← Джавами‘

Джавами‘ · id 36534

مجلة «الزهور» المصرية

أنطون الجميل

Полный текст (2 201 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

ولو لم تعرفني ما شغلت بي عن العالم أجمع. فإن كان ذنبي إليك أنني أذكيت في قلبك جذوة الحب فإني مستعدة أن أطفئ تلك الجذوة وأكفر عن ذلك الذنب بأن أضع حداً لنبضات قلبي المثقل بأعباء الهموم وإلا فلماذا أنت حزين يا هنري؟ ولماذا يجعلك حبي شقياً عوضاً عن أن يمتعك بالسعادة والحبور؟ هل يسوءك أنني دخلت الدير وأنت تعلم لأجل من دخلته؟ أليس ذلك أسطع برهان على أن حبي لك صحيح ثابت ليس له بداءة ولا نهاية؟ فإن كنت تحبني كما احبك فلا تكتب إلي بلهجة اليائس، بل كن فرحاً مسروراً لأنني أحب أن أراك كذلك أيها الحبيب وينقبض صدري كلما تمثلتك حزيناً مثقلاً بالهموم. دخلت الدير يا هنري لأنني أجد فيه راحة وسلاماً وأستطيع أن أخلو بنفسي فأناجيك ولو عن بعد، وأضيف إلى عهودي السابقة عهداً جديداً لا تفصم عراه حتى تنطوي صفحة الخلود. فإذا لم يقدر لي أن أراك في هذه الحياة، فإن موعدنا الضفة الأخرى من نهر الأبدية، حيث نحلق كلانا في ذلك الفضاء الرحيب متنقلين بين الكواكب، كما تنتقل الفراشة بين الحقول. لماذا تلومني على دخولي الدير يا هنري؟ أليس الدير أول محطة على الطريق إلى السماء حيث نجتمع كلانا بعد أن نخلع هذا الثوب الهيولي؟ فلماذا يسوءك هذا الأمر وأنت عالم بما ينطوي عليه من راحة وعزاء؟ هي أيام تنقضي يا هنري. فإما أن يشفيك الزمان من غرام الشباب، أو أن يزيدنا الفراق ثباتاً في الحب. وسواء قدر لنا اللقاء في هذه الحياة،

стр. 1087

أو لم يقدر، فإنني مقيمة على عهودي لك لا أميل عنك قيد شعرة ولا أنساك طرفة عين. . . اكفني عذاب الذاكرة يا هنري. إن السرور الذي تجده في تذكرك أيامنا السالفة ينقلب عندي إلى آلام مبرحة، فأخلو بنفسي وعيناني مغرورقتان بالدموع إذ تتمثل لي أيامنا السعيدة ونحن لاهيان عن كل شيء ما سوى الحب. سقياً لمواقف العهد القديم! ليتني أستطيع أن أنساها، لأنني كلما تذكرتها تقوم في نفسي ثورة عواطف تضيع بين الشجن والسرور. فلقد كانت تلك الأيام أشبه بحلم هنيء أعقبته يقظة محزنة. لذلك أحاول أن أتناساها فلا أستطيع، لأن رسمك لا يبرح من فكري وصوتك الرخيم يرن دائماً في أذني. حقاً إنني مدينة لك بأيامي السعيدة يا هنري. ولو كنت الآن واقفاً أمامي، لألقيت نفسي بين ذراعيك وأسمعتك خفوق هذا الفؤاد الذي تنطق كل نبضة من نبضاته بما يكنه لك من الحب الخالد. ربما تحزنك رسالتي هذه يا هنري. ولكن فؤادي مفعم بهموم تضيع معها الابتسامة التي كنت تعهدها في شفتي. كيفما التفت أرى مظاهر الطبيعة تذكرني بك، لأن حبي لك يمثلك حاضراً في كل مكان وزمان. وهذا دليل آخ على أن حبنا الطاهر يزيد كلما طال بنا الفراق، ولا تؤثر فيه الأيام. ولقد كنت أستكثر على البشر روميو وجولييت، وأتصور حبهما من أساطير الأولين إلى أن أحببتك، فعلمت أن في العالم

стр. 1088

روميو آخر وجولييت أخرى، وإن الحب قد يبلغ من النفس إلى درجة يحملها على ارتكاب كل جريمة، وجرائم المحبين حسنات عند الملائكة! إن الراهبات هنا يسمينني الزنبقة، لأن كل فتاة تعطى عند دخولها هذا الدير اسماً جديداً للدلالة على انقطاعها عن العالم وابتدائها بحياة جديدة. فهل يعجبك اسمي الجديد يا هنري؟ وهل أنت واثق أنه سواء تغير اسمي، أو بقي كما هو، فإن حبي لك ثابت لا يتغير. في هذا الدير زنابق كثيرة مثلي داميات القلوب. لعلهن يجدن في الانقطاع عن العالم بلسماً يشفي جروحهن التي لا تقبل الاندمال. أما أنا فلم أجد بعد هذا البلسم. والصلاة والحيدة التي أركع كل يوم لأرفعها إلى الله هي أن تعيش سعيداً في هذه الحياة. لو خيرت أن اجلس على العرش طول العمر أو أكون زوجتك يوماً واحداً ثم أموت لنبذت العرش ولم أحفل به، لن سعادة يوم واحد معك أفضل عندي من أبهة الملك. ولو كان في كرهك إياي سعادة لك لكنت أنا أيضاً أتمتع بذلك الكره لأن سروري لا يتم إلا بسرورك أيها الحبيب. إلى الملتقى يا هنري. بودي لو ينفسح لي أن أطيل حديثي معك ولكن. . . إميليا بقلم سليم عبد الأحد

стр. 1089

الشعر (٢) الوجه اللفظي والوجه المعنوي إن حقيقة الشعر لا تتوقف على الوجه اللفظي الذي مراده الوزن، فإن للوجه المعنوي فعلاً كبيراً في ماهية الشعر لا بل هو الروح، وقد قال أرسو وهو أول من كتب في فلسفة الشعر: إن حقيقة الأشياء هي التي تميز القول العشري عن ماهية غيره وتجعل الشاعر شاعراً وليس هيئة الشعر. وأنت إذا قرأت تليماك أو تصفحت الشهداء يخيل إليك تارة أنك تسرح في رياض زاهية زاهرة، وتمرح في مروج باهية باهرة، وطوراً تنظر قصوراً شاهقة، وتشعر كأنك على ظهر سفن تنساب بك في الدأماء، وأحياناً تحلق فوق ذيل الهواء، وتشاهد السحب الزهراء مبعثرة في بساط الزرقاء، وغير ذلك بحيث تثور في باطنك لواعج الأشجان في مآزق الكروب وأمام أوصاف الحزن. أو تجيش بك

стр. 1090

بواعث الإعجاب والاستحسان تجاه مناظر الكون، بيد أنك في كل ذلك تكون منيطاً طرقك بصفحات الكتاب. وكأني بك تقول وإذا كان ذلك كذلك فما بقي وراء الشعور وماذا يفيد إذن الوجه المعنوي في الشعر؟ قلت إن أرباب هذه الصناعة أجمعوا على أن هذه المحاكاة المخيلة لا تعد شعراً بأي وجه من الوجه وليس في هذا القول اثنان. فللقريض في الأقاويل الشعرية مزية كبرى. فهو أحق بأن تفرغ فيه المعاني الشعرية السامية والعواطف الرقيقة. وإذا تتبعت ذلك استقراء تدركه من تلقاء نفسك، فإنك إذا أطلقت للقلم العنان في مجال وصف، وأرسلت فيه الكلام إرسالاً يأتي عليك وقت تتقد فيه العواطف اتقاداً وتمتلئ النفس حماساً، وتشعر بضيق نطاق العبارة المرسلة فتهجم عفواً على العبارة المتوازنة المسجعة وهي ضرب من الشعر. ثم أن القريض من شانه أن يحرك أوتار النفس ويبث فيها ثورة وانفعالاً بمعنى أنه يولد فيها العواطف وينمي فيها روح الجمام والنشاط ويرغبها ويطربها ولقد صدق من قال: إن الشعر أشبه بزمام مجمل يمتلك من النفس ويديرها كيفما شاء. ومما لا ريب فيه أن للقريض نصيباً وافراً في اللذة التي تخالج أفئدتنا والسهولة التي تخدر أعصابنا عند تلاوة الشعر أو سماعه. فلولاه لتعذر على أي كان أن يأتي على آخر قصيدة مؤلفة من مئة أو من مئتي بيت فأكثر نظراً لذبول زهرة العواطف وإخماد انفعالات النفس الحماسية التي يستحيل أن تظل مضطرمة. كذلك إن المعاني إذا طالت متتابعة لابد

