Полный текст (567 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
ويكون الثواب والعقاب بعد العلم بوقوع الأمر دون العلم بأنه سيكون كذلك.
وقوله (أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) مبتدأ وخبر، ولا يعمل فيه (ليبلوكم) لأنّ البلوى لم تقع على قوله (أَيُّكُمْ)، وفي الكلام إضمار فعل، والتقدير ليبلوكم لينظر (أَيُّكُمْ) أطوع له، وكذلك قوله تعالى (سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ)، وإنما يأتي هذا ونحوه في أفعال العلم، ولو قلت: اضرب أيُهم ذهب أو يذهب، لم يكن إلا نصباً؛ لأنّ الضرب ليس من هذا القبيل، ومن هذا القبيل قوله: (لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى) وقوله: (لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا) وقوله: (فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا)، وقد شرحنا ذلك.
* * *
قوله تعالى: (أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤))
يسأل عن موضع (مَنْ) من الإعراب؟
والجواب: أنها في موضع رفع. لأنها فاعل (يعلم) والتقدير: يعلم الذي خلق ما في الصدور، ولا يجوز أن تكون مفعولة؛ لأنّ المعنى لا يصح على ذلك، وذلك أنَّ (مَن) لمن يعقل دون ما لا يعقل فلو
стр. 457
جعلت (مَنْ) مفعولة لصار المعنى أنّه يعلم العقلاء خاصة ولا يعلم سواهم وهذا لا يصح على القديم.
* * *
قوله تعالى: (أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ)
يقال ما معنى (مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ)؟
والجواب: أنّه تعالى وطأ لهن الهواء، ولولا ذلك لسقطن، وفي ذلك أكبر آية، قال مجاهد وقتادة: الطير تصفُّ أجنحتها تارة وتقبضها أخرى.
ومما يسأل عنه أن يقال: كيف عطف (يَقْبِضْنَ) وهو فعل على (صَافَّاتٍ) وهو اسم، ومن الأصل المقرر أنّ الفعل لا يُعطف على الاسم، وكذلك الاسم لا يعطف على الفعل؟
والجواب: أنّ (يَقْبِضْنَ) وإن كان فعلًا فهو في موضع الحال وتقديره تقدير اسم فاعل، و (صَافَّاتٍ) حال، فجاز أن يعطف عليه، فكأنه قال: أولم يرو أنّ الطير فوقهم صافات وقابضات، وقد جاء مثل هذا في الشعر، قال الراجز:
بات يُغَشِّيها بعَضْبٍ باترٍ ... يَقْصِدُ في أَسْوُقِها وجائِرُ
* * *
قوله تعالى: (أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٢))
يقال: ما معنى الاستفهام هاهنا، وقد عُلم أنّ من يمشي على صراطٍ مستقيم أهدى ممن يمشي مُكِبًّا؟
والجواب: أنّه إنكار وتبكيت وليس باستفهام في الحقيقة؛ لأنّ الاستفهام إنما يكون عن جهل من
стр. 458
المستفهم بما يستفهم عنه، وهذا لا يجوز على القديم تعالى، ومثل هذا الإنكار قوله تعالى: (آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ) وكذلك قوله: (آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ) فأما قوله: (آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ) فإنما جاز هذا وقد علم أنّه تعالى خير مما يشركون من قبل أنّهم كانوا يعتقدون أنَّ فيما يشركون خيراً، فخاطبهم على قدر اعتقادهم من جهة التبكيت لهم والإنكار عليهم، وفيه حذف والتقدير: أعبادة الله خير أم عبادة ما يشركون، ومثله (يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ).
ويقال: أكب الرجل على وجهه فهو مكب، وكببته أنا، وهذا من نوادر الفعل، وذلك أنّ (أفعل) لازم و (فَعَل) متعدٍ. والأصول المقررة بخلاف ذلك، نحو قولك: قام وأقمته وخرج وأخرجته، فيكون (فَعَل) لازما في مثل هذا، و (أفعل) متعدياً، ومثل (أكب) قولهم: أنزفت البئر، إذا ذهب ماؤها، وأمرت الناقة، إذا درَّ لبنها، ومريتها أنا إذا استدررتها بالمسح، وأشنق البعير إذا رفع رأسه. وشنقته أنا إذا مددته بالزمام، وقال الله تعالى في (كبّ) متعديًا: (فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ)، وكذلك: (فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ).
* * *
قوله تعالى: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ (٣٠))
стр. 459
يقال: غار الماء يغور غوراً، إذا غاص في الأرض.
والمعين: الذي تراه العيون، وقيل المعين: الجاري، وهو قول قتادة والضحاك، فعلى القول الأول يكون (مفعولاً) من العين، كمبيع من البيع ومكيل من الكيل، وعلى القول الثاني يكون في تقدير (الفاعل) وتكون (ميمه) أصلية. ويكون من الإمعان في الجري، ويجوز أن يكون في معنى (مفعول) فتكون (الميم) زائدة، كأنّه قد أجري عيوناً، قال الفراء: العرب تقول، (أصبح ماؤكم غورا ومياهكم غوراً، ويقال: هذا ماء غور وبئر غور وماءان غور ومياه غور، فلا يجمعون ولا يثنون، ولا يقولون: غوران ولا أغوار، وهو بمنزلة: الزور، يقال: هَؤُلَاءِ زور لفلان، وكذلك: الضيف والصوم والفطر، وفي تقديره وجهان:
أحدهما: أن يكون في تقدير: ذا غور.
والثاني: أن يكون المصدر وضع موضع اسم الفاعل، كما قالوا: جاء ركضًا ومشيًا، أي: راكضاً وماشياً.
* * *
стр. 460
وَمِنْ سُورَةِ (الْقَلَمِ)
قوله تعالى: (ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (١)
النون: في قول ابن عباس ومجاهد: الحوت الذي عليه الأرضون وجمعه (نينان) سماعًا لا قياسًا، وروي عن ابن عباس من طريقة أخرى: أنّ (النون) الدواة. وهو قول الحسن وقتادة، وقيل: (النون) لوح من نورٍ ذكر في خبر مرفوع، وقيل: هو اسمٌ للسورة، وحكمه في الإعراب إذا كان اسمًا للسورة حكم (الم).
وقرأ الكسائي وعاصم في طريقة أبي بكر (ن والقلم) بالإخفاء، وقرأ الباقون بالإظهار، وقال الفراء: وإظهارها أعجب إليَّ؛ لأنَّها هجاء، والهجاء كالموقوف عليه وإن اتصل، ومن أخفاها بنى على الاتصال.
