Полный текст (567 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
لوقوعها بين " ياء " و " كسرة "، والعرب تستثقل ذلك إلا أن تقع فتحة حرف الحلق وهو " العين "، و (مفعل) يلزم هذا القبيل في المصدر. والمكان نحو قولك: وعدته موعداً، وهذا موعد القوم، قال سعيد بن جبير المعنى: أقسم، فـ (لا) على هذا القول صلة، وقال الفراء: هي نفي، أي: ليس الأمر كما يقولون، ثم استؤنف: أقسم، وقيل: في (مواقع النجوم) قولان:
أحدهما: أنّه يعني بها القرآن؛ لأنّه نزل نجوماً على النبي صلى الله عليه، وهذا قول ابن عباس ومجاهد.
والثاني: أنّه يراد بها مساقط نجوم السماء ومطالعها، وهو قول قتادة وروي مثله عن مجاهدٍ في بعض الروايات عنه، وقال الحسن: مواقعها: انكدارها وانتشارها يوم القيامة.
* * *
قوله تعالى: (لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩))
يقال: مسست الشيء أمسُّه مسًّا، ويقال: لا مَساس ولا مِساس.
واختلف في قوله (إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ):
فقال: ابن عباس والحسن وسعيد بن جبير وجابر بن زيد وأبو نهيك ومجاهد: المعنى: لا يمسُّ الكتاب الذي في السماء إلا المطهرون من الذنوب وهم الملائكة، وقيل: إلا المطهرون في حكم الله ،
стр. 422
وقيل: لا يمسُّ القرآن إلا المطهرون، أي: من كان على وضوء، وهو قول مالك.
واختلف في (لا):
فقيل: هي نافية، و (يمسُّ) فعلٌ مستقبل، والمعنى: ليس يمسه، على طريق الخبر، وليس بنهي.
وقيل: هو نهي، وجاء على لغة من يقول: مُدَّ يا فتى، ومُسَّ يا فتى؛ لأنّ في هذا الفعل لغات:
منها - أن تفتح آخره فتقول: مُسَّ ومُدَّ. وهذا أفصح اللغات.
ومنها - أن تضمه فتقول: مُسَّ ومُدَّ.
ومنها - أن تكسره فتقول: مُسٍّ ومُدٍّ، قال الراجز:
قَالَ أُبُو ليلى لحبلٍ مُدّه ... حَتى إذا مَددتَهُ فَشدّه
إنّ أبَا ليلى نَسيجُ وحِدِهِ
ومنها - أن يفتح ما كان على (فَعِل) (يَفعَل) نحو: مَسَّ وسَفَّ؛ لأنّه من مَسست وسَففت، ويضم ما كان على (فَعَل) (يفعُل) نحو: مُدّ وعُدّ. ويكسر ما كان على (فَعْل) (يفعَل) نحو: مِرّ وفِرّ، وهذه لغات أهل نجد، فأما أهل الحجاز فإنهم يظهرون التضعيف، فيقولون: امسس وامدد وافرر، وعليه قوله تعالى: (وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ)، فإذا ثنوا أو جمعوا لم يجز إظهار التضعيف، ورجعوا إلى اللغة الأولى كراهةً لاجتماع المثلين.
وقال الفراء في قوله: (لَا يَمَسُّهُ) أي: لا يجد طعمه ونفعه إلا من آمن به، يعني: القرآن
стр. 423
قوله تعالى: (أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ (٨١) وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (٨٢))
المدهن: المظهر خلاف ما يبطن. ومنه قوله تعالى: (وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ) ويعني به هاهنا: المنافقون، وقال الفراء: يعني به: الكافرون، يقال: أدهن، أي: كفر، وأصله: من الدُهن، كأنّه يذهب في خلاف ما يظهر، كالدهن في سهولة ذلك عليه وإسراعه إليه.
وقوله (أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ) فيه قولان:
أحدهما: أنّ المعنى: وتجعلون حظكم من الخير الذي هو كالرزق لكم أنكم تكذبون به.
والثاني: أنَّ المعنى: وتجعلون شكر رزقكم أنكم تكذبون.
قال الفراء: جاء في الأثر أنّ معنى (رزقكم) شكركم، قال: وهو حسن في العربية، لأنك تقول: جعلت زيارتي إياك أنك استخففت بي، فيكون المعنى: جعلت ثواب الزيارة ذلك، ومثله: قوله قعالى: (فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) أي: ما يقوم لهم مقام البشارة عذاب أليم؛ لأنَّ البشارة لا تكون إلا في معنى الخير.
* * *
قوله تعالى: (وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩٠) فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩١))
стр. 424
قال علي بن عيسى: دخل كاف الخطاب كما دخل في: ناهيك به شرفاً وحسبك به كرماً، أي: لا تطلب زيادة على حلالة حاله، فكذلك سلام لك منهم، أي: لا تطلب زيادة على سلامتهم جلالة وعظم منزلة.
ومما يسأل عنه أن يقال: لم كان التبرك باليمين؟
والجواب: أنّ العمل يتيسر بها؛ لأنّ الشمال يتعسّر العمل بها من نحو: الكتابة والتجارة والأعمال الدقيقة.
قال الفراء: المعنى في قوله (فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ):
فسلام لك أنك من أصحاب اليمين. فألقيت (أنّ) وهو معناها، كما تقول: أنت مصدق ومسافرٌ عن قليل، إذا كان قد قال: إني مسافر عن قليل. وكذلك تجده في قولك: إنك مسافر عن قليل، قال: والمعنى: فسلام لك أنت من أصحاب اليمين، ويكون كالدعاء له، كقولك: سقياً لك من الرجال، وإن رفعت (السلام) فهو دعاء. وقال قتادة المعنى: فسلامٌ لك أيُّها الإنسان الذي هو لك من أصحاب اليمين من عذاب الله. وسلمت عليه الملائكة، وقيل المعنى: سلمت مما تكره لأنك من أصحاب اليمين.