стр. 1091

أن تهي وتتخللها ركاكة ولكن القريض يوجد اللذة مستمرة رغماً عن طول القصيدة وما ينتج من الملل والسأم. غير ذلك فالقريض كسمير للشاعر أو هو كعروس الشعر. يرزقه إلهاماً ويفتح عليه مغلق الكلام ويفجر له عيون المعاني. ولقد يقر بذلك كل من اعتاد ركوب بحر الشعر. وعلى ما يحكى أن المتنبي كان دأبه إذا عمد إلى الصناعة أن يتغنى ويصنع، حتى إذا ما توقف رجع إلى الإنشاد من أول القصيدة إلى حيثما توقف، وبذلك يأتي عليها بكرة. وعلى هذا المذهب حذاق الشعراء لما فيه من قرب المدرك. هذا هو فعل الوزن في الأقاويل الشعرية. ثم أن هناك فرقاً آخر يبعد القولين - الشعر والنثر - بعد الخافقين. فإن للشعر خواصاً وأساليب انفرد بها ولا تصلح أن تكون لغيره، وهي كثيرة يضيق نطاق هذا العجالة عن حصرها. فمن ذلك أن الشاعر كثيراً ما يكتفي بالحذف والزيادة ويشير إلى معانٍ بطريق التلميح والإيجاز. يذكرني طلوع الشمس صخراً ... وأذكره لكل غروب شمس فهاتان الصورتان=طلوع الشمس وغروبها - تؤديان حسناً المعنى الذي أشارت إليه الخنساء. فطلوع الشمس كناية عن جمال أخيها ويحتمل أن الغروب يذكرها انزواءه. وقيل أن المشهد الأول كناية عن الغارة والغروب عن الضيفان. وهذا وماثله يدخل في صناعة الشعر. ثم أن الشاعر يكثر من تقديم

стр. 1092

القيود على المقيدات والصفات على الموصوفات وإعادة الضمير إلى ما يريد تجاهله أو التعريض به. ويسهل على الشاعر أيضاً أن يفصهم عرى الروابط اللغوية والوصل والمتعلقات بقدر ما تسوغ له الجوازات الشعرية وليس في النثر شيء من ذلك فإنه إذا نحي فيه منحى الشعر ساق ذلك إلى الالتباس والاستغراق. ومعلوم أن المعنى في الشعر أقرب إلى الفهم مما في النثر. خذ مثلاً مرثية المتنبي في أم سيف الدولة واقرأ الصدر من كل بيت فتدرك عفواً المعنى الذي تضمنه العجز. ناهيك أن الشعر كلف بالتشابيه الرائعة والمجازات البديعة والكنايات المستملحة والمبالغات الظرية، فإذا نما فيها وأنمى أطرب الألباب وبلغ مبلغاً عظيماً من الألذاذ والإعجاب بخلاف النثر فإنه إذا تعددت فيه الصور المخيلة والتشبيهات والمجازات ظهرت به الكلفة واستولى على القارئ سأم أو مجه الذوق كارهاً. ولئلا يقال إننا نرسل الكلام اعتباطاً، دونك قطعة من مقالتي الغربة والغربية للإمام شهاب الدين الخفاجي: لما هزتني أريحية الشباب، إلى اقتعاد سنام الأرض على غارب الاغتراب، وقد أجدبت الأرض من كل ماجد، يجتني جنى المجد ويجني له ثمار المحامد، وتعطلت من كريم تلتف عليه المحافل، وتسير في ظلال أعلامه الجحافل. . . اقسمت ببيت سالت ببطحائه أعناق المطايا، وثمل ركبانه بكأس السرى في الغدايا والعشايا. آه. . في ذلك كفاية ليشعر ذو الذوق السليم ببدء سآمة، مع أن لهذا

стр. 1093

الكلام منزلة علياء من البلاغة، فالمعاني سامية، والإنشاء من النمط العالي، والتخييل في منتهى الكمال وإنما ليس هذا اللباس كساءه فكان أولى بأمثال هذه الأقوال أن تفرغ في مهيع القريض وتنسج على منواله. حلمي المصري في رياض الشعر إلى سابا باش كتب سعادة إسماعيل صبري باشا وكيل نظارة الحقانية السابق إلى سعادة السر يوسف سابا باشا ناظ المالية يعزيه على فقد نجله فريد وقد قصف الموت غصنه الرطب في خلال الشهر الفائت: سابا اتق الله وخل الأسى ... لجاهلٍ يعذر في جهله لا تكترث بالزرء وانهض به ... فالرأي كل الرأي في حمله مثلك من يلجأ إن راعه ... يوم بمكروه إلى عقله قضى فريد وهو غض الصبى ... وخلف الحسرة في أهله وقابلته في الجنان العلى ... ملائك لله في شكله واهاً له من غصن ما نما ... حتى ذوى واجتث من أصله سابا أبك لكن كالحكيم الذي ... يخاف أن يطعن في نبله واصبر فكم من جزع آكل ... من صحة المرء ومن فضله فالليث لا تنسيه أحزانه ... مقامه أن ضيم في شبله - إسماعيل صبري

стр. 1094

قطرة دم لقي خليل أفندي مطران منذ أيام سيدة في إصبعها خاتم فصه من الياقوت فقال لصاحب كان معه: حذار لقلبك من لحظها ... فما فيه من رحمة للمحب ألم تر في يدها خاتماً ... به قطرة الدم في شكل قلب؟ خليل مطران عطفاً على الفقراء ابني القصور بني الأطالس والغنى ... عطفاً على فقراء هذي الدار هم في الكهوف على الحضيض وأنتم ... بين الرياض وباذخ الأسوار هم للأنين على الشقاء وأنتم ... لرنين حلي أو رنين سوار هم يشربون من الدموع وأنتم ... بين الكؤوس ورنة الأوتار هم ينزعون إلى الرغيف وأنتم ... تتناولون الخبز بالقنطار هم بين أشواك الحياة وانتم ... فوق الصدور منابت الأزهار أنتم بأثواب الحرير وهم كما ... ولدوا وإن سعدوا ففي أطمار هم في الجحيم وأنتم في جنة ... أنتم على بردى وهم في النار فتفقدوا يا قوم إخواناً لكم ... هؤلاء أيضاً من صنيع الباري شبلي ملاط أنا والبدر أنا كالبدر عاشق وكلانا ... ساهر الجفن خاشع الطرف صابر نقتل الليل صامتين لئلا ... يعلم الليل ما تجن الضمائر

стр. 1095

ونذيب الأنفاس في الصدر كيلا ... تكشف السر نار تلك المجامر يا سميري في وحدتي لا تدعني ... في سكون الظلام وحدي حائر وحشة الليل والفؤاد فهل لي ... يا شريك الأسى سواك مسامر تتجلى يا بدر فيك معان ... من حبيبي إذ كان مثلك زاهر قد تشابهتما جمالاً ولطفاً ... وكمالاً في الخلق للب ساحر وتخالفتما مقاماً ووقعاً ... أنت في العين وهو في القلب حاضر وليم غرزوزي النحو في الشعر سألتني عن التنازع يوماً ... غادة بالجمال تسبي وتصبي قلت إن كان للتنازع معنى ... فهو ما بين ناظريك وقلبي أمين ناصر الدين خلقت جميلاً خلقت جميلاً ولم تعطف ... وفيك الحنان ولم ترأف وتقتلني سهام اللحاظ ... وتوهم أنك لم تعرف فإن كان طبعك هذا الدلال ... فالله للمغرم المدنف وإن كان ذنبي لديك الهوى ... فعذري في حسنك اليوسفي قوامك يوصف بالاعتدال ... فما بال قلبك لم ينصف ولي من عيوني عيون تسيل ... ولكن ناري لا تنطفي فلا تحسب الدمع لي عادة ... فدمعي لغيرك لم يذرف إبراهيم العرب

