تسْبّيحٌ ومُناجاةُ وثناءٌ
عَلَى مَلِكِ الأَرْضِ وَالسَّمَاءِ
تَأليْف
مُحَمَّد بن حَسَن بْن عَقيل مُوسَى الشَّريْف
دار الأندلس الخضراء
للنشر والتوزيع
стр. 2
جَميْع الحقُوق محْفوظة
الطّبعَة الرابعة
١٤٢٥هـ - ٢٠٠٤ م
دار الأندلس الخضراء
المملكَة العَربيّة السُّعُوديَّة ـ جدَّة
الإدَارة: صَ بْ ٤٢٣٤٠ جدّة ٢١٥٤١
هاَتفْ: ٦٨١٠٥٧٧ ـ فاكسْ ٦٨١٠٥٧٨
المكتبات حَيّ السَّلاَمة ـ شَارع عبْد الْرحمنْ السّديري ـ مركز السَلامة التجاريْ
هاَتفْ ـ فاكسْ ٦٨٢٥٢٠٩
حيّ الثّغر ـ شَارع باخشبْ ـ سوق الجَامعَة التجاريْ
هَاتف: ٦٨١٥٠٢٧ ـ فاكسّ: ٦٨١٠٥٧٨
فرعّ الريَاضْ: حَيّ السّويْدي الغَربيْ ـ بجَوار أسَواقْ اليمامَة
هَاتفْ: ٤٣٣٣٧٣١ ـ فاكسْ ٤٣٣٣٦٥٧
http: //www. al-andalus-kh.com
E-MAIL: info @ al-andalus-kh.com
مقَدّمَة
الحمد لله العظيم الشان، ذي القوة والجبروت والسلطان، والرحمة والستر والغفران، آثاره أنارت العقول والأذهان، وآلاؤه علّقت به القلوب والأبدان، فذلّت لخالقها العظيم، ورغبت بما عنده من الأجر والخير العميم.
إن من شيء إلا يسبح بحمده، وما من مخلوق إلا سجد ـ طوعاً أو كرهاً ـ لعظمته.
هدى من شاء إلى الصراط المستقيم فضلاً ومَنّاّ، وأضلّ من أراد عن النهج القويم عدلاً وعلماً، لا يُسأل عما يفعل والخلق يُسألون، لا إله إلا هو رب كل شيء والخلق مربوبون.
إله واحد أحد، فرد صمد، جلّ في علاه عن الشبيه والمثيل، وتقدست أسماؤه وصفاته وتنزهت عن التشبيه والتعطيل.
﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ الشورى: ١١
وأشهد أن لا إله إلا الله الحليم الكريم، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه، وحبيبه وخليله، فصلِّ
стр. 7
اللهم عليه وعلى آله وصحبه الغُرّ الميامين، ومَن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد:
المرء في هذه الحياة مكلف بالعمل، وبتقصير الأمل، وانتظارِ الأجل على وجل، والحياة الدنيا مليئة بالمغريات الفاتنات، والمحبوباتِ الصارفات، والسفاسفِ الدنيّات، والشيطان متربص بالإنسان، ينتظر منه الغفلة حتى يصرفه إلى العصيان، وقد أقسم بعزة الرحمن الرحيم على أن ذلك منهجه لا يحيد عنه ولا يميل إلى يوم لقاء الملك الدّيان، وشياطين الإنس جاهدون في الإغواء عاملون على كل ما يورث الشقاء، في الدنيا والآخرة على السواء، فمتى يستقيم المرء مع هذا الحال، ومتى يجمع قلبه على مولاه ذي الجلال؟
في وسط هذا الخضم الهائج والبحر المائج يتذكر المرء مولاه فيقبل عليه مستعيناً متوكلاً، مناجياً وداعياً، مسبحاً ومثنياً، يستمسك منه بحبل متين، وصراط مستقيم، يسأله الرشد والثبات، والهدى والتقوى والرشادَ حتى الممات.
وهذه الرسالة وضعتها لأجل هذه المعاني العليّات، ولأبين جوانب مضيئات كريمات، في فزع النبي ﷺ والصحابة الكرام، ومن تبعهم من السلف العظام والخلق الكرام إلى يوم الناس هذا، في فزعهم إلى الله ﵎ بالثناء والتسبيح والتقديس،
стр. 8
والمناجاة الكفيلة بإذهاب ما يجده العبد في نفسه من الوساوس والتلبيس، والتخويف والإحباط والتيئيس، عسى أن نقتدي بالصالحين في هذا المجال، فنفزع إلى ذكر ذي الجلال، والثناء عليه بلساني الحال والمقال، وإلى التسبيح الموصل إلى الثبات والإقامة على جميل الصفات والخِلال.
