← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 36506

إعراب القرآن - إسماعيل الأصبهاني

إسماعيل التيمي الأصبهاني

Полный текст (567 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

أحدها: أنها (تَفعَلة) وأصلها (تورية) تحركت الياء، وانفتح ما قبلها، فانقلبت ألفا، و (تَفعَلة) في الكلام قيل جداً، قالوا: تتفَلة في تتفُلة. والقول الثاني: أنها (تفعلِة) والأصل (تورِية) مثل: توقية وتوفية، فانقلبت إلى (تَفعَلة) وقلبت ياؤها. هذان القولان رديئان: وهما للكوفيين. وأما البصريون فالتوراة عندهم (فوعَلة) وأصلها (وَورَية) مثل: حوقلة ودوخلة، فأبدلوا من الواو الأولى تاء كما فعلوا في (تولج) والأصل: وولج، لأنّه من الولوج، وقلبوا الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها. وهذا القول المختار؛ لأنّ (توقيةً) لا يجوز فيها (توقاة) و (تفعَلة) قيل في الكلام، واشتقاق (تورية) من قولهم: وريت بك زنادي، كأنّها ضياء في الدين، كما أنّ ما يخرج من الزناد ضياء. وأما (إنجيل) فهو (إفعيل) من النجل. واختلف في معناه: فقال علي بن عيسى: النجل الأصل، لأنّ الإنجيل أصلٌ من أصول العلم. قال غيره: النجل الفرع، ومنه قيل للولد نجل، فكأنّ الإنجيل فرع على التوراة، يستخرج منها. وعندي: أنّه من النَّجَل وهو السَّعَة، يقال: عينٌ نجلاء، أي: واسعة. وطعنةٌ نجلاء، ومنه قول الشاعر: وأطْعَنُ الطَّعْنَة النَّجْلاءَ عَنْ عُرُضٍ ... وأكتم السِّرّ فيه ضربةُ العُنُق فكأنه قد وسّع عليهم في الإنجيل ما ضيق فيه على أهل التوراة، وكلٌّ محتمل.

стр. 72

قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ) الحكم: مأخوذ من قولك: أحكمت الشيء إذا ثقفتَهُ وأتقنته. وأم الكتاب: أصل الكتاب. والمتشابه: الذي يشبه بعضُه بعضاً فيغمض. والزيغ: الميل، والابتغاء: التطلب. والفتنة: أصلها الاختبار، ومن قولهم: فتنت الذهب بالنار أي اختبرته وقيل معناه: خلصته. والتأويل: المرجع، يقال آل الأمر إلى كذا أي: رجع، وأكثر العلماء يعبر عنه بالتفسير، والأوّل الأصل، قال الأعشى: عَلَى أَنها كَانَتْ تَأَوُّلُ حُبِّها ... تَأَوُّلُ رِبْعِيِّ السِّقاب فأَصْحَبا أي كان حبها صغير فآل إلى العِظم كما آل السُقبُ وهو الصغير من أولاد النوق إلى الكبر. والراسخون: الثابتون، والإيمان: التصديق. * * * فصل: ومما يسأل عنه أن يقال: ما المحكم، وما المتشابه هاهنا؟ والجواب فيه خلاف: قيل المحكم الناسخ والمتشابه المنسوخ. وهذا قول ابن عباس وقتادة.

стр. 73

وقال مجاهد: المحكم ما لم تشتبه معانيه، والمتشابه ما اشتبهت معانيه، نحو (وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ) (وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى). وقال محمد بن جعفر بن الزبير: الحكم ما لا يحتمل من التأويل إلا وجهًا واحدا، والمتشابه ما يحتمل أوجهًا. وقال ابن زيد: المحكم الذي لم يتكرّر لفظه، والمتشابه ما تكرر لفظه. قال جابر بن عبد الله: المحكم ما يعلم تعيين تأويله، والمتشابه ما لا يُعلم تعيين تأويله نحو (يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا). فهذه خمسة أقوال للعلماء. ويقال: ما معنى (فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ)؟ والجواب: أنّهم يحتجون به على باطلهم. فإن قيل: ففيمن نزلت؟ والجواب: نزلت في وفد نجران لمَّا حاجوا النبي ﷺ في عيسى بن مريم ﵇، فقالوا: أليس هو كلمةَ الله وروحاً منه؟ - فقال: بلى، فقالوا: حسبنا. فأنزل الله تعالى (فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ) ثم أنزل (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ). وقيل: بل كلٌّ من احتجّ بالمتشابه لباطله، فالآية فيه عامة، كالحرورية والسبابية، وهو قول قتادة. ومما يسأل عنه الملحدون هذه الآية، وذلك أنّهم يقولون: لِمَ أُنزل في القرآن المتشابه، والغرض به هداية الخلق؟ والجواب: أنّه أُنزل للاستدعاء إلى النظر الذي يوجب العلم دون الإنكار على الخبر من غير نظرٍ، وذلك أنّه لو لم يعلم بالنظر أنَّ جميع ما أتى به النبي ﵇ حق، لجوّز أنّ يكون الخبر كذباً.

стр. 74

وبطل دلالة السمع. * * * فصل: ومما يسأل عنه أن يقال: ففي أي شيء يقع المتشابه؟ قيل: في أمور الدين كالتوحيد، ونفي التشبيه، ألا ترى أنّ قوله تعالى: (ثُم استَوى عَلى العرش)، يحتمل في اللغة أنّ يكون كاستواء الجالس على سريره، ويحتمل أنّ يكون بمعنى القهر والاستيلاء، كما قال الشاعر: قَدِ اسْتَوى بِشْرٌ عَلَى العِرَاق، ... مِنْ غَيرِ سَيْفٍ ودَمٍ مُهْراقٍ واستواء الجالس لا يجوز على الله . ونحو قوله تعالى (يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ)، يحتمل في اللغة أنّ يكون ساق الإنسان، وساق الشجرة، والشدّة من قولهم: قامت الحربُ على ساق، والوجهان الأولان لا يجوزان على الله، وأشباه لذلك. ومما يُسأل عنه أنّ يُقال: لم أفرد (أم الكتاب)؟ وفي هذا جوابان: أحدهما: أنّه أراد: هُنّ أم الكتاب، كما يقال: مَن نظير زيد؛ فيقول مجيبا: نحن نظيره. والثاني:، أنّه استغنى فيه بالإفراد عن الجمع، كما قال: (وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً)، ولم يقل آيتين.

стр. 75

وسأل: هل يعرف الراسخون في العلم تأويل المتشابه؟ وفي هذا جوابان: أحدهما: أنَّ تأويل المتشابه لا يعلمه إلا الله تعالى، والوقف على هذا عند قوله تعالى: (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ) ثم يبتدأ (وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ)، فعلى هذا ليس للراسخين من المزية إلا قولهم (آمَنَّا بِهِ)، وذلك نحو قيام الساعة وما بيننا وبينها من المدة وهذا قول عائشة والحسن ومالك ﵃، ومن حجتهم: (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ). والجواب الثاني: أنّ الله تعالى يعلمه والراسخون يعلمونه قائلين: آمَنَّا بِهِ، وهذا قول ابن عباس ومجاهد والربيع. وقرأ ابن عباس فيما حدثني أبو محمد مكي بن أبي طالب المقرئ: (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ [ويقُولُ] وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ)، وهذه القراءة بعيدة من وجهين: أحدهما: مخالفة المصحف. والثاني: تكرار اللفظ؛ لأنَّ اللفظ الثاني يغني عن الأول. وموضع (يقولون آمَنَّا بِهِ) على هذا القول نصب على الحال، ومثله قول الشاعر: الريحُ تبكي شَجهُو ... والبَرقُ يلمُع غمامهْ وعلى الوجه الأول يكون موضع (يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ) رفعا لأنّه خبر المبتدأ. وقوله (مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ) في موضع نصب على الحال من الكتاب، أي: أنزله وهذه حاله.

