← Джавами‘

Джавами‘ · id 36534

مجلة «الزهور» المصرية

أنطون الجميل

Полный текст (2 201 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

فإذا عرفت أنه قضى ١٥ سنة في هذه المهنة وأنه شنق ٥٧٦ مجرماً تعرف أن المبلغ الذي حصله من شد الحبال حول الأعناق لا ينقص عن ٣. ٦٠٠ جنيه أي بمعدل ٢٠ جنيهاً في الشهر. . . تجارة رابحة والله، ولكني أفضل على ذلك الذهب الوهاج المكتسب من شق المهج بضعة دراهم اكسبها من شق القصبة بعد جهاد النفس. حاصد

стр. 1052

من كل حديقة زهرة * يؤخذ من التقرير الذي وضعه مسيو ديشانيل عن المدارس الفرنسوية في الشرق أن عدد تلاميذ هذه المدارس في السنة المدرسية المنصرمة ١٩١٠ - ١٩١١ قد بلغ ٧٤. ٠٠٠ في تركيا، و٢١. ٥٠٠ في مصر، و٢. ٩١٠ في اليونان، و٣٢٥ في كريد، و٦٦٧ في قبرص، و٢. ٠٠٠ في بلغاريا، و٢٠٠ في رومانيا، و٢. ٨٠٠ في إيران فيكون المجموع فوق ١٠٤٠٤٠٠ تلميذ. وبلغ عدد الذين تلقوا العلوم العالية ٧٥٢، والصناعة والتجارة ١. ٦٩٥ والعلوم الثانوية ٩. ٩٤٣، والعلوم الأولية ٨١. ٤٨٥. * أراد أحد العلماء أن يعرف مقدار الميكروبات التي نتجرعها مع الهواء الذي نستنشقه، فأخذ في آلة خصوصية عشرة ليترات من الهواء في الشارع أثناء زوبعة فوجد فيها ٢٠. ٠٠٠ ميكروب من انواع مختلفة، وعليه ففي كل ليتر من الهواء الذي نستنشقه ٢٠. ٠٠٠ ميكروب. * بدأ مسيو أوبلي مدير سكة حديد بغداد بالأعمال الفني للخط الحديدي في الموصل وحواليها. والمتنظر أن يتم الخط بين الموصل وبغداد وبين الموصل وحلب في مدة سنتين أو أقل. وسئل مسيو أوبلي عن درجة سرعة القطار على الخط المذكور فقال إنه سيقطع ٣٠ كيلومتراً في الساعة. ولما كانت المسافة بين الموصل وبغداد ١٠٠ كيلومتر، فسوف لا يستغرق السفر أكثر من ثلاث ساعات، وكذلك المسافة تقريباً بين الموصل وحلب. وعليه فسيتوسع نطاق التجارة والزراعة في تلك

стр. 1053

الأصقاع وتستثمر المعادن المدفونة في أرضها ويعود إليها شيء من رخائها السالف. * كل قذيفة تقذفها المدافع التي تبلغ فوهتها ١٤ بوصة تقتضي نفقة ٣٠٠ فرنك وتقذف هذه المدافع قذيفتين أو ثلاثاً في الدقيقة وعليه إذا اشتبك أسطولان في معركة مدة خمس ساعات فإنهما ينفقان مبلغ ١٥٠ مليون فرنك ثمن قذائف. * تشتغل معامل إنكلترا البحرية بصنع مدفع عظيم من طراز جديد قياسه ٤٠٦ ميليمترات وهو يقذف القنابل إلى مسافة ٢٦ كيلومتراً وزنة القنبلة ١٠٨٠ كيلو تحتوي ٦٣ كيلو من المواد القابلة الانفجار وفيها قوة كافية لخرق أضخم المدرعات المصفحة. على أن معامل بحرية الولايات المتحدة تشتغل الآن بصنع مدفع من هذا النوع يفوق الأول في ثقل مقذوفاته وقوتها. * كتب مستر ابورت في مجلة الطبيعة الإنكليزية فصلاً عما يمكننا أن نسميه ميزانية الرجال والنساء في العالم، أي عدد الجنسين والنسبة بينهما. وأول ما لاحظه هذا الكاتب يتعلق بالوفيات في الأولاد، فإنها في البنين أكثر منها في البنات قبل تجاوز السنة الخامسة. ثم تنعكس هذه النسبة منذ السنة الخامسة حتى الخامسة عشرة إذ تزيد الوفيات بين البنات. ولكنها تعود فتنقص بعد هذه السن فتصبح بين الذكور أكثر منها بني الإناث. ويتفاوت عدد مواليد البنين والبنات بالنسبة إلى عمر

стр. 1054

الأم بحسب ما يبينه الجدول التالي: سن الأمهاتعدد البنينعدد البناتحتى ١٩٦٥٩١٠٠٠كم ٢٠ إلى ٢٤٨٩٥١٠٠٠من ٢٥ إلى ٢٩١١٠٥١٠٠٠من ٣٠ إلى ٣٤١١١١١٠٠٠بعد ٣٤١١٦٥١٠٠٠والذي ينتج هن هذا البيان أنه كلما تقدمت الأم في السن زاد عدد مواليدها الذكور. ثمرات المطابع مسرات الحياة - أمعن النظر في الرسم الممثل أمامك. فهذا الرأس الأصلع الذي ابيض جانباه، وهذه الجبهة النافرة البارزة فوق ذينك الحاجبين الكثيفين الفضيين اللذين يكادان يغطيان تينك العينين البراقتين، وهذان الشاربان المختلطة أطرافهما بتلك اللحية البيضاء المستديرة حتى تختفي بينهما الابتسامة اللطيفة المرسومة على الشفتين، هذا الرسم الذي يمثل العمل والذكاء والوقار هو رسم لورد أفبري الشيخ الذي يتمشى اليوم في الثمانين من العمر، والعالم الفاضل المعروف بفيلسوف الحياة اليومية وصاحب سلسلة الكتب الذهبية التي نقلت إلى معظم لغات العالم، والتي كادت تخلو اللغة العربية من محاسنها لولا أن أقدم على تعريب بعضها حضرة الكاتب الأديب الفاضل وديع أفندي البستاني، فإنه ترجم

стр. 1055

منها كتابي معنى الحياة والسعادة والسلام ونشر اليوم الكتاب الثالث مسرات الحياة الذي يحتوي على مباحث خير ما يقال فيها إنها نتيجة درس واختبار لورد أفبري للحياة الاجتماعية. ولقد قرأناه فرأيناه مساوياً لأخويه السابقين فائدة ونفعاً ولكنه يفضلهما بالعناية التي اختصه بها المترجم حتى جاء عربياً صحيحاً سليماً على الغالب من كل ما يشين الترجمة. فنحن نشكر لوديع أفندي اعتناءه ونحث على مطالعة هذه

стр. 1056

الكتب التي يعربها من حين إلى آخر فهي خير من أكثر ما يترجمه كتابنا في هذه الأيام. وقد تولى طبع ونشر هذه الكتب حضرة نجيب أفندي متري صاحب مطبعة المعارف ومكتبتها. وهي مأثرة له نضيفها إلى مآثره العديدة في خدمة العلم والأدب بما تنشره مطبعته من المؤلفات النفيسة. كتاب البنين - وهو كتاب كان لظهوره في فرنسا منذ بضع سنين تأثير كبير، فإن واضعه رجل قد خبر الشؤون الاجتماعية وحركة الأفكار العصرية فكان له في أمته التي ترأس مجلس نوابها شأن يذكر بالثناء، وليس اسمه بالمجهول لدى أبناء الشرق، عنينا به مسيو بول دومر الخطيب البليغ والكاتب المفكر. أما كتابه هذا فقد تناول جميع المسائل التي يهم الفتيان الاطلاع عليها والبحث فيه ابعد خروجهم من المدرسة. فكتب وأجاد في الإرادة والواجب والإقدام والعدل والإخاء والحرية والتسامح والمحبة والزواج والديمقراطية والدستور والمساواة والوطنية والتعليم والتعاون والأمة والحرب إلى غير ذلك من الأبحاث التي تشغل خاطر المفكرين. وأراد المؤلف أن يدرس هذه المسائل الخطيرة درساً خاصاً بالناشئة التي أدركت أول مراحل الرجولة، فجاء كتابه من خير ما كتب في هذا الموضوع الجليل ولما كانت أممنا الشرقية في مطلع نهضة فكرية من هذا القبيل كان مثل هذا الكتاب من أحسن ما يقدم لها ويهدى إليها هذا ما رآه حضرة الكاتب الأديب عبد الغني أفندي

стр. 1057

العريسي أحد صاحبي جريدة المفيد البيروتية. فحدت به الهمة إلى ترجمة كتاب البنين ليقدمه إلى إخوانه شبان الأمة العربية وهو معروف بغيرته عليها وسعيه الدائم إلى ترقية شؤونها. فكان في عمله هذا أحسن خدمة لأبناء جلدته نقابلها بالشكر والثناء. والكتاب متوج باسم رجل من أفاضل الأمة العربية وهو عزتلو السري رفيق بك العظم الذي صدّر الكتاب بمقدمة ضافية عن التربية الأخلاقية.

