← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 36511

الزواج بنية الطلاق من خلال أدلة الكتاب والسنة ومقاصد الشريعة الإسلامية

صالح آل منصور

Полный текст (130 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

مدة سنة ثم يفارقها، فلا يضر، ولو فهمت المرأة من حاله ذلك». وفي «حاشية الصاوي» تعليقًا على قوله: «وأما لو أضمر»: «قال بعضهم: وهي فائدة تنفع المغترب». وقال في تعليقه على قوله: «ولو فهمت المرأة»؛ «أي: على الراجح، كما يفهم من اختصار الأجهوري عليه: وأما إن أضمره في نفسه ولا تفهمه المرأة ولا وليها، فجائز اتفاقًا» انتهى. وفي «الشرح الكبير» قال ما نصه: «وحقيقة نكاح المتعة الذي يفسخ أبدًا: أن يعقد العقد مع ذكر الأجل للمرأة أو وليها، وأما إذا لم يقع ذلك في العقد، ولم يعلمها الزوج بذلك، وإنما قصده في نفسه، وفهمت المرأة أو وليها المفارقة بعد مدة، فإنه لا يضر، وهي فائدة تنفع المغترب». اهـ. وفي «حاشية الدسوقي»، قال: «وإن كان بهرام قد صرح في «شرحه» وفي «شامله» بالفساد إذا فهمت منه ذلك الأمر الذي قصده في نفسه، فإن لم يصرح للمرأة ولا وليها بذلك، ولم تفهم المرأة ما قصده في نفسه، فليس نكاح متعة اتفاقًا». اهـ (١). ج- الشافعية: ذكر ابن تيمية في كتاب «الفتاوى الكبرى» أن أبا حنيفة والشافعية رخصا في هذا النكاح (٢). وقال في «نهاية المحتاج» عند الكلام عن عدم صحة النكاح المؤقت ما خلاصته: «ولا يصح توقيته بمدة معلومة أو مجهولة، لصحة النهي عن نكاح المتعة، وكان نكاح المتعة جائزًا أولاً رخصة، ثم نهي عنه» (٣).

стр. 37

وعلق الشبراملسي في «حاشيته» على قوله في «المنهاج»: «ولا توقيته» «حيث وقع ذلك في صلب العقد، أما لو توافقا عليه قبل، ولم يتعرضا له في العقد، لم يضر، ولكن ينبغي هنا كراهته، أخذًا من نظيره في المحلل» (١). وحينما تكلم في «نهاية المحتاج» عن شروط الطلاق إذا وطئ بانت منه، أو إذا وطئ فلا نكاح بينهما، وقال ببطلانه لأنه مناف لمقتضى العقد، فقال: «وحمل على ذلك خبر «لعن الله المحلل والمحلل له»، كما ذكر أن العبرة بذكر الشرط في صلب العقد ... » ثم قال: «وخرج بشرط ذلك إضماره، فلا يؤثر، وإن تواطئا قبل العقد عليه، نعم يكره، إذ كل ما لو صرح به أبطله يكون إضماره مكروهًا، نص عليه» (٢). تنبيه: لم أقف على رأي للإمام أبي حنيفة والإمام الشافعي في حكم الزواج بنية الطلاق، إلا ما نقله شيخ الإسلام ابن تيمية وما أفتى به بعض أئمة مذهبهما، ورحم الله مسلمًا زودني بنص صريح عنهما. د- الحنابلة: لم يجزه من الحنابلة سوى ابن قدامة ووافقه ابن مفلح، قال شيخ الإسلام: «لم أر أحدًا من الأصحاب قال لا بأس به» (٣). قال ابن قدامة في «المغني» ما نصه: «فصل: وإن تزوجها بغير شرط، إلا أن في نيته طلاقها بعد شهر، أو إذا انقضت حاجته في هذا البلد، فالنكاح صحيح في قول عامة أهل العلم، إلا الأوزاعي، قال: هو نكاح متعة، والصحيح أنه لا بأس به، ولا تضر نيته، وليس على

стр. 38

الرجل أن ينوي حبس امرأته، وحسبه إن وافقته، وإلا، طلقها» (١). وذكر ابن مفلح (٢) في كتابه «المبدع شرح المقنع»، قال لما ذكر نكاح المتعة: «وظاهره أنه إذا تزوجها بغير شرط، وفي نيته طلاقها، فالنكاح صحيح في قول عامتهم، خلافًا للأوزاعي، فإنه قال: نكاح متعة، والصحيح لا بأس به، وليس على الرجل حبس امرأته، وحسبه إن وافقته، وإلا طلقها، وقال الشريف: وحكي عن أحمد أنه إن عقد بقلبه تحليلها للأول أو الطلاق في وقت بعينه، لم يصح النكاح» (٣). وقد انتصر لهذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في أحد قوليه، والقول الآخر له الكراهة (٤). وإليك بيان رأيه.

стр. 39

رأي شيخ الإسلام أحمد بن تيمية قال رحمه الله تعالى (١): «وأما نكاح المتعة: إذا قصد أن يستمتع بها إلى مدة، ثم يفارقها، مثل المسافر الذي يسافر إلى بلد يقيم به مدة، فيتزوج وفي نيته إذا عاد إلى وطنه أن يطلقها، ولكن النكاح عقده عقدًا مطلقًا، فهذا فيه ثلاثة أقوال في مذهب أحمد: قيل: هو نكاح جائز وهو اختيار أبي محمد المقدسي، وهو قول الجمهور. وقيل: إنه نكاح تحليل لا يجوز، وروي عن الأوزاعي، وهو الذي نصره القاضي وأصحابه في الخلاف، وقيل: هو مكروه، وليس بمحرم. والصحيح: أن هذا ليس بنكاح متعة، ولا يحرم، وذلك أنه قاصد النكاح وراغب فيه، بخلاف المحلل، لكن لا يريد دوام المرأة معه، وهذا ليس بشرط، فإن دوام المرأة معه ليس بواجب؛ بل له أن يطلقها، فإذا قصد أن يطلقها بعد مدة، فقد قصد أمرًا جائزًا، بخلاف نكاح المتعة، فإنه مثل الإجارة، تنقضي فيه بانقضاء المدة ولا ملك له عليها بعد انقضاء الأجل، وأما هذا، فملكه ثابت مطلق، وقد تتغير نيته فيمسكها دائمًا، وذلك جائز له، كما أنه لو تزوج بنية إمساكها دائمًا، ثم بدا له طلاقها جاز ذلك، ولو تزوجها بنية أنها إذا أعجبته أمسكها وإلا فارقها، جاز، ولكن هذا لا يشترط في العقد، لكن لو شرط أن يمسكها بمعروف أو يسرحها بإحسان، فهذا موجب العقد شرعًا، كاشتراط النبي ﷺ في عقد البيع بيع المسلم للمسلم: «ولا داء، ولا غائلة،

стр. 40

ولا خبيثة» (١)، وهذا موجب العقد. وقد كان الحسن بن علي كثير الطلاق، فلعل غالب من تزوجها كان في نيته أنه يطلقها بعد مدة، ولم يقل أحد: إن ذلك متعة. وهذا أيضًا لا ينوي طلاقها عند أجل مسمى؛ بل عند انقضاء غرضه منها ومن البلد الذي أقام به، ولو قدر أنه نواه في وقت بعينه، فقد تتغير نيته، فليس في هذا ما يوجب تأجيل النكاح وجعله كالإجارة المسماة، وعزم الطلاق لو قدر بعد عقد النكاح لم يبطله، ولم يكره مقامه مع المرأة، وإن نوى طلاقها، من غير نزاع نعلمه في ذلك، مع اختلافهم فيما حدث من تأجيل النكاح، مثل أن يؤجل الذي بينهما، فهذا فيه قولان، هما روايتان عن أحمد: أحدهما: تنجز الفرقة، وهو قول مالك، لئلا يصير النكاح مؤجلاً.

