← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 36525

الهمة طريق إلى القمة

محمد بن موسى الشريف

Полный текст (74 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

الهَّمة طريقُ إلى القمَّة تأليف د. محمد موسى الشريف

стр. 2

تمهيد إذا هبت رياحك فاغتنمها ... فإن الخافقاتِ لها سكونُ وإن ولدت نياقُك فاحتلبها ... فلا تدري الفصيلُ لمن يكونُ قال حكيم من الحكماء: ((لما كنت حدثاً كنت أتصور أن الرعد هو الذي يقتل الناس, فلما كبرت علمت أن البرق هو الذي يقتل, ولهذا عزمت من ذلك الحين على أن أقِل من الإرعاد وأكثر من: الإبراق))

стр. 3

مقدمة الطبعة الرابعة الحمد لله موفق من شاء بما شاء, والصلاة والسلام على خير الرسل والأنبياء, سيدنا محمد وعلى آله وصحبه البررة الكبراء, ومن تبعهم بإحسان إلى يوم البعث والجزاء, وبعد: فهذه هي الطبعة الرابعة من هذا الكتاب, ولله الحمد والمنة على ما وفَّق ويسَّر. وقد سرت في هذه الطبعة على المنهج العلميّ ((الأكاديميّ)) في ترجمة الأعلام, والفهارس المتعددة, إضافة إلى ما كان في الطبعات السابقة منها. وقد خاطبني بعض إخواني أن أوسع الكتاب قليلاً حتى يكون كالكتب الأخرى التي صُنفت في شأن الهمّة - وهذا الكتاب هو أولها صدوراً فيما أعلم - لكني آثرت أن يكون كما أردت له أن يكون: دليلاً للمبتدى المؤتسي وتذكرة للمنتهي الألمعي. والله أسأل كمال التوفيق, إنه على كل شيء قدير, وبالإجابة جدير. وصلّ اللهم على نبينا وسيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين, والحمد لله رب العالمين. المؤلف محمد بن موسى الشريف الموقع على الشبكة: www.altareekh.com البريد الالكتروني: mmalshareef@hotmail.com مقدمة الطبعة الثالثة الحمد لله رب العالمين, وصلاةً وسلاماً تامَّين كاملين عطرين على سيد الأنبياء والمرسلين, وعلى آله وصحبه أجمعين, وبعد: فهذه الطبعة الثالثة - ولله الحمد - من كتاب ((الهمّة)) , وقد تميزت عن ... الطبعتين السابقتين بزيادات كثيرة متنوعة, أهمها في نظري ما أوردته عن حال ... الغربيين في بداية القرن التاسع عشر وما بعده, وذلك إبان ثورتهم الصناعية ... الكبرى, وما كان بعضهم عليه من همة عالية, ولم أقصد بذلك تمجيدهم -حاشا وكلا- ولكني قصدت إظهار أنه من سنة الله في الكون أن يكافئ المُجِدَّ المجتهد العامل الساعي في الدنيا ويُنيله مرادَه مسلماً كان أو كافراً, أما الآخرة فلا يكافئ بها إلا من كان قد اجتهد لوجهه الكريم. ولما كان بعض أهل الغرب قد بذل وعرق ونصب وتعب في سبيل رفعة قومه, ... فقد أحببت أن أورد بعضاً من تلك الأخبار

стр. 4

والأقوال حتى تكون حافزاً- هي وما سبق أن سقته- لبني ديني لأن ينفضوا غبار الذل والضَّعة عنهم حتى يبزغ لهم بإذن الله تعالى- فجرٌ جديد. ثم إن أهل الهمّة العالية منهم لم يفوقوا في ذلك أسلافنا, بل هم قد سبقوهم سبقاً عظيماً, ولكن لما اقتربت حوادثهم من عصرنا, وحققوا بهممهم تلك ما نراه من مخترعات وتقنيات, ساغ لي أن أورد بعض أخبارهم على أنها من جملة ما يحسن بنا اتباعه والأخذ به من الحكم وتجارب الأمم, والله أعلم. هذا, ووصيتي لكل من يقرأ هذا الكتاب أن يأخذ نفسه بإرشاداته, ويعمل ما في وسعه ليتشبه بهمة وجدِّ وعزيمة أولئك الرجال الذين ذكرت أخبارهم وأحوالهم, فإنه إن صنع ذلك يُرجى له الفلاح والسعادة, وتمام الأمر والسيادة, والله المستعان.

стр. 5

مقدمة الطبعة الأولى الحمد لله رب العالمين, الذي خلق الخلق واصطفى منهم المؤمنين, ودلّهم على ما فيه سعادتهم بقوله: (خذوا مآ ءاتيناكم بقوة وآذكروا ما فيه لعلكم تتقون) (١) والصلاة والسلام على خير خلق الله أجمعين, سيدنا محمد, وعلى آله وصحبه أجمعين, الذين أضاؤوا بهمتهم العالمين. أما بعد: خلق الله الخلق وقدّر فهدى, فكان من تقديره تعالى أن قَسَم لهم حظوظهم من الدين والعقل والغنى والجمال, وكان مما قسمه الله سبحانه وقدره على كل إنسان - أيضاً - حظُّه من الهمّة والإرادة. والبشر يتفاوتون تفاوتاً عظيماً في هذا الأمر, فمنهم من تعلو

стр. 6

به همته حتى يكاد يبلغ حدود الكمال, ومنهم من تسفل به همته حتى يصبح حاله أسوأ من الدواب, وبين ذلك من المراتب ما لا يدخل تحت الحصر, وما لا يعلمه إلا الله تعالى. وإذا تقرر ذلك فاعلم أن أمر الهمّة عظيم, وشأنها خطير, يجدر بالإنسان المسلم أن يفهمه ويعتني به, ويحدث به نفسه دائماً عسى أن يكون من أهل الهمّة العالية فيفوز فوزاً عظيماً. وفي هذه الوريقات - التي أسأل الله تعالى أن يباركَ فيها ويضع لها القَبول- مباحثُ لا تخلو من جدَّة, توضح معنى الهمّة وكيفية تحصيلها وتطويرها إلى غير ذلك من المعاني المهمة, والمطالب التي تعلو بصاحبها إلى القمة. ولا يستصغرنّ إنسان شأن الهمّة فيسأل مستنكراً: هل هذا الموضوع يستحق أن يفرد له بحثٌ, وأن توضع له قواعد ومحاذير؟! نعم والله الذي لا إله إلا هو, إن للهمة لشأناً عظيماً وتأثيراً كبيراً على حياة صاحبها سواء أكان في سن الشباب أم تعداه, ممن يطلب الدنيا أم من طلاب الآخرة, فهي أساس حياة الإنسان, والقطب الجاذب له إلى العزة أو الهوان. ولا يُستغرب - أيضاً - إيرادُ هذا المبحث وُيقال: إن الكتب التي دلت على أهمية الوقت ودلَّلت على قيمته يستغنى بها عن

