← Джавами‘

Джавами‘ · id 36534

مجلة «الزهور» المصرية

أنطون الجميل

Полный текст (2 201 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.

стр. 1436

السفر النفيس إلى العربية فهو الكاتب المشهور إبراهيم أفندي سليم نجار مراسل المقطم من العاصمة العثمانية , وهي خدمة جديدة له تضاف إلى خدماتهِ السابقة في سبيل أبناء جلدته. فنسأل له التوفيق ولكتابه الرواج. أمثال الشرق والغرب - عنوان كتابٍ ضمَّ بين دفتيهِ زبدة ما دار على ألسنة الفلاسفة والحكماء من الأقوال المأثورة والأمثال المشهورة , جمعها ورتبها حسب مواضيعها حضرة الأديب الفاضل يوسف أفندي توما البستاني؛ فأجاد وأفاد. لأن مثل هذه الأقوال هي نتاج الأدمعة المفكّرة , وخلاصة الحكمة في كل مكان وزمان؛ فإن كثيراً ما تكون الجملة الواحدة نتيجة اختيارٍ طويل وملاحظات عديدة , فتجيء بالمعنى الكبير. وسننشر في عدد قادم طائفة من هذه الأقوال لما فيها من جزيل الفائدة. الصديق - عنوان مجلة جديدة أصدرها في الإسكندرية الفاضل عبد الحميد أفندي سالم , وهي أدبية تاريخية روائية. جاءنا العدد الأول منها وهو يتضمن بعد المقدمة مقالة عن الشاعر البرتغالي كاموينس , وبحثاً مستفيضاً في الروايات ومطالعتها وكتابتها والأسلوب الروائي. وقيمة الاشتراك ٣٠ غرشاً صحيحاً في مصر و١٠ فرنكات في الخارج. فنتمنى أن يكون للصديق أصدقاء كثيرون.

стр. 1437

بوليوس قيصر رواية تمثيلية من أشهر الروايات , وأحكمها وضعاً , وأعظمها وقعاً في النفوس لمؤلفها نابغة هذا الفن شكسبير الروائي الانكليزي الشهير. نقلها إلى العربية بعبارة مطابقة تماماً للأصل الانكليزي حضرة الكاتب المجيد سامي الجربدني المحامي وسننشرها تباعاً ابتداء من هذا الجزء بمناسبة النهضة التمثيلية الحديثة. أشخاص الرواية: يوليوس: منجّم أوكتافيوس: قيصر حكام الدولة الرومانية بعد موت قيصر , سنّا الشاعر - وشاعر آخر ماركوس انطونيوس: حكام الدولة الرومانية بعد موت قيصر , لوسيليوس , أصدقاء بروتوس وكاسيوس اميليوس لبيدوس: حكام الدولة الرومانية بعد موت قيصر , تيتينوس , أصدقاء بروتوس وكاسيوس بوبيليوس: من أعضاء مجلس الشيوخ , مسلاّ , أصدقاء بروتوس وكاسيوس ببليوس: من أعضاء مجلس الشيوخ , كاتو الصغير , أصدقاء بروتوس وكاسيوس شيشرون: من أعضاء مجلس الشيوخ , فولومنيوس , أصدقاء بروتوس وكاسيوس بروتوس.: كاسوس: المتآمرون على قيصر , فارو كليتوس , خُدَّام بروتوس كاسكا ليجاريوس: المتآمرون على قيصر , كلوديوس ستراتو , خُدَّام بروتوس تريبونيوس سمبر: المتآمرون على قيصر , لوسيوس دارداتيوس , خُدَّام بروتوس ديسيوس سنّا: المتآمرون على قيصر , بنداروس , خادم كاسيوس فلافيوس: كالبورنيا , امرأة قيصر ماروليوس: بورسيا , امرأة بروتوس ارتيمدوروس: أعضاء مجلس الشيوخ أهالي حرس وخدَم

стр. 1438

الفصل الأول المشهد الأول شارع في رومه يدخل فلافيوس وماروليوس وبعض عامة الناس فلافيوس - إلى بيوتكم! اذهبوا إلى بيوتكم أيتها المخلوقات الكسلى. أتظنون اليومَ يومَ عيد؟ أو لا تعلمون أنهُ لا يجوز لكم وأنت من الصنّاع أن تسيروا في الأسواق في غير أيام البطالة بدون أن تحملوا شارات صناعاتكم؟ أنت يا هذا تكلم. ما حرفتك؟ العامي الأول - نجَّار يا سيدي ماروليوس - أين وِزرتك وأين مَسطرتك؟ وما تصنع جائلاً مرتدياً أحسن ملابسك؟ وأنتَ يا هذا من أيّ الحرف أنت؟ العامي الثاني - إذا عُدَّ الصناع الحاذقون فما أنا يا سيدي إلاّ عامل مرقّع ماروليوس - ولكن ما صنعتك؟ قلْ بلا مواربة العامي الثاني - إني أحترف حرفة أرجو أن أواظب عليها بالأمانة والإخلاص ألا وهي ترقيع القديم. ماروليوس - غاضباً ما صنعتك يا دنيء؟ أيها الدنيء المنافي ما صنعتك؟ العامي الثاني - لا تغضب يا سيدي. لا تغضب عليَّ. ف ني قد أُصلحك ماروليوس - ما تعني بهذا أيها الوقِح؟