стр. 41

والثاني: لا تنجز؛ لأن هذا التأجيل طرأ على النكاح، والدوام أقوى من الابتداء، فالمدة والردة والإحرام تمنع ابتداءه دون دوامه، فلا يلزم إذا منع التأجيل في الابتداء أن يمنع في الدوام، لكن يقال: ومن الموانع ما يمنع الدوام والابتداء أيضًا، فهذا محل اجتهاد، كما اختلف في العيوب الحادثة، وزوال الكفاءة، هل تثبت الفسخ؟ فأما حدوث نية الطلاق إذا أراد أن يطلقها بعد شهر، فلم نعلم أن أحدًا قال: إن ذلك يبطل النكاح، فإنه قد يطلق وقد لا يطلق عند الأجل، كذلك الناوي عند العقد في النكاح (١)، وكل منهما يتزوج الآخر إلى أن يموت، فلا بد من الفرقة، والرجل يتزوج الأمة التي يريد سيدها عتقها، ولو أعتقت كان الأمر بيدها، وهو يعلم أنها لا تختاره، وهو نكاح صحيح، ولو كان عتقها مؤجلاً أو كانت مدبرة وتزوجها، وإن كانت لها عند (٢) مدة الأجل اختيار فراقه، والنكاح مبناه على أن الزوج يملك الطلاق من حين العقد، فهو بالنسبة إليه ليس بلازم وهو بالنسبة إلى المرأة لازم، ثم إذا عرف أنه

стр. 42

بعد مدة يزول اللزوم من جهتها ويبقى جائزًا، لم يقدح في النكاح، ولهذا يصح نكاح المجبوب والعنين وبشرط يشترطها الزوج، مع أن المرأة لها الخيار إذا لم تعرف بتلك الشروط، فعلم أن مصيره جائزًا من جهة المرأة لا يقدح، وإن كان هذا يوجب انتفاء كمال الطمأنينة من الزوجين، فعزمه على الملك ببعض الطمأنينة مثل هذا إذا كانت المرأة مقدمة على أنه إن شاء طلق، وهذا من لوازم النكاح، فلم يعزم إلا على ما يملكه بموجب العقد، وهو كما لو عزم أن يطلقها إن فعلت ذنبًا، أو إذا نقص ماله، ونحو ذلك، فعزمه على الطلاق إذا سافر إلى أهله، أو قدمت امرأته الغائبة، أو قضى وطره منها، من هذا الباب. وزيد كان قد عزم على طلاق امرأته، ولم تخرج بذلك عن زوجيَّته؛ بل ما زالت زوجته حتى طلقها، وقال له النبي ﷺ : «اتق الله وأمسك عليك زوجك» (١)، وقيل: إن الله قد كان أعلمه أن سيتزوجها، وكتم هذا الإعلام عن الناس، فعاتبه الله بذلك، وقيل: بل الذي أخفاه أنه إن طلقها تزوجها. وبكل حال لم يكن عزم زيد على الطلاق قادحًا في النكاح في الاستدامة، وهذا مما لا نعرف فيه نزاعًا، وإذا ثبت بالنص والإجماع أنه لا يؤثر العزم على طلاقها في الحال، وهذا يرد على من قال: إنه إذا نوى الطلاق بقلبه، وقع. فإن قلب زيد كان قد خرج عنها، ولم تزل زوجته إلى حين تكلم بطلاقها، وقال النبي ﷺ : «إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم أو تعمل به» (٢).

стр. 43

وهذا مذهب الجمهور، كأبي حنيفة، والشافعي، وأحمد (١)، وهو إحدى الروايتين عن مالك، ولا يلزم إذا أبطله شرط التوقيت أن تبطله نية التطليق فيما بعد، فإن النية المبطلة ما كنت مناقضة لمقصود العقد إلى حين الطلاق، بخلاف المحلل، فإنه لا رغبة له في نكاحها ألبتة؛ بل في كونها زوجة الأول، ولو أمكنه ذلك بغير تحليل، لم يحلها، هذا وإن كان مقصوده العوض، فلو حصل له بدون نكاحها، لم يتزوج، وإن كان مقصوده هنا وطأها ذلك اليوم، فهذا من جنس البغي التي يقصد وطأها يومًا أو يومين، بخلاف المتزوج الذي يقصد المقام، والأمر بيده، ولم يشترط عليه أحد أن يطلقها كما شرط على المحلل، فإن قدر من تزوجها نكاحًا مطلقًا ليس فيه شرط ولا عدة، ولكن كانت نيته أن يستمتع بها أيامًا ثم يطلقها، ليس مقصوده أن تعود إلى الأول، فهذا هو محل الكلام، وإن حصل بذلك تحليلها للأول، فهو لا يكون محللاً، إلا إذا قصده، أو شرط عليه شرطًا لفظيًا أو عرفيًا، سواء كان الشرط قبل العقد أو بعده، وأما إذا لم يكن فيه قصد تحليل ولا شرط أصلاً، فهذا نكاح من الأنكحة» انتهى (٢). وقال رحمه الله تعالى: «مسألة في رجل ركَّاض يسير في البلاد في كل مدينة شهرًا أو شهرين، ويعزل عنها، ويخاف أن يقع في المعصية، فهل له أن يتزوج في مدة إقامته في تلك البلاد وإذا سافر طلقها وأعطاها حقها أو لا؟ وهل يصح النكاح أو لا (٣)؟

стр. 44

الجواب: له أن يتزوج، لكن ينكح نكاحًا مطلقًا، لا يشترط فيه توقيتًا، بحيث يكون: إن شاء أمسكها، وإن شاء طلقها، وإن نوى طلاقها حتمًا عند انقضاء سفره كره في مثل ذلك، وفي صحة النكاح نزاع، ولو نوى أنه إذا سافر وأعجبته، أمسكها، وإلا طلقها، جاز ذلك. فأما أن يشترط التوقيت، فهذا نكاح المتعة الذي اتفق الأئمة الأربعة وغيرهم على تحريمه ... » إلى أن قال: «وأما إذا نوى الزوج الأجل، ولم يظهره للمرأة، فهذا فيه نزاع، يرخص فيه أبو حنيفة والشافعي، ويكرهه مالك وأحمد وغيرهما» (١). وذكر هذه المسألة عنه البعلي في «الاختيارات الفقهية» لابن تيمية في باب الشروط والعيوب في النكاح، ولم يذكر رأي شيخ الإسلام ابن تيمية فيها. قال رحمه الله تعالى: «وأما نية الاستمتاع، وهو أن يتزوجها وفي نيته أن يطلقها في وقت أو عند سفره، فلم يذكرها القاضي في «المحرر» ولا «الجامع»، ولا ذكرها أبو الخطاب، وذكرها أبو محمد المقدسي، وقال النكاح صحيح لا بأس به في قول عامة العلماء، إلا الأوزاعي، قال أبو العباس: ولم أر أحدًا من أصحابنا ذكر أنه لا بأس به تصريحًا؛ إلا أبا محمد، وأما القاضي في «التعليق»، فسوَّى بين نيته على طلاقها في وقت بعينه وبين نيته التحليل، وكذلك الجد وأصحاب الخلاف» (٢). وسيأتي الجواب على أدلة شيخ الإسلام مفصلة في فصل مستقل.

