تقريظ لفضيلة الشيخ/
محمد بن صالح العثيمين ﵀
تصفحت هذا البحث الذي كتبه الدكتور صالح بن عبد العزيز آل منصور في حكم النكاح بنية الطلاق فوجدته بحثاً قيماً، لم يمر بي مثله في بابه، وقد أجاد فيه وأفاد، فجزاه الله تعالى خيراً، وجعلنا وإياه من الهداة المهتدين، الصالحين المصلحين، إنه جود كريم.
كتبه: محمد الصالح العثيمين
في ٢٨ من شهر شوال سنة ١٤١٣هـ
стр. 2
تقريظ صاحب الفضيلة
رئيس المجلس الأعلى للقضاء وعضو هيئة كبار العلماء
الشيخ صالح بن محمد اللحيدان
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد الأولين والآخرين المبعوث رحمة للعالمين نبينا محمد وعلى آله وصحابته ومن سار على منهجه واقتفى أثره إلى يوم الدين.
وبعد؛ فقد رغب إلى أخي وزميلي في الدراسة فضيلة الدكتور الشيخ صالح بن عبد العزيز المنصور، الأستاذ المشارك في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، في كلية الشريعة في القصيم، مطالعة ما كتبه حول الزواج بنية الطلاق، وتقريظ رسالته في هذا الموضوع، وقد وعدته بإنجاز ما طلب، وتحقيق ما فيه رغب مرة تلو أخرى، ثم يعوقني عن الوفاء بما وعدت به عوائق كثيرة، ويبدو أن فضيلته كان قد علم برأيي في هذه المسألة، فإني قد أفتيت بعدم جواز مثل هذا النكاح منذ فترة ليست بالقصيرة في مجالس عامة، وفي بعض اللقاءات الجامعية، وقد حصل من ذلك شيء في عام ١٣٩٩هـ، في جامعة البترول وأبديت أن ذلك يصح أن يقال عنه إنه شبيه بالزنى المنظم، ما دامت النية مستقرة على عدم استمرار عقد النكاح، ثم إني أثرت ذلك في بعض اجتماعات هيئة كبار العلماء قبل عام ١٤٠٠هـ، وقد اطلعت في حينها على الخلاف في المسألة، وذاكرت بعض مشائخنا في هذا الأمر، وكيف نجعل النية مؤثرة في نكاح المحلل الذي قد لا يذكر في عقده شرط طلاق، ولا نية تحليل، ومع ذلك يعد هذا النكاح باطلاً؛ لأن النية أثرة فيه. وأبديت
стр. 3
أن فيه شبهًا من نكاح المتعة الذي ينص فيه على الأجل؛ لأن العبرة في كثير من العقود بالنية، إلى غير ذلك مما كان قد تردد في فكري وتراجعت فيه مع أن أيدني من كبار مشائخنا، وحاولت استصدار ما قد ينفع الله به من فتوى ذات أثر. إلا أن هيبة ما ذكره صاحب المغني موفق الدين بن قدامة ﵀ ومن وافقه قد تكون حالت دون ذلك، وقد بقيت مستاءًا من انزلاق كثير من الشباب في هذا المنحدر، وأنهي عنه وأفتي بعدم موافقته لمقاصد الشريعة وقواعدها المحكمة، وأصولها المتينة.
ولما أبدى لي فضيلة أخي الدكتور صالح بن عبد العزيز المنصور أنه، أعد كتابة في هذا الموضوع ورغب أن أشارك ولو بكلمة عابرة، وافقت ورجوت أن أدرس الرسالة وأتحدث عن الموضوع ورسالة فضيلته، إلا أن ما شرحته آنفًا كان حائلاً بيني وبين إعطاء تصور عن رسالة فضيلته مع تأييد الفكرة، فقلت ما لا يدرك كله لا يترك كله، وقصد أخي أن أقف معه في هذا الميدان، والوقوف معه في مثل ذلك وقوف مع الحق وتأييد للصواب من القول، ومن فعل ذلك محتسبًا الأجر والثواب من الله، فإن الله لا يضيع أجر من أحسن عملاً.
أقول: لقد جاء الله بالإسلام ليُبقي ما كان سليمًا من علاقات الناس ومنسجمًا مع الفطرة ويستبعد ما يضادها، وكان العرب موضوع ذلك بالدرجة الأولى، ومعلوم أن العرب كانت لهم أنكحة في الجاهلية مختلفة الأشكال والمقاصد فأقر منها ما خلا عن الغدر والخيانة، واشتمل على سلامة النية، وتوفرت فيه مستلزمات العقود الصحيحة، وانتفت عنه موانع الصحة، وقد نهى النبي ﷺ عن أنكحة بعينها، وعلم من ذلك أن ما شابهها فهو ملحق بها، فقد نهى عن نكاح المحلل، ولعن فاعله وحرم نكاح المتعة، وتوعد عمر ﵁ برجم فاعله، وقد أقر ما ليس شبيهًا بذلك بأن كان نكاح رغبة حاضرة ومستمرة؛ لأن الهدف من
стр. 4
النكاح متعدد الجوانب فهو للذة، والمتعة، والحصول على الرحمة والمودة، وكسب الولد، وتوفير السكن، والخدمة، والأنس، وحفظ المال القائم عليه، إذ أن المرأة الصالحة خير ما يكنزه المرء المسلم؛ لأنها مبعث المودة، والرحمة، وموضع السرور، ومكان الأمن على ماله، وموضع حرثه، وهي القائمة على تربية أفراد الأسرة في مبدأ نموهم وحال طراوة أفكارهم وأجسامهم، ولا يكون ذلك في زواج لا نية في استدامته، ولا أمل في إنجاب من ورائه، فنكاح المتعة معلوم القصد منه، ومثله نكاح المحلل، وقد لا يختلف عنه النكاح الذي ظاهره الاستدامة وباطنه الانقطاع والاكتفاء بنيل اللذة وحدها أو نيلها مع الخدمة والعزم على قطع حبل هذا النكاح وحل عقدته في وقت لاحق مستقر لدى الزوج معلوم لديه، فإذا كان النكاحان حرامين بالنص، فما أجدر أن يلحق بهما هذا النكاح الذي كانت النية فيه من جانب الزوج منعقدة على قطعه عن الاستمرار.
والشريعة الكاملة في أحكامها ذات الأسس القويمة والقواعد المتينة، لا يتوقع أن يكون في تشريعها تناقض أو تنافر أو أن تشتمل على نوع من الغدر أو الغرر؛ بل إن سبيل تشريعها الوضوح والبيان ونفي الغدر والغش والخيانة، ومعلوم أن امرأة يعقد عليها وتحسب أنها مقصودة لتكون أمًا، وربة بيت. وواقع الحال في قرارة نفس الزوج أنه يريدها لقضاء وطر حاضر وحاجة عاجلة، مع عزيمة جازمة على الفراق في أجل يعلمه ولا ينوي تجاوزه إنما هو خديعة وغش، فإن اتفقا على الفراق كانت المتعة المحرمة بالنص الصريح.
وإذا كان المحلل آثمًا وعمله محرمًا ولو لم يعلم بنيته أحد، ولو كان يقصد جمع شمل أسرة فرقها الطلاق، وأربكها حمق الزوج أو الزوجين، فإن من يريد متعة النفس ونيل الشهوة جدير بأن يكون حكمه
стр. 5
كذلك، ولا شك من وجود الخلاف لكن الخلاف إذا لم يُسند أحد جوانبه نصٌ أو مفهوم نص كان الناظر فيه غير ملزم بأخذ طرف، إلا ما اندرج منه تحت قواعد الشريعة وأصولها.