قال أبو الفتح بن جني: في الكلام تقديم وتأخير والتقدير: مهما يكن من شيء فسلام لك إن كان من أصحاب اليمين، ولا ينبغي أن يكون موضع (إن كان) إلا هذا الموضع؛ لأنَّه لو كان موضعه بعد (الفاء) يليها لكان قوله: (فَسَلَامٌ لَكَ) جواباً له في اللفظ لا في المعنى، ولو كان جوابا له في اللفظ لوجب إدخال (الفاء) عليه لأنّه لا يجوز في سعة الكلام: إن كان من أصحاب اليمين سلامٌ له. فلمَّا وجد (الفاء) فيه ثبت أنّه ليس بجواب لقوله (إن كان) في اللفظ، وإذا ثبت أنّه ليس
стр. 425
بجوابٍ له في اللفظ ثبت أنّ موقع (إن كان) بعده لا قبله. قال: فإن قيل: إنما يدل (الفاء) التي تكون جواباً لقوله (إن كان) لأجل الفاء التي تدخل جوابا لـ (أما) لأنّه لا يدخل حرف معنى على مثله، قيل: إنما يدخل (الفاء) التي لـ (أما) عليه؛ لأنّه ليس بجواب لقوله (إن كان)، فلو كان جواباً له لما دخلت هذه (الفاء) في قوله: (وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩٠) فَسَلَامٌ لَكَ) على أنّ (فاء) (أما) قد تكون موقعة بعد (الفاء) لا تليها، فأما ما استدل به أبو علي على قوله: أنّ ما بعد (أما) لا يكون موقعه إلا بعد (الفاء) تليها، فإنه غير دال على صحة قوله؛ لأنّه قال: امتناع (أما زيداً فإنك تضرب)، يدل على أنّ ما بعد (أما) لا يجوز أن يقع إلا بعد (الفاء) يليها، قال: ولأنه لو جاز أن يقع بعد (أما) بعد (الفاء) لا يليها، لما امتنع: (أما زيداً فإنك تضرب)؛ لأنّه كان يكون التقدير: مهما يكن من شيء فإنك تضرب زيداً، قال: فلما امتنع هذا علمت أنّه إنما امتنع؛ لأنَّ التقدير: مهما يكن من شيء فزيداً أنك تضرب، ولما لم يجز هذا لم يجز: أما زيد، فإنك تضرب؛ لأنّ التقدير به هذا، ولو كان التقدير به: فإنك تضرب زيداً، لجاز كما يجوز: مهما يكن من شيء فإنك تضرب زيداً، فيقال: هذا لا يدل؛ لأنَّ قولك: مهما يكن من شىء زيداً فإنك تضرب، لم يجز؛ لأنَّ (إنّ) لا يعمل ما بعدها فيما قبلها، ولذلك لم يجز: أما زيد، فأنك تضرب؛ لأنََّّ (إنّ) لا يعمل ما بعدها فيما قبلها؛ لأنّ زيداً الآن مقدم في اللفظ على (أنّ). ولم يمتنع لأنّ التقدير به يكون مقدما على (إنَّ) لأنّه إن قدر به أن يكون موضعه قبل (إنّ) أو بعد (إنّ) لم يجز؛ لأنَّه مقدم في اللفظ على (إنّ) وإنما كان يكون ذلك دليلا لو كان ما بعد (إنّ) يعمل فيما قبلها إذا وصل بها، ولا يعمل فيها، فأما إذا كان ما بعد (إنّ) لا يعمل فيما قبلها أوليه أو لم يله فإن هذا لا يدل؛ لأنّه إنما امتنع أن تنصب (زيداً) إذا ولي (إنّ) بما بعد (إنّ) لأنّ ما بعدها لا يعمل فيما قبلها، وهذه العلة موجودة فيما تقدم (إن) ولم يلها.
و (أما) لها في الكلام موضعان:
أحدهما: أن تكون لتفصيل الجمل، نحو قولك: جاءني القوم فأما زيد فأكرمته وأما عمرو فأهنته، ومن هذا الباب قوله: (وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ) الآية.
والثاني: أن تكون مركبة من (أن) و (ما) وتكون (ما) عوضا من (كان) وذلك قوله: أما أنت منطلقاً انطلقت معك، والمعنى: إن كنت منطلقاً انطلقت، فموضع (أنّ) نصب؛ لأنّه مفعول له،
стр. 426
وأنشد سيبويه:
أَبا خُراشَةَ أَمَّا أنتَ ذَا نَفَرٍ ... فإِنَّ قوميَ لَمْ تأْكُلْهمُ الضَّبُعُ
أي: إن كنت، والضَّبُعُ: السنة الشديدة.
* * *
стр. 427
وَمِنْ سُورَةِ (الْحَدِيدِ)
قوله تعالى: (مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ (١١))
القرض: أخذ الشيء من ماله بإذن مالكه على أنّه يضمن رده له.
والمضاعفة: الزيادة على مقدار مثله أو أمثاله، وقد وعد الله سبحانه على الحسنة عشر أمثالها، قال الحسن: القرض هنا: التطوع من جميع الدين.
وقرأ ابن كثير (فَيُضَعِّفُهُ) بغير ألف مشدداً و (الفاء) مضمومة، وقرأ مثله ابن عامر إلا أنّه فتح (الفاء)، وقراءة الباقون (فَيُضَاعِفُهُ) بألف وضمّ، إلا عاصمًا فإنّه فتح.
فالضم على القطع، أي: فهو يُضاعفه له. كما قال:
أَلم تَسْأَلِ الرَّبْعَ القَواءَ فَيَنْطِقُ ... وهَلْ تُخْبِرَنْكَ اليَوْمَ بَيْداءُ سَمْلَقُ
وقال الفراء: هو معطوف على (يُقْرِضُ) وليست بجواب. كقولك: من ذا الذي يحسن ويجملُ؟
ومن نصب فبإضمار (أنْ)، كأنّه قال: فأنْ يضاعفَه له، وقال الفراء: هو جواب الاستفهام، ومنع
стр. 428
ذلك البصريون؛ لأنَّ الاستفهام لم يتناول القرض وإنما يتناول المقرض. وأجازه بعضهم؛ لأنّ المعنى يؤول إلى القرض؛ لأنّ الاستفهام عن المقرض استفهام عن قرضه وقيل في (مَنْ ذَا) قولان: أحدهما: أنّه صلة لـ (مَنْ)، وهو قول الفراء، قال: ورأيتها في مصحف عبد الله (منذا الذي) والنون موصولة بالذال.
والقول الثاني: أنّ المعنى من هذا الذي. و (مَن) في موضع رفع بالابتداء، و (الذي) خبره، على القول الأول، وعلى القول الثاني يكون (ذا) مبتدأ و (الذي) خبره والجملة خبر (مَنْ).
* * *
قوله تعالى: (سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ)
العرض: انبساط الشيء في الجهة المقابلة لجهة الطول، وضدُّ العرض الطول، وإذا اختلف مقدار العرض والطول فمقدار الطول أعظم.
ويقال: لم ذكر العرض دون الطول؟
الجواب: أنّ العرض أقل من الطول، وإذا كان العرض كعرض السماء والأرض كان الطول في النهاية
стр. 429
التي لا يحيط بها إلا الله تعالى، وقد قال في آية أخرى: (عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ)، المعنى: كعرض السماوات. فحذف (الكاف)؛ لأنّ المعنى مفهوم. والدليل على أنّ (الكاف) مرادة وجودها في قوله (كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ).
* * *
قوله تعالى: (وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا)
الرهبانية: أصلها من الرهبة، وهو الخوف، إلا أنّها عبادة مختصة بالنصارى لقول النبي ﷺ : (لا رهبانية في الإسلام).
والابتداع: ابتداء أمرٍ لم يحتذ على مثل، ومنه قول: البدعة خلاف السنة.
ويُسأَل عن قوله: (وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ)؟
والجواب: أنّ قتادة قال: ابتدعوا رفض النساء واتخاذ الصوامع.