стр. 45

القول الثاني: التحريم . وممن ذهب إلى تحريمه: ١ - الإمام الأوزاعي ﵀ (١)، فقد اشتهر ذلك عنه (٢). ٢ - الحنابلة: فقد نص الإمام أحمد على تحريمه وقال: «هو متعة» كما نقل ذلك عنه شيخ الإسلام إذ قال: «والمنصوص عن الإمام أحمد كراهة هذا النكاح وقال هو متعة، فعلم أنها كراهة تحريم ... » ثم قال: «قال الإمام أحمد في رواية عبد الله إذا تزوجها ومن نيته أن يطلقها أكرهه، هذه متعة»، ونقل عنه أبو داود: «إذا تزوجها على أن يحملها إلى خراسان، ومن رأيه إذا حملها أن يخلي سبيلها، فقال: لا، هذا يشبه المتعة حتى يتزوجها على أنها امرأته ما حييت». ثم قال شيخ الإسلام: «وهذا يبين أن هذه كراهة تحريم لأنه جعل هذا متعة، والمتعة حرام عنده» (٣). وقال المرداوي في الإنصاف: «ولو نوى بقلبه فهو كما لو شرطه على الصحيح من المذهب نص عليه» (٤). أي الإمام أحمد. والقول بتحريمه هو الصحيح من المذهب والذي عليه جميع أصحاب الإمام أحمد؛ بل قال شيخ الإسلام: «لم أر أحدًا من الأصحاب قال: لا بأس به» (٥) أي كلهم على تحريمه.

стр. 46

وممن حرمه من الحنابلة القاضي أبو يعلى في التعليقة، قال البعلي في الاختيارات الفقهية: «وأما القاضي في التعليقة فسوى بين نيته على طلاقها في وقت بعينه وبين نيته التحليل» (١). وممن قال بتحريمه أيضًا المجد ابن تيمية في المحرر إذ قال: «ولو نوى الزوج ذلك بقلبه فهو كما لو شرطه نصًا عليه» (٢). وقال المرداوي في التنقيح المشبع في تحرير أحكام المقنع: «ونكاح متعة أن يتزوجها إلى مدة أو بشرط طلاقها في وقت أو ينويه في قلبه نصًا خلافًا للمصنف وغيره فيها» (٣). وقال البهوتي في «منتهى الإرادات»: «الثالث: نكاح المتعة، وهو أن يتزوجها إلى مدة، أو بشرط طلاقها فيه بوقت، أو ينويه بقلبه، أو يتزوج الغريب بنية طلاقها إذا خرج» (٤). وفي «كتاب الفروع» قوله: «وكذا إذا تزوجها على مدة، وهو نكاح المتعة ... » إلى أن قال: «ونقل أبو داود فيها هو شبيه بالمتعة لا , حتى يتزوجها على أنها امرأته ما حييت» (٥). قال الشيخ سليمان بن عبد الله بن حمد بن عبد الوهاب ﵏ في حاشيته على المقنع: «فائدة: لو نوى بقلبه، فهو كما لو شرطه على الصحيح من المذهب، نص عليه، وعليه الأصحاب، نقل

стр. 47

أبو داود فيها: «هو شبيه بالمتعة، لا، حتى يتزوجها على أنها امرأته ما حييت» (١). وينبغي أن نعلم أن أصول وقواعد جميع أئمة المذاهب كمالك، وأبي حنيفة والشافعي، وأحمد وأصحابهم، تحرم الزواج بنية الطلاق بل جميع علماء المسلمين؛ لأن من أصولهم وقواعدهم المسلمة، أن الأمور بمقاصدها، وأن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، ومن ذلك جواز ارتكاب أدنى المفسدتين درءًا لأعلاهما، ومن قواعدهم العمل بسد الذرائع التي تفضي إلى مفاسد فتوقع في حرام، أو ترك واجب. ولا شك أن إباحة الزواج بنية الطلاق من أعظم الذرائع التي أوقعت في الحرام، وترك الواجبات، ففيها من المفاسد الخلقية، والاجتماعية، والصحية، والاقتصادية، ما لا يعلم قدر عظمه إلا الله تعالى. فالزواج بنية الطلاق من أعظم الأسباب التي تضر بالضرورات الخمس التي جاءت الشرائع السماوية لا سيما شريعة الإسلام بالمحافظة عليها وهي الحفاظ على الدين والنفس والعقل والمال والنسل. ومن نظر إلى واقع الناس اليوم وتهافتهم كالفراش على هذا الزواج في كل مكان لعرف عظم تلك المفاسد، التي كان منها الغش والخداع، وضياع الأعراض، والأولاد، وتفكك روابط المجتمع والأسر، وتسهيل أسباب فاحشة الزنى، واختلاط الأنساب، وخروج كثير من النساء عن الإسلام، سواء كن مسلمات أصيلات أو دخلن في الإسلام بسبب هذا الزواج الذي عرّضهن للضياع والتشرد وتشويه سمعة الإسلام، وقد بينا ذلك.

стр. 48

إذًا من لم يقل بتحريمه من العلماء أو أجازه، فإن قواعد الإسلام وأصوله ومقاصد الشريعة الإسلامية التي يعمل بها تلزمه بالقول بتحريم الزواج بنية الطلاق، وهو في الحقيقة يقول ذلك بلسان حاله. لذا قال الإمام مالك ﵀ بمنع بيوع الآجال لأنها تؤدي إلى الربا كثيرًا لا غالبًا سواء ظهر قصد إلى الفساد أو لم يظهر.

стр. 49

رأي ابن القيم ﵀ في حكم الزواج بنية الطلاق لم أجد لابن القيم الجوزية ﵀ رأيًا صريحًا في تحريم الزواج بنية الطلاق، ولكن لو نظرنا إلى تقعيداته ﵀ وتأصيلاته من خلال استنباطاته الأحكام الشرعية من عمومات الأدلة ومقاصد الشريعة، لوجدناها تنطبق على الزواج بنية الطلاق، مما يجعلنا نكاد نقول: إن ابن القيم يرى تحريم نكاح الزواج بنية الطلاق. وانظر إلى تقعيده ﵀ إذ يقول: «قاعدة: الشريعة أن العزم التام إذا اقترن به ما يمكن من الفعل، نُزَّل صاحبه في الثواب والعقاب منزلة الفاعل التام» (١). تعال معي لنقرأ ما قاله في نكاح التحليل، ثم نقارن بين النكاحين من خلال ما ذكره ﵀. قال ابن القيم ﵀: «وأما في هذه الأزمات التي قد شكت الفروج فيها إلى ربها من مفسدة التحليل». قلت: كيف لو رأى ابن القيم ﵀ في هذا الزمان والذي زاد فيها شكاية الفروج إلى ربها مفسدة الزواج بنية الطلاق، والذي تسارع كثير من الناس إليه تسارع السابقين في التحليل. ثم قال ﵀: «وقبح ما يرتكبه المحللون مما هو رمد بل عمى في

стр. 50

عين الدين وشجى في حلوق المؤمنين من قبائح تشمت أعداء الدين به، وتمنع كثيرًا ممن يريد الدخول فيه بسببه». قلت: وهذا ما عابه وتشمت به أعداء الإسلام في هذا الزمن عما قيل في إباحة الإسلام للزواج بنية الطلاق. ثم قال: «فالمرأة تنكح لدينها وحسبها ومالها وجمالها والتيس المستعار لا يسأل عن شيء من ذلك، فإنه لا يمسك بعصمتها بل قد دخل على زوالها». قلت: ومثله الزواج بنية الطلاق فإن الرجل لا تهمه هذه المقاصد الأربع غالبًا، والتي يتزوج الرجل المرأة لأجلها، بل همه أن يقضي شهوته منها في خلال الفترة التي نواها، ثم يتركها ويذهب إلى أخرى، فإنه لا يمسك بعصمتها بل قد دخل على زوالها. ثم قال: «والله تعالى قد جعل كل واحد من الزوجين سكنًا لصاحبه، وجعل بينهما مودة ورحمة ليحصل بذلك مقصود هذا العقد العظيم، وتتم بذلك المصلحة التي شرعه لأجلها العزيز الحكيم، فسل التيس المستعار هل له من ذلك نصيب». قلت: ما ذكره ابن القيم من أن مقصود عقد النكاح هو ما ذكره الله تعالى في حصول السكن والمودة والرحمة بين الزوجين هو منتف في الزواج بنية الطلاق، كما هو منتفٍ في نكاح التحليل. فإن هذين الزواجين لا يحصل بهما مقصود العقد ولا تتم بهما المصلحة التي شرعه لأجلها العزيز الحكيم. فسل المتزوج بنية الطلاق هل له من مقصود هذا العقد وحكمته نصيب؟ ثم قال: «وهل طلب منها ولدًا نجيبًا». قلت: وكذلك الزواج بنية الطلاق لا يريد من الزوجة ولدًا نجيبًا بل يجعل الموانع التي تمنع من حصول الولد، ولو حصل ثم ولد