стр. 1058

تقويم البشر لسنة ١٩١٢ - هو أتقن تقويم سنوي يصدر في اللغة العربية يجمع في مئتي صفحة أهم ما يجب معرفته عن تاريخ السنين والأشهر والأيام والأعياد المختلفة وقاعدة القمر والشمس وأسماء الرؤساء والروحيين والمدنيين وجداول العملة وبدلا الدولة العثمانية مع تعليمات كثيرة جغرافية وتاريخية وفلكية وصحية مع ملحق يتضمن فوائد بيتية متعددة ونبذ أدبية وفكاهية متنوعة جمعت بين اللذة والفائدة وقد عني بجمعه وترتيبه هذه السنة أيضاً حضرة العالم الفاضل الأب لويس معلوف مدير جريدة البشير فاستحق كل شكر وثناء. المعارف - سلسلة كتب عظيمة الفائدة جمة النفع يسعى في نشرها أديبان من أدباء بيروت وهما الأفنديان عبد الوهاب ومحمد التنير يقصدان بها نشر العلوم الطبيعية، وما تتناوله من الفروع، بين الناشئة العربية. وقد صدر الكتاب الأول منها وهو يبحث في علم الفلك بأسلوب واضح جلي يقرب هذا العلم من إدراك القارئ، ويساعد على تفهم قواعده ما فيه من الرسوم العديدة. وقد عول منشئا هذا الكتاب على أشهر مؤلفي الغرب في هذا الباب واعتمدا على الكتب العربية القديمة لوضع الاصطلاحات العلمية. ونحن نرى بمزيد السرور إقبال كتابنا على التأليف في هكذا مواضيع مفيدة. جمعية العروة الوثقى - جاءنا التقرير السنوي لهذه الجمعية الخيرية التي اشتهرت مبراتها في وادي النيل وهو يتناول السنة الدراسية ١٩٠٩ -

стр. 1059

١٩١٠ ويؤخذ منه أن عدد مدارس الجمعية ١٧ فيهم ٢٢٦٧ تلميذاً و٦٢٤ تلميذة منهم ما يزيد عن الخمسين من المئة يدرسون مجاناً، وإذا عرفت أن عدد المدارس في عهد الجمعية (سنة ١٨٩٥) لم يكن سوى اثنتين فيهما ١٥٠ تلميذاً وتلميذة عرفت الشأو البعيد الذي أدركته بفضل أعضائها الكرام ومعاونة ذوي البر والإحسان. وفي التقرير بيان ضاف عن سائر أعمال الجمعية وحساباتها مما يدل على الخطة المثلى التي تسلكها. جزى الله القائمين بالأعمال الخيرية أحسن جزاء. الاستقلال الفكري - هو نص خطبة فلسفية عمرانية ألقاها في جمعية الترقي القبطية في أسيوط حضرة وليم أفندي بقطر وقد بحث فيها عن الاستقلال الفكري وتدرجه حتى يومنا معززاً أقواله بالشواهد التاريخية والبراهين العقلية، مفنداً مزاعم من يتورطون في تفهم الحرية على غير معناها الحقيقي، محذراً من الحرية التي لا ينيرها التهذيب. مفكرة المعارف - اشتهرت مطبعة المعارف بالاعتناء الكثير بكل ما يطبع فيها حتى أصبح الإتقان صفة خاصة بها. ولقد اعتاد حضرة صاحبها الفاضل نجيب أفندي متري أن يصدر في مطلع كل سنة يومية صغيرة ترف بمفكرة المعارف، وأصدرها في هذه المرة ممتازة بالاعتناء والإتقان فنلفت الأنظار إليها وإلى النتيجة (روزنامة) الجميلة التي تضاهيها محاسن وتدقيقاً وكلتاهما تطلب من المطبعة المشار إليها وثمن المفكرة ٤ قروش صاغ والنتيجة ١٠ قروش صاغ.

стр. 1060

رواية الشهر ليلة عيد الميلاد كان ذلك في عشية ليلة عيد الميلاد من سنة ١٨١١ وكان نابليون الأول يشتغل في غرفته الخصوصية بقصر التويلري. وكانت القاعة الواسعة تكاد تكون مظلمة لولا أشعة أنوار ضئيلة متكسرة على الذهب الغالي تشع على الرسم الكبير المعلق على الحائط أو منعكسة على رأسي الأسدين الذهبيين الموضوعين على مسند المقعد أو متموجة على الجواهر المتهدلة على أستار النوافذ فكان ضوء الشمع ينعكس على الكتب العريض المكتظ بالرسوم الجغرافية والكتب الضخمة المجلدة بالجدل الأخضر الموسومة بحرف النون وتاج الإمبراطورية. وكان الأطلس الجغرافي مفتوحاً عن خريطة آسيا الكبرى ويد الإمبراطور الناعمة اللطيفة تبحث بسبابتها هناك فيما وراء العجم عن طريق تؤدي إلى الهند. نعم إلى الهند! بطريق البر؟ وماذا عليه إذا كانت بوارجه قد تدمرت وأساطيله تشتت فلم يبق لهذا المحارب العظيم إلا طريق البر الوعرة يسلكها تحت أشجار الغابات القديمة تصحبه نسوره القشاعم المتوهج ذهب أثوابها بين أمواج الحديد والفولاذ، ووهج السيوف ورهج الدروع، فيضرب الدولة الإنكليزية في خزائنها الغنية، وهي مستعمراتها الواسعة، فتدور عليها الدوائر وتطوح بها الطوائح. أجل لقد نال نابليون عظمة قيصر ومجد شارلمان ولم يبق إلا ملك الإسكندر وليس نابليون ممن يجهلون المشرق فقد ترك في مصر آثاراً لا تفنى وقد رأته ضفاف نهر النيل العظيم قائداً صغيراً راكباً هجينه يقود شرذمة من الخيول الشواذب. وستراه ضفاف نهر الكنج إمبراطوراً كبيراً مدثراً بدثاره الرمادي. أفلا يلزم حينئذ لركوبه الفيل الضخم الذي ركبه بوروس لمحاربة الإسكندر ذي القرنين. بلى إن نابليون يعرف كيف تغزى الأمم وتستعبد الشعوب فتمشي بين جنوده

стр. 1061

هناك جنود وجوهها كلون الحديد وعمائمها من نسج الحرير ويرى بين قواد جيشه أمراء الهند تسحب المطارف الفضفاضة المثقلة بالدر الثمين والجواهر الغالية، فيقف أمام الأصنام الهائلة العاقدة زنودها فوق رؤوسها ويسألها عما خبأه له الغيب، فتجيبه عما سأل في الزمن الغابر أبا الهول أيام وقف أمامه في مصر مفكراً متكئاً على سيفه المحدب وأبو الهول لم يجبه ببنت شفة إمبراطور المغرب! سلطان المشرق! إنه لا يريد أن ينحت على رخام قبره غير هذين اللقبين غير أن هناك عقبة كؤوداً وهي روسيا العظيمة ولكنه إذا لم يتوفق إلى مصادقة الإسكندر فإنه يقهره ويكسر شوكته. ثم انبرت يد نابليون البيضاء تنبش الكتب الضخمة والتقاويم العديدة باحثة عن عدد الجيش اللجب الذي يلتف حول قيصر الروس بوجه التقريب. نعم نعم إنه سيدحر ذلك الجبار الغاشم ويجره مع من يجر من أتباعه وحلفائه ووراءهم الفرسان المتوحشة تؤم المشرق لتغزوه. إمبراطور المغرب! سلطان المشرق! ما كان تحقيق هذا المشروع ليصعب على ذكائه ودهائه. وإذا توطدت قدمه في تلك البلاد واستتب الأمر طبق رغباته فلن ينقسم ملكه من بعده فيفرق على كبار القواد، كما انقسم ملك إسكندر المقدوني. لأنه قد ولد لنابليون منذ عشرين آذار ولد هو وارث مجده وسلطانه. فتبسم ثغر الإمبراطور بسمة واضحة حين افتكر بالطفل النائم بجواره في ذلك القصر الهامد. ثم رفع رأسه بغتة بحرة فجائية وأنصت. . . إن الغرفة مقفلة وأستار النوافذ الغليظة مرخية فمن أين جاء هذا الزنين الغريب العميق كأن النحل الذهبي المعلق على الديباج قد دبت فيه الحياة فطار وأخذ بالزمزمة. ثم ازداد الإمبراطور إصغاء فتبين له في ثنايا تلك الضجة انه يسمع قرع أجراس. آه. نعم. عيد الميلاد. . . . صلاة نصف الليل.