* * *
قوله تعالى: (بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ (٦))
يسأل عن (الباء) هاهنا؟
وفيها ثلاثة أجوبة:
أحدها: أنها زائدة، والتقدير: أَيّكُمُ الْمَفْتُونُ.
стр. 461
والثاني: أنّها بمعنى (في) والتقدير: في أي فرقكم المفتون، أي: المجنون. وهذا قول الفراء.
والقول الثالث: أنّ (المفتون) بمعنى: الفتون، كما يقال: ماله معقول، وليس له محصول، وهذا قول ابن عباس.
قال مجاهد: المفتون: المجنون. وقال قتادة المعنى في (بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ) أيكم أولى بالشيطان، جعل (الباء) زائدة.
قال الراجز:
نَحنُ بني جَعَدة أصحابُ الفَلجَ ... نَضربُ بالسيفِ ونرجُو بالفَرجْ
أىِ: نرجو الفرج.
* * *
قوله تعالى: (سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ (١٦) إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ (١٧) وَلَا يَسْتَثْنُونَ (١٨) فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ (١٩) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ (٢٠))
السمة: العلامة، يقال: وسمه يسمه وسماً وسماً.
والخرطوم ما نتأ من الأنف، وهو الذي يقع به الشم، ومنه قيل: خرطوم الفيل، وخرطمه: إذا قطع أنفه، وجمعه: خراطيم.
قال قتادة المعنى: سنسمه على أنفه، وروي عن ابن عباس في (سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ) سنُحطمه بالسيف في يوم بدر، قال الفراء: أي سنكويه ونسمه سمة أهل النار، ومعناه: سنسوّد وجهه، وهو وإن كان الخرطوم قد خصّ بالسمة فإنه كأنّه في مذهب الوجه؛ لأنَّ بعض الوجه يؤدي عن
стр. 462
البعض. والعرب تقول: والله لأسمنك وسماً لا يفارقك.
وقيل: الخرطوم: الخمر، والمعنى: سنسمه على شرب الخمر، قال الشاعر:
أَبَا حاضِرٍ مَنْ يَزْنِ يُعْرَفْ زِناؤُهُ ... ومَنْ يَشرَبِ الخُرْطُومَ يُصْبِحْ مُسَكَّرا
والجنة: البستان، والصرام: الجداد في النخيل بمنزلة: الحصاد والقطاف في الزرع والكرم، يقال: صرمت النخل وجددتها، وأصرمتْ هي وأجدت إذا حان ذلك منها.
ومصبحين: داجلين وقت الصبح.
ولا يستثنون: لا يقولون (إن شاء الله).
والطائف: الطارق بالليل، فإذا قيل: (أطاف به) صلح في الليل والنهار.
وأنشد الفراء:
أَطَفْتُ بِهَا نَهَارًا غَيْرَ لَيْلٍ ... وأَلْهَى رَبَّها طَلبُ الرّخَالِ
والرخال: الإناث من أولاد الضأن، والصريم: الليل الأسود، قاله ابن عباس، وأنشد أبو عمرو:
ألا بكَرت وَعَاذلِتي تلُوم ... تُهَجِدُني وَمَا انكشَفَ الصَريمُ
стр. 463
وقال آخر:
تَطاوَلَ ليلُكَ الجَونُ البَهيمُ ... فَمَا يَنجابُ عَن صُبحٍ صَريمُ
إذَا ما قلت أقشع أو تناهى ... جُرَت من كُل ناحِيةٍ غُيومُ
ويُسمى النهار صريماً، وهو من الأضداد؛ لأنّ الليل ينصرم عند مجيء النهار، والنهار ينصرم عند مجيء الليل، وقيل: الصريم: المصروم، أي: صرِم جميع ثمارها، والمعنى: فأصبحت كالشيء المصروم، وقيل: الصريم: الصحيفة، أي: أصبحت بيضاء لا شيء فيها، وقيل: الصريم: منقطع الرمل الذي لا نبات فيه، قال الفراء المعنى: بلونا أهل مكة كما بلونا أصحاب الجنة، وهم قوم من أهل اليمن كان لرجلٍ منهم زرع وكرم ونخل، وكان يترك للمساكين من زرعه ما أخطأه المنجل، ومن النخل ما سقط عن البسط، ومن الكرم ما أخطأه القطاف، فكان ذلك يرتفع إلى شيء كثير، ويعيش به اليتامى والأرامل والمساكين. فمات الرجل وله بنون ثلاثة، فقالوا: كان أبونا يفعل ذلك والمال كثير والعيال قليل، فأما إذ كثر العيال وقلَّ المال فإنا لا نفعل ذلك، ثم تآمروا أن يصرموا في سدف، أي: في ظلمة باقية من الليل؛ لئلا يبقى للمساكين شيء، فسلط الله على مالهم نارًا فأحرقته ليلًا.
(وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ) أي: على منع، من قولهم: حاردت السَّنَة إذا منعت قطرها. وقال الفراء:
على قصدٍ، وقال أيضاً: على قدرة وجدٍّ في أنفسهم، وأنشد في الحرد بمعنى القصد:
أَقْبَل سَيْلٌ جَاءَ مِنْ عِند اللَّهْ ... يَحْرِدُ حَرْدَ الجَنَّةِ المُغِلَّهْ
في كُل شهر دائم الأهلّة
стр. 464
وقيل: (عَلَى حَرْدٍ) على جد من أمرهم، وهو قول مجاهد وقتادة وعبد الرحمن بن زيد، وقال الحسن: على جهدٍ من الفاقة، وقال سفيان: على حنق، قال الأشهب بن رميلة:
أُسُودُ شَرىً لاقَتْ أُسُودَ خَفِيَّةٍ ... تَسَاقَوْا عَلَى لَوحٍ دِماءَ الأَساوِدِ
وقيل: (عَلَى حَرْدٍ) على غضب.
قال: فلما جاءوا إليها ليصرموها لم يروا شيئًا إلا سواداً، فقالوا: إنا لضالون ما هذا بمالنا الذي نعرف. أي: ضللنا عن جنتنا، وقيل: ضالون عن طريق الرشاد في إدراك جنتنا قال قتادة: أخطأنا الطريق، وقيل: ضالون عن الحق في أمرنا، ولذلك عوقبنا بذهاب ثمرتنا، ثم قال بعضهم: هو مالنا، وحُرمنا بما صنعنا بالأرامل والمساكين (قَالَ أَوْسَطُهُمْ) أي: أعدلهم طريقةً، وكانوا قد أقسموا ليصرمنها في أول الصباح، ولم يقولوا " إن شاء الله " فقال لهم أوسطهم، وهو أخٌ لهم: ألم أقل لكم لولا تسبحون. أي: تستثنون، والتسبيح هاهنا: الاستثناء، وهو أن يقول " إن شاء الله ".