стр. 7

هذا المبحث, إذ الوقت يستثمره حق الاستثمار من علت همته, وعرف كيف يستفيد بها ومنها, وكتب الاستفادة من الوقت ومعرفة قيمته أمر آخر غير مباحث الهمّة كما سيرى القارىء, إن شاء الله تعالى. وإن مما دعاني لتأليف هذا المبحث ندرة من تكلم فيه وأوضحه, ولم أرَ فيه مصنفاً مستقلاً, ولا أزعم أني أعطيته حقّه, ولكني حاولت دخول هذا المضمار والتطفُّل على هذا الشأن, والله المسؤول بالإتمام وعليه التكلان.

стр. 8

معنى الهمّة جاء في القاموس: (هـ م م): ((ما هُمَّ به من أمر ليُفعل)). فالهمّة هي الباعث على الفعل, وتوصف بعلو أو سفول, فمن الناس من تكون همته عالية علو السماء، ومنهم من تكون همته قاصرة دنيئة سافلة تهبط به إلى أسوأ الدرجات. وعرّف بعضهم علو الهمّة فقال: ((هو استصغار ما دون النهاية من معالي الأمور)) (١) قال ابن القيم (٢) رحمه الله تعالى, واصفاً الهمّة العالية: ((علو الهمّة ألا تقف (أي النفس) دون الله, ولا تتعوض عنه بشيء سواه, ولا ترضى بغيره بدلاً منه, ولا تبيع حظها من الله وقربه والأنس به والفرح والسرور والابتهاج به بشيء من الحظوظ الخسيسة الفانية.

стр. 9

فالهمّة العالية على الهمم كالطائر العالي على الطيور, لا يرضى بمساقطهم, ولا تصل إليه الآفات التي تصل إليهم, فإن الهمّة كلما علت بعدت عن وصول الآفات إليها, وكلما نزلت قصدتها الآفات من كل مكان)) (١) وقد حذر السلف كثيراً من سقوط الهمّة وقصورها, فقد قال الفاروق عمر ﵁: ((لاتُصُغِّرَنّ همتك , فإني لم أرَ أقْعَدَ بالرجل من سقوط همته)) (٢). وقال ابن نُباتة (٣) رحمه الله تعالى: حاول جَسيمات الأمور ولا تَقُل ... إن المحامد والعُلى أرزاقُ وارغب بنفسك أن تكون مقصراً ... عن غاية فيها الطِّلابُ سِباقُ (٤)

стр. 10

وقد قيل: ((المرء حيث يجعل نفسه, إن رفعها ارتفعت, وإن قصر بها اتّضعت)) (١) وقال شاعرُ بني عامر: إذا لم يكن للفتى همة ... تبوئه في العلا مصعدا ونفس يعودها المكرمات ... والمرء يلزم ما عُوِّدا ولم تَعْدُ همته نفسه ... فليس ينال بها السؤدُدا (٢) وقد ذمّ أعرابيٌّ رجلاً فقال: ((هو عبد البدن, حُرُّ الثياب, عظيم الرُّواق, صغير الأخلاق, الدهر يرفعه وهمته تضعه)) (٣). وقال أبو دُلف (٤): وليس فراغ القلب مجداً ورفعة ... ولكنّ شغلَ القلب للهمِّ رافعُ وذو المجد محمول على كل آلة ... وكل قصير الهمِّ في الحيّ وادعُ (٥)

стр. 11

والهمّة قسمان: وهيبة, وكسبية: فالوهبيّة هي ما وهبه الله تعالى للعبد من علو الهمّة أو سفولها, ويمكن أن تنمى وتُرعى أو تهمل وتترك, فإن نماها صاحبها وعلا بها صارت كسبية, أي أن صاحب الهمّة كسب درجات عالية لهمته, وزاد من أصل مقدارها الذي وهبه الله تعالى إياه, وإن تركها وأهملها ولم يلتفت إليها خَبَتْ وتضاءلت. والهمّة في هذا تشترك مع باقي الصفات العقلية والخلقية كالذكاء وقوة الذاكرة وحسن الخلق وغير ذلك مما هو معلوم بَدَهِيّ. وقال ابن الجوزي (١) رحمه الله تعالى: ((وقد عرفت بالدليل أن الهمّة مولودة مع الآدميّ, وإنما تقصر بعض الهمم في بعض الأوقات, فإذا حُثَّت سارت, ومتى رأيت في نفسك عجزاً فَسَلِ المنعم, أو كسلاً فالجأ إلى الموفِّق, فلن تنال خيراً إلا بطاعته, ولا يفوتك خيرٌ إلا بمعصيته)) (٢)

стр. 12

مراتب الهمم الناس متفاوتون في أمرين: الأمر الأول: مطالبهم وأهدافهم. والآخر: الهمم الموصلة إلى هذه المطالب والأهداف. فمن الناس من يطلب المعالي بلسانه وليس له همة في الوصول إليها, فهذا متمنٍّ مغرور. وما نيل المطالب بالتمني ولكن تؤخذ الدنيا غلابا ومن أعظم المغالبات مغالبة النفس لتصبح ذا همة عالية. ومن الناس من لا يطلب إلا سفاسف الأمور ودناياها, وهم فريقان: - فريق ذو همة في تحصيل تلك الدنايا, فتجده السبَّاق إلى أماكن اللهو ومغاني الغواني, وهذا إن اهتدى يكن سبّاقاً إلى