وقيل: ما كتبناها عليهم إلا أنّهم ابتدعوها ابتغاء رضوان الله، فما رعوها حق رعايتها، وهذا قول عبد الرحمن بن زيد، قال ابن عباس: ابتدعوا لحاقهم بالبراري والجبال، فما رعاها الذين بعدهم حق رعايتها. وذلك لتكذيبهم بمحمد ﷺ ، وقيل: ما كتبناها عليهم: ما فرضناها عليهم، وقيل: ما كتبناها عليهم ألبتة.
стр. 430
ونصب (رَهْبَانِيَّةً) على هذا الوجه بإضمار فعلٍ تقديره: ابتدعوا رهبانية ابتدعوها، ونصب (رِضْوَانِ اللَّهِ) على البدل من (الهاء) في (مَا كَتَبْنَاهَا)، وهو قول الزجاج، وعلى القول الآخر يكون معطوفاً على ما قبله.
* * *
стр. 431
وَمِنْ سُورَةِ (الْمُجَادَلَةِ)
قوله تعالى: (مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ)
النجوى هاهنا: المتناجون، فأما قوله (إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ)، فمعناه:
التناجي، وأصله السرّ، قال قتادة: كان المنافقون يتناجون بينهم فيغيظ ذلك المؤمنين، وقيل: كانوا يوهمون أنّه حديث على المسلمين من حرب أو نحوها، وهو قول عبد الرحمن بن زيد، وقيل: نهى النبي صلى الله عليه اليهود عن النجوى؛ لأنَّهم كانوا لا يتناجون إلا بما يسوء المؤمنين.
ويجوز في (ثلاثة) و (خمسة) الجر والرفع:
فالجر: على أنّه نعتٌ على اللفظ.
والرفع: نعت على الموضع؛ لأنّ (مِنْ) زائدة، والمعنى: ما يكون نجوى ثلاثة، ومثله: (مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ) و (غَيْرِهِ).
ويجوز أن تكون النجوى بمعنى التناجي، فتكون (ثلاثة) مجرورة بالإضافة. وفيه بعد من قبل حذف الموصوف؛ لأنّ التقدير: ما يكون من نجوى نفرٍ ثلاثة. ولا يجوز الرفع على هذا الوجه.
стр. 432
قوله تعالى: (اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ)
الاستحواذ: الاستيلاء على الشيء بالاقتطاع له، وأصله من: حاذه يحوذه حوذاً، مثل: حاز يحوزه حوزاً، وهو أحد ما جاء على أصله ولم يُعَل، وكان قياسه: استحاذ، مثل: استقام واستعان، إلا أنّه جاء على أصله. كما يقال: حَوكةٌ وقَوَمةٌ وأغيلت المرأة وأغيمت السماء، وقالوا: استنوق الجمل، واستتيست الشاة والقياس في هذه الأشياء: حاكة وقامة وأغالت المرأة وأغامت السماء واستناق الجمل واستتاست الشاة.
* * *
стр. 433
وَمِنْ سُورَةِ (الْحَشْرِ)
قوله تعالى: (مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ (٥)
اللينة: كل نخلة سوى العجوة، هذا قول ابن عباس وقتادة، وقال مجاهد وعمرو بن ميمون وعبد الرحمن بن زيد: كل نخلة لينة، وقال سفيان: اللينة: الكريمة من النخل.
قال الفراء: حدثني حبان عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: أمر النبي صلى الله عليه بقطع النخل كله إلا " العجوة " وهو " البرني " في قول الفراء، والمستعمل في الكلام أنَّ (البرني) غير (العجوة) فيما يستعمله الآن أهل الحجاز، وذكر ابن إسحاق: أنّ النبي صلى الله عليه أمر بقطع نخل بني قريظة والنضير إلا (العجوة) فقالوا: محمد يزعم أنّه أُرسل مصلحاً وهو يقطع النخل وهذا إفساد. فأنزل الله تعالى: (مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ)، أي: بأمر الله، وجمع لينة: ليان. قال امرؤ القيس:
وسالِفةٍ كسَحُوق اللِّيا ... نِ أضْرَمَ فِيهَا الغَوِيُّ السُّعُرْ
ويقال: لِينٌ، بمنزلة: سِدرة وسدر. ويقال -: لِين، مثل: سدرة وسدَر. وكسرة وكِسَر قال: ذو الرُّمة:
طِراقُ الخَوافِي واقعٌ فوقَ رِيْعَةٍ ... ندى ليلِه في رِيْشِهِ يَتَرَقْرَقُ
стр. 434
ويحتمل اشتقاق (لينة) وجهين:
أحدهما: أن يكون من اللين، سميت بذلك للين ثمرتها.
والثاني: أن يكون من اللون فـ (الياء) على هذا القول بدل من (واو) لأنّه لون من التمر.
* * *
قوله تعالى: (كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (١٦))
جاء في التفسير أنّ الإنسان هاهنا: إنسانٌ بعينه كان من الرهبان وقع في بلية فأغواه الشيطان بأن قال له: إن خلصتك أتسجد لي سجدة واحدة، فأجابه إلى ذلك وسجد له فلما سجد واستراح إليه [ ... ]، حتى قتل، وكان يُسمى (برصيصاً)، هذا قول ابن عباس وابن مسعود، قال مجاهد: هو عام في جميع الكفار من الناس.
* * *
قوله تعالى: (هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى)
أجمع القراء المشهورون على كسر (الواو) وضم (الراء) من (الْمُصَوِّرُ)، وروي عن علي بن أبي طالب ﵁ أنّه قرأ (الْمُصَوِّرَ) بكسر الواو وفتح الراء، وروي (الْمُصَوَّرُ) بفتح الواو والراء جميعاً، وروي عن الأعمش (الْمُصَوَّرُ).
فمن نصب (الْمُصَوَّرَ). وفتح (الواو)، وجعل (الْمُصَوَّرَ) مفعولا بـ (الْبَارِئُ) وهو نعتٌ لمحذوف تقديره: البارئ الإنسان الْمُصَوَّرَ، أو آدم الْمُصَوَّرَ.
стр. 435
ومن كسر فهو يريد هذا المعنى إلا أنّه شبه هذا بالحسن الوجه على تقدير قول من قال: هذا الضاربُ الرجلِ، كما تقول: هذا الحسن الوجه، فيجر (الرجل) على التشبيه بالوجه. ويشبه (الضارب) بالحسن؛ لأنَّهما وصفان، ولأنهما يجتمعان في الجمع المسلّم، ولأنّ كل واحد منهما يأتي تأنيثه على حد تأنيث الآخر، نحو حسنٍ وحسنةٍ، كما تقول: ضاربٌ وضاربة، وقد نصبوا (الوجه) في قولهم: هذا الحسن الوجهَ على التشبيه، كقولك: هذا الضاربُ الرجلَ.
فأما الرفع في (المصوّر) فإنه بعيد. ويروى عن الأعمش، ووجهه فيما ذكروا أنّ المعنى: المصورُ في القلوب بآياته وعلامات ربوبيته، ولا يستحسن العلماء هذه القراءة لبعدها.