стр. 1062

وكانت أجراس كنائس باريس تقرع مبشرة بتذكار ولادة الطفل يسوع. تلك الأجراس التي أعلى مكانها بونابرت ورد لها بقايا جلالها وإكرامها أيام كان قنصلاً يحب السلام عامداً على مصالحة فرنسا مع إخوانها المبغضين. كم مرة قرعت تلك الأجراس احتفالاً بنصراته وغزواته وليس العهد ببعيد وقد كانت جميعها تدق منذ أيام قلائل احتفاء بولادة ابنه ملك روما. في ذلك اليوم التاريخي الذي أرسلت به السماء ولداً للإمبراطور كأنها تعترف بملكه الشرعي وتعده ببقاء ذلك الملك. على أنها في هذا المساء تتهلل كما تهللت يوم أوسترليتز أو فاجرام وتقرع عند منتصف ذلك الليل البارد احتفالاً بتذكار ولادة الطفل الوضيع بابن النجار الذي ولد على مهد القش في مغارة ببيت لحم. وكأن تحت أستار ذلك الليل أصواتاً عجيبة تصرخ في لانهاية ذلك الفضاء الواسع المزدان بالنجوم الفضية: المجد لله في العلا وعلى الأرض السلام. فأصغى الإمبراطور إلى قرع الأجراس ثم استسلم إلى عالم الخيال فقادة فكره إلى زمن طفوليته وتذكر قداس نصف الليل في كنيسة خاله زعيم الكهنة في جزيرة اجاسيو ورجوعه مع عائلته العديدة إلى البيت القديم حيث الفقر المحتمل ببعض الكبرياء وتذكر أمه مترئسة وليمة العيد تفرق عليهم الأثمار المشوية. أما ابنه وهو سليل إمبراطور فرنسا وأرشيدوقة النمسا فلم يعرف ولا يعرف ولن يعرف مثال ذلك الفقر المدقع بل سيكون مالكاً رقاب الأمم وسابحاً ذيل التيه والفخر على المعمورة جمعاء. وكانت الأجراس تقرع دائماً في ذلك الليل المثلج لأجل عيد الميلاد. . . إن الجندي المقطب الجبين العابس الوجه اللابس قبعة من القش على باب قصر التويلري يخال غضبان وهو ماشٍ يوسع الخطى لتدفئة مناكبه الباردة. إنه ليفتكر في مثل ذلك الوقت ببضع كلمات ابتهالية يتمتمها أو بأنشودة صغيرة حفظها قديماً في قريته وهو جالس على ركب أمه يرتلها وتتبسم شفتاه تحت شاربه الكثيف

стр. 1063

عند افتكاره بالطفل يسوع في مغارته. أما الإمبراطور فلم يسمع نداء تلك الأجراس الطاهرة ولم يفتكر إلا بولي عهده وقد خامره وجد مبرح لمشاهدته فاستوى واقفاً وصفق بيديه فانفتح للحال باب منزوٍ وراء حاشية الستر وظهر رستم ذلك المملوك الأمين الذي استصحبه من أرض مصر فأشار إليه إشارة فطن لها رستم فحمل الشمعدان ومشى أمام سيده في دهاليز القصر المقفرة تواً إلى غرفة الملك الصغير حيث دخل الإمبراطور وصرف المرضع والنساء النائمات حول مخدع الطفل ووقف نابليون أمام سرير مولوده العظيم. وكان ملك روما مستغرقاً في نومه الطاهر غارقاً في بياض فراشه الوثير مزنراً بزنار الليجيون دونور وقد أرخى يده الحريرية اللطيفة على حافة الفراش وأطبق جفنيه الناعسين الغائرين في أم رأسه الصغير. فكان زنار الليجيون دونور الشديد الحمرة الذي يعترض وسط الفراش غامراً تلك الطهارة والرقة رقة وطهارة الطفل النائم كأنه رمز عن الدماء التي سيجريها أبوه أملاً بعقد تيجان الممالك كافة على هذا الرأس الضعيف ووضع صوالجة تلك الممالك في هذه اليد النحيفة اللطيفة. فنظر نابليون إلى ابنه نظراً طويلاً وقد أفعم فؤاده كبرياء مما لم يحدث عن كبرياء عظيم قبله وهو يقول في نفسه إن كبار هذه المملكة وعظماءها وقواد جيوشها أولئك الأبطال الذين تفوق شجاعتهم شجاعة أبطال إلياذة هوميروس وكل الحكام والنظار المرصعة صدورهم بالأوسمة والنياشين الجوهرية. كلهم يطأطئون هاماتهم سرير هذا الطفل الصغير مرتجفين تهيباً وخشوعاً. ثم استسلم لأفكاره فخيل إليه أنه يسمع في قرع أجراس العيد وقع سنابك خيله وأقدام رجله وقعقعة اللجم وصليل السيوف ودوي المدافع وإن هذه الضجة ضجة المعمعة تحت العجاج الثائر وشرار النار المتطاير. أو أنها جيوشه زاحفة على روسيا والهند. . . فثمل من خمرة افتكاره وعقد نيته عقداً باتاً على شن الغارة على روسيا والهند مقسماً انه سينصب لابنه عرشاً يشرف على أقاليم البسيطة من أقصاها إلى أدناها.

стр. 1064

كيف لا وقد أهدى إليه وهو طفل رضيع مدينة بطرس الرسول فهو لاشك حين يشب سيهدي إليه كثيراً من المدن المقدسة. أمير مكة! أمير باريس! إنها لألقاب تليق بملك روما آه. لماذا لم تلد نساء فرنسا أكثر مما هن والدات. بل لماذا لا يحتشد تحت أمره المليون والمليونان من الرجال الأبطال ليغزو بهم ممالك المعمورة قاطبة ويهبها لهذا الطفل النائم. وقد صمت أذنه في استسلامه إلى عالم الخيال فلم يسمع قرع الأجراس الطاهرة ولم يفتكر ولو قليلاً بالمالك على السماوات الناظر إلى ممالك الأرض نظره إلى وكور النمل. . . بل لم ير بعين خياله عسكره المجر مشتتاً تشتيتاً على ضفاف نهر البرزينا مدحوراً مقهوراً والثلج له قبور ومدافن. . . بل لم ير ألويته الخفاقة تحطمها القذائف الإنكليزية في واقعة واترلو. . . بل لم ير ذلك الصخر القاحل وسط الأوقيانوس العظيم وهو له بالانتظار. . . بل لم ير في متنزه شنبرون تحت سماء الخريف ابنه شاباً شاحب الوجه هزيل الجسم مرتدياً ثوب ضابط نمساوي يمشي الهوينا كئيباً حزيناً ينفث نفثة المصدور بين أوراق الأشجار الذابلة المتساقطة. . . وبينما كان الإمبراطور مستسلماً لأفكاره الفظيعة ناظراً بعين مخيلته إلى ملك ابنه وذرية ابنه ممتداً من مشارق الأرض إلى مغاربها زاعماً أنه سيصبح هو نابليون من عظماء القرون الخالية أو من أبطال الحكايات الخرافية كأنه المريخ أو ملك من ملوك الشمس تحف به الأجرام الاثنا عشر وتتدفق من وجنته الأنوار والأضواء. . . كانت أجراس عيد الميلاد تدق دقات الفرح والنصر متهللة بتذكار ولادة الكفل الصغير في مغارة بيت لحم الذي ملك على العالم بأسره فعلاً ولكنه لم يملكه بشن الغارات وإهراق الدماء بل بكلمة السلام والمحبة وسيبقى ملكه على الأرواح إلى جيل الأجيال. فرنسوا كوبه تعريف خليل شيبوب

стр. 1065

العدد ٢١ - بتاريخ: ١ - ٢ - ١٩١٢ حلم ويقظة أمس واليوم ريع العالم المالي في هذه الربوع من كثرة التفاليس في المدة الأخيرة، واشتد العسر على الأهالي، وأصبحت الصحف تروعنا كل يوم بسقوط محلات تجارية كنا نتوهمها قائمة على أمتن الأسس، فإذا هي غير قادرة على الثبوت أمام آخر عاصفة هبت من عواصف الأزمة المالية. إذا صح أن يقال إن التاريخ يعيد نفسه فليس من بلادٍ تنطبق عليها هذه الحقيقة المبنية على الاستقراء أكثر من القطر المصري. فإنك إذا تصفحت تاريخ مصر منذ عهد الفراعنة والبطالسة حتى يومنا هذا، تكاد تجده إعادة دائمة ومراجعة مستمرة. الأسماء تتغير، والأشخاص تتبدل، لكنهم دائماً يمثلون الحوادث نفسها، فيلعب كل منهم دوراً واحداً في مظهر واحد. هناك بعض