وموضع (الكاف) نصب، لأنها نعتٌ لمصدرٍ محذوف، والتقدير: إنا بلوناهم بلاءً كما بلونا أصحاب الجنة.
* * *
стр. 465
وَمِنْ سُورَةِ (الْحَاقَّةِ)
قوله تعالى: (الْحَاقَّةُ (١) مَا الْحَاقَّةُ (٢) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ (٣) كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ (٤) فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ (٥))
الحاقة: اسم من أسماء القيامة، لأنها يحقُّ فيها الجزاء، وكذلك القارعة؛ لأنَّها تقرع قلوب العباد.
وثمود وعاد: قبيلتان من الجبلة الأولى، وهي ستة: عاد وثمود وطسم وجديس وأميم وأرم.
والطاغية: قيل معناه: الخصلة الطاغية، وقيل معناها: الطغيان، بمنزلة العاقبة والعافية، قال ابن عباس: القارعة: يوم القيامة، وقال قتادة: الطاغية: الصيحة المتجاوزة في العظم، وقال ابن عباس والضحاك وقتادة وابن زيد. الحاقة: القيامة.
* * *
فصل:
ومما يسأل عنه أن يقال: لِمَ كرر لفظها، ولم يضمر لتقدم ذكرها؟
والجواب: أنها كررت، ولم تضمر للتعظيم والتفخيم لشأنها، ومثله: (الْقَارِعَةُ (١) مَا الْقَارِعَةُ (٢))، ومثله قوله: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢).
стр. 466
ويسأل عن موضع (الْحَاقَّة) من الإعراب؟
وفيها جوابان:
أحدهما: أن تكون مبتدأة، وقوله (مَا الْحَاقَّةُ) خبرها، كأنّه قال: الحاقة أيّ شيء هي.
والثاني: أن تكون خبر مبتدأ محذوف، أي: هذه الحاقة، ثم قيل: أي شيء الحاقة. تفخيماً لشأنها. وتلخيص المعنى: هذه السورة الحاقة.
وقوله: (وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ)، (ما) في موضع رفع بالابتداء، وهي استفهام، و (الْحَاقَّةُ) الخبر. والجملة في موضع نصب على المفعول الثاني لـ (أدراك) من قوله (وما أدراك).
* * *
قوله تعالى: (وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا)
الأرجاء: الجوانب، واحدها " رجا "، وهو يُكتب بالألف؛ لأنَّ تثنيته بالواو، قال الشاعر:
فَلَا يُرْمَى بِيَ الرَّجَوانِ أَنِّي ... أَقَلُّ القَوْمِ مَنْ يُغْنِي مَكانِي
والملك: واحد ويُراد به الجماعة؛ لأنّه جنس، ولا يجوز أن يكون واحداً بعينه؛ لأنّه لا يصح أن يكون ملك واحد على أرجائها، أي: جوانبها فى وقت واحد. ومثل ذلك قوله تعالى:
стр. 467
(وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢))، أي: إن الناس؛ لأنّه قال: (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ)، ولا يستثنى من الواحد، ومثله: (وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ) أي: المفسدين من المصلحين، وكذا قول العرب:
أهلك الناس الدينار والدرهم، أي: الدنانير والدراهم.
* * *
قوله تعالى: (وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ (٤١) وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٤٢))
قول الشاعر: ما ألفه بوزنٍ، وجعله مقفى، وله معنى. وقول الكاهن: السجع، وهو كلام متكلف يُضم على معنى يشاكله.
ومما يسأل عنه: لِمَ مُنع الرسول ﵇ من الشعر؟
وعن هذا جوابان:
أحدهما: أنّ الغالب من حال الشعراء أنّه يبعث على الشهوة، ويدعو إلى الهوى، والرسول ﵇ إنما يأتي بالحكم التي يدعو إليها العقل للحاجة إلى العمل عليها، والاهتداء بها.
والثانى: أنّ في منعه من قول الشعر دلالة على أنّ القرآن ليس من صفة الكلام المعتاد بين الناس، وأنه ليس بشعر؛ لأنَّ الذي يتحدى به غير شعر، ولو كان شعراً لنُسب إلى من تحدى به وأنه من قوله.
ويسأل عن نصب قوله: (قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ) و (قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ)؟
وفيه وجهان:
стр. 468
أحدهما: أن يكون نعتًا لمصدرٍ محذوف، أي: إيماناً قليلاً ما تؤمنون. وادكارا، قليلًا تذكرون.
والثاني: أن يكون نعتًا لظرف محذوف، أي: وقتا قليلًا تؤمنون ووقتاً قليلًا تذكرون، و (ما) على هذا التقدير صلة، وإن شئت جعلت (ما) مصدرية. فيكون التقدير: قليلًا إيمانكم وقليلًا ادكاركم. وتكون في موضع رفع بـ (قليلًا).
* * *
стр. 469
وَمِنْ سُورَةِ (الْمَعَارِجِ)
قوله تعالى: (سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ (١) لِلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ (٢))
قال مجاهد: هذا السائل هو الذي قال: (اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ)، وهو النضر بن الحارث، وقال الحسن: سأل المشركون فقالوا: لمن هذا العذاب الذي تذكر يا محمد؟ - فجاء جوابهم بأنه (لِلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ)، وقيل: " اللام " في قوله: (للكافرين) بمعنى " على " أي: واقعٌ على الكافرين، وقال الفراء: هي بمعنى " الباء " أي: بالكافرين واقع، وهو قول الضحاك.
وقرأ نافع وابن عامر (سَال سَائل) بغير همزٍ في (سأل) وهمز الباقون.
فمن همز جاز في (الباء) على قوله وجهان:
أحدهما: أن تكون بمعنى (عن) وعلى هذا تأويل قول الحسن لأنهم سألوا عن العذاب: لمن هو.
والقول الثاني: أنّ (الباء) على بابها للتعدي، والتقدير: سأل سائل بإنزال عذاب واقع، وهذا على تأويل قول مجاهد أنّه يعني به " النضر بن الحارث ".
ومن ترك الهمز جاز في قراءته ثلاثة أوجه:
أحدها: أنّه خفف الهمزة استثقالًا لها.