стр. 51

لأضاعه ولم يعطه ما يعطي أولاده الآخرين الذين وجدوا من زوجة أراد بزواجه منها الدوام أو ربما ينكره ويتبرأ منه. ثم قال: «هل سأل قط عما يسأله عنه من قصد حقيقة النكاح». قلت: يريد الشيخ بالسؤال عن دينها وخلقها وأهلها وعشيرتها وهذا هو الواقع في الزواج بنية الطلاق لا يهمه ذلك. ثم قال: «هل أَوْلَمَ ولو بشاة وهل دعا إليها أحدًا من أصحابه». ثم قال: «وهل قيل له بارك الله لكما وعليكما وجمع بينكما في خير وعافية». قلت: وهذه الأسئلة التي وجهها ابن القيم للمحلَّل، يمكن أن نوجها لمن تزوج بنية الطلاق فنقول هل أَوْلَمَ ولو بشاة وهل دعا إليها أقاربه وأصحابه وقيل له بارك الله لكما وعليكما وجمع بينكما بخير وعافيه، الغالب أنه لا يحصل فيه شيء من ذلك. ثم قال ابن القيم: «وكم جمع ماءه في أرحام ما زاد على الأربع». قلت: وما ذكره بالنسبة لزواج المحلَّل ينطبق على الزواج بنية الطلاق، فكم حصل ممن يتزوج بنية الطلاق الزواج أكثر من أربع زوجات قبل نهاية المطلق الرابعة من عدتها، ومن المعلوم أن الرجل لا يجوز له أن يجمع في ذمته أكثر من أربع زوجات فإنه إذا أراد ذلك وعنده أربع نسوة يطلق من شاء منهن ثم ينتظر حتى تنتهي عدتها ثم يتزوج بأخرى بدلها (١). ثم قال ابن القيم: «وكم من امرأة كانت قاصرة الطرف على بعلها

стр. 52

فلما ذاقت عسيلة المحلَّل خرجت على وجهها فلم يجتمع شمل الإحصان والعفة بعد بشملها». قلت: وكم من امرأة عفيفة خدعها من تزوجها بنية الطلاق فلما ذاقت عسيلته وتعلقت به تعلق الزوجات بالأزواج، قلب لها ظهر المجن فطلقها، فلا تزال تذكر ذلك الزواج الذي كانت لا تعرف عنه شيئًا قبل فدعاها ذلك للبحث عنها -؟ أي العسيلة - من غيره مما دعاها إلى السقوط في الحضيض. ولعل القارئ أدرك معي أن ما ذكره ابن القيم ﵀ من استدلال على تحريم نكاح التحليل ينطبق على الزواج بنية الطلاق، وأن القاعدة التي ذكرها ﵀ تؤيد القول بتحريم النكاح بنية الطلاق، والله أعلم. وممن منعه من المتأخرين وقال: هو شبيه بنكاح المتعة: الشيخ محمد رشيد رضا رحمه الله تعالى: قال في «تفسيره»: «هذا؛ وإن تشديد علماء السلف والخلف في منع المتعة يقتضي منع النكاح بنية الطلاق، وإن كان الفقهاء يقولون: إن عقد النكاح يكون صحيحًا إذا نوى الزوج التوقيت ولم يشترطه في صيغة العقد، ولكن كتمانه إياه يعد خداعًا وغشًا، وهو أجدر بالبطلان من العقد الذي يشترط فيه التوقيت الذي يكون بالتراضي بين الزوج والمرأة ووليها، ولا يكون فيه من المفسدة إلا العبث بهذه الرابطة العظيمة التي هي أعظم الروابط البشرية، وإيثار التنقل في مراتع الشهوات بين الذواقين والذواقات، وما يترتب على ذلك من المنكرات، وما لا يشترط فيه ذلك، يكون اشتماله على ذلك غشًا وخداعًا، تترتب عليه مفاسد أخرى، من العداوة والبغضاء وذهاب الثقة حتى بالصادقين الذين يريدون بالزواج حقيقته، وهو إحصان كل من الزوجين للآخر وإخلاصه له وتعاونهما على

стр. 53

تأسيس بيت صالح من بيوت الأمة» (١). اهـ. وممن أفتى بتحريمه اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء برئاسة الشيخ ابن باز ﵀ (٢)، وإليك نص السؤال والفتوى: س: نحن هنا في غربة وفي بلد تنتشر فيه اللا أخلاقيات بشكل كبير، وقد سأل أحد الشباب شيخًا قدم إلينا من الكويت عن حكم الزواج المؤقت فأباحه بشرط عدم بيان ذلك للفتاة، والحقيقة أنني عندي شك كبير في صحة هذه الفتوى، وقد بثت فتنة في صفوف الشباب، فأرجو توضيح هذه المسألة وماذا يفعل من خشي على نفسه الفتنة؟ الجواب: الزواج المؤقت زواج باطل؛ لأنه متعة، والمتعة محرمة بالإجماع، والزواج الصحيح: أن يتزوج بنية بقاء الزوجية والاستمرار فيها، فإن صلحت له الزوجة وناسبت له وإلا طلقها، قال تعالى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩]. وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم (٣). اللجنة العلمية للبحوث العلمية والإفتاء الرئيس/ عبد العزيز بن عبد الله بن باز عضو/ بكر أبو زيد عضو/ عبد العزيز آل الشيخ عضو/ صالح الفوزان عضو/ عبد الله بن غديان

стр. 54

س: انتشرت بين أوساط الشباب السفر خارج البلاد للزواج بنية الطلاق، والزواج هو الهدف في السفر استنادًا على فتوى بهذا الخصوص، وقد فهم الكثير من الناس الفتوى خطأ فما حكم هذا؟ الجواب: الزواج بنية الطلاق زواج مؤقت، والزواج المؤقت زواج باطل؛ لأنه متعة، والمتعة محرمة بالإجماع، والزواج الصحيح: أن يتزوج بنية الزوجية والاستمرار فيها، فإن صلحت له الزوجة وناسبت له وإلا طلقها، قال تعالى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩]. وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم (١). اللجنة العلمية للبحوث العلمية والإفتاء الرئيس/ عبد العزيز بن عبد الله بن باز عضو/ بكر أبو زيد عضو/ صالح الفوزان عضو/ عبد الله بن غديان وممن قال بتحريمه الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى، قال: في شرحه لمنظومته في أصول الفقه في شرحه للبيت رقم (٨٩، ٨٠): ٤٩ - وكل شرط مفسد للعقد ... بذكره يُفسده بالقصد قال: «وهذه أيضًا من القواعد المهمة: كل شرط يفسد العقد إذا ذكر فيه فإنه يفسده أيضًا إذا نوى، يعني أن النية تقوم مقام النطق، ودليل ذلك قول النبي ﷺ : «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» (٢). قال: مثال ذلك: ثم ذكر أمثلة ... منها: لو أن إنسانًا تزوج بنية الطلاق بعد شهر فالنكاح باطل؛ لأنه لو شرط أن يكون النكاح مؤقتًا