стр. 1066

تفاصيل خارجية وأحوال عرضية تختلف، لكن الجوهر واحد يكاد لا يمسه تغيير ولا يطرأ عليه تبديل. ترى مصر تارة خصبة غنية، وطوراً قاحطة فقيرة. تجدها آناً أهراء العالم يقصدها الأجنبي من كل صوب وحدب. وتلفيها آونة خالية خاوية تضيق بمن أظلته سماؤها ورواه ماؤها. فهي الماء القراح يتلون بلون الوعاء الذي يكون فيه، إن صافياً فصافٍ، وإن كدراً فكدر. وهو على تينك الحالتين هو، لم يفقد شيئاً من عذوبته ولذته ونفعه، يروي من قصده، ويبرد غليل من ورده. والسبب في تغيير ظاهره إنما ههو راجع إلى أمور عرضية لا تؤثر في الجوهر. وهذه التقلبات الطارئة على مصر من رخاء وشدة، وغنى واحتياج، أكبر دليل وأصدق برهان على جودة هذه الربوع وكرمها، إذن حسن تدبير شؤونها، وصلحت إدارة أحوالها. رقيت مصر في السنين الخالية إلى أوج الغنى: اتسعت ثروتها كل اتساع، وراجت أشغالها أي رواج، حتى جارت في هذا الميدان أغنى بلاد الله قاطبة. وقد استمرت الحالة على هذا المنوال حتى ولدت المضاربات ذلك الإعصار الهائل الذي صير العمار دماراً، والنضار رماداً. * * * جاء في الفصل الحادي والأربعين من سفر التكوين: قال فرعون ليوسف: رأيت كأني واقف على شاطئ نهر، وكأن قد صعد منه سبع بقرات سمان الأبدان حسان الصور فرتعت في المرج. وإذا سبع بقرات

стр. 1067

أخر قد صعدن وراءها عجافاً قباح الهيئات جداً دقاق الأبدان لن أر مثلها في أرض مصر في القبح. فأكلت البقرات العجاف القباح السبع البقرات الأول السمان. . ثم رأيت في حلمي كأن سبع سنابل قد نبتت في ساق واحدة ممتلئة حساناً، وكأن سبع سنابل جافة دقاقاً قد لفحتها الريح الشرقية نبتت وراءها فابتلعت السنابل الدقاق السنابل الحسان. فقال يوسف لفرعون: إن الله مكاشف فرعون بما هو صانعه. سيأتيكم سبع سنين فيها شبع عظيم في جميع أرض مصر، ويأتيكم بعدها سبع سني جوع فينسى جميع الشبع الذي كان في أرض مصر ويتلف الجوع الأرض، ولا يتبين أثر ذلك الشبع في الأرض من قبل الجوع الآتي عقبه لأنه شديد جداً. . . فليجمع كل طعام سني الخير الآتية وليخزن برها تحت يد فرعون طعاماً، فيكون الطعام ذخيرة لسبع سني الجوع فلا ينقرض أهل الأرض بالمجاعة. . . . ألا يخيل إلى القارئ عند تلاوة هذه الصفحة من تاريخ مصر القديم أنه يطالع تاريخها في هذه المدة. رأت مصر سني الشبع العظيم في جميع أرضها، ثم زحفت عليها سنو الجوع فأنستها رخاء وغناها. قام من أنذرها بمجيء العسر بعد اليسر، وإدبار الأيام بعد الإقبال، لكن صوت المرشد لم يقع في آذان مصغية، بل كان بعض القوم من اكبر العاملين على جر سني الجوع، بل هم الذين غلوا البقرات الحسان وكبلوها ووضعوها بين فكي البقرات القباح لتفتك بها. هم جعلوا مخدراً قوياً في الكأس التي رشفتها البلاد فزادوا في سكرتها، ولما أفاقت من سباتها العميق كانت

стр. 1068

يقظتها هائلة مروعة. وكان هذا البعض أول من ذهب ضحية هذا الحلم فعسى أن تكون هذه آخر صاعقة تنقض على البلاد فيعقبها شروق الشمس وتعود مصر إلى الرخاء والصفاء. محادثة شبح عن أصل الحروف الهجائية كنت أكتب منذ زمانٍ طويل في سكون الليل وكان المنور (غطاء القنديل) يرسل على المنضدة ضوء القنديل ويبقي الظلام منتشراً على الكتب الموضوعة على طبقات تعلو الواحدة منها الأخرى في جهات الغرفة الأربع. وكانت النار الموشكة أن تنطفئ تبدو خلال الرماد كأنها شذرات من الياقوت. وكان دخان التبغ المهيج يمتزج بهواء الغرفة ويزيده تكثفاً وأمام لفافة من التبغ في قدح على كومة من الرماد يرتفع دخانها اللطيف الأزرق ارتفاعاً عمودياً. وكان شكل الظلمة في تلك الغرفة سرياً لأن الجالس فيها يشعر شعوراً مبهماً بروح تلك الكتب الملقاة في موضعها وقد سكن قلمي بين أناملي كأن النعاس قد عبث بأعطافه فجعلت أعمل الروية في أمور قديمة العهد وإذا بشخص غريب برز من دخان لفافتي كما يبرز من دخان العشب السحري. وكان شعره متجعداً، وعيناه

стр. 1069

نحلاوين براقتين وأنفه أقنى، وشفتاه غليظيين، ولحيته سوداء متجعدة على الزي الآشوري، ولونه نحاسياً فاتحاً، وقد طبعت على محياه علائم الدهاء والميل مع الهوى ميلاً عنيفاً، ودل شكل جسمه الربعة القامة ولباسه الفاخر على أنه من أولئك الآسيويين الذين كان الإغريقيون يطلقون عليهم اسم بربر. وكان لابساً على رأسه قبعة زرقاء مصنوعة على شكل سمكة ترصعها النجوم، ومرتدياً ثوباً أرجوانياً موشىً بصور الحيوانات وحاملاً بإحدى يديه مجذافاً وبالأخرى أدراجاً. فلم اضطرب عند رؤيته لاعتقادي أن ظهور الأشباح العديدة في المكاتب أمر طبيعي. ألا تظهر أشباح الموتى في العلامات التي تحفظ ذكرها؟ ودعوت الغريب إلى القعود فنبذ دعوتي وقال: أرجو منك أن تدعني وشأني ولا تعتبرني حاضراً في هذا المكان فلقد أتيتك لأنظر ما تكتبه على هذا الورق العاطل لني أسر بذلك واعلم أن الأفكار التي تعبر عنها عليه لا تهمني البتة وإنما يهمني جداً منظر الحروف التي ترقمها عليه فأنا أعرفها وإن يكن قد درج على استعمالها ثمانية وعشرون قرناً وطرأ عليها تغيير ذو بال. وأنا اعرف هذه الباء التي كانت في أيامي تدعى بيت ومعناها بيت أو منزل وهذه اللام التي كنا نسميها لامد لمشابهة شكلها لشكل الجمة. وهذه الجيم مشتقة من الحرف الذي كان يقال له جمل في حروفنا الهجائية ومعناه عنق البعير. وهذه الألف مشتقة من الفنا وهي على شكل رأس الثور. وأما الدال التي أشاهدها أمامي فإنها على مثال دالث المأخوذة عنها تمثل تماماً

стр. 1070

شكل مدخل مثلث الزوايا لخيمة مضروبة في رمال الصحراء إن أنت لم تجعل محيط تلك العلامة الدالة على عيشة البدو القديمة مستديراً برسمك خطاً منحنيا. ً لقد غيرتم الدالث وسائر حروفي الهجائية ولكنني لا أنحي عليكم باللائمة على ذلك لأنكم لم تفعلوه إلا حباً بالإيجاز والإسراع لاعتباركم قيمة الوقت فليس الوقت سوى التبر والعاج وريش النعام. إن الحياة قصيرة ولذلك يقضى على المرء أن يزاول التجارة ويركب مركب الأسفار دون أن يضيع دقيقة واحدة ليتسنى له أن يصيب الثروة ويصل إلى حد الشيخوخة وهو رائع في بحبوحة الهناء ونائل نصيبه من الاحترام. فقال له: يا سيدي يبين لي عند رؤيتي إياك وسماعي كلامك أنك من أولئك الفينيقيين القدماء. فاكتفى بأن يجاوبني قائلاً: أنا قدموس أوشبح قدموس. فقلت له: بناءً عليه إنك لست موجوداً وجوداً حقيقياً فأنت اختلاقي ورمزي وإن تصديق كل ما قاله الإغريقيون عنك يعد من رابع المستحيلات فهم يروون أنك بطشت على عدوة ينبوع آريس بتنين كان يقذف النيران من شدقيه، وأنك قلعت أسنان ذلك الوحش وغرستها في الأرض فتحولت بشراً. إن هذه الرواية من باب الأساطير وأنت يا سيدي شخص مختلق. من المحتمل أن أكون قد صرت كما تقول مع تعاقب الأجيال وأن يكون أولئك الأولاد الكبار الذين تسميهم إغريقيين قد قرنوا بذكري روايات ملفقة. إني أظن ذلك الأمر ولكنني لا أكترث له ولا اهتم بما

