فالجواب:
إن الخوف أمر مظنون، ثم هي مفسدة جزئية، ولكن الزواج بهذه النية متى فتح فيه الباب، ترتب عليه مفسدة أعظم، ومن ذلك وقوع الزنى، وحصول الردة، كما سبق أن ذكرنا ذلك (١)، فهل نجيز لفرد خوفًا عليه من مفسدة الزنى ونبيح مثل ذلك الزواج، فتحصل مفاسد عظيمة بسبب الذواقين؟!
فلعلك تقول: إننا حينما نجيز مثل هذا النكاح لا نجيزه لفرد خوفًا عليه من مفسدة الزنى؛ بل نجيزه كحكم شرعي لكل متزوج خوفًا على المجتمع من مفسدة الزنى.
قلت: إجازته للمجتمع أمر خطير، يترتب عليه ما قلناه من المفاسد، ومنها أنه ذريعة لتعطيل الزواج الشرعي، خوفًا من المسؤولية وغيرها.
ثم لم يتعين أن السبب الوحيد لعلاج هذه المشكلة هو الزواج بنية الطلاق، بل جعل الشارع وسائل كثيرة لذلك:
منها طلب العفة من الله تعالى، قال الله تعالى: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور: ٣٣].
ومنها الصيام، كما في حديث ابن مسعود ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة، فليتزوج، فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع، فعليه بالصوم فإنه له وجاء» (٢).
стр. 72
ثم لماذا لا يتزوج بنية الدوام والاستمرار، وينوي بزواجه النية الحسنة، إذا كان يخاف على نفسه من الوقوع في الفاحشة؟!
فإن قال: لا أريدها زوجة دائمة، لوجود بعض الموانع أو المشاكل من زوجتي أو قبيلتي أو حكومتي أو غير ذلك.
قلنا: إذًا تحققنا أنك تريد طلاقها، فكيف بعد هذا يقول من أجاز هذا النكاح: إن النية ربما تتغير فيمسكها؟!
ثم من المعلوم أن الأمور بمقاصدها، وأن الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فنية هذا المتزوج الطلاق بعد مدة، فلا فرق إذًا بين هذا النكاح ونكاح المتعة والتحليل، فكل منهما نوي فيه الطلاق، غاية ما في الأمر: هذا أخفى نيته، وهذان صرحا بنيتهما، والنتيجة واحدة, وهي الطلاق.
стр. 73
فصل
أما جوابنا على ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى ، فهو ما يلي:
إن إباحته للزواج بنية الطلاق يتعارض مع قوله: «إن القصود في العقود معتبرة» (١).
نعم إن القصود في العقود معتبرة، ولأجل ذلك قلنا بتحريم الزواج بنية الطلاق، ذلك لأنه لا يريد بالزواج ما أراده الشارع الحكيم من مشروعية النكاح؛ بل يريد الزواج لإرضاء نهمته أو قضاء غرضه فحسب، وقد قال ﷺ : «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» (٢).
قوله رحمه الله تعالى: «ليس بنكاح متعة، ولا يحرم، وذلك أنه قاصد للنكاح، وراغب فيه، بخلاف المحلل، لكن لا يريد دوام المرأة معه».
قلت: نعم، ولكن كما قال رحمه الله تعالى: «ليس قاصدًا له على
стр. 74
الدوام والاستمرار» وهل مقصود الشارع من شرع النكاح كونه قاصدًا للنكاح وراغبًا فيه؟ كلا، وإنما المقصود من النكاح هو دوامه واستمراره، لما يترتب على الدوام من فوائد عظيمة يحبها الله تعالى، ولذلك رغّب الشارع في الزواج، وحذر من التبتل، وشرع الوسائل التي يكون بها دوام النكاح، وحذر من الطلاق وأمر بإمساك المرأة مع كراهتها ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ١٩].
أما مجرد قصده للنكاح دون قصد الدوام، فهذا يشاركه فيه نكح التحليل والمتعة؛ حيث إن كلاً منهم قاصد للنكاح وراغب فيه، ولكن لا يريد الدوام، فلو كانت الرغبة أو قصد النكاح وحدها مسوغة للنكاح، لكان نكاح التحليل وزواج المتعة جائزًا أيضًا.
ولكن مراد الشارع - والله أعلم - من النكاح قضاء الوطر على الدوام، وهو الذي يحصل به مقاصد الشريعة من إعفاف كل من الزوجين وإنجاب الأولاد، إلى غير ذلك مما ذكرناه سابقًا (١).
قد يقال: هناك فرق بين نكاح التحليل والزواج بنية الطلاق هو وجود شرط الطلاق في نكاح التحليل.
قلنا: هذا إذا وجد شرط، ولكن ربما يوجد زواج التحليل بدون شرط، وهذا لا يجوز عند كثير من العلماء، منهم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى.
على أن العلة في تحريم نكاح المتعة ونكاح التحليل ليست اشتراط الطلاق لذاته؛ بل حرم الشرط في هذا النكاح؛ لأنه يتعارض مع مقاصد الشريعة في النكاح التي ذكرنا معظمها مرارًا، والله أعلم.
стр. 75
قوله رحمه الله تعالى: «لكن لا يريد دوام المرأة، وهذا ليس بشرط» (١).
قلت: نعم؛ ليس بشرط، ولكن وجود هذا المقصد يضر بالمقصد الأصلي الذي من أجله شرع النكاح.
ويرجع على مقصود صاحب الشرع بالإبطال. قال ابن القيم: «وكل شرط أو علة أو ضابط يرجع على مقصود الشارع بالإبطال كان هو الباطل المحال» (٢).
كيف لا وهو يخفي هذا المقصد عن المرأة وأوليائها خوفًا من عدم موافقتهم؟ ولو صرح لهم بذلك، ووافقوه على ذلك، لبرزت فيه صورة نكاح المتعة ظاهرة.
وقوله رحمه الله تعالى: «فإن دوام المرأة معه ليس بواجب؛ بل له أن يطلقها».
قلت: فرق بين أن يتزوج إنسان بنية دوام العشرة؛ ثم لا يوفق لما أراده؛ لأن القلوب بيد الله، وبين إنسان دخل على نية عدم الدوام؛ بل ليقضي منها وطرًا عاجلاً أو منفعة زمنًا ما؛ ثم يطلقها ليذهب إلى أخرى. فالأول لا أحد يقول بعدم صحة نكاحه ومشروعية طلاقه، والثاني كيف يقول بجواز نكاحه، وعدم الاستمرار والدوام ونية الطلاق موجودة قبل علم خلاف ذلك؛ أي: عدم الدوام والاستمرار لم يتزوج بها أصلاً، وأما إن حصل طلاق، فهو خلاف ما قصده أولاً عند العقد، وهو فعل مشروع له وحده؛ لأنه تخلص من ضرر عليه أو عليها، لذا شرعه الله تعالى لهما: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ﴾ [النساء: ١٣٠].
стр. 76
قوله رحمه الله تعالى: «فإذا قصد أن يطلقها بعد مدة، فقد قصد أمرًا جائزًا، بخلاف نكاح المتعة، فإنه مثل الإجارة تنقضي فيه بانقضاء المدة، ولا ملك له عليها بعد انقضاء الأجل، وأما هذا، فملكه ثابت مطلق، وقد تتغير نيته فيمسكها دائمًا، وذلك جائز له، كما أنه لو تزوج بنية إمساكها دائمًا ثم بدا له طلاقها، جاز ذلك، ولو تزوج بنية أنه إذا أعجبته وإلا فارقها، جاز ... » الخ.
قوله رحمه الله تعالى: «قصد أمرًا جائزًا».
قلت: لم يقصد أمرًا جائزًا، بل هذا شبيه بنكاح المتعة (١) من حيث قصد كل منهما الطلاق بعد مدة، وغاية ما في الأمر أن المتعة صرح فيها بالمدة في بعض صورها. وعدم التصريح بمدة في عقد الزواج ليس هو الذي يجعل الزواج مشروعًا في الواقع ونفس الأمر؛ بل هناك شروط، وانتفاء موانع لا بد من توفرها حتى يكون الزواج مشروعًا، لذا فإنا نقول: إن الزواج بنية الطلاق وجد فيه مانع يمنع من كونه مشروعًا، ألا وهو النية التي تنافي مقصد الشارع في النكاح، وقد قال ﷺ فيما رواه عمر بن الخطاب ﵁: «إنما الأعمال بالنيات ... » الحديث (٢)، فالنية كافية في تحريم العمل.
ولا يقال: هذه نية ليس معها عمل، فإنا نقول: كم من إنسان يؤاخذ على نيته وهو لم يوجد منه عمل؛ بل قد قال شيخ الإسلام نفسه في مثل هذا: «الإرادة الجازمة إذا فعل معها الإنسان ما يقدر عليه كان في الشرع بمنزلة الفاعل التام له ثواب الفاعل التام وعقاب الفاعل التام» (٣). والمتزوج بنية الطلاق جازم على الطلاق وقادر عليه، فهو بمنزلة الفاعل التام.
стр. 77
أرأيت لو أن إنسانًا ذهب ليسرق متاعًا أو مالاً، ولكن لم يستطع السرقة، وآخر أمسك امرأة ليزني بها، فأحس بالرقيب، فولى هاربًا، ولم يقربها، فهل نقول: إنهما لا يؤاخذان على نيتهما؛ لأنهما لم يحصل منهما فعل؟! كلا؛ فكلاهما آثم، وإن لم يحصل منهما فعل.