* * *
стр. 436
وَمِنْ سُورَةِ (الْمُمْتَحَنَةِ)
قوله تعالى: (وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ)
يسأل عن موضع (أنّ تُؤمِنُوا)؟
والجواب: أنّ موضعها نصب، والمعنى: يخرجون الرسول ويخرجونكم لأنّ تؤمنوا بالله، أي: من أجل ذلك، فـ (أنْ) مفعولُ له.
و (إياكم) معطوف على الرسول، إلا أنّه ضمير منفصل. والكاف والميم في موضع جر بالإضافة عند الخليل وحكي: إذا بلغ الرجل الستين فإياه وإيا الشوابِّ، وأنكر ذلك أكثر العلماء؛ لأنّ (إيا) مضمر والمضمر لا يضاف، وقال المبرد: (إيا) اسم مبهم أضيف إلى الكاف والميم، ولا يعرف اسم مبهم غيره، وهذا أيضاً قد أنكر عليه؛ لأنّ المبهم لا يضاف، وأنه ليس بمبهم وإنما هو مضمر بمنزلة (الكاف) من (رأيتك) ويدل على أنّه مضمر كونه على صفة واحدة لضرب واحد من الإعراب، وهذا شرط المضمر، وقال ابن كيسان: إنما جيء بها ليعتمد عليها (الكاف) لأنها لا تقوم بنفسها، وقال الكوفيون: (إياك) اسم بكماله، وقال الأخفش: الكاف للخطاب لا موضع لها بمنزلة الكاف في (ذلك) وكذا الهاء والياء في إياه وإياي، وهذا القول هو المختار عند أبي علي وأصحابه.
* * *
قوله تعالى: (وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ)
قيل في (الكوافر) قولان:
стр. 437
أحدهما: أنَّ المعنى: ولا تمسكوا بعصم النساء الكوافر، وهو الظاهر.
والثاني: أنّ المعنى: ولا تمسكوا بعصم الفرق الكوافر، ذكره أبو الفتح ابن جني، والآية تدل على القول الأول.
* * *
قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ (١٣)
اختلفوا في (الكفار) هاهنا:
فقيل: الكفار هاهنا يريد به: الذين يكفرون الموتى، أي: يدفنونهم؛ لأنهم إذا دفنوهم يئسوا منهم، فكذلك هَؤُلَاءِ الذين غضب الله عليهم قد يئسوا من البعث كما يئس هَؤُلَاءِ الذين دفنوا الموتى منهم.
وقيل: الكفار هاهنا يريد به: الكفار بالله، والمعنى: أنّهم قد يئسوا من البعث كما يئس الكفار الذين هم في القبور من ثواب الله ورحمته؛ لأنهم إذا صاروا إلى القبور عاينوا ما أعدَّ الله لهم من العذاب؛ لأنّه جاء في الحديث أنّه يُفتح لهم أبوابٌ من النار فيشاهدون مواضعهم فيها.
وقيل المعنى: كما يئس كفار العرب أن يحيى أهل القبور.
وقيل، هم أعداء المؤمنين من قريش، قد يئسوا من خير الآخرة كما يئس كفار العرب من النشأة الثانية.
* * *
стр. 438
وَمِنْ سُورَةِ (الصَّفِ)
قوله تعالى: (هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٢))
التجارة: طلب الربح في شراء السلعة، فاستُعيرها هنا لطلب الربح في عمل الطاعة.
والجهاد: مقاتلة العدو.
ومما يسأل عنه أن يقال: لم جاز (تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) فيما يقتضي الحمل على التجارة، ولا يصلح: التجارة تؤمنون، وإنما: التجارة أن تؤمنوا بالله؟
والجواب: أنّه جاء على طريق ما يدل على خبر التجارة لا على نفس الخبر إذ (فعل) يدل على مصدره وانعقاده بالتجارة في المعنى لا في اللفظ، وفي ذلك تؤطئة لا يُبنى عَلى المعنى في الإيجاز.
ويُسأَل عن جزم (يَغْفِرْ لَكُمْ) (وَيُدْخِلْكُمْ)؟
وفيه جوابان:
أحدهما: أنّه جواب (هل) لأنها استفهام وجواب الاستفهام مجزوم هذا القول أصحابنا. وقالوا: الدلالة على التجارة لا توجب المغفرة.
стр. 439
والقول الثاني: أنّه محمول على المعنى؛ لأنَّ قوله (تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) معناه: آمنوا بالله ورسوله وجاهدوا في سبيل الله، فهو أمرٌ جاء في لفظ الخبر، ويدل على ذلك أنّ عبد الله بن مسعود قرأ (آمنُوا باللهِ ورسُوله وَجَاهدُوا في سبيل اللهِ) ولا يمتنع أن يأتي الأمر بلفظ الخبر كما أتى الخبر بلفظ الأمر في قوله تعالى: (فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا). والمعنى: يمدُّ له الرَّحْمَنُ مَدًّا؛ لأنَّ القديم تعالى لا يأمر نفسه، ومثل ذلك (أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ)، فلفظه لفظ الأمر، ومعناه الخبر أي: ما أسمعهم وأبصرهم. أي: هَؤُلَاءِ ممن يجب أن يقال لهم ذلك.
* * *
стр. 440
وَمِنْ سُورَةِ (الْجُمُعَةِ)
قوله تعالى: (يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١))
التسبيح: التنزيه لله تعالى، والقدوس: المطهر من العيوب، والتقديس: التطهير، ومنه يقال: القدس حظيرة الجنة، ويقال: للسطل قدس؛ لأنّه يتطهر به، والعزيز: الممتنع. وقيل: الغالب، ومنه قوله تعالى: (وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ)، والحكيم: المحكم للأشياء، وأصل أحكم: منع. قال الأصمعي: قرأت في كتاب بعض الخلفاء: (أحكموا بني فلان عن كذا)، قال الشاعر:
ْأبَني حنيفة أحكِموا سُفهَاءَكم ... إني أخافُ عليكم أنّ أغَضَبَا
ومن هذا أخذت حكمة الدابة للحديدة.
ومما يسأل عنه أن يقال: لم جاز (يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ)، و (ما) إنما يقع على ما لا يعقِل، والتسبيح إنما هو لمن يعقل؟
وعن هذا جوابان:
أحدهما: أنّ (مَا) هاهنا بمعنى (مَنْ) كما حكى أبو زيد عن أهل الحجاز أنّهم كانوا إذا سمعوا الرعد قالوا: سبحان ما سبحت له.
стр. 441
والثاني: أنّ (ما) أعم مِنْ (مَنْ) وذلك أنها تقع على ما لا يعقل وعلى صفات من يعقل، فقد شاركت (مَن) في من يعقل وزادت عليها بكونها لما لا يعقل فصارت أعمّ منه، فجاءت لتدل على أنّ التسبيح من جميع الخلق عاقلهم وغير عاقلهم عام، ويدل على هذا قوله تعالى (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ).