стр. 1096

عهد الطفولة طوت عهود الصبى يد القصر ... وشوبت صفوهن بالكدر طفولتي أين أنت من زمن ... وأين ليل الغرام من سمر طفولتي ردك الزمان وكم ... أعطى ورد الزمان من أثر طفولتي هل إذا ذكرتك بالدم ... ع تفيد الدموع في الذكر يرحم الله منك ماضية ... من الليالي مضت مع السير زمان كانت (فلانة) معنا ... درة تجتلى من الدرر زمان كان الهوى لعهدك بي ... رضيع ثدي الآصال والبكر نامياً مثلنا ومفتقداً ... منتظر الظل مرتجى الثمر وارداً صادراً هناك ولم ... نعلم بذاك الورود والصدر ونحن قلبان خافقان على الأر ... ض خفوق الحيا على الشجر وحولنا صبية مجمعة ... كأنهم باقة من الزهر * * * أين نداء البنات (يا ولد) ... يمزجن جد المقال بالهذر وهن مثل القطا إذا انتثرت ... يلقطن حب القلوب في السحر تمشي التي لا اسمها بمنكشف ... عندي ولا حبها بمستتر مشي غزال النقا إذا طرحت ... عليه إحدى حبائل النظر خضباء من دمعها على زمن ... كنا به درتين في نر تكاد في العين من ملاحتها ... تنزل في العين منزل الحور وأنزل الله في امرئ عزلا ... أنزل فيها جوامع السور فقل لمن ينكرون قدرته ... لتلك إحدى عجائب القدر

стр. 1097

وقل لمن يعبدونها سفهاً ... لهذه صورة من الصور وقل لمن يدّعى الغرام بهم ... خذ بجميع الغرام أو فذر وقل لمن يعذل المحب أفق ... لهذه عبرة لمعتبر * * * آه من الحب لا رماك به الل ... هـ فإن المحب في سقر فاختبر أمره على حذر ... منه فليس العيان كالخبر #يا ويلتاه عليك يا كبدي ... من حاكم جائر ومقتدر لقد جهلنا الغرام في الصغر ... وهل عرفنا الغرام في الكبر أخاطر في الرؤوس منبعث ... شعاعه في النفوس بالشرر وهاجس جاعل مطاوعه ... بين الورى سخرة من السخر وحاجة كل أمرها عجب ... منوطة بالبكاء والسهر طلاسم تلك لست أعرف من ... يحلها غير فاطر البشر عبد الحليم المصري البنفسجة لما أرادت ربة الأزهار أن ... تأتي الطبيعة بالأرق الألطف خلقت بنفسجة الحقول وأصبحت ... منفتونة بجمالها المستطرف حتى إذا غادرت على حسناتها ... وغدت تود بأنها لم تقطف قالت لها ماذا أزيدك يا ابنتي ... حتى تصيري آية اللطف الخفي قالت إذا شئت المزيد فغطني ... يا أم بالوراق حتى اختفي طانيوس عبده

стр. 1098

سادوم وعامورة ايه أهل سادوم وعامورة، اسروا وجوهكم عن مرأى ضياء الآلهة وضعوا أصابعكم في أذنيكم لئلا تسمعوا توبيخ الرب، بلغ سيل آثامكن الربى، فها وجه السماء يكفهر. فعن قريب ستمطركم ناراً وكبريتاً، وتحول قصوركم الشامخة التي تنبعث منها روائح الفساد والخطيئة إلى مستنقعات آسنة، وبحيرات مالحة. قصة تاريخية قرأناها منذ نعومة أظفارها ثم تركناها في إحدى زوايا ذاكرتنا غير عالمين أن ما يسطره المؤرخون عن حوادث الأقدمين إنما هو عبرة للمتأخرين. من هم أهل سادوم وعامورة؟ هم أبناء هذا الجيل، ومعاصرو القرن العشرين الذي نصفه بالمدنية تمويهاً وتفاخراً. فلا تغرنك الاختراعات والاكتشافات، وما أتينا من باهر الحكمة في سن النظامات، وضبط قواعد اللغات، وبقطر بطن الأرض وانتزاع أحشائها، واختراق كبد السماء بمراكبنا الهوائية غير ذلك من مستنبطات هذا العصر. فما هذه إلا زخارف نزين بها جدران تلك القبور المكلسة كي تلهي الناظر وتشغل الخاطر. . . فنحن نحن المتمدنين الذي امتلكوا ناصية الهواء والماء وكادت الطبيعة بأسرها تكون رهن أمرهم نحن أهل سادوم وعامورة. ولا يخدعنك من باريس لطافتها ورقتها، ولا من لندن فخامتها وعظمتها، ففيهما

стр. 1099

تتمثل اليوم فظائه تينك المدينتين بالأمس. . . يخون الصديق صديقه، ويتعمد الأخ قتل أخيه. ويشاحن الزوج زوجته. ويعق الأبناء آباهم، فلا حب ولا مقة، ولا عهد ولا ثقة. أسرت الشهوات القلوب، وغلت الأهواء الأفئدة بأصفاد فولاذية فاختفت الرحمة وأسلم الحنان الروح. بهر البواصر بهاء الفضة، وخلب القلوب لمعان الذهب. فخر الناس ساجدين وأوقدوا شموع عواطفهم على مذبح الجشع الأشعبي. فما بالكم يا أهل سادوم وعامورة مسترسلين في الغرور ومنغمسين في الشرور، كأن لا صجعة في القبور، ولا حشر ولا نشور، أنسيتم باريكم أم تناسيتموه فدستم وصاياه المقدسة، أني وجدانكم يناقشكم الحساب وينخسكم بمهماز تأنيبه؟ أراكم به لا تشعرون. ولكن صوت الضمير يرن في أعماق صدوركم فترتعد النفس جزعاً وتضطرب هلعاً، فهنالك الجحيم وهنالك جهنم منك وفيكم. تعال معي أيها القارئ نمتط مناط التصور، ونمر على بني البشر لنشاهد بعض أعمالهم. . . أترى ذلك الإنسان الذي يشبه قول عنتر: بنواظر زرق ووجه أسود ... وأظافر يشبهن حد المنجل ماسكاً بعنق رجل آخر وهو يقوده إلى دار القضاء ليفي الفلس الأخير، انظر هناك شخصين في مقتبل العمر متشابهي الملامح وأظنهما شقيقين. ولكن تفرس ففي يد الأكبر مدية يتعمد بها طعن أخيه. هناك رجلان يتخاصمان على بعض دريهمات لم يتفقا عليها، وهنا كهل جالس مع بغي ينظر إليها نظرة الظفر بعد أن قتل مزاحمه المضرج أمامه بدمائه.

стр. 1100

هيا إلى تلك البقعة السوداء تر جماعة كالأبالسة شكلاً يتآمرون على السرقة والفتك. هناك في تلك البناية الباسقة المتلألئة بالأنوار جماعة من الشبان يتناولون بأقداح بلورية سائلاً يقتل الشعور، ويميت الفضيلة. هذا ربح مال رفيقه حراماً بالميسر، وهذا خسر ما تملكه يده فانتحر. وهناك وراء البحار دخان متصاعد في الفضاء ورعود قاصفة وبروع لامعة وأشلاء متطايرة هناك نار الحرب شبها الطمع فذهبت بالأرواح والأموال ولم تبق ولم تذر. . . يا أهل سادوم وعامورة! إن السماء أزمعت أن تصب عليكم جام غضبها، فاقلعوا عن هذا الغرور فليس من إبراهيم يشفع بكم إلى الله. أو هل بينكم عشرة أبرار تتذرعون بهم لديه فتنجوا من عذاب اليم؟ أين نجد هؤلاء الصالحين؟ لا أدري، فتش معي أيها القارئ، فقد أعياني البحث والتنقيب، ولم أظفر بضالتي المنشودة. حمص بدري فركوح محاكم الأحداث يقف الإنسان لدى هذه المصاعب والأسباب مدهوشاً بائساً لا يدري طريقاً للعمل. لكن صاحب الإقدام والسعي لا يخيب له أمل. فيحسم الداء قبل أن يبتلى به ويدفع الأمر قبل وقوعه وذو العدة لا تعييه الحيلة التي يرجو بها المخرج من هذه المصاعب بالوسائط والذرائع التي يتوفق إلى إيجادها.