وإذا وجد لبعض فحول العلماء قولان في مثل هذه المسألة، فالمتعين الأخذ بما وافق الدليل وتمشى مع قواعد الشريعة واندرج في سبيلها القويم، وكون شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ له رأيان في المسألة وغيره يؤيد صحة هذا النكاح وآخر يبطله، يحملنا على أن نقول: الجدير بشيخ الإسلام أن يكون رأيه الخاص بإباحة هذا النكاح، كان في أول أمره تبعًا للموقف، ومن كان على هذا القول ثم استبان له الرأي، بعد اتساع دائرة علمه وإحاطته بالسنة ومقاصد الشريعة وتعمقه في الغوص على مدلولات النصوص وحكمة التشريع، فصار إلى خلاف الرأي الأول، ولا شك أن كل إنسان يؤخذ من قوله ما وافق الدليل، ويستغنى عن ما خالف الدليل بالدليل نفسه أو ما فهم منه، وإحسان الظن، بالعلماء أمر لازم، وشيخ الإسلام ومن سبقه ومن لحقه أولى الناس بإحسان الظن، لكن الواجب الأخذ بما اتفق مع حكمة التشريع، وانسجم مع أدلة الكتاب والسنّة، والحق إنما هو الموافق للدليل، ولا يشترط له أن يقول به الأكثر، إنما الممنوع أن يخالف الأخذ به إجماعًا متيقنًا، وهذه المسألة التي كتب فيها فضيلة الدكتور صالح ليس فيها إجماع؛ بل لو قيل إن الأكثر على كراهة هذا النكاح لكان ذلك صوابًا، والكراهية في عرف السلف قد تكون قرينة التحريم، وهي اللائقة في هذا البحث.
إن حماية الأمة من الوقوع في الحرام أو الاحتيال عليه ولو لم يقصد الاحتيال أمر متعين، ومن عرف ما وقع الناس فيه ويقعون يجزم بأن الحق إن شاء الله مع من منع من هذا النكاح، الذي لم تصحبه نية كريمة، ولا قصد نزيه، وربما جر إلى فساد عريض وإضاعة ذرية كثيرة بسبب الانسياق في هذا المنحدر المظلم.
стр. 6
إنني آسف إذ لم أقم بدراسة رسالة أخي دراسة تليق بها، وبالموضوع الذي كتبت من أجله غير أني أقول: إن أخي الدكتور صالح بعلمه وطول تمرسه في التعليم ولا سيما في العلم الذي هو محيط هذه الرسالة، وهو الفقه؛ يجعل دراسة رسالته من باب فضول القول، ولعله يرضى عني بعرضي المرفق بهذه الكتابة المتسرعة وأسأل الله أن ينفع بعلم فضيلته ويبارك بجهودنا جميعًا، وأن يهيء أسباب إغلاق أبواب الشر ومسالك التجاوز على حدود الشريعة، وأن يصلح شباب الأمة الإسلامية وكهولها ويمنحهم العفة والسلامة من الوقوع فيما حرّمه على عباده، وأن يهيئ كل قائم على ثغر من ثغور العلم والمعرفة إلى الصواب من القول إنه مجيب الدعاء - وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
قال ذلك الفقير إلى الله:
صالح بن محمد اللحيدان.
القصيم - البكيرية
ليلة الجمعة ٢٧/ ١٠/١٤١٤هـ
стр. 7
تقريظ لفضيلة الشيخ الدكتور
صالح بن فوزان الفوزان
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وصحبه ... وبعد:
فقط اطلعت على الرسالة التي ألفها الأخ الشيخ صالح بن عبد العزيز آل منصور، بعنوان (الزواج بنية الطلاق)، والتي اتجه فيها إلى تحريم هذا العقد وبطلانه؛ لما يفضي إليه من مفاسد، ذكر كثيرًا منها، وأجاب عن أدلة المصححين لهذا العقد، ووجدته قد أجاد وأفاد في هذه المسألة التي صارت مثار حديث الناس وتساؤلاتهم.
стр. 8
أرجو الله تعالى أن ينفع بها المسلمين، وأن يكتب له الأجر والثواب على ما قام به من مجهود بدافع النصيحة للمسلمين، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه.
كتبه
صالح بن فوزان بن عبد الله الفوزان
стр. 9
مقدمة الطبعة الأولى
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله، فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له القائل: ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: ٢١].
وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله، القائل: «تزوجوا الودود الولود؛ فإني مكاثر بكم» (١).
والقائل: «استوصوا بالنساء» (٢)، والقائل: «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي» (٣)، صلى الله عليه، وعلى آله وصحابته ومن دعا بدعوته واهتدى بهديه إلى يوم الدين.
стр. 10
أما بعد:
فقد أثير في هذه السنوات الأخيرة مسألة جواز الزواج بنية الطلاق وفتوى بعض العلماء بصحة هذا النكاح، فما كاد يسمع دعاة الإباحية والرذيلة مثل هذا الخبر، إلا وسارعوا إلى نشره في مختلف الصحف مباركة مثل هذا؛ بل ما كاد يسمع كثير من الرجال والشباب الذي تنازعهم شهواتهم في الوقوع في جريمة الزنى - لولا ما عندهم من حياء ووازع إيماني - إلا وانطلقوا سراعًا، زرافات ووحدانًا، إلى بلاد الشرق والغرب، ووجدوا ذلك متنفسًا لغرائزهم، وميلاً مع شهواتهم ولذاتهم.
وما كنت أتصور في أول الأمر إلا أن هذا رأي جمهور العلماء، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية؛ بل ذكر ابن قدامة في كتابه (المغني) أن النكاح صحيح لا بأس به في قول عامة العلماء، إلا الأوزاعي، وما دام الأمر كذلك، كفى به مقنعًا على جواز هذا النكاح.
ومع ذلك، فما زالت نفسي تنفر من هذا النكاح، حتى قدّر الله لي السفر إلى أمريكا، لحضور مؤتمر رابطة الشباب المسلم العربي الذي عقد بتاريخ ٣/ ٥/١٤٠٨هـ، في ولاية أوكلاهوما في أمريكا، فأثير في المؤتمر بعض الأسئلة عن مثل هذا النكاح، إذ كان هذا النكاح يشغل بال كثير من الشباب المسلم الغيور، فذكروا لنا واقع كثير من الشباب المغتربين والسائحين من المسلمين، وذكروا لنا وقائع مؤلمة.
قال بعضهم لي: إنه يعرف شابًا تزوج تسعين امرأة، وذكر لي أيضًا أن كثيرًا من الفتيات أنجبن أولادًا، فكان حظهن التشريد والضياع،
стр. 11
وبعض الفتيات المسلمات المغتربات وبعض من أسلمن ارتددن عن الإسلام، وسمعت الكثير من المآسي، مما جعلني أرجع إلى ما قاله العلماء في هذه المسألة.