стр. 9
أهمية هذا البحث
أولاً: إحياء معاني المناجاة والثناء والتسبيح التي ضعفت في نفوس الناس اليوم، وتلاشت ـ أو كادت ـ آثارها في القلوب.
وهذا مشاهد محسوس في طبقات كثير من الدعاة والصالحين والخطباء والمحاضرين، فتجدهم ـ أو جُلهم ـ يكاد كلامهم يخلو من هذه الألفاظ المرققات والمعاني العلّيات، فقست قلوب الناس وجفّت عيونهم، ولا غرابة في هذا ولا عجب؛ حيث إن مَن ذكرتُ هم قادة الناس الإيمانيون، وزعماؤهم الروحيون، وموجهوهم ومرشدوهم، ومعلموهم ومربوهم، فإذا ضعف أولئك ضعف هؤلاء، سبيلٌ ماله ثان، وطريقة معروفة نتائجها، ومشكلة وضحت أسبابها وعللها، فإذا التزم الناس قراءةَ وسماع وفهم مثل هذه التسبيحات والتحميدات يُرجى أن ترقّ قلوبهم وتخشع، وتسعفها عيونهم فتدمع، وجوارحهم فتخضع، وفي هذا كله صلاحٌ ـ إن شاء الله تعالى ـ للمجتمع والأفراد.
ثانياً: جمع نصوص مختارة من الثناء والحمد والمناجاة والتسبيح لتكون بين يدي الخطباء فيزينوا بها خطبهم، وبين يدي المصنفين ليصدروا بها كتبهم، وبين يدي الصالحين يقرأونها في
стр. 10
الخلوات، وبين يدي المربين والمعلمين والموجهين ليعلموها لطلابهم والمقبلين عليهم.
كما أن كثيراً من الناس سيستفيد ـ إن شاء الله تعالى ـ من هذه النصوص الإيمانية في عدد من الأوقات الفاضلة كرمضانَ والحج، وأوقات إجابة الدعاء التي وردت في شرعنا المطهر؛ وذلك لأن كثيراً من الناس لا يعرفون كيف يثنون على ربهم ويمجدونه، ولا كيف يحمدونه ويناجونه، فكانت هذه النصوص المختارة مساعدة لهم في هذا الباب يقرأونها بلا تحرج ولا شك ولا ارتياب في مضمونها ـ إن شاء الله تعالى ـ فقد هذبتها ـ كما سأذكر قريباً إن شاء الله تعالى ـ وخلصتها مما يمكن أن يكدر بعضَها من ابتداع أو غموض في اللفظ أو المعنى أو كليهما معاً.
ثالثاً: التنبيه على أهمية مصاحبة الثناء والتسبيح للدعاء .
إن الدعاء المقرونَ بالمناجاة والثناء والتسبيح خير من الدعاء الذي يخلو منها، وما زال الصالحون يعرفون للثناء فضلَه، وللتسبيح أثرَه، وللمناجاة أهميتَها فلا يُخلون دعاءهم منها، وهكذا كان دأب الأنبياء العظام وأصحابهم الكرام، منذ آدم ﵊ إلى نبينا ﷺ .
فإذا عرف الداعي هذا تقدم بالثناء بين يدي الدعاء، وخلط به المناجاة والتسبيح، حتى لا يلج على مولاه الغفور إلا وقد قدّم شروطَ القبول، وتعلم آدابَ المُثُول.
стр. 11
النهج الذي سلكته
أولاً: في المصادر المستقى منها مادة الكتاب:
أـ ابتدأت الكتاب بذكر آيات كريمات مختارات فيها ثناء على الله تعالى وتسبيح، وآيات القرآن العظيم هي العمدة في هذا الباب ـ وفي كل باب ـ إذ أن أعظم مَن أثنى على الله هو الله ﷻ ، ولا يوصف سبحانه إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به أنبياؤه، فكان لا بد من هذا التقديم، وما أجمله وما أعظمه، وما أبركه وما أشرفه، وما أطهره وما أسماه وما أكرمه.