стр. 76

قوله تعالى: (تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ) الإيلاج: الإدخال. والولوج: الدخول. ومما يُسأل عنه هاهنا أنّ يُقال: ما معنى (تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ)؟ فالجواب: أنّ المعنى: يجعل ما نقص من أحدهما زيادة في الآخر، وهذا قول ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة والسدي والضحاك وابن زيد. وقيل معناه: يُدخل أحدهما في الآخر لمجيئه بدلا منه في مكانه. وإلى هذا ذهب الجبائي من المعتزلة. * * * فصل: ويُسأل عن قوله (تُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ)؟ وفيه جوابان: أحدهما: يخرج الحيّ من النطفةِ وهي ميتةٌ، والنطفةُ من الحي. وكذلك الدجاجة من البيضة، والبيضة من الدجاجة. وهذا قول عبد الله ومجاهد وابن الضحاك والسُّدِّي وقتادة. والجواب الثاني: يخرج المؤمن من الكافر، والكافر من المؤمن، وهو قول الحسن.

стр. 77

واختلف في الْمَيْتَ والْمَيِّتَ: فقيل الْمَيْتَ بالتخفيف الذي قد مات. والْمَيِّتَ بالتشديد الذي لم يمت، وقال أبو العباس: لا فرق بينهما عند البصريين، وأنشد: لَيْسَ مَن مَاتَ فاسْتراحَ بمَيْتٍ ... إِنما المَيْتُ مَيِّتُ الأَحْياءِ إِنما المَيْتُ مَن يَعِيشُ دليلاً ... كاسِفاً بالُه قليلَ الرَّجاءِ فجمع بين اللغتين. * * * قوله تعالى: (ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ) يُسأل عن معنى قوله تعالى (بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ)؟. وفيه جوابان: أحدهما: أنّهم في التناصر للدين بعضهم من بعض، أي في الاجتماع، كما قال تعالى: (الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ)، أي في الاجتماع على الضلالة، والمؤمنون بعضهم من بعض، أي: بعضهم أولياء بعض في الاجتماع على الهدى، وهذا قول الحسن وقتادة. والجواب الثاني: أنّ المعنى بعضها من بعض في التناسل، أي جميعهم زرية آدم، ثم ذرية نوح، ثم ذرية إبراهيم ﵈. * * * فصل: ويُسأل ما وزن (ذُرِّيَّةً)؟

стр. 78

وفيه ثلاثة أجوبة: أحدها: أنّ وزنها (فُعليَّة) من الذرّ، مثل: قُمرية. والثاني: أنّ وزنها (فُعُّولة)، والأصل فيها: ذُرُّورة. إلا أنّه كره التضعيف، فقلبت الراء الأخيرة ياء، فصارت ذُرُّويِة، ثم قلبت الواو ياء. لاجتماع الواو والياء، وسبق الأولى منهما بالسكون، وكُسِر ما قبل الياء الساكنة؛ ليصح فقيل: ذُرِّيَّةً. ْوالثالث: أنّ أصلها: ذُرُّؤة من ذرأ الله الخلق. فاستثقلت الهمزة. فأبدلت ياء. وفعل بها ما فعل بالوجه الذي ذكرناه آنفاً، واجتمع على تخفيفها كما اجتمع على تخفيف (بريَّة). ويُسأَل عن نصب (ذُرِّيَّةً)؟ وفي النصب جوابان: أحدهما: أنّ يكون بدلًا من آدم وما بعده، وإن كان آدم غير ذرية لأحد. وذلك إذا أخذتها من: ذرأ الله الخلق والثاني: أنّ يكون نصبا على الحال ويجوز رفعها على إضمار مبتدأ محذوف، كأنّه قال: تلك ذرية. * * * قوله تعالى: (وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) المكر: أصله الالتفاف، ومنه قولهم لضرب من الشجر: مكر، لالتفافه. وامرأة ممكورة: ملتفة. ومما يسأل عنه أن يقال ما معنى: (وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ)؟ وفي هذا جوابان: أحدهما: مكروا بالمسيح بالحيلة عليه لقتله، ومكر الله بردهم بالخيبة؛ لإلقائه شبه المسيح على غيره. هذا قول السُّدِّي.

стр. 79

والجواب الثاني: أنّ المعنى: ومكروا بإضمار الكفر. ومكر الله بمجازاتهم بالعقوبة على المكر. فإن قيل: المكر لا يحسن من الحكيم. قبل: إنما جاز هذا على مزاوجة الكلام، نحو قوله (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ). فهذا أحد وجوه البلاغة، وهي على أربعة أضرب: إِحدها: المزاوجة نحو: (وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ). والمجانسة: نحو قوله: (يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ). والمطابقة: نحو: (مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا) بالنصب على مطابقة السؤال. والمقابلة: نحو قوله: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ (٢٤) تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ (٢٥)). * * * قوله تعالي: (إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ) التوفي: القبض، يقال: توفيت حقي واستوفيت بمعنى واحد. ومما يُسأل عنه هاهنا أن يقال ما معنى (مُتَوَفِّيكَ) هاهنا؟. وفيه أجوبة:

стр. 80

أحدها: أنّ المعنى قابضك برفعك من الأرض إلى السماء من غير وفاة موت. وهذا قول الحسن وابن جريج وابن زيد. والجواب الثاني: إني متوفيك وفاة النوم لأرفعك إلى السماء، وهو قول الربيع، قال رفعه نائماً. والجواب الثالث: إني متوفيك وفاة موت، وهو قول ابن عباس. ووهب بن منبه. قال أماته ثلاث ساعات. فأما النحويون فيقولون: هو على التقديم والتأخير، أي: إني رافعك ومتوفيك. لأنّ الواو لا يقتضي الترتيب، بدلالة قوله تعالى: (فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ) والنذر قبل العذاب، بدلالة قوله تعالى: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا). وموضع (إذ) نصب على أحد وجهين: إما على قوله: ومكروا ومكر الله إذ قال الله وإما على إضمار (اذكر). ويجوز أنّ يكون موضعها رفعاً على تقدير: ذلك إذ قال الله، وتمثيله: ذلك واقع إذ قال الله، ثم حذفت (واقعاً) وهو العامل في " إذ " وأقمت " إذ " مقامه. و" إذ " مبنية على السكون؛ لافتقارها إلى ما يوضحها، فأشبهت بعض الكلمة، وبعض الكلمة لا يعرب، نحو: الزاي من " زيد" والجيم من "جعفر".

