← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 36511

الزواج بنية الطلاق من خلال أدلة الكتاب والسنة ومقاصد الشريعة الإسلامية

صالح آل منصور

Полный текст (130 стр.). Показаны 106–130 · переход к 111.

стр. 106

يحصل به مقاصد الشريعة في شرعية الزواج (١). وأما المغتربون: فإن الشارع أمر المسلم بالحصانة والعفة، وشرع أسبابها كغض البصر، وتحريم الخلوة، وسفر المرأة بدون محرم، وأمر بالزواج ونهي عن التبتل. والزواج الذي أمر به هو الزواج الذي يحقق مقاصد الشريعة. فالزواج المعروف عند الإنسانية من عرب وعجم، ومسلمين وغيرهم، وإنس وجن، هو الاقتران الذي يقصد به الاستمرار والدوام، إن أعجبته استمر معها، وإن لم تعجبه طلقها. وفرق بين هذه النية وبين من يتزوج وفي نيته وعزمه أنه لا يريدها إلا لمدة زمنية معينة يطلقها عندها؛ لأن الأول كما سبق أن قلت دخل في الزواج وهو يريد أن تبقى وتستمر، وإذا ما أعجبته طلقها، وهذا شأن عقود المعاملات والأنكحة إن أعجبته طلقها، وهذا شأن عقود المعاملات والأنكحة إن أعجبته السلعة وتعلقت رغبته فيها أبقاها، وإن لم تعجبه أو لم يرغب فيها أو رغب في غيرها باعها، وإن كانت امرأة طلقها، فليس من شروط النكاح أن ينوي أن لا يطلقها، ما دام دخل وفي نيته وعزمه أن تبقى عنده. بخلاف النكاح بنية الطلاق فهذا دخل في الزواج، وقد بيت نية السوء والخداع والغش أنه يطلقها، ولا يريدها أن تبقى عنده؛ بل ربما عمل الأسباب التي تجعل المرأة لا تدوم معه، فهو بمثابة من أراد شراء سيارة وفي قصده ونيته أنه سيردها على صاحبها بعد أن يحمل عليها متاعه ويحقق غرضه. ومن الأسباب التي شرعها الله تعالى للحصانة والعفة: الاشتغال بطاعة الله وذكره، والاستعفاف والصيام، قال الله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٣٢]، وقال ﷺ : «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع

стр. 107

فعليه بالصوم فإنه له وجاء» (١)، أما النكاح بنية الطلاق فإنه لا يغض بصرًا، ولا يحصن فرجًا. وإما الذي يغض بصره ويحصن فرجه فإنه النكاح الذي شرعه الله وهو الذي يحقق مقاصد التشريع، فهذا النكاح هو بمثابة من يغسل الدم ببول. وأما قولهم: ولكون النية المضمرة في القلب إذا لم يتلفظ بها أو يشترطها لا تؤثر على صحة النكاح: فالجواب: نقول: النية محلها القلب، وعليها المداد في الصحة والفساد، والثواب، والعقاب، والله لا يجازي العبد إلا من خلال نيته، وقد جاء عن النبي ﷺ أن المكلف قد يؤاخذ على مجرد النية ولو لم يحصل معها فعل فقد روى أبو بكرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار، قلت: يا رسول الله: هذا القاتل فما بال المقتول قال: إنه كان حريصًا على قتل صاحبه» (٢). ومن ذلك ما رواه الإمام أحمد في مسنده عن أبي كبشة الأغاري قال: قال رسول الله ﷺ : «مَثَلُ هذه الأمة مثل أربعة نفر: رجل أتاه الله مالاً وعلمًا فهو يعمل به في ماله فينفقه في حقه، ورجل آتاه الله علمًا ولم يؤته مالاً فهو يقول لو كان لي مثل مال هذا عملت فيه مثل الذي يعمل قال: قال رسول الله ﷺ فهما في الأجر سواء، ورجل آتاه الله مالاً ولم يؤته علمًا فهو يخبط فيه فينفقه في غير حقه، ورجل لم يؤته الله مالاً ولا علمًا فهو يقول: لو كان لي مال مثل هذا عملت فيه مثل الذي يعمل قال: قال رسول الله ﷺ فهما في الوزر سواء» (٣).

стр. 108

فرجلان يصليان في مكان واحد خلف إمام واحد وقد أتيا في الظاهر بجميع شروط وأركان الصلاة وربما سننها، ولكن بينهما كما بين المشرق والمغرب، والثرى والثريا. فهذا صلاته صحيحة ومقبولة ويثاب عليها، والآخر صلاته غير صحيحة ومردودة عليه مع أنه لم يحصل من كل منهما تلفظ وصورة الصلاة واحدة. وهذان رجلان يجاهدان الكفار كل منهما يكر ويفر ويصول ويجول، ويقتل الكفار، فيقتلان وبينهما كما بين المشرق والمغرب، والثرى والثريا، عملهما واحد وجهادهما واحد، ولكن أحدهما قتل شهيدًا والآخر في نار جهنم، فما الذي فرق بينهما؛ لا شك أنه النية التي لم يطلع عليها أحد إلا الله . وهذان رجلان يتزوجان؛ أحدهما يريد بزواجه إعفاف فرجه على الدوام وإحصان المرأة والحصول على السكن والاستقرار الدائم ويريد الذرية الصالحة، وحفظ الأنساب، والتعارف والتآلف والتعاون والتناصر والتكافل، يريد بنكاحه جميع مقاصد الشارع في النكاح. والآخر يخدع المرأة ويخونها في زواجه منها، حيث يريد إفراغ شهوته لفترة حددها في نيته، ثم يتركها ليذهب إلى غيرها ويترك هذه ليذهب إلى أخرى مضمرًا في كل زواج مثل هذه النية الخبيثة. ثم لماذا حرم الله نكاح التحليل ونكاح المتعة، أليس لأنه لا يقصد به الدوام والاستمرار؛ بل لأنه زواج مؤقت ينافي مقصد الشارع من شرعية النكاح الذي يراد به الدوام، إذًا ما الفرق بين هذا النكاح ونكاح المتعة، والتحليل؟ قد تقول هذا صرح فيه بالنية وهذا لم يصرح فيه بالنية. فأقول: إنه إن صرح فيه بالنية أصبح الأمر مكشوفًا لكل أحد فيؤاخذ على عمله حسب ما ظهر لنا من حاله،