والثاني: أنها لغة، حكى سيبويه: سِلْتُ أُسَالُ على وزن: خفت أخاف، قال حسَّان:
سَالت هُذَيلَ رسُولَ اللهِ فَاحِشةً ... ضَلَّت هُذيل بَها سَالت ولم تُصبِ
стр. 470
والثالث: أنّه من " السيل " يقال: سال يسيل سيلًا. والتقدير: سال سيل سائل بعذابٍ واقع، و (الباء) على هذا القول للتعدي وفي القولين الأولين يجوز أن تكون للتعدية على قول مجاهد، وبمعنى (عن) على قول الحسن.
* * *
قوله تعالى: (كَلَّا إِنَّهَا لَظَى (١٥) نَزَّاعَةً لِلشَّوَى (١٦))
لظى: اسم من أسماء جهنم، والنزع: الاقتلاع. وقيل (نَزَّاعَةً) للتكثير، والشوى هاهنا: جلدة الرأس، والشوى في غير هذا الموضع: الأطراف، كاليدين والرجلين، والشوى أيضاً: كل ما يعدو القتل، يقال: رماه فأشواه.
ويُسأَل عن الرفع في قوله: (لَظَى نَزَّاعَةٌ) ما موضعها من الإعراب؟
والجواب: أنّ فيها ثلاثة أوجه:
أحدها: أنها مبتدأة. و (نَزَّاعَةٌ) خبره، والجملة خبر (إنَّ) و (الهاء) ضمير القصة. وهو الذي يسميه الكوفيون " المجهول " ويسمونه أيضًا " عماداً ".
والثاني: أن تكون (لَظَى) خبر (إنّ) و (نَزَّاعَةٌ) خبرٌ ثانٍ. كما تقول هذا حلوٌ حامضٌ.
стр. 471
والثالث: أن تكون بدلًا من (الهاء) على شريطة التفسير، كأنّه قال: إنّ لظى نزاعة للشوى.
ويجوز أن تُجعل (نزاعة) خبر مبتدأ محذوف. أي: هي نزاعة.
وقد قرأ بعضهم (نَزَّاعَةً) بالنصب. والنصب على الحال. وتكون لظى في معنى: متلظية، فتعمل في الحال، وهي قراءة بعيدة.
* * *
قوله تعالى: (فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ (٣٦) عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ (٣٧))
المهطع: المسرع، هذا قول أبي عبيدة، وقال الحسن: مهطعين: متطلعين، وقال عبد الرحمن بن زيد: لا يطرفون أي: شاخصين.
وواحد (العزين) عِزَة، والعزة: الجماعة، ومعنى (عزين) جماعات في تفرقة.
واختلف فى المحذوف من (عزة):
فقيل فيه ثلاثة أقوال:
أحدها: أنّه (واو) والأصل: عزوة؛ لأنّه من: عزوته، أي: نسبته، والعزة منتسبة إلى غيرها من الجماعات.
стр. 472
والثاني: أنّ المحذوف (ياء) وهي من: عزيت؛ لأنّه يقال: عزوت وعزيت بمعنى واحد.
والثالث: أنّ المحذوف (هاء) والأصل: عزهة. وهو من: العزهاة، وهو المنقبض عن النساء، المجتمع عن اللهو معهن، قال الأحوص:
إِذا كُنْتَ عِزْهَاةً عَنِ اللَّهْوِ والصِّبا ... فكُنْ حَجَراً مِنْ يابسِ الصَّخْرِ جَلْمَدا
وهذا الجمع في الأسماء المحذوفة عوض من الحرف المحذوف، ومن هذا الباب: ثبون وعضون وسنون كل هذا محذوف اللام، وهذا الجمع له عوض من المحذوف.
* * *
стр. 473
وَمِنْ سُورَةِ (نُوحٍ) ﵇
قوله تعالى: (يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى)
يسأل عن (مِنْ) هاهنا؟
وفيها وجهان:
أحدهما: أنها بمعنى (عن) أي: يصفح لكم عن ذنوبكم.
والثاني: أنّ المعنى: يغفر لكم ذنوبكم السالفة، وهي بعض الذنوب التي يصار إليهم، فلما كانت ذنولهم التي يستأنفونها لا يجوز الوعد بغفرانها على الإطلاق؛ إذ يجري ذلك مجرى الإباحة لها، فقيدت بهذا التقييد.
وقد قيل: إن المعنى: يغفر لكم من ذنوبكم بحسب ما يكون من الإقلاع عنها، فهذا على احتمال بعضٍ إن لم يقلعوا عن بعض.
وأجاز الأخفش أن تزاد (مِن) في الواجب، فالتقدير على هذا: يغفر لكم ذنوبكم.
* * *
قوله تعالى: (مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (١٣))
قال ابن عباس ومجاهد والضحاك المعنى: ما لكم لا ترجون لله عظمة، وقيل معنى ترجون:
تخافون، قال أبو ذؤيب:
إذا لَسَعَتْه النَّحلُ لَم يَرْجُ لَسْعَها ... وخالَفَها في بَيْتِ نُوبٍ عَواملِ
أي: لم يخف، والنوب: النحل.
стр. 474
و (اللام) على هذا متعلقة بما دلّ عليه الكلام، والتقدير: ما لكم لا ترجرن عظمة الله.
* * *
قوله تعالى: (وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا (٢٢))
الكُبَار والكُبَّار والكبير بمعنى واحد، إلا أنّ بينها تفاوتاً في المبالغة. فالكبَّار أشدها مبالغة، والكُبَار دون ذلك، ويروى أنّ أعرابياً سمع النبي ﷺ يقرأ (وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا) فقال: ما أفصح ربك يا محمد، وهذا من جفاء الأعراب؛ لأنّ الله تعالى لا يوصف بالفصاحة.
* * *
стр. 475
وَمِنْ سُورَةِ (الْجِنِّ)
قوله تعالى: (وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا (٣))
الجدُّ هاهنا: العظمة؛ لانقطاع كل عظمة عنها، لعلوها عليها. ومن هذا قيل لأب الأب " جد "، لانقطاعه. لعلو أبوته. وكل من فوقه لهذا الولد " أجداد ".
والجد: الحظ، لانقطاعه بعلو شأنه، والجد: ضربٌ من السير لانقطاعه عما هو دونه. وأصل الجد: القطع، والجِدّ: - بالكسر - ضد الهزل؛ لانقطاعه عن السخف. وكذا الجد: الانكماش في الشيء لانقطاعه عنَ التواني. والجُدُّ - بالضم - البئر القديمة. لانقطاع من يعرف حالها في وقت حفرها، والجُد: ساحل البحر، ومنه (جُدَّة) سُمي بذلك لأنّه آخر الأرض ومنقطعها. قال الحسن ومجاهد وقتادة (جَدُّ رَبِّنَا) جلاله وعظمته، وروي عن الحسن: غنى رَبِّنَا.