стр. 13

المعالي, ذا همة عالية نفسية: ((الناس معادن: خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إن فقهوا)) (١) - وفريق لا همة له, فهو معدود من سقط المتاع, وموته وحياته سواء, لا يُفتقد إذا غاب, ولا يُسأل إذا حضر. إني رأيت من المكارم حسبكم أن تلبسوا خَزَّ الثياب وتشبعوا فإذا تذوكِرتِ المكارم مرّةً في مجلس أنتم به فتقنعوا (٢) ومن الناس من تسمو مطالبه إلى ما يحبه الله ورسوله ﷺ , وله همة عظيمة في تحصيل مطالبه وأهدافه فهنيئاً له. وبين كل هذه الأقسام مراتب كثيرة متفاوتة. قال ابن القيم رحمه الله تعالى: ((لذة كل أحد على حسب قدره وهمته وشرف نفسه, فأشرف الناس نفساً وأعلاهم همة وأرفعهم قدراً من لذتهم في معرفة الله ومحبته, والشوق إلى لقائه, والتودد إليه بما يحبه ويرضاه)) (٣) وقال ابن القيم أيضاً:

стр. 14

((ولله الهمم ما أعجب شأنها وأشد تفاوتها! , فهمة متعلقة بالعرش, وهمة حائمة حول الأنتان والحُش)) (١) (٢). يتفاوت الناس في هممهم فتتفاوت على هذا أعمالهم وحظوظهم ودرجاتهم, وإذا أردت أن تعرف مراتب الهمم فانظر إلى همة ربيعة بن كعب الأسلمي (٣) ﵁ وقد قال له رسول الله ﷺ : ((سَلْ)). فقال: ((أسألك مرافقتك في الجنة)) (٤). وكان بعض الناس يسأله ما يملأ بطنه أو يواري جلده. وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((ألا تسألني من هذه الغنائم التي يسألني أصحابك)). قلت: أسألك أن تعلمني مما علمك الله. فنزع نمرةً كانت على ظهري فبسطها بيني وبينه حتى كأني أنظر إلى النمل يدب عليه فحدثني, حتى إذا استوعبت حديثه قال: ((اجمعها فصُرها إليك)). فأصبحت لا أسقط حرفاً مما حدثني (٥).

стр. 15

فاكتسب ﵁ بهمته في الطلب مجداً عظيماً, وهو أنه حفظ للناس أحاديث رسولهم ﷺ , فأصبح حافظ الصحابة بلا منازع, بل أصبح راوية الإسلام. وقال الشيخ عبد القادر الجيلاني (١) لغلامه: ((ياغلام: لا يكن همك ما تأكل وما تشرب, وما تلبس وما تنكح, وما تسكن وما تجمع, كل هذا همُّ النفس والطبع فأين همُّ القلب, همك ما أهمك فليكن همك ربك وما عنده)) (٢). وهذه - والله - من أعظم الوصايا للدعاة حتى لا تضعف همتهم أمام المغريات, لا سيما وأن من أهم صفات الداعية مخالطته للناس والتأثير عليهم, فكم من داعية انزلق في بحر هذه المغريات حتى أضحت الدعوة آخر اهتماماته. ليس المروءة أن تبيت مُنعّماً وتظل معتكفاً على الأقداح ما للرجال وللتنعم إنما خلقوا ليوم كريهة وكفاح (٣) وأما أمر ابن عباس ﵁ مع صاحبه الأنصاري فهو دليل على تفاوت الهمم واختلاف مراتبها فقد قال ﵁:

стр. 16

((لما قبض رسول الله ﷺ قلت لرجل: هلم فلنتعلم من أصحاب النبي ﷺ فإنهم كثير. فقال: العجب - والله - لك يا ابن عباس, أترى الناس يحتاجون إليك وفي الناس من ترى من أصحاب رسول الله ﷺ ؟! فركبت ذلك وأقبلت على المسألة وتَتَبُّع أصحاب رسول الله ﷺ , فإن كنت لآتي الرجل في الحديث يبلغني أنه سمعه من رسول الله ﷺ فأجده قائلاً, فأتوسد ردائي على باب داره تسفي الرياح على وجهي حتى يخرج إليّ, فإذا رآني قال: يا ابن عم رسول الله ﷺ ما لك؟ قلت: حديث بلغني أنك تحدثه عن رسول الله ﷺ فأحببت أن أسمعه منك. فيقول: هلا أرسلت إليّ فآتيك؟ فأقول: أنا كنت أحق أن آتيك. وكان ذلك الرجل يراني, فذهب أصحاب رسول الله ﷺ وقد احتاج الناس إلي, فيقول: أنت أعلم مني)) (١). وترى اليوم من تفاوت الهمم أمراً عجباً, فإذا استثنى الناظر في أحوال الناس أمر العامة - واستثناؤهم واجب لأنه قد ماتت هممهم, وقعدت بهم عن تحصيل معالي الأمور- واطلع على أحوال الخاصة وهم: الدعاة, وطلاب العلم, وباقي الملتزمين الحريصين على دينهم, سيصاب بالدهشة لما يراه من فتور الهمّة, وأنها

стр. 17

الشأن الغالب على الخصوص الذين ذكرتهم: فمنهم من إذا اطَّلع ساعة أو ساعتين في اليوم ظن أنه قد أتى بما لم يأتِ به الأوائل , ومنهم من إذا خرج لزيارة فلان من الناس بقصد الدعوة يظنّ أنه قد قضى ما عليه من حق يوميّ, ومنهم من تتغلب عليه زوجة وعيال فيقطع عامة وقته في مرضاتهم, ومنهم من اقتصر في تحصيل العلم على سماع بعض الأشرطة وحضور محاضرة أو اثنتين في الأسبوع أو الشهر, ومنهم من غلب عليه الركون إلى الدنيا والتمتع بمباحاتها تمتعاً يُفضي به إلى نسيان المعاني العلية, ومنهم من يقضي عامة يومه متتبعاً لسقطات إخوانه, ومطلعاً على ما يزيد علمه رسوخاً في هذا المجال. وهكذا يندر أن تجد إنساناً استطاع أن يعلو بهمته, ويجمع شمله ويَقْصر من الاعتذارات والشكايات فتصبح حياته مثلاً أعلى يُحتذى به. ولا أزعم أن جمهور الصحوة قد فات عليه هذا الأمر- أي أمر الهمّة وعلوها- ولكن أقول جازماً بأنه - إلا القليل - لم يستثمروا هممهم حق الاستثمار, ولم يحاولوا أن يرتقوا بأنفسهم حق الارتقاء. يقول الأستاذ المودوديّ رحمه الله تعالى مخاطباً قوماً ممن ذكرناهم آنفاً:

стр. 18

((إنه من الواجب أن تكون في قلوبكم نار متّقدة تكون في ضرامها - على الأقل مثل النار التي تتقد في قلب أحدكم عندما يجد ابناً له مريضاً ولا تدعه حتى تجرّه إلى الطبيب، أو عندما لا يجد في بيته شيئاً يسد به رمق حياة أولاده فتقلقه وتضطره إلى بذل الجهد والسعي. إنه من الواجب أن تكون في صدوركم عاطفة صادقة تشغلكم في كل حين من أحيانكم بالسعي في سبيل غايتكم, وتعمر قلوبكم بالطمأنينة, وتكسب لعقولكم الإخلاص والتجرد, وتستقطب عليها جهودكم وأفكاركم بحيث إن شؤونكم الشخصية وقضاياكم العائلية إذا استرعت اهتمامكم فلا تلتفتون إليها إلا مكرهين. وعليكم بالسعي ألا تنفقوا لمصالحكم وشؤونكم الشخصية إلا أقل ما يمكن من أوقاتكم وجهودكم, فتكون معظمها منصرفة لما اتخذتم لأنفسكم من الغاية في الحياة. وهذه العاطفة ما لم تكن راسخة في أذهانكم, ملتحمة مع أرواحكم ودمائكم, آخذةً عليكم ألبابكم وأفكاركم, فإنكم لا تقدرون أن تحرِّكوا ساكناً بمجرد أقوالكم . . الحقيقة أن الإنسان إذا كان قلبه مربوطاً بغايته, وفكره متطلعاً إليها, فإنه لا يحتاج إلى تحريض أو دفع. . . واسمحوا لي أن أقول لكم: إنكم إذا خطوتم على طريق هذه الدعوة بعاطفة أبردَ من تلك

стр. 19

العاطفة القلبية التي تجدونها في قلوبكم نحو أزواجكم وأبنائكم وأمهاتكم فإنكم لا بد أن تبوؤوا بالفشل الذريع)) (١). أرأيتم همة الإمام ﵀, ولا غرو أن تخرج هذه اللآلىء من رجل تصدى طيلة حياته المباركة لهموم دعوة الخلق إلى الحق, حتى أنه كان يصدر دورية بنفسه لا يشاركه فيها أحد - وكان هذا في مقتبل حياته - فهو الناشر ومدير التحرير والموزِّع, وقد أخبر عن نفسه بأنه كان يبل الخبز اليابس في النهر ثم يأكله, وحياته تصلح أن تكون تطبيقاً لما أوردته عنه آنفاً, ﵀. ويمكن بعد هذا أن نقول: إن مراتب الهمم متفاوتة فيما يلي: ١ - همة لا تسعف صاحبها لقضاء حوائجه الأساسية بل يظل عامة ليله وسحابة نهاره في نوم وتراخ وكسل, وهذه أدنى درجات الهمم - والعياذ بالله - وصاحبها عاجز قاصر يعتمد على الناس اعتماداً كلياً, وهذه المرتبة قليلة في النوع الإنسانيّ, ولله الحمد. ومن أمثلتها في الناس الطفيليون, وطبقة التنابلة المشتهرين في التاريخ بكسلهم وسقوط هممهم. ٢ - ومن الهمم همة ترقى بصاحبها إلى قضاء الحوائج والسعي في

стр. 20

الأرض وأداء الفروض, ولكن كل هذا يقضيه بقدر بحيث يستصعب معه كثيراً من الأمور, ويعتقد استحالتها وهي أمور ممكنة التحقق عند غيره, وتجده - عند الاستشارة- كثير الصدّ قريب القصد. وهذه المرتبة من الهمّة يشترك فيها كثير من الناس إن لم نقل أغلبهم. ٣ - ومن الناس من يريد الارتفاع بهمته ولكنه لا يعرف سبل استثمارها ولا كيفية الاستفادة التامة منها، فتجده متذبذباً في أموره, فتارة ينجز أموراً عظيمة, وتارة يستصعب الممكن ويستبعده. والغالب على أهل هذه المرتبة أنهم لا يحققون ما يصبون له يتطلعلون إليه. ٤ - ومن الناس من تتجاوز به همته واقع الناس بكثير وتتعداه, بل تكاد تستسهل المستحيل ولا تخضع له, وصاحب هذه الهمّة نادر في دنيا البشر, ولكنه موجود معروف, يعرفه الناس ويقتدون به. والغالب على صاحب هذه الهمّة أنه يحقق أهدافه وغايته, بل يحقق أموراً تحتاج في تصور معظم الناس إلى فريق من العاملين لإنجازها.