يشهد لهذا ما رواه أبو بكرة ﵁، أن النبي ﷺ قال: «إذا التقى المسلمان بسيفيهما، فالقاتل والمقتول في النار»، قلت: يا رسول الله! هذا القاتل؛ فما بال المقتول؟ قال: «إنه كان حريصًا على قتل صاحبه» (١).
ولا يقول قائل: «إن ما ذكرت حصل منهم محاولة للسرقة والزنى والقتل، والزواج بنية الطلاق لم يحصل فيه فعل.
فإنا نقول: قد حصل منه فعل، وهو بحثه عن الزوجة، وإقدامه على هذا الزواج، وتملكه المرأة بهذه النية، كل ذلك فعل وإرادة جازمة، والرسول ﷺ يقولك «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى»، قال شيخ الإسلام: «من اجتهد على شرب الخمر وسعى في ذلك بقوله وعمله ثم عجز فإنه آثم باتفاق المسلمين، وهو كالشارب، وإن لم يقع فيه شرب، وكذلك من اجتهد على الزنى أو السرقة أو نحو ذلك ... » (٢)، وقال ابن القيم: «قاعدة الشريعة أن العزم التام إذا اقترن به ما يمكن من الفعل أو مقدمات الفعل نُزَّل صاحبه في الثواب والعقاب
стр. 78
بمنزلة الفاعل التام» (١).
فهناك فرق كبير بَيَّنٌ في حكم الشرع بين النية مع العمل، والنية بعد حدوث العمل: فرجل دخل في صلاة رباعية على أنها صلاة ظهر، وبعد تكبيرة الإحرام نواها عصرًا، أو دخل فيها على أنها صلاة عصر ثم بعد ذلك نواها ظهرًا، فهل يصح ذلك؟ ورجل نوى عند طلوع الفجر صيام يوم الإثنين وبعد الإمساك نوى أن يكون عن يوم من رمضان، فهل يجزيه صيام هذا اليوم عن يوم واجب عليه من رمضان؟ ورجل تصدق بمال تطوعًا، ثم بعد ذلك نواه عن زكاة واجبة عليه، فهل يجزيه ذلك؟
إذًا؛ فعدم تفريق شيخ الإسلام رحمه الله تعالى بين وجود نية الزواج بنية الطلاق عند العقد وبين وجود نية الطلاق بعد العقد، غير مستقيم، والله أعلم.
وأما قوله رحمه الله تعالى: «وهذا ملكه ثابت مطلق، وقد تتغير نيته فيمسكها دائمًا».
قلت: إنما حصل ثبوت ملكه على الزوجة مطلقًا بسبب ستره وإخفائه قصده عن الزوجة وأوليائها، ولو صرح بنيته، ما حصل له ملك أبدًا، ولو حصلت الموافقة بعد التصريح، لكان نكاح متعة.
وأما قوله رحمه الله تعالى: «وقد تتغير نيته فيمسكها».
هذا إذا تغيرت النية، ولكن؛ إذا لم تتغير النية، ألا يكون مبررًا لمنعه (٢)؟ ثم هذا منقوض بنكاح التحليل والمتعة فإنه قد تتغير نيته ولا قائل بجوازه لهذا، وأما كون الطلاق جائزًا له. هذا فيمن دخل بنية الاستمرار، ثم وجدت نية الطلاق بعد ذلك، أما من دخل من أول العقد على نية الطلاق فهذا أمر آخر.
стр. 79
وأما قوله رحمه الله تعالى: «كما أنه لو تزوج بنية إمساكها دائمًا، ثم بدا له طلاقها، جاز ذلك».
قلت: هذا قياس مع الفارق؛ لأنه إذا تزوجها بنية إمساكها دائمًا، فإنه بعمله هذا وافق مقصود الشرع، ووافق الأصل في الزواج، إذ الأصل في كل متزوج أن يتزوج المرأة ليمسكها دائمًا لا ليتزوجها من أجل أن يطلقها، فهو بعمله هذا وافق ما شرع الله تعالى له، بخلاف الزواج بنية الطلاق، فإنه خلاف مقصود الشرع.
وقوله رحمه الله تعالى: «ولو تزوجها بنية أنها إذا أعجبته، أمسكها، وإلا فارقها ... » الخ (١).
أقول: نعم؛ إذا تزوجها بنية أنها إذا أعجبته أمسكها وإلا فارقها، جاز له ذلك؛ لأنه فعل بذلك ما شرع الله له في الزواج؛ لأنه تزوجها ابتداءً بنية أنه يعيش معها على الدوام، وما كان يفكر بغير هذا، ولو ظن - بل لو خالجه شك - في أن هذا الزواج لا يستمر، وأنه قد توجد أسباب تمنع دوامه، لَمَا أقدم على الزواج بها، وهذا هو الأصل في كل زواج، ولكن، لو لم توافقه، ولم تحصل العشرة التي يريدها، له أن يطلقها، فهذا أمر مشروع له بالإجماع، فكل إنسان يتزوج امرأة، في باله أنه يجوز له إذا أحبها أمسكها، وإن كرهها طلقها، ولكن هل إذا جاز له ذلك يجوز له أن يتزوجها بنية الطلاق بعد انتهاء غرضه ولا يريدها بعد ذلك زوجة له، فإنها لو علمت الزوجة أو وليها بهذه النية رضيا بهذا النكاح.
وما الفرق إذًا بين هذا النكاح ونكاح المتعة والتحليل في القصد، إذ كل من المتزوج متعة، والمحلل والمتزوج بنية الطلاق، كل منهم لا
стр. 80
يريد الزوجة على الدوام، ولا يحبها محبة الأزواج، ولا يعاشرها معاشرة الأزواج؛ بل همّه قضاء وطره في بلاد الغربة مثلاً، حتى يذهب إلى زوجته التي يحبها ويريد الأولاد منها وحدها، أو حتى يتزوج الزواج الحقيقي من المرأة التي يختارها حسب المواصفات المطلوبة عرفًا وشرعًا زواجًا بنية الدوام والاستمرار.
لذا؛ نجد الكثير ممن يتزوج بنية الطلاق أو بالمتعة لا يسأل عن حسب المرأة ولا نسبها، ولا يسأل عن كونها ولودًا أو ودودًا، ولا عن دينها؛ بل منهم من لا يسأل عن عفتها، وربما كانت غير عفيفة، كل ذلك ربما لا يهمه، وربما لا يفكر فيه، وبعد هذا، فلا أشك في أنه شبيه بنكاح المتعة. غاية ما في الأمر أن نكاح المتعة صرح فيه بقصده، وهذا كتم نيته وقصده وطلقها بعد تمام المدة، والأول قيل له فارقها بعد تمام المدة المشروطة.
وقول الشيخ رحمه الله تعالى: «وقد كان الحسن بن علي كثير الطلاق، فلعل غالب من تزوجها كانت في نيته أن يطلقها بعد مدة، ولم يقل أحد إن ذلك متعة» (١).
قلت: إذا صح ما نسب إليه من كثرة الطلاق ﵁ (٢)، فلا يجوز لنا أن نحمل عمله في كثرة زواجه وطلاقه على الزواج بنية الطلاق، فهذا قول عليه بلا علم، إذ لا يعلم ما في قلبه إلا الله ، وحاشاه أن يفعل ذلك، ولو قدر أنه أخبر أحدًا أن نيته بذلك، الزواج بنية الطلاق، لقلنا: إن هذا فعل صحابي لا يقبل إذا تجرد عن الدليل، فكيف إذا خالف مقاصد الشريعة في النكاح؟! وكيف وقد خالفه والده على ﵁ وأنكر
стр. 81
عليه كما سيأتي ... والذي يرجع إلى نصوص الشريعة وعموماتها يعلم أن هذا العمل لا يجوز، لمنافاته مقاصد الشريعة في النكاح، ولكن الحمد لله أنه لم ينقل أحد عن الحسن القول بجواز ذلك بسند صحيح.
وقول الشيخ رحمه الله تعالى: «وهذا أيضًا لا ينوي طلاقها عند أجل مسمى؛ بل عند انقضاء غرضه منها ومن البلد الذي أقام به، ولو قدر أنه نواه في وقت بعينه، فقد تتغير نيته فليس في هذا ما يوجب تأجيل النكاح وجعله كالإجارة المسماة ... » الخ (١).
قلت: لا فرق - والله أعلم - بين أن ينوي طلاقها بعد أجل مسمى عند انقضاء غرضه منها أو من البلد الذي أقام به، فالكل حصل فيه زواج بنية الطلاق، ولم يحصل فيه زواج بنية الدوام. فالزواج بنية الدوام هو مقصد الشارع من النكاح، والزواج بدون نية الدوام لا يريده الشارع، ولا يرضاه، ولذلك حرم الشارع نكاح التحليل ونكاح المتعة، وأمر بحسن معاشرة النساء وحث عليها، كما أمر النساء بذلك، وعالج الخلاف والنشوز، وحذر من الطلاق، كل ذلك من أجل أن يدوم النكاح.
وأما قوله رحمه الله تعالى: «ولو قُدَّر أنه نواه في وقت بعينه، فقد تتغير نيته ... » الخ (٢).
قلت: إن الأحكام إنما تناط بالنية وقت مباشرة العمل أو نية العمل لو قدر عليه. مثال النية وقت مباشرة العمل: تعيين نية الصلاة عند تكبيرة الإحرام. وأما نية العمل لو قدر عليه: فكنية العادم للمال الصدقة إذا رزقه الله مالاً أو الحج إذا أقدره الله عليه، فإنه يثاب كل منهما على نيته الصالحة.