ب ـ ثم تخيرت من ثناء المصطفى ﷺ على ربه جل علاه، وتسبيحه إياه ومناجاته ما يكون بمثابة الدرة الفاخرة المكملة لذلك العِقد القرآني الفريد، والكلام الرباني المجيد، ولا يعرف أحد من البشر مِن قَدْر الله ﷻ ما يعرفه نبينا محمد ﷺ .
واخترت الصحيح من الأحاديث والحسن، وما ليس فيه واهٍِ أو شديد الضعف أو متروك أو كذاب، وذلك أن الأخذ بالحديث ذي السند الضعيف في فضائل الأعمال مقبول عند كثير من العلماء
стр. 12
الكبار بشروطه المعروفة المسطرة التي راعيتها ـ بقدر الاستطاعة ـ في هذا الكتاب.
ومن لا يرغب في الأخذ بالأحاديث ذات السند الضعيف فليُثن على الله بالثناء الوارد فيها بدون نسبتها إلى النبي ﷺ مستفيداً مما فيها من ألفاظ جليلة ومعان كريمة، هذا وقد كانت نسبة الأحاديث الضعيفة إلى باقي الأحاديث المختارة قليلة، ولله الحمد.
جـ ـ ثم عرّجت على تسبيح الصالحين ومناجاتهم وثنائهم على الله تعالى من الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الناس هذا، نظماً ونثراً، مستوعباً ما أمكنني الاستيعاب، متخيراً ما وسعني الاختيار.
وقد راعيت في إثبات ثناء الصحابة وتسبيحهم ما راعيته في إثبات الأحاديث النبوية، ما وسعني ذلك وقد سبق الكلام عليها في الفقرة السابقة.
ثانياً: التهذيب للمادة المختارة:
أعني بالتهذيب إزالة ما شاع في كلام بعض الصالحين من المتقدمين والمتأخرين ـ خلا الصحابة ﵃ أجمعين ـ من ثناء وتسبيح قد يَغْمض فهمُ لفظه أو معناه أو كليهما، أو كان فيه ما لا يسوغ، أو ما يُظن أنه بدعة أو مخالفة للنهج الصحيح،
стр. 13
في الثناء والتسبيح والمناجاة، فآثرت حذف كل ذلك ,مؤثراً السلامة مما هنالك، وقد وضعت نقاطاً ثلاثة دالة على حصول حذف في النص حتى يكون القارئ على بينة تامة بما صنعته.
وقد أوردت نصوصاً في الثناء والتسبيح لبعض من يُتهمون ببدعة؛ وذلك لأني نظرت إلى الحق من كلامهم فأوردته وتركت الباطل منه واجتنبته أو هذبته.
أما الثناء والتسبيح الذي أجراه بعضهم في صورة مخاطبات غزلية، أو ضلالات اتحادية فقد صرفت النظر عنه ولم أتعرضه له أصلاً.
وقد جريت على ذلك كله حتى يكون الثناء والمناجاة والتسبيح قريباً من نفس القارئ وأدعى لقبوله إياه بلا تردد ولا تحرج، وبلا غوص على المعاني بتكلف؛ إذ من شأن الثناء والتسبيح والمناجاة الوضوح والصفاء، بألفاظ جلية ومعاني علية، والله تعالى أعلم.
وقد حذفت المكرر من الثناء والمناجاة، ودللت على ذلك بنقاط ثلاث.
ثالثاً: الاكتفاء بإيراد الثناء والتسبيح والحمد والمناجاة دون الدعاء:
وقد خَلّصَت الثناء من الدعاء؛ إذ أكثر ما أوردته من الثناء
стр. 14
والتسبيح والتحميد والمناجاة متبوع بدعاء أو مختلط به، وليس إيراد الدعاء مقصود الكتاب؛ إذ هنالك كتب كثيرة تكفلت به، ولو لم أفعل لتضخم حجم الكتاب إلى الحد الذي يخرج به عن المقصود من جَعْل الثناء والتسبيح والمناجاة قريبة لنفس القارئ ميسرة له، ومن أراد الدعاء بعد الثناء والمناجاة فليصنع، وليس عليه من حرج في خلط ما أوردته بما أراد من دعائه أو بأي دعاء مأثور آخر، والله أعلم.