стр. 21

قال أبو الطيب المتنبيّ (١) رحمه الله تعالى: له همم لا منتهى لكبارها ... وهمته الصغرى أجلّ من الدهر وقال أيضاً: على قدر أهل العزم تأتي العزائم ... وتأتي على قدر الكرام المكارم وتعظم في عين الصغير صغارها ... وتصغر في عين العظيم العظائم وقال أيضاً: تجمعت في فؤاده همم ... ملءُ فؤاد الزمان إحداها وقال آخر: صدرٌ رحيبٌ لما يأتي الزمان به ... وهمة تَسَع الدنيا وما تَسَعُ وقال أبو فراس (٢): تهون علينا في المعالي نفوسُنا ... ومن يخطب الحسناءَ لم يُغْلِه المهرُ (٣)

стр. 22

أهمية علو الهمّة في حياة المسلم يقول ممشاد الدينوريّ (١): ((همتك فاحفظها, فإن الهمّة مقدمة الأشياء, فمن صلحت له همته وصدق فيها صلح له ما وراء ذلك من الأعمال)) (٢). ويقول ابن القيم ﵀: ((لابد للسالك من همة تسيِّره وترقيه, وعلم يبصِّره ويهديه)) (٣). وقال الشيخ أحمد بن إبراهيم الدرعيّ (٤): ((كن رجلاً رجله في الثرى وهمه في الثريا, وما افترقت الناس إلا في الهمم, من علت همته علت رتبته, ولا يكون أحدٌ إلا فيما رضيت له همته)) (٥). وقد أسلفتُ بأنها عمود أمر الإنسان والأمر المهم في دنياه, ولكن سأفصّل ما أجملت بما يلي:

стр. 23

أولاً: تحقيق كثير من الأمور مما يعده عامة الناس خيالاً لا يتحقق: وهذا الأمر مشاهد معروف عند أهل الهمم, إذ يستطيعون - بتوفيق الله لهم أولاً, وبهمتهم ثانياً - إنجاز كثير من الأعمال التي يستعظم بعضَها من قعدت به همته ويظنها خيالاً. وأعظم مثال على هذا سيرة المصطفى صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم, إذ المعروف عند أهل التواريخ أن بناء الأمم يحتاج إلى أجيال لتحقيقه, لكنه ﷺ استطاع بناء خير أمة أُخرجت للناس في أقلَّ من ربع قرن, واستطاعت هذه الأمة أن تنير بالإسلام غالب الأجزاء المعروفة آنذاك, وجهاده ﷺ وعمله وهمته العالية في بناء الأمة أمرّ معروف, وهو مما تقاصر عنه أطماع أهل الهمّة العالية وخيالاتهم وما يتطلعون إليه. والصدِّيق ﵁ استطاع - في أقل من سنتين - أن يخرج من دائرة حصار المرتدين, ولم يمت إلا وجيوشه تحاصر أعظم إمبراطوريتين في ذلك الوقت, هذا وقد نهاه كبار الصحابة عن حرب المرتدين وظنوا أنه لا يستطيع أن يقوم في وجه العرب كلهم , ولكن همته العالية أبَتْ عليه ذلك واستطاع أن ينجز ما ظنه الناس خيالاً لا ينجز. وقس على هذا أمر الخليفة الراشد عمر بن الخطاب ﵁ حتى أنه من عظمة همته في طلب الحق قال له علي ﵁: ((لقد أذللت الخلفاء من بعدك يا أمير المؤمنين)) (١).

стр. 24

ويصلح أن يكون أمر الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز مثالاً يستضاء به لطالب الهمّة العالية , إذ أنه حاول إرجاع الناس إلى ما كان عليه الصدر الأول, ولقد حقق كثيراً من النجاح, ﵀. وهناك أمثلة كثيرة مبثوثة في التواريخ, ولكن لنقترب قليلاً من عصرنا, ونحلِّق قريباً من ديارنا, ولنضرب مثلين على علو الهمّة لا أكاد أجد لهما - فيما أعلم - نظيراً: أما أحدهما فشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀ الذي استطاع في مدة وجيزة إخراج مجتمعه من ظلمات الشرك إلى نور التوحيد بهمة وعزيمة نادرتين. وأما الآخر فالإمام حسن البنا ﵀, إذ كانت حياته مثلاً جميلاً لعلو الهمّة, ومن أراد الإنصاف فليراجع ((مذكرات الدعوة والداعية)) , ((ورسائله)) التي تفوح بعلو الهمّة وقوة الإرادة, وكيف لا يكون كذلك وقد كان يخاطب أتباعه بقوله: ((أحلام الأمس حقائق اليوم , وأحلام اليوم حقائق الغد)). وأضرب - في الختام - مثلاً بهمة أحد الكافرين حتى نعتبره ونتعظ, فنحن أولى منه بعلو الهمّة وقوة الإرادة, وهذه القصة حكاها الدكتور توفيق الواعي حيث قال حفظه الله:

стр. 25

((أرسلت الدولة اليابانية في بدء حضارتها بعوثاً دراسية إلى ألمانيا كما بعثت الأمة العربية بعوثاً, ورجعت بعوث اليابان لتحضر أمتها, ورجعت بعوثنا خاوية الوفاض!! فما هو السر؟ لنقرأ هذه القصة حتى نتعرف على الإجابة. يقول الطالب الياباني ((أوساهير)) الذي بعثته حكومته للدراسة في ألمانيا: لو أنني اتبعت نصائح أستاذي الألمانيّ الذي ذهبت لأدرس عليه في جامعة هامبورج لما وصلت إلى شيء, كانت حكومتي قد أرسلتني لأدرس أصول الميكانيكا العلمية, كنت أحلم بأن أتعلم كيف أصنع محركاً صغيراً, كنت أعرف أن لكل صناعة وحدة أساسية أو ما يسمى ((موديل)) هو أساس الصناعة كلها, فإذا عرفت كيف تصنع وضعت يدك على سر هذه الصناعة كلها, وبدلاً من أن يأخذني الأساتذة إلى معمل, أو مركز تدريب عمليّ, أخذوا يعطونني كتباً لأقرأها, وقرأت حتى عرفت نظريات الميكانيكا كلها, ولكنني ظللت أمام المحرك - أياً كانت قوته - وكأنني أقف أمام لغز لا يحل. وفي ذات يوم قرأت عن معرض محركات إيطالية الصنع, كان ذلك أول الشهر, وكان معي راتبي, وجدت في المعرض محركاً قوة حصانين ثمنه يعادل مرتبي كله, فأخرجت الراتب ودفعته, وحملت المحرك وكان ثقيلاً جداً, وذهبت إلى حجرتي, ووضعته على المنضدة