стр. 82
أرأيتم لو أن أحدًا خلا بامرأة، فهل نمكنه من ذلك لعله أن يتزوجها؟ ولو أن رجلاً نظر إلى محاسن امرأة، فهل نمكنه من هذه المعصية بحجة أنه ربما يتزوجها؟
إذًا؛ فالأصل في هذا الرجل أنه تزوج المرأة بنية التوقيت، لا بنية الدوام. وكون نيته قد تتغير خلاف الأصل، فنعامله بنيته عند البدء بعقد النكاح، وقد قال الرسول ﷺ : «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى». وتغير النية أمر نادر وقليل؛ بل الرجل الذي تزوج امرأة بنية الطلاق يبذل كل الأسباب والمحاولات المتيسرة التي تجعلها لا تبقى عنده بعد انتهاء غرضه.
وقول الشيخ ﵀: «فأما حدوث نية الطلاق إذا أراد أن يطلقها بعد شهر، فلم نعلم أن أحدًا قال: إن ذلك يبطل النكاح، فإنه قد يطلق وقد لا يطلق عند الأجل، كذلك الناوي عند العقد في النكاح، وكل منهما يتزوج الآخر إلى أن يموت، فلا بد من الفرقة».
قلت: بين نية الطلاق بعد الزواج ونية الطلاق عند عقد النكاح فرق عظيمٌ وبونٌ شاسعٌ:
فالأول: نوى ما أباحه له الشارع، إذ المصلحة والحكمة تقتضي إباحة ذلك، والله عليم حكيم.
والثاني: نيته لا توافق مقاصد الشريعة في الزواج، إذ الأصل في الزواج الدوام والاستمرار، لما في ذلك من المصالح العظيمة والحكم الجليلة الكثيرة، وقد قدمنا الرد على مثل هذا القول.
وكون كل واحد من الزوجين يتزوج الآخر إلى أن يموت، فالفرقة معلومة من الطرفين، هذا أمر لا مناص عنه، وهل تمنع الشريعة مثل هذا الزواج الذي يعلم فيه كل من الطرفين أن الزواج مؤجل إلى فرقة الموت؟ كلا.
стр. 83
أما الزواج بنية الطلاق، فعمل أقدم عليه الزوج وحده بنيته، لا أقول: الغالب عنده أنه يطلقها عند انتهاء المدة أو انتهاء غرضه؛ بل اليقين في نفسه الذي بيَّته أنه يطلقها، فكيف يقاس هذا على الفرقة بالموت؟ فالنية في الفرقة بالموت حاصلة من الطرفين بخلاف الزواج بنية الطلاق فإنها حاصلة من الزوج وحده. فلو جاز لنا ذلك، لأجزنا النكاح الذي ينوي فيه كل من الزوجين الطلاق بعد مدة أو بعد انتهاء الغرض، فيتزوجان وهما يعلمان أنهما سيفترقان بعد انتهاء غرض الزوج، وهذا محو نكاح المتعة.
وقوله رحمه الله تعالى: «والرجل يتزوج الأمة التي يريد سيدها عتقها، ولو أعتقت، كان الأمر بيدها، وهو يعلم أنها لا تختاره، وهو نكاح صحيح، ولو كان عتقها مؤجلاً، أو كانت مدبرة وتزوجها، وإن كانت لها عند نهاية مدة الأجل اختيار فراقه ... » إلى أن قال: «ثم إذا عرف أنه بعد مدة يزول اللزوم من جهتها، ويبقى جائزًا لم يقدح في النكاح» (١).
قلت: ما ذكره رحمه الله تعالى يختلف كثيرًا مع الزواج بنية الطلاق، ذلك:
أولاً: أن زواج الحر بالأمة لا يجوز إلا بشروط معلومة، وما ذلك والله أعلم إلا لأجل ما ذكره الشيخ ﵀، ولما في ذلك من ذلة للحر، وعدم كمال إعفافه، وتعريض ولده للرق، وغير ذلك من الأحكام.
ثانيًا: أن عتق الأمة المتزوجة حرًا لا يعطيها خيار فسخ النكاح بعد حريتها في أصح قولي العلماء. وهو قول جمهور أهل العلم وقول ابن عمرو وابن عباس ومالك والشافعي والإمام أحمد وابن قدامة والنووي
стр. 84
وابن حجر (١).
ثالثًا: في حال زواج الرقيق للأمة، فإنا نقول: إن إرادة السيد العتق مجرد إرادة، قد تتحقق وقد لا تتحقق، بينما المتزوج بنية الطلاق قد عزم على الطلاق. وفي حال زواجه للأمة المدبرة أو المؤجل عتقها، نقول: إن هذه الفرقة توجد من قبل الزوجة وحدها، بينما تحصل الفرقة في الزواج بنية الطلاق من الزوج وحده ففرق بينهما. وفرق بين أن تحصل الفرقة منها وهو يعلم ذلك منها، وبين من يدخل في عقد زواج من امرأة يبيّت لها النية السيئة، يبيّت لها قاصمة الظهر، وهو الطلاق وهي لا تعلم ذلك. أليس هذا خيانة منه لها، ومَن من النساء تقبل مثل هذا الزواج؟ لو علمت منه هذا وقبلت، كان نكاح متعة.
رابعًا: كونه يعلم أن الزوجة لا تختاره، هذا لا يلام عليه، إذ هو فعل ما طُلِبَ منه شرعًا، وهو زواجه، ليحقق ما يقدر عليه من مقاصد الشريعة في النكاح.
فإن قيل: إن تزوجها بنية أن تفارقه هي؛ حيث يعلم من حالها قبل الزواج أنها لا تريده، فهذا شبيه بالزواج بنية الطلاق.
قلت: كلا؛ بل دخل بها بنية أن تفارقه هي، لا بنية أن يفارقها هو، وفرق بين الصورتين.
خامسًا: ثم هذه الصورة التي فرضها شيخ الإسلام ﵀ صورة نادرة، أعني: اختيار المرأة بعد عتقها فراق زوجها، بخلاف الزواج بنية الطلاق، فإن الغالب أن من تزوج امرأة بنية الطلاق ينفذ نيته، كما هو واقع كثيرًا.
стр. 85
وقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: «والنكاح مبناه على أن الزوج يملك الطلاق من حين العقد، فهو بالنسبة إليه ليس بلازم، وهو بالنسبة إلى المرأة لازم، ثم إذا عرف أنه بعد مدة يول اللزوم من جهتها ويبقى جائزًا (١)، لم يقدح في النكاح».
قلت: لا يلزم من كون الزوج يملك الطلاق من حين العقد أن يكون ذلك مبررًا للزواج بنية الطلاق، فإن الله ملكه ذلك، ولكن أمره بإمساكها، وشرع الوسائل التي تديم هذا النكاح، وحذر من الوسائل التي تقطع هذا الدوام، فبغَّض إليه الطلاق وحذره منه، لما في ذلك من مصادمة لمقاصد الشرع في الزواج. وكون الزوج يعلم أنه بعد مدة يزول اللزوم من جهة الزوجة، ويبقى جائزًا من جهتها، لا يضر الزوج إذا هو فعل ما طلب منه شرعًا.
وقول الشيخ رحمه الله تعالى: «ولهذا يصح نكاح المجبوب والعنين وبشروط يشترطها الزوج، مع أن المرأة لها الخيار إذا لم يوف بتلك الشروط. فعلم أن مصيره جائزًا من جهة المرأة لا يقدح، وإن كان هذا يوجب انتفاء كمال الطمأنينة من الزوجين، فعزمه على الملك ببعض الطمأنينة، مثل هذا إذا كانت المرأة مقدمة على أنه إن شاء طلق، وهذا من لوازم النكاح، فلم يعزم إلا على ما يملكه بموجب العقد، وهو كما لو عزم أن يطلقها إن فعلت ذنبًا أو إذا نقص ماله ونحو ذلك، فعزمه على الطلاق إذا سافر إلى أهله، أو قدمت امرأته الغائبة، أو قضى وطره منها، من هذا الباب» (٢).
جوابنا على ما ذكر الشيخ ﵀ رحمة واسعة:
نقول: نعم، يصح نكاح المجبوب والعنين، ومع الشروط التي
стр. 86
يشترطها كل من الزوجين أو أحدهما، وللمرأة الخيار باستمرار النكاح أو عدمه إذا لم يف لها بالشروط، ولكن كل هذا لا يكون مبررًا لمشروعية الزواج بنية الطلاق؛ لأنها حينما تزوجت المجبوب أو العنِيَّن تزوجته برضاها، وكذلك إذا لم يف لها بالشروط، فكل من الزوجين عند العقد يتوقع عدم استمرار النكاح، ولكن هذا التوقع مجرد احتمال، بخلاف من تزوج امرأة وهو يريد طلاقها: إذا سافر إلى أهله، أو إذا حضرت زوجته الغائبة، أو إذا شُفيت زوجته المريضة، أو غير ذلك، فإن الزوج دخل بنية عدم الاستمرار، وهو لا يريد الاستمرار ولا يرغب فيه، والزوجة المسكينة ليس عندها علم بما يبيته الزوج لها، بخلاف قبولها الزواج من المجبوب أو العنين.
وأما قوله ﵀: «مثل هذا إذا كانت المرأة مقدمة على أنه إن شاء طلق، وهذا من لوازم النكاح ... » إلخ.