стр. 81

قوله تعالى: (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩)) في هذه الآية حجة على من أنكر القياس، لأنّ الله تعالى احتج بذلك على المشركين، ولا يجوز أنّ يحتج عليهم إلا بما فيه طريق القياس؛ لأنّ قياس خلق عيسى من غير ذكر كقياس آدم، وهو في عيسى أوجب، لأنّ آدم ﵇ من غير أنثى ولا ذكر. وهذه الآية نزلت في السيد والعاقب من وفد نجران، وذلك أنهما قالا للنبي ﷺ : هل رأيت ولداً من غير ذكر. فأنزل الله تعالى هذه الآية، وهذا قول ابن عباس والحسن وقتادة. * * * فصل: ويُسأَل عن رفع قوله (فيكونُ)، ولمَ لمْ يجز نصبه على جواب الأمر الذي هو (كن)؟ فالجواب: أنّ جواب الأمر يجب أنّ يكون غيره في نفسه أو معناه، نحو: ائتني فأكرمك، وائتني فتحسن إلي، ولا يجوز: قم فتقوم، لأنّ المعنى يصير: قم فإن تقم فقم، وهذا لا معنى له، فلذلك لم يجز في الآية. فإن قيل: فقد جاء (إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٠)) قيل: هذا معطوف على قوله (أنّ نقولَ)، وقوله تعالى (فيكونَ) معناه (فكان) إلا أنّه أوقع الفعل المستقبل في موضع الماضي، ومثله قول الشاعر: وانْضَحْ جَوانِبَ قَبْرِهِ بدِمائها ... ولَقَدْ يَكُونُ أَخا دَمٍ وذَبائِح * * * قوله تعالى: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا)

стр. 82

يُسأل من المخاطب هاهنا من أهل الكتاب؟ وفيه ثلاثة أجوبة: أحدها: أنّ المخاطب نصارى نجران. وهذا قول الحسن ومحمد بن جعفر بن الزبير والسُّدِّي وابن زيد. والثاني: أنّ المخاطب يهود المدينة. وهو قول قتادة، والربيع وابن جريج، ومعنى هذا أنّهم أطاعوا أحبارهم طاعة الأرباب. والثالث: أنّ المخاطب الفريقان. وهذا على ظاهر التلاوة. وسأل عن (سواء) ما معناه هاهنا؟. قيل معناه: مستوٍ. فوضع اسم المصدر موضع اسم الفاعل، كأنّه قال: تعالوا إلى كلمةٍ مستويةٍ. وقرأ الحسن (سواءً) بالنصب على المصدر. ويُسْأَل عن موضع (أنْ) من قوله (أنّ لا نَعْبُدَ)؟ والجواب أنها تحتمل وجهين: أحدهما: أنّ تكون في موضع جر على البدل من (كلمة)، كأنّه قال: تعالوا إلى أنّ لا نعبد إلا الله. والوجه الثاني: أنّ تكون في موضع رفع، كأنّه قال: هي أنّ لا نعبد إلا الله. ومن رفع فقرأ (أنْ لا نَعْبُدُ)، فأنْ مخففةٌ من الثقيلة. كأنّه قال: أنّه لا نعبد إلا الله، ومثله (أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا)، وإذا كانت مخففةً من الثقيلة كانت من عوامل

стр. 83

الأسماء، وثبتت النون في الخط، وعلى والوجه الأول تكون من عوامل الأفعال ولا تثبت النون في الخط ومن قرأ (أنْ لا نعبدْ إلا الله) بالإسكان فـ (أنْ) مفسرةٌ كالتي في قوله تعالى: (أنّ امشُوا واصبِروا)، فالمعنى: أي لا نعبد إلا الله. و (لا) على هذا جازمة، لأنّه نهي. * * * قوله تعالى: (وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ) يقال: كأيِّن وكأين وكاءٍ بمعنى، قال الشاعر: كَأَيِّن في المعاشرِ منْ أناسِ ... أخُوهمُ فَوقهم وهُمُ كِرامُ فشدد، وقال جرير: وكائِنْ بالأباطح مِنْ صديقٍ ... يراني لو أُصِبتُ هو المُصابا فخفف. وفي هذا لغات أخر، وتعليله من طريق التصريف يطول شرحه، وجملتها أنها (أيّ) دخلت عليها (كاف) التشبيه، كما دخلت على (ذا) في قولك: كذا. وغُيِّرت في اللفظ كما غُيِّرت في المعنى؛ لأنها نقلت إلى معنى (كم) في التكثير، والأصل التشديد، وإنما وقع التخفيف لكراهة التضعيف، كما قالوا: لا سيْما، والأصل لا سيَّما.

стр. 84

وقرأ ابن كثير (قُتِلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ) وكذلك نافع وأبو عمرو، وقرأ الباقون (قَاتَلَ). * * * فصل: ويسأل بمَ ارتفع (رِبِّيُّونَ)؟ وفيه جوابان: أحدهما: أنّه مفعول لم يُسَمَّ فاعله لـ (قُتِلَ)، وهذا يجيء على مذهب الحسن؛ لأنَّه قال: لم يقتل نبي قط في معركة. والثاني: أنّه مبتدأ و (معه) الخبر. كأنّه قال: قتل ومَعَهُ رِبِّيُّونَ. وموضع قوله (مَعَهُ رِبِّيُّونَ) نصب على الحال من المضمر فى (قُتل) أي: قُتِل ذلك النبي ومعه رِبِّيُّونَ، وهذا يجيء على معنى قول أبي إسحاق وقتادة والربيع والسُّدِّي. ويجوز أنّ يرتفع (رِبِّيُّونَ) بالظرف الذي هو (معه) وهو مذهب أبي الحسن. ويجيء أيضاً على مذهب سيبويه؛ لأنَّ الظرف إذا اعتمد على ما قبله جاز أنّ يرفع. والرِّبِّيُّونَ: العلماء هذا قول ابن عباس والحسن، وقال مجاهد وقتادة الجموع الكثيرة. * * * قوله تعالى: (وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ) قرأ حمزة (وَلَا تَحْسَبَنَّ) بالتاء وفتح السين، وقرأ الباقون بالياء. فمن قرأ بالتاء فالفاعل المخاطب وهو النبي ﷺ و (الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ) مفعول أول لـ تحسبن و (خيراً لهم) المفعول الثاني

стр. 85

و (هو) فصل ، وأهل الكوفة يسمونه عماداً، وفي الكلام حذفٌ تقديره: ولا تحسبن يا محمد بخل الذين يبخلون خيراً لهم. وإنما احتجت إلى هذا المحذوف ليكون المفعول الثاني هو الأول في المعنى؛ لأنّ هذه الأفعال تدخل على المبتدأ والخبر، والخبر هو المبتدأ في المعنى إذا كان الخبر مفرداً. وأما من قرأ بالياء فـ (الَّذِينَ يَبْخَلُونَ) فاعلون، والمفعول الأول لـ يحسبنَّ محذوف لدلالة (يَبْخَلُونَ) عليه تقديره: ولا يحسبن الذين يبخلون البخل هو خيراً لهم، وهذا كما تقول العرب: من كذب كان شرًّا له، أي: كان الكذب، فحذف (الكذب) لدلالة (كذبَ) عليه. ومثله: إذا نُهيَ السفيه جَرى إليه ... وَخَالف والسفيهُ إلى خلافِ. أي: خالف إلى السفه. فأما فتح السين وكسرها فلغتان ويروى أنّ الفتح لغة النبي ﷺ . * * *

стр. 86

وَمِنْ سُورَةِ (النِّسَاءِ) قوله تعالى: (وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ) يسأل عن معنى قوله (تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ)؟. وفيه - جوابان: أحدهما: أنّ المعنى يسأل بعضكم بعضا بالله وبالرحم، وهذا قول الحسن ومجاهد. والثاني: أنّ المعنى واتقوا الأرحام أنّ تقطعوها، وهذا قول ابن عباس وقتادة والسُّدِّي والضحَّاك والربيع وابن زيد. * * * فصل: ومما يُسأل عنه أن يقال ما وجه النصب في الأرحام؟ قيل: على الوجه الأول يكون معطوفا على موضع (به) كأنّه قال: وتذكرون في الأرحام في التساؤل. وعلى الوجه الثاني يكون معطوفاً على اسم الله تعالى وقرأ حمزة (وَالْأَرْحَامِ) بالجر، والنحويون لا يجيزون هذا لأنّه لا يجوز عطف الظاهر على المضمر المجرور إلا بإعادة الجار، قال سيبويه: لأنّه لا ينفصل فصار كبعض الحرف. ومثله بعضهم بالتنوين؛ وذلك أنّه يعاقبه