стр. 1101

ولبيان خطورة الأمر وحرج الموقف زر السجون على اختلاف طبقاتها تر ما لم تكن تتصوره من الشرور والآثام. تر الشرط متجسداً بأجساد بشرية تعمل على خراب الإنسانية ودمارها. ت رجالاً ونساء وأولاداً أنمة قتلة أشراراً لا ناموس لهم ولا ضمير يردعهم عن شرورهم ومعاصيهم يصرفون معظم أوقاتهم بالأحاديث القبيحة الفاسدة. تصوراتهم رديئة كأخلاقهم وأعمالهم وكلامهم لا تقدر الأذن على سماعه فماذا يحل بحدث صغير يزج بمكان كهذا؟ أنلومه بعد ذاك ونعاقبه العقاب تلو العقاب لأعمال كنا نحن السبب بغرسها في نفسه. ونقول بعد هذا كله ما غرضنا إلا إصلاحه وإرجاعه إلى سبيل الرشاد. أفهكذا يكون الإصلاح وهل يتم تقويم المعوج بطرق كهذه. إن هي إلا طرق يشتم منها آثار الهمجية والظلم. آثار الأعصر الماضية المظلمة. فقد أصبحنا وعصرنا اليوم يختلف تمام الاختلاف عما سبقه من العصور الخوالي فما بالنا نستعمل ما كانوا يستعملونه في تلك الأيام؟ هل قعد الدهر بالإنسان فتقدم في كل أمر وشان إلا في مسألة القضاء والأحكام إذ ما فتق له عقله استعمال الوسائط والأسباب لتخفيف مصائب الإنسانية الصغيرة المظلومة. اجل. فقد كان الناس فيما مضى لا يهتمون للجاني وإصلاحه بل كان جل مقصدهم إصلاح ما أضر به وأفسده فيصرفون قواهم وأوقاتهم لإرجاع مسروق واسترداد مسلوب. أما الآن فصرنا ننظر إلى المذنب الجاني نظر الطبيب إلى المريض لنرد إليه ما فقده من الحرية الشخصية لإساءته

стр. 1102

استعمالها وقصدنا الوحيد إصلاحه وإرشاده. هذا إذ كان رجلاً مدركاً كبيراً فكيف إذا كان ولداً عاجزاً صغيراً. ولشرح كيفية معاملة الحدث في محاكم الأحداث قد أخذت دليلنا محكمة واحدة من هذه المحاكم وهي محكمة أنفر من ولاية شيكاغو إحدى الولايات المتحدة الأمريكية وذلك لأنها كانت أول ما نشأ من نوعها في تلك الولايات ولأن كل ما قرأته وحصلت عليه من الكتابات في هذا الموضوع عائد بالفضل إلى مؤسساها الفاضل إذ تكرم علي ببعض نسخ من مؤلفات له وضعها في هذا الموضوع نفسه. ومحكمة انفر هذه مشهورة في تلك البلاد لشهرة مؤسسها فإنه كان منذ أول نشأته ميالاً إلى السياسة فصار متشرعاً ثم قاضياً إلى أن أحرز رئاسة محكمة ولاية شيكاغو وذلك سنة ١٨٩٩ لأنه يمتاز بكفاءته وشدة ميله إلى الاستقلال الفكري والإداري. وأخيراً اهتم بأمر إصلاح شؤون الأحداث ومحاكمتهم إذ انتبه إلى حالتهم الرديئة ومعاملتهم السيئة، وبعد جهاد عنيف تمكن من إنشاء محكمة مختصة بهم للنظر في شؤونهم وأحوالهم فاستقال من منصبه العالي وأخذ على نفسه إدارتا وتنظيمها إلى أن تم له ذلك فنشأ لنجاحها عدد كبير مثلها في أغلب الولايات الأمريكية. وإليك بيان مجرياتها باختصار: يحضر المتهم إلى المحكمة فلا يرى هيئة المحكمة على كراسيها وراء المنابر بل عند دخوله يستقبله القاضي بوجه ضحوك ويجلس بجانبه ويأخذ بمحادثته كأنه ولد مثله إلى أن تتمكن بينهما عرى الألفة والمودة. فيثق

стр. 1103

الولد به ويعتمده. فيفهمه القاضي أن هذه المحكمة ليست كغيرها من نوعها تهويلاً وتعذيباً فجل مرادها مساعدته لإصلاح نفسه بنفسه، ومتى وثق الولد بالقاضي ائتمنه وأطلعه على كل ما يريد الاطلاع عليه فيشرع بتشجيعه وإنهاض غيرته فيستفز حميته بالكلام المؤثر اللطيف. يلقي عليه النصائح المتعددة ويخبره جلياً بالأضرار الناتجة عن قبح أعماله وسوء تصرفه وكم يعاني غيره من جراء أعمال يحسبها هو طفيفة لا تأثير لها ولا ضرر. فيشرح له واجباته نحو نفسه أولاً ثم واجباته نحو حكومته وبدلته ومحيطه وكيف أنه بسلوكه وتصرفه يقدر هو نفسه أن يؤثر في محيطه فبلدته فحكومته بكونه عضواً حياً عاملاً على نجاحها ورقيها. ثم يريد تدريجاً وجوب إطاعة الأوامر والنظامات ويبين له كيفية التصرف والسلوك الحسن وبالإجمال فإن القاضي بكلامه وأفعاله وأمثاله ينفث فيه روحاً جديدة كانت كامنة فيه فتهيج معها عواطفه فيرى قبح أعماله السابقة وأفعاله الماضية فيندم على ذلك أشد الندم ويشعر من جهة أخرى بواجباته ومسؤوليته ويعلم أن مقابل هذه المسؤولية والواجبات حقوقاً كان قد خسرها بإهماله تلك. فيعد القاضي وعداً صادقاً مخلصاً بتغيير سلوكه ومنهاج حياته. فيطلق القاضي سراحه بعد أن يثق بكلامه تمام الوثوق. فيخرج الولد شاعراً بروح شريفة تجددت فيه ونفس نشيطة تحثه على إتمام واجبات طالما أهملها سابقاً. هذا هو سر المحكمة وقوامها الوحيد فإنه لا شيء يؤثر في نفس الولد ككلام اللطف المنبعث من صدر شفوق ونفس حساسة تود خيره

стр. 1104

ونجاحه ومتى شعر الولد بذنبه وأقر به هانت طريقة إصلاحه وإرجاعه عن ضلاله. ولكن كثيرين لا يتمكنون من تغيير سلوكهم لأول مرة وما ذلك إلا لشدة تأثير المحيط عليهم أو لتمكن عاداتهم وأخلاقهم منهم فيصعب نزعها حالاً. فتنقلهم المحكمة إلى محيط يشجعون به على عمل الحسن والمعروف فينسون أعمالهم السابقة ولا يرجعون إليها. وإن عاد احدهم إلى سابق أعماله يعيد عليه القاضي الكرة فيسمعه النصائح والمواعظ ويورده طريق السير والعمل ثانية فيتغير بمداومة النصح والإرشاد وقد يحدث له ما يميله عنها فلا تؤثر فيه. فترسله إذ ذاك المحكمة إلى إحدى مدارس الحكومة الصناعية التي لها علاقة بها فيدرب هناك على نظامات وتعاليم تؤديه طريق الصواب والصراط المستقيم. هذا وقد يبقى الواحد مع كل هذه الوسائط ميالاً إلى الشر لا يحيد عنه فيعسر طريق إصلاحه وهذا نادر شاذ ولا يقاس على الشواذ. توفيق جريديني قالن ابن المقفع: ليس من خلة هي للغني مدح إلا هي للفقير عيب: فإن كان شجاعاً، سمي أهوج؛ وإن كان جوّاداً، سمي مفسداً، وإن كان حليماً، سمي ضعيفاً؛ وإن كان وقوراً، سمي بليداً، وإن كان لسناً، سمي مهذاراً؛ وإن كان صموتاً، سمي عيياً.

стр. 1105

ثمرات المطابع المعلوم والمجهول أصدر ولي الدين بك يكن الجزء الثاني من كتابه المعلوم والمجهول في نحو ١٦٠ صفحة مطبوعة طبعاً جميلاً في مطبعة المعارف المشهورة ومزينة بصور بعض الذين ورد ذكرهم في الكتاب، وبرسوم الأماكن التي عرفها المؤلف إبان وجوده في المنفى. ولو كان ولي الدين يكن من الأدباء الذين لا يكترث لهم، أو لو كان كتابه هذا من الكتب التي تهمل في زاويات المكاتب، لزدنا على ما قلناه الآن كلمة الثناء ثم وقفنا عند هذا الحد. ولكن الزهور لا تنظر إلى ما يهدى إليها من المبوعات نظرة التقريظ المبتذل فقط، ولا تكتفي بذكرها لمجرد الإعلان عنها ولاسيما متى كان الكتاب كتاب المعلوم والمجهول، والكتاب ولي الدين يكن. طالعنا هذا الكتاب بما يستحقه من الإمعان والتدقيق فرأينا فيه أنموذجاً من السياسة العثمانية تجاه الأفراد العثمانيين في خلال ثلاثة وثلاثين عاماً من سلطنة السلطان عبد الحميد الثاني. بل هو تاريخ في شخص وليا لدين بك يكن لحياة الأحرار الذين اضطهدهم العهد العثماني الماضي. وفي رأينا لو أن كل واحد من أولئك الذين تمكن منهم عبد الحميد وحكومته، قرأ هذا الكتاب، لتوسم أنه يقرأ فيه تاريخ حياته الخاصة فما