فجوابنا على ذلك: أن هذا قياس مع الفارق (١)، ذلك أن الزواج شرع مرادًا به الاستمرار والدوام، فالأصل فيه البقاء، وإن كان الشارع أباح الطلاق لمصلحة كل من الزوجين، فحينما أقدمت المرأة على الزواج ليس في بالها إلا الدوام والاستمرار، وليس في بال أوليائها إلا ذلك؛ بل من علم بالزواج من الناس ليس في بالهم إلا الدوام والاستمرار، ولو علمت أنه سيطلقها بعد سفره أو قدوم زوجته أو شفائها من مرضها، لما أقدمت، ومن من النساء أو من الأولياء يرضى بمثل هذا الزواج؟ وليس ذلك كعلمها بأنه سيطلقها إن فعلت ذنبًا أو نقص ماله ونحو ذلك؛ لأنها في هذا الحال أقدمت على الزواج منه لظنها أنها لا يحصل منها شيء بسبب الطلاق؛ بل تحسن الظن بالله، وترجوه دوام
стр. 87
النكاح، وتطرح الظنون والأوهام، وتفعل الأسباب التي تثبت هذا الزواج، وكون الرجل يجوز له الطلاق ويملكه، ليس معنى هذا أن الطلاق هو الغاية من النكاح؛ بل الغاية الدوام والاستمرار، وشرع الطلاق كما قلنا للتخلص مما قد يحصل لأحد الزوجين من الضرر، دفعًا للحرج، ولقد حرص الشارع الحكيم على تثبيت المحبة والألفة بين الزوجين ليحصل الدوام بينهما، بما شرعه من حث على إمساك الزوجة مع الكراهية، وما شرعه من وسائل لحل المشكلات الزوجية، وتحذيره من الطلاق، فإذا كان ذلك معلومًا، فإن إقدام المرأة على أن الزوج إن شاء الطلاق طلق لا يكون مسوغًا للرجل أن يخدع المرأة فيتزوجها بنية الطلاق (١).
وقول الشيخ ﵀: «فعزمه على الطلاق إذا سافر إلى أهله أو قدمت امرأته الغائبة أو قضى وطره منها، من هذا الباب».
أقول: في كلام الشيخ نفسه ما يشعر الإنسان بالفرق بين النكاحين والفرق بين الزوجتين.
فالأولى: لا شك أنها زوجته، وأنها أهله حقيقة، وهو الحق الذي أظهره الله على لسان الشيخ ﵀، فقد قال ﵀: «إذا قدمت امرأته أو أهله».
وأما الثانية: فهي في الحقيقة ليست أهله ولا امرأته، فهي إذًا أجنبية، وعلاقته بها علاقة مؤقتة، علاقة شهوانية، كما قال الشيخ: «أو قضى وطره منها»، ولذلك تركها حينما جاءت امرأته أو سافر إلى أهله أو قضى وطره منها. فلعل القارئ أدرك الفرق الكبير بين الزوجتين والنكاحين من خلال ما سطَّره الشيخ نفسه رحمه الله تعالى.
стр. 88
وقول الشيخ رحمه الله تعالى: «وزيد كان قد عزم على طلاق امرأته، ولم تخرج بذلك عن زوجتيه؛ بل ما زالت زوجته حتى طلقها ... » إلى أن قال: «وبكل حال، لم يكن عزم زيد على الطلاق قادحًا في النكاح في الاستدامة، وهذا مما لا نعرف فيه نزاعًا، وإذًا، ثبت بالنص والإجماع أنه لا يؤثر العزم على طلاقها في الحال» (١).
قلت: ما ذكره شيخ الإسلام ﵀ من نية زيد طلاق زوجته زينب واستمرار النية معه حتى طلقها ليس دليلاً لما ذهب إليه من جواز النكاح بنية الطلاق. إذ أن زيدًا حينما عقد على زينب لم تكن نيته الطلاق، وإنما وجدت النية فيما بعد، وفرق بين أن يتزوج المرأة يريد دوام النكاح ثم بعد ذلك تتغير هذه النية فينوي طلاقها، وبين إنسان عقد على امرأة لا يريد دوام النكاح معها؛ بل نوى عند عقد النكاح طلاقها بعد مدة. فالأول لا ينبغي أن يكون فيه خلاف، وهذا مما لا يعرف فيه نزاع؛ بل قد ثبت بالنص والإجماع أنه لا يؤثر العزم على طلاقها، كما قال الشيخ ﵀. ولكن أقول: ذلك بشرط أن توجد النية بعد تمام عقد النكاح. وأما الثاني (وهو جود نية الطلاق بعد مدة، عند عقد النكاح)، فهذا هو محل الخلاف، وبينهما فرق كبير.
وقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: «ولا يلزم إذا أبطله شرط التوقيت أن تبطله نية التطليق فيما بعد، فإن النية المبطلة ما كانت مناقضة لمقصود العقد، والطلاق بعد مدة أمر جائز لا يناقض مقصود العقد إلى حين الطلاق» (٢).
قلت: إن المسألتين حكمهما واحد، فهما كما يقال: وجهان لعملة واحدة، فنية التطليق عند العقد غير جائزة، وذلك لمناقضته مقصود الشرع
стр. 89
وما خالف مقصود الشرع فهو باطل، ونية الدوام والاستمرار عند العقد من مقاصد الشريعة، وبدوام النكاح واستمراره تحصل الحِكَمُ العظيمة من شرعية النكاح، وقد سبق أن ذكرنا نماذج من هذه الأسرار والحِكَمُ العظيمة في مشروعية النكاح (١).
وأما قول الشيخ رحمه الله تعالى: «بخلاف المحلَّل، فإنه لا رغبة له في نكاحها ألبتة؛ بل في كونها زوجة الأول، ولو أمكنه ذلك بغير تحليل، لم يحلها هذا، وإن كان مقصوده العوض، فلو حصل له بدون نكاحها، لم يتزوج» (٢).
فجوابنا عليه: نقول: نعم، ربما لا يكون عند بعضهم رغبة في نكاحها، ولكن توجد عنده شهوة عند الوطء، والكثير منهم تكون عنده رغبة في زواج التحليل، ولكن هو زواج لا يريد به الدوام أو الاستمرار؛ بل يطلقها بعد انتهاء الغرض، كذلك الزواج بنية الطلاق، فالزواج في كليهما يتعارض مع مقاصد الشريعة في مشروعية النكاح.
أرأيتم لو أن رجلاً تزوج امرأة بنية تحليلها لزوجها، ولم يشترط
стр. 90
عليه أحد أن يطلقها؛ بل لم يعلم بنيته أحد إلا الله، فهل يجوز له هذا النكاح؟ هذا ما لا يجيزه شيخ الإسلام نفسه رحمه الله تعالى.
تعال معي لنقرأ ما قاله شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في ذلك، يقول: «وإن حصل بذلك تحليلها للأول، فهو لا يكون محللاً إلا إذا قصده أو شرط عليه شرطًا لفظيًا أو عرفيًا، سواء كان الشرط قبل العقد أو بعده. وأما إذا لم يكن فيه قصد تحليل ولا شرط أصلاً، فهذا نكاح من الأنكحة» (١)، انتهى.
قلت: إن قوله ﵀: «أو عرفيًا»، دليل على تحريم النكاح بنية الطلاق، إذا عُرِفَ بين الناس أن مثل هذا الرجل يتزوج بنية الطلاق، وقد صرح شيخ الإسلام رحمه الله تعالى بكراهة مثل هذا النكاح.
وخلاصة القول:
ولعلنا من خلال جوابنا على ما أورده الإمام شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى - من أدلة، نخلص إلى القول بأن شيخ الإسلام ﵀ له في حكم الزواج بنية الطلاق رأيان:
أحدهما: القول بجوازه كما مر بنا.
والقول الآخر: كراهته، إذ قال ﵀ في الفتاوى الكبرى: «وإن نوى طلاقها حتمًا عند انقضاء سفره كره في مثل ذلك وفي صحة النكاح نزاع ... » (٢).
وقد سبق من خلال استدلاله أنه يلزمه أن يقول بتحريمه، فقد قال ﵀ في نكاح التحليل: «ولا يكون محللاً إلا إذا قصده أو شرط عليه شرطًا لفظيًا أو عرفيًا سواء كان الشرط قبل العقد أو بعده. وأما إذا
стр. 91
لم يكن فيه قصد تحليل ولا شَرط أصلاً فهذا نكاح من الأنكحة»، فقوله ﵀ إذا قصده؛ أي: إذا نوى بنكاحه التحليل دون شرط عليه ولا علم لأحد قصده - فهذا اعتراف من شيخ الإسلام ﵀ بأن النية لها أثر في الحكم الشرعي. إذًا فما الفرق بين نية المحلل الذي حرم عليه هذا النكاح بمجرد نيته، وبين الزواج بنية الطلاق؟
لا فرق بينهما فيلزم شيخ الإسلام ﵀ القول بتحريم هذا النكاح وبطلانه قياسًا على بطلان نكاح من نوى التحليل (١).
بل قال - رحمه الله تعالى - في موضع آخر: «والإرادة الجازمة إذا فعل معها الإنسان ما يقدر عليه كان في الشرع بمنزلة الفاعل التام له ثواب الفاعل التام وعقاب الفاعل التام» (٢).