стр. 87

ويحذف في الموضع الذي يحذف فيه التنوين، وذلك قولك: يا غلامِ، تحذف الياء تخفيفا، كما تحذف التنوين من قولك: يا زيدُ. وقال المازني: المعطوف والمعطوف عليه شريكان، لا يجوز في أحدهما ما لا يجوز في الآخر، فكما لا تقول: مررت بزيدوك، كذلك لا تقول: مررت بك وزيدٍ. فإن احتج محتجٌّ بقول الشاعر: فاليَومَ قرذضيتَ تهجُونا وتَشتِمُنا ... فَاذهب فَمَا بِكَ والأيامِ مِن عَجَبِ وبقول الآخر: نُعَلّق في مِثل السّواري سُيوفَنا ... وَمَا بَينَها والكعْبِ غُوطٌ نَفَانفُ. قيل هذا من ضرورات الشعر، ولا يحمل القرآن عليه، وقد احتج له بعضهم بأنه على إضمار (الباء) لتقدم ذكرها في قوله (به)، واستشهدوا بقول الشاعر: أكُلَّ امرئٍ تحسبين امرأً ... ونارٍ توقَّدُ بالليل ناراً أراد: وكل نارٍ، فحذف (كلًّا) لدلالة ما في صدر البيت. * * * قوله تعالى: (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ) خفتم: من الخوف، والخوف والخشية بمعنى. والإقساط والعدل. ويُسأل عن اتصال هذا الكلام بعضه ببعض كيف يصح؟

стр. 88

وفي هذا جوابان: أحدهما أنّ المعنى: فإن خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى، فكذا خافوا في النساء، وذلك أنّهم كانوا يتحرجون في يتامى النساء، ولا يتحرجون في النساء، وهذا قول سعيد بن جبير وقتادة والسُّدّي والضحاك والربيع. والجواب الثاني أنّ المعنى: إن خفتم ألا تقسطوا في نكاح اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء من غيرهن، وهذا قول عائشة والحسن وله قال أبو العباس. * * * فصل: ومما يسأل عن قوله (مَا طَابَ لكم) كيف جاءت (ما) هاهنا، والموضع موضع (مَن)؛ لأنَّ (ما) لما لا يعقل. و (مَنْ) لمن يعقل؟ والجواب أنّ (ما) هاهنا مصدرية. كأنّه قال: فانكحوا من النساء الطيِّب، أي: الحلال، وهذا قول مجاهد، وبه أخذ الفراء. ويروى عن مجاهد أيضا: فانكحوا النساء نكاحاً طيباً. قال أبو العباس: (ما) هاهنا للجنس. كقولك: ما عندك؟ - فالجواب رجل أو امرأة. وقيل: لما كان المكان مكان إبهام جاءت (ما) لما فيها من الإبهام، كما تقول العرب: خذ من عبيدي ما شئت. وأما (مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ) فمعناه: اثنين اثنين، وثلاثا ثلاثا وأربعا أربعا، فعدل عن هذا ليدل على هذا المعنى، وهو نكرة، وامتنع من الصرف للعدل والوصف.

стр. 89

وقال قوم: هو معرفة، لأنّه لا يدخله الألف واللام. والوجه ما قدمناه، لأنّ النكرة توصف به، قال صخر الغي: منُيتُ بأن تلاقِيني المنايَا ... أُحادَ أُحادَ في شهرٍ حَلالِ وقال تميم بن أبي مقبل: تَرَى النُّعَراتِ الزُّرْقَ تحتَ لَبانِه ... أُحادَ ومَثْنى أَضعَفَتْها صَواهِلُهْ وقيل: لم ينصرف للعدل والتأنيث؛ لأنّ العدد كله مؤنث. وقيل: لم ينصرف لأنّه عدل على غير ما يجب في العدل، لأنّ أصل العدل أنّ يكون في المعارف. * * * فصل: ومما يسأل عنه أن يقال: لم جاءت (الواو) هاهنا، ولم تأتِ (أو) لأنّه لا يجوز أنّ يجمع بين تسعٍ؟ والجواب: أنّه على طريق البدل، كأنّه قال: وثُلاثَ بدلًا من مثنى، ورُباع بدلًا من ثُلاث، ولو جاء بـ (أو) لجاز أنّ لا يكون لصاحب المثنى ثُلاث، ولا لصاحب الثُلاث رُباع. ويوضح هذا: أنّ مثنى بمعنى اثنتين، وثُلاث بمعنى ثلاث. فأما من أجاز تزويج تسع بهذه الآية فمخطئ، لأنّه لو كان كذلك لما جاز أنّ يتزوج دون تسع، وأيضاً فلو أراد الله تعالى ذلك لقال: فانكحوا تسعاً؛ لأنَّ هذا التكرار غي، وتسع أخصر منه، وهذا على طريق التخيير لا للإيجاب. * * * قوله تعالى: (يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ)

стр. 90

يُسأل عن دخول (اللام) فى قوله (لِيُبَيِّنَ لَكُمْ)؟ وفيها ثلاثة أجوبة: أحدها: أنّ معناها (أنّ) و (أنْ) تأتي مع (أردت: أمرت)؛ لأنَّها تطلب الاستقبال (لذا) استوثقوا لها باللام، وربما جمعوا بين (اللام) و (كي) لتأكيد الاستقبال، قال الشاعر: أَردتَ لِكَيْما لَا تَرَى لِيَ عَثْرَةً، ... ومَنْ ذَا الَّذِي يُعْطَى الكَمال فيَكْمُلُ ولا يجوز أنّ تقع (اللام) بمعنى (أنْ) مع الظن؛ لأنَّ الظن يصلح معه الماضي والمستقبل، نحو: ظننت أنّ قمت، وطننت أنّ تقوم، وهذا قول الكسائي والفراء، وأنكره الزجاج، وأنشد: أَرَدْتُ لِكَيْما يَعْلَم الناسُ أَنها ... سَراوِيلُ قَيْسٍ والوُفُودُ شهودُ قال: ولو كانت (اللام) بمعنى (أنْ) لم تدخل على (كي) كما لا تدخل (أنْ) على (كي)، قال: ومذهب سيبويه وأصحابه أنّ (اللام) دخلت هاهنا على تقدير المصدر، أي: الإرادة للبيان. نحو قوله تعالى: (إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ) و (رَدِفَ لَكُمْ)، وقال كثير: أُريدُ لأَنسَى ذِكرَها فكأَنّما ... تَمثَّلُ لِي لَيْلى بكلِّ سبيلِ أي: إرادتي لهذا، وهذا الجواب الثاني. والجواب الثالث: أنّ بعض النحويين ضعف هذين الوجهين بأن جعل اللام بمعنى (أنْ) لم يقم به حجةٌ قاطعة، وحمله على المصدر يقتضي جواز: ضربت لزيد، بمعنى: ضربت زيداً، وهذا لا يجوز، ولكن يجوز في التقديم والتأخير، نحو: لزيدٍ ضربت. وللرؤيا تعبرون؛ لأنّ عمل الفعل فى التقديم يضعف كعمل المصدر فى التأخير، ولذلك لم يجز إلا فى المتصرف، فأما (رَدِفَ لَكُمْ) فعلى تأويل: ردف ما ردف لكم، وعلى ذلك: يريد ما يريد لكم.