стр. 109

أما إذا أضمر الزواج بنية الطلاق بعد انتهاء غرضه فإن النية غير معلومة لنا ولكنها معلومة لله تعالى فيجازيه الله على ما علم من حاله، أما نحن فنعامله في نكاحه إذا لم يظهر لنا منه شيء معاملة النكاح الصحيح. ولكن أحيانًا قد تظهر هذه النية لكثير من الناس بل تكون حقيقة واضحة لا تقبل الشك، كما لو قال للناس إني أريد أن أتزوج زوجة مدة زمنية محدودة أطلقها بعدها، فيتزوج ويطلق بعد انتهاء غرضه؛ بل قد يسافر وإذا سئل أين تريد؟ قال: إلى بلد كذا لأتزوج ثم أطلقها كما هو الواقع؛ بل قال لي بعض الإخوة إنه حصل بيننا وبين شخص ما كلام في التعدد وخاض الجالسون فيه وذكروا محاسنه. وقال أحدهم أنا لا أحبذ التعدد لأني أجد طريقًا غير طريق التعدد، أسلم لي وأبعد عن المشاكل والمسؤوليات، ففي كل إجازة أذهب إلى بلد كذا وأتزوج وأطلق ثم أتزوج وأطلق وأشبع رغبتي وبعد ذلك أرجع إلى بلدي لأستقر مع زوجتي. فهل تقول له ما دام لم يوجد شرط فالزواج صحيح، فما قيمة الشرط ما دامت الحقيقة موجودة بدون شرط؟ بل هذا أشد ضررًا على المرأة مما لو وجد التصريح بالنية لأنه خدعها وغشها وأفسد عليها بكارتها وشرفها وهدم مستقبلها وحياتها. أبمثل هذه الفوضى في أعراض العفيفات نراه جائزًا لأنه لم يصرح فيه بالنية ولم يتلفظ بها، سبحان الله؟! وقد جاء عن النبي ﷺ أن المكلف قد يؤاخذ على مجرد النية ولو لم يحصل معها عمل. ولعلنا نذكر ما جاء في الحديث الصحيح الذي رواه أبو بكرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار. قلت: يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: إنه كان حريصًا على قتل صاحبه» (١)، فالزواج بنية الطلاق وجدت فيه النية والعزم

стр. 110

الأكيد مقارنًا لعقد الزواج، ثم وجد الفعل الذي يصدق النية وهو الطلاق. فكيف بعد ما تقدم يقال: إن النية المضمرة في القلب إذا لم يتلفظ بها لا تؤثر على صحة النكاح، أليست النية التي وجد الفعل بعدها أبلغ من التلفظ بها؟ الدليل الخامس: ومن أدلتهم: أن في الزواج بنية الطلاق فوائد كثيرة منها: تحصيل النسل، وقضاء الوطر، وتكثير الأمة، وتحقيق مباهاة النبي ﷺ في هذا الزواج. والجواب عنه: نقول: ليست كلها موجودة في مثل هذا الزواج غالبًا، نعم ... بالنسبة لقضاء الوطر فهو موجود، ولكن ليس ذلك المقصد الأساس من مشروعية النكاح؛ بل هو منها. وأما بالنسبة لكثرة النسل ومباهاة الرسول ﷺ ، فإن الذي نعرفه أن المتزوج بنية الطلاق لا يريد بزواجه أولادًا ولا يرغب فيهم؛ بل قد يستعمل الأسباب التي تمنع حصول الولد؛ بل قصده إشباع رغبته لا أكثر، ولو وجد له ولد فإنه ربما يكون الكره له من أبيه، وربما يتبرأ منه، فكان مصيره الضياع والتشرد؛ لأنه جاءه عن غير رغبة. فكيف إذًا يحصل تكثير الأمة، وتتحقق مباهاة النبي ﷺ من زواج بُني على الغريزة الجنسية وقضاء الوطر فحسب؟ فكيف يكون هذا الزواج مثل زواج نوى فيه صاحبه من أول العقد الاستمرار والدوام، زواج دخل فيه صاحبه وقد وطن نفسه على دوام العشرة والوئام والمحبة، يترقب كل منهما ولدًا صالحًا يتحقق فيه جميع أماني كل زوج مسلم - والله أعلم.