стр. 1106

يختلف عليه سوى الأسماء والتواريخ. أما الوقائع والظروف فمتشابهة متماثلة، وأما الفظائع والمظالم فهي هي. فإذا كان ولي الدين قد كتب في المعلوم والمجهول تاريخ اضطهاد ونفيه فإنما وصف في شخصه شقاء

стр. 1107

إخوانه الذين ابتلوا بمثل بلواه، وقاسوا من الشدائد ما قاساه. ولولا أنه قد رأى هذا الرأي من قبل ما أقدم على كتابة المعلوم والمجهول فإن في أخلاقه من الدعة والتواضع ما يربأ به عن نشر هذا التاريخ لمجرد التباهي اليوم بما لقيه بالأمس، والافتخار بما نزل به من مظالم العهد الحميدي ولعله أشار إلى ذلك حيث قال: لا أبالي الثناء ولا أبالي الهجاء، وإنما أبالي أن يصدق فيّ أحدهما الجزء الثاني من المعلوم والمجهول، كالجزء الأول منه وكلاهما كالصحائف السود صورة مجسمة لنفس ولي الدين. إنني لا أعرف كاتباً أو شاعراً عربياً في يومنا الحاضر أقدر من صاحب المعلوم والمجهول على تصوير العواطف وتمثيل الشعور. اقرأ له أية قصيدة شئت وأي مقال أردت فإنك تحس أن نفسه تسيل مع ألفاظه وقلبه يتمشى بين كلماته وسطوره. هذه الجمل القصيرة المقطعة التي لا تربطها الواوات والفاآت، ولا تتخللها عنجهية بعض الكتاب وتقعره وتصنعه في الإنشاء، وتثاؤبه في كل جملة من جمله حتى ليتثاءب معها القارئ وتجيش لها النفس، هذه الجمل المنتقاة ألفاظها، والسليم تركيبها، تؤثر في النفوس تأثير السلافة في الرؤوس. ولقد يقول قائل إن ولي الدين في شعره أسمى منه في نثره، فأرده حينئذ إلى المعلوم والمجهول فأريه ذلك الشاعر الرقيق الحساس، ناثراً ملء قلمه الفصاحة والبيان، وملء تعابيره البلاغة والإيجاز السليم، وملء وصفه للأشياء وللحوادث سلامة الذوق، ونزاهة الفن حتى لكأنه يكتب

стр. 1108

بريشة رافائيل فيصور العواطف تصويراً، ورسم المعاني رسماُ، وما الكاتب القدير إلا من استرق إليه النفوس، وملك قيادها فتلاعب بها ما شاء وما شاء له التفنن والإبداع، فصير قارئه أسيره وطوع إرادته يضحك لضحكه، ويغضب لغضبه. كذلك رأيت ولي الدين. فهو يرضيك ساعة الرضى ويستبكيك حين يبكي حتى تكاد تلمس دموعه لمس اليد، وتحس بناره تتأجج من خلال ألفاظه وهي تأكلها أكلاً. ولقد وقفت أنظر إليه وأتأمله في وداعه للأستانة يوم اكره على مغادرتها في الليل أسيراً منفياً، تاركاً أهله وولده، غير عالم إلى أين مصيره، وسمعته يتحسر على فروق ويتأوه على البوسفور، فخلت أني أسمع أنينه بأذني، وأرى شقاءه بعيني، وألمس جراحه بيدي. ورأيته وهو يكتب نثراً كأنه ينظم شعراً، بل رأيت في تفجعه الشعر الحقيقي مجرداً عن الوزن، طليقاً من القافية، فقلت في نفسي إنما هذا أرمياء آخر يبكي على أورشليم جديدة. فإلى الأدباء كتاب المعلوم والمجهول فهو من خير ما تحتويه المكاتب، ومن أنفس ما يخلد فيها من نفائس المطبوعات في هذه الأيام. وجزى الله كاتبه خير الجزاء وعفا عنه. نعمان خوري قنصل فرنسا هو اسم رجل عرفه وعرف مآثره الطيبة أبناء الشرق والغرب فقد ولد في بكاسين من أعمال لبنان ودرس اللغات العربية والتركية والفرنسوية والإنكليزية في بيروت فنبغ فيها ولم يلبث أن سافر إلى عاصمة الفرنسيس

стр. 1109

حيث ساعد في تحرير مجلة سياسية كان يديرها السياسي الكبير مسيو ليون غامبتا فتمكن من إظهار صفاته الممتازة فعينه الحكومة الفرنسوية موظفاً في البلاد التونسية فكان ذلك بداية عهده في السلك السياسي. وظل صاعداً في معارج الترقي حتى عين سنة ١٨٩٤ ترجماناً وقنشلياراً لقنصلية فرنسا في القاهرة ورقي بعد سنتين إلى درجة فيس قنصل وبعد أن عهدت إليه حكومته بمهمة خصوصية في بلاد الحبشة سمي قنصلاً في سيواس فعدن فجدة فحرر (في الحبشة) فالصويرة (مغادور). وفي سنة ١٩١٠ رأت الحكومة الفرنسوية أن ترقيه إلى رتبة قنصل من الدرجة الأولى. وكان في جميع هذه الوظائف التي تقلدها موضوع ثقة حكومته وإعجاب رؤسائها. وفي ١٥ أغسطس سنة ١٩١ عاجلته المنية في ميدان عمله فراح شهيد الواجب. وقد رأى حضرة المسيو جان ريفول أن ينشر مآثار هذا الفقيد الكريم فطبع ترجمة حياته المملوءة بالأعمال المجيدة. وكأنه أبى أن يكيل له المدح جزافاً فشفع هذه الترجمة بخطابات التعيين التي كان يتلقاها الفقيد في وظائفه من أساطين السياسة - كفليكس فور وهانوتو ودلكاسه - وبمكاتيب وتلغرافات التعازي التي وردت بعد وفاته. يلي ذلك تآبين رجال السياسة له وخصوصاً تأبين مسيو بيشون وزير خارجية فرنسا الأسبق، وأقوال

стр. 1110

أمهات الجرائد الفرنسوية. وكلها تشهد للفقيد بحرية الفكر وأصالة الرأي وطيب السريرة والثبات في العمل. طالعنا كل ذلك في كتاب مسيو ريفول فرأينا كيف يقدر الرجالُ الرجال، وكيف يكون الناس بالأعمال. فنشكر الكاتب على كتابه ونكرر تعزية آل الفقيد ولاسيما حضرة شقيقه مسيو نجيب خوري الموظف بالحكومة التونسية وابن عمه سليم أفندي الخوري الموظف في نظارة الداخلية المصرية. وننشر رسماً للفقيد أخذناه عن مجلة الالوستراسيون وهو يمثله بملابس المكتب. أزهار وأشواك باب للرزق أصبح غلاء المعيشة فاحشاً وصارت أبواب الرزق أضيق من سم الإبرة. والناس عاملون جادون لاستنباط حيلة أو لإيجاد وسيلة تفتح بوجههم باب الفرج وهم لا يجدون. مرة واحدة في حياتي أريد أن أكون اقتصادياً لعلي أصيب بعض النجاح فينجح معي من يقبل على مشترى أسهم مشروعي. ولا تزيدني التفاليس المالية الكثيرة في هذه الأيام إلا إقداماً. وإليك هذا المشروع الغريب الذي تنازل لي عن امتيازه أحد الأمريكان: نهتم بتربية القطط فنجمع منها مليوناً. وكل قطة تلد في السنة ١٢ وجلد القطعة البيضاء يساوي ٥ بنسات وجلد السوداء ٣ شلنات فيمكنا أن نقدر ثمناً متوسطاً لكل جلد شلناً و٣ بنسات. وهكذا يتوفر