стр. 91

وهذه الأقوال كلها مضطرية، وقد قيل إن مفعول (يريد) محذوف تقديره: يريد الله تبصيركم ليبين لكم. * * * قوله تعالى: (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا) القتل: معروف، وقتل العمد: ما قصد به اتلاف النفس كائنا ما كان بحجر أو عصى أو حديد أو غير ذلك، وهذا قول عبيد بن عمير وإبراهيم وروى أنس أنّ يهودياً قتل جاريةً بين حجرين، فأتى به النبي ﷺ فقتله بين (حجرين)، فكل شيء خطأ إلا السيف، ولكل خطأ إرش. والجزاء والمجازاة واحد، واللعنة: الإبعاد والطرد. * * * فصل: ومما يسأل عنه أن يقال: هل القاتل يخلد في النار، أم له توبة؟ والجواب: أنّ العلماء اختلفوا في ذلك: فقال الضحاك وجماعة من التابعين: نزلت هذه الآية في رجل قتل رجلاً من المسلمين، فارتد عن الإسلام، وصار إلى المشركين، ونزلت هذه الآية فيه، والتغليظ فيها لارتداده عن الإسلام. وقال جماعة من التابعين: الآية اللينة وهي: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) نزلت بعد الشديدة وهي: (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا)،: ذهبوا إلى أنّ للقاتل توبة. وقال عمر وعلي وابن مسعود ﵃: كنا نبت الشهادة فيمن عمل الموجبات حتى نزلت (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ). وقال أبو مجلز: هي جزاؤه إن جازاه أدخله جهنم خالداً فيها، ويروى هذا أيضاً عن أبي صالح. وروي عن مجاهد أنّه قال: المعنى إلا من تاب وندم على ما فعل. وروي عن ابن عباس وزيد بن

стр. 92

ثابت. وجماعة من التابعين ﵃ أنّهم قالوا: الآية ثابتة في الوعيد، لأنّ الله تعالى غلظ فيه. وكرر الوصف بقوله: (وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا). وقال عكرمة وابن جريج وبعض المتكلمين: المعنى ومن يقتل مؤمنا متعمداً، أي: مستحلًا لذلك؛ لأنَّ المستحل لما حرم الله تعالى كافر، لأنّه أحل ما حرم الله، فالخلود إذاً إنما هو من هذه الطريقة. والعرب تتمدح بإنجاز الوعد وخُلف الوعيد. ويروى عن أبي عمرو أنّه سمع عمرو بن عبيد ينكر هذا فعابه عليه، وأنشد: وإِنّي إِنْ أَوعَدْتُه أَو وَعَدْتُه ... لأُخْلِفُ إِيعادِي وأُنْجِزُ مَوْعِدِي وجاء في الحديث (من وعده الله على عملٍ ثواباً فهو منجزٌ له، ومن أوعده على عمل عقاباً فهو بالخيار. إن شاء عذبه وإن شاء غفر له). * * * قوله تعالى: (لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) قرأ نافع وابن عامر والكسائي (غَيْرَ أُولِي الضَّرَرِ) بالنصب، وقرأ الباقون بالرفع، وقرئ في غير السبعة (غيرِ) بالجر فوجه النصب: أنّه حال، وإن شئت كان استثناء. وأما الرفع: فعلى أنّه نعت لقوله (القاعدون).

стр. 93

وأما الجر: فعلى أنّه نعت للمؤمنين. وأجود هذه القراءات: الرفع؛ لأنّ الوصف على (غير) أغلب من الاستثناء. وقد زعم بعضهم أنّ النصب على معنى الاستثناء أجود؛ لتظاهر الأخبار بأنه نزل لما سأل ابن أم مكتوم رسول الله ﷺ عن حاله في الجهاد وهو ضرير فنزل (غَيرَ أُولِي الضَّرَرِ). وهذا ليس بشيء؛ لأنّ (غيراً) وإن كانت صفة فهي تدل على معنى الاستثناء؛ لأنها في كلا الحالين قد خصصت القاعدين عن الجهاد بانتفاء الضرر. * * * قوله تعالى: (وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا) اختلف في الحنيف: فقيل معناه: المائل إلى الحق بكليته. وقيل الحنيف: هو المستقيم، وإنَّما قيل للرجل الأعرج حنيف تفاؤلًا، يقال: حنف في الطريق إذا استقام عليه، فكل من سلك طريق الاستقامة فهو حنيف. ويُسأل: ما في اتباع ملة إبراهيم من الحسن، دون اتباع ملة موسى وعيسى وغيرهما من النبيين؟ والجواب: أنّ إبراهيم ﵇ قد رضي به جميع الأمم، وكان يدعو إلى الحنيفية لا اليهودية ولا النصرانية ولا الوثنية، فهو محق في دعائه إليها، وكل من استجاب له بإذن الله فيها نقد جمع من المعنى المرغربة ما ليس لغيره.

стр. 94

واختلف في معنى الخليل: فقيل: هو المصطفى بالمودة المختص بها. وقيل: هو من الخلة وهي الحاجة، فخليل الله على هذا المحتاج إليه، قال زهير: وإِنْ أَتاهُ خَلِيلٌ يومَ مَسْأبةٍ ... يَقُولُ: لَا غائبٌ مَالِي وَلَا حَرِمُ ويُسْأَل عن نصب (حنيفا)؟ وفيه ثلاثة أجوبة: أحدها: أنّ يكون حالا من (ملة إيراهيم)، وكان حقه أنّ تكون فيه الهاء؛ لأنَّ " فعيلا " إذا كان بمعنى " فاعل " للمؤنث ثبتت فيه الهاء نحو: رحيمة وكريمة وما أشبه ذلك، إلا أنّه جاء مجيء " ناقة سديس وريح خريق ". والجواب الثاني: أنّه حال من المضمر في (وَاتَّبَعَ)، والمضمر هو النبي ﷺ . والثالث: أنّه يجوز أنّ يكون حالًا من إبراهيم، والحال من المضاف إليه عزيزة، وقد جاء ذلك في الشعر قال النابغة: قالت بنُو عامرٍ خالوا بني أسدٍ ... يا بُؤْسَ للجهلِ ضَرَّاراً لأقوامِ أي: يا بؤس الجهل ضراراً. واللام مقحمة لتوكيد الإضافة. * * * قوله تعالى: (وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا (١٥٩)) يسأل عن الضمير في قوله: (قَبْلَ مَوْتِهِ) على ما يعود؟

стр. 95

وفيه ثلاثة أجوبة: أحدها: أنّه يعود على الكتابي، والمعنى: لَيُؤْمِنَنَّ الكتابي بالمسيح قبل موت الكتابي، وهذا قول ابن عباس ومجاهد وعكرمة والضحاك وابن سيرين وجويبر. والثاني: قبل موت المسيح أي: لَيُؤْمِنَنَّ الكتابي بالمسيح قبل موت المسيح ﵇ إذا خرج في آخر الزمان، وهذا يروى عن أبي مالك وقتادة وابن زيد عن ابن عباس والحسن بخلاف. والثالث: أنّ يكون المعنى لَيُؤْمِنَنَّ لمحمد ﷺ قبل موت الكتابي وهذا يروى عن عكرمة بخلاف. واختلف النحويون فىِ المضمر المحذوف ما هو؟ فذهب البصريون إلى أنّ المعنى: وإن من أهل الكتاب أحد إلا لَيُؤْمِنَنَّ به قبل موته. وذهب الكوفيون إلى أنّ المعنى: وإن من أهل الكتاب إلا من لَيُؤْمِنَنَّ به. وأهل البصرة لا يجيزون حذف الموصول وتبقية الصلة ومثله: (وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا) (وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ)، يجيء على مذهب البصريين " وإن منكم أحد "، وعلى مذهب الكوفيين " وإن مِنكُم إلا من هو واردها "، " وما منا أحد إلا له مقام معلوم "، قال الشاعر: لَوْ قُلْتَ مَا فِي قَوْمِها لَمْ تِيثَمِ ... يَفْضُلُها فِي حَسَبٍ ومِيسَمِ تقديره: لو قلت ما في قومها أحد يفضلها في حسب وميسم لم تيثم.