стр. 111

الدليل السادس: أن الزواج بنية الطلاق سُّنّة أقرها النبي ﷺ لأصحابه مع علمه أن بعض الصحابة يتزوجون بنية الطلاق، ولم ينكر عليهم، ولو كان غير مشروع لما سكت عن بيان الحكم وقت الحاجة. الجواب: قولهم إن الزواج بنية الطلاق سُّنّة أقرها الرسول ﷺ لأصحابه ... إلخ. هذه دعوى تحتاج إلى دليل ثابت صحيح يدل عليه، فهل الدليل وجود الطلاق بين الصحابة رضوان الله عليهم؟ فوقوعه - أي الطلاق - بينهم وبين المسلمين إلى قيام الساعة، حيث جاءت به شريعة الله في كتابه وعلى لسان رسوله وفعله، وإجماع المسلمين. فهل هذا يعتبر دليلاً على جواز الزواج بنية الطلاق؟ إن الصحابة ﵃ أقرب الناس إلى الكمال، فإذا تزوج أحدهم لا يكون همه خداعَ وغشَ الزوجة وأوليائها، ولا يكون همه إشباع رغبته الجنسية دون مبالاة بمقاصد الشريعة كالمودة والسكن وإحصان المرأة، وإغضاض طرفها وإسعادها وإسكانها على الدوام في بيت ترفرف فيه السعادة، وإنجاب الأولاد وتقوية روابط الأسر. وهل جاء خبر صحيح أو ضعيف يفيد أن الصحابة أو أحدًا منهم صرح بقوله إني تزوجت بنية الطلاق؟ فلا بد من تصريحه أو وجود ما يدل على ذلك مما يقوم مقام التصريح وأنه انتشر بين الصحابة حتى يقال: إن هذا مما علمه الرسول ﷺ وأقره. لأن النية في القلب لا يعلمها إلا الله ، فلا نظن بهم هذا الظن ما دمنا نجد لعملهم محملاً طيبًا، وهو أن نقول إن وجود الطلاق أمر عارض وطارئ بعد العقد أو الدخول بالزوجة، لأسباب كثيرة كعدم وجود المودة، والرحمة، التي يجعلها الله بين الزوجين. وما أكثر

стр. 112

الأسباب التي تجعل الرجل منا يطلق امرأته. والطلاق في أصله جائز قبل النكاح وبعد النكاح. أما الزواج مع نية الطلاق التي تكون سابقة للعقد أو مقارنة له فهذا ننزه عنه أصحاب رسول الله ﷺ ، بل ننزه شرع الله منه. وهل يرضى مؤمن يحب أصحاب رسول الله ﷺ يرضى أن يكون مثل هذا الزواج الذي نراه اليوم، والذي يكون فيه الغش والخداع للمرأة وأوليائها والتلاعب بكرامة النساء وأعراضهن، وتعريضهن للسقوط والوقوع في فاحشة الزنا، وغير ذلك مما ينافي مقاصد الشريعة في مشروعية النكاح. أقول: هل يرضى مسلم أن يصف الصحابة أو بعضهم بذلك ويحمل نياتهم المحمل السيء جهلاً؟ حاشاهم ذلك ﵃ وأرضاهم، وغفر الله للجميع وهدانا جميعًا الصراط المستقيم وحشرنا جميعًا معهم. وأما القول: بأن الرسول ﷺ علم ذلك من الصحابة ولم ينكر عليهم فيكون مشروعًا. فالجواب: إنه لم يثبت عن الصحابة أو أحدٍ منهم ما قيل من أنهم يتزوجون بنية الطلاق حتى يقال إن الرسول علم بها. وعلى فرض التسليم جدلاً أن بعضهم كان يتزوج بنية الطلاق ويطلق، فإنه لا يعتبر عمله مشروعًا لأنه لم يدل دليل على إقرار الرسول ﷺ له حتى يكون مشروعًا. لأن من شروط السنة التقريرية عند أهل الحديث وأهل الأصول علم الرسول ﷺ بالفاعل، فأين ما يدل على علم الرسول ﷺ بالفاعل وإقراره له؟ الدليل السابع: ومن أدلتهم ما يقال: إن الزواج بنية الطلاق كان على عهد

стр. 113

الصحابة ﵃ دون أن ينكر أحد منهم على من يتزوج بنية الطلاق؛ بل كان على مرأى ومسمع من علي بن أبي طالب ﵁ رابع الخلفاء الراشدين، فيكون مع فشو الخبر بينهم حجة. وذكروا أن من بين الذين اشتهروا بالزواج بنية الطلاق الحسن بن علي ﵄، والمغيرة بن شعبة ﵁، حيث نقل شمس الدين الذهبي أن المغيرة بن شعبة قال: لقد تزوجت سبعين امرأة أو أكثر وكان يومًا تحته أربعة نساء فصفهن بين يديه وقال: أنتن حسنات الأخلاق طويلات الأعناق ولكني رجل مطلاق فأنتن الطلاق، وكان ينكح أربعًا جميعًا ويطلقهن جميعًا. الجواب: نقول: لقد ذكر العلماء ﵏: أن أقوال الصحابة وأفعالهم لا تكون حجة إلا إذا توفرت فيها الشروط المطلوبة، منها: ١ - أن لا تخالف دليلاً شرعيًا أو مقصدًا من مقاصد الشريعة. ٢ - أن لا تخالف قول صحابي آخر، فليس قول أحدهم بأولى من قول الآخر إلا ما أيده الدليل. ٣ - أن ينتشر هذا القول أو هذا الفعل بينهم فيحصل السكوت منهم مع وجود ما يدل على رضاهم وإقرارهم. أما ما ذكروه عن المغيرة بن شعبة والحسن بن علي ﵄؛ فإنا نطالبهم بثبوت ما ذكروه عنهما، وما ذكروه عن المغيرة فإن لفظ الأثر لا يتناسب ولا يليق بأصحاب رسول الله ﷺ . وقد بحثت في إسناد هذا الأثر فوجدت ما ذكروه زيادة أدرجت في حديث صحيح، وهو ما رواه سعيد بن منصور في سننه (١) أنبأنا أبو شهاب عن عاصم الأحول عن بكر بن عبد الله المزني عن المغيرة بن