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو (قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ)، (وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا)، (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ)، (وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ) بالفتح في الأحرف الأربعة، وقرأ نافع وأبو بكر عن عاصم كذلك، إلا قوله: (وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ) فإنهما قرأا بكسر الهمزة، وقرأ الباقون ذلك كله بالفتح إلا ما جاء بعد قولٍ أو فاء جزاء.
فمن فتح حمل على قوله: (قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ)، ومن كسر (إِنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ)، فزعم الفراء: أنّ حبان حدَّثه عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: أوحي إلى النبي ﷺ -
стр. 476
بعد اقتصاص أمر الجن وأن المساجد لله، قال: وكان عاصم يكسر ما كان من قول الجن.
ويفتح ما كان من الوحي. لأنّ ما بعد القول لا يكون إلا مكسوراً.
* * *
قوله تعالى: (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (١٨) وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا (١٩))
قال الفراء والزجاج: المساجد: مواضع السجود من الإنسان: الجبهة واليدان والركبتان والرجلان، وقال الحسن: هي المساجد المعروفة، والمعنى: فلا تدعُ مع الله أحدا كما تدعوا النصارى فى بيعها، والمشركون في بيت أصنامها، وكان يقول: من السنة أن تقول إذا دخلت المسجد: (لا إله إلا الله لا أدعو مع الله أحداً).
وقوله: (لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ) يراد به: النبي صلى الله عليه. كان إذا قال (لا إله إلا الله) كادوا يكونون عليه جماعة متكاثفة بعضهم فوق بعض ليزيلوه بذلك عن دعوته بإخلاص الإلهية.
وقال ابن عباسٍ: كاد الجن يركبونه حرصاً على سماع القرآن فيه، وهو قول الضحاك. ويروى عن الحسن وقتادة أنهما قالا: تلبدت الإنس والجن على هذا الأمر ليطفئوه، فيأبي الله إلا أن يظهره على من ناوأه، كما قال تعالى: (يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ).
* * *
стр. 477
وَمِنْ سُورَةِ (الْمُزَّمِّلِ)
قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣))
الْمُزَّمِّلُ: المتلفف في ثيابه، وكان النبي صلى الله عليه إذا أُنزل عليه الوحي أخذته شدةٌ وكربٌ، فيقول: زملوني زملوني، وكذلك (المدثر) لأنّه كان يقول مرة: دثروني دثروني.
قال الفراء: الْمُزَّمِّلُ: الذي تزمَّل في ثيابه وتهيأ للصلاة في هذا الموضع. وهو النبي ﷺ ، وأصل الْمُزَّمِّل: المتزمل، فأبدلت من التاء زايًا وأسكنت وأدغمت في التي بعدها، وقيل: الْمُزَّمِّل، ويقال: تزمَّل الرجل في ثيابه أي: تلفف. قال امرؤ القيس:
كأن أُبَانَا في أفَانينِ وَذقِهِ كبيرُ أُناسبي بجاد مُزملِ
كأَنَّ أَبَاناً فِي أَفَانِينِ وَدْقِهِ ... كبيرُ أُناسٍ فِي بِجَادٍ مُزَمَّلِ
ويُسْأَل عن نصب قوله: (نصفَه)؟
والجواب: أنّه يدل من الليل، وهو بدل بعضٍ من كل، كأنّه في التقدير: قم نصف الليل إلا قليلا، وهو بمنزلة قولك: قطعت اللصَّ يدَه، وأكلت الرغيف ثلثيه.
* * *
قوله تعالى: (وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا (١١))
стр. 478
قوله (وَالْمُكَذِّبِينَ) مفعولٌ معه. أي: مع المكذبين، كما تقول: تركته والأسدَ، أي: مع الأسد، والمعنى: ارضى بعتاب المكذبين، أي: لست تحتاج إلى أكثر من ذلك. كما تقول: دعني وإياه فإنه يكفيك ما ينزل به مني. وهو تهديد.
* * *
ْ قوله تعالى: (عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى)
(أنْ) هاهنا مخففة من المثقلة. و (الهاء) مضمرة معها، والتقدير: أنّه سيكون منكم مرضى، و (مرضى) اسم (يكون) و (منكم) الخبر، والجملة خبر (أن)، ولا يلي الفعل (أنْ) المخففة إلا مع العوض، والعوض نحو: السين هاهنا، ونحو (لا) من قوله: (أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا).
* * *
قوله تعالى: (وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا)
(هو) فصل، وهو الذي يسميه الكوفيون عماداً، ونصب (خَيْرًا) لأنّه مفعوٌل ثانٍ لـ (تَجِدُوهُ)، والفصل يدخل بين كل معرفتين لا يستغني أحدهما عن الآخر، أو بين معرفة ونكرة تقارب
стр. 479
المعرفة، نحو قولك: زيد هو خيرٌ منك، وكان عمروٌ هو أفضل من بكر، والمواضع التي يدخل فيها الفصلُ أربعة:
يدخل بين المبتدأ والخبر، وبين اسم كان وخبرها. وبين اسم (إنّ) وخبرها، وبين مفعولي الظن.
* * *
стр. 480
وَمِنْ سُورَةِ (الْمُدَّثِّرِ)
قوله تعالى: (وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤))
قال ابن سيرين وعبد الرحمن بن زيد: اغسلها بالماء. وقيل: لا تلبسها على معصية، وقيل: قصرها ولا تطلها، فإنّ ذلك يكون سبباً لطهارتها، وقيل: (وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ)، أي: لا تغدر فتدنس ثيابك، فإنّ الغادر دنس الثياب، وقيل: (وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ)، يقول: وعملك فأصلح، وهذه الأقوال الثلاثة عن الفراء، وقيل: المعنى: قلبك فَطَهِّرْ، وكنى بالثياب عن القلب واستشهدوا بقول امرئ القيس:
وإنهْ تَكُ قَدْ سَاءَتْكِ مني خليقَةٌ ... فَسُلِّي ثِيَابِي مِنْ ثيابِكِ تَنْسُلِ
أي: قلبك من قلبي.
* * *
قوله تعالى: (وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (٦))
قال الفراء: المعنى: لا تعطِ في الدنيا شيئًا ليصب أكثر منه.
ورفع (تَسْتَكْثِرُ)؛ لأنّه في موضع الحال، والمعنى: لا تمتن مستكثراً.