стр. 96

و (إنْ) في قوله (وإن منكم) نافية، كالتي في قوله تعالى: (إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ) وأكثر ما تأتي (إن نافية مع غير (إلا) نحو قوله تعالى: (وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ)، أي: في الذي ما مكناكم، وهو قليل. * * * قوله تعالى: (لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ) اختلف في نصب (الْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ): فذهب البصريون إلى أنّه نصب على المدح، وهو قول سيبويه وأنشد لخرنق بنت هفان: لَا يَبْعَدَنْ قَوْمي الَّذين هُمُ ... سُمُّ العُداةِ وآفَةُ الجُزرِ النَازلينَ بكلّ معتركٍ ... والطيبُونَ معا قِدَ الأزرِ على تقدير: أعني النازلين، وهذا: أعني المقيمين الصلاة. واختلف في تأويل (الْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ): فذهب قوم إلى أنّ المراد بهم الأنبياء. وذهب آخرون إلى أنّ المراد بهم الملائكة. وهذا الوجه عندي أظهر؛ لقطع قوله (وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ)، لأنّ الملائكة لا توصف بإيتاء الزكاة، والأنبياء يوصفون به. وذهب قوم إلى أنّه معطوف على (قبلك). أي يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك ومن قبل المقيمين الصلاة، ثم حذف (قبل) لدلالة (قبل) عليه.

стр. 97

وقيل هو معطوف على الكاف من (إليك) أو الكاف من (قبلك)، وهذا لا يجوز عند البصريين؛ لأنّه لا يعطف على الضمير المجرور بغير إعادة الجار وقد شرحناه عند قوله تعالى (والأرحامِ). وكذا قول من قال هو معطوف على الهاء والميم من قوله (منهم). وأما من زعم أنّه غلط من الكاتب فلا تجب أن يلتفت إلى قوله، وإن كان قد روي عن عائشة ﵂ وإبان بن عثمان، لأنّه لو كان كذلك لم تكن الصحابة لتعلمه الناس على الغلط وهم الأئمة. وأجود ما قيل في هذا القولان الأولان. * * * قوله تعالى: (يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ) الاستفتاء: استدعاء الفُتيا. والفُتيا: الإخبار بالحكم ولا يقال للإخبار بالحكم عن علة الحكم فتيا إلا أنّ تذهب به مذهب الحكم بالمعنى على البناء له على حكم غيره ليصحح به. والكلالة: ما عدا الوالد والولد، هذا قول أبي بكر الصديق ﵁، ويروى عن عمر ﵁ أنّه قال: ما عدا الولد - على تشكك منه - وقال الحسن: الإخوة والأخوات. وعلى القول الأول جمهور العلماء، وهو الوجه لأنّه من تكلل النسب غير اللاصق به، وإنما اللاصق الوالد والولد. وفي الكلام حذف، والتقدير فيه: إن امرؤ هلك ليس له ولد وقد ورث كلالة وله أخت. وقال العلماء: أصول الفرائض ثمانية عشر: اثنا عشر في أول السورة، وأربعة في آخرها، واثنان سماهما رسول الله ﷺ العصبة وفريضة الجد.

стр. 98

وقيل هي تسعة عشر، لقوله: (وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ)، وفي قوله تعالى: (فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ) دلالة على أنّ للبنتين الثلثين. لأنّ الله تعالى سوى بين البنت والأخت في النصف، فقيست البنتان على الأختين. * * * فصل: ويُسأل عن أي الفعلين أعمل من قوله تعالى (يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ)؟ والجواب: أنّ المعمل الثاني وهو (يفتيكم)، والتقدير: يستفتونك في الكلالة قل الله يفتيكم في الكلالة. فحذف الأول لدلالة الثاني، ولو أعمل الأول لقال: يستفتونك قل الله يفتيكم فيها في الكلالة وإعمال الفعل الثاني عند البصريين أجود وعليه جاء القرآن نحو قوله تعالى: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ)، فأعمل (يستغفر)، ولو أعمل (تعالوا) لقال: تعالوا يستغفر لكم إلى رسول الله. فأما في الشعر فقد جاء إعمال الأول كما جاء إعمال الثاني، فمن إعمال الأول قول امرئ القيس: فلو أنَّ ما أسْعى لأدنى معيشةٍ ... كَفَاني ولم أَطْلُبْ قليلٌ من المالِ يريد: كفاني قليل من المال ولم أطلب، ولو أعمل الثاني لا نفسد المعنى. ومن إعمال الثاني قول طفيل: وكُمْتاً مُدَمَّاةً كأَنَّ مُتُونَها ... جَرى فَوْقَها، واسْتَشْعَرَتْ لَوْنَ مُذْهَب فأعمل (استشعرت) ولو أعمل (جرى) لقال: جرى فوقها واستشعرت لون مذهب، ومثل ذلك قول كثير: قَضى كلُّ ذِي دَيْنٍ فَوَفَّى غَرِيمَه ... وعَزَّةُ مَمْطُولٌ مُعَنًّى غرِيمُها فأعمل (وفَّى) ولو أعمل (قضى) لقال: قضى كل ذي دين فوفّاه غريمه. وهو كثير في الشعر والكلام

стр. 99

وقوله (إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ) ارتفع (امْرُؤٌ) بإضمار فعل يفسره ما بعده تقديره: إن هلك امْرُؤٌ هلك، ولا يجوز إظهاره، لأنّ الثاني يغني عنه. وقال الأخفش هو مبتدأ و (هلك) خبره. والأوّل أولى؛ لأنَّ الشرط بالفعل أولى. وقوله (يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا)، في (أنْ) ثلاثة أقوال: أحدها: أنّ المعنى كراهة أنّ تضلوا، فهي على هذا في موضع نصب مفعول له. والثاني: أنّه على إضمار حرف النفي. كأنّه قال: أنّ لا تضِلّوا، وتلخيصه: لئلا تضلوا. والأوّل مذهب البصريين والثاني مذهب الكسائي. ومثل الأول قوله تعالى: (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ)، أي: أهلَ القرية. ومثل الثاني قول القطامي يصف ناقته: رَأيْنَا مَا يَرى البُصَراءُ فيها ... فآلينا عَليها أنّ تُباعَا يريد: أنّ لا تباعا. ومثل الأول قول عمرو بن كلثوم: فَأعجلنا القِرى أنّ لا تشْتِمونا