* * *
قوله تعالى: (وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (١١)
جاء في التفسير: أنّ النبي ﷺ كان يخطب يوم الجمعة فقدِم دحية الكلبي بتجارة من الشام وفيه كل ما يحتاج إليه الناس. فضرب الطبل ليؤذن الناس بقدومه، فخرج جميع الناس إلا ثمانية نفر، فأنزل الله سبحانه: (وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً)، يعني التي قدم بها، (أَوْ لَهْوًا)، يعني الضرب بالطبل.
ويُسأَل عن قوله: (انْفَضُّوا إِلَيْهَا)، ولم يقل (إليهما)؟
وفى حرف عبد الله (انْفَضُّوا إِلَيْهِ)، ففي القراءة الأولى عاد الضمير إلى التجارة وفي القراءة الثانية على اللهو، وجاز أن يعود الضمير على أحدهما اكتفاءً به، وكأنه على حذفٍ، والمعنى: وإذا رأوا تجارة انفضوا إليها وإذا رأوا لهوا انفضوا إليه، فحذف (إليه) لأنّ (إليها) يدل عليه.
قال الفراء: إنما قال (إليها) لأنها كانت أهم إليهم، وهم بها أسرُّ من الطبل؛ لأنّ الطبل إنما دلّ على التجارة، والمعنى كله له.
стр. 442
فصل:
ومما يُسأل عنه أن يقال: لِمَ قدم التجارة على اللهو هاهنا، وأخرها في قوله: (قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ)؟
والجواب: أنّ التجارة هي المطلوبة، والفائدة فيها واللهو لا فائدة فيه، فأعلمهم أنّهم إذا رأوا تجارة وهي المرغوب فيها عندهم أو لهواً ولا فائدة فيه فينفضون، وعجَّزهم بذلك وبكتهم لأنهم يُعذرون في بعض الأحوال على التجارة ولا يعذرون على اللهو لأنّه ليس مما يرغب فيه العقلاء كما يرغبون في التجارة، ثم قال لنبيه ﵇: (قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ) الذي لا فائدة فيه (وَمِنَ التِّجَارَةِ) التي فيها الفائدة، فأُخِّر الأول هاهنا ليعلمهم أنّ ما عند الله خير مما لا فائدة فيه ومن الذي فيه فائدة، والعرب تبتدئُ بالأدنى ثم تتبعه بالأعلى، نحو قولهم: فلان يعطي العشرات والمئين والآلاف.
* * *
стр. 443
وَمِنْ سُورَةِ (الْمُنَافِقِينَ)
قوله تعالى: (وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ ... (٤))
الخُشُب: جمع خشبة. مثل: بُدُن وبدنة، والخَشَب: جمع خشبة أيضاً، مثل: شجرة وشجر. وقيل: خُشُب جمع خِشاب وخِشاب جمع خشبة كما يقال: ثِمَار وثُمُر، فعلى هذا يكون (خُشُبٌ) جمع الجمع، وكذلك (ثُمُر) من قوله تعالى: (وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ)، فخشبه وخشب بمنزلة شجرة وشجر، وخَشَب وخِشَاب بمنزلة جبل وجبال، وخِشاب وخُشُب بمنزلة كتاب وكتُب.
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي (خُشْبٌ) بإسكان الشين، وقرأ الباقون (خُشُبٌ) بالضم. وخُشْبٌ مخففة من خُشُبٌ كما يقال: رُسْل في رُسُل وكُتْب وكُتُب.
* * *
قوله تعالى: (يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ)
جاء في التفسير: أنّ النبي صلى الله عليه كان في غزوة من غزواته، فالتقى رجل من المسلمين يقال له " جعال " وآخر من المنافقين على الماء فازدحما عليه فلطمه " جعال " وأبصره " عبد الله بن أبي " فغضب، وقال: ما أدخلنا هَؤُلَاءِ القوم ديارنا إلا لتلطم مالهم قاتلهم الله، يعني جعالًا وقومه، ثم قال: إنكم لو منعتم أصحاب هذا الرجل القوت، يعني: النبي ﷺ لتفرقوا
стр. 444
عنه وانفضوا، فأنزل الله تعالى: (هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ). ثم قال عبد الله بن أُبي: لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ، وسمعها " زيد بن أرقم " فأخبر بها النبي صلى الله عليه فأنزل الله تعالى: (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ).
نصب (الْأَذَلَّ) لأنّه مفعول و (الْأَعَزُّ) فاعل، وأجاز الفراء: (لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ) على أنّ (لَيُخْرِجَنَّ) غير متعد لأنّه من خرج يخرج، قال: كأنك قلت: ليخرجن العزيز منها ذليلًا، وفي هذا بعد؛ لأنَّ (الأذل) معرفة، ولا يجوز أن تكون الحال معرفة، إلا أنّه ربما قُدِّرت الألف واللام كأنهما زائدتان، وقد حكى سيبويه: ادخلوا الأول فالأول، أي: ادخلوا متتابعين، فهذا على تقدير طرح الألف واللام، قال: وقرأ بعضهم: (لَنُخْرِجَنَّ الْأَعَزَّ مِنْهَا الْأَذَلَّ) بنون مضمومة، وهذا يدل على هذه الإجازة، ونصب (الأعزَّ) لأنّه مفعول، قال: ومعناها: ليُخرجن الأعزُّ في نفسه ذليلًا.
* * *
قوله تعالى: (فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠))
يُسأل عن نصب (فَأَصَّدَّقَ)؟
والجواب: أنّه منصوب لأنّه جواب التمني بالفاء، وكل جوابٍ بالفاء نصب إلا جواب الجزاء فإنه رفع على الاستئناف. لأنّ الفاء في الجزاء وصلة إلى الجواب بالجملة من المبتدأ والخبر، وإنما نصب الجواب للإيذان بأن الثاني يجب أن يكون بالأول، ودلت الفاء على ذلك، ولا يُحتاج إلى ذلك في الجزاء؛ لأنَّ حروف الجزاء تربط الكلام.
وقرأ أبو عمرو وحده (وَأَكُونَ) بالنصب والواو. وقرأ الباقون (وَأكُنْ) وقيل لأبي عمرو:
стр. 445
لمَ سقطت من المصحف؟ - فقال: كما كتبوا (كلمن)، يعني: أنها كذا يجب أن تكون، وإنما حذفت من المصحف استخفافاً، وهي قراءة عبد الله، وأجاز الفراء: النصب مع حذف الواو، والنصب على العطف.
وأما من قرأ (وَأكُنْ) فإنه عطف على (الفاء) قبل دخولها؛ لأنَّها لو لم تدخل لكان الفعل مجزوماً، وكل جواب يكون منصوبًا بالفاء فهو مجزوم بغير (الفاء) إلا الجحد فإنه لا يكون إلا بـ (الفاء)، والفاء تدخل جوابًا لسبعة أشياء وهي: الأمر والنهي والتمني والجحد والاستفهام والعرض والشرط.