وقرأ عبد الله بن مسعود: (ولا تَمنُنْ أن تَستَكِثَرَ)، فهذا شاهد على الرفع؛ لأنّ (أنْ)
стр. 481
إذا حُذفت رفع الفعل، ومنه قول طرفة:
أَلا أَيُّهَذا الزَّاجِرِي أَحْضُرُ الوَغَى ... وأَن أَشْهَدَ اللَّذَّاتِ هَلْ أَنتَ مُخْلدي
* * *
قوله تعالى: (كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا (١٦) سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا (١٧) إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (١٨) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (١٩) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (٢٠))
(كَلَّا) زجر وردع، والمعنى: ليرتدع ولينزجر عن هذا، كما أنّ (صه) بمعنى: اسكت، و (مه) بمعنى: اكفف، وكأنه قيل: لينزجر فإن الأمر ليس على ما توهم.
والعنيد والمعاند سواء، وهو الذاهب عن الشيء على طريق العداوة له، والإرهاق: الإعجال بالعنف، والصعود: العقبة الصعبة المرتقى، وهو الكؤود أيضاً، والتفكير: من الفكرة، وهو تطلب الرأي والتقدير والتخمين.
وهذه الآية نزلت في " الوليد بن المغيرة " حدثني أبي عن عمه قال: حدثنا القاضي منذر بن سعيد قال: حدثنا أبو النجم عصام بن منصور قال: حدثنا أبو بكر عبد الله بن عبد الرحيم البرقي قال: حدثنا أبو محمد عبد الملك بن هشام قال: حدثنا زياد بن عبد الله البكاي عن محمد بن إسحاق المطلبي قال: اجتمع نفرٌ من قريش إلى الوليد بن المغيرة، وكان ذا سن فيهم، وكان أيام الموسم، فقال لهم:
стр. 482
يا معشر قريش إنَّه قد حضر هذا الموسم وإنّ وفود العرب ستقدم عليكم فيه، وقد سمعوا بأمر صحابكم هذا، فأجمعوا فيه رأياً واحداً ولا تختلفوا فيكذب بعضكم بعضاً، ويرد قولكم بعضه بعضا، قالوا: فأنت يا أبا عبد شمس أقم لنا رأيًا نقول به، قال: بل أنتم فقولوا أسمع. قالوا: نقول (كاهن)، قال: لا والله ما هو بكاهن، قد رأينا الكهان، فما هو بزمزمة الكاهن ولا مسجعه، قالوا: فنقول (إنه مجنون)، قال: لا والله ما هو بمجنون. لقد رأينا الجنون وعرفناه، فما هو بخنقه ولا تخالجه ولا وسوسته، قالوا: فنقول (شاعر)، قال: لا والله ما هو بشاعر، لقد عرفنا الشعر كله، رجزه وهزجه وقريضه ومقبوضه ومبسوطه فما هو بالشعر، قالوا: فنقول (ساحر)، قال: ما هو بساحر. قد رأينا السحار وسحرهم، فما هو بنفثه ولا عقده، قالوا: فما نقول يا أبا عبد شمس؟ قال: والله إنَّ لقوله لحلاوة وإنّ أصله لعذق وإنّ فرعه لجناه، وما أنتم بقائلين من هذا شيئًا إلا عُرف أنّه باطل، وإن أقرب القول منه أنّ تقولوا: ساحرٌ جاء بقولٍ هو سحر يفرق بين المرء وابنه، وبين المرء وأخيه، وبين المرء وزوجته، وبين المرء وعشيرته، فتفرقوا عنه بذلك، فجعلوا يجلسون بسبيل الناس حين قدموا الموسم لا يمر بهم أحد إلا ذكروا له أمره، فأنزل إلله في الوليد فيما كان منه: (ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (١١) وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا (١٢) وَبَنِينَ شُهُودًا (١٣) وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا (١٤) ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (١٥) كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا (١٦) سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا (١٧) إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (١٨) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (١٩) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (٢٠))، إلى آخر هذه القصة.
قال الفراء: قال الكلبي: يعني بالمال الممدود: العروض والذهب، قال: وحدثني قيس عن إبراهيم بن المهاجر عن مجاهد قال: ألف دينار، وكان له عشرة من البنين لا يغيبون عن عينيه في تجارة ولا عمل.
وقوله (قُتِلَ) أي: لعن.
стр. 483
قوله تعالى: (إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ (٣٥) نَذِيرًا لِلْبَشَرِ (٣٦))
اختلف في (نَذِيرًا):
فقيل: هو مصدر بمعنى: الإنذار. وقيل: هو اسم فاعل بمعنى: منذر.
ويسأل عن نصبه؟
وفيه ستة أقوال:
أحدها: أنها حال من (إحْدَى الْكُبَرِ)، لأنها معرفة. وهو قول الفراء، قال: والنذير: جهنم، قال وتقديره تقدير إنذار.
والثاني: أنّه بدل من (الهاء) في قوله (إنها).
ًوالثالث: أنّه نصب بإضمار (أعني)، كأنّه قال: أعني نذيرًا للبشر.
والرابع: أنّه على تقدير: جعلها نذيراً للبشر.
والخامس: أنّه مصدر، أي: إنذارًا للبشر؛ لأنّه لما قال: (إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ) دلّ على أنّه أنذرهم بها إنذارًا.
والسادس: أنّه حال من المضمر في (قُمْ) في أول السورة، كأنّه قال: يا أيها المدثر قم نذيرًا للبشر، فأنذر، ونذير على هذا الوجه بمعنى المنذر، وهو قول الكسائي.
* * *
стр. 484
وَمِنْ سُورَةِ (الْقِيَامَةِ)
قوله تعالى: (لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (١) وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (٢))
يسأل عن دخول (لا) هاهنا؟
وفيها ثلاثة أجوبة:
أحدها: أنها صلة، نحو قوله تعالى: (لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ)، والمعنى: ليعلم.
والثاني: أنها بمعنى (ألا) التي يستفتح بها الكلام، كأنّه قال: ألا أقسم بيوم القيامة، ثم أخبر أنّه لا يقسم بالنفس اللوامة.
والثالث: أنّه جوابٌ لما تكرر في القرآن من إنكارهم البعث؛ لأنَّ القرآن كله كالسورة الواحدة، وهو قول الفراء، واختيار أبي علي.
وقرأ قنبل: (لأقسِمُ) بجعلها جواب قسم، قالوا: وحذف النون؛ لأنَّه أراد الحال، ولولا ذلك لقال (لأقسمنَّ)، والنون لا تدخل في فعل الحال، وأكثر ما يستعمل اللام في القسم ومعها النون، إلا أنّ بعضهم أجاز حذفها كما حذفت (اللام) وتركت النون، قال الشاعر:
стр. 485
وَقَتيلِ مُرَّةَ أَثْارَنَّ فإنّهُ ... فِرَغٌ وإنَّ أُخَاكم لم يثأرِ
يريد: لا ثارنّ، فحذف اللام.