стр. 100

أي: كراهة أنّ تشتمونا. والثالث: قاله الأخفش وهو أنّ (أنْ) مع الفعل بتأويل المصدر، وموضع (أنْ) نصب بـ (يبين)، وتقديره: يبين الله لكم الضلال لتجتنبوه. * * *

стр. 101

وَمِنْ سُورَةِ (الْمَائِدَةِ) قوله تعالى: (قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٢٥)) يسأل عن موضع (أخي) من الإعراب؟ وفيه أربعة أوجه: أحدها: الرفع على موضع (إني). والثاني: العطف على المضمر في (لا أملك) وحسُن العطف عليه وإن كان غير مؤكد؛ لأنّ الحشو الذي هو (إلا نفسي) قام مقام التوكيد. والثالث: أنّ يكون موضعه نصباً بالعطف على الياء في (إني). والرابع: أنّ يكون معطوفا على (نفسي). * * * قوله تعالى: (فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ) يسأل عن انتصاب (أَرْبَعِينَ سَنَةً)؟ وفيه جوابان: أحدهما: أنّ ينتصب بـ (مُحَرَّمَةٌ). وهو معنى قول الربيع، وهذا القول يجوز دخولهم إياها. والثاني: أنّه منتصب بـ (يَتِيهُونَ)، وهو معنى قول الحسن وقتادة؛ لأنَّهما ذكرا أنّه ما دخلها أحد منهم، وقيل إن يوشع بن نون وكالب بن يوقنا دخلاها.

стр. 102

وجاء عن الربيع أنّ مقدار التيه كان مقدار ستة فراسخ، وقال مجاهد: كانوا يصبحون حيث أمسوا، ويمسون حيث أصبحوا: روي عن ابن عباس أنّ موسى ﵇ مات في التيه بخلافٍ عنه. وكان الحسن يقول لم يمت فيه. وكذا في دخول مدينة الجبارين خلاف عنه وعن ابن عباس أيضا. * * * قوله تعالى: (وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ) يسأل عن معنى (وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ)؟ وفيه جوابان: أحدهما: أنّهم دخلوا به على النبي ﷺ وخرجوا به إلى أحوال أخر، كقولك: هو يتقلب في الكفر ويتصرف فيه. و (قد) تدخل في الكلام على وجهين: إذا كانت مع الماضي قربته من الحال، وإذا كانت مع المستقبل دلت على التقليل. وموضع (الباء) من قوله: (وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ) نصب على الحال؛ لأنّ المعنى: دخلوا كافرين وخرجوا كافرين، لأنّه لا يريد أنّهم دخلوا يحملون شيئًا، وهو كقولك: خرج بثيابه، يريد: خرج لابساً ثيابه، ومثله قول الشاعر: ومُسْتَنَّةٍ كاسْتِنانِ الخَرُو ... ف قَدْ قَطَّعَ الحَبْلَ بالمِرْوَدِ أي: وفيه المرود، يعني هذه صفته.

стр. 103

قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٩)) يسأل عن قوله: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا) ثم قال (مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ)؟ وفيه جوابان: أحدهما: أنّ المعنى آمنوا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم، وهم المنافقون، وهذا قول الزجاج والثاني: أنّ المعنى من دام على الإيمان والإخلاص، ولم يرتد عن الإسلام ويُسأَل عن قوله (الصَّابِئُونَ)؟ وفيه أجوية: أحدها: أنّه ارتفع لضعف عمل (إنَّ). وهذا قول الكسائي، وقال أيضاً يجوز أنّه ارتفع لأنّه معطوف على المضمر في (هادوا)، كأنّه قال: هادوا هم والصَّابِئُونَ. وفي هذا بعد، لأنّ الصابئ وهو الخارج عن كل دين عليه أمة عظيمة من الناس إلى ما عليه فرقة قليلة لا يشارك اليهودي في اليهودية، ومع ذلك فالعطف على المضمر المرفوع من غير توكيد قبيح، وإنما يأتي في ضرورة الشعر كما قال عمر بن أبي ربيعة: قُلْتُ إذا أقبلَتْ وزهرٌ تَهادَى ... كنِعاجِ الفَلا تَعَسَّفْنَ رَمْلاً والثاني: أنّه عطف على ما لا يتبين معه فيه الإعراب مع ضعف (إنّ)، وهذا قول الفراء. والثالث: أنّه على التقديم والتأخير، كأنّه قال: إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى من آمن منهم بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون والصابئون كذلك، وهذا قول سيبويه.

стр. 104

: قال الشاعر: وإلا فاعلموا أنَّا وأنتمْ ... بُغاةٌ ما بَقِينا في شقاقٍ * * * وقوله تعالى: (وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا) قرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي (أَلَّا تَكُونُ فِتْنَةٌ)، وقرأ الباقون (أَلَّا تَكُونَ) بالنصب. ولم يختلفوا في رفع (فتنة) ويجوز نصبها. فمن قرأ (أَلَّا تَكُونُ فِتْنَةٌ) بالرفع جعل (أنْ) مخففة من الثقيلة، وأضمر الهاء، وجعل (حسبوا) بمعنى " علموا ". وعلى هذا تثبت النون في الخط. وأما النصب: فعلى أنّه جعل (أنّ) الناصبة للفعل، ولم يجعل (حسبوا) بمعنى لا (العلم)، وعلى هذا الوجه تسقط النون من الخط. وأما رفع (فِتْنَةٌ) فعلى أنّ تكون (تكونُ) بمعنى الحضور والوقوع، فلا تحتاج إلى خبر. ويجوز أنّ تكون ناقصة، فتنتصب (فِتْنَةً) على الخبر، ويضمر الاسم. وأما قوله (كَثِيرٌ مِنْهُمْ)، فيرتفع من ثلاثة أوجه: أحدها: أنّ يكون بدلا من الواو في (صموا). والثاني: أي يكون خبر مبتدأ محذوف، كأنّه قال: هم كثير منهم

стр. 105

والثالث: أنّ يكون على لغة من قال (أكلوني البراغيث)، وعليه قول الشاعر: يَلُوْمونني في اشتراء النَّخيـ ... لِ أهلي فكلُّهُمُ يَعذُلُ وقال الفرزدق: ألفيَتا عيناكَ عِند القَفَا ... أولى فَأُولى لكَ ذا واقِيَهْ ويجوز في الكلام النصب على الحال من المضمر في (صموا)، إلا أنّه لا يجوز أنّ يقرأ به إلا أنّ تثبت رواية بذلك. قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ) قيل في قوله تعالى (وأنتُم حُرمُ) قولان: أحدهما: وأنتم محرمون بالحج. وقيل: وأنتم قد دخلتم الحرم. وقرأ عاصم وحمزة والكسائي (فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ) بالرفع وترك الإضافة، وقرأ الباقون بالإضافة فمن قرأ (فَجَزَاءُ مِثْلِ مَا قَتَلَ) بالرفع، فجزاءٌ: مبتدأ. ومثلُ ما قَتَلَ: الخبر، ويكون المعنى على هذا: أنّه يلزمه أشبه الأشياء بالمقتول من النعم، مَن قتل نعامة فعليه بدنه. وقد حكم بذلك النبي ﷺ ، عن الحسن: إن قتل أروى فعليه بقرة، وإن قتل غزالًا أو أرنباً فعليه شاة، وهذا قول ابن عباس والسُّدِّي ومجاهد وعطاء والضحاك.