стр. 1071

اعتقد بي الناس بعد موتي. فمخاوفي وآمالي لم تكن لتمتد إلى ما وراء هذه الحياة التي يتنعم بها الناس على الأرض والتي افهمها الآن دون سواها، ولا أسمي حياة الطواف كشبح في غبار المكاتب، والظهور بشكلٍ مبهم للمسيو أرنست رينان أو للمسيو فيليب برجه فحالة الشبحية هذه تزيد كآبتي لأني قضيت في الدنيا حياة سداها النشاط ولحمتها تتميم الواجبات ولم أكن ألهو بغرس أسنان الأفاعي في الحقول البيوسيانية اللهم ما لم تكن تلك الأسنان عبارة عن البغض والحسد اللذين غرسهما غناي وقوتي في نفس رعاة سيترون. وقد أنفقت أيامي في الأسفار ومخرت في جميع اللجج وانتجعت جميع الأمصار وأنا راكب متن سفينتي السوداء الموضوع على جؤجؤها مسخ أحمر هائل يحرس كنوزي ويرصد الكبيرات السبع المجولات في الفضاء بزورقهن اللامع ويهديني بتلك النجمة الثابتة التي كان الإغريقيون يسمونها الفينيقية إكراماً لي. وقد انطلقت للإتيان بالذهب من الكلشيد والفولاذ من الشاليب واللآلئ من أوفير والفضة من طارطس وأخذت من البيتيك الحديد والرصاص وسلفور الزئبق والعسل والشمع والزفت واجتزت حدود الدنيا وتوغلت في غمام المحيط حتى انتهيت إلى جزيرة البريطانيين القاتم وعدت منها شيخاً بيض الدهر لمته ومعي مقادير وفيرة من القصدير الذي ابتاعه مني المصريون واليونانيون والإيطاليون بمبالغ من النضار توازي زنته زنتها. وكان البحر المتوسط في ذلك الحين يعتبر بحيرة لي فشيدت على سواحله المهجورة مئات من المحلات التجارية. ولم تكن طيبة تلك المدينة المشهورة سوى

стр. 1072

منيع أخزن فيه ما كان لدي من الذهب وقد لقيت في بلاد اليونان قوماً متسكعين في دياجي الهمجية، مسلحين بقرون الوعل والحجارة المحددة فأعطيتهم النحاس وكان أنهم عرفوا بفضلي جميع الفنون. وكان يظهر في عينيه وفي كلامه قسوة جارحة فأجبته بكلام خالٍ من الحب: إنك كنت تاجراً موصوفاً بالنشاط والذكاء ولكنك لم تكن تحجم عن إتيان المنكر وكنت تتصرف عند سنوح الفرصة تصرف قرصان حقيقي. وحين كنت تنزل إلى البر في ساحل من سواحل اليونان أو في جزيرة من الجزائر كنت تعمد إلى بسط أدوات الزينة والمنسوجات الثمينة على اليابسة، وحين كانت فتيات تلك الأنحاء ينجذبن انجذاباً لا يقوين على دفعه ويأتين وحدهن بغير معرفة والديهن لرؤية تلك السلع كأن بحارتك يخطفون أولئك العذارى اللواتي كن على غير جدوى يطبقن الفضاء بأصوات الاستغاثة ويولون منتحبات ويلقونهن مكتوفات مذعورات في قعر سفائنك وآكلين حراستهن إلى ذلك المسخ الأحمر. ألم تسب أنت وذووك إيو الصبية ابنة إيناخوس الملك لتبيعوها في مصر؟ - من المحتمل أن يكون هذا الأمر قد جرى فإن إيناخوس الملك هذا كان زعيم قبيل صغيرة من البربر وكانت ابنته ببيضاء البشرة ذات لطف ورواء ولا يخفى أن العلاقات بين القوم الهائمين على وجوههم في مجال الهمجية، والقوم المستنيرين بمشكاة التمدن هي هي عينها في كل زمان.

стр. 1073

- حسناً قلت ولكن الفينيقيين ذويك قد ارتكبوا في العالم سرقات لم يسمع بمثلها فإنهم لم يحجموا عن سرق الدياميس ونهب المدافن المصرية ليزينوا جبانات جبيل بما يعثرون عليه فيها. - بعيشك يا سيد قل لي أمثلك يعنف إنساناً أكل الدهر عليه وشرب كان صوفوكل يسميه قدموس العتيق؟ لقد نسيت أني أكبر منك بثمانية وعشرين قرناً قبل أن يمضي علينا أكثر من خمس دقائق ونحن نتحث في غرفتك. فاعلم يا سيدي العزيز أني رجل كنعاني عتيق فلا ينبغي لك أن تشدد علي النكير من جراء بعض صناديق من الموميات وبعض فتيات همجيات مسبيات من مصر أو من بلاد اليونان وقد كان الأشبه بك أن تعجب بقوة ذكائي ومحاسن صناعتي. لقد حدثتك عن سفائني وأستطيع أن أريك قوافلي شاخصة إلى اليمن للإتيان بالبخور والمر وإلى حاران للمجيء بالحجارة الكريمة والبهارات وإلى الحبشة لجلب العاج والأبنوس، ولم تقف همتي عند هذا الحد من المتاجرة والمقايضة بل كنت صاحب معامل معروفاً بالحنكة في زمن كان في أثنائه العالم المحدث بي غارقاً في لجة الهمجية. وكنت بصفة كوني من علماء المعادن والصباغين والزجاجين والصاغة أستعين بما أوتيته من الدهاء على مزاولة فنون النار هذه الغريبة إلى حد يجعل المرء يخالها سحرية. انظر إلى الكؤوس التي نقشتها وتعجب مما للجوهري الكنعاني العتيق من الذوق السلم. ولم تكن خبرتي في المسائل الزراعية مما يستهان بي فإني صيرت تلك الأرض الضيقة المحصورة بين لبنان والبحر جنة خضراء ولا تزال آثار الأحواض

стр. 1074

التي بنيتها فيها قائمة حتى يومنا هذا. وقد قال أحد علمائكم: إن الكنعاني دون سواه يقدر أن يبني معاصر خالدة أعرف قدموس العتيق حق المعرفة وأعلم أني انتقلت بشعوب الحبر المتوسط من العصر الحجري إلى العصر النحاسي وقد علمت الإغريقيين مبادئ جميع الفنون واعطيتهم بدلاً من الحنطة والخمرة وجلود الحيوانات التي جاؤوني بها كؤوساً يتعانق عليها الحمام ودمى من الخزف ومنذ ذلك الحين نشطوا إلى نسخها وترتيبها على ذوقهم. وفي آخر الأمر أعطيتهم حروفاً هجائية لم يقدروا بدونها أن يحددوا ويحصروا أفكارهم التي تخلب لبك. هذا ما فعله قدموس العتيق وهو لم يفعله حباً بالجنس البشري أو رغبة في مجد زائل بل حباً بالكسب والاستفادة الحقيقية الممكن لمسهما باليد. وقد فعله أملاً بحشد الثروة وطمعاً بشرب الخمر في شيخوخته في كؤوس من الذهب على مائدة من الفضة بين غانيات بيض الوجوه يرقصن رقصاً يثير الشهوات من مرابضها ويعزفن على القيثارة عزفاً يرنح المعاطف لأن قدموس العتيق لا يؤمن بالصلاح ولا بالفضيلة وهو يدري أن البشر أشرار وأن الآلهة وهم أقوى من البشر شر منهم. وهو يخافهم ويبذل المجهود لتسكين غضبهم بالقرابين الدموية ولا يحبهم أبداً لن الأنانية متسلطة عليه كل التسلط. وها أنذا أصف لك ذاتي على ما أنا عليه في واقع الحال وأعتقد أني لو لم أجر وراء ملاذ الحواس القوية ما كنت قد سعيت لجمع المال واخترعت الفنون التي لا تزالون تتنعمون بها في هذا العصر. وحيث لم يكن لك يا سيدي العزيز عقل كافٍ تستطيع به أن تصير تاجراً وحيث

стр. 1075

أنك قد اخترت مزاولة الكتابة سالكاً فيها مسلك الإغريقيين وجب عليك أن تحترمني احترامك للآلهة لأن لي الفضل عليك بالحروف الهجائية التي تستعين بها على الكتابة، فأنا مخترعها ولا يخفى عليك أني لم ابتدعها إلا لترويج تجارتي دون أن يبدر إلى وهمي ما سيكون لتلك الحروف من الشأن في العالم الأدبي. وكان يعوزني لوضع تلك العلامات أسلوب بسيط وقريب المتناول وودت من صميم الفؤاد لو كنت أستطيع اقتباسه من جيراني الذين تعودت أن آخذ عنهم كل ما لائمني لأن مسألة الأصول لم تكن عندي أمراً يعتد به. فإن لغتي هي لغة الساميين ونحتي تارة بابلي وتارة مصري ولو كان ثمة خط جميل لكنت اكتفيت مؤونة الاختراع في هذا الموضوع ولكن لم يكن يسد مسد حاجاتي الخط الهيروغليفي المستعمل عند الشعوب التي تسمونها الآن خطية ولا تعرفونها من التعقيد وكانت كتابتها بطيئة جداً وهما من الخطوط التي يفضل نقشها على جدران الهياكل والرموس على رقمها على أدراج التاجر. فالخط المصري وإن يكن مختصراً ومنحنياً قد بقي له من مثاله الأصلي شيء من الثقل والارتباك والتردد لأن الأسلوب بجملته كان فاسداً وبقيت الهيروغليفية المختزلة هيروغليفية أي مبهمة إبهاماً هائلاً. وأنت تدري كيف كان المصريون يخلطون في الهيروغليفية المطولة والهيروغليفية المختصرة وبين العلامات المعبرة عن الأفكار والعلامات المعبرة عن الأصوات وأنا بفضل دهائي اخترت اثنتين وعشرين علامة من تلك العلامات