стр. 1111

لدينا في السنة ١٢ مليون جلد يبلغ معدل الدخل من بيعها ألفي جنيه إنجليزي في اليوم. هذا من حيث الإيراد أما من حيث النفقات فإن العامل الذي يتقاضى أجرة يومية ٨ شلنات يقدر أن يسلخ ٥٠ قطة في اليوم. وهذا المشروع يحتاج إلى ألف عامل فيكون صافي الإيراد اليومي بعد دفع أجرة العمال ألف جنيه. بقيت مسألة تغذية هذه الحيوانات. وسنحلها بتربية الجرذان قرب القطط. ومن المعروف أن الجرذان تتناسل أربع مرات أكثر من القطط، فيكون عندنا أربعة جرذان لكل قطة وفي ذلك كفاية. أما الجرذان فنغذيها من جثث القطط بعد سلخها. وهكذا تأكل الجرذان القطط وتأكل القطط الجرذان ونأكل نحن الجلود - أعني الأرباح الناتجة من بيعها - وقدرها ألف جنيه في اليوم. فما قول أصحاب الرأسمال في هذا المشروع؟ هم يضحكون مني ومن مشروعي وأنا أضحك معهم. ولكن قد مرت أيام على القطر المصري كان يكفي فيها أن تتصور المخيلة مثل هذه الألاعيب المالية لتتسرب الأموال الطائلة إلى جيوب مخترعيها. وما العهد ببعيد. وما تفاليس اليوم إلا معلولات تلك العلل. . قلب من ذهب أهدى صديقي حسون الذي يعرفه قراء الزهور قلباً من ذهب إلى إحدى السيدات، وأرفق القلب بأبيات جميلة أطلعني عليها. هديته الذهبية كانت للسيدة؛ أما هديته الشعرية فإنها لها وللقراء، وهي:

стр. 1112

يا ليت قلبي معدن مثل الذي ... أهديته لا يعرف الخفقانا لصبرت فيك وأنت أظلم ظالم ... وحملت منك الهجر والسلوانا لكن قلبي شبه أوتارٍ إذا ... ضربت شكت نغماتها الأشجانا أو ما رأيت نحولها كنحولنا ... شبح يؤثره الأثير كلانا أن تضربي وتر الفؤاد فحاذري ... بالضرب من أن تقطعي الشريانا أو كان لا يرضيك إلا دامياً ... ليت الذي ما بيننا ما كانا حاصد جرائد جديدة الجديد - جريدة أصدرها في سان باولو من أعمال البرازيل نجيب أفندي نسيم طراد الكاتب المشهور وفارس أفندي نجم. إن لها من اقتدار صاحبيها الفاضلين ما يكفل لها النجاح. البرهان - جريدة ينشئها في طرابلس الشام حضرة الكاتب المعروف الشيخ عبد القادر المغربي فنتمنى لها الانتشار الذي تستحقه. البيرق - جريدة أسبوعية أنشأها في الحدث (لبنان) حضرة نجيب أفندي شديد عقل وسعيد أفندي فاضل عقل من أفاضل الأدباء المعروفين في سورية فنرجو لها النجاح. المراقب - دخلت جريدة المراقب الغراء التي ينشئها في بيروت حضرة الكاتب الفاضل جرجي أفندي عطية في سنتها الرابعة مطردة خطته الجميلة. جبل عامل - جريدة أسبوعية يصدرها في صيدا (سورية) حضرة الكاتب لمعي أحمد أفندي عارف الزين صاحب مجلة العرفان الزاهرة فنؤمل لها مزيد الانتشار.

стр. 1113

ختام السنة الثانية تختتم الزهور بهذا الجزء سنتها الثانية شاكرةً للقراء إقبالهم عليها ولأدباء اللغة العربية تعضيدهم لها بنفثات أقلامهم، حتى لقد جاءت مجموعتها الثانية، كمجموعتها الأولى، معرضاً لخير ما جادت به قرائح المشاهير من كتاب العصر، فقد بلغ عدد الذين راسلوها في هذه السنة وحدها سبعين كاتباً وشاعراً. على أننا نرغب إلى قرائنا في أن يوافونا بما يرونه من عوامل التحسين، فالزهور إنما هي لهم ومنهم.

стр. 1114

العدد ٢٢ - بتاريخ: ١ - ٣ - ١٩١٢ السنة الثالثة تدخل الزهور مع هذا الجزء في سنتها الثالثة وهي عاملة على إتحاف قرائها بكل ما لذَّ وطاب من ثمرات القرائح الناضجة والعقول المفكرة. فالأجزاء التي ظهرت منها إلى اليوم تؤلف سلسلة مقالات شائقة وعقداً من القصائد الغراء لأشهر حمَلة الأقلام في مصر وسوريا والعراق. وإذا نحن فاخرنا بذلك فإنما نحن نفاخر بمآثر كتاب العربية وشعرائها في هذا الجيل. على انهُ ليسرنا أن يرى أبناء لغتنا أن الزهور كانت في خلال عامين ماضيين من جملة البواعث على تأييد النهضة الأدبية الحديثة التي تزداد اتساعاً يوماً فيوماً بفضل عوامل النشر الجديدة. ولقد عقدنا العزم على متابعة السير إلى الأمام ونحن على رجاء إن نتمكن من توفير أسباب التحسين في عملنا جهد المستطاع.

стр. 1115

ترجمة الشيخ محمد بن عبد الوهاب رأس الوهابية تقدم الكلام في هذه المجلة (٢: ٢٨٧) عن الشيخ محمد بن عبد الوهاب رأس الوهابية بمنزلة كونه منهض دين الإسلام في النجديين عند انحطاطه فيهم , والآن نذكر ترجمته لكونه عالماً ناشراً الآداب في بلاده , نلخصها عن عدة كتب مخطوطة , منها: كتاب عنوان المجد. في بيان أحوال بغداد والبصرة ونجد , للسيد إبراهيم فصيح الحيدري , وكتاب روضة الأفكار والإفهام , لمرتاد حال الإمام , وتعداد غزوات ذوي الإسلام , للشيخ حسين بن غناَّم الإحسائيّ , فنقول: ١ - الشيخ محمد من بيت علم - كان أبوه الشيخ عبد الوهاب عالماً فقيهاً على مذهب الإمام احمد بن حنبل؛ وكان قاضياً في بلدة العُيينة , ثم في مدينة حريملة (تصغير حرملة) , وذلك في منبلج القرن الثاني عشر من التاريخ الهجري , وكان له معرفة تامة بالحديث والفقه والتفسير وغيرها , وله أسئلة وأجوبة في هذه الأبحاث. وكان والد الشيخ عبد الوهاب الشيخ سليمان عالماً فقيهاً أعلم علماء نجد في عصره , وله اليد الطولي في العلم , وانتهت إليه رئاسته في نجد. صنَّف ودرَّس وأفتى. إلا أن الشيخ عبد الوهاب , وجده الشيخ سليمان , بل كان شديد التعصب , كثير الاعتراض على العلماء , ويجوّز قتال من خالفهُ , بل يعتقد كفره , ويسمي قتال المسلمين المخالفين لآرائه

стр. 1116

جهاداً في سبيل الله ويجعل أموالهم كغنائم أهل دار الحرب , ويمنع من قصد زيارة صاحب الدعوة والاستغاثة والاستشفاع بهِ إلى الله تعالى , إلى غير دلك مما يطول شرحه. ٢ - سعيه في ترقية العلم في بلاده - سعى الشيخ غاية السعي في تعليم الناس العلم وحثهم على الطاعة , وأمرهم بتعليم أصول الإسلام وشرائطه , وأحكام الصلاة وأركانها وواجباتها وسنتها وسائر أحكام الدين , وأمر جميع أهل البلاد بالمذاكرة في المساجد كل يوم بعد صلاة الصبح وبين العشائين في معرفة الله تعالى , فلم يبقَ أحد من عوام أهل نجد جاهلاً بإحكام الدين , بل أتقنها جميعهم , بعد أن كان أغلبهم جاهلاً لها إلا الخواص منهم وقد أخذ عنه عدة مشايخ منهم: أبوه الشيخ عبد الوهاب , والشيخ محمد بن حياة السندي المدني , والشيخ عبد الله بن سيف وغيرهم وقد قدم الشيخ محمد إلى بغداد وأخذ العلم عن السيد صبغة الله الحيدري وعن غيره. ٣ - أولاده وأحفاده - ولد للشيخ محمد أربعة أولاد وكلهم تلقوا العلم عن والدهم , وأسماؤهم: الشيخ حسين , والشيخ عبد الله , والشيخ علي , والشيخ إبراهيم. فأما الشيخ حسين فهو خليفته من بعده والقاضي في بلد الدرعية. ولحسين المذكور عدة أولاد علماء وهم: علي وحمد وحسن وعبد الرحمن وعبد الملك. وأما الشيخ علي ابن الشيخ محمد فكان عالماً في الأصول والفروع والحديث والفقه والتفسير , وكان قاضياً في حوطة بني تميم , ثم ولي