رابعاً: النهج العلمي الأكاديمي:
قد سقت المادة مشفوعة بالنهج العلمي ((الأكاديمي)) من ترجمة للأعلام، وتخريج للأحاديث والآثار، وشرح للغريب أو الذي قد يغمض على بعض القراء دون بعض آخر، ومن بعض الفهارس النافعة الكاشفة.
أما تقسيم المادة في المتن إلى فقرات علمية، ودراستها والتعليق عليها، وربط أجزائها كما يصنع بالنصوص التي تُنقد بلاغياً وتدرس، فقد نأيت عن هذا كله تقريباً؛ إذ ليست المادة مسوقةًَ مساقَ النقد والشرح والدراسة ولكن مساقَ العبرة والاتعاظ والفائدة والتأثر، ولكل مقام مقال.
وقد قمت بتقسيم النصوص المختارة على حسب تواريخ وفيات أصحابها ما وسعني ذلك وما استطعته منذ زمان الصحابة
стр. 15
رضي الله تعالى عنهم أجمعين إلى ما انتهى إليه اختياري وما وفقني إليه الباري جل جلالة.
وأرجو أن يكون ما صنعته مفيداً لقارئه والناظر فيه، وأرجو فيه الأجر والذكر الجميل.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
стр. 16
تمهيد
إن الثناء على الله تعالى وتسبيحه وتمجيده ومناجاته أمر محمود عظيم، وخلط ذلك كله في الدعاء أمر مطلوب جليل، وقد وردت أدلة وآثار توضح هذا وتؤكده، وقد سار على هذا النهج الأنبياء العظام والملائكة الأطهار، والصالحون الأبرار، وسآتي أولاً بالأدلة من الكتاب والسنة على أهمية هذا العمل:
أـ أدلة من القرآن العظيم:
وردت آيات كريمات تحث على الثناء على الله تعالى وحمده وخلط ذلك بالدعاء فمن ذلك:
١ـ قال تعالى: ﴿وَللهَِ الأَسْمَآءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا (١)﴾.
ودعاء العبد ربَّه بأسمائه الحسنى هو ثناء على الله وتمجيده، كما هو معلوم.
стр. 17
قال الإمام القرطبي (١) ﵀:
(قوله تعالى: ﴿فَادْعُوهُ بِهَا﴾، أي اطلبوا منه بأسمائه، فيُطلب بكل اسم ما يليق به، تقول: يا رحمن ارحمني، يا حكيم احكم لي، يا رزاق ارزقني، يا هادي اهدني، يا فتّاح افتح لي، يا تواب تُب علي، وهكذا ...
فإن دعوت باسم عامٍّ قلت: يا مالك الملك ارحمني، يا عزيز احكم لي، يا لطيف ارزقني.
وإن دعوت بالاسم الأعظم فقلت: يا الله فهو متضمن لكل اسم.
ولا تقول: يا رزاق اهدني إلا أن تريد يا رازق ارزقني الخير ... ) (٢).
٢ ـ وقال تعالى: مخبراً عن أهل الجنة:
﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣)﴾.
стр. 18
و ﴿دَعْوَاهُمْ﴾: (أي دعاؤهم في الجنة أن يقولوا: سبحانك اللهم، وقيل بالحمد).
ومعنى ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ﴾: (قيل: إذا أرادوا أن يسألوا شيئاً أخرجوا السؤال بلفظ التسبيح ويختمون بالحمد، وقيل: نداؤهم الخدم ليأتوهم بما شاؤوا ثم سبحوا ... ) (١).
ب ـ أدلة من السنة المطهرة:
ومما ورد في السنة المطهرة في الحث على الثناء والتسبيح وقرنه بالدعاء:
١ ـ عن فَضالة بن عُبيد (٢) ﵁ قال:
سمع رسول الله ﷺ رجلاً يدعو في صلاة لم يمجد الله تعالى ولم يُصلِّ على النبي ﷺ فقال رسول الله ﷺ :
((عَجِلَ هذا)).
ثم دعاه فقال له أو لغيره:
((إذا صلى أحدكم فليبدأ بتمجيد ربَّه سبحانه والثناء عليه، ثم
стр. 19
يصلي على النبي ﷺ ثم يدعو بما شاء)) (١).