стр. 1076

الكثيرة العدد وصنعت منها حروفي الهجائية الاثنين والعشرين وهي حروف أي علامات يقابل كل منها صوتاً مفرداً وتنشأ عن مجموعها الداني المنال واسطة لرسم جميع الأصوات رسماً مدققاً. لم يكن عملي هذا معدوداً من باب البراعة والتفنن. - أجل إن عملك كان ولا مراء معدوداً من باب البراعة والتفنن أكثر مما تتوهمه فيقضى علينا والحالة هذه أن نقدم لك هدية كبيرة القيمة لأنه بغير الحروف الهجائية لا يوجد علامات مضبوطة تعبر عن الكلام ول إنشاء ولا تعبير عن أفكار دقيقة ولا تجريد ولا فلسفة سامية المعاني. فالتصور بأن باسكال كتب سفره المعنون باسم بروفنسيال بحروف مسمارية لا يقل استهجاناً عن التصور بأن تمثال زوس الأولمبي نحتته فقمة. فالحروف الهجائية الفينيقية التي اخترعت لأجل مسك الدفاتر في التجارة أصبحت في المعمورة كلها أداة للفكرة تامة لا يستغنى عنها وإن تاريخ ما طرأ عليها من التغيير مرتبط ارتباطاً متيناً بتاريخ العقل البشري وتقدمه وإن اختراعك وإن لم يكن كاملاً يعتبر آية في الجمال وعظيم القيمة فأنت لم تخطر على بالك الحروف الصوتية التي اخترعها الإغريقيون البارعون المتفننون الذين قسم لهم هذا العالم أن يبلغوا بكل شيء إلى درجة الكمال. - إني اقتبست عادة سيئة وهي أن أخلط الحروف الصوتية بالحروف الساكنة. ألم تلاحظ هذا المساء أن قدموس العتيق يتكلم قليلاً من حلقه؟ - إني أصفح له عن هذا الأمر وأغضي الطرف أيضاً عن سبيه إيو

стр. 1077

العذراء لأن إيناخوس والدها كان زعيماً للبربر حاملاً صولجاناً من قرن الوعل نحتته مدية من الصوان وأتغافل عن عليمه البيوسيانيين المساكين الفضلاء الرقص الخلاعي الذي كانت الباكانات يزاولنه وأتجاوز عن كل هفوة ارتكبها لأنه جاد على اليونان والعامل طراً بأثمن تعويذة أعني بها الحروف الهجائية الفينيقية الاثنين والعشرين وقد اشتقت من هذه الحروف الاثنين والعشرين جميع الحروف الهجائية في الدنيا ولا يجري في وهم الناس فكر على سطح البسيطة إلا وتحدده وتحفظه. فمن حروفك الهجائية يا قدموس الفاضل انبثق الخطان الإغريقي والإيطالي اللذان خرجت منهما جميع الخطوط الأوروباوية. ومن حروفك الهجائية أيضاً نشأت جميع الخطوط السامية من الأرمنية والعبرانية إلى السريانية والعربية وإن الحروف الهجائية الفينيقية نفسها أم للحروف الحميرية والحبشية وسائر الحروف الهجائية في آسيا الوسطى كالزند والبهلفي والحروف الهجائية الهندية المشتقة منها اللغة الدفاناغارية وجميع الحروف الهجائية في آسيا الجنوبية. فسقياً له من غنى طائل ورعياً له من نجاح عام فلا يوجد الآن في جميع أصقاع المعمورة خط واحد غير مشتق من الخط القدموسي. وكل من يكتب كلمة واحدة في هذه الدنيا يعترف بفضل التجار الكنعانيين الأقدمين. وهذا الفكر يجعلني أسدي لك أوفر الشكر والاحترام يا حضرة السيد قدموس ولا أدري كيف أقدر هذه النعمة حق قدرها بقضائك ساعة من هذا الليل في غرفتي يا بعل قدموس يا مخترع الحروف الهجائية.

стр. 1078

- يا سيدي العزيز اعتدل في إظهار حماستك واعلم أني مبتهج كل الابتهاج باختراعي هذا الطفيف. فليس في زيارتي لك ما يجعلك تفتخر متباهياً لأني صرت أتبرم تبرماً يحبب إلي الموت منذ الحين الذي أصبحت فيه شبحاً وهمياً ولم أعد أبيع قصديراً ولا تبراً ولا عاجاً واضطررت على هذه الأرض التي يطأ فيها المسيو ستانلي عن بعد مواطئ قدمي إلى التحدث من حين إلى آخر مع بعض العلماء أو الفضوليين الذين يهمهم أمري. والآن يخيل إلي أني سامع صياح الديك فأودعك وأنصح لك بأن تسعى لحشد الثروة لأن الخير الوحيد في هذا العالم ملاكه الغنى والقوة. قال هذا الكلام وتوارى عن نظري وكانت ناري قد خمدت وبدأت أشعر ببرودة الليل وصداع أليم. إلياس الحويك شيء عن الفن لقد عرف الإنسان الفنون قبل أن عرف العلوم، لأن مخيلته اشتغلت قبل تنبه أفكاره. المخيلة ضيف تائه على الأرض وهي أقوى القوى الأدبية حركتها لا تبطل أبداً في الحياة، بل هي كالقلب تشتغل دائماً وعمله مستمر متواصل في النوم وفي اليقظة. فيها تحفظ تذكارات الماضي وآثار ما تنقله إليها الحواس من مناظر وأصوات وأنغام وروائح وتأثيرات، ومن مزيج هذه التذكارات والآثار تتكون أصول الفنون، فيأتي التصور والابتكار عاملاً في توسيعها، وزيادة فروعها وإتقان كمالاتها.

стр. 1079

إذا أنت عدت بأفكارك إلى تاريخ الأعصر الغابرة تجد للفن المكان الأول في عظمتها، ولا ترى للعلوم إلا زاوية حقيرة في أسفار المنشئين وتواريخ المفكرين. أما الكليات الغربية التي تأسست في القرن الحادي عشر فلم تكن تشغل الطلاب إلا بالشعر القديم والأحاديث الحربية وتواريخ الآداب المختصة بأشهر شعوب العالم. فقد كان التلاميذ يدرسون اللغات اللاتينية، واليونانية، والعبرانية، وربما العربية والآشورية أيضاً، أو غيرها من لغات الشرق القديم، بدلاً من الطبيعيات والكيمياء والهندسة. ولم يدرسوا من تآليف الأقدمين إلا أشعارهم وتواريخهم وفلسفتهم، ضاربين صفحاً عما كتبه بعضهم في الرياضيات. على أن العلوم أخذت في الانتشار رويداً رويداً منذ القرن الخامس عشر. فتعددت الاكتشافات، وزادت الأرباح، وتكاثرت المداخيل الآلية فانصرف الفكر البشري إلى العلم التجاري، وأمسى الفن شهيداً تقام له هياكل العبادة في أرواح الأفراد المفكرين من البشر. فالقرن العشرون الذي ندعوه عصر المدنية والنور ليس إلا عصراً ميكانيكياً تجارياً!. . . قال رسكن الناقد الفني الكبير: كل شعب يرتقي عنده الفن إلى ما يقارب درجة الكمال تسقط مملكته وتتلاشى عظمته. لست أدري إذا رأيت في حياتك صورة رسكن، أيها القارئ اللبيب. أما أنا فقد رأيتها! وكثيراً ما أنظر إليها فأحاول نتف شعر لحيته عندما أذكر جملته هذه.

стр. 1080

إني أجهل أي عاطفة دفعته إلى كتابة هذه الخاطرة القاسية، ولست أدري كيف يفسرها لو كان حياً. ترى كيف يمكننا أن نقدر قدر المصريين لو لم تكن لدينا بقايا هياكلهم وتماثيلهم ونقوشهم، ونبوغ اليونان أن لم يكن بآدابهم وفنونهم، وعظمة الرومان إن لم يكن بفلسفتهم وشعرهم؟؟ وإذا قابلت الشعوب الآتية بين هذه البدائع الفنية القديمة وبين آثار أجيالنا الحاضرة، كبرج إيفل مثلاً. . . ألا تظن أنهم سيحكمون بأننا، نحن أبناء الحاضر، سليلة ابن نوح الملعون من أبيه خلقنا كي نكون عبيد أبناء عمينا المباركين، أبنار القرون المنصرمة؟ يقول بول بورجه أحد أعضاء الأكادميا الفرنساوية اثنان يفهمان الجمال الفني: العالم الراقي والفلاح الساذج. وبين هاتين الطبقتين، طبقة البشر العادية وهي كثيرة العدد، ضيقة الفكر، قاصرة المدارك، باردة الروح. ثم يأتي رسكن ذو اللحية المنتفة قائلاً: إن الفضيلتين اللازمتين لمحب الفن هما الحنان والصدق. وكلاهما محق، بل أن كلام الواحد منهما يفسر فكر الآخر. يعني رسكن أن كل مصور، أو شاعر، أو موسيقي، أو نقاش يجب أن يكون سريع التأثر، رقيق العواطف، دقيق الملاحظة، صادق القلب أهلاً لأن يكون ترجمان الروح، وناقل بدائع الأحلام من عالم الأوهام إلى عالم الوجود والإفادة. وهو يشترط في الشاعر والمصور الحنان قبل الصدق لأن الحنان عاطفة طبيعية ثمينة، وأما الصدق فهو