стр. 1117

القضاء في الرياض في أيام فيصل بن تركي وأما الشيخ عبد الله ابن الشيخ محمد فكان عالماً جليلاً وله مصنفات عديدة. وهو الخليفة بعد أخيهِ الحسين. ولي قضاء الدرعية في زمن سعود وابنهِ عبد الله وأما الشيخ إبراهيم ابن الشيخ محمد فكان عالماً أيضاً , لكنه لم يولَّ القضاء وحسن بن حسين كان فقيهاً , وولي القضاء في الرياض في عهد تركي وعبد الرحمن بن حسن كان من العارفين للفقه أتم المعرفة وكان قد أصاب سهماً حسناً من التفسير والنحو وغير ذلك. وُلّي القضاء في ناحية الخرج في أيام تركي وفيصل وأما حمد وعبد الملك فكانا من طلبة العلم وأهل الذكاء والمعرفة وممن أخذ العلم عن الشيخ محمد عبدُ الرحمن بن حسن ابن الشيخ محمد (وهو ابن ابنهِ) , وقد وُلي القضاء في الدرعية في عهد سعود الأمير المشهور. ٤ - كلمة عامة في صفاته - كان الشيخ محمد نع وفرة علمه من دهاه العرب أيضاً. والذي ميزه عمن سواه تشديده في بعض الأصول والإحكام ومخالفته للإمام احمد بن حنبل وما عليه جمهور الحنابلة في كثير من المسائل. ٥ - وفاته ورثاؤه - توفي الشيخ المذكور وله من العمر اثنتان وتسعون سنة. ورثاه كثير من شعراء نجد وغيرها. وممن رثاه الشيخ حسين بن غنام بالقصيدة الآتية , وفيها ما يدلك على كيفية النظم وأسلوبه

стр. 1118

في تلك الديار في منبلج صبح القرن الثالث عشر للهجرة. وفي القصيدة بعض أغلاط لعلها من الناسخ ونحن نذكرها على علاتها: إلى الله في كشف الشدائد نفزع ... وليس إلى غير المهيمن مفزع لقد كسفت شمس المعارف والهدى ... فسالت دماء في الخدود وأدمع إمام أصيب الناس طرأ بفقده ... وطاف بهم خطب من البين موجع واظلم أرجاء البلاد لموته ... وحل بهم كرب من الحزن مفظع شهاب هوى من أفقه وسمائه ... ونجم ثوى في الترب واراه بلقع وكوكب سعد مستنير سناؤه ... وبدر له في منزل اليمن مطلع وصبح تبدى للأنام ضياؤه ... فداجي الدياجي بعده متقشع لقد غاض بحر العلم والفهم والندى ... وقد كان فيه للبرية مرتع فقوم جلا عنهم صدا الدين فاهتدوا ... فإسماعهم للحق تصغي وتسمع وقوم ذوو فقر وجهد وفاقة ... حووا واقتنوا ما فيه للعيش مطمع لقد رفع المولى به رتبة الهدى ... بوقت به يعلى الضلال ويرفع أيان له من لمعة الحق لمحة ... أزيل بها عند حجاب وبرقع سقاه نمير الفهم مولاه فارتوى ... وعام بتيار المعارف يقطع فأحيا به التوحيد بعد اندراسه ... وأقوى به من مظلم الشرك مهيع فأنوار صبح الحق بادٍ سناؤه ... ومصباحه عالٍ ورياه ضيًّع سما ذروة المجد التي ما ارتقى لها ... سواه ولا حاذى فناها سميذع وشمر في منهاج سنة أحمد ... يشيد ويحيى ما تعفى ويرقع وينفى الأعادي عن حمى وسوحه ... ويدفع أرباب الضلال ويدفع يناظر بالآيات والسنة التي ... أمرنا إليها في التنازع نرجع فأضحت به السمحاء (كذا) يفتر ثغرها ... وأمسى محياها يضيء ويلمع وعاد به نهج الغواية طامساً ... وقد كان مسلوكا به الناس تربع وجرت به نجد ذيول افتخارها ... وحق لها بالا لمعي ترفع

стр. 1119

فآثاره فيها سوام سوافر ... وأنواره فيها تضيء وتسطع لقد وجد الإسلام يوم فراقه ... مصاباً خشينا بعده يتصدع وطاشت أولو الأحلام والفضل والنهى ... وكادت له الأرواح تترى وتتبع وطارت قلوب المسلمين بيومه ... وظنوا به أن القيامة تقرع فضجوا جميعاً بالبكاء تأسفاً ... وكادت قلوب بعده تتفجع وفاضت عيون واستهلت مدامع ... يخالطها مزج من الدم همع (كذا) بكته ذوو الحاجات يوم فراقه ... وأهل الهدى والحق والدين أجمع فمالي أرى الأبصار قلص دمعها ... وليست على فقداه تهمي وتدمع ومالي أرى الألباب تبدي قساوه ... وليس على ذكراه يوماً توجع لقد سخنت عين تضن بمائها ... عليه وكبد قد أبت لا تقطع يحق لأرواح المحبين أن ترى ... مقوضة لما خُلت منه أربع وتتلو سريراً فوقه قمر الهدى ... وشمس المعالي والعلوم تشيع فما بالها قرت بأشباح أصلها ... ولم تك في يوم المعالي تودع فيا لك من قبر حوى الزهد والتقى ... وحل به طود من العلم مترع لئن كان في الدنيا له القبر موضع ... فيوم الجزا يرجى له الخلد موضع سقى قبره من هاطل العفو ديمة ... وبأكره سحب من البر همع وأسكنه بحبوحة العفو والرضي ... ولا زال بالرضوان فيها يمتع ٦ - تآليفه - للشيخ محمد تآليف كثيرة فيها المطوَّل والمختصر , فيها الكتاب والرسالة. فمن تصانيفه: ١ً كتاب التوحيد وقد شرحهُ جماعة من العلماء بعده ٢ً كتاب فسَّر فيهِ آيات من القرآن واستنبط منها أحكاماً كثيرة , حتى انهُ ذكر في قصة موسى والخضر أكثر من مئة مسئلة. ٣ً كتاب كشف الشبهات في بيان التوحيد وما يخالفهُ والرد على المشركين. ٤ً كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ٥ً رسالة

стр. 1120

في تفسير شهادة أن لا اله إلاَّ الله. ٦ً كتاب في تفسير الفاتحة. ٧ً رسالة في معرفة ربهُ ودينه ونبيهُ. ٨ً رسالة في بيان التوجه في الصلاة. ٩ً رسالة في معنى الكلمة الطيبة. ١٠ً رسالة في التقليد وانهُ جائز لا واجب. ١١ً كتاب مفيد المستفيد. ١٢ً كتاب أصول الإيمان. ١٣ً كتاب الكبائر. ١٤ً كتاب آداب المشي إلى الصلاة وهو مختصر الإقناع. ١٥ً كتاب مختصر الشرح الكبير. ١٦ً كتاب مختصر الإنصاف. ١٧ً كتاب مختصر سيرة ابن هشام. ١٨ً مختصر الهدى النبوي , للإمام ابن القسيم. ١٩ً مختصر الفتاوى المصرية , لشيخ الإسلام ابن تيمية. ٢٠ً نبذة في معرفة الدين الذي معرفتُه والعمل بهِ سبب لدخول الجنة وإضاعته والجهل بهِ سبب لدخول النار. ٢١ً المسائل التي خالف فيها رسول الله ﷺ أهل الجاهلية. وهي تزيد على مائة مسئلة وقد طبعت في الهند وقد شرحها الشيخ العلاَّمة السيد محمود شكري أفندي الآلوسي. وهناك غير هذه المؤلفات والرسائل ما يطول شرحهُ وسرده. وكلها عن المواضيع الدينية. وإنشاؤه سلس لا كلفة فيهِ ولا تعقد. إلاَّ أن النساخ قد حرفوا وصحفوا ألفاظاً يعرفها من له الاطلاع في العربية. - هذا ما أردنا أن نبينهُ بوجه الاختصار لكي يقف القارئ بعد ذلك على ما يكتب في هذا الصدد والسلام (بغداد) سانسنا