وقال ﵀ في موضع آخر: «والنكاح المبيح هو النكاح المعروف عند المسلمين وهو النكاح الذي جعل الله فيه بين الزوجين مودة ورحمة» (٣). انتهى.
والناس قديمًا وحديثًا، عجمًا وعربًا، إنسًا وجنًا لا يعرفون إلا هذا النكاح الذي يوافق مقاصد الشريعة في مشروعية الزواج.
ولو أن شيخ الإسلام ﵀ رأى ما عليه الناس اليوم من التلاعب بأعراض النساء وما يبيته كل واحد يتزوج بهذا الزواج، من غش وخداع للمرأة وأوليائها. وما جره ذلك من مفاسد عظيمة، أخلاقية، واجتماعية، واقتصادية وصحية وغير ذلك، أقول لو رأى ذلك لما قال بجواز مثل هذا النكاح؛ لأن من القواعد العامة المسلم بها عند شيخ الإسلام ﵀ أن الأمور بمقاصدها، وأن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح.
ومن أصول شيخ الإسلام ﵀ القول بسد الذرائع المفضية إلى مفاسد.
стр. 92
فصل
أدلة المجوزين لهذا النكاح من المتأخرين
وقد انتصر بعض المتأخرين لرأي المجوزين، فاستدلوا بما يلي:
الدليل الأول:
إن الزواج ضرورة تدعو إليه الحاجة، ومن القواعد الشرعية أن الضرورات تبيح المحظورات.
الجواب:
أقول: ما ضابط الضرورات التي تبيح المحظورات؟ أهي الحاجة إلى الشيء خوفًا من الوقوع بضده؟ كلا ليس ذلك ضابط الضرورة، فالحاجة إلى الشيء منها ما يصل إلى درجة الضروري، ومنها ما يصل إلى درجة الحاجي، أو بعبارة أخرى منها ما هو ضروري، ومنها ما ليس بضروري. فضابط الضرورة التي تبيح المحظور هي ما يترتب على تركها ضياع الدين، أو النفس، أو العقل، أو المال، أو النسب، أو العرض، كالجوع الشديد الذي لا يمكن دفعه بأي وسيلة من الوسائل إلا بالأكل من الميتة، أو دفع غصة بالإنسان لا يمكن دفعها بأي وسيلة إلا بشربة مقدار ما يدفع الغصة من الخمر، أو إكراه على النطق بكلمة الكفر لا يمكن دفعه إلا بالنطق بكلمة الكفر مع اطمئنان القلب بالإيمان. فهل يا ترى الزواج بنية الطلاق من هذا النوع؟ كلا، فإذا كان هو في حاجة إلى الزواج ومضطرًا إليه لماذا لا يتزوج بنية الدوام والاستمرار لا بنية الطلاق، ثم هو بعد ذلك بالخيار؛ لأن تكاليف الزواجين واحدة والمؤنة واحدة.
стр. 93
الدليل الثاني:
إن الزواج بنية الطلاق قد تدعو إليه ضرورة وحاجة بعض الناس كمن ابتعث لدراسة أو مهمة، أو تمثيل لبلاده أو تجارة في بعض البلدان التي قد يتعرض فيها الإنسان للفتنة. فهو بين أمرين، إما أن يقع في الزنا وإما أن يتزوج بنية الطلاق. فتعين عليه ارتكاب أدنى المفسدتين دفعًا لأعلاهما.
الجواب:
نقول: متى غلب على ظنه الفتنة والوقوع في الزنى فإنه لا يجوز له السفر إلى بلاد الكفر، وقد ذكر العلماء لجواز السفر إلى بلاد الكفر شروطًا منها:
١ - لا يجوز السفر إلى بلاد الكفر إلا في الضرورات القصوى بعد التأكد من أن الإيجابيات أكثر من السلبيات، أو بعبارة أخرى أن المصلحة في السفر أعظم من المفسدة، فإن ترجحت المفسدة حرم السفر.
٢ - أن يكون عنده حصانة علمية وعقيدة راسخة وفكر نيَّر.
٣ - أن يكون صالحًا تقيًا محافظًا على شرائع الإسلام مبتعدًا عن محارم الله.
٤ - إذا سافر يجب عليه أن يبتعد عن مواطن الفتنة، وأسباب مهاوي الرذيلة من اختلاط، وخلوة محرمة، ومسلك مشين، وأصدقاء السوء، ويغض بصره، ويحفظ لسانه.
٥ - ربط الشباب بمراكز إسلامية والحرص على الرفقة الطيبة والجلساء الصالحين.
٦ - يأخذ معه زوجته إن كان متزوجًا، إن تيسر له ذلك، ,إلا تزوج بنية الدوام سواء كان ذلك في بلاده أو في بلاد الغربة إذا كان مستطيعًا
стр. 94
زواجًا بنية الدوام والاستمرار؛ أي: ينوي عند عقد النكاح أن تكون زوجته دائمًا في بلاد الغربة، وفي بلده يريد بزواجه تحقيق مقاصد الشريعة الإسلامية في الزواج من غض البصر، وإحصان فرجه وفرجها، وأن تكون سكنًا له ويكون سكنًا لها، وتكون لباسًا له ويكون لباسًا لها على الدوام، حريصًا على تحقيق المودة بينهما، وحصول الولد، مستجيبًا لقول رسول الله ﷺ في مكاثرة الأمم يوم القيامة، حيث قال رسول الله ﷺ : «تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم» (١).
فإن لم يستطع فليلجأ إلى الاستعفاف استجابة لقول الله تعالى: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور: ٣٣]، ويستعين على ذلك بعد اللجوء إلى الله والتضرع إليه، وسؤاله العون على العفة، وإحصان الفرج بالصيام، قال رسول الله ﷺ : «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء» (٢).
ومع ذلك فإنه لا يكفي زواجه الأمن من الفتنة مع وجود أسبابها، حتى ولو كان زواجًا بنية الدوام والاستمرار فضلاً عن الزواج بنية الطلاق. وإلا فما فائدة أمر الشارع للرجل والمرأة بغض البصر، وإحصان الفرج، وأمر المرأة بالحجاب ونهيها عن إبداء الزينة، وعن الخلوة بالمرأة والسفر بلا محرم، والخضوع بالقول، وهل الأمر خاص بمن لم يتزوج وبعد الزواج يباح له ذلك كله.
وقول المجيزين إن الزواج بنية الطلاق قد تدعو إليه ضرورة وحاجة بعض الناس، اعتراف من المخالف بأن الزواج بنية الطلاق لا يجوز،
стр. 95
وإنما جاز للضرورة إن سلمنا له ذلك، فإنا نقول إن الزواج المذكور لا يحقق الغرض الذي يريده الشارع من إشباع رغبته الجنسية، وإحصان فرجه، كلا، بل سيصيبه السعار الجنسي مما يراه من تلك المغريات من أجسام عارية واختلاط وخلوة، ونظرات مسعورة تلاحقه ويلاحقها لا يخلو منها مكان، قائلة له هيت لك، أترون زواجه هذا حتى ولو كان زواجًا دائمًا ومستمرًا أترونه يعصمه ويحصنه؟ الجواب معروف عند المنصفين العقلاء، فارتكاب الزواج هذا ليس هو أدنى المفسدتين. لأنه متى شاع مثل هذا الزواج حصل من المفاسد ما سبق أن ذكرناه، مؤيدًا بالأدلة الشرعية التي تؤيدها الفطرة السليمة والعقل السليم ... والله أعلم.
الدليل الثالث:
إن الزواج بنية الطلاق لم يرد في حكمه نص شرعي يدل على تحريم الزواج بنية الطلاق، ولا على إباحته.
الجواب عن هذا الدليل من وجهين:
الوجه الأول: قولهم إنه لم يرد في حكم الزواج بنية الطلاق نص شرعي يدل على تحريمه أو إباحته، أقول هذا قول على الله بلا علم، فإن الشارع لم يفرط في شيء مما يحتاجه الناس، يقول تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨]، ... ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩]، فإما أن يدل على تلك الأحكام بنص صريح، أو عن طريق سنة رسوله ﷺ ، أو عن طريق الصحابة، أو عن طريق القياس والنظر في مقاصد الشريعة، أو غير ذلك من الأدلة. وإننا حينما رجعنا إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ لنعرف مقاصد الشريعة في النكاح، وجدنا أن ما جاء عن الشارع من مقاصد الشريعة في النكاح تدل على تحريم النكاح بنية الطلاق، فمن المعلوم أن المقصود من خلق الجن والإنس عبادة الله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]، إذًا لا بد من
стр. 96
وجود عابد يعبد الله، وهذا لا يحصل إلا بالنكاح. ومن هنا نفهم أن الوطء ليس غاية؛ بل هو وسيلة إلى الإنجاب، لذا أوجد الله غريزة الشهوة حتى تحصل الذرية. ومن ثم فإن الشارع الحكيم جعل أسبابًا ووسائل تنظم هذه الغريزة وتحفظها حتى لا تحصل الفوضى في المجتمع بوجود النسل، واختلاطه بين الرجال، فلا يعرف للولد أب يقوم برعايته وتربيته على الأخلاق والفضيلة والعفة (١)، وتعليم الإسلام حتى يتحمل مسؤولية الخلافة في الأرض، وبضياع الأولاد تحصل الفوضى العظيمة، وربما يتعرض النسل للانقراض، لذا شرع الله الزواج لمقاصد سامية، والمراد بالزواج الزواج الذي ينوي به صاحبه الدوام، فتعالوا معي لنعرف هل هناك دليل من الشارع على عدم مشروعية الزواج بنية الطلاق أو لا؟
أقول: إننا إذا رجعنا إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ لنعرف مقاصد الشريعة في النكاح وجدناه شرع لغايات عظيمة ومقاصد سامية شريفة ولا تحصل أو لا توجد على وجه أكمل إلا إذا كان ذلك الزواج يراد به الدوام والاستمرار، ولا شك أن الأَوْلى أن يحمل مراد الله على ما هو أكمل وأفضل.