والقول على قوله (لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ) كالقول على (لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ).
* * *
قوله تعالى: (بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ (٤))
يسأل عن نصب (قَادِرِينَ)؟
والجواب: أنّه نصب على الحال، والعامل فيه أحدُ شيئين:
إما نجمعها قَادِرِينَ، وإما على تقدير: بلى نقدر قَادِرِينَ. إلا أنّه لم يظهر (نقدر) استغناء عنه بـ (قَادِرِينَ). وهو كقولك: قاعدًا وقد سار الركب، أي: تقعد وقد ساروا.
* * *
قوله تعالى: (بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (١٤))
يسأل عن (الهاء) في (بَصِيرَةٌ)؟
وفيها ثلاثة أجوبة:
أحدها: أنّ المعنى: بل الإنسان على نفسه عين بصيرة.
والثاني: أنّ المعنى: بل الإنسان على نفسه حجة بصيرة، أي: بيّنة.
والثالث: أنّها للمبالغة، كما تقول: رجل علامة ونسابة.
стр. 486
وقال الرماني: التقدير: بل الإنسان على نفسه من نفسه بَصِيرَةٌ جوارحه شاهدةٌ عليه يوم القيامة.
* * *
قوله تعالى: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣))
الناضرة: الناعمة الحسنة البهجة، وهو قول الحسن، وقال مجاهد: مسرورة.
وناظرة: مبصرة، ودخول (إلى) يدل على أنّ (ناظرة) بمعنى: مبصرة لأنّه لا يقال: نظرت إليه، بمعنى: انتظرته، وأما من زعم أنّ المعنى: ثواب ربها منتظرة، فليس بشيء. لأنّ الله تعالى أخبر أنّهم في النعيم والنضرة بقوله: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ)، ولا يقال لمن كان في النعيم: هو منتظر للثواب؛ لأنَّ النعيم هو الثواب.
وقد حمل قومًا تعصبُهم أنّ زعموا أنّ (إلى) واحد (الآلاء)، وليست بحرف، وكأن التقدير: نعمة ربها ناظرة؛ لأنّ الآلاء: النعم، وهذا لا يجوز لما قدّمنا ذكره من أنّه من كان فى النعيم فلا يقال: هو منتظر النعم.
وقد تناصرت الأخبار بأن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة، وهي مشهورة في أيدي الناس. مع دلالة قوله تعالى: (كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ)؛ لأنَّه لو كان غيرهم محجوبًا لما كان في ذلك طردًا لهم ولا تعنيفًا؛ لأنّ المساواة قد وقعت. فإذا كان أعداء الله محجوبين عنه، فأولياؤه غير محجوبين.
стр. 487
قوله تعالى: (وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ (٢٩))
الساق: الشدة، يقال: قامت الحرب على ساقها، أي: على شدة. وأصله: أنّ الإنسان إذا عانى أمراً شديداً كشف عن ساقه. ومنه قوله تعالى: (يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ)، أي: عن شدة. قال الراجز:
قَد كَشَفَتْ عن سَاقٍ فشُدُّوا
والمعنى: والتفت شدّة آخر الدنيا بشدة أوّل يوم الآخرة، وقيل: المعنى: اشتد الأمر عند نزع النفس حتى يتقلَّب ساق على ساق، ويلتف بها عند تلك الحال.
* * *
قوله تعالى: (فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى (٣١) وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (٣٢) ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى (٣٣))
(لا) بمعنى (لم)، أي: لم يصدق ولم يصلّ، ولا يجوز أن تدخل (لا) على الفعل الماضي إلا على معنى التكرير، لئلا يشبه الدعاء.
والأصل في (تمطى): تمطط، أي: تمدد، ومنه: مططت في الكتابة، فأبدلوا من إحدى الطائين (تاء) كراهية التضعيف، كما قال الراجز:
تَقَضِّيَ البازِيُّ إذَا البازِيُّ كَسَرْ
يريد: تقضض، ثم أبدلت (الياء) من (تمطى) ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها.
* * *
стр. 488
وَمِنْ سُورَةِ (الْإِنْسَانِ)
قوله تعالى: (هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا (١))
الْإِنْسَان هاهنا: آدم ﵇، قال الفراء: كان شيئاً، ولم يكن مذكوراً، وذلك من حين خلقه الله من طين إلى أن نفخ فيه الروح.
و (هل) بمعنى (قد)، هذا المشهور عن العلماء، وقال ابن الرماني: قد قيل إنّ معناها: أأتى على الإنسان، والأغلب عليها الاستفهام والأصل فيها (قد).
* * *
قوله تعالى: (عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ)
يُسأل عن نصب قوله (عَيْنًا) وفيه أجوبة:
أحدها: أنّه منصوب على البدل من (كافوراً).
والثاني: أنّه على تقدير: ويشربون عيناً.
والثالث: أنّه على الحال من (مزاجها)، وهو قول الفراء. وقيل: يمزج بالكافور ويختم بالمسك، قال الفراء: إن شئت نصبتها على القطع من قولك (مزاجها) من (الهاء) في المزاج.
стр. 489
والرابع: أنّ المعنى: يُعطون عينا.
ومعنى (بها) كمعنى (فيها)، وقيل: المعنى (منها).
* * *
قوله تعالى: (وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا (١٤))
يسأل عن نصب (دَانِيَةً)؟
وفيها ثلاثة أجوبة:
أحدها: أنها معطوفة على (جنة)، والمعنى: وجزاهم بما صبروا جنةً وحريرًا ودَانِيَةً عليهم، أي: وجنةً دانيةً ثم حذف الموصوف.
والثاني: أنها معطوفة على (متكئين)، فهو حال على هذا القول.
والثالث: أنّه نصب على المدح. كقولك: عند فلان جاريةً جميلةً وشابةً بعد طريةً.
وأجاز الرماني أن يكون معطوفاً على موضع (لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا).
стр. 490
قوله تعالى: (وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا (١٥) قَوَارِيرَ)
الأكواب: جمع كوب، والكوب: إبريقٌ له عروة واحدة، قيل: هو من فضة إلا أنّه في صفاء القوارير لا يمنع الرؤية.