стр. 1121

الخواتم نشرنا في الزهور (٢: ٢٤٥) مقالة عن التعليم الإجباري في مصر لحضرة الكاتبة الفاضلة السيدة هند كريمة سعادة اسكندر عمون بك المحامي المشهور. ووعدنا حينئذ بإتحاف القراء بشيء جديد من تفئات قلمتها. وانه ليسرنا أن يكون من جملة محسنات الزهور في سنتها الحاضرة سلسلة مقالات ستكتبها حضرتها في موضوع لم تطرقه مجلاتنا من قبل على ما تعلم , وهو تاريخ الحلي النسائية وعادات التحلي بها عند جميع الشعوب ولا ريب عندنا في أن هذا البحث سيروق قراءنا كثيراً - وقارئاتنا على الأخص - لاسيما وان حضرة الكاتبة قد أحاطت بالموضوع من جميع أطرافه ووفته حقه من التحري والتنقيب. وقد اختارت أن تفتح هذا الباب بمقالة عم الخواتم وهي أكثر الحلي شيوعاً: الخاتَم والخاتِم نوع من أنواع الحليّ الشرقية الأصل , اشتق العرب اسمهُ من ختَمَ , لأنه كان يُستعمل للختم , وكان العرب في جاهليتهم يتختمون لمجرَّد التحلّي , ويصوغون خواتمهم من الذهب والفضة والشبه وغير ذلك من المعادن ويرصّعها امرارءهم بالحجارة الكريمة. وفي الحديث التختم بالياقوت ينفي الفقر أي انهُ إذا ذهب مال الرجل , باع خاتمه فوجد فيهِ الغنى. وقال ابن الأثير: انهُ قد ينفي الفقر لخاصة فيهِ. وقد نهى النبيّ عن التختم بالذهب. وفي الحديث انهُ نهى عن ليس الخاتم مطلقاً إلاَّ لذي سلطان يحتاجه ليختم بهِ الكتب , وكره له أن يلبسهُ للزّينة المحصنة أو لغير حاجة. وفي الحديث أيضاً انهُ جاءَه رجل عليهِ خاتم شبَهَ فقال: ما لي أجد منك ريح الأصنام؟ - لأنها كانت تتخذ من الشَبه. وقال في خاتم الحديد: ما لي أرى عليك حلية أهل النار؟ - لأنهُ كان من زي الكافرين

стр. 1122

أصحاب النار. وروي عن عمر بن عبد العزيز انهُ أتاه أن ابنهُ اشترى فَص خاتم بألف دينار , فكتب إليه: عزمت عليك إلاَّ ما بعت خاتمك بألف دينار وجعلتها في بطن جائع , واستعمل خاتماً من ورق وانقش عليهِ رحم الله امرءاً عرف نفسه ومما قاله ابن خلدون أنَّ الخاتم من الخطوط السلطانية والوظائف الملكية والختم على الرسائل والصكوك معروف للملوك قبل الإسلام وبعده. وقد ثبت في الصحيحين أن النبيَّ أراد أن يكتب إلى كسرى فقيل له أن العجم لا يقبلون كتاباً إلاَّ أن يكون مختوماً. فاتخذ خاتماً من فضة ونقش فيهِ محمد رسول الله. قال البخاري: جعل الثلاث كلمات في ثلاثة اسطر , وختم بهِ وقال لا ينقش أحد مثله. قال وتختم بهِ أبو بكر وعُمر وعثمان. ثمَّ سقط من يد عثمان في بئر أريس , فاغتم عثمان وتطيرَّ منهُ وصنع آخر مثله. واقتدى الخلفاء في صدر الإسلام بالنبي فنقشوا على خواتمهم الحكم والآيات بعد إن كانوا لا ينقشون عليها سوى الأسماء فنقش أبو بكر على خاتمهِ نعم القادر الله وعمر كفى بالموت واعظاً يا عمر وعثمان الملك لله وفي الجدول التالي ما نقشهُ بعض الخلفاء على خواتمهم: الخلفاء: ما نقش على خواتمهم الوليد بن عبد الملك: يا وليد انك ميت ومحاسَب سليمان بن عبد الملك: آمنت بالله مخلصاً عمر بن عبد العزيز: الوفاء عزيز يزيد بن عبد الملك: فنيَ الشباب يا يزيد الوليد بن اليزيد: يا وليد احذر الموت يزيد بن الوليد: يا يزيد قم بالحق

стр. 1123

إبراهيم بن الوليد: توكلت على الحيّ القيّوم مروان بن محمد: اذكر الموت يا غافل أبو العباس السفّاح: الله ثقة عبد الله المنصور عبد الله: وبهِ يؤمن المهدي: العزة لله الهادي: بالله أثق هارون الرشيد: كن من الله على حذر الأمين: حسبي الله المأمون عبد الله: يؤمن بالله مخلصاً المعتصم بن هارون الرشيد: الحمد لله الذي ليس كمثله شيء الواثق بالله: الله ثقة الواثق المتوكل على الله: على الله توكلت المنتصر بالله: على الله توكلت المستعين بالله: استعنت بالله المعتز بالله: استعنت بالله المهتدي بالله: هداني الله المعتمد على الله: اعتمادي على الله وهو حسبي المعتضد على الله: أحمد يؤمن بالله الواحد المكتفي بالله: المكتفي بالله المقتدر بالله: العظمة لله القاهر بالله: القاهر بالله الراضي بالله: الراضي بالله

стр. 1124

المتقي لله إبراهيم بن المقتدر: بالله يثق المستكفي بالله: المستكفي بالله أمير المؤمنين المطيع لله: المطيع لله الطائع لله: الطائع لله القادر بالله: القادر بالله القائم بأمر الله: العزة لله وحد المقتدي بأمر الله: من توكل عليهِ كفاء المستظهر بالله: ثقتي بالله وحده المسترشد بالله: من توكل عليهِ كفاه الراشد بالله: من آمن بالانتقال عمل للمآل المقتدي بأمر الله: كن مِن الله على حذر تسلم المستنجد بالله: من أحبَّ نفسه عمل لها المستضيء بنور الله: من فكر في المآل عمل للانتقال الناصر لدين الله: رجائي من الله عفوه الظاهر بأمر الله: راقب العواقب المستنصر بالله: العفو بك أولى وكان الخلفاء من الصحابة يتختمون في اليد اليمنى , فجعل ذلك معاوية بن أبي سفيان في اليسرى؛ واخذ الأموية في ذلك , إلى أن نقله السفاح العباسي إلى اليمنى , فبقي إلى أيام الرشيد فأعاده إلى اليسرى , واخذ الناس في ذلك وفي كيفية نقش الخاتم والختم بهِ وجوه كثيرة: فمنهُ خاتم السلطان أو الخليفة أي علامتهُ. قال الرشيد ليحيى بن خالد لما أراد أن يستوزر جعفراً ويستبدل بهِ من الفضل أخيهِ: إني أردت أن أحوّل الخاتم من يميني إلى يساري فكنى له بالخاتم

стр. 1125

عن الوزارة لمّا كانت على الرسائل والصكوك من وظائف الوزارة لعهدهم ثمَّ صاروا في دول المغرب يعدونهُ من علامات الملك وشاراتهِ فيستجيدون صوغهُ من الذهب , ويرصعونهُ بالفصوص من الياقوت والفيروزج والزمرد , ويلبسهُ السلطان شارة في عرفهم , كما كانت البردة والقضيب في الدولة العباسية , والمظلة في الدولة العُبيدية ويرون أن الخواتم أربعة: الياقوت لإرواء العطش , والفيروزج للمال , والعقيق للسنَّة , والحديد الصيني للحرز , وقيل للخوف. ومن كلام المتأخرين: من تختم بالعقيق وقرأ لعمر بن العلاء ,، وتفقه للشافعي , وحفظ قصيدة ابن زريق فقد استكمل ظرفه. أما أقدم خاتم عربي فقد وجده الباحثون في ضواحي دمشق , وعلى فصّه كتابة حميرّية , ولا يبعد أن يكون من عهد الغساسنة الأول الخواتم عند المصريين - الخواتم في مصر قديمة العهد جداً , وأجملها ما عثر عليهِ في قبور الدولة الثامنة عشرة , والدولة التاسعة عشرة , والدولة العشرين. وكانت خواتم الملوك والأمراء من الذهب الخالص , وعليها في غالب الأحيان اسم صاحبها وألقابها محفورة بحروف هيروغليفية على فص مستطيل الشكل. وكانت خواتم العامة مصنوعة من مواد أقل قيمة من الذهب , كالفضة والشَبَه والزجاج والخزف المطلي بطبقة من الزجاج الملون بأكسيدات النحاس ألواناً زاهية من الأصفر والأزرق. وكان على هذه الخواتم الخزفية كتابات هيروغليفية مطبوعة عليها قبل طبخها بالنار. وقد وجد في تلك القبور أيضاً خواتم مصنوعة من العاج والكهرباء والحجارة الصلدة , كالجزع والعقيق. وكان بعض الخواتم في زمن السلالة الثامنة عشرة مرصعاً بفصوص من الجُعَل الجعران مركبة في حلقات من الذهب تدخل في ثقوبها فيتسنى لحاملها أن يديرها كيف يشاء وقد اتخذ المصريون الخاتم عندهم رمزاً للسلطان من قديم الزمان , كما يظهر ذلك
следующие страницы →