب المقرئ: (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ [ويقُولُ] وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ)، وهذه القراءة بعيدة من وجهين: أحدهما: مخالفة المصحف. والثاني: تكرار اللفظ؛ لأنَّ اللفظ الثاني يغني عن الأول. وموضع (يقولون آمَنَّا بِهِ) على هذا القول نصب على الحال، ومثله قول الشاعر: الريحُ تبكي شَجهُو ... والبَرقُ يلمُع غمامهْ وعلى الوجه الأول يكون موضع (يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ) رفعا لأنّه خبر المبتدأ. وقوله (مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ) في موضع نصب على الحال من الكتاب، أي: أنزله وهذه حاله.
следующие страницы →