стр. 114

شعبة قال: أتيت رسول الله ﷺ فأخبرته أني خطبت امرأة فقال: «رأيتها»؟ قلت: لا، قال: «فانظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما»، قال: فأتيتهم فأخبرته بقول رسول الله ﷺ وعندها أبواها فسكتا فقالت المرأة أني أحرج عليك إن كان رسول الله لم يأمرك أن تنظر إلي لما نظرت، ورفعت السجف فنظرت إليها فتزوجتها فما نزلت مني امرأة قط بمنزلتها. وقد تزوجت سبعين امرأة أو بضعة وسبعين امرأة. فقوله: «وقد تزوجت سبعين امرأة أو بضعة وسبعين امرأة»، هذه زيادة تفرد بها أبو شهاب عبد ربه الحناط شيخ سعيد بن منصور، وهو وإن كان ثقة كما قال ابن معين إلا أن في حفظه شيئًا كما قال يحيى القطان (سيء الحفظ)، وقال علي بن المديني: سمعت يحيى بن القطان يقول: «لم يكن أبو شهاب بالحافظ ولم يرض يحيى القطان أمره»، وقال النسائي: ليس بالقوي (١)، وذكره ابن الجوزي في الضعفاء والمتروكين (٢)، وذكره العقيلي في الضعفاء (٣)، وذكره الذهبي في المغني في الضعفاء، وقال الذهبي: «صدوق لكن غيره أحفظ منه»، وقال مرة في حفظه شيء (٤)، ولخص ابن حجر حاله فقال: «صدوق يهم» (٥). وقد خالف أبو شهاب كل من روى هذا الحديث عن عاصم الأحول فلم يذكروا ما ذكره أبو شهاب، ومن الذين رووا الحديث عن عاصم الأحول:

стр. 115

١ - أبو معاوية محمد بن خازم الضرير عند ابن الجارود في المنتقى (١)، وأحمد (٢). ٢ - وسفيان الثوري عند أحمد (٣) والدارمي (٤). ٣ - وحفص بن غياث عند النسائي (٥). ٤ - وابن أبي زائدة عند الترمذي (٦). وهؤلاء كلهم أكثر وأضبط من أبي شهاب الذي تفرد بهذه الزيادة. ومعلوم أن في حفظه شيئًا كما قال يحيى القطان وغيره، فهذه الزيادة غير مقبولة لمخالفته لمن هو أوثق وأضبط منه وأكثر عددًا. قال الذهبي: «غيره أحفظ منه». وقد جاء هذا الحديث من طرق أخرى، فقد رواه ابن ماجه (٧) والدارقطني (٨) من طريق عبد الرزاق عن معمر بن ثابت البناني عن بكر بن عبد الله المزني عن المغيرة بدون هذه الزيادة. وأما ما روى عن المغيرة أنه كان ينكح أربعًا جميعًا ويطلقهن جميعًا فقد رواه ابن عساكر في تاريخه (٩) بسنده إلى مالك بن أنس عن المغيرة. فالأثر عنه فيه انقطاع وهو من مراسيل مالك. ومعلوم كلام العلماء في المرسل وشروطهم في قبول المرسل، وهم يعدونه بمنزلة الحديث الضعيف، ومعلوم أن هذا المرسل الذي معنا فيه انقطاع كبير

стр. 116

وفجوة كبيرة بين الإمام مالك وصاحب القصة المغيرة بن شعبة، بينهما مفاوز تنقطع فيها أعناق الإبل. أما ما روي أنه كان يومًا تحته أربع نساء فصفهن بين يديه وقال: أنتن حسنات الأخلاق طويلات الأعناق ولكني رجل مطلاق، فأنتن الطلاق، وكان ينكح أربعًا جميعًا ويطلقهن جميعًا. فهذا رواه ابن عساكر في تاريخ دمشق وفيه أبو بكر الهذلي ضعفه الإمام أحمد (١)، وضعفه الجوزجاني (٢)، وقال البخاري: «ليس بالحافظ عندهم» (٣)، وذكره النسائي في الضعفاء والمتروكين وقال: «متروك الحديث» (٤)، وذكره ابن الجوزي في الضعفاء والمتروكين، ونقل عن غندار أنه كذاب، وقال يحيى بن معين: «ليس بشيء» وقال ابن المديني: «ضعيف ليس بشيء» وقال الدارقطني: «منكر الحديث متروك» (٥)، وذكره ابن عدي في الضعفاء، وقال أبو زرعة: «ضعيف» وقال أبو حاتم: «لين الحديث يكتب حديثه ولا يحتج به» (٦). هذا الجواب عن ما استدلوا به مما روي عن المغيرة بن شعبة ﵁. أما من ناحية النظر السليم فإن من عرف الصحابة ﵃، وهم صفوة الأمة الذين اختارهم الله لصحبة نبيه ﷺ وضحوا بالنفس والنفيس والغالي والرخيص، وقد أثنى الله عليهم وزكاهم في كتابه، وعلى لسان نبيه ﷺ . أقول من عرف الصحابة استبعد كل البعد حصول ذلك منهم فهل من