وفي رواية: سمع رسول الله ﷺ رجلاً يصلي فمجّد الله وحمده، وصلى على النبي ﷺ فقال رسول الله ﷺ :
((ادع تُجب، وسل تُعْطَ)) (٢).
ونص الحديثين واضح في تفضيل الدعاء المسوق فيه التمجيد والثناء والصلاة على النبي ﷺ على غيره من الأدعية الخالية من ذلك.
٢ ـ عن الأسود بن سَريع (٣) ﵁ قال: أتيت النبي ﷺ فقلت: يا رسول الله، إني حمدت ربي ﵎ بمحامدَ ومِدحَ، وإياك.
فقال رسول الله ﷺ :
((أما إن ربك ﵎ يحب المدح، هات ما امتدحت به ربك ﵎.
стр. 20
قال: فجعلت أنشده ... ) (١).
٣ ـ وعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ :
((لا أحدَ أغيرُ من الله، ولذلك حرّم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا شيء أحب إليه المدح من الله، ولذلك مدح نفسه) (٢).
٤ ـ والنبي ﷺ يشفع للخلائق يوم القيامة عند الله ﵎، ويكون وسيلته في ذلك الثناء والحمد، فعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
(( ... فأستأذن على ربي فيؤذن لي، ويلهمني محامده أحمده بها ـ لا تحضرني الآن ـ، فأحمده بتلك المحامد، وأخرّ له ساجداً ... )).
وفي رواية:
(( ... فأقع ساجداً لربي ، ثم يفتح علي من محامده وحسن الثناء عليه شيئاً لم يفتحه على أحد قبلي، ثم يقول: يا
стр. 21
محمد ارفع رأسك، سل تُعطه، واشفع تُشفع ... ) (١).
وهكذا يظهر أن ثناء النبي ﷺ على ربه الجليل وحمده إياه سيكون باباً لقبول السؤال في الشفاعة العظمى يوم القيامة ـ إن شاء الله ـ وهذه فائدة جليلة عظيمة للثناء والحمد والمدح بين يدي الدعاء.
جـ ـ الثناء على الله تعالى في الدعاء طريقة الأنبياء:
فقد قدم الأنبياء العظام ثناءَ حسناَ على الله تعالى قبل دعائهم، فمما علمناه قول الله تعالى قاصّاً دعاء إبراهيم ﵊:
﴿رَبَّنَآ إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللهِ مِن شَيْءٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاءِ الْحَمْدُ للَِّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَآءِ (٣٩) رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاَةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَآءِ (٤٠) رَبَّنَا اغْفِرْ ليِ وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ (١)﴾.
(١) سورة إبراهيم: آية ٣٨ ـ ٤١.وقال إبراهيم ﵊ أيضاً:
﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (٧٨) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (٧٩) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (٨١) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَن يَّغْفِرَ لِي
ومما ورد في السنة المطهرة الشريفة من أساليب الدعاء الممزوج بالحمد والثناء والتسبيح قوله ﷺ :
((اللهم لك الحمد مِلْءَ السموات وملْءَ الأرض ومِلْءَ ما شئت من شيء بعد، اللهم طهرني بالثلج والبرد والماء البارد، اللهم طهرني من الذنوب والخطايا كما يُنقّى الثوب الأبيض من الوسخ)) (١).
ـ وفي حديث جابر الطويل في صحيح مسلم في حج النبي ﷺ أن رسول الله بدأ بالصفا فرقى عليه، حتى رأى البيت فاستقبل القبلة فوحّد الله وكبّره، وقال:
((لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده)) ثم دعا بين ذلك فقال ثلاث مرات.
ـ وعن عائشة ﵂ قالت: شكا الناس إلى رسول الله ﷺ قُحُوط المطر فأمر بمنبر فوضع له في المصلى، ووعد الناس يوماً يخرجون فيه.
قالت عائشة: فخرج رسول الله ﷺ حين بدا حاجبُ الشمس فقعد على المنبر، فكبر وحمد الله ، ثم قال:
стр. 24
((إنكم شكوتم جدب دياركم واستيخار المطر عن إبّان زمانه عنكم، وقد أمركم الله أن تدعوه، ووعدكم أن يستجيب لكم، ثم قال:
الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، ملك يوم الدين، لا إله إلا الله يفعل ما يريد، اللهم أنت الله لا إله ألا أنت الغني ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيث واجعل ما أنزلت لنا قوة وبلاغاً إلى حين، ثم رفع يديه ... )) (١).