стр. 1439

العامي الثاني - أي إني أرقّعُك يا سيدي فلافيوس - آه. أنتَ سكاف. أليس كذلك؟ العامي الثاني - حقاً يا سيدي أن المخرز آلة معيشتي. فقد اصطفيتهُ لي خليلاً دون جميع الرجال والنساء. نعم أنا جرّاح الأحذية القديمة آسوها عند إشرافها على الهلاك. إن خيرَ مَن مشى على الأرض مرَّت رجلاه بين يديّ فلافيوس - ولماذا تركت حانوتك اليوم وخرجت تقود هؤلاء الناس في الأسواق؟ العامي الثاني - حتى يقطّعوا أحذيتهم مشياً فيزداد كسبي. على أني لا أكتمك يا سيدي أننا تركنا أشغالنا لنرى قيصر ونفرح لانتصاراته ماروليوس - ولمَ تفرحون؟ أين النصرُ المبين الذي جاءنا بهِ؟ وأين الأسارى الذين أتى بهم إلى رومة يحفون بمركباته؟ أي بني رومة قساة القلوب غلاظ الرقاب. كونوا خُشُباً مسندةً! إن الجماد لخيرٌ منكم. أنسيتم بومباي؟ يوم كنتم تتسلقون الأسوار والمباني وتصعدون إلى النوافذ والأبراج - بل إلى المداخن - حاملين أطفالكم , واقفين صابرين منتظرين اليوم كله لتختلسوا نظرةً من بومباي وهو مارٌ في شوارع رومة. حتى إذا لاحت لكم مركبته هتفتم له هتافاً اهتزت له أعماق التيبير كأنه ينطالُّ ليسمع صدى أصواتكم المالئة شاطئيهِ!. . والآن؟ ماذا تفعلون الآن؟ أترتدون أحسن ملابسكم وتخلفون لأنفسكم عيداً وتنثرون الأزهار في طريق رجل جاءَكم بنصرٍ مخضّب بدم بومباي؟ إليكم عني! تفرَّقوا. اركضوا إلى قعر بيوتكم وخرُّوا سجّداً وادعوا الآلهة علّها تحول عنكم

стр. 1440

طاعوناً واقعاً لا محالة عليكم يا ناكري الجميل فلافيوس - يا أبناء وطني الصالحين. اذهبوا. واجمعوا جموعكم الذين على شاكلتكم إلى ضفاف التيبير؛ واذرفوا الدمع حتى يفيض منهُ النهر ويملأ عبرَيه عسى أن تُغفر لكم أوزاركم يخرج جميع الأهالي أنظرْ. أنَّ أدنى عواطفهم قد تحرّكت. ألا ترى كيف خرسوا في ذنوبهم وذابوا؟ أقصد أنت إلى الكابيتول من هذه الناحية , وأنا من هنا , وإذا رأيت صوراً مزدانة بزينة قيصر فانزع زينتها ماروليوس - أيليق أن نفعل ذلك واليوم عيد لوباركال؟ فلافيوس - لا بأس. يجب أن لا ندع الصور مزدانة بزينات قيصر. أنا ذاهب لأطرد العامة من الشوارع فافعل أنت فعلي وفرّقهم حيث تراهم متكاثفين. فإِنّا إذا نزعنا الآن هذه الريشات المتنامية من جناح قيصر ما استطاع أن يطير فوق الطيران العادي. أما إذا لم نفعل فإنهُ يحلّق إلى حيث لا تراه العين , ونبقى نحن خاضعين خائفين يخرجان المشهد الثاني محلٌّ عام هتاف يدخل قيصر وأنطونيوس وكالبورنيا امرأة قيصر , وبورسيا إمرأة بروتوس ,