واختلف القراء في قوله (قَوَارِيرَا قَوَارِيرَ). فنونهما جميعاً أهل المدينة، ونون أبو عمرو الأول، والباقون قرأوا بلا تنوين، وهو الأصل؛ لأنَّه لا ينصرف، فأما من نون فقد عُللت قراءته بأشياء: منها: أنّه وقع في المصحف بألفٍ فتوهم أنها ألف التنوين فنوَّن.
ومنها: أنها لغةً لبعض العرب، ذكر الكسائي أنّه سمع من العرب من يصرف جميع ما لا ينصرف إلا (أفضل منك).
ومنها: أنّ هذا الجمع إنما امتنع من الصرف؛ لأنّه لا نظير له في الآحاد، وأنّه غاية الجموع. وأنه لا يجمع، ثم إنّ العرب قد تجمعه، حكى الأخفش: هن مواليات فلان، جمع موالي، وموالي جمع مولاة. وفي الحديث -: (أنتُنّ صواحبات يوسف)، جمع صواحب، وصواحب جمع صاحبة، وقال الفرزدق:
وإذَا الرِّجالُ رأوا يزيدَ رأيتَهمْ ... خُضُعَ الرِّقابِ نواكِسِي الأبصارِ
стр. 491
يريد: نواكسين، وهو جمع نواكس، ونواكس جمع ناكس، فلما جمع هذا الجمع أشبه الواحد، فَنُون كما ينوّن الواحد.
والقول على قوله (سلاسل) كالقول على قوله (قَوَارِيرَا قَوَارِيرَ).
ومن نوّن الأول ولم ينوّن الثاني فلأنّ الأول رأس آية، والفواصل تشبّه بالقوافي فتنوّن، ولم ينوّن الثاني لأنّه ليس برأس آية، وقد قال الزجاج: ّإن من نونهما جميعا اتبع الثاني الأول؛ لأنّه نوّن الأول؛ لأنّه فاصلة ونوّن الثاني اتباعاً له كما قالوا (جحر ضبٍّ خربٍ)، فجر (خربًا) لمجاورته (ضبًّا) وهو نعت لجحر.
* * *
قوله تعالى: (عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ)
السندس: الديباج الرقيق الفاخر الحسن، والإستبرق: الديباج الغليظ وهو معرَّب.
وقرأ محيصن بترك الصرف، وقرأ نافع وحمزة وعاصم في رواية أبان والمفضل (عَالِيْهم) بتسكين (الياء)، ونصب الباقون.
وقرأ نافع وحفص عن عاصم (خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ) بالرفع، وقرأ حمزة والكسائي بالجر، وقرأ ابن كثير وعاصم من رواية أبي بكر بجر (خُضْرٍ) ورفع (إِسْتَبْرَقٌ)، وقرأ أبو عمرو وابن عامر برفع (خُضْرٌ) وجر (إِسْتَبْرَقٍ).
فمن أسكن (الياء) جعل (عاليهم) مبتدأ و (ثياب) الخبر.
ومن نصب جعله ظرفاً، كقولك: فوقهم، وهو قول الفراء، وأنكره الزجاج، وقال: هو نصب على الحال من المضمر في (عاليهم)، ويجوز أن يكون من المضمر في رأيتهم. وإنما أنكره الزجاج لأنّه
стр. 492
ليس باسم مكان، كخارج الدار وداخلها، وهو مذهب سيبويه.
ومن رفع (خضراً) و (إستبرقاً) ردهما على (ثياب)، فـ (خضر) وصف، و (إستبرق) عطف.
ومن كسرهما ردهما على (سندس).
ومن جر (خضراً) ورفع (إِسْتَبْرَقاً) رد (خضراً) إلى سندس و (إِسْتَبْرَقا) إلى (ثياب).
ومن رفع (خضراً) وجر (إِسْتَبْرَقا) رد (خضرا) لـ (ثياب) و (إِسْتَبْرَقا) إلى (سندس). وهذه القراءة أجود القراءات.
* * *
قوله تعالى: (وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا)
نصب (الظالمين) بفعل مضمر تقديره: ويعذب الظالمين أعدَّ لهم، ولا يجوز نصبه بإضمار (أعدَّ) لأنّه لا يتعدى إلا بحرف جر، إلا على قراءة ابن مسعود؛ لأنّه قرأ (وَللظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ)، وأجاز الفراء الرفع في (الظالمين) وجعله مثل قوله: (وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ)، والوجه: النصب بإضمار فعل؛ لأنّ في صدر الكلام فعلًا، وهو قوله: (يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ). فأضمر فيه فعلا ليعتدل الكلام بعطف فعلٍ على فعل. كما قال:
стр. 493
أَصْبَحْتُ لَا أَحْمِلُ السلاحَ وَلَا ... أَملكُ رَأْسَ البعيرِ إِن نَفَرا
والذِّئبَ أَخْشَاه إِن مَرَرْتُ بِهِ ... وَحْدِي وأَخْشَى الرِّياحَ والمَطَرا
* * *
стр. 494
وَمِنْ سُورَةِ (الْمُرْسَلَاتِ)
قوله تعالى: (وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا (١)
قال ابن عباس وابن مسعود ومجاهد وقتادة وأبو صالح: المرسلات: الرياح، وروي عن ابن مسعود وأبي صالح أيضاً: أنها الملائكة، وقيل: (عرفاً) أي: بالمعروف. فعلى هذا يكون مفعولًا له، وقيل: (عرفا) أي: متتابعين، من قولهم: جاءوا إليه عُرفاً واحداً، فعلى هذا يكون نصباً على الحال.
* * *
قوله تعالى: (وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ (١١))
قال مجاهد: أُقِّتَتْ بالاجتماع لوقتها يوم القيامة، كما قال تعالى: (يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ)، وقيل: أُقِّتَتْ: أجلت لوقت ثوابها، وقيل: أُقِّتَتْ: جعل لها وقت يفصل فيها القضاء بين الأمة.
وقرأ أبو عمرو (وقتت) بالواو، وهو الأصل؛ لأنَّه من الوقت، وقرأ الباقون (أقتت) بإبدال الهمزة من الواو، وهو مطرد في كلام العرب، نحو: وجوهٍ وأجوه، ووعد وأعد. وأدور وأدر وما أشبه ذلك.
стр. 495
قوله تعالى: (وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ (٣٦))
يسأل عن هذا فيقال: قد قال تعالى: (يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا).
وقال هاهنا: (هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ)؟
الجواب: أنّ ابن عباس قال: هذه مواقف يؤذن لهم مرة في الكلام ومرة لا يؤذن لهم في الكلام، وقال الزجاج: أي لا ينطقون بحجة وهذا كقول القائل يتكلم بغير حجة هذا ليس بكلام.
* * *
следующие страницы →