ـ وعن أنس بن مالك أن أم سليم رضي الله تعالى عنهما غدت على النبي ﷺ فقالت: علمني كلمات أقولهن في صلاتي: فقال:
((كبري الله عشراً، وسبحي الله عشراً، واحمديه عشراً، ثم سلي ما شئت يقول: نعم، نعم)) (٢).
ـ وعن سلمة بن الأكوع (٣) ﵁ قال: ما سمعت
стр. 25
النبي ﷺ يستفتح دعاءً إلا استفتحه بسبحان ربي العلي الأعلى الوهّاب)) (١).
ـ وهذا ابن مسعود ﵁ يقدم الثناء على الدعاء فيحمد له ذلك النبي ﷺ ، فعن علي ﵁ قال:
كنت مع النبي ﷺ ومعه أبو بكر ﵁ ومن شاء الله من أصحابه، فمررنا بعبد الله بن مسعود وهو يصلي، فقال النبي ﷺ : ((من هذا؟)) فقيل: عبد الله بن مسعود.
فقال: ((إن عبد الله يقرأ القرآن غَضّاً (٢) كما أنزل)).
فأثنى عبد الله على ربه وحمده فأحسن حمده على ربه، ثم سأله فأجمل المسألة، وسأله إيماناً لا يرتد، ونعيماً لا ينفد، ومرافقة محمد ﷺ في أعلى عليين في جنانك جنان الخلد.
قال: وكان رسول الله ﷺ يقول: ((سل تُعط، سل تُعط)) مرتين، فانطلقت لأبشره، فوجدت أبا بكر قد سبقني، وكان سباقاً بالخير (٣).
стр. 26
د ـ الثناء على الله ﵎ قبل الدعاء طريقة الملائكة الأطهار:
فقد دعوا الله تعالى أن يغفر للمؤمنين، ويقيَهم عذاب الجحيم، وأن يدخلهم جنات عدن هم ومن صلحَ من فروعهم وأصولهم، فلما ابتهلوا إلى الله تعالى وأرادوا الدعاء قدموا عليه الثناء، فقال تعالى قاصاً طريقتهم في ثنائهم وتضرعهم:
﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُواْ وَاتَّبَعُواْ سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٧) رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَّهُمْ وَمَن صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٨) وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَن تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١)﴾.
هـ ـ الثناء على الله ﵎ قبل الدعاء طريقة الصالحين:
فقد ذكر الله نماذج لدعاء الصالحين في كتابه الكريم، فقال الله تعالى:
﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآَيَاتٍ لأُولِي
وـ كلام بعض العلماء في تقرير فائدة الثناء والحمد والتسبيح وخلط الدعاء به:
قال ابن القيم (١) رحمه الله تعالى موضحاً فائدة التسبيح والحمد والثناء في الدعاء:
(الدعاء هو ذكر للمدعو سبحانه متضمن للطلب منه والثناء عليه بأسمائه وأوصافه ... والحمد يتضمن الحب والثناء، والحب أعلى أنواع الطلب للمحبوب، فنفس الحمد والثناء متضمن لأعظم الطلب، وهو طلب المحب، فهو دعاء حقيقة بل أحق أن يسمى دعاء من غيره من أنواع الطلب الذي هو دونه ... ) (٢).
وقال أمية بن أبي الصلت الشاعر الجاهلي (٣):
стр. 29
أأذكر حاجتي أم قد كفاني ... حياؤك إن شيمتك الحياءُ
إذا أثنى عليك المرء يوماً ... كفاه من تعرضه الثناء (١)
فالثناء باب شريف عظيم، وهو أهل أن يُبتدأ به الدعاء ويمزج به، ويختم به أيضاً.
وقال الإمام النووي (٢) رحمه الله تعالى:
(أجمع العلماء على استحباب ابتداء الدعاء بالحمد لله تعالى والثناء، ثم الصلاة على رسول الله ﷺ ، وكذلك يختم الدعاء بهما، والآثار في هذا الباب كثيرة معروفة) (٣).
ولم يزل ديدن الصالحين أن يثنوا على الله تعالى ويحمدوه ويمجدوه قبل الدعاء، وهذا مشهور معروف من سيرتهم، فهذا الإمام موسى الكاظم (٤) رحمه الله تعالى إذا صلى العَتَمة حمد الله
стр. 30
ومجّده ودعاه فلم يزل كذلك حتى يزول الليل ... (١).