стр. 117

المروءة والوفاء والأمانة ما نقل عن المغيرة أنه يفعل بالنساء هذا الفعل ويكون همه إرواء شهوته الغريزية غير مبال بمقاصد الشريعة في النكاح، لو أن أحدًا في عصرنا هذا فعل هذا الفعل لنال جزاءً صارمًا وصار موضع تندر الناس وسبهم من الرجال والنساء، ولاعتبرنا زواجه زواج متعة. وإذا عرف الناس حاله وأعطوه بناتهم وهم يرونه يتزوج هذا العدد بهذه الصورة، فإنهم يقدمون على هذا العقد بنية المتعة. وأما ما ذكروا عن الحسن من أنه كان يتزوج بنية الطلاق، وكان مزواجًا مطلاقًا وكان يمسك في عصمته أربعًا ثم يطلقهن ليتزوج بدلهن بنية الطلاق، هكذا قالوا وعزوا ذلك القول إلى ابن حجر في كتابه الإصابة في ترجمة الحسن بن علي، بينما ابن حجر ﵀ قال: «كان مطلاقًا أي كان يتزوج ويطلق». اهـ. ولم يقل ﵀ إن الحسن كان يتزوج بنية الطلاق. وذكروا عن الإمام شمس الدين الذهبي قوله: «وكان منكاحًا مطلاقًا تزوج نحوًا من سبعين امرأة»، وقال علي بن أبي طالب ﵁: «يا أهل الكوفة لا تزوجوا الحسن فإنه مطلاق فقال رجل والله لنزوجهن فما رضي أمسك وما كره طلق» (١). اهـ. وذكروا عن العماد بن كثير في تاريخه (البداية والنهاية) عن الحسن بن علي ﵄ كان كثير الزواج وكان لا يفارق أربع حرائر، وكان مطلاقًا يقول: إنه أحصن سبعين امرأة، وذكروا أنه طلق امرأتين في يوم واحد، وكان علي يقول لأهل الكوفة لا تزوجوه فإنه مطلاق، فيقولون والله يا أمير المؤمنين لو خطب إلينا كل يوم لزوجناه من شاء ابتغاء في صهر رسول الله ﷺ . اهـ.

стр. 118

الجواب عما روي عن الحسن ﵁: أقول وبالله التوفيق ... فقد تتبعت هذه القصة من جميع طرقها وأسانيدها التي رويت به فوجدتها لا تثبت ولا تصح من جميع طرقها. فهذا الأثر المنسوب للحسن رواه ابن أبي شيبة في مصنفه عن حاتم بن إسماعيل عن جعفر (١) بن محمد عن أبيه (٢) محمد ابن علي بن الحسين. وكل الآثار الواردة في هذا الباب مدارها على محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب. وهو أي: محمد بن علي، حجة، كما قال الزهري النسائي (٣) وابن سعد والعجلي (٤)، وغيره. إلا أن أحاديثه عن النبي ﷺ وأجداده علي، والحسن، والحسين مرسلة، حيث لم يدركهم كما قال العلائي حيث قال: «أرسل عن الحسن والحسين وجده الأعلى» (٥). وقال الذهبي في السير: «روى عن جديه النبي ﷺ وعلي ﵁ مرسلاً، وعن جديه الحسن والحسين مرسلاً» (٦). اهـ. وكذا قال ابن حجر في تهذيب التهذيب (٧). إذًا فالرجل الذي روى عنه محمد بن علي الباقر رجل مجهول غير معروف. ومن المعلوم أن المرسل لا يقبل عند علماء الحديث، لأنه من أقسام الحديث الضعيف.

стр. 119

ومما يدل على عدم صحة هذه القصة عن الحسن نكارتها من حيث المعنى من وجهين: الأول: أن عليًا ﵁ في هذا الأثر المرسل - أنكر على أهل الكوفة تزويجهم بهذه الطريقة، والحسن مستمر على فعله هذا يتزوج منهم ويزوجونه ثم لا يمنعه علي ﵁ من فعله هذا وهو والده وخليفة رسول الله ﷺ ، ألا يكون عدم منعه من هذا الفعل مع قدرته على منعه منه قادحًا في علي ﵁؟! الثاني: أن عليًا ﵁ كما في هذا الأثر أنكر فعل الحسن وأنكر صنيع أهل الكوفة ولم يوافقهم ولم يقرهم على ذلك الفعل، وإنكاره يدل على عدم حجية فعل الحسن، لأن من شروط العمل بقول الصحابي أو فعله ألا يخالفه غيره من الصحابة. وقد خالفه علي ﵁ وهو والده وهو أفقه منه وأعلم، وهذا على فرض صحة هذه القصة، والله أعلم. ثم هل يليق بابن بنت رسول الله ﷺ سيد شباب أهل الجنة كما ذكر ذلك نبينا محمد ﷺ فيما صح عنه أنه قال: «الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة» (١)، وقد تربيا في حجر رسول الله ﷺ زهدًا وورعًا

стр. 120

وعلمًا وحلمًا وفقهًا وصبرًا، وبعدًا عن الشهوات المحرمة، بل عن الشبهات، وبعدًا عن خوارم المروءات، وبعدًا عن الولوغ في سفاسف الأمور والدنيات، وإقبالاً على الله والدار الآخرة والمنازل العالية. أيجوز بعد هذا أن نقول عنه: إنه مزواج للنساء مطلاق لهن رغبة وطمعًا في الشهوات الدنيات. حاشاه ذلك ﵁ ووالدته ووالده وصلى الله على أبيه رسول الله محمد بن عبد الله.

стр. 121

زواج المسيار كغيره من الزواج الذي شرعه الله إذا توفرت فيه شروط النكاح وأركانه وانتفى من الموانع، وحصل فيه إعلان النكاح، ويكفي في الإعلان علم أقارب الزوجة، وجيرانها بما ينفي عنها اتهام عرضها، ويثبت لها حقوقها ونسب أولادها منه، ويثبت لهم حقوقهم من أبيهم. غاية ما في الأمر أن الزوجة تنازلت عن بعض حقوقها الزوجية لمصلحتها، كعدم مطالبتها الزوج بالمبيت معها أو النفقة عليها، أو السكن أو العدل بينها وبين زوجته إن كانت له زوجة غيرها. وهي لم تتنازل عن ذلك إلا لسبب اضطرها إلى ذلك، كالخوف من العنوسة فيفوتها قطار الشباب فيزهد فيها الرجال، أو طلب الذرية، أو الإعفاف فهي لم تقدم على هذا الزواج نتيجة ظلم عليها من أحد بل راغبة مختارة، ولسان حالها يقول ظل رجل ولا ظل جدار كما يقول المثل. فإذا كان الأمر كذلك، لماذا تتطاول الألسن والأقلام في تشويه مثل هذا الزواج، وهي بزواجها هذا تريد به مقصدًا شرعيًا على صفة الدوام، والاستمرار؛ لكن لا يرغب أن يعلم به أحد كزوجته الأولى أو غيرها ممن يخشى أن يعكر عليه ما قصده من الزواج. لكن إذا كان في نية الزوج أن يتزوجها إلى أجل ثم يطلقها ولا يريدها زوجة على الدوام، فمثل هذا الزواج لا يجوز ولا يصح لمنافاته مقاصد الشارع في الزواج. ومثل هذا النكاح هو الزواج بنية الطلاق الذي بحثناه وناقشناه في هذا الكتاب والله أعلم.