فمن مقاصد الشارع في مشروعية النكاح:
١ - السكن: كما في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: ٢١]، والمراد به السكن الكامل بين الزوجين، بما تحمله هذه الكلمة من معنى، سكن القلب وسكن الجوارح، وسكن الحواس، وسكن الفكر لكل من الزوجين، وهو الاستقرار الكامل ولا يكون كذلك إلا إذا كان مصحوبًا بالمودة والرحمة من الطرفين. فسكن المسافر في فندق ونحوه
стр. 97
لا يكون سكنًا مستقرًا ولذلك لا يتخذ الساكن فيه وسائل الدوام والاستقرار.
وهل الزواج بنية الطلاق أو نكاح المتعة أو التحليل يكون سكنًا لكل من الزوجين؟ وهل يبذل الزوج وسائل الدوام والاستقرار لهذا الزواج؟ وهل توجد فيه المودة والرحمة وقد أضمر في قلبه عند بدء عقد النكاح الطلاق، ثم هو ينفذه بعد انتهاء غرضه؟ فأين الرحمة والمودة في هذا النكاح؟
وماذا نفهم من قوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢]؟ هل نفهم أن المراد أنكحوهم ليفرغوا شهوتهم ثم يطلقونهن؟ وإذا كانت نيته في الزواج الطلاق بعد إفراغ الشهوة، فهل يزول بعده تأيمهم؟ وهل هذا مقصود الشارع من مشروعية النكاح؟
وقد قال تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧]، ألا يدل ذلك على أن الزواج بنية الطلاق غير مراد للشارع فكيف يكون لباسًا لها أو تكون لباسًا له إذا تزوجها بنية الطلاق، يتزوجها اليوم وغدًا يطلقها ويتزوج الأخرى بعدها ثم يطلقها، فكيف يحصل بذلك الستر والعفة. فلباسٌ لا يدوم مع صاحبه لا يستره، وفي المثل تقول العرب (ثوب العارية لا يستر)؛ لأنه لا يملكها المستعير فهو غير دائم عليه فسيأخذه صاحبه، فكذلك الزواج بنية الطلاق لا يستر كلاً من الزوجين لأنه لا يحصل به إعفاف؛ بل ربما يعرض الزوجة للسقوط، متى بقيت بدون زوج. وأيهما أكمل حالاً وأحب إلى الله الزواج الذي يراد به الدوام أو الزواج بنية الطلاق؟ لا شك أن الأول أكمل حالاً وأحب إلى الله، لذا يحمل مراد الله على الأكمل والأحسن إذ به تتحقق مقاصده من شرعية الزواج.
وما الذي يدل عليه قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ
стр. 98
أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: ٢١]، فما المراد بالسكن؟ أليس هو ما يسكن الإنسان ويستره ويلجأ إليه للراحة، فهل مراد الشارع السكن الذي يسكنه الإنسان يومًا أو يومين أو زمنًا محدودًا يتركه إلى سكن آخر وآخر وآخر.
ولذا يجدر بنا أن نحمل مراد الله في الزواج على أكمل حالة وأفضلها، في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾.
٢ - ومنها الدوام والاستمرار: يقول الله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ١٩].
وفي ذلك دلالة على أن المراد بالمعاشرة بالمعروف حصول المودة والرحمة على وجه الدوام والاستمرار، بدليل ترغيبه تعالى الأزواج بإمساك زوجاتهم.
وقوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ دليل على دوام النكاح لأن المعروف بين الناس جميعًا عربهم وعجمهم، مسلمهم وكافرهم، أن من يتزوج إنما يريد بزواجه الدوام؛ بل هذا أمر فطر الله عليه الإنس والجن، لو لم يكن ذلك مما فطر الله عليه الناس لما تحقق ما أراد الله من عمارة الكون كما أراد الله تعالى، ولو عرف بين الناس غير الدوام لكان نكاح متعة، فمعاشرة من يتزوج بنية الطلاق ليست معاشرة بالمعروف.
ومما يدل على أن الأصل في النكاح هو الدوام والاستمرار قول الله تعالى: ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء: ٣٥]، أمر الله بالحكمين لإزالة الشقاق الذي وقع بينهما فعكر صفو حياتهما الذي ربما أزال استمرار الحياة الزوجية ورغبتهما في إصلاح النية بينهما حتى يوفق الله بينهما. ومعلوم ما سر
стр. 99
توفيق الله بينهما. فلا شك أن أعظم شيء هو استمرار الحياة الزوجية التي يترتب عليها سعادة الطرفين؛ بل ربما سعادة الأسر والمجتمع.
وفي قوله تعالى: ﴿يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء: ٣٥] دليل على الفرق بين الزواج بنية الطلاق والزواج بنية الدوام. فالزواج بنية الدوام توجد فيه النية الصالحة إذ بدأ الزواج بهذه النية الصالحة بنية الدوام، وعند وجود الحكمين يرغب كل منهما بدوام العشرة وزوال أسباب الخلاف التي تمنع من استمرار النكاح، لذا قال الله تعالى لهما ما دامت هذه نيتهما: ﴿يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾.
أما الزواج بنية الطلاق، فقد بدأ الزوج النكاح بنية غير صالحة. بدأها بالخداع والخيانة والمكر والخبث، حيث بيّت هذه النية الماكرة لهذه المرأة المسكينة. فإن وجد شقاق بينهما، ووجد حكمان للإصلاح بينهما فإنه لا يريد في الغالب إصلاحًا، وإن أراد إصلاحًا فإنه لا يريد دوامًا زائدًا على المدة التي حدد نهاية النكاح بها في قلبه.
ومما يدل على أن الأصل في النكاح الدوام والاستمرار قول الرسول ﷺ للمغيرة بن شعبة لما خطب امرأة: «اذهب فانظر فإنه أحرى أن يؤدم بينكما» (١) قال الترمذي يؤدم بينكما: «أي تدوم المودة» (٢)،
стр. 100
فهل معنى قوله ﷺ للمغيرة بن شعبة: «فإنه أحرى أن يؤدم بينكما» أي أحرى أن توجد المودة بينكما إلى نهاية المدة التي نواها المتزوج بنية الطلاق؟؟، كلا، ثم كلا؛ بل المراد بذلك أحرى أن توجد بينكما المودة والمحبة التي يكون من أثرها حسن العشرة على الدوام، فهذا الحديث دليل على أن الزواج الذي شرعه الله هو ما كان يراد به الدوام والاستمرار، فإن كان غير ذلك فهو ليس مشروعًا.
شبهة وجوابها:
قد يقول قائل: إن المودة قد توجد بينهما وهي لا تكون غالبًا موجودة قبل الزواج ثم توجد بعد ذلك، فكذلك الزواج بنية الطلاق قد لا تكون المودة والرحمة موجودة عند عقد النكاح، ولكن قد توجد بعد الزواج، فيحصل الاستمرار في النكاح.
قلت: إن احتمال وجود الرحمة والمودة في الزواج الذي لا ينوي فيه المتزوج الطلاق أقوى وأغلب، والشريعة كثيرًا ما تبني أحكامها على الظن الغالب، كالجمع والقصر خوف المشقة، والاجتهاد في القبلة وقول المفتي، وحكم الحاكم بشهادة الشاهدين أو بشاهد مع اليمين إلى غير ذلك، ولا يعلَّق الحكم على الشيء النادر.
٣ - ومن مقاصد الشريعة أيضًا: حصول الأولاد وإكثار النسل: يقول الله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآَنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧]، وقول الرسول ﷺ : «تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم» (١)، فهل من يتزوج بنية الطلاق بعد انتهاء مهمته من هذا البلد أو بعد قدوم زوجته الغائبة هل
стр. 101
يريد المتزوج بهذه النية أولادًا؟ في الغالب أنه لا يريد بزواجه هذا أولادًا، لذا فإن الكثيرين يستعملون المانع للحمل.
٤ - ومنها: حفظ الأنساب: ومن ثمرات حفظ الأنساب حصول التعارف والتآلف والتعاون والتناصر والتكافل والعقل في الديات. ولولا عقد النكاح لضاعت الفروج والأنساب ولأصبحت الحياة فوضى. وكيف يحصل التعارف على نطاق واسع ثابت مستقر؟ وكيف يحصل العقل في الديات؟ وكيف تحفظ الأنساب إذا لم يحصل دوام النكاح؟
٥ - ومنها: غض البصر وإحصان الفرج عما حرم الله: ولذلك جعل الله كلاً من الزوجين لباسًا للآخر فقال تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾، فهي اللباس الذي يلبسه الرجل فيلصقه بجسمه فيجد فيه الظل والدفء والستر، فيستر به جسمه وعورته. كما هو الآخر لباس لها تجد فيه الظل والدفء والستر، فتستر به جسمها وعورتها.