* * *
стр. 446
وَمِنْ سُورَةِ (التَّغَابُنِ)
قوله تعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (٦)
قال علي بن عيسى: أنِفُوا من اتباع بشرٍ؛ لأنّه من جنسهم، فهو كما قال في موضعٍ آخر (أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ)، وكل متكبر في العباد مذموم؛ لأنّ كبره طريق إلى ترك تعلّم ما ينبغي أن يتعلم، والاتباع لمن ينبغي أن يتبع.
ويقال: ما معنى (بَشَرٌ) هاهنا؟
والجواب: أنّ البشر والإنسان سواء، وقيل: إنه مأخوذ من البشرة وهو ظاهر الجلد.
وفي رفع (بَشَرٌ) وجهان:
أحدهما أنّه فاعل بإضمار فعل يدلُّ عليه (يهدوننا)، كأنّه قال: أيهدوننا بشر يهدوننا، وإنما احتجت إلى إضمار فعلٍ لأنّ الاستفهام بالفعل أولى.
والقول الثاني؛ أنّه مبتدأ و (يهدوننا) خبره، وهو قول أبي الحسن الأخفش.
* * *
стр. 447
وَمِنْ سُورَةِ (الطَّلَاقِ)
قوله تعالى: (وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ (٤))
المحيض: بمعنى الحيض، والمحيض أيضاً: موضع الحيض وزمانه.
والارتياب: الشك، وجاء في التفسير في قوله (إِنِ ارْتَبْتُمْ) أنّ المعنى: إذا لم تدروا للكبر أو لدم الاستحاضة، فالعدة ثلاثة أشهر. وهو قول الزهري وعكرمة وقتادة، وقيل: إن ارتبتم فلم تدروا الحكم في ذلك فعدتهن ثلاثة أشهر.
ويُسأَل عن خبر قوله: (وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ)؟
والجواب: أنّه محذوف وهو جملة تقديرها: وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ عدتهن ثلاثة أشهر، ودلَّ عليه ما قبله.
و (وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ) مقطوع مما قبله؛ لأنَّ أجلهن مؤقت، وهو وضع حملهن.
* * *
قوله تعالى: (قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا (١٠) رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ)
стр. 448
يُسأل عن نصب (رَسُولًا)؟
وفيه ثلاثة أوجه:
أحدهما: أن يكون بدلًا من (ذِكْرًا)، والذكر على وجهين:
أحدهما - أن يكون القرآن، فيكون (رَسُولًا) بدلا منه؛ لأنّ المعنى يشتمل عليه. ويكون الذكر هو الرسول. فكأنه في التقدير: قد أنزل الله إليكم ذكراً ذا رسول.
والوجه الثاني - أن يكون الذكر الشرف. فيكون الرسول هو الذكر في المعنى، كما قال: (وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ).
والوجه الثاني: أن يكون منصوبًا بـ (جعل)؛ لأنَّ (أنزل) يدل عليه؛ لما قال: أنزل ذكراً، دل على أنّه جعل رسول، ومثله قول الشاعر:
بادَت وغيَّرَ آيَّهُنَّ مَعَ البلى ... إلا رَواكِدَ جمرُهن هَبَاءُ
ومُشَجَّجٍ أَمَّا سَواءُ قَذالِهِ ... فَبَدا وغَيَّبَ سارَهُ المَعْزاءُ
لأنّه لما قال: إلا رواكد، دلّ على أنّ بها رواكد، فحمل قوله: ومُشَجَّجٍ على المعنى.
والثالث: أن يكون منصوباً بإضمار (أعني).
وأجاز الفراء: الرفع في (رسول)؛ لأنّ (الذكر) رأس آية والاستئناف بعد الآيات حسن.
* * *
стр. 449
وَمِنْ سُورَةِ (التَّحْرِيم)
قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١)
قال الفراء: نزلت فى لا مارية القبطية، كان النبي صلى الله عليه يجعل لكل امرأة من نسائه يوماً، فلما كان يوم عائشة ﵂ زارتها حفصة فخلا بيتها، فبعث رسول الله صلى الله عليه إلى مارية وكانت مع النبي صلى الله عليه في بيت حفصة، وجاءت حفصة إلى منزلها فإذا الستر مرخي، وخرج النبي ﷺ ، فقال: أتكتمين عليَّ؟ - قالت: نعم، قال: فإنها عليَّ حرام، يعني " مارية " وأخبرك أنّ أباك وأبا بكر سيملكان من بعدي، فأخبرت حفصة عائشة الخبر، ونزل الوحي على النبي صلى الله عليه بذلك، فقال: ما حملك على ما فعلت؟ - قالت: ومن أخبرك أني قلت ذلك لعائشة؟ - قال: (نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ)، ثم طلق حفصة تطليقة واحدة، واعتزل نساءه تسعة وعشرين يومًا، ونزل عليه: (لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ) من نكاح مارية، ثم قال: (قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ) فكفَّر النبي صلى الله عليه عن يمينه، والتحلة: الكفارة، فأعتق رقبة، وعاد إلى مارية، ثم قال: عرَّف حفصة بعض الحديث، وترك بعض الحديث، وهذا الذي قال الفراء قول زيد بن أسلم ومسروق وقتادة والشعبي وعبد الرحمن بن زيد والضحاك.
وفي (النبي) لغتان: الهمز، وترك الهمز
فمن همز أخذه من أنبأ، وهو (فعيل) بمعنى (مُفعِل) أي: منبئ والمنبئ: المخبر؛ لأنّه يخبر عن الله تعالى، ويقال: سميع بمعنى مسمِع، قال عمرو بن معدي كرب:
стр. 450
أُمِنْ رَيَحانَةَ الدَّاعِي السمِيعُ ... يُؤَرِقُني وَأصحابي هُجُوعُ
يريد: المسمع.
وجمع (نبيء) بالهمز: نبآء، قيل: كريم وكرماء. قال عباس بن مرداس:
يا خاتَم النُّبَآء إنَّك مُرْسَلٌ ... بالخيرِ كلُّ هدى السَّبيلِ هُدَاكا
ويقال: نبيّ بغير همز، ويحتصل وجهين:
أحدهما: أن يكون من (أنبأ) إلا أنّه خُفف بترك الهمز، كما قالوا: برية وروية، وأصلها الهمز.
والوجه الثاني: أنّه يحتمل أن يكون من (النباوة) وهي المرتفع من الأرض، فلارتفاع ذكره سُمّي بذلك، وجمعه على هذا: أنبياء، بمنزلة: غني وأغنياء، وترك الهمز أفصح. ويروى أنّ رجلاً قال للنبي صلى الله عليه: يا نبيء الله - بالهمز - فقال: لست بنبيء الله ولكنني نبي الله، فهذا يدل على ترك الهمز، وكأنه كره التقعير.
* * *
قوله تعالى: (إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا)
يقال: لمَ جمعت القلوب؟
وعن هذا أجوبة
أحدها: أنّ التثنية جمع في المعنى، فوضع الجمع موضع التثنية، كما قال تعالى: (وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ)، وإنما هو داود وسليمان ﵉.