وبالرجوع إلى كلامهم وأدلتهم، وبالرجوع إلى مقاصد الشريعة الإسلامية من الزواج، وجدت أن النكاح بنية الطلاق يتعارض مع مقاصد الشريعة الإسلامية في مشروعية النكاح، لما يجره من مفاسد عظيمة تضر ببعض الضروريات التي اتفقت عليها جميع الشرائع (١).
والشرائع جاءت بجلب المصالح ودرء المفاسد، وسأشير إن شاء الله تعالى إلى بعض المفاسد التي تترتب على الزواج بنية الطلاق.
لذا؛ فإنه يجب على علماء الإسلام دراسة هذه المسألة دراسة جادة من جميع الجوانب؛ من حيث سلبياتها وإيجابياتها، وإني في هذا البحث الموجز سأتناول بمشيئة الله تعالى الفقرات التالية:
١ - المراد بالزواج الذي شرعه الله تعالى.
٢ - مقاصد الشريعة من الزواج.
٣ - نماذج من الأنكحة التي حرمها الله تعالى.
٤ - لماذا حرمت هذه الأنكحة؟
٥ - المراد بالنكاح بنية الطلاق.
٦ - أقوال العلماء في هذه المسألة، ودليل كلٍ، وبيان الراجح.
٧ - مناقشة أدلة وشبه المجيزين.
٨ - علاقة النكاح بنية الطلاق بالأنكحة التي حرمها الله وبيان مصادمته لمقاصد الشريعة.
стр. 12
٩ - الخاتمة.
واعتبر هذه المحاولة نواة لدراسة هذا الموضوع دراسة شاملة كاملة، ينظر فيها العلماء بعين البصيرة، بحيث تستمد حكمها من مقاصد الشريعة الإسلامية التي جاءت بما يجلب المصالح، ويدرأ المفاسد عن الإنسانية.
وهذا ما ظهر لي في هذا البحث، فإن يكن صوابًا فمن الله تعالى، والحمد لله على التسديد والتوفيق، وإن يكن خطأ أو فيه خطأ؛ فمن نفسي التي هي محل الخطأ، وشرع الله بريء، ورحم الله امرءًا أرشدني إلى طريق الحق، أو زادني توضيحًا وتبصيرًا.
اللهم اسلك بنا صراطك المستقيم، وعلمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وأعذنا من القول عليك أو على رسولك بلا علم، واغفر اللهم لنا ووالدينا ووالديهم وأولادنا وزوجاتنا ومشايخنا ومن له حق علينا وإخواننا المسلمين.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
المؤلف الفقير إلى عفو ربه
صالح بن عبد العزيز بن إبراهيم آل منصور
القصيم - بريدة في ٣/ ٥/١٤١٣هـ
стр. 13
مقدمة الطبعة الثانية
الحمد لله منور البصائر، والعالم بمكنونات الضمائر، يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، الهادي من شاء من عباده سواء السبيل، فأراه الحق حقًا ورزقه اتباعه، والباطل باطلاً ورزقه اجتنابه، وأرسل رسوله بالهدى ودين الحق، فما من شيء يقرب الناس إلى ربهم ويسعدهم في دينهم ودنياهم إلا بينه ﷺ لأمته، وما من شيء يجرهم إلى الشقاء في الدنيا والآخرة ويبعدهم عن شرعه إلا حرمه عليهم وحذرهم منه، جاء بجلب المصالح ودرء المفاسد، فما كانت مصلحته أكثر من مفسدته شرعه لهم، وما كانت مفسدته ومضرته أكثر من مصلحته حرمه على أمته، وهذه سمة تجدها فيما شرع الله من أمر أو نهي، كما أنه شرع تقديم درء المفاسد على جلب المصالح، فسلك هذا المسلك علماء السلف ومن نوّر الله بصائرهم من علماء الأمة، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه، ومن سلك مسلكهم ونهج نهجهم إلى يوم الدين.
أما بعد:
فإن عداوة الشيطان للإنسان قديمة ومستمرة، فقد آلى على نفسه وأقسم لربه أن يضل بني آدم، فقد قال: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [الحجر: ٣٩، ٤٠]، وقال في آية أخرى: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٢]، وقال: ﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآَمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آَذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا * يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا *
стр. 14
أُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا﴾ [النساء: ١١٩ - ١٢١].
لذا فإنه لا يألو جهدًا وذريته في إضلال بني آدم بشتى الوسائل والطرق، صغرت أو كبرت دقت أو جلت عظمت أو صغرت، ولما كانت النساء من أعظم الحبائل والوسائل التي يصل بها إبليس اللعين إلى إفساد المجتمع وضياعه، وضعفه وانصرافه عن الواجبات والوقوع في المحرمات، فقد أحكم المصائد والأشراك بشتى الوسائل، بما يزينه من الإغراءات لبعض الناس والشبه التي تجعل بعض الناس يدعون لبعض الأنكحة، التي تتعارض مع مقاصد الشريعة في النكاح - كنكاح المتعة، والتحليل، والشَّغَار - ومن ذلك نكاح الزواج بنية الطلاق، بشبهة أنه سبب يمنع من الوقوع في الزنا، وعلاج مؤقت للغرباء والعزاب حتى يتيسر لهم الاستقرار أو تتوفر لهم مؤنة الزواج الحقيقي، هكذا استساغ هؤلاء هذه الشبه وزينوها لهم، فما كان من ذلك إلا أن عزف كثير من الشباب العزاب عن الزواج خوفًا من وجود المشاكل الزوجية والتزاماتها المستمرة، وزهد كثير من المتزوجين بزوجاتهم فصاروا في بلادهم يتزوجون ويطلقون يشبعون رغباتهم، ويروون نهماتهم؛ بل سارع الكثير منهم في إجازاتهم إلى السفر إلى خارج بلادهم إلى البلدان العربية أو البلاد الشرقية والغربية وغيرها فيتزوج أحدهم عدة زوجات، وربما تزوج في شهر واحد ما يزيد على العشرين، وربما كان عنده زوجة أو زوجات، ومن المعلوم أن الرجل لا يجوز له أن يجمع في ذمته أكثر من أربع زوجات، وهذا حرام بإجماع أهل العلم (١)،
وهذا مما علم من
стр. 15
الدين تحريمه بالضرورة، كما أنه إذا أراد أن يتزوج وعنده أربع نسوة يطلق من شاء منهن ثم ينتظر حتى تنتهي عدتها ثم يتزوج بدلها، ولكن الذي يحصل ويا للأسف من كثير من هؤلاء أنه يتزوج في شهر واحد أكثر من أربع زوجات، فمن البدهي المقطوع به أنه تزوج أكثر من أربع قبل نهاية المطلقة الرابعة من عدتها، وربما حملت بعض هؤلاء النسوة المطلقات فأنكر آباؤهم هؤلاء الأولاد فكان حظهم الضياع والتشرد.
إن كثيرًا من هؤلاء الذين يتزوجون بنية الطلاق لا يبالي بأصل الزوجة ولا خلقها ولا أمانتها ولا دينها، ويتخذ موانع للحمل، وهكذا يظل يتمتع ويتنقل طوال إجازته في مراتع الشهوات، وربما حمل على نفسه الأمراض الخطيرة، وجرها إلى زوجته الحقيقية ومجتمعه، فامتلأت كثير من بيوت الأسر بالفتيات المطلقات والعوانس لا يرغب فيهن أحد،
стр. 16
وحدَّث ولا حرج مع وجود هذه المغريات التي توجد على الساحة عن ما يحدث من الفساد الخلقي، والاجتماعي، والديني، والاقتصادي.