стр. 1441

وديسيوس وشيشرون وبوتوس وكاسيوس وكلسكا. وجمع كثير يتبع , وبينهم منجّمو لمشاهدة السباق قيصر - كالبورنيا! كاسكا - ياهو! اسكتوا! أن قيصر يتكلم قيصر - كالبورنيا! كالبورنيا - هانذا سيدي قيصر - قفي واعترضي أنطونيوس في طريقهِ حين يمرَّ بك جارياً! أنطونيوس! أنطونيوس - سيدي قيصر قيصر - لا تنسَ وأنت تجري في السباق أن تلمسَ كالبورنيا. فأن شيوخنا يقولون أنهُ إذا لمس أحد المتسابقين عاقراً في مثل هذا اليوم زالت عنها لعنة عَقرَتِها أنطونيوس - سأذكر ذلك ولا أنساه. أن قيصر إذا قال لشيء كن فيكون قيصر - ابدأوا. والعبوا لعبكم هتاف واختلاط المنجم - أي قيصر! قيصر - ها. من ينادي؟ كاسكا - قولوا للناس تسكت! اسكتوا! قيصر - من يناديني في مثل هذا الزحام؟ فإني أسمع صوتاً أرفع من صوت الموسيقى ينادي قيصر. تكلم أن قيصر مصغٍ يسمع

стр. 1442

المنجم - إحذر خامس عشر مارس! قيصر - مَن الرجل؟ بروتوس - أن منجماً يحدزك خامس عشر مارس قيصر - إيتوني بهِ. دعني أرَ وجهه كاسيوس - يخاطب المنجم تقدَّم من بين الجمع وانظرْ إلى قيصر قيصر - ماذا قلتَ لي؟ قلْ مرةً أخرى المنجم - احذر خامس عشر مارس! قيصر - أنهُ لحالِمٌ. لندعه وشأنه. هيّوا بنا يخرح الجميع ويبقى بروتوس وكاسيوس كاسيوس - أتأتي معي لمشاهدة السباق؟ بروتوس - ما أنا بالذاهب كاسيوس - رجوتك. افعلْ بروتوس - ما أنا باللعَّاب. أنهُ لينقصني بعض ما عند أنطونيوس من الميل إلى اللهو. ولكن لا يقفنَّ امتناعي في سبيل ذهابك أنت. ها أنا منصرف. كاسيوس - إني ألحظُ إليك منذ زمن يسير فلا أرى في عينيك تلك المودة التي عوَّدتنيها. ولا تُظهر لي من الحبِّ ما كنتُ أنتظره منك. ولا تمدّ يدك السمحآء مدًّا يرقبهُ صديقك الصدوق. بروتوس - لا تخدعنَّك الظواهر يا كاسيوس. فما حوَّلتُ وجهي عنك بل عن نفسي. . . عواطف متباينة تتقاذفني. إنْ هي إلاّ أفكار خاصة بي قد تصطبغ بها أعمالي. فلا يحزن أصدقائي لأمري - وأنتَ يا كاسيوس في عدادهم - وليعلموا أن بروتوس قد اشتغل بمحاربة نفسه عن إظهار المدّة لهم. كاسيوس - إذن عفوَك عن أخطائي حسن مقصدك. بل عفواً عن خطأِ

стр. 1443

جعلني أخفي عنك في طيّ قلبي أفكاراً وتأملات ذات شأن وقيمة قلْ يا بروتوس! هل تستطيع أن ترى وجهك؟ بوتوس - كلاّ. فإن العين لا ترى نفسها إلاّ إذا انعكست صورتها إليها بشيء آخر كاسيوس - هذا أكيد. أسفي أن لا يكون لديك مرآةٌ تعكس لك فضائلك المخباة فتريك ظلك. إني سمعت كثيرين من أعلى الناس مقاماً في رومة - عدا قيصر - يئنون تحت نير هذا الزمان. يذكرون بروتوس ويتمنون لو ينظر إلى نفسهِ بأعينهم بروتوس - إلى أيّ الأخطار تدفعني يا كاسيوس فتجعلني أفتش في نفسي عما ليس فيَّ كاسيوس - إذن تهيأ للسمع. وما دمتَ تعلم أنك لا تستطيع النظر إلى نفسك فأنا أقفُ لك مرآة صغيرة تعكس ما خفي عليك منك. لا تسيء الظنّ بي. لو كنتُ ضَحِكة بين الناس أو من الذين يطرحون صداقتهم طرحاً على أول قادم. أو كنتُ ممن ينقلب على الصديق عدوّاً أغتابهُ بعد أن أكون قد مدحتهُ. أو كنتُ أحفلُ باسترضاء عامة الناس لحقَّ لك الحذرُ مني هتاف في الخارج بوتوس - ما هذا الهتاف؟ إني أخشى أن يكون الشعب قد اختار قيصر ملكاً كلسيوس - آه. أتخشى الأمر؟ إذن أنت لا ترغبُ فيهِ؟ بروتوس - أي كاسيوس. إني لا أريد ذلك ولكني أُحب قيصر. . . ولمَ تمسكني عن الذهاب؟ ما الذي تودُّ أن تبوح لي بهِ؟ إن كان هناك ما يعود بالنفع على بلادي فدونك عينيَّ! ضعْ الموتَ أمام إحداهما والشرف أمام الأخرى فتراني أنظرُ إلى الأمرين نظراً واحداً وأسيرُ في طريقي إما إلى الموت وإما إلى الشرف. لنجعّل الآلهة بالقضاء عليّ إن كنت لا أحبُّ الشرف أكثر مما أخاف الموت