стр. 451
والثاني: أنّ أكثر ما في الإنسان اثنان اثنان نحو: اليدين والرجلين والعينين والخدين، وما أشبه ذلك، وإذا جُمع اثنان إلى اثنين صار جمعاً، فيقال: أيديهما وأرجلهما، ثم حمل ما كان في الإنسان منه واحد على ذلك لئلا يختلف حكم لفظ أعضاء الإنسان.
والثالث: أنّ المضاف إليه مثنًى فكرهوا أن يجمعوا بين تثنيتين فصرفوا الأول منهما إلى لفظ الجمع؛ لأنَّ لفظ الجمع أخف؛ لأنّه أشبه بالواحد؛ لأنَّه يُعرب بإعرابه ويستأنف كما يستأنف الواحد، وليست التثنية كذلك؛ لأنَّها لا تكون إلا على حدٍّ واحد، ولا تختلف، ومن العرب من يثني فيقول: قلباهما، قال الراجز فجمع بين اللغتين:
ومَهْمَهَيْنِ قَذَفَيْنِ مَرْتَيْنْ ... ظهراهُما مِثلُ ظهورِ التُّرْسَيْنْ
وقال الفرزدق:
بِمَا فى فُؤادَينَا مِن الشَّوقِ والهوَى ... فَيُجبرُ منهَاضُ الفؤادِ المشَغّفِ
ومن العرب من يفرد، ويروى أنّ بعضهم قرأ (فَبَدَتْ لَهُمَا سَوَّاتِهما).
قال الفراء في قوله: (صَغَتْ قُلُوبُكُمَا) يعني: عائشة وحفصة قد صَغَتْ قُلُوبُهمَا، وذلك أنّ عائشة قالت: يا رسول الله: أما يوم غيري فتتمه وأمّا يومي فتفعل فيه ما فعلت، فنزلت: (إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ).
стр. 452
ومعنى صغت: زالت ومالت إلى ما كان من تحريم، وقيل: زاغت إلى الإثم، وهو قول ابن عباس ومجاهد والضحاك.
ْقوله تعالى: (فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ (٤))
المولي في الكلام على تسعة أوجه:
المولي: السيد، والولي: العبد، والولي: المنعِم، والولي: المنعَم عليه، والمولى: الولي، والمولى: ابن العم، والمولى: واحد الموالي وهم العصبة من قوله تعالى: (وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي). والمولى أولى من قوله تعالى (وَهُوَ وَلِيُّهُمْ) أي: أولى بهم، قالَ لبيد:
فَغَدَتْ كِلاَ الفَرْجَيْنِ تحسب أنَّه ... مَوْلَى المخافةِ خَلْفُها وأمامُها
أي: أولى.
وفي (جِبْرِيل) أربع لغات:
جِبريل - بكسر الجيم -، وجَبريل - بفتحها - وجَبرائيل - بفتح الجيم وكسر الهمزة -، وجَبرائيل، وقد قرئ بذلك كله، فقرأ نافع وأبو عمرو وابن عامر وحفص عن عاصم (جِبْرِيل) بكسر الجيم دون همز، وقرأ الكسائي وحمزة (جَبْرِائيل) مفتوح الجيم مهموز بين الراء والياء، وقرأ أبو بكر عن عاصم (جَبْرِئيل) على وزن (فبرعيل). وقرأ ابن كثير (جَبْرِيل) بفتح الجيم وكسر الراء من غير همز، ومن العرب من يقول: جَبريلّ بتشديد اللام، ومنهم من يبدل من اللام نوناً.
стр. 453
وقيل في (صَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ) ثلاثة أقوال:
أحدها: خيار المؤمنين، وهو قول الضحاك.
والثاني: الأنبياء، وهو قول قتادة، و (ظَهِيرٌ) في هذين القولين في معنى ظهراء، والظهير: العين، وقع الواحد موقع الجمع وكذا: (صَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ) واحد في معنى الجمع، كما قال: (فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا)، ومثله: (سَامِرًا تَهْجُرُونَ).
والقول الثالث: أنّه عنى " أبا بكر " وقيل " عمر " وقيل: " علي " ﵃.
ْوقوله: (فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ) يجوز في قوله (هو) وجهان:
أحدهما: أن يكون فصلًا دخل ليفصل بين المبتدأ والخبر، والكوفيون يسمونه (عماداً).
والثاني: أن يكون مبتدأ و (مولاه) الخبر، والجملة خبر (إنّ).
ومن جعل (مولاه) بمعنى السيد والخالق كان الوقف على قوله (مولاه) وكان (جبريل) مبتدأ و (ظَهِيرٌ) خبره.
ومن جعل (مولاه) بمعنى ولي وناصر جاز أن يكون الوقف على قوله: (وجبريل). وجاز أن يكون على قوله (وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ) ويبتدأ (وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ)، فيكون (ظَهِيرٌ) عائدا على (الملائكة).
* * *
قوله تعالى: (وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ (١٢))
стр. 454
قرأ أبو عمرو وحفص عن عاصم وخارجه عن نافع (وكتبه) وقرأ الباقون (وكتابه)، والمعنى واحد، إلا أنّ من قرأ بالإفراد جعل الواحد في موضع الجمع، ومن جمع قرأ على الأصل؛ لأنَّ الله تعالى قد أنزل كتبًا قبل مريم ﵍، وقد آمنت بجميعها، ويجوز أن يعود قوله (وكتابه) على التوراة؛ لأنها كانت أظهر عندهم، وإذا حمل على الجمع أراد التوراة وصحف إبراهيم وإدريس وآدم ﵈ وغيرها من الصحف التي أنزل الله تعالى.
ويُسأل عن قوله (مِنَ الْقَانِتِينَ)، كيف قال: من القانتين، ولم يقل من القانتات؟.
والجواب: أنّ القنوت يقع من المذكر والمؤنث، وإذا اجتمعا غلب المذكر على المؤنث، فكأنه في التقدير: كانت من العباد القانتين، فعمَّ في القانتين، ولأنها كانت في قنوتها وخدمتها لبيت المقدس مقام رجل أو رجال.
* * *
стр. 455
وَمِنْ سُورَةِ (الْمُلْكِ)
قوله تعالى: (تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ)
قال علي بن عيسى: معنى (تبارك) تعالى؛ لأنَّه الثابت الدائم الذي لم يزل ولا يزال، وذلك أنّ أصل الصفة: الثبوت، من البروك وهو ثبوت الطير على الماء، ومنه البركة لثبوت الخير بها، قال: ويجوز في معنى (تبارك) تعالى من جميع البركات منه، إلا أنَّ هذا المعنى مضمن في الصفة غير مصرح به، وإنما المصرح به: تعالى باستحقاق التعظيم والملك: القدرة والسلطان، وأصله من أصل الملك، وأصل الملك من الشدّ، يقال: ملكت العجين إذا شددته، وقد شرح في الفاتحة.