الله أكبر، ما أبلغ قوله تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ فإذا كانت لباسًا له يستر بها عورته، فهي إذًا تغض بصره وتحصن فرجه، فلا يطمح إلى ما حرم الله عليه، فيكشف عورته، فهي إذًا الساتر لعورته. وإذا كان الزوج لباسًا لها تستر به جسمها وعورتها، فهو إذًا يغض بصرها ويحصن فرجها، فلا تطمح إلى ما حرم الله عليها، فتكشف عورتها له فهو إذًا الساتر لعورتها.
وقوله تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾، فيه إشارة إلى الدوام والاستمرار، لأن ستر العورة يراد به الستر دائمًا. إذ لو كان الزواج مؤقتًا كنكاح المتعة أو التحليل أو الزواج بنية الطلاق لما حصل به دوام الستر. وقد جاء في المثل السائر: «ثوب العارية لا يستر». فهل بعد هذا نقول: إن الزواج بنية الطلاق يوجد فيه معنى اللباس الذي
стр. 102
أراده الله بقوله: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾؛ ثم بعد ذلك ألا يكون ذلك دليلاً على أن الزواج بنية الطلاق مناف لمقاصد الشريعة في النكاح؟
٦ - ومنها: تكوين الأسرة التي هي نواة المجتمع الصالح: وهل الزواج بنية الطلاق يحصل به تكوين الأسرة وترابطها؟ كلا؛ بل المتزوج بنية الطلاق قصده وفعله قائم على محاربة هذا المقصد، فلا يريد من هذه الزوجة تكوين الأسرة، وإنما يريد ذلك من زوجته الحقيقية، أما هذه فمجرد إناء يفرغ فيه شهوته ليتخلص منها فحسب، تلك بعض مقاصد الشريعة الإسلامية في مشروعية الزواج - والله أعلم - فأي مقصد بعد هذا نجده في الزواج بنية الطلاق؟ اللهم إلا إشباع تلك الغريزة.
فإن قيل: إن فيه إحصانًا للفروج من الوقوع في الزنا.
قلت: إن إحصان الفرج يكون بغير الزواج، وهو أن ينوي بزواجه الدوام والاستمرار حتى يصيب مقاصد الشريعة في النكاح. أما مثل ذلك الزواج فالذي رأيناه وغيرنا أن كثيرًا من الشباب وغيرهم يذهب إلى أمريكا وأوروبا وإلى بعض البلاد العربية والإسلامية فيتزوجون ويطلقون في فترة قصيرة عدة زوجات، فهل يعتبر هذا إحصانًا للفرج؟
وهل هذه المرأة المسكينة المخدوعة التي طلقت، أحصن فرجها؟ كلا ... بل أذاقها العسيلة فعرفتها وتعلق قلبها بها وبقيت محرومة منها، فحدَّث ولا حرج عن خطورة هذا الحرمان. كيف وقد زال الحجاب الذي قد يمنع كثيرًا من الفتيات من الوقوع في الفاحشة خشية الفضيحة والعار (١).
فإن قيل: إن ما ذكرت حاصل فيما إذا تزوجها بنية الدوام والاستمرار، فإذا لم تعجبه وكرهها طلقها (٢)؟
стр. 103
فالجواب:
أقول إن هناك فرقًا بين النكاحين، فالأول تزوجها، وقد عقد النية الجازمة على طلاقها فخدع المرأة وغشها فقبلته زوجًا غير عالمة بمقصده السيء فطلقها بعد انتهاء غرضه. أما الثاني فقد تزوج المرأة وفي نيته الاستمرار والدوام. إذا لم يحصل بينهما وفاق ولم توجد المودة بينهما وشق عليه إمساكها فطلقها، فإنه والحالة هذه هو معذور ولا يلام بعد أن يستعمل جميع الوسائل التي شرع الله في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ لإبقائها واستمرار النكاح، فالأمر بعد ذلك لله: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ﴾ [النساء: ١٣٠]، فلعل الفرق بين النكاحين واضح.
والخلاصة أن نقول: أن ثمة أمورًا ثلاثة ينبغي أن يتنبه لها الإنسان.
أحدها: خواطر وهواجس ترد على الإنسان عند عقد النكاح.
وثانيها: أن ينوي أنها إن صلحت أبقاها وإن لم تعجبه طلقها.
ثالثها: أن ينوي أنه متى مضى شهر أو انتهى غرضه من البلد أو متى شفى الله زوجته يطلقها.
أما الأول: فلا يضر العقد ولا يؤثر فيه، لحديث أبي هريرة ﵁ يرفعه: «إن الله تجاوز لأمتي عما وسوست أو حدثت به أنفسها ما لم تعمل به أو تتكلم» (١).
والثاني: أيضًا لا يضر العقد، حيث إن هذا مما يقتضيه العقد بل جميع العقود أن الإنسان إذا لم تعجبه السلعة يبيعها أو لم يرد الله بينهما توافق يطلقها.
стр. 104
أما الثالث: فلم يضمر نية صحيحة سليمة؛ بل أضمر وعقد العزم على طلاقها، ولو سألته هل ترغب فيها زوجة لك وأمًا لأولادك وشريكة لك في حياتك؟ لأجابك على الفور: لا، لا أريدها زوجة لي على الدوام ولا أرغب منها أولادًا؛ بل أريد أن استمتع بها وأقضي معها فترة زمنية ثم أطلقها لأرجع إلى زوجتي الحقيقية، أو أتزوج المرأة التي تعجبني على الدوام.
فإن قيل: إنه قد يريد بزواجه عند العقد توقيت مدة الزواج بعدم إنجابها الأولاد؛ أي: إنه إذا لم تنجب له يطلقها.
فالجواب:
إن هذه النية لا بأس بها؛ لأنه دخل بها على أساس الرغبة في الولد والاستمرار بعد الإنجاب ولم يحدد بقاء الزواج بفترة معلومة، بخلاف من تزوج بنية الطلاق، فإنه دخل على أساس أنه لا يستمر معها ولا يرغب في الاستمرار؛ بل يريد الزوجة لفترة معينة ثم يفارقها بعد ذلك، فالفرق بين النكاحين كبير وواضح.
الوجه الثاني (١): قولهم أنه يبقى على الأصل وهو الإباحة. فإن هذا غير مسلَّم، فإن (الأصل في الأبضاع التحريم) فلا تستباح إلا بما دل الشرع على إباحته. وهذا النكاح لم يدل دليل من الشرع على إباحته فتبقى حرمة الأبضاع على الأصل، ومن ادعى خلاف ذلك فعليه الدليل.
الدليل الرابع:
أن هذا النكاح قد توفرت فيه أركان النكاح وشروطه، وخلا من الشروط الفاسدة، وهو يحقق مصالح قد تضيع لو قيل بعدم جوازه للمغتربين، ومنها طلب الحصانة، ووجوب العفة، والخوف من إشباع
стр. 105
الغريزة بغير الطرق الشرعية، ومن المعلوم شرعًا أن الإسلام يكره العزوبة وينهى عن التبتل لأن الطاقة الجنسية قد تطغى على قدرة الإنسان فيقع في الحرام، ولكون النية المضمرة في القلب إذا لم يتلفظ بها أو يشترطها لا تؤثر على صحة النكاح.
الجواب عليه من وجهين:
الوجه الأول: سلمان توفر الأركان والشروط فيه، فإن هذا يجعل النكاح صحيحًا في الظاهر، أما في الباطن فالنكاح وجد فيه الغش والخداع، وحيث كان كذلك ولمنافاته مقاصد الشريعة فهو حرام.
الوجه الثاني: لا نسلَّم توفر جميع الأركان في هذا النكاح؛ بل اختل فيه ركن من أركان النكاح ألا وهو الإيجاب. فإن المرأة ووليها وافقًا على هذا النكاح بناءً على ما ظهر لهما من حال الزوج وهو أنه يريدها زوجة له على الدوام، فلو علمت بنيته لما قبلته ولا وليها. ولو أن أحدًا جاء يخطب ابنتك ليتزوجها بنية الطلاق وأخفى عليك هذه النية وبعد انتهاء غرضه منها طلقها، ألا تعتبره غاشًا ومخادعًا لك؟ ومن من الناس يرضى لموليته مثل هذا الزواج؟
وأما قولهم إن هذا الزواج يحقق مصالح قد تضيع لو قيل بعدم جوازه فالجواب نقول:
ما هذه المصالح التي قد تضيع لو قيل بعدم جوازه؟ أهي المودة والسكن والاستقرار الكامل الدائم؟
أهي حصول الأولاد وإكثار النسل؟
أهي حفظ الأنساب والتعارف والتآلف والتعاون والتناصر والتكافل والعقل في الديات؟
كل ذلك لا يوجد في الزواج بنية الطلاق، أو يوجد بشكل لا
стр. 106
يحصل به مقاصد الشريعة في شرعية الزواج (١).