стр. 122

الخاتمة ولعل القارئ المنصف بعد هذه الجولة القصيرة تبين له أن الحق - والله أعلم - بجانب من رأى تحريم هذا النكاح وبطلانه لما قدمناه، وذلك: أولاً: أن الأصل في الأبضاع التحريم، وذلك بإجماع العلماء، فإذا كان الأمر كذلك، فإنها لا تستباح، إلا بما دل الدليل على حلها، وأين الدليل على إباحة الزواج بنية الطلاق؟ وكون هذا النكاح قد توفرت فيه الشروط والأركان، فهذا يجعله نكاحًا صحيحًا في الظاهر أمام الناس، يترتب عليه أحكام النكاح الصحيح. ولكن لا يلزم من كونه صحيحًا ظاهرًا أن يكون مشروعًا حلالاً فيما بينه وبين الله، فمثل هذا النكاح لا يحبه الله ولا يرضاه - والله أعلم - لمنافاته مقاصد الشريعة في النكاح، ولما فيه من الغش والخداع، ولما فيه من المفاسد العظيمة. ثانيًا: الشريعة جاءت بتحريم ما كانت مفسدته أعظم من مصلحته، وقد ثبتت مفسدة هذا النكاح بما لا يدع مجالاً للتردد، وقد جاءت الشريعة بسد الذرائع، فلا أقل من أن نقول بتحريمه سدًا للذريعة. ثالثًا: هناك فرق كبير وبون شاسع كما بين السماء والأرض والثرى والثريا بين النكاح بنية الدوام والنكاح بنية الطلاق، فالزواج بنية الدوام هو الأصل في مشروعية النكاح، وهو الذي فُطر عليه البشر، وهو الذي يوافق مقاصد الشريعة، ولو ظن هذا المتزوج أن النكاح قد لا يستمر مع هذه الزوجة، لما أقدم عليه، ولبحث له عن أخرى يستمر معها.

стр. 123

أما الزواج بنية الطلاق، فهو دخل معها من أول لحظة من لحظات بدء العقد على أنه لا يستمر معها؛ بل لا يريد ذلك ولا يرضى به، وربما يعمل الأسباب التي تمنع استمراره، وكون هذه النية قد تتغير لا تسوغ لنا القول بجواز مثل هذا النكاح، وإلا، لقلنا بجواز نكاح المحلل ونكاح المتعة، بحجة أن النية قد تتغير، والأحكام إنما تبنى على الظن الغالب. وقد علمنا الشارع أن اختلاف النية لها أعظم الأثر في بناء الأحكام الشرعية، وإن كانت صورة العمل واحدة. روى عمر بن الخطاب، أن رسول الله ﷺ قال: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» (١). رابعًا: يكفي في قبح هذا الزواج والقول بتحريمه أنه غش وخديعة وظلم للمرأة وأوليائها، وقد حرم الله الخداع والغش والظلم. وإلى القارئ الكريم بعض ما ظهر لي من مفاسد هذا النكاح: ١ - أنه ذريعة إلى ترك الزواج الحقيقي الذي يراد به الدوام، حيث إن هذا ليس كالزواج بنية الدوام، فليس فيه التزامات ولا أعباء الزواج الحقيقي، والكثير من الشباب أو الرجال يريدون الحرية البهيمية وعدم التقيد بمسؤولية زوجية، يتزوج من شاء، فيقيم معها أو معهن فترة، ثم يطلق وينتقل إلى أخرى في أي بلد وفي أي مكان ... وهكذا. ٢ - أنه ظلم للمرأة وعدوان وغش وخيانة لا يرضاه المتزوج بهذا الزواج لابنته ولا لموليته، فكيف يرضاه لغيره؟ ٣ - ضياع الأولاد: أ- ربما ضاع الأولاد لعدم قدرة والدهم على أخذهم إلى بلده، لوجود

стр. 124

بعض القوانين والأنظمة التي تمنع أخذهم أو إدخالهم إلى بلاده، أو لعدم القدرة على تربيتهم. ب- ربما أنكر بعض الآباء هؤلاء الأولاد أو أبغضهم، حيث إنهم وجدوا عن غير رغبة من أبيهم، ووجدوا من هذه الزوجة التي لا يريد البقاء معها. ٤ - أنه ذريعة لاختلاط الأنساب وضياعها، وذلك ينتج عن كثرة الزواج بهذه الفتيات، فمثل هذا الزواج لسهولته، لا يكون فيه تقيد بأحكام الشرع. ٥ - فتح هذا الباب يجعل كثيرًا من النساء عاطلات من الأزواج، حيث وقعن في شرك مثل هؤلاء الأزواج، فسرحوهن سراحًا غير جميل، فهذا يشكل خطرًا ويهددهن بالوقوع في الفاحشة والسقوط. ٦ - زواج المرأة من عدة رجال يبيتون لها مثل هذه النية يُهوَّن عليها الوقوع في فاحشة الزنى كما قد يُهَوَّنُ ذلك على الرجال. ٧ - إباحة مثل هذا الزواج تشويه للإسلام وتنفير للناس منه، ونشأ عن ذلك أن ارتد كثير من المسلمات حديثات العهد بالإسلام أو المغتربات المسلمات اللاتي وجدن في بلاد الغرب، حيث تزوجهن بعض الشباب وطلقوهن. ٨ - إن كثيرًا من هؤلاء المتزوجين بنية الطلاق لا يحرصون، وربما لا يفكرون في اختيار الزوجة الصالحة، وربما لا يهمه صلاحها ولا أسرتها ولا أصلها ولا شيء من الاعتبارات الأخرى التي تهم المتزوج بنية الدوام. ٩ - مثل هذا الزواج قد يعطل كثيرًا من النساء الشريفات عن الزواج، ذلك أن الرجل قد لا يقدم على تزوجهن، لما يترتب على ذلك من تكاليف أو مسؤوليات اجتماعية أو مشاكل أسرية، فيتركهن، ويذهب