* * *
قوله تعالى: (لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا)
الابتلاء: الاختبار، يقال: بلوت هذا الأمر وابتليته أي: اختبرته، قال زهير:
فأبلاهُم خَيرَ البَلاءِ الذي يَبلُو
ويقال: لم يبلُ من يخبر، أي: يعلم، والجواب لتقوم الحجة، لئلا يبقى للخلق على الله حجة،
стр. 456
ويكون الثواب والعقاب بعد العلم بوقوع الأمر دون العلم بأنه سيكون كذلك.
وقوله (أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) مبتدأ وخبر، ولا يعمل فيه (ليبلوكم) لأنّ البلوى لم تقع على قوله (أَيُّكُمْ)، وفي الكلام إضمار فعل، والتقدير ليبلوكم لينظر (أَيُّكُمْ) أطوع له، وكذلك قوله تعالى (سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ)، وإنما يأتي هذا ونحوه في أفعال العلم، ولو قلت: اضرب أيُهم ذهب أو يذهب، لم يكن إلا نصباً؛ لأنّ الضرب ليس من هذا القبيل، ومن هذا القبيل قوله: (لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى) وقوله: (لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا) وقوله: (فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا)، وقد شرحنا ذلك.
* * *
قوله تعالى: (أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤))
يسأل عن موضع (مَنْ) من الإعراب؟
والجواب: أنها في موضع رفع. لأنها فاعل (يعلم) والتقدير: يعلم الذي خلق ما في الصدور، ولا يجوز أن تكون مفعولة؛ لأنّ المعنى لا يصح على ذلك، وذلك أنَّ (مَن) لمن يعقل دون ما لا يعقل فلو
стр. 457
جعلت (مَنْ) مفعولة لصار المعنى أنّه يعلم العقلاء خاصة ولا يعلم سواهم وهذا لا يصح على القديم.
* * *
قوله تعالى: (أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ)
يقال ما معنى (مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ)؟
والجواب: أنّه تعالى وطأ لهن الهواء، ولولا ذلك لسقطن، وفي ذلك أكبر آية، قال مجاهد وقتادة: الطير تصفُّ أجنحتها تارة وتقبضها أخرى.
ومما يسأل عنه أن يقال: كيف عطف (يَقْبِضْنَ) وهو فعل على (صَافَّاتٍ) وهو اسم، ومن الأصل المقرر أنّ الفعل لا يُعطف على الاسم، وكذلك الاسم لا يعطف على الفعل؟
والجواب: أنّ (يَقْبِضْنَ) وإن كان فعلًا فهو في موضع الحال وتقديره تقدير اسم فاعل، و (صَافَّاتٍ) حال، فجاز أن يعطف عليه، فكأنه قال: أولم يرو أنّ الطير فوقهم صافات وقابضات، وقد جاء مثل هذا في الشعر، قال الراجز:
بات يُغَشِّيها بعَضْبٍ باترٍ ... يَقْصِدُ في أَسْوُقِها وجائِرُ
* * *
قوله تعالى: (أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٢))
يقال: ما معنى الاستفهام هاهنا، وقد عُلم أنّ من يمشي على صراطٍ مستقيم أهدى ممن يمشي مُكِبًّا؟
والجواب: أنّه إنكار وتبكيت وليس باستفهام في الحقيقة؛ لأنّ الاستفهام إنما يكون عن جهل من
стр. 458
المستفهم بما يستفهم عنه، وهذا لا يجوز على القديم تعالى، ومثل هذا الإنكار قوله تعالى: (آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ) وكذلك قوله: (آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ) فأما قوله: (آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ) فإنما جاز هذا وقد علم أنّه تعالى خير مما يشركون من قبل أنّهم كانوا يعتقدون أنَّ فيما يشركون خيراً، فخاطبهم على قدر اعتقادهم من جهة التبكيت لهم والإنكار عليهم، وفيه حذف والتقدير: أعبادة الله خير أم عبادة ما يشركون، ومثله (يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ).
ويقال: أكب الرجل على وجهه فهو مكب، وكببته أنا، وهذا من نوادر الفعل، وذلك أنّ (أفعل) لازم و (فَعَل) متعدٍ. والأصول المقررة بخلاف ذلك، نحو قولك: قام وأقمته وخرج وأخرجته، فيكون (فَعَل) لازما في مثل هذا، و (أفعل) متعدياً، ومثل (أكب) قولهم: أنزفت البئر، إذا ذهب ماؤها، وأمرت الناقة، إذا درَّ لبنها، ومريتها أنا إذا استدررتها بالمسح، وأشنق البعير إذا رفع رأسه. وشنقته أنا إذا مددته بالزمام، وقال الله تعالى في (كبّ) متعديًا: (فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ)، وكذلك: (فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ).
* * *
قوله تعالى: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ (٣٠))
стр. 459
يقال: غار الماء يغور غوراً، إذا غاص في الأرض.
والمعين: الذي تراه العيون، وقيل المعين: الجاري، وهو قول قتادة والضحاك، فعلى القول الأول يكون (مفعولاً) من العين، كمبيع من البيع ومكيل من الكيل، وعلى القول الثاني يكون في تقدير (الفاعل) وتكون (ميمه) أصلية. ويكون من الإمعان في الجري، ويجوز أن يكون في معنى (مفعول) فتكون (الميم) زائدة، كأنّه قد أجري عيوناً، قال الفراء: العرب تقول، (أصبح ماؤكم غورا ومياهكم غوراً، ويقال: هذا ماء غور وبئر غور وماءان غور ومياه غور، فلا يجمعون ولا يثنون، ولا يقولون: غوران ولا أغوار، وهو بمنزلة: الزور، يقال: هَؤُلَاءِ زور لفلان، وكذلك: الضيف والصوم والفطر، وفي تقديره وجهان:
أحدهما: أن يكون في تقدير: ذا غور.
والثاني: أن يكون المصدر وضع موضع اسم الفاعل، كما قالوا: جاء ركضًا ومشيًا، أي: راكضاً وماشياً.
* * *
стр. 460
وَمِنْ سُورَةِ (الْقَلَمِ)
قوله تعالى: (ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (١)
النون: في قول ابن عباس ومجاهد: الحوت الذي عليه الأرضون وجمعه (نينان) سماعًا لا قياسًا، وروي عن ابن عباس من طريقة أخرى: أنّ (النون) الدواة. وهو قول الحسن وقتادة، وقيل: (النون) لوح من نورٍ ذكر في خبر مرفوع، وقيل: هو اسمٌ للسورة، وحكمه في الإعراب إذا كان اسمًا للسورة حكم (الم).
وقرأ الكسائي وعاصم في طريقة أبي بكر (ن والقلم) بالإخفاء، وقرأ الباقون بالإظهار، وقال الفراء: وإظهارها أعجب إليَّ؛ لأنَّها هجاء، والهجاء كالموقوف عليه وإن اتصل، ومن أخفاها بنى على الاتصال.
* * *
قوله تعالى: (بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ (٦))
يسأل عن (الباء) هاهنا؟
وفيها ثلاثة أجوبة:
أحدها: أنها زائدة، والتقدير: أَيّكُمُ الْمَفْتُونُ.
следующие страницы →