стр. 26

وجعلت أنظر إليه , وكأني أنظر إلى تاج من الجوهر, وقلت لنفسي: هذا هو سر قوة أوربا, لو استطعت أن أصنع محركاً كهذا لغيرت تاريخ اليابان, وطاف بذهني خاطر يقول: إن هذا المحرك يتألف من قطع ذات أشكال وطبائع شتى , مغناطيس كحذوة الحصان, وأسلاك, وأذرع دافعة, وعجلات, وتروس وما إلى ذلك, لو أنني استطعت أن أفكك قطع هذا المحرك وأعيد تركيبها بالطريقة نفسها التي ركبوها بها ثم شغلته فاشتغل أكون قد خطوت خطوة نحو سر ((موديل)) الصناعة الأوربية. وبحثت في رفوف الكتب التي عندي, حتى عثرت على الرسوم الخاصة بالمحركات, وأخذت ورقاً كثيراً, وأتيت بصندوق أدوات العمل, ومضيت أعمل, رسمت المحرك, بعد أن رفعت الغطاء الذي يحمل أجزاءه, ثم جعلت أفككه, قطعة قطعة, وكلما فككت قطعة رسمتها على الورقة بغاية الدقة وأعطيتها رقماً, وشيئاً فشيئاً فككته كله, ثم أعدت تركيبه, وشغلته فاشتغل, كاد قلبي يقف من الفرح, استغرقت العملية ثلاثة أيام, كنت آكل في اليوم وجبة واحدة, ولا أصيب من النوم إلا ما يمكنني من مواصلة العمل. وحملت النبأ إلى رئيس بعثتنا فقال: حسناً ما فعلت, الآن لا بد أن أختبرك, سآتيك بمحرك متعطل , وعليك أن تفككه,

стр. 27

وتكتشف موضع الخطأ وتصححه, وتجعل هذا المحرك العاطل يعمل, وكلفتني هذه العملية عشرة أيام عرفت أثناءها مواضع الخلل, فقد كانت ثلاثاً من قطع المحرك بالية متآكلة, صنعت غيرها بيدي, صنعتها بالمطرقة والمبرد. بعد ذلك قال رئيس البعثة - وكان بمثابة الكاهن يتولى قيادتي روحياً (١) - قال: عليك الآن أن تصنع القطع بنفسك, ثم تركبها محركاً, ولكي أستطيع أن أفعل ذلك التحقت بمصانع صهر الحديد, وصهر النحاس, والألومنيوم, بدلاً من أعد رسالة الدكتوراه كما أراد مني أساتذتي الألمان, تحولت إلى عامل ألبس بذلة زرقاء وأقف صاغراً إلى جانب عامل صهر المعادن, كنت أطيع أوامره كأنه سيد عظيم, حتى كنت أخدمه وقت الأكل, مع أنني من أسرة ساموراي, ولكنني كنت أخدم اليابان وفي سبيل اليابان يهون كل شيء, قضيت في هذه الدراسات والتدريبات ثماني سنوات, كنت أعمل خلالها ما بين عشرة وخمس عشرة ساعة في اليوم, وبعد انتهاء يوم العمل كنت آخذ نوبة حراسة, وخلال الليل كنت أراجع قواعد كل صناعة على الطبيعة.

стр. 28

وعلم ((الميكادو)) - الحاكم اليابانيّ - بأمري فأرسل لي من ماله الخاص خمسة آلاف جنيه إنجليزي ذهب اشتريت بها أدوات مصنع محركات كاملة, وأدوات وآلات, وعندما أردت شحنها إلى اليابان كانت النقود قد فرغت, فوضعت راتبي وكل ما ادخرته. وعندما وصلت إلى ((نجازاكي)) قيل لي: إن ((الميكادو)) يريد أن يراني, قلت: لن أستحق مقابلته إلا بعد أن أنشىء مصنع محركات كاملاً, استغرق ذلك ٩ سنوات, وفي يوم من الأيام حملت مع مساعدي عشرة محركات (صنع في اليابان) , قطعة قطعة, حملناها إلى القصر, ودخل ((الميكادو)) وانحنينا نحييه وابتسم وقال: هذه أعذب موسيقى سمعتها في حياتي, صوت محركات يابانية خالصة, هكذا ملكنا ((الموديل)) وهو سر قوة الغرب, نقلناه إلى اليابان, نقلنا قوة أوربا إلى اليابان ونقلنا اليابان إلى الغرب)) (١). ثانياً: الوصول إلى مراتب عليا في العبادة والزهد: وهذا مَعْلَم بارز في حياة النبي ﷺ والصحابة ومن تبعهم بإحسان, يقول حذيفة ﵁: ((صليت مع النبي ﷺ ذات ليلة فافتتح البقرة, فقلت: يركع عند

стр. 29

المائة, ثم مضى فقلت: يصلي بها في ركعة, فمضى, فقلت: يركع بها, ثم افتتح النساء فقرأها, ثم افتتح آل عمران فقرأها, يقرأ مترسلاً, إذا مرّ بآية فيها تسبيح سبّح, وإذا مّربسؤال سأل, وإذا مر بتعوذ تعوذ, ثم ركع فجعل يقول: سبحان ربي العظيم, فكان ركوعه نحواً من قيامه، ثم قال: سمع الله لمن حمده, ثم قام طويلاً قريباً مما ركع, ثم سجد فقال: سبحان ربي الأعلى, فكان سجوده قريباً من قيامه)) (١). وقال ابن مسعود ﵁: ((صليت مع رسول الله ﷺ فأطال حتى هممت بأمر سوء, قيل: وما هممت به؟ قال: هممت أن أجلس وأدعه)) (٢). وهذا معاذ بن جبل ﵁ على فراش الموت يذكر أموراً تدل على همّته في العبادة والزهد, فروي عنه أنه قال: ((اللهم إنك تعلم أني لم أكن أحب البقاء في الدنيا ولا طول المكث فيها لجري الأنهار, ولا لغرس الأشجار, ولكن كنت أحب البقاء لمكابدة الليل الطويل, وظمأ الهواجر في الحر الشديد, ولمزاحمة العلماء بالركب في حلَق الذكر)) (٣).