وهذا ابن عُيَينة (٢) سُئل عن قول مُطَرِّف (٣):
فإذا بَدْء الأمر من الله، وتمامه بالله، ومِلاكه الدعاء؟
قال: ألم تسمع قوله تعالى:
﴿أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأمْرُ تَبَارَكَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤) ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً (٤)(٥)﴾.
وفي قولَي سفيان ومُطَرِّف حثٌ على الثناء قبل الدعاء، وبما أوردته من آيات وأحاديث وآثار وأقوال تتضح عظمة الثناء على الله تعالى وحمده، ومدحه وتمجيده ومناجاته، وأهمية أن يُقدم شيء من ذلك قبل الدعاء، وأن يخلط بالدعاء أيضاً ويُختم به، فإنه أدعى للقبول، وأقرب للاستجابة، والله أعلم.
هذا وليُعلم أني قد أوردت ثناءً على الله تعالى وتسبيحاً
стр. 31
وتمجيداً وتقديساً على ألسنة كثير من الثقات أئمة الإسلام، وأوردت في الوقت نفسه ثناءً وتسبيحاً عن بعض من اتهم ببدع مختلفة، وليس غرض هذا الكتاب إثبات نسبة هذه البدع إليهم أو نفيها عنهم، إنما المراد هو الاستفادة من جمال ما أوردوه بعد حذف مقاطعَ منه موهمة إن اقتضى الحال ذلك ـ كما سبق أن ذكرت ـ ولنفرض جدلاً بأنهم قد حقت عليهم تلك التهم فليس هناك محذور من تخير بعض أقوالهم النافعة.
قال معاذ بن جبل ﵁:
(اقبلوا الحق من كل من جاء به، وإن كان كافراً ـ أو قال: فاجراً ـ واحذروا زيغة الحكيم.
قالوا: كيف نعلم أن الكافر يقول الحق؟
قال: على الحق نور) (١).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية (٢) رحمه الله تعالى:
(والله أمرنا ألا نقول إلا الحق، وألا نقول عليه إلا بعلم، وأمرنا بالعدل والقسط، فلا يجوز لنا إذا قال يهودي أو نصراني ـ فضلاً عن الرافضي ـ قولاً فيه حق أن نتركه أو نرده كله، بل لا نرد
стр. 32
إلا ما فيه من الباطل دون ما فيه من الحق) (١).
وقال ابن القيم رحمه الله تعالى:
(فإن كل طائفة معها حق وباطل، فالواجب موافقتهم فيما قالوه حق، ورد ما قالوه من الباطل ... ) (٢).
إذاً ليس هناك محذور من نقل ثناء المتهمين ببدعة ونحوهم وتسبيحهم وتقديسهم لما فيه من الفائدة، لكن بشرط أن يخلو من البدعة والضلال أو يهذب ويختصر، والله أعلم.
ثانياً
تمجيد وتسبيح وثناء من أحاديث الرسول ﷺ -
((سبحان الذي تعطف العزّ وقال به (١)، سبحان الذي لبس المجد وتكرم به (٢)، سبحان الذي لا ينبغي التسبيح إلا له، سبحان ذي الفضل والنعم، سبحان ذي المجد والكرم، سبحان ذي الجلال والإكرام)) (٣).
((سُبُّوح قُدّوس، ربُّ الملائكة والروح)) (٤).
стр. 40
((سبحان ربي الأعلى)) (١).
((سبحان ربي العظيم)) (٢).
((سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جَدُّك، ولا إله غيرك)) (٣).
((سبحان ربي العلي الأعلى الوهّاب)) (٤).
((سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، لا إله إلا أنت ... )) (٥).
((سبحان الله عددَ ما خلق في السماء، وسبحان الله عددَ ما خلق في الأرض، وسبحان الله عددَ ما بين ذلك، وسبحان الله عددَ ما هو خالق، والله أكبر مثل ذلك، والحمد لله مثل ذلك، ولا حول ولا قوة إلا بالله مثل ذلك)) (٦).
(٦) أخرجه الإمام الترمذي في سننه: كتاب الدعوات: باب في دعاء النبي ﷺ وتعوذه في دبر كل صلاة، وقال: حديث حسن غريب.