وأما المغتربون: فإن الشارع أمر المسلم بالحصانة والعفة، وشرع أسبابها كغض البصر، وتحريم الخلوة، وسفر المرأة بدون محرم، وأمر بالزواج ونهي عن التبتل. والزواج الذي أمر به هو الزواج الذي يحقق مقاصد الشريعة. فالزواج المعروف عند الإنسانية من عرب وعجم، ومسلمين وغيرهم، وإنس وجن، هو الاقتران الذي يقصد به الاستمرار والدوام، إن أعجبته استمر معها، وإن لم تعجبه طلقها. وفرق بين هذه النية وبين من يتزوج وفي نيته وعزمه أنه لا يريدها إلا لمدة زمنية معينة يطلقها عندها؛ لأن الأول كما سبق أن قلت دخل في الزواج وهو يريد أن تبقى وتستمر، وإذا ما أعجبته طلقها، وهذا شأن عقود المعاملات والأنكحة إن أعجبته طلقها، وهذا شأن عقود المعاملات والأنكحة إن أعجبته السلعة وتعلقت رغبته فيها أبقاها، وإن لم تعجبه أو لم يرغب فيها أو رغب في غيرها باعها، وإن كانت امرأة طلقها، فليس من شروط النكاح أن ينوي أن لا يطلقها، ما دام دخل وفي نيته وعزمه أن تبقى عنده. بخلاف النكاح بنية الطلاق فهذا دخل في الزواج، وقد بيت نية السوء والخداع والغش أنه يطلقها، ولا يريدها أن تبقى عنده؛ بل ربما عمل الأسباب التي تجعل المرأة لا تدوم معه، فهو بمثابة من أراد شراء سيارة وفي قصده ونيته أنه سيردها على صاحبها بعد أن يحمل عليها متاعه ويحقق غرضه.
ومن الأسباب التي شرعها الله تعالى للحصانة والعفة: الاشتغال بطاعة الله وذكره، والاستعفاف والصيام، قال الله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٣٢]، وقال ﷺ : «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع
стр. 107
فعليه بالصوم فإنه له وجاء» (١)، أما النكاح بنية الطلاق فإنه لا يغض بصرًا، ولا يحصن فرجًا. وإما الذي يغض بصره ويحصن فرجه فإنه النكاح الذي شرعه الله وهو الذي يحقق مقاصد التشريع، فهذا النكاح هو بمثابة من يغسل الدم ببول.
وأما قولهم: ولكون النية المضمرة في القلب إذا لم يتلفظ بها أو يشترطها لا تؤثر على صحة النكاح:
فالجواب:
نقول: النية محلها القلب، وعليها المداد في الصحة والفساد، والثواب، والعقاب، والله لا يجازي العبد إلا من خلال نيته، وقد جاء عن النبي ﷺ أن المكلف قد يؤاخذ على مجرد النية ولو لم يحصل معها فعل فقد روى أبو بكرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار، قلت: يا رسول الله: هذا القاتل فما بال المقتول قال: إنه كان حريصًا على قتل صاحبه» (٢).
ومن ذلك ما رواه الإمام أحمد في مسنده عن أبي كبشة الأغاري قال: قال رسول الله ﷺ : «مَثَلُ هذه الأمة مثل أربعة نفر: رجل أتاه الله مالاً وعلمًا فهو يعمل به في ماله فينفقه في حقه، ورجل آتاه الله علمًا ولم يؤته مالاً فهو يقول لو كان لي مثل مال هذا عملت فيه مثل الذي يعمل قال: قال رسول الله ﷺ فهما في الأجر سواء، ورجل آتاه الله مالاً ولم يؤته علمًا فهو يخبط فيه فينفقه في غير حقه، ورجل لم يؤته الله مالاً ولا علمًا فهو يقول: لو كان لي مال مثل هذا عملت فيه مثل الذي يعمل قال: قال رسول الله ﷺ فهما في الوزر سواء» (٣).
стр. 108
فرجلان يصليان في مكان واحد خلف إمام واحد وقد أتيا في الظاهر بجميع شروط وأركان الصلاة وربما سننها، ولكن بينهما كما بين المشرق والمغرب، والثرى والثريا. فهذا صلاته صحيحة ومقبولة ويثاب عليها، والآخر صلاته غير صحيحة ومردودة عليه مع أنه لم يحصل من كل منهما تلفظ وصورة الصلاة واحدة. وهذان رجلان يجاهدان الكفار كل منهما يكر ويفر ويصول ويجول، ويقتل الكفار، فيقتلان وبينهما كما بين المشرق والمغرب، والثرى والثريا، عملهما واحد وجهادهما واحد، ولكن أحدهما قتل شهيدًا والآخر في نار جهنم، فما الذي فرق بينهما؛ لا شك أنه النية التي لم يطلع عليها أحد إلا الله .
وهذان رجلان يتزوجان؛ أحدهما يريد بزواجه إعفاف فرجه على الدوام وإحصان المرأة والحصول على السكن والاستقرار الدائم ويريد الذرية الصالحة، وحفظ الأنساب، والتعارف والتآلف والتعاون والتناصر والتكافل، يريد بنكاحه جميع مقاصد الشارع في النكاح. والآخر يخدع المرأة ويخونها في زواجه منها، حيث يريد إفراغ شهوته لفترة حددها في نيته، ثم يتركها ليذهب إلى غيرها ويترك هذه ليذهب إلى أخرى مضمرًا في كل زواج مثل هذه النية الخبيثة. ثم لماذا حرم الله نكاح التحليل ونكاح المتعة، أليس لأنه لا يقصد به الدوام والاستمرار؛ بل لأنه زواج مؤقت ينافي مقصد الشارع من شرعية النكاح الذي يراد به الدوام، إذًا ما الفرق بين هذا النكاح ونكاح المتعة، والتحليل؟ قد تقول هذا صرح فيه بالنية وهذا لم يصرح فيه بالنية. فأقول: إنه إن صرح فيه بالنية أصبح الأمر مكشوفًا لكل أحد فيؤاخذ على عمله حسب ما ظهر لنا من حاله،
стр. 109
أما إذا أضمر الزواج بنية الطلاق بعد انتهاء غرضه فإن النية غير معلومة لنا ولكنها معلومة لله تعالى فيجازيه الله على ما علم من حاله، أما نحن فنعامله في نكاحه إذا لم يظهر لنا منه شيء معاملة النكاح الصحيح. ولكن أحيانًا قد تظهر هذه النية لكثير من الناس بل تكون حقيقة واضحة لا تقبل الشك، كما لو قال للناس إني أريد أن أتزوج زوجة مدة زمنية محدودة أطلقها بعدها، فيتزوج ويطلق بعد انتهاء غرضه؛ بل قد يسافر وإذا سئل أين تريد؟ قال: إلى بلد كذا لأتزوج ثم أطلقها كما هو الواقع؛ بل قال لي بعض الإخوة إنه حصل بيننا وبين شخص ما كلام في التعدد وخاض الجالسون فيه وذكروا محاسنه. وقال أحدهم أنا لا أحبذ التعدد لأني أجد طريقًا غير طريق التعدد، أسلم لي وأبعد عن المشاكل والمسؤوليات، ففي كل إجازة أذهب إلى بلد كذا وأتزوج وأطلق ثم أتزوج وأطلق وأشبع رغبتي وبعد ذلك أرجع إلى بلدي لأستقر مع زوجتي.
فهل تقول له ما دام لم يوجد شرط فالزواج صحيح، فما قيمة الشرط ما دامت الحقيقة موجودة بدون شرط؟ بل هذا أشد ضررًا على المرأة مما لو وجد التصريح بالنية لأنه خدعها وغشها وأفسد عليها بكارتها وشرفها وهدم مستقبلها وحياتها. أبمثل هذه الفوضى في أعراض العفيفات نراه جائزًا لأنه لم يصرح فيه بالنية ولم يتلفظ بها، سبحان الله؟!
وقد جاء عن النبي ﷺ أن المكلف قد يؤاخذ على مجرد النية ولو لم يحصل معها عمل.
ولعلنا نذكر ما جاء في الحديث الصحيح الذي رواه أبو بكرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار. قلت: يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: إنه كان حريصًا على قتل صاحبه» (١)، فالزواج بنية الطلاق وجدت فيه النية والعزم
стр. 110
الأكيد مقارنًا لعقد الزواج، ثم وجد الفعل الذي يصدق النية وهو الطلاق. فكيف بعد ما تقدم يقال: إن النية المضمرة في القلب إذا لم يتلفظ بها لا تؤثر على صحة النكاح، أليست النية التي وجد الفعل بعدها أبلغ من التلفظ بها؟
الدليل الخامس:
ومن أدلتهم: أن في الزواج بنية الطلاق فوائد كثيرة منها: تحصيل النسل، وقضاء الوطر، وتكثير الأمة، وتحقيق مباهاة النبي ﷺ في هذا الزواج.
والجواب عنه:
نقول: ليست كلها موجودة في مثل هذا الزواج غالبًا، نعم ... بالنسبة لقضاء الوطر فهو موجود، ولكن ليس ذلك المقصد الأساس من مشروعية النكاح؛ بل هو منها. وأما بالنسبة لكثرة النسل ومباهاة الرسول ﷺ ، فإن الذي نعرفه أن المتزوج بنية الطلاق لا يريد بزواجه أولادًا ولا يرغب فيهم؛ بل قد يستعمل الأسباب التي تمنع حصول الولد؛ بل قصده إشباع رغبته لا أكثر، ولو وجد له ولد فإنه ربما يكون الكره له من أبيه، وربما يتبرأ منه، فكان مصيره الضياع والتشرد؛ لأنه جاءه عن غير رغبة. فكيف إذًا يحصل تكثير الأمة، وتتحقق مباهاة النبي ﷺ من زواج بُني على الغريزة الجنسية وقضاء الوطر فحسب؟ فكيف يكون هذا الزواج مثل زواج نوى فيه صاحبه من أول العقد الاستمرار والدوام، زواج دخل فيه صاحبه وقد وطن نفسه على دوام العشرة والوئام والمحبة، يترقب كل منهما ولدًا صالحًا يتحقق فيه جميع أماني كل زوج مسلم - والله أعلم.