لما رأيت ذلك وخطورته على الفرد والأسر والمجتمعات؛ تبين لي أنه يجب على طلبة العلم أن يدرسوا هذه الظاهرة دراسة متأنية، فينظروا مدى ارتباطها بأصول وقواعد الزواج الحقيقي ومنافاتها لها، وما إيجابيات هذا الزواج وسلبياته؟ وهل هذا الزواج يوافق مقاصد الشارع في مشروعيته للزواج أو ينافيه؟ وهل المصلحة في هذا الزواج تربو على المفسدة أو العكس؟
لذا فإني نظرت في أقوال وأدلة من أجازه ومن منعه، واستعنت الله واستلهمته الرشد والصواب، فسطَّرت هذا البحث مدعمًا بالأدلة الشرعية والفطرية والعقلية، وذكرت أدلة من قال بجوازه فأجبت عنها بأجوبة هادئة هادفة، مبينًا مقاصد الشارع الكريم من النكاح المعروف عند الإنس والجن والعرب والعجم، وهو الزواج الذي لا يفكر فيه صاحبه عند عقد الزواج بالتخلي عنه بعد يوم أو يومين أو فترة زمنية، وإذا قيل إن فلانًا سيتزوج فلانة لا يخطر في بال أحد من الناس أنه يتزوجها اليوم ليطلقها غدًا بعد انتهاء غرضه، هذا هو الزواج المعروف عند الناس. ويحمل أمر الشارع وترغيبه في الزواج على ما هو متعارف عليه عند الناس، وعلى الزواج الأكمل والأفضل وهو الزواج الذي ينوي فيه صاحبه عند عقد النكاح الاستمرار والدوام.
وذكرت وجه ارتباط الزواج بنية الطلاق بنكاح المتعة، ونكاح التحليل، وهو أن كلاً منها لا يقصد فيه المتزوج الدوام والاستمرار؛ بل ذكرت أن نكاح الزواج بنية الطلاق الضرر فيه أكثر، وبينت كيف كان ذلك.
وبينت ما يترتب على الرزواج بنية الطلاق من مفاسد عظيمة تربو على المصالح المزعومة، ومن قواعد الشرع أن درء المفاسد مقدم على
стр. 17
جلب المصالح، وأن ما كانت مفسدته أعظم من مصلحته فإن الشريعة جاءت بتحريمه، كل ذلك وأكثر من ذلك ذكرته في كتابي مبسطًا وموضحًا، وسميته (الزواج بنية الطلاق).
وقد بذلت في هذا البحث جهدًا رجعت فيه إلى كتاب الله تعالى، وسنّة رسول الله ﷺ وأقوال السلف، وعرضته على مقاصد الشريعة في الزواج، فتبين لي أن الزواج شرع لمقاصد عظيمة منها: إعفاف وتحصين كل من الزوجين، ولا يكون الإعفاف إلا بالاستدامة، أما زواج لفترة كزواج المتعة أو الزواج بنية الطلاق ونحو ذلك، فإنه لا يحصل به إعفاف. ومنها حصول الولد، وكثرة النسل لمباهاة الرسول ﷺ بهم الأنبياء، ولا تحصل الذرية بزواج بنية الطلاق كما هو الواقع المر الأليم. ومنها السكن وترابط الأسر وقوتها، والزواج بنية الطلاق لا يحصل به سكن ولا ترابط للأسر. كما أن أولياء المرأة متى عرفوا عن الزوج هذه النية فإنهم سيمقتونه، ويعادونه، وربما انتقموا لأنفسهم، إلى غير ذلك مما سأذكره مفصلاً من مقاصد الشرع في الزواج الحقيقي.
وقد خرجت الطبعة الأولى في وقت كبرت فيه هذه الفتنة وانتشرت وأصبحت حديث السُّمَّار في المجالس، فكان لخروج الكتاب أعظم الأثر حيث جعل العلماء والمنتسبين إلى العلم ينظرون في هذه المسألة، فكان منهم المؤيد للتحريم والمجوز لهذا الزواج، فصار الناس في بلبلة وحيرة من حكم هذا الزواج، وقد ظهرت أثناء ذلك كثير من السلبيات التي ذكرتها في كتابي، وحينئذ أشار علي بعض الأخوة بإعادة طباعته مرة أخرى، فرأيت أن ذلك متعين علي، لا سيما وقد أفتى بعض المنتسبين إلى العلم بجوازه وأورد كثيرًا من الشبه والأدلة التي لا تصح.
لذا جاءت هذه الطبعة الثانية من واقع المجتمع الذي يعيش كثير من شبابه وكهوله وشيبه هذه الفتنة.
стр. 18
وقد امتازت هذه الطبعة على الطبعة الأولى بما يلي:
١ - ذكرت فيها كثيرًا من الشبه والأدلة التي ذكرها من أجازه مما لم أذكره في الطبعة الأولى، وأجبت عليها بما يتفق مع الأدلة الشرعية، والفطرية، والنظر الصحيح.
كما ناقشت أدلة المجوزين من حيث الإسناد.
٢ - ذكرنا أن أصول الإمام مالك ﵀ تقتضي إلزامه القول بتحريم الزواج بنية الطلاق.
٣ - حررت في هذه الطبعة مذهب الإمام أحمد وأصحابه، وبينت أنهم يرون تحريم هذا الزواج، ولم يجوزه إلا ابن قدامة، وصاحب الشرح الكبير، وابن مفلح، وشيخ الإسلام ابن تيمية.
٤ - حققت رأي شيخ الإسلام، وذكرت أن منهج شيخ الإسلام ﵀ في تقعيده، واستدلالاته، وأحكامه على نظائر هذه المسألة، واعتماده على قاعدة المصالح ودرء المفاسد وغير ذلك من قواعده وأصوله، تجعله يلتزم بتحريم الزواج بنية الطلاق.
وبينت في هذه الطبعة أن شيخ الإسلام لم يُفْتِ بجواز الزواج بنية الطلاق لمن كان مقيمًا ومستقرًا في بلده، إنما هذه الفتوى لمن كان مقيمًا في بلد الغربة، كما سترى ذلك إن شاء الله في ثنايا البحث.
٥ - ذكرت في هذه الطبعة رأي ابن القيم استنباطًا من خلال أدلته، وأصوله.
٦ - كما ذكرت في هذه الطبعة رأي المانعين المتأخرين، ومنهم الشيخ محمد بن صالح العثيمين، واللجنة الدائمة، ورأي المجمع الفقهي التابع للرابطة الإسلامية.
٧ - وقد امتازت هذه الطبعة بزيادة التحقيق، وتخريج الأحاديث.
стр. 19
٨ - كما ذكرت في هذه الطبعة الفرق بين الزواج بنية الطلاق وزواج المسيار.