стр. 55

بالشهر لكان هذا الشرط مفسدًا للعقد، فإذا كان هذا الشرط مفسدًا للعقد كانت نيته - أيضًا - مفسدة للعقد، لقول النبي ﷺ : «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى». ثم قال في منظومته ﵀: ٨٠ - مثل نكاح قاصد التحليل ... ومن نوى الطلاق للرحيل يعني من نوى أنه إذا رحل عن هذا البلد طلّق، فيكون نكاحه بالنية، أنه متى رحل طلق، فهو في الواقع نكاح مؤقت لكن لا بالشرط؛ بل بالنية، فيكون النكاح فاسدًا ... إلى أن قال: « ... ثم إنه يجب سد الباب في هذه المسألة سدًا منيعًا؛ لأنه وجد من السفهاء الذين لا يبالون بممارسة الفاحشة - عياذًا بالله - من يذهب لبلاد الخارج ليتزوج بهذه النية، وليس له غرض إطلاقًا إلا أنه يتزوج بنية الطلاق إذا عاد، ولهذا يتزوجون عدة مرات في خلال ثلاثة شهور. فهذه المسألة؛ حتى لو قلنا بجوازها مع ما فيها من غش وخداع، فإنه يجب سد الباب، لئلا يكون ذريعة إلى السفر للزنا، نسأل الله العافية. بل إن هذه المسألة لا تدخل تحت الخلاف الذي فرضه أهل العلم قطعًا؛ لأن المسألة التي فرضها أهل العلم في الغريب يتزوج بنية الطلاق إذا فارق البلد والغريب لم يسافر لأجل أن يتزوج، إنما سافر لحاجة، طلب علم، أو مال، أو غير ذلك، واحتاج إلى النكاح فتزوج، أما هؤلاء فقد قصدوا من الأصل أن يذهبوا إلى البلد ليتزوجوا بنية الطلاق». انتهى المراد من كلامه ﵀ من المنظومة» (١). وقال ﵀ أيضًا - في جوابه لسؤال هذا نصه:

стр. 56

السؤال: «ما نقل عنكم أنكم أفتيتم بجواز النكاح بنية الطلاق لمدة معينة هل هذا صحيح أم لا؟». الجواب: ما نقل عني أني أفتيت بجواز النكاح بنية الطلاق في مدة معينة غير صحيح وأنا لا أرى جواز ذلك لأمور: الأول: أنه خلاف مقصود النكاح الشرعي، فإن مقصود النكاح الشرعي الاستمرار في النكاح وترسيخ المودة والرحمة بين الزوجين ليكثر النسل بينهما، ولهذا حرم نكاح التحليل لأنه لا يقصد به الاستمرار وترسيخ المودة، وإن كان يختلف عن هذا بكون المقصود منه مصلحة المحلَّل له، بخلاف من تزوج بنية الطلاق فإنه يقصد التمتع بالمرأة مدة معينة لكن بينهما شيء من التشابه. الثاني: أنه دائر بين الغش ونكاح المتعة؛ لأنه إن أخبر الزوج المرأة أو وليها بنيته صار نكاحًا مؤجلاً فهو شبيه بالمتعة، وإن لم يخبرهما كان غشًا لأنهما لو علما بنيته لم يحصل له النكاح في الغالب. الثالث: أنه ربما خلق بينهما ولد، فإن طلقها فمشكل، وإن أمسكها أمسكها على كره، وربما يلزم على ذلك لوازم صعبة. الرابع: أن في فتح هذا الباب ذريعة لأن يسافر الناس إلى البلاد الأخرى لغير غرض سوى أن يستمتعوا بمثل هذا النكاح كما جرى ذلك فعلاً حسب ما سمعنا. ومن أجل هذه الوجوه نرى تحريم النكاح بنية الطلاق، وأن على الإنسان أن يصبر حتى يغنيه الله من فضله لقوله تعالى: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور: ٣٣]، وإذا أغناه الله بزوجة وتزوج فليصحبها معه إلى بلد الغربة، وعلى الزوجة أن تسافر معه إذا طلب ذلك، إلا أن تشترط عند عقد النكاح أن لا يسافر بها. وعليها وعلى زوجها إذا حصل السفر أن يحافظا على العفة والحجاب، وإنني

стр. 57

أحذر أولئك الذين لا يسافرون لغرض إلا أن يتمتعوا بهذا النكاح المختلف فيه على أن هذه الصورة، أعني أن لا يسافر إلا لغرض التمتع بالمرأة بهذا العقد ليست موضع الخلاف، فإن الخلاف إنما كان في رجل غريب شق عليه عنت العزوبة فتزوج بنية تحصين فرجه مدة الغربة، فإذا رجع إلى بلده طلقها. وبين هذه الصورة وصورة المسافر ليتزوج بنية الطلاق فرق ظاهر للمتأمل، فليتقوا الله وليتدبروا الأمر بفكر مجرد عن هوى النفس حتى تتبين لهم الحقيقة. أسأل الله أن يحمي الجميع من أسباب سخطه. أ. هـ.

стр. 58

رأي المجمع الفقهي الإسلامي الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد: فإن مجلس المجمع الفقهي الإسلامي برابطة العالم الإسلامي في دورته الثامنة عشرة المنعقدة بمكة المكرمة في الفترة من ١٠ - ١٤/ ٣/١٤٢٧هـ الذي يوافقه ٨ - ١٢/ ٤/٢٠٠٦م قد نظر في موضوع: (عقود النكاح المستحدثة). وبعد الاستماع إلى البحوث المقدمة، والمناقشات المستفيضة. قرر ما يأتي: يؤكد المجمع أن عقود الزواج المستحدثة وإن اختلفت أسماؤها، وأوصافها، وصورها، لا بد أن تخضع لقواعد الشريعة المقررة وضوابطها، من توافر الأركان، والشروط، وانتفاء الموانع. وقد أحدث الناس في عصرنا الحاضر بعض تلك العقود المبينة أحكامها فيما يأتي: ١ - إبرام عقد زواج تتنازل فيه المرأة عن السكن والنفقة والقَسْم أو بعض منها، وترضى بأن يأتي الرجل إلى دارها في أي وقت شاء من ليل أو نهار. ويتناول ذلك أيضًا: إبرام عقد زواج على أن تظل الفتاة في بيت أهلها، ثم يلتقيان متى رغبا في بيت أهلها أو في أي مكان آخر، حيث لا يتوافر سكن لهما ولا نفقة. هذان العقدان وأمثالهما صحيحان إذا توافرت فيهما أركان الزواج وشروطه وخلوه من الموانع، ولكن ذلك خلاف الأولى. ٢ - الزواج المؤقت بالإنجاب وهو: عقد مكتمل الأركان والشروط إلا أن أحد العاقدين يشترط في العقد أنه إذا أنجبت المرأة فلا نكاح بينهما، أو أن يطلقها. وهذا الزواج فاسد لوجود معنى المتعة فيه؛ لأن

стр. 59

التوقيت بمدة معلومة كشهر أو مجهولة كالإنجاب يصيَّره متعة، ونكاح المتعة مجمع على تحريمه. ٣ - الزواج بنية الطلاق وهو: زواج توافرت فيه أركان النكاح (١) وشروطه وأضمر الزوج في نفسه طلاق المرأة بعد الزواج بنية الطلاق وهو مدة معلومة كعشرة أيام، أو مجهولة؛ كتعليق الزواج على إتمام دراسته أو تحقيق الغرض الذي قدم من أجله. وهذا النوع من النكاح على الرغم من أن جماعة العلماء أجازوه، إلا أن المجمع يرى منعه؛ لاشتماله على الغش والتدليس. إذ لو علمت المرأة أو وليها بذلك لم يقبلا هذا العقد ... ولأنه يؤدي إلى مفاسد عظيمة وأضرار جسيمة تسيء إلى سمعة المسلمين. والله ولي التوفيق وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.