стр. 30

هذا وقد كان يعيش في دمشق ولكنه علا بهمته عما فيها من مغريات وجمال. وهذا الإمام مالك بن أنس ﵀ إمام دار الهجرة قد روى عنه الإمام ابن القاسم (١) هذه الحادثة: ((كنت آتي مالكاً غلساً (٢) فأسأله عن مسألتين, ثلاثة، أربعة, وكنت أجد منه انشراح الصدر, فكنت آتي كلّ سحر, فتوسدت مرة في عتبته, فغلبتني عيني فنمت, وخرج مالك إلى المسجد فلم أشعر به, فركضتني سوداء له برجلها وقالت لي: إن مولاك لا يغفل كما تغفل أنت, اليوم له تسع وأربعون سنة ما صلى الصبح إلا بوضوء العَتَمَة (٣) , ظنت السوداء أنه مولاه من كثرة اختلافه إليه)) (٤). وإذا أردت التوسع في أمثلة عبادة السلف وزهدهم فسيطول بي الأمر, وحسبي ما أوردته دليلاً على علو هممهم.

стр. 31

ثالثاً: البعد عن سفاسف الأمور ودناياها: صاحب الهمّة العالية لا يرضى لنفسه دنايا الأمور بل يطمح دائماً إلى ماهو أفضل وأحسن, فتجده يترفع عن مجالس اللغو وإضاعة الوقت, وينأى بنفسه عنها. يقول الإمام ابن الجوزيّ متألماً من حال من يقطع يومه وليلته في سفاسف الأمور: ((قد رأيت عموم الخلائق يدفعون الزمان دفعاً عجيباً, إن طال الليل فبحديث لا ينفع أو بقراءة كتاب فيه غزل وسمر, وإن طال النهار فبالنوم, وهم في أطراف النهار على دجلة أو في الأسواق, فشبهتهم بالمتحدثين في سفينة وهي تجري وما عندهم خبر, ورأيت النادرين قد فهموا معنى الزمان وتهيأوا للرحيل, فالله الله في مواسم العمر, والبدارَ البدارَ قبل الفوات, ونافسوا الزمان)) (١). ولما فرّ عبد الرحمن الداخل (٢) - صقر قريش - من العباسين وتوجه تلقاء الأندلس أهديت إليه جارية جميلة فنظر إليها وقال: ((إن هذه من القلب والعين بمكان، وإن أنا اشتغلت عنها بهمتي فيما أطلبه ظلمتها, وإن اشتغلت بها عما أطلبه ظلمت

стр. 32

همتي, ولا حاجة لي بها الآن, وردّها على صاحبها)) (١). ويروي الأستاذ عبد الستّار نوير قصة طريفة فيها عبرة فيقول: ((قرأت للأستاذ أحمد أمين طريفة معبرة, قال: حُدثت أن جندياً ظريفاً رأى في مقهى رجلين يلعبان النرد, وكانت الساعة السابعة مساءً, فتقدم إليهما بكل أدب واحترام وحيّاهما ثُمّ سألهما: -? من أي وقت بدأتما اللعب؟ - من الساعة الرابعة. - وإلى متى؟ - إلى الثامنة أو التاسعة. - وما عملكما؟ - مدرسان. فانهال عليهما ضرباً ولكماً وقال: أما لكما عمل تعملانه, أو رياضة تقومان بها, أو خدمة اجتماعية تؤديانها؟)). ذكر الأستاذ القصة ثم قال معلقاً: ((ليت لنا مشرفين من هذا القبيل يعزرون من أضاع وقته على هذا النمط, إذا ما نجا من

стр. 33

الضرب واللكم إلا القليل)) (١). إن الإسلام - وهو الدين الشامل الخاتم - قد أبيح فيه الترويح والتنفيس, ولكن أن يُخطأ في تقدير هذا الترويح فيُجعل هو الأصل, فهذا من الدنايا التي تُنزه عنها الأديان وترتفع عنها همة الإنسان. رابعاً: صاحب الهمّة العالية يُعتمد عليه, وتناط به الأمور الصعبة وتوكل إليه: وهذا أمر مشاهد معروف, فإن كل رؤساء ومدراء الجمعيات والمؤسسات يطمحون للعمل مع صاحب الهمّة العالية ويطمئنون له ويسعدون به, كيف لا وهو عوض عن فريق من العاملين, وكذلك صاحب الهمّة العالية في الدعوة يكون بمثابة فريق من الدعاة, ويرفع الله به الدعوة درجات. وقد قيل: ((ذو الهمّة وإن حط نفسَه تأبى إلا العلوّ, كالشعلة من النار يخفيها صاحبها وتأبى إلا ارتفاعاً)) (٢)

стр. 34

خامساً: صاحب الهمّة العالية يستفيد من حياته أعظم استفادة, وتكون أوقاته مستثمرة بنّاءة: وهذا هو مطمع الصالحين ومراد العالمين ومجال المتنافسين, وقد كان السلف ﵏ يضربون أعظم الأمثلة في هذا المجال, وحسبي في هذا الأمر أن أورد مثالين: أكان الإمام ابن عقيل الحنبليّ (١) يقول: ((إني لا يحل لي أن أضيع ساعة من عمري, حتى إذا تعطل لساني عن مذاكرة ومناظرة, وبصري عن مطالعة, أعملت فكري في حال راحتي وأنا مستطرح)) (٢). ب ووصف الإمام النوويّ (٣) حياته لتلميذه أبي الحسن ابن العطار (٤) فذكر له أنه كان يقرأ كل يوم اثني عشر درساً على مشايخه شرحاً وتصحيحاً: درسين في ((الوسيط)) , ودرساً في ((المهذب)) (٥) , ودرساً في صحيح مسلم, ودرساً في ((اللمع)) (٦) لابن جنّي (٧) , ودرساً في إصلاح المنطق، ودرساً في التصريف، ودرساً في أصول الفقه,