هذا ما ظهر لي في هذه المسألة، فإن يكن ما عملته صوابًا فمن الله تعالى، والحمد لله على التسديد، وإن يكن خطأ فمن نفسي والشيطان وشرع الله بريء من كل رأي أو قول يخالفه. وأستغفر الله وأتوب إليه من كل ذنب وخطيئة إن أريد إلا الخير للإسلام والمسلمين، أسأل الله تعالى أن يرينا الحق حقًا ويرزقنا اتباعه، والباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه، ولا يجعله ملتبسًا علينا فنضل يا حي يا قيوم يا رحمن يا رحيم، يا ذا الجلال والإكرام، أسألك باسمك الأعظم أن تجيب دعاءنا فترزقنا العلم النافع والعمل الصالح وتجعل خير أعمارنا خواتيهما وخير أيامنا يوم نلقاك، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
المؤلف
صالح بن عبد العزيز بن إبراهيم آل منصور
стр. 20
المراد بالزواج الذي شرعه الله تعالى
النكاح المشروع: هو ما وافق ما شرعه الله لنا، فاجتمعت فيه الأركان والشروط، وخلا من الموانع التي تمنع صحته، وخلا من الغش والخداع من الزوجين أو من أحدهما، وكانت نية كل من الزوجين توافق مقاصد الشريعة في النكاح.
وأما النكاح الذي لا يحبه الله، فهو ما اختل فيه شيء من الأركان أو الشروط، أو وجد فيه شيء من الموانع، أو وجد فيه غش أو خداع، أو لم يرد فيه الزوجان أو أحدهما مقاصد الشريعة في النكاح، فهذا كله ليس مشروعًا.
فكل نكاح وافق ما شرعه الله تعالى صحيح، ظاهرًا وباطنًا، وليس كل نكاح صحيح في الظاهر يكون مشروعًا، والله أعلم.
فنكاح الرجل المتبرع بتحليل المرأة المطلقة ثلاثًا لزوجها، الذي لا يعلم بنيته إلا الله، فيتزوجها من أجل أن يحلها لزوجها، هو في الظاهر نكاح صحيح، ولكنه في الباطن ليس مشروعًا؛ بل يأثم.
وكذلك إذا تزوج الرجل المرأة وفي نيته طلاقها بعد أجل معلوم له هو في الظاهر نكاح صحيح، ما دام لم تعلم به الزوجة ولا وليها، ولكن مثل هذا الزواج يتعارض مع مقاصد الشريعة في النكاح، وغشٌ وخداعٌ للزوجة وأوليائها، وإذا كان كذلك، فهو في الباطن ليس مشروعًا.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (النكاح هو النكاح المعروف عند المسلمين، وهو النكاح الذي جعل الله فيه بين الزوجين مودة ورحمة) (١).
стр. 21
مقاصد الشريعة في الزواج
أما مقاصد الشريعة في الزواج، فقد بينها الله في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ بقوله: ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم: ٢١].
وقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآَنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧].
وقوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ١٩].
وقول رسول الله صلوات الله وسلامه عليه: «تزوجوا الودود الولود، فإني مكاثر بكم الأمم» (١).
وقوله ﷺ للمغيرة بن شعبة: «اذهب فانظر إليها؛ فإنه أحرى أن يؤدم بينكما»، قال ابن حجر: (يؤدم بينكما؛ أي: تدوم المودة) (٢).
стр. 22
فالزوجة إذًا هي السكن كله، سكن القلب، وسكن الجوارح، وسكن الحواس، وسكن الفكر، هي الاستقرار الكامل، وهذا السكن مصحوب بالمودة والرحمة من الطرفين، فهي اللباس الذي يلبسه الرجل، فيلصق بجسمه، فيجد فيه الظل والدفء والستر، فيستر به جسمه وعورته، كما أنه لباس لها، تجد فيه الظل والدفء، والستر، فتستر به جسمها وعورتها.
قال ابن عباس في معنى قوله تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾؛ قال: (هن سكن لكم وأنتم سكن لهن)، وهو قول مجاهد وقتادة والسدي (١).
والزواج بنية الطلاق لا يتحقق به السكن الدائم، الذي أراده الشارع، كما في تفسير ابن عباس وغيره.
قال ابن جرير: (فإن قال قائل وكيف يكون نساؤنا لباسًا لنا، ونحن لباسًا لهن، واللباس إنما هو ما لبس، قيل لذلك وجهان من المعاني؛ أحدهما: أن يكون كل واحد منهما جعل لصاحبه لباسًا لاجتماعهما عند النوم في ثوب واحد، وانضمام جسد كل واحد منهما لصاحبه بمنزلة ما يلبسه على جسده من ثيابه فقيل لكل واحد منهما هو لباس لصاحبه.
والوجه الآخر: أن يكون جعل كل واحد منهما لصاحبه لباسًا لأنه سكن له كما قال جل ثناؤه: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا﴾ [الفرقان: ٤٧]، يعني بذلك سكنًا تسكنون فيه، وكذلك زوجة الرجل سكنه، يسكن إليها كما قال تعالى ذكره: ﴿وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ [الأعراف: ١٨٩]. فيكون كل واحد منهما لباسًا لصاحبه بمعنى سكونه إليه، ثم قال: فجائز أن يكون قوله تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ بمعنى أن كل
стр. 23
واحد منكم ستر لصاحبه فيما يكون بينكم من الجماع عن أبصار الناس) (١).
وهذه المعاني لا توجد في الزواج بنية الطلاق.
ويشهد لما قلنا أن المراد باللباس الدوام والاستمرار بل دوام العمر كله، قول العرب: لبست فلانة عمري؛ أي: كانت معي شبابي كله، وتقول العرب: وتلبس حب فلانة بدمي ولحمي؛ أي: اختلط، ويقال: لبست قومًا؛ أي: تحليت بهم دهرًا (٢)، فهذا معنى اللباس عند العرب يقصد به الدوام والاستمرار.
الله أكبر! ما أبلغ قوله تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾! فإذا كانت لباسًا له يستر بها عورته، فهي إذًا تغض بصره وتحصن فرجه، فلا يطمح إلى ما حرم الله عليه فيكشف عورته وهو الساتر لعورتها، وإذا كان الرجل لباسًا لها تستر جسمها وعورتها به، فهو إذًا يغض بصرها ويحصن فرجها، فلا تطمح إلى ما حرم الله عليها فتكشف عورتها له.
وفي قوله تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾، إشارة إلى الدوام والاستمرار كما هو ظاهر كلام العرب؛ لأن ستر العورة يراد به الستر دائمًا، إذ لو كان مؤقتًا، كنكاح المتعة أو التحليل أو الزواج بنية الطلاق، لم يحصل به الستر، وقد جاء في المثل السائر: ثوب العارية لا يستر.
لا إله إلا الله والله أكبر! ما أبلغ وما أشمل وأكمل وأعظم هذه الآية: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾! كم فيها من معنى وبلاغة وحكمٍ!
стр. 24
فبالزواج يحصل الأولاد، الذين يخلد بهم الرجل ذكره، ويقوي بهم ساعده، ويصل بهم عقبه، ويكثر بهم المسلمون والمؤمنون الذين يعبدون الله تعالى ويجاهدون في سبيله، وينشرون العدل في ربوع البلاد، فتقوى بهم شوكة المسلمين، ويكاثر بهم نبينا محمد ﷺ الأمم يوم القيامة.
وجاء في هذا المعنى ما رواه أنس بن مالك، أن النبي ﷺ كان يأمر بالباءة وينهى عن التبتل نهيًا شديدًا، ويقول: «تزوجوا الودود الولود، فإني مكاثر بكم الأنبياء يوم القيامة» (١).
وما رواه عبد الله بن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: «انكحوا أمهات الأولاد، فإني أباهي بكم يوم القيامة» (٢).