стр. 125

إلى غيرهن أقل مستوى منهن في نظره، حتى يسلم من التبعة. ١٠ - لو قلنا بإباحته لكان منعه في عصرنا متعينًا لأنه جاء في الشرع منع بعض المشروع إذا ترتب عليه مفسدة أعظم. ومثال ما جاء فيه ترك المشروع إذا ترتب عليه مفسدة أعظم: أولاً: ما رواه البخاري ومسلم من طريق أبي الأحوص عن أبي إسحاق عن عمرو بن ميمون عن معاذ بن جبل أن النبي ﷺ قال له: «يا معاذ: هل تدري ما حق الله على العباد، وما حق العباد على الله؟ قال: قلت الله ورسوله أعلم. قال: فإن حق الله على العباد أن يعبدوا الله ولا يشركوا به شيئًا، وحق العباد على الله ألا يعذب من لا يشرك بالله شيئًا. قال: قلت: أفلا أبشر الناس؟ قال: لا تبشرهم فيتكلوا» (١). ثانيًا: ألزم عمر بن الخطاب الناس بوقوع الطلاق الثلاث إذا صدر من المطلق ذلك بلفظ واحد، مع أنه كان يعتبر في عهد الرسول ﷺ وخلافة أبي بكر وأول خلافة عمر يعتبر واحدة، لما رأى عمر أن المفسدة أعظم (٢). ثالثًا: ما أشار به عمر على رسول الله ﷺ من عدم إخبار الناس بفضل لا إله إلا الله: «من لقي الله يشهد ألا إله إلا الله مستيقنًا بها قلبه بشره بالجنة» قال عمر: فلا تفعل فإني أخشى أن يتكل الناس عليها فخلَّهم يعملون. قال رسول الله ﷺ لأبي هريرة: «فخلَّهم» (٣) إلى غير ذلك من الأمثلة. ١١ - إذا كان عنده ثلاث زوجات، فتزوج الرابعة بنية الطلاق، ثم

стр. 126

طلقها، فقد يتزوج أخرى ومطلقته لم تزل في عدتها، ثم يطلقها ويتزوج أخرى ومطلقته الثانية لم تزل في عدتها، وربما تزوج ثالثة ورابعة وخامسة وأكثر من ذلك والمطلقات السابقات لا يزلن في عدتهن منه (١)، وربما أنجبن أولادًا من هذا الوطء، وقد ذكرنا لك فيما سبق قصة الشاب الذي تزوج تسعين امرأة في فترة قصيرة. إلى غير ذلك من المساوئ والمفاسد التي لا تليق ولا تقرها العقول السليمة فضلاً عن شرع الله الحكيم. ولعلنا نخلص إلى خاتمة القول بأن النكاح بنية الطلاق حرام حسب ما ظهر لي من أدلة الشرع ومقاصده - والله أعلم - وأنه يتعارض مع مقاصد الشريعة في النكاح، وأنه غش وخديعة وظلم للمرأة وأوليائها، وأنه لا فرق بينه وبين نكاح المتعة ونكاح التحليل في التحريم، لتساويهما في نية عدم دوام النكاح واستمراره، وذلك يصادم مقاصد الشريعة في مشروعية النكاح. غاية ما في الأمر أن نكاح المتعة والتحليل وجد فيه التصريح بالنية، والنكاح بنية الطلاق لم يصرح فيه الزوج بنيته، بل خدع المرأة وأوليائها، وقد عزم على هذه النية، ووجدت الأسباب التي تؤيد هذه النية. كعدم استطاعته إخراجها من بلدها وإدخالها بلده، أو وجود بعض الفوارق الاجتماعية والموانع الأخلاقية، أو غير ذلك؛ بل ربما حرص على إيجاد الأسباب التي تجعل الزواج لا يستمر، كأسباب عدم الإنجاب وعدم إحسان العشرة وغير ذلك. لذا، فإنا نقول: إن نكاح المتعة باطل ظاهرًا وباطنًا، والنكاح بنية الطلاق صحيح في الظاهر، فنجري عليه الأحكام الشرعية حسب ما ظهر لنا من ثبوت نسب الأولاد، ووجوب النفقة والتوارث بينهما وغير ذلك