стр. 1081

عادة جميلة يكتسبها الإنسان بالتربية الحسنة، والدرس، ومعاشرة الصالحين، ومناجاة الطبيعة. فلا تجد هاتين الفضيلتين بقوتهما العظيمة إلا في فؤاد العالم المفكر وفي فؤاد الفلاح الساذج، والاثنان أخوان! أجل! لقد احتضنت روح الإنسان الفنون الجميلة منذ فجر المدينة، لكن ذاك الارتعاش الطاهر لم يعد مالكاً على قلوبنا. لقد تلاشت أفكار آبائنا العظيمة وتحولت قوتهم في الأبناء إلى اقتدار على اختراع الآلات المتنوعة، والجهازات الغريبة. وفي هذه وفي تلك من الاختلال بقدر ما في أجسام البشر من الاختلاط والتناقض. وأما الغرض من كل هذه الاختراعات المذهلة فهو ينقسم إلى قسمين: الأول خدمة احتياجات الإنسان الجسدية، والثاني، قتله بسرعة وسهولة. . .! ولكن العلوم الراقية المجردة عن أطماع التجارة والأرباح، كالتي انعكف على إتقانها غليلوس ونيوتن وبسكال فنحن نضعها في صف المعارف الثانوية. . . لأن حب المضاربة والمكسب يصرعنا كما تصرعنا بهرجة الاكتشاف والاختراع. ألا تظن أن ذلك المفكر العظيم نيوتن الذي استنتج من كيفية سقوط التفاحة قاعدة الناموس الأبدي الذي يدير حركة العوالم الهائلة - ألا تظنه ناشئاً من نبت أفضل وأجمل من نبت تكوّن فيه فكر مخترعي الأجراس الكهربائية، والعجلات والفونوغرافات؟ ألا تظن أن هذه الاختراعات الدقيقة، الجميلة في ذاتها، تبرهن على دناءة الفكر العصري، وسقوط النفس البشرية من أوج الجمال إلى هوة التجارة، حيث تتطلب

стр. 1082

معاملة الأسواق غشاً وخداعاً وسرقة وخبثاً وكذباً؟ لست أدري أمخطئة أنا أم محقة؟ لكن هذه الاكتشافات التي تهم الجمهور معرفتها، لا أظنها تؤثر في أرواح الأفراد كما تعمل فيها صور الفكر القديم وظواهره الفنية. إن هؤلاء الأفراد يؤثرون على بلادة الترفه الميكانيكي شرف العمل الروحي. فهم يظلون مدى حياتهم عبيداً لأحلام الجمال اللطيفة، وذوي الأمزجة السريعة التأثر حيث تختلط الحدة بالدعة، والضحك بالغضب، والسكوت بالسرور، والتأملات بالخيالات الجميلة. مي في جنائن الغرب حلابة جميلة هي فتاة الريف البعيدة عن عالم الجمال الاصطناعي، نظرة من عينيها البراقتين تغير وجه الناظر إليها، هي تعرف أن نظرة الجميل خطيب صامت ينطق بمدح الفضيلة إلا أنها لا تبالي به، فضائلها تؤثر السكينة على الضوضاء، كأنها تجهل ما هي عليه من الجمال، وما أودع فيها الرحمن من كمال. بطانة ثوبها - أي جسمها - أجمل كثيراً من ظاهرها. لأنها وإن كانت لا تلبس البز والأرجوان فهي مزدانة بالطهر والعفاف - أنعم به من حلة جميلة حاكتها يد الصانع العظيم لا يد الإنسان اللئيم.

стр. 1083

هي لا تفسد جمالها ولا تبلي ثوب صحتها بالنوم الكثير. لأنها تلقنت عن أمها الطبيعة أن عدم الاعتدال في النوم هو صدأ النفس، والنفس إذا علق بها الصدأ أفناها كما يفني الحديد. فلذا هي تبكر في الصباح بكور الطائر ولا تأوي إلى سريرها إلا إذا حان وقت النوم. اللبن الذي تحلبه بخفة ورشاقة يزداد بياضاً ليضاهي ثوب عفافها، ويزداد نقاوة ليضارع نقاوة قلبها مقر الإخلاص ومسكن الحب وقدس أقداس الجمال. سنابل الحنطة الذهبية تخر ساجدة وتقبل قدميها عندما تقطفها كأنها تسلم نفسها طوعاً واختياراً لليد التي قلعتها من تربة الأرض التي كانت تغذيها. أنفاسها مسك وما أدراك ما المسك. نضبت يداها من ماء الشباب لكثرة العمل المطلوب منها ولكن قلبها قد أذابته نيران الشفقة على الإنسانية المتخبطة في حمأة البؤس، وتقرحت أجفانها من كثرة بكائها على الموت الأدبي المتسلط على بني الإنسان الذين أفسدت عواطفهم المطامع الكاذبة والشهوات الشريرة. قلب فتاة الريف كالزهرة النقية التي فتحت أكمامها وسقط ندى الربيع على أوراقها، فراحت تميل مع النسيم. تزاول أعمالها بهمة دونها الهمم، ومع ذلك تراها آمنة مطمئنة، كأن الطهارة والإخلاص والحب ثلاثة أقاليم جمعت في واحد. قلبها أنقى من الثلج في بياضه ويسمو إلى المجد عن السفاسف. وهنا مصدر تأثيرها. . . نظرة منها كافية لتذيب أفئدة الأسود الضارية وتسكن الوحوش الكاسرة حين غضبها وتوقف

стр. 1084

الأجرام السماوية في حركتها ودورانها. ومتى أقدم الشتاء بلياليه الطويلة وبرده القارص جلست تدير دولاب غزلها ونطق لسانها بكل لحن شجي يزيل عن النفس الحزينة ما ترزح تحته من شقاء وبؤس. كل ما تمتد إليه يدها من العمل تعمله وهي قريرة العين، مسرورة الخاطر. هي لا تعمل لا خيراً لأنها جبلت على حب عمل الخير والمعروف. وهي تعرف أن العمل الشريف هو المهذب الحقيقي لبني الإنسان، وإن الكسل يتلف الإنسان نفساً وجسداً فتعلم يقيناً أن تسعة أعشار رذائل العالم ومصائبه ناجمة عن كل عمل يأتيه الإنسان ويتأفف منه الشرف. في آخر السنة تفيض يداها بما ملكت من كدها واجتهادها على المحتاجين. وفي ملابسها لا تختار إلا ثياب الحشمة والأدب. إذا اعتراها داء كان طبيبها هواء حديقتها البليل ودواءها من جني النحلة الحكيمة. هي لا تخشى نازلة تداهمها إذا خرجت دون رفيق لأنها لا تقصد أذية أحد بل تريد أن ترد الشر خيراً الصاع صاعين. والحق هي ليس منفردة إنما تصحبها حاشية كبيرة من ترانيم مطربة وأناشيد منعشة. هذه هي حياتها. ولا أمنية لها إلا أن تموت في زمن الربيع فتوضع الأزهار والرياحين فوق نعشها. (عن السر توماس أوفبري) ببادى غالى - الخرجوم

стр. 1085

رسائل غرام بين نساء شهريات ورجال عظام الرسالة السادسة من الأميرة إميليا غوستاف إلى الأمير هنري أولدنزال (كان الأمير رودلف غوستاف ملك إحدى المقاطعات الألمانية قد تزوج في أثناء إحدى سياحاته بفرنسا فتاة فرنسوية وضيعة الأصل وكتم زواجه عن الناس ثم هجر زوجته وعاد إلى ألمانيا. وبعد زمن بلغه أن امرأته قد رزقت منه ابنة هي طريدة شريدة في أزقة باريس. فعاد إلى فرنسا وأخذ يبحث عنها إلى أن وجدها بعد عناء كبير ورجع بها إلى ألمانيا. وكان كل من يرها يقف حائراً مبهوتاً لجمالها الساحر فلم يمر على قدومها بضعة أيام حتى كان جمالها الرائع حديث القوم وموضوع تغزل الشعراء. ولم تكن محاسن آدابها تقل عن محاسن جمالها فقد كانت على جانب عظيم من الشمم وعزة النفس. واتفق أنها رأت ابن عمها البرنس هنري أولدنزال فأحبته وأحبها حباً مبرحاً. ولكن تاريخها الماضي كان في نظرها لطخة سوداء فلم تشأ أن تصم بها حياة ابن عمها. ففضلت الترهب حباً به. وهكذا فعلت على رغم إلحاح أهلها وجميع أهل البلاط. وماتت في دير جيرولستين شبعانة من متاعب الحياة وآلام التذكارات. وقد كتبت الرسالة الآتية إلى حبيبها عند أوائل دخولها إلى ذلك الدير). أيها الحبيب أمامي رسالتك الأخيرة، كلما قرأتها شعرت بشوق إليك وحنين إلى مخاطبتك. أراك رازحاً تحت ثقل من اليأس فيزيد بي حزني وأتمنى لو أننا لم ير بعضنا بعضاً قط، إذ لولا الحب ما كنت حزيناً منكسر القلب.