وما رواه معقل بن يسار، قال: (جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إني أصبت امرأة ذات حسب وجمال، وإنها لا تلد، أفأتزوجها؟ قال: «لا» ثم أتاه الثانية، فنهاه، ثم أتاه الثالثة، فقال: «تزوجوا الودود الولود، فإني مكاثر بكم» (٣).
وسيأتي إن شاء الله زيادة توضيح لنماذج من مقاصد الشريعة في النكاح في الجواب على أدلة المجيزين للزواج بنية الطلاق) (٤).
стр. 25
نماذج من الأنكحة التي حرمها الله
١ - نكاح المتعة:
وهو زواج الرجل المرأة إلى أجل مسمى يتفقان عليه، بحيث ينتهي النكاح بنهاية المدة المتفق عليها، كما هو معلوم.
وقد حرم الله نكاح المتعة تحريمًا مؤبدًا إلى قيام الساعة بإجمال أهل السنة والجماعة، وذلك لمنافاته مقاصد الشريعة الإسلامية في مشروعية النكاح.
٢ - نكاح الشَّغَار:
وهو أن يزوج الرجل موليته على أن يزوجه الآخر موليته.
ومنهم من زاد في حد الشغار بقوله: (وليس بينهما صداق)، وذلك استنادًا إلى ما رواه نافع عن ابن عمر: «أن رسول الله ﷺ نهى عن الشغار، والشغار أن يزوج الرجل ابنته على أن يزوجه ابنته وليس بينهما صداق» (١).
ولهذا ذهب بعض العلماء إلى أن العلة في التحريم هي خلو بضع كل منهما من الصداق، فإذا سمي الصداق، فلا يضر الشرط.
وهذا قد يكون وجيهًا إذا ثبت أن تفسير الشغار مرفوع إلى النبي ﷺ ولكن لم يثبت رفعه؛ بل قد يكون من تفسير الإمام مالك أو نافع أو ابن
стр. 26
عمر، وإذا تطرق إلى الدليل الاحتمال، سقط به الاستدلال.
قال الإمام الشافعي ﵀ فيما حكاه البيهقي في المعرفة: (لا أدري التفسير عن النبي ﷺ أو عن ابن عمر أو من نافع أو عن مالك) (١).
وقال الخطيب (تفسير الشغار ليس من كلام النبي ﷺ ، وإنما هو من قول مالك) (٢).
ويؤيد ما ذكره أيضًا أن معظم الروايات الأخرى لم تذكر هذا التفسير:
أ- منها: ما رواه ابن عمر ﵁، أن النبي ﷺ قال: «لا شغار في الإسلام» (٣).
ب- ومنها: ما رواه أبو هريرة ﵁، قال: «نهى رسول الله ﷺ عن الشغار»، زاد ابن نمير: والشغار أن يقول الرجل: زوجني ابنتك وأزوجك ابنتي، أو: زوجني أختك وأزوجك أختي (٤).
ج- ومنها: ما رواه عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، أن العباس بن عبد الله بن عباس أنكح عبد الرحمن بن الحكم ابنته وأنكحه عبد الرحمن ابنته، وقد كانا جعلا صداقًا، فكتب معاوية بن أبي سفيان إلى مروان بن الحكم يأمره بالتفريق بينهما، وقال في كتابه: (هذا الشغار الذي نهى عنه رسول الله ﷺ ) (٥).
د- ومنها: ما رواه عمران بن حصين، أن النبي ﷺ قال: «لا جلب ولا جنب ولا شغار في الإسلام، ومن انتهب، فليس منا» (٦).
стр. 27
فإن قال قائل: ما تقول فيما ذكره القرطبي حيث يقول ﵀: (تفسير الشغار صحيح موافق لما ذكره أهل الغلة، فإن كان مرفوعًا، فهو المقصود، وإن كان من قول الصحابي، فمقبول أيضًا؛ لأنه أعلم بالمقال، وأقعد بالحال) (١).
فجوابنا على هذا: أن نقول: إن مجيء ذلك التفسير موافقًا للغة العرب لا يلزم منه حصر صورة الشغار في هذا المعنى، فلغة العرب يرجع إليها في تفسير ألفاظ الشرع إذا لم يفسرها الشرع أو من أخذ عن المشرع، كالصحابة، وإذا لم يعارض التفسير مقاصد الشرع.
وحصر الشغار على صورة الخلو من الصداق فقط يتنافى مع مقاصد الشريعة، ذلك أنه ربما يكون فيه ضرر على المرأة وظلم لها، ومما يؤيد هذا أن النكاح يصح عقده، ولو لم يسم صداق في العقد، فذكر الصداق أو عدمه ليس له تأثير في صحة العقد أو عدمه.
وأما قولهم: وإن كان من قول الصحابي، فمقبول أيضًا؛ لأنه أعلم بالمقال وأقعد بالحال.
نقول لهم: أثبتوا لنا أنه قول الصحابي، ثم بعد ذلك ننظر في قول الصحابي.
ويمكن أن يقال: للشغار صورتان.
إحداهما: الصورة المذكورة، وهي خلو بضع كل منهما من الصداق.
والصورة الثانية: أن يشترط كل واحد من الوليين على الآخر أن يزوجه موليته (٢)، فيكون عدم الصداق في هذا النكاح بعض العلة في
стр. 28
النهي، لوجود الظلم للزوجة بحرمانها الصداق، ولكن لا يلزم من عدم وجود بعض العلة عدم وجود البعض الآخر، وهو ظلم الزوجة بإكراهها أو خداعها بالزواج ممن لا يصلح لها ولا ترضاه.
فعلى هذا، نقول: الحكمة من تحريم نكاح الشغار - والله أعلم - هو ما قد يحصل في هذا النكاح من ظلم للمرأتين من الأولياء، فربما يظلم الولي موليته، فلا يزوجها بالكفء، من أجل أن يجعلها صداقًا لزوجة يختارها له أو لولده الذي لا ترغب فيه النساء أو الأولياء.
وماذا تستفيد المرأة من الصداق إذا سمي في العقد مهما بلغ قدره وهي تزوج برجل لا ترضى دينه ولا أمانته أو لا ترغبه البتة؟
لذا؛ لا يجوز لنا أن نقيد نهي الرسول ﷺ عن الشغار بعدم وجود الصداق، والله أعلم.
٣ - نكاح المحلَّل:
هو أن يتزوج الرجل المرأة التي طلقت ثلاثًا من أجل أن يحلها لزوجها الأول، سواء شرط ذلك في العقد أو قبله، أو نوى الزوج الثاني التحليل دون شرط، وجاء في هذا:
أ- ما رواه ابن مسعود ﵁، قال: «لعن رسول الله ﷺ المحلَّل والمحلَّل له» (١).
ب- ما رواه عقبة بن عامر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ألا أخبركم بالتيس المستعار؟». قالوا: بلى يا رسول الله، قال: «هو
стр. 29
المحلَّل، لعن الله المحلَّل والمحلَّل له» (١).
ج- وما روى عن عمر ﵁، أنه جاء إليه رجل، فسأله عن رجل طلق امرأته ثلاثًا، فتزوجها أخ له عن غير مؤامرة ليحلها لأخيه، هل
стр. 30
تحل للأول؟ قال: «لا، إلا نكاح رغبة، كنا نعد هذا سفاحًا على عهد رسول الله ﷺ » (١).