стр. 35

ودرساً في أسماء الرجال, ودرساً في أصول الدين, قال: وكنت أعلق جميع ما يتعلق بها من شرح مشكل ووضوح عبارة, وضبط لغة, وبارك الله تعالى في وقتي)) (١). وقال أبو الحسن العطّار: ((ذكر لي شيخنا رحمه الله تعالى أنه كان لا يُضيع له وقتاً لا في ليل ولا في نهار إلا في اشتغال حتى في الطرق, وأنه دام على هذا ست سنين, ثم أخذ في التصنيف والإفادة والنصيحة وقول الحق. قلت (٢): مع ما هو عليه من المجاهدة بنفسه, والعمل بدقائق الورع, والمراقبة, وتصفية النفس من الشوائب ومحقها من أغراضها)) (٣). وإليك - أخي القارىء - كلاماً مهماً لأحد الغربيين يوضح حال أهل الهمّة مع وقته: قال د. ماردن: ((كل رجل ناجح لديه نوع من الشّباك يلتقط به نحاتات وقراضات الزمان, ونعني بها فَضَلات الأيام والأجزاء الصغيرة من الساعات مما يَكنِسه معظم الناس بين مهملات الحياة, وإن الرجل

стр. 36

الذي يدخر كل الدقائق المفردة, وأنصاف الساعات, والأعياد غير المنتظرة, والفسحات التي بين وقت وآخر, والفترات التي تنقضي في انتظار أشخاص يتأخرون عن مواعيد مضروبة لهم, ويستعمل كلَّ هذه الأوقات, ويستفيد منها ليأتي بنتائج باهرة يدهش لها الذين لم يفطنوا لهذا السر العظيم الشأن)) (١). سادساً: صاحب الهمّة العالية قدوة للناس: صاحب الهمّة قدوة في مجتمعه, ينظر إلى حاله القاعدون وأنصاف الكسالى والفاترون فيقتدون بهمته, ويرون ما كانوا يظنونه أمراً مسطوراً في الكتب القديمة قد انتهى وعُدم من دنيا الناس, يرونه واقعاً متحققاً في حياتهم, فيظل هذا الشخص رمزاً للناس ومحل ضرب أمثالهم. سابعاً: تغيير طريقة حياة الأفراد والشعوب: يقول الشيخ الأستاذ محمد الخضر حسين (٢) شارحاً المراد: ((يسمو هذا الخلق بصاحبه فيتوجه به إلى النهايات من معالي الأمور, فهو الذي ينهض بالضعيف يُضطهد أو يزدرى فإذا هو عزيز كريم, وهو الذي يرفع القوم من سقوط ويبدلهم بالخمول

стр. 37

نباهة وبالاضطهاد حرية, وبالطاعة العمياء شجاعة أدبية. هذا الخلق هو الذي يحمي الجماعة من أن تتملق خصمها ... أما صغير الهمّة فإنه يبصر بخصومه في قوة وسطوة فيذوب أمامهم رهبة, ويطرق إليهم رأسه حِطَّة ثم لا يلبث أن يسير في ريحهم, ويسابق إلى حيث تنحط أهواؤهم)) (١).

стр. 38

وسائل ترقية الهمّة إذا عرفنا معنى الهمّة, ومراتبها, وأهميتها, فكيف السبيل لتنميتها والرقي بها؟ إن تطوير الإنسان لهمته والرقي بها أمر مطلوب, ويتأكد هذا المطلوب عند عقلاء الناس ومفكريهم ودعاتهم ومصلحيهم, وهذه جملة أمور تساعد - في ظني - على تطوير الهمم: ١ - المجاهدة: فبدونها لا يتحقق شيء ولا تُخطى خطى, قال تعالى: (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا) (١) قال ابن القيم رحمه الله تعالى: ((أعرف من أصابه مرض من صداع وحمى وكان الكتاب عند رأسه, فإذا وجد إفاقة قرأ فيه, فإذا غُلب وضعه, فدخل عليه الطبيب يوماً وهو كذلك فقال: إن هذا لا يحل ... لك, فإنك تعين على نفسك, وتكون سبباً لفوات مطلوبك)) (٢).

стр. 39

فهذا رغم مرضه - يجاهد ليقرأ ويزداد علماً. وقال الإمام عيسى بن موسى: ((مكثت ثلاثين سنة أشتهي أن أشارك العامة في أكل هريسة السوق فلا أقدر على ذلك, لأجل البكور إلى سماع الحديث)) (١). وقال الإمام عبد القادر الجيلانيّ رحمه الله تعالى: ((كنت أقتات بخرنوب الشوك, وقمامة البقل, وورق الخس من جانب النهر والشط, وبلغت الضائقة في غلاء نزل بغداد إلى أن بقيت أياماً لم آكل فيها طعاماً, بل كنت أتبع المنبوذات أطعمها)) (٢). وهذا جنديّ من الجنود الغربيين يحدث عن مجاهدته في تعلم بعض الفنون, فيقول: ((تعلمت وأنا جندي بسيط بمرتب ستة بنسات في اليوم ... ولم يكن لدي مال أشتري به مصباحاً أو زيتاً, وكان من النادر في ليالي الشتاء أن أحصل على نور ما عدا نور النار, وذلك أثناء نوبتي في

стр. 40

الخدمة فقط, وكنت أضطر أن أتخلى عن مُشترى قسم من القوت الضروري لي, لأشتري قلم رصاص أو ورقاً ولو بقيت متحملاً آلام الجوع الشديد, ولم يكن لي دقيقة من الوقت أستقلُّ بها لنفسي, فكان علي أن أقرأ وأكتب بين حديث وقهقهة وغناء وجَلَبة عدد لا يقل عن عشرين جندياً ممن لا يفكرون بشيء ... وكان مجموع ما يوفره كل منا بعد نفقاته بنسين في الأسبوع, وأذكر أني احتلت مرة لتوفير نصف بنس بعد نفقاتي الضرورية اليومية, وصممت على أن أشتري به سمكة في الصباح, وكان الجوع قد بلغ مني مبلغه ولكنني لما خلعت ثيابي في الليل وجدت أن نصف البنس قد ضاع, فغطيت رأسي بملاءتي الحقيرة وجعلت أبكي كالطفل)). ثم قال: ((إذا كنت في وسط هذه الأحوال الصعبة أتمكن من تحصيل العلم, فهل يبقى في العالم كله شاب يجد لنفسه عذراً في القعود عن الدرس والتحصيل)) (١). ٢ - الدعاء الصادق والالتجاء إلى الله تعالى: فهو المسؤول سبحانه أن يقوي إرادتنا, ويعلي همتنا, ويرفع درجاتنا.
следующие страницы →