стр. 127

من أحكام الزوجية، أما فيما بينه وبين الله تعالى، فالنكاح باطل، وإنما الأعمال بالنيات. وروى عمر بن الخطاب ﵁، أن النبي ﷺ قال: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى». وإذا كان الرسول ﷺ جعل نكاح الرجل الذي تزوج امرأة وهو ينوي أن لا يعطيها صداقها وربما يريد بزواجه الاستمرار معها، إذا كان الرسول جعل وطأه لها زنى يلقي الله يوم يلقاه وهو زان (١)، فما تقول بالرجل الذي تزوج امرأة يظهر لها أنه سيستمر معها وأنها تكون زوجته التي تشاركه الحياة ويبني بها بيته وسكنه وينجب منها الأولاد، فتنخدع له، وتعطيه أعز ما تملك، وهي بكارتها وجوهرتها الثمينة الغالية التي هي مطمع الرجال وفخر الفتيات وعزهن، فيدخل بها على هذه النية الباطلة، ثم لا يلبث أن يقصم ظهرها بالطلاق، أليس هذا أولى بالحكم عليه بالزنى، ممن تزوج امرأة وهو ينوي أن لا يعطيها صداقها؟ وقد قال الشيخ رشيد رضا في «تفسيره»: «هذا، وإن تشديد علماء السلف والخلف في منع المتعة يقتضي منع النكاح بنية الطلاق، وإن كان الفقهاء يقولون: إن عقد النكاح يكون صحيحًا إذا نوى الزوج التوقيت ولم يشترطه في صيغة العقد، ولكن كتمانه إياه يعد خداعًا وغشًا، وهو أجدر بالبطلان من العقد الذي يشترط فيه التوقيت الذي يكون بالتراضي بين الزوج والمرأة ووليها، ولا يكون منه من المفسدة إلا العبث بهذه الرابطة العظيمة التي هي أعظم الروابط البشرية وإيثار التنقل في مراتع

стр. 128

الشهوات بين الذواقين والذواقات وما يترتب على ذلك من المنكرات، وما لا يشترط فيه ذلك، يكون اشتماله على ذلك غشًا وخداعًا تترتب عليه مفاسد أخرى من العداوة والبغضاء، وذهاب الثقة حتى بالصادقين الذين يريدون بالزواج حقيقته، وهو إحصان كل من الزوجين للآخر، وإخلاصه له، وتعاونهما على تأسيس بيت صالح من بيوت الأمة» (١). انتهى. وفي الختام، فإني أوصي كل من وقع في مثل هذا النكاح أن يتقي الله تعالى، ويحذر مثل هذا الزواج، ويقصد في زواجه الدوام والاستمرار، حتى يكون زواجه موافقًا لمقاصد شرع الله في النكاح، ويحذر الغش والخداع والظلم، فهل يرضى مثل هذا الزواج لابنته أو أخته أو موليته؟ كلا، وقد قال رسول الله ﷺ : «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» (٢). هذا، وإني أناشد الله كل طالب علم لا يرى ما أراه في هذا النكاح: أن لا يتعجل في إبداء رأيه، لئلا يحصل ما لا تحمد عقباه، وأن يكون موقفه موقف عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - من طلاق الثلاث بكلمة واحدة، حيث أمضاه عليهم، مع أن الأدلة الصريحة الصحيحة تخالف ما ذهب إليه، لما رأى من حصول المفسدة بتساهل الناس في الطلاق وتتايعهم (٣) عليه، ولا يخفى على طالب العلم أنه ليس

стр. 129

كل ما كان مشروعًا في حال يكون مشروعًا في كل حال، فهذا حد السرقة أوقفه عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - عام المجاعة، وأوقف سهم المؤلفة قلوبهم لعدم الحاجة إلى التأليف، لظهور المسلمين وقوتهم، وضعف أعدائهم. وغير خاف على أحد ما جرَّه، ويجره الزواج بنية الطلاق من المفاسد في هذا العصر، ولعل شيخ الإسلام - رحمه الله تعالى - لو رأى مثل هذه المفسدة التي حصلت، أو تحصل بالزواج بنية الطلاق، لرأى مثل ما رأى غيره، كما هو معلوم من أصوله وتقعيداته التي يبني عليها كثيرًا من الأحكام التي هي شبيهة بهذا - والله أعلم -. وقد قال رحمه الله تعالى: «والنكاح المبيح هو النكاح المعروف عند المسلمين وهو النكاح الذي جعل الله فيه بين الزوجين مودة ورحمة» (١). وإني أدعو القارئ لقراءة ما ذكره ابن القيم ﵀ في حرمة زواج التحليل وأنه لا يتناسب مع مقاصد الشريعة في مشروعية الزواج، إنك إذا قرأت ما ذكره من أدلة وجدتها تنطبق على الزواج بنية الطلاق، قال ﵀ قاعدة: «الشريعة أن العزم التام إذا اقترن به ما يمكن من الفعل نزل صاحبه في الثواب والعقاب منزلة الفاعل التام» (٢). ولا أظن أحدًا من علماء المسلمين يفتي بجواز مثل هذا النكاح الذي نراه اليوم من كثير من الشباب وغيرهم، مهازل والله، وتعدًّ على أعراض الناس، وتلاعب في حدود الله وشرعه وحيل يهودية إبليسية. فأسأل الله أن يعيذنا من الشيطان الرجيم، ويهدينا الصراط المستقيم، ويرينا الحق حقًا ويرزقنا اتباعه، والباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه، ولا يجعله متلبسًا علينا فنضل.

стр. 130

هذا ما ظهر لي في هذه المسألة، فإن كان صوابًا فمن الله، والحمد لله على التوفيق، وإن كان غير ذلك فمن نفسي والشيطان وأستغفر الله منه، وشرع الله بريء من ذلك والعصمة لمن عصمه الله تعالى. اللهم يا حي يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام، يا رحمن يا رحيم، يا ودود يا ذا العرش المجيد، يا فعال لما يريد، أسألك بعزك الذي لا يرام، وبملكك الذي لا يضام، وبنور وجهك الذي ملأ أركان عرشك، أسألك أن تعلمني ما ينفعني، وتنفعني بما علمتني، وتجعل هذا العمل خالصًا لوجهك الكريم، وتنفع به عبادك المسلمين، وأعوذ بك أن أقول عليك أو على رسولك أو على أحد من خلقك ما لا يرضيك، إنك سميع قريب مجيب. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.