стр. 106

وأما من قرأ بالإضافة فإن بعض النحويين أنكر عليه ذلك؛ لأنَّه من إضافة الشيء إلى نفسه. وليس كذلك؛ لأنَّ (الجزاء) هاهنا مصدر، وهو غير (المثل) وإنما هو فصل المجازي. و (مثل) هاهنا بمعنى ذات الشىء كما تقول: مثلك لا يفعل كذا، وأنت تريد: أنت لا تفعل كذا، وكذلك (مثل) نحو قوله تعالى: (كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ). إنما يريد كمن هو في الظلمات. وعلى هذا حمل محمد بن جرير قوله تعالى (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ)، أي: ليس كذاته شيء. والواجب على القائل على هذه القراءة أن يقوم الصيد بقيمة عادلة ثم يشتري بثمنه مثله من النعم يهدي إلى الكعبة. * * * قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ) قال ابن عباس وأنس وأبو هريرة والحسن وطاووس وقتادة والسُّدِّي: نزلت في رجل يقال له " عبد الله " وكان يطعن في نسبه، فقال: يا رسول الله من أبي؟ - فقال: حذافة، وهو غير الذي ينسب إليه، فساءه ذلك، فنزلت هذه الآية. وقيل: نزلت لأنهم سألوا عن أمر الحج لما نزل (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ)، فقالوا: أفي كل عام؟ قال: لا، ولو قلت نعم لوجبت. ويروى عن مجاهد وأبي أمامة وعن ابن عباس وأبي هريرة بخلاف، ويذكر أنّ السؤال الأول والثاني كانا في مجلس واحد. * * * فصل:

стр. 107

ويُسأل عن قوله (أَشْيَاءَ) لِمَ لم ينصرف؟ وفيه بين العلماء خلاف: قال الخليل وسيبويه: أصله (شَيئَاء) على وزن (طرفَاء)، ثم قدمت الهمزة التي هي لام الفعل إلى موضع الفاء وأسكنت الشين، فقيل (أشياء) والهمزة في آخره للتأنيث فلم ينصرف لذلك. وقال الأخفش والفراء: أصله (أشيئاء) على وزن (أفعِلاء)، ثم خفف وشبهاه بـ (هيّن وأهوِنَاء) و (صديق وأصدقاء)، واختلفا في الواحد: فجعله أحدهما كهين وجعله الآخر كصديق. قال المازني: قلت للأخفش كيف تصغر (أَشْيَاءَ)؟ - فقال: أشيّئاء، فقلت: خالفت أصلك، وإنما يجب أنّ تصغر الواحد ثم تجمعه بالألف والتاء. فانقطع. وقال الكسائي: هو (أفعال) إلا أنّه لم ينصرف، لأنهم شبهوه بحمراء؛ لأنَّهم يقولون: أشياوات كما يقولون حمروات. فألزمه الزجاج أنّ لا ينصرف " أبناء " و " أسماء "؛ لأنَّهم يقولون: أبناوات وأسماوات. وقال أبو حاتم هو أفعال كبيت وأبيات إلا أنّه شذ فجاء غير مصروف. وقال محمد بن الحسن الزبيدي: توهمت العرب أنّ همزته للتأنيث فلم تصرفه. * * * قوله تعالى: (إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ)

стр. 108

يُسأل كيف معنى هذا السؤال؟ والجواب: أنّ فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنّ المعنى: هل يقدر، وكان هذا في ابتداء أمرهم، قبل أنّ تستحكم معرفتهم بالله تعالى، وبما يجوز عليه من الصفات، ولذلك أنكر عليهم عيسى ﵇ بقوله (اتقوا الله). والثاني: أنّ المعنى: هل يفعل، وهو قول الحسن، وهو على طريق المجاز، كما تقول: هل تستطيع أن تقوم معنا، أي: هل تفعل. والثالث: أنّ المعنى: هل يستجيب لك ربُّك. قال السُّدِّي: هل يطيعك ربُّك إن سألته؟ - فهذا على أنّ " استطاع " بمعنى، (أطاع) كما تقول استجاب بمعنى أجاب، وأنشد الأخفش: وَداعٍ دَعا: يَا مَنْ يُجيبُ إِلَى النَّدَى، ... فَلَمْ يَسْتَجِبْه عِنْدَ ذاكَ مُجِيبُ وإنما حكى سيبويه (أسطاع) في معنى (أطاع) بقطع الهمزة وزيادة السين. وقرأ الكسائي (هَلْ تَسْتَطِيعُ رَبَّكَ) بالتاء ونصب (رَبَّكَ) والمعنى في هذه القراءة: هل تستدعي إجابة ربِّك، وأصله: هل تستدعي طاعته فيما تسأل من هذا، وهذا قول الزجاج. وقيل معناه: هل تقدر أنّ تسأل ربَّك. وموضع (إذ) من الإعراب نصب. والعامل فيها (أوحيت) ويجوز أن يكون العامل: اذكر إذ قال الحواريون.

стр. 109

قوله تعالى: (وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ) يسأل عن معنى سؤاله تعالى لعيسى ﵇؟ وفيه جوابان: أحدهما: التوبيخ لمن أدعى ذلك عليه. كما يُقَرر الرجلُ البريء بحضرة المدعَى عليه ليبكت المدعي بذلك، وهذا قول الزجاج. والثاني: أنّ الله تعالى أراد أن يُعرفه أنّ قومه آل أمرهم إلى هذا الأمر العجيب المنكر، وهذا على تأويل قول السُّدِّي: أنّه قيل له هذا في الدنيا. * * * فصل: ويُسأل: هل قيل له هذا في الدنيا. أو سيقال له؟ وفي هذا جوابان: أحدهما: أنّه سيقال له يوم القيامة، وهو قول ابن جريج وقتادة والزجاج لقوله (هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ). والثاني: أنّه قيل له ذلك حين رفعه الله تعالى إليه في الدنيا، وهو قول السُّدِّي، لأنّ الفعل بلفظ الماضي، ولا ينكر أن يأتي الفعل الماضي ومعناه الاستقبال في مثل هذا، وقد جاء في القرآن منه مواضع كثيرة، نحو قوله تعالى: (وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ) وقال (إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا) وقال (أَتَى أَمْرُ اللَّهِ) وقال (وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ)، وهذا

стр. 110

إنما يأتي لصدق المخبِر فيما يخبر؛ لأنَّه يصير في الثبات والصحة بمنزلة ما قد وقع. قال أبو النجم: ثُم جزاه اللهُ عنَّا إذْ جَزَى ... جناتِ عَدْنٍ في العَلالِيِّ العُلَى يريد: إذا جزى. * * * فصل: ويُسأَل عن قوله تعالى: (تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ) قال الزجاج المعنى: تعلم ما عندي ولا أعلم ما عندك. قال غيره: تعلم حقيقتي ولا أعلم حقيقتك مشاهدة. وقيل: تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك التي هي نفسي. يعني التي تملكها، وحقيقة ذلك: تعلم ما أخفي ولا أعلم ما تُخفي، إلا أنّه ذكر النفس على مزاوجة الكلام؛ لأنّ ما تُخفيه كأنّه إخفاء في النفس. وموضع (إذ) نصب؛ لأنها معطوفة على (إذ) الأولى، فالعامل فيهما واحد، ويجوز أنّ يكون عطف جملة على جملة. والألف في (أأنت) تسمى ألف التوييخ، وجوز فيها ثلاثة أوجه: التحقيق في الهمزتين، وتحقيق الأولى وتليين الثانية، وتحقيقهما جميعاً وإدخال ألف بينهما، وقد شرحنا ذلك في سورة البقرة. قوله تعالى: (مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا)
следующие страницы →