стр. 60

رأيي في حكم الزواج بنية الطلاق وبعد ما تقدم، فالذي أراه والله أعلم: أن الزواج بنية الطلاق ليس شرعيًا، لذا فهو حرام لا يحل، وإذا كان كذلك، فهو باطل، وإذا علمت نية المتزوج، وجب التفريق بينهما، وإذا كان الزوج يعرف الحكم، وجب تعزيره، أما إذا لم يعلم عن حاله شيء، فالنكاح في الظاهر صحيح، أما في الباطن، فهو باطل. وإذا كان العلماء قد اختلفوا بينهم في حكم هذا الزواج ما بين مجوز له بدون كراهة أو مجوز له مع الكراهة، وما بين محرم ومبطل له، ولكل دليله، فإن الله تعالى أمر برد النزاع والخلاف إليه وإلى رسوله صلوات الله وسلامه عليه. ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩]. وقال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ١٠]. وإذا أردنا أن نعرف حكم الشريعة في الزواج بنية الطلاق، فإنه يتعين علينا أن نعرف مقاصد الشريعة المطهرة في مشروعية الزواج، فإن كان هذا الزواج موافقًا لها، فهو الزواج الشرعي، وإن كان غير ذلك، فإنا نحكم بعدم مشروعيته، وربما يكون باطلاً. وإنما حينما رجعنا إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ لنعرف مقاصد الشريعة في النكاح ، وجدناه شرع لغايات عظيمة ومقاصد سامية شريفة:

стр. 61

١ - منها السكن: كما في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: ٢١]، والمراد به السكن الكامل بين الزوجين، بما تحمله هذه الكلمة من معنى، سكن القلب، وسكن الجوارح، وسكن الحواس، والفكر لكل من الزوجين. وهو الاستقرار الكامل، ولا يكون كذلك إلا إذا كان مصحوبًا بالمودة والرحمة من الطرفين على الدوام، فسكن المسافر في فندق ونحوه لا يكون سكنًا مستقرًا ولذلك لا يتخذ الساكن فيه وسائل الدوام والاستقرار. وهل الزواج بنية الطلاق أو نكاح المتعة أو التحليل يكون سكنًا لكل من الزوجين؟ وهل يبذل الزوج وسائل الدوام والاستقرار لهذا الزواج؟ وهل توجد نية المودة والرحمة وقد أضمر في قلبه عند بدء عقد النكاح الطلاق، ثم هو ينفذه بعد انتهاء غرضه؟ فأين المودة والرحمة في هذا النكاح. وماذا نفهم في قوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢]؟ هل نفهم أن المراد أنكحوهن ليفرغوا شهواتهم ثم يطلقوهن؟ وإذا كانت نيته في الزواج الطلاق بعد إفراغ الشهوة، فهل يزول بعده تأيمهما؟ وهل هذا مقصود الشارع من مشروعية النكاح؟ وقد قال الله تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧]، ألا يدل ذلك على أن الزواج بنية الطلاق غير مراد للشارع فكيف يكون لباسًا لها، أو تكون لباسًا له إذا تزوجها بنية الطلاق، يتزوجها اليوم وغدًا يطلقها، ويتزوج الأخرى بعدها ثم يطلقها فكيف يحصل بذلك الستر والعفة، فلباس لا يدوم لا يستر، وفي المثل تقول العرب (ثوب العارية لا يستر)؛ لأنه لا يملكه المستعير، فهو غير دائم عليه، فيأخذه

стр. 62

صاحبه فكذلك الزواج بنية الطلاق لا يستر كلاً من الزوجين؛ لأنه لا يحصل به إعفاف بل ربما يعرَّض الزوجة للسقوط متى بقيت بدون زوج. ٢ - ومنها الدوام والاستمرار: يقول الله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ١٩]، وفي ذلك دلالة على أن المراد بالمعاشرة بالمعروف حصول المودة والرحمة على وجه الدوام والاستمرار، بدليل ترغيبه تعالى الأزواج بإمساك زوجاتهم، وقوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ دليل على دوام النكاح؛ لأن المعروف بين الناس جميعًا عربهم وعجمهم، مسلمهم وكافرهم أن من يتزوج إنما يريد بزواجه الدوام؛ بل هذا أمر فطر الله عليه الإنس والجن، لو لم يكن ذلك مما فطر الله عليه الناس لما تحقق ما أراد الله من عمارة الكون كما أراد الله تعالى، ولو عرف بين الناس غير الدوام لكان نكاح متعة، فمعاشرة من يتزوج بنية الطلاق ليست معاشرة بالمعروف. ٣ - ومن مقاصد الشريعة أيضًا: حصول الأولاد وإكثار النسل: قال الله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآَنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧]. وقول الرسول ﷺ : «تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم» (١)، فهل من يتزوج بنية الطلاق بعد انتهاء مهمته من هذا البلد، أو بعد قدوم

стр. 63

زوجته الغائبة هل يريد المتزوج بهذه النية أولادًا! في الغالب أنه لا يريد بزواجه هذا أولادًا، لذا فإن الكثيرين يستعملون المانع للحمل. ٤ - ومنها: حفظ الأنساب: ومن ثمرات حفظ الأنساب حصول التعارف، والتآلف، والتعاون، والتناصر، والتكافل، والعقل في الديات، ولولا عقد النكاح لضاعت الفروج والأنساب، ولأصبحت الحياة فوضى. وكيف يحصل دوام النكاح؟ وكيف يحصل العقل في الديات؟ وكيف تحفظ الأنساب إذا لم يحصل دوام النكاح. ٥ - ومنها: غض البصر وإحصان الفرج عما حرم الله، ولذلك جعل الله كلاً من الزوجين لباسًا للآخر، فقال تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧]، فهي اللباس الذي يلبسه الرجل فيلصقه بجسمه فيجد فيه الظل، والدفء، والستر، فيستر به جسمه، وعورته كما هو الآخر لباس لها تجد فيه الظل والدفء، والستر، فتستر به جسمها، وعورتها (١). ٦ - ومنها: تكوين الأسرة التي هي نواة المجتمع الصالح: وهل الزواج بنية الطلاق يحصل به تكوين الأسرة؟ كلا؛ بل المتزوج بنية الطلاق قصده وفعله قائم على محاربة هذا المقصد، فلا يريد من هذه الزوجة تكوين الأسرة، وإنما يريد ذلك من زوجته الحقيقية، أما هذه فمجرد إناء يفرغ فيه شهوته ليتخلص منها فحسب، تلك بعض مقاصد الشريعة الإسلامية في مشروعية الزواج، والله أعلم. فأي مقصد بعد هذا نجده في الزواج بنية الطلاق؟ اللَّهم إلا إشباع تلك الغريزة.

стр. 64

ومن الأدلة على تحريم هذا النكاح - مع ما سبق ذكره من كونه مخالفًا لمقاصد الشريعة - (أن الأصل في الأبضاع التحريم)، ولا يستباح منها شيء إلا ما دلّ الدليل على جوازه، وما سوى ذلك فيبقى على الأصل وهو التحريم وعلى مدعي الجواز الدليل، ولا دليل على جوازه.

стр. 65

من مفاسد الزواج بنية الطلاق من مفاسد النكاح بنية الطلاق: هدم الأسرة، وتقويض بنيانها، وتشريد الأولاد وضياعهم، ذلك حينما يكون عند إنسان ما أربع زوجات، وهو يريد الزواج بنية الطلاق، يجد الباب أمامه مغلقًا، فربما يطلق واحدة منهن من أجل أن يتزوج غيرها بنية الطلاق، فيتزوج ويطلقها، ويذهب بعد تطليقه هذه إلى أخرى، فيتزوجها ويطلقها ... وهكذا ينتقل من زواج إلى زواج، ومن طلاق إلى طلاق، والطامة الكبرى أنه ربما يتزوج والمرأة السابقة التي هي الرابعة ما زالت في عدتها؛ بل ربما كل زواج يكون في عدة المطلقة السابقة، وهذا حرام، ذلك أن من عنده أربع زوجات إذا طلق واحدة منهن لا يحل له أن يتزوج غيرها حتى تنتهي من عدتها (١)، فإجازة مثل هذا الزواج ذريعة للوقوع في مثل هذا المحرم وغيره من المحرمات، ومن المعلوم أن الشريعة الإسلامية جاءت بسد الذرائع. واقع مؤلم: التقيت في مؤتمر «رابطة الشباب العربي المسلم» الذي عقد في ولاية أوكلاهوما في أمريكا في اليوم الثالث من شهر جمادى الأولى عام ثمان وأربع مئة وألف من هجرة نبينا محمد عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم، التقيت بكثير من الشباب المسلم، فسألوني عن حكم الزواج