إلى غير ذلك من الأدلة.
стр. 31
لماذا حرمت هذه الأنكحة ؟
١ - لماذا حرم نكاح المتعة؟
حرم نكاح المتعة لحكم عظيمة، منها: أن النكاح عقد على تملك منفعة البضع على الدوام والاستمرار، فالدوام والاستمرار من أعظم الأسباب في حصول مقاصد الشريعة في النكاح، ونكاح المتعة يتعارض مع تلك المقاصد، إذ لا يراد به المودة والرحمة والسكن، ولا المكاثرة بالأولاد، ولا بناء الأسرة، ولا الترابط الأسري والاجتماعي ... إلى غير ذلك، والله أعلم.
٢ - لماذا حرم نكاح الشَّغَار؟
حرم لما يشتمل عليه من المفاسد العظيمة التي لا يعلم قدرها إلا الله .
فقد جاءت الشريعة الإسلامية بالعدل، وحذرت من الظلم، ونكاح الشغار قد لا ينظر فيه إلى مصلحة المرأة؛ بل قد تكون المصلحة للأولياء، لذا فإنه في الغالب لا توجد في هذا النكاح المودة والرحمة ولا السكن؛ بل ربما عاشا في نزاع وخصام وعذاب وقلق نفسي مما يكون له أسوأ الأثر في تربية الأولاد، وربما حصلت الفرقة بينهما، والله أعلم.
٣ - لماذا حرم نكاح التحليل؟
إن نكاح التحليل حيلة على الحرام، والحيل إلى الحرام باطلة، لذا
стр. 32
فإن نكاح التحليل يتعارض مع مقاصد الشريعة في مشروعية النكاح، فلا يراد منه المودة والرحمة، ولا السكن، ولا المكاثرة بالأولاد، ولا بناء الأسرة، ولا الترابط الأسري والاجتماعي؛ لأن الزوجة حينما أقدمت على الزوج الثاني لا تفكر في شيء من مقاصد الشريعة، والزوج الثاني لا يفكر في شيء من مقاصد الشريعة في الزواج؛ بل هدفه وقصده أن يحل هذه المرأة لزوجها الأول فحسب.
فإن قال قائل: بل يراد بهذا الزواج المودة والرحمة والمكاثرة بالأولاد وبناء الأسرة والترابط الأسري والاجتماعي، ذلك لأنه رجوع إلى الزواج الذي يريد منه كل من الزوجين مقاصد الشريعة.
قلنا: إن الوسيلة التي أريد بها ذلك محرمة، إذ من مقاصد الشريعة في الزواج الثاني أن يكون زواجًا يراد به مقاصد الشريعة، زواجًا مبنيًا على الحب والمودة والرحمة والسكن وطلب المكاثرة في الأولاد.
ومن مقاصد الشريعة في الزواج الثاني - والله أعلم - التعرف على الحياة الزوجية الجديدة، فتوازن بينهما، فتعرف الفرق بين العشرتين، فيكون ذلك درسًا جديدًا لحياة زوجية جديدة، وبناء أسرة جديدة، وترابط أسري واجتماعي مع أسرة جديدة، فمتى تغيرت التربية، ربما يكون لهذا التغير الأثر الطيب على الحرث، فيكون العطاء من الزوجين أكثر. وإن حصل طلاق من الزوج الثاني، فإنها إن رجعت إلى الزوج الأول، رجعت بعد دراسة مقارنة بين الزوجين، ومحاسبة للنفس، فبعد ذلك تزول الخلافات غالبًا، وتقوى الروابط، فيكون الحكم لسلطان العقل المبني على سلطان الشرع بعيدًا عن سلطان الهوى.
أما زواج عابر يراد به شهوة عاجلة في فترة قصيرة فإنه لا يحقق مقاصد شريفة، ولا يعطي دروسًا سامية في الحياة الزوجية يكون لها أثر طيب في حياة كل من الزوجين واستقرارهما وسعادتهما، فإباحة مثل هذا
стр. 33
النكاح يفتح باب التمرد والتلاعب بحدود الله، كالمسارعة في الطلاق بدون تروٍ ولا تعقل ما دام يجد بابًا سهلاً يصحح به هذا الخطأ وهو نكاح التحليل.
وإن المحلَّل لجدير بهذا الوصف الذميم الذي وصفه به رسول الله ﷺ : وهو التيس المستعار فإنه لا هم له إلا النزو على البهيمة من أجل لقاحها ثم تؤخذ منه الأنثى بعد ذلك، ويذهب به إلى أخرى فهو في الحقيقة مثل مطابق لهذا الواقع المخزي المؤلم.
стр. 34
النكاح بنية الطلاق
هو أن يتزوج الرجل المرأة وفي نيته طلاقها بعد انتهاء دراسته أو إقامته أو حاجته (١).
حكم هذا النكاح:
اختلف العلماء فيه على قولين:
القول الأول: ذهب الجمهور إلى الجواز . وإليك بيان ذلك:
أ- الحنفية:
يقولون: «لو تزوج المرأة وفي نيته أن يقعد معها مدة نواها، صح؛ لأن التوقيت إنما يكون باللفظ» (٢).
وقال علي القاري في «شرح النقاية»: «أو تزوجها ناويًا أن يقعد معها مدة، ولم يتلفظ بذلك في محل العقد، فالنكاح صحيح» (٣).
стр. 35
ب- المالكية:
قال في «المنتقى شرح موطأ مالك» للباجي (١):
«ومن تزوج امرأة لا يريد إمساكها، إلا أنه يريد أن يستمتع بها مدة ثم يفارقها، فقد روى محمد عن مالك أن ذلك جائز، وليس من الجميل ولا من أخلاق الناس» (٢).
ومعنى ذلك ما قاله ابن حبيب: «إن النكاح وقع على وجهه، ولم يشترط شيئًا، وإنما نكاح المتعة ما شرطت فيه الفرقة بعد انقضاء مدة».
قال مالك: «وقد يتزوج الرجل المرأة على غير إمساك، فيسره أمرها، فيمسكها، وقد يتزوجها يريد إمساكها، ثم يرى منها ضد الموافقة، فيفارقها».
يريد: أن هذا لا ينافي النكاح، فإن للرجل الإمساك والمفارقة، وإنما ينافي النكاح التوقيت.
قال الدرديري: «في الشرح الصغير» (٣) عند الكلام على القسم الثالث - وهو ما يفسخ فيه النكاح مطلقًا قبل الدخول وبعده -:
قال بعد كلام سبق: « ... وكالنكاح لأجل، وهو نكاح المتعة، عيّن الأجل أم لا، ويعاقب فيه الزوجان، ولا يحدَّان على المذهب، ويفسخ بلا طلاق، والمضمر بيان ذلك في العقد للمرأة أو وليها.
وأما لو أضمر الزوج في نفسه أن يتزوجها ما دام في هذه البلدة أو
стр. 36
مدة سنة ثم يفارقها، فلا يضر، ولو فهمت المرأة من حاله ذلك».
وفي «حاشية الصاوي» تعليقًا على قوله: «وأما لو أضمر»: «قال بعضهم: وهي فائدة تنفع المغترب».
وقال في تعليقه على قوله: «ولو فهمت المرأة»؛ «أي: على الراجح، كما يفهم من اختصار الأجهوري عليه: وأما إن أضمره في نفسه ولا تفهمه المرأة ولا وليها، فجائز اتفاقًا» انتهى.