стр. 1086

ولو لم تعرفني ما شغلت بي عن العالم أجمع. فإن كان ذنبي إليك أنني أذكيت في قلبك جذوة الحب فإني مستعدة أن أطفئ تلك الجذوة وأكفر عن ذلك الذنب بأن أضع حداً لنبضات قلبي المثقل بأعباء الهموم وإلا فلماذا أنت حزين يا هنري؟ ولماذا يجعلك حبي شقياً عوضاً عن أن يمتعك بالسعادة والحبور؟ هل يسوءك أنني دخلت الدير وأنت تعلم لأجل من دخلته؟ أليس ذلك أسطع برهان على أن حبي لك صحيح ثابت ليس له بداءة ولا نهاية؟ فإن كنت تحبني كما احبك فلا تكتب إلي بلهجة اليائس، بل كن فرحاً مسروراً لأنني أحب أن أراك كذلك أيها الحبيب وينقبض صدري كلما تمثلتك حزيناً مثقلاً بالهموم. دخلت الدير يا هنري لأنني أجد فيه راحة وسلاماً وأستطيع أن أخلو بنفسي فأناجيك ولو عن بعد، وأضيف إلى عهودي السابقة عهداً جديداً لا تفصم عراه حتى تنطوي صفحة الخلود. فإذا لم يقدر لي أن أراك في هذه الحياة، فإن موعدنا الضفة الأخرى من نهر الأبدية، حيث نحلق كلانا في ذلك الفضاء الرحيب متنقلين بين الكواكب، كما تنتقل الفراشة بين الحقول. لماذا تلومني على دخولي الدير يا هنري؟ أليس الدير أول محطة على الطريق إلى السماء حيث نجتمع كلانا بعد أن نخلع هذا الثوب الهيولي؟ فلماذا يسوءك هذا الأمر وأنت عالم بما ينطوي عليه من راحة وعزاء؟ هي أيام تنقضي يا هنري. فإما أن يشفيك الزمان من غرام الشباب، أو أن يزيدنا الفراق ثباتاً في الحب. وسواء قدر لنا اللقاء في هذه الحياة،

стр. 1087

أو لم يقدر، فإنني مقيمة على عهودي لك لا أميل عنك قيد شعرة ولا أنساك طرفة عين. . . اكفني عذاب الذاكرة يا هنري. إن السرور الذي تجده في تذكرك أيامنا السالفة ينقلب عندي إلى آلام مبرحة، فأخلو بنفسي وعيناني مغرورقتان بالدموع إذ تتمثل لي أيامنا السعيدة ونحن لاهيان عن كل شيء ما سوى الحب. سقياً لمواقف العهد القديم! ليتني أستطيع أن أنساها، لأنني كلما تذكرتها تقوم في نفسي ثورة عواطف تضيع بين الشجن والسرور. فلقد كانت تلك الأيام أشبه بحلم هنيء أعقبته يقظة محزنة. لذلك أحاول أن أتناساها فلا أستطيع، لأن رسمك لا يبرح من فكري وصوتك الرخيم يرن دائماً في أذني. حقاً إنني مدينة لك بأيامي السعيدة يا هنري. ولو كنت الآن واقفاً أمامي، لألقيت نفسي بين ذراعيك وأسمعتك خفوق هذا الفؤاد الذي تنطق كل نبضة من نبضاته بما يكنه لك من الحب الخالد. ربما تحزنك رسالتي هذه يا هنري. ولكن فؤادي مفعم بهموم تضيع معها الابتسامة التي كنت تعهدها في شفتي. كيفما التفت أرى مظاهر الطبيعة تذكرني بك، لأن حبي لك يمثلك حاضراً في كل مكان وزمان. وهذا دليل آخ على أن حبنا الطاهر يزيد كلما طال بنا الفراق، ولا تؤثر فيه الأيام. ولقد كنت أستكثر على البشر روميو وجولييت، وأتصور حبهما من أساطير الأولين إلى أن أحببتك، فعلمت أن في العالم

стр. 1088

روميو آخر وجولييت أخرى، وإن الحب قد يبلغ من النفس إلى درجة يحملها على ارتكاب كل جريمة، وجرائم المحبين حسنات عند الملائكة! إن الراهبات هنا يسمينني الزنبقة، لأن كل فتاة تعطى عند دخولها هذا الدير اسماً جديداً للدلالة على انقطاعها عن العالم وابتدائها بحياة جديدة. فهل يعجبك اسمي الجديد يا هنري؟ وهل أنت واثق أنه سواء تغير اسمي، أو بقي كما هو، فإن حبي لك ثابت لا يتغير. في هذا الدير زنابق كثيرة مثلي داميات القلوب. لعلهن يجدن في الانقطاع عن العالم بلسماً يشفي جروحهن التي لا تقبل الاندمال. أما أنا فلم أجد بعد هذا البلسم. والصلاة والحيدة التي أركع كل يوم لأرفعها إلى الله هي أن تعيش سعيداً في هذه الحياة. لو خيرت أن اجلس على العرش طول العمر أو أكون زوجتك يوماً واحداً ثم أموت لنبذت العرش ولم أحفل به، لن سعادة يوم واحد معك أفضل عندي من أبهة الملك. ولو كان في كرهك إياي سعادة لك لكنت أنا أيضاً أتمتع بذلك الكره لأن سروري لا يتم إلا بسرورك أيها الحبيب. إلى الملتقى يا هنري. بودي لو ينفسح لي أن أطيل حديثي معك ولكن. . . إميليا بقلم سليم عبد الأحد

стр. 1089

الشعر (٢) الوجه اللفظي والوجه المعنوي إن حقيقة الشعر لا تتوقف على الوجه اللفظي الذي مراده الوزن، فإن للوجه المعنوي فعلاً كبيراً في ماهية الشعر لا بل هو الروح، وقد قال أرسو وهو أول من كتب في فلسفة الشعر: إن حقيقة الأشياء هي التي تميز القول العشري عن ماهية غيره وتجعل الشاعر شاعراً وليس هيئة الشعر. وأنت إذا قرأت تليماك أو تصفحت الشهداء يخيل إليك تارة أنك تسرح في رياض زاهية زاهرة، وتمرح في مروج باهية باهرة، وطوراً تنظر قصوراً شاهقة، وتشعر كأنك على ظهر سفن تنساب بك في الدأماء، وأحياناً تحلق فوق ذيل الهواء، وتشاهد السحب الزهراء مبعثرة في بساط الزرقاء، وغير ذلك بحيث تثور في باطنك لواعج الأشجان في مآزق الكروب وأمام أوصاف الحزن. أو تجيش بك

стр. 1090

بواعث الإعجاب والاستحسان تجاه مناظر الكون، بيد أنك في كل ذلك تكون منيطاً طرقك بصفحات الكتاب. وكأني بك تقول وإذا كان ذلك كذلك فما بقي وراء الشعور وماذا يفيد إذن الوجه المعنوي في الشعر؟ قلت إن أرباب هذه الصناعة أجمعوا على أن هذه المحاكاة المخيلة لا تعد شعراً بأي وجه من الوجه وليس في هذا القول اثنان. فللقريض في الأقاويل الشعرية مزية كبرى. فهو أحق بأن تفرغ فيه المعاني الشعرية السامية والعواطف الرقيقة. وإذا تتبعت ذلك استقراء تدركه من تلقاء نفسك، فإنك إذا أطلقت للقلم العنان في مجال وصف، وأرسلت فيه الكلام إرسالاً يأتي عليك وقت تتقد فيه العواطف اتقاداً وتمتلئ النفس حماساً، وتشعر بضيق نطاق العبارة المرسلة فتهجم عفواً على العبارة المتوازنة المسجعة وهي ضرب من الشعر. ثم أن القريض من شانه أن يحرك أوتار النفس ويبث فيها ثورة وانفعالاً بمعنى أنه يولد فيها العواطف وينمي فيها روح الجمام والنشاط ويرغبها ويطربها ولقد صدق من قال: إن الشعر أشبه بزمام مجمل يمتلك من النفس ويديرها كيفما شاء. ومما لا ريب فيه أن للقريض نصيباً وافراً في اللذة التي تخالج أفئدتنا والسهولة التي تخدر أعصابنا عند تلاوة الشعر أو سماعه. فلولاه لتعذر على أي كان أن يأتي على آخر قصيدة مؤلفة من مئة أو من مئتي بيت فأكثر نظراً لذبول زهرة العواطف وإخماد انفعالات النفس الحماسية التي يستحيل أن تظل مضطرمة. كذلك إن المعاني إذا طالت متتابعة لابد
следующие страницы →