стр. 66

بنية الطلاق، وأبدوا الغرابة والاشمئزاز مما سمعوه من الفتوى التي نقلت إليهم في حل مثل هذا الزواج، وذكروا أنهم كانوا يظنون حرمته، لما علموه من قواعد الشريعة من تحريم ما كانت مفسدته أعظم من مصلحته، ومن تلك المفاسد ما رأوه من كثير من الشباب المغتربين والسائحين من المسلمين؛ حيث إنهم رأوهم منغمسين في مثل هذا الزواج، يتزوج أحدهم في الشهر الواحد عدة زوجات، يتزوج هذه ويطلقها، ويثب على الأخرى فيتزوجها ثم يطلقها ... وهكذا، وذكر لي أحدهم أنه يعرف شابًا مسلمًا تزوج في غربته في أمريكا تسعين فتاة، وذكر لنا أن كثيرًا من الشباب أنجبوا أولادًا من تلك الزوجات، وطلقوهن، فكان حظهن وحظ أولادهن الضياع والتشرد، وليس الأمر كذلك فحسب، بل كثير من الفتيات المسلمات، ومن أسلمن اللاتي أصبن بهذه المصيبة، ارتددن عن الإسلام، وهذه مفسدة من أعظم مفاسد الزواج بنية الطلاق. يا لها من مصيبة!! مآسي ومهازل تحصل هناك وفي كل مكان مما ينزه عنها شرع الله الذي جاء بحفظ حقوق الإنسان، واحترام الحياة الزوجية وترسيخ دعائم الأسر ورعاية الأولاد وغيرهم، وتربيتهم؟! أليس من المعلوم أن الأصل في الأبضاع التحريم، وهذا بالإجماع، فإذا كان كذلك، فإنها لا تستباح إلا بما دل الدليل على حلها، وأين الدليل على إباحة الزواج بنية الطلاق؟! قد تقول: إن هذا النكاح قد توفرت فيه شروط النكاح وأركانه، وإذا كان كذلك، فهو نكاح صحيح. فأقول: نعم، هو نكاح صحيح، ولكن في الظاهر؛ أي: فيما يبدو للناس، فتترتب عليه أحكام النكاح الصحيح، ذلك أن الزواج بنية الطلاق أمرٌ بينه وبين الله تعالى، فنكله إلى نيته، وأما في باطن الأمر وحقيقته فالنكاح باطل، وليس هو النكاح الذي شرعه الله تعالى، وليس هو

стр. 67

النكاح الذي يوافق مقاصد الشارع، وقد قال النبي ﷺ : «استوصوا بالنساء؛ فإن المرأة خلقت من ضلع، وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته، لم يزل أعوج، فاستوصوا بالنساء» (١).

стр. 68

فصل الجواب على أدلة المجوزين للزواج بنية الطلاق أدلة المجوزين جميعًا لهذا النكاح تدور حول دليلين: الدليل الأول: أن النكاح وقع على وجهه، وليس فيه شروط، كشرط المدة، كما في نكاح المتعة، أو شرط الطلاق كنكاح التحليل، أو أن يزوجه موليته بشرط أن يزوجه الآخر موليته، وهو ما يسمى بنكاح الشَّغار، غاية ما في الأمر أن الزوج أضمر الطلاق في قلبه، ولم تعلم به الزوجة ولا وليها، وربما لم يعلم بنيته أحد إلا الله، وإذا كان كذلك، فإضمار النية لا يضر، إذ أن إضمار الطلاق من حقه، إذ كل متزوج يتزوج وفي نيته أنه إذا لم تعجبه، فإنه يطلقها، ومثل هذا جائز بالإجماع، أعن به: أنه إذا لم تعجبه، طلقها، وإلا أمسكها. الدليل الثاني: الخوف من الوقوع بفاحشة الزنى. الجواب عن الدليل الأول: جوابنا على ذلك؛ وبالله التوفيق، ومنه نستمد العون ونستلهم الرشد: هو أن هناك فرقًا كبيرًا وبونًا شاسعًا بين النكاحين، كما بين السماء والأرض، والثرى والثريا. ذلك أن نية المتزوج بالزواج الشرعي غير نية من يتزوج بنية الطلاق، فالأول دخل في أمر شرعه الله له، إذ أن الله شرع الطلاق للتخلص مما ربما يطرأ على الزوجين مما قد يشق أو يتعذر معه استمرار الحياة الزوجية، إذ الأصل في الزواج الدوام والاستمرار، فكل من

стр. 69

تزوج، تزوج بنية الدوام والاستمرار، وهذا هو الزواج المعروف لكل من الزوجين، ويعرف لدى المسلمين والكافرين، والطلاق نادر، لا يتوقعه لا الزوج نفسه ولا الزوجة ولا أولياؤها، والأحكام الشرعية تبنى على الغالب والظن الراجح. أما الزواج بنية الطلاق: فقد عزم وصمم فيه المتزوج ووطَّن نفسه على الطلاق بعد انتهاء غرضه؛ لأنه محتاج إليه لعارض، كشهوة بهيمية بحتة، أو خدمة، وربما هيأ الأسباب التي تجعله لا يستمر في الزواج، من عدم الإنجاب أو الاستقرار. أما قولهم: قد يعدل عن هذه النية، فهذا نادر، والنادر لا حكم له، وهذا خلاف ما دخل عليه، والأحكام الشرعية كما هو معروف، كثيرًا ما تبنى على الظن الغالب. وهل ترضى المرأة أو وليها بمثل هذا الزواج بحجة أنه ربما تتغير النية فيستمر النكاح؟! إذًا لقلنا بجواز نكاح التحليل أو المتعة؛ لأنه ربما تتغير النية، إذ قد يتزوج بنية التحليل فيرى بعد الزواج ما يعجبه منها فيعدل عن الطلاق فيمسكها، فكما أن تغير نيته في التحليل لا يجوز له هذا الزواج فكذلك احتمال عدول المتزوج بنية الطلاق عن نيته لا يكون مبررًا له في إباحة هذا النكاح. ثم أيضًا قد تكون هناك حالات قد يقرب فيها القول بالجزم بعدم الاستمرار، ذلك لوجود بعض الأنظمة في بعض الدول التي تمنع الزواج من غير نساء شعبها، فهل لنا أن نقول بمنع مثل ذلك وجواز ما يمكن فيه الاستمرار؟! ثم أليس في هذا الزواج غش وخداع وخيانة وظلم، حيث عقد العزم على الطلاق بعد مدة من الزمن، فيسلب الفتاة ظلمًا وعدوانًا أعز

стр. 70

شيء تملكه ثم يتركها بدون عذر، لا لشيء، إلا أن مهمته انتهت من هذا البلد، أو لأن زوجته الغائبة حضرت؟ وهل هذه روابط الزواج التي شرعها الله، التي لا تعدو قضاء شهوة عاجلة، وتحقيق غرض خاص من جانب الزوج فقط، ثم الطلاق من أجل مهمة انتهت أو زوجة حضرت؟ إذًا، ما هي هذه المرأة التي عقد عليها؟ أهي بغي؟! ثم ما موقف من أجاز هذا الزواج لو علم أن فلانًا من الناس يتزوج المرأة لا ليبقيها عنده؛ بل ليطلقها بعد فترة من الزمن، وجرب عليه ذلك، فهل يرضى هو به زوجًا لموليته، أو يرضى به لأحد جاء يستشيره ويقول: إنه ربما تغيرت هذه النية فيمسكها؟! ومن يغامر بهذا الزواج بحجة أن النية ربما تتغير فيمسكها؟! ألا يكون ذلك من مرجحات القول بتحريم هذا النكاح؟! ولربما يقول المتزوج بنية الطلاق: أنا أبين للمرأة أو وليها أني أريد أن أطلقها حتى لا أظلمها. قلت: إذا صرحت بذلك لهما، وتزوجتما على ذلك، صار نكح متعة، فوقع في شر مما فرَّ منه. وإن قال: لا أقول ذلك، ولكن أقول لها: إن رضيتك، أمسكتك، وإن لم أرغب فيك، طلقتك. قلت: هذا القول لا يحتاج إلى شرط، فكل متزوج ينوي ذلك، وهي تعلم أنه لا يلزم الزوج إمساكها مع عدم الرغبة إذ هي دخلت على هذه النية، ولكن لو علمت أنه يتزوجها إلى أن تأتي زوجته أو إلى أن ينتهي غرضه في بلدها، فهل تقبله أو يقبله وليها زوجًا لها؟ كلا. الجواب عن الدليل الثاني: أما ما ذكره بعض من أجاز النكاح بنية الطلاق أن من مبررات القول بالجواز، الخوف من الوقوع في الزنى:

стр. 71

فالجواب: إن الخوف أمر مظنون، ثم هي مفسدة جزئية، ولكن الزواج بهذه النية متى فتح فيه الباب، ترتب عليه مفسدة أعظم، ومن ذلك وقوع الزنى، وحصول الردة، كما سبق أن ذكرنا ذلك (١)، فهل نجيز لفرد خوفًا عليه من مفسدة الزنى ونبيح مثل ذلك الزواج، فتحصل مفاسد عظيمة بسبب الذواقين؟! فلعلك تقول: إننا حينما نجيز مثل هذا النكاح لا نجيزه لفرد خوفًا عليه من مفسدة الزنى؛ بل نجيزه كحكم شرعي لكل متزوج خوفًا على المجتمع من مفسدة الزنى. قلت: إجازته للمجتمع أمر خطير، يترتب عليه ما قلناه من المفاسد، ومنها أنه ذريعة لتعطيل الزواج الشرعي، خوفًا من المسؤولية وغيرها. ثم لم يتعين أن السبب الوحيد لعلاج هذه المشكلة هو الزواج بنية الطلاق، بل جعل الشارع وسائل كثيرة لذلك: منها طلب العفة من الله تعالى، قال الله تعالى: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور: ٣٣]. ومنها الصيام، كما في حديث ابن مسعود ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة، فليتزوج، فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع، فعليه بالصوم فإنه له وجاء» (٢).

стр. 72

ثم لماذا لا يتزوج بنية الدوام والاستمرار، وينوي بزواجه النية الحسنة، إذا كان يخاف على نفسه من الوقوع في الفاحشة؟! فإن قال: لا أريدها زوجة دائمة، لوجود بعض الموانع أو المشاكل من زوجتي أو قبيلتي أو حكومتي أو غير ذلك. قلنا: إذًا تحققنا أنك تريد طلاقها، فكيف بعد هذا يقول من أجاز هذا النكاح: إن النية ربما تتغير فيمسكها؟! ثم من المعلوم أن الأمور بمقاصدها، وأن الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فنية هذا المتزوج الطلاق بعد مدة، فلا فرق إذًا بين هذا النكاح ونكاح المتعة والتحليل، فكل منهما نوي فيه الطلاق، غاية ما في الأمر: هذا أخفى نيته، وهذان صرحا بنيتهما، والنتيجة واحدة, وهي الطلاق.

стр. 73

فصل أما جوابنا على ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى ، فهو ما يلي: إن إباحته للزواج بنية الطلاق يتعارض مع قوله: «إن القصود في العقود معتبرة» (١). نعم إن القصود في العقود معتبرة، ولأجل ذلك قلنا بتحريم الزواج بنية الطلاق، ذلك لأنه لا يريد بالزواج ما أراده الشارع الحكيم من مشروعية النكاح؛ بل يريد الزواج لإرضاء نهمته أو قضاء غرضه فحسب، وقد قال ﷺ : «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» (٢). قوله رحمه الله تعالى: «ليس بنكاح متعة، ولا يحرم، وذلك أنه قاصد للنكاح، وراغب فيه، بخلاف المحلل، لكن لا يريد دوام المرأة معه». قلت: نعم، ولكن كما قال رحمه الله تعالى: «ليس قاصدًا له على

стр. 74

الدوام والاستمرار» وهل مقصود الشارع من شرع النكاح كونه قاصدًا للنكاح وراغبًا فيه؟ كلا، وإنما المقصود من النكاح هو دوامه واستمراره، لما يترتب على الدوام من فوائد عظيمة يحبها الله تعالى، ولذلك رغّب الشارع في الزواج، وحذر من التبتل، وشرع الوسائل التي يكون بها دوام النكاح، وحذر من الطلاق وأمر بإمساك المرأة مع كراهتها ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ١٩]. أما مجرد قصده للنكاح دون قصد الدوام، فهذا يشاركه فيه نكح التحليل والمتعة؛ حيث إن كلاً منهم قاصد للنكاح وراغب فيه، ولكن لا يريد الدوام، فلو كانت الرغبة أو قصد النكاح وحدها مسوغة للنكاح، لكان نكاح التحليل وزواج المتعة جائزًا أيضًا. ولكن مراد الشارع - والله أعلم - من النكاح قضاء الوطر على الدوام، وهو الذي يحصل به مقاصد الشريعة من إعفاف كل من الزوجين وإنجاب الأولاد، إلى غير ذلك مما ذكرناه سابقًا (١). قد يقال: هناك فرق بين نكاح التحليل والزواج بنية الطلاق هو وجود شرط الطلاق في نكاح التحليل. قلنا: هذا إذا وجد شرط، ولكن ربما يوجد زواج التحليل بدون شرط، وهذا لا يجوز عند كثير من العلماء، منهم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى. على أن العلة في تحريم نكاح المتعة ونكاح التحليل ليست اشتراط الطلاق لذاته؛ بل حرم الشرط في هذا النكاح؛ لأنه يتعارض مع مقاصد الشريعة في النكاح التي ذكرنا معظمها مرارًا، والله أعلم.

стр. 75

قوله رحمه الله تعالى: «لكن لا يريد دوام المرأة، وهذا ليس بشرط» (١). قلت: نعم؛ ليس بشرط، ولكن وجود هذا المقصد يضر بالمقصد الأصلي الذي من أجله شرع النكاح. ويرجع على مقصود صاحب الشرع بالإبطال. قال ابن القيم: «وكل شرط أو علة أو ضابط يرجع على مقصود الشارع بالإبطال كان هو الباطل المحال» (٢). كيف لا وهو يخفي هذا المقصد عن المرأة وأوليائها خوفًا من عدم موافقتهم؟ ولو صرح لهم بذلك، ووافقوه على ذلك، لبرزت فيه صورة نكاح المتعة ظاهرة. وقوله رحمه الله تعالى: «فإن دوام المرأة معه ليس بواجب؛ بل له أن يطلقها». قلت: فرق بين أن يتزوج إنسان بنية دوام العشرة؛ ثم لا يوفق لما أراده؛ لأن القلوب بيد الله، وبين إنسان دخل على نية عدم الدوام؛ بل ليقضي منها وطرًا عاجلاً أو منفعة زمنًا ما؛ ثم يطلقها ليذهب إلى أخرى. فالأول لا أحد يقول بعدم صحة نكاحه ومشروعية طلاقه، والثاني كيف يقول بجواز نكاحه، وعدم الاستمرار والدوام ونية الطلاق موجودة قبل علم خلاف ذلك؛ أي: عدم الدوام والاستمرار لم يتزوج بها أصلاً، وأما إن حصل طلاق، فهو خلاف ما قصده أولاً عند العقد، وهو فعل مشروع له وحده؛ لأنه تخلص من ضرر عليه أو عليها، لذا شرعه الله تعالى لهما: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ﴾ [النساء: ١٣٠].
следующие страницы →