وفي «الشرح الكبير» قال ما نصه: «وحقيقة نكاح المتعة الذي يفسخ أبدًا: أن يعقد العقد مع ذكر الأجل للمرأة أو وليها، وأما إذا لم يقع ذلك في العقد، ولم يعلمها الزوج بذلك، وإنما قصده في نفسه، وفهمت المرأة أو وليها المفارقة بعد مدة، فإنه لا يضر، وهي فائدة تنفع المغترب». اهـ.
وفي «حاشية الدسوقي»، قال: «وإن كان بهرام قد صرح في «شرحه» وفي «شامله» بالفساد إذا فهمت منه ذلك الأمر الذي قصده في نفسه، فإن لم يصرح للمرأة ولا وليها بذلك، ولم تفهم المرأة ما قصده في نفسه، فليس نكاح متعة اتفاقًا». اهـ (١).
ج- الشافعية:
ذكر ابن تيمية في كتاب «الفتاوى الكبرى» أن أبا حنيفة والشافعية رخصا في هذا النكاح (٢).
وقال في «نهاية المحتاج» عند الكلام عن عدم صحة النكاح المؤقت ما خلاصته: «ولا يصح توقيته بمدة معلومة أو مجهولة، لصحة النهي عن نكاح المتعة، وكان نكاح المتعة جائزًا أولاً رخصة، ثم نهي عنه» (٣).
стр. 37
وعلق الشبراملسي في «حاشيته» على قوله في «المنهاج»: «ولا توقيته» «حيث وقع ذلك في صلب العقد، أما لو توافقا عليه قبل، ولم يتعرضا له في العقد، لم يضر، ولكن ينبغي هنا كراهته، أخذًا من نظيره في المحلل» (١).
وحينما تكلم في «نهاية المحتاج» عن شروط الطلاق إذا وطئ بانت منه، أو إذا وطئ فلا نكاح بينهما، وقال ببطلانه لأنه مناف لمقتضى العقد، فقال: «وحمل على ذلك خبر «لعن الله المحلل والمحلل له»، كما ذكر أن العبرة بذكر الشرط في صلب العقد ... » ثم قال: «وخرج بشرط ذلك إضماره، فلا يؤثر، وإن تواطئا قبل العقد عليه، نعم يكره، إذ كل ما لو صرح به أبطله يكون إضماره مكروهًا، نص عليه» (٢).
تنبيه: لم أقف على رأي للإمام أبي حنيفة والإمام الشافعي في حكم الزواج بنية الطلاق، إلا ما نقله شيخ الإسلام ابن تيمية وما أفتى به بعض أئمة مذهبهما، ورحم الله مسلمًا زودني بنص صريح عنهما.
د- الحنابلة:
لم يجزه من الحنابلة سوى ابن قدامة ووافقه ابن مفلح، قال شيخ الإسلام: «لم أر أحدًا من الأصحاب قال لا بأس به» (٣).
قال ابن قدامة في «المغني» ما نصه: «فصل: وإن تزوجها بغير شرط، إلا أن في نيته طلاقها بعد شهر، أو إذا انقضت حاجته في هذا البلد، فالنكاح صحيح في قول عامة أهل العلم، إلا الأوزاعي، قال: هو نكاح متعة، والصحيح أنه لا بأس به، ولا تضر نيته، وليس على
стр. 38
الرجل أن ينوي حبس امرأته، وحسبه إن وافقته، وإلا، طلقها» (١).
وذكر ابن مفلح (٢) في كتابه «المبدع شرح المقنع»، قال لما ذكر نكاح المتعة: «وظاهره أنه إذا تزوجها بغير شرط، وفي نيته طلاقها، فالنكاح صحيح في قول عامتهم، خلافًا للأوزاعي، فإنه قال: نكاح متعة، والصحيح لا بأس به، وليس على الرجل حبس امرأته، وحسبه إن وافقته، وإلا طلقها، وقال الشريف: وحكي عن أحمد أنه إن عقد بقلبه تحليلها للأول أو الطلاق في وقت بعينه، لم يصح النكاح» (٣).
وقد انتصر لهذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في أحد قوليه، والقول الآخر له الكراهة (٤).
وإليك بيان رأيه.
стр. 39
رأي شيخ الإسلام أحمد بن تيمية
قال رحمه الله تعالى (١): «وأما نكاح المتعة: إذا قصد أن يستمتع بها إلى مدة، ثم يفارقها، مثل المسافر الذي يسافر إلى بلد يقيم به مدة، فيتزوج وفي نيته إذا عاد إلى وطنه أن يطلقها، ولكن النكاح عقده عقدًا مطلقًا، فهذا فيه ثلاثة أقوال في مذهب أحمد: قيل: هو نكاح جائز وهو اختيار أبي محمد المقدسي، وهو قول الجمهور.
وقيل: إنه نكاح تحليل لا يجوز، وروي عن الأوزاعي، وهو الذي نصره القاضي وأصحابه في الخلاف، وقيل: هو مكروه، وليس بمحرم.
والصحيح: أن هذا ليس بنكاح متعة، ولا يحرم، وذلك أنه قاصد النكاح وراغب فيه، بخلاف المحلل، لكن لا يريد دوام المرأة معه، وهذا ليس بشرط، فإن دوام المرأة معه ليس بواجب؛ بل له أن يطلقها، فإذا قصد أن يطلقها بعد مدة، فقد قصد أمرًا جائزًا، بخلاف نكاح المتعة، فإنه مثل الإجارة، تنقضي فيه بانقضاء المدة ولا ملك له عليها بعد انقضاء الأجل، وأما هذا، فملكه ثابت مطلق، وقد تتغير نيته فيمسكها دائمًا، وذلك جائز له، كما أنه لو تزوج بنية إمساكها دائمًا، ثم بدا له طلاقها جاز ذلك، ولو تزوجها بنية أنها إذا أعجبته أمسكها وإلا فارقها، جاز، ولكن هذا لا يشترط في العقد، لكن لو شرط أن يمسكها بمعروف أو يسرحها بإحسان، فهذا موجب العقد شرعًا، كاشتراط النبي ﷺ في عقد البيع بيع المسلم للمسلم: «ولا داء، ولا غائلة،
стр. 40
ولا خبيثة» (١)،
وهذا موجب العقد.
وقد كان الحسن بن علي كثير الطلاق، فلعل غالب من تزوجها كان في نيته أنه يطلقها بعد مدة، ولم يقل أحد: إن ذلك متعة.
وهذا أيضًا لا ينوي طلاقها عند أجل مسمى؛ بل عند انقضاء غرضه منها ومن البلد الذي أقام به، ولو قدر أنه نواه في وقت بعينه، فقد تتغير نيته، فليس في هذا ما يوجب تأجيل النكاح وجعله كالإجارة المسماة، وعزم الطلاق لو قدر بعد عقد النكاح لم يبطله، ولم يكره مقامه مع المرأة، وإن نوى طلاقها، من غير نزاع نعلمه في ذلك، مع اختلافهم فيما حدث من تأجيل النكاح، مثل أن يؤجل الذي بينهما، فهذا فيه قولان، هما روايتان عن أحمد:
أحدهما: تنجز الفرقة، وهو قول مالك، لئلا يصير النكاح مؤجلاً.