стр. 1444

كاسيوس - أعرف بك هذه الفضيلة كما أعرفك. خفّف عنك. إني أسوقُ إليك حديثاً موضوعه الشرف. ما الحياة؟ إني أجهل رأيك ورأي الناس في قيمة هذه الحياة الدنيا. أما أنا فسيَّان عندي الموت والحياة إذا كان لابدَّ لي من العيش خائفاً من نفسي. . . لقد ولدت حرّاً مثل قيصر. أو لستَ أنت حرّاً أيضاً؟ تغذَّينا كلانا من غذائهِ. وكلانا يتحمل برد الشتاء كاحتماله. فإني كنت مرة مع قيصر على شاطئ نهر التيبير في يوم مطير ذي ريح عاصفة. وأمواج النهر تودُّ لو استطاعت التملص من شاطئيه فتلطمها حَنِقةً غضبى. فقال لي قيصر أتجسر يا كاسيوس أن تقفز معي إلى هذا النهر الشرس فنسبح إلى الضفة الأخرى. فامتثلتُ الأمر حالاً ووثبتُ إلى الماء وقلتُ له اتبعني. فتبعني. وتدفق السيلُ وعلا خريره فأخذنا نكافحه بأعصاب كَلِبَةٍ ندفع الأمواج غير هيابين فتندفع. وما كدنا نصل إلى هَدَفِنا حتى سمعتُ قيصر ينادي إليَّ يا كاسيوس أو أغرق فانتشلتهُ من ماء التيبير مضنوكاً كما انتشل جدُّنا الأعلى اينياس العجوزَ أنشيزيس من نيران ترواده الملتهبة. وها قد صار هذا الرجل إلهاً وبقي كاسيوس رجلاً تعساً , عليهِ أ، ينحني خاشعاً إذا تكرَّم قيصر ورمقهُ شزراً. إنهُ أصيب بالحمى في إسبانيا فكان يرتجف ورأيت شفتيه وقد جَبُنتا ففرَّتا هاربتين من لونهما الطبيعي. وتلك العين التي يرتعب العالم من نظرتها رأيتها وقد زال عنها لمعانها. لقد سمعتهُ يئن. إن لسانه الذي أمر الرومانيين أن يكرموه ويدوّنوا خطَبَهُ في كتبهم كان يصرخ طالباً كأساً من الماء كما تصرخ امرأة على سرير المرض. إيهٍ أيتها الآلهة! إني أعجب كيف يتسنى لرجلٍ بهِ من ضعف الخُلق ما بهِ أن يجوز قصب السبق وحده على هذا العالم العظيم هتاف في الخارج بروتوس - أنهم يهتفون أيضاً. ومما أظنُّ هذا الهتاف إلاَّ تكريماً يضاف إلى حساب قيصر

стр. 1445

كاسيوس - ويلك يا رجل. أنهُ مثل ضم رودس يضمُّ بين ساقيه هذا العالم الضيق ولا يُبقي لنا نحن صغار الخَلق إلاَّ أن نمشي بين رجليه الضخمتين ثمَّ نتطال لنجدَ لأنفسنا قبوراً ندفن بها عارنا. الناس يملكون في بعض الأحيان آجالهم إننا نعيبُ زماننا والعيب فينا. بروتوس - قيصر - ما الفرق بين الاسمين وبمَ يفضل قيصر بروتوس؟ ولمَ ينادي باسمهِ أكثر مما ينادي باسمك؟ اكتب الاسمين معاً. ليس اسمه بأجمل من اسمك. لحن في قراءتهما. إن اسمك عذب اللفظ كاسمهِ. ضعهما في كفتي ميزان فلا يرجح اسمهُ اسمك. عزّم بهما فسرعان ما تخرج الأرواح من بروتوس خروجها من قيصر. وأيم الآلهة جميعها! على أي طعامٍ يقنات قيصر هذا حتى ينمو يا رومه. وأنهُ ما مرَّ منذ الطوفان زمن احتكر شهرته رجل واحد فقط. وما استطاع رجل أن يقول قبل الآن جدران رومه الواسعة ضاقت عن أن تسع أكثر من واحد. ها نحن , ورومه رومه , ولا مكان لأكثر من رجل فرد فيها. إني سمعتُ آباءنا تقول إن كان فيما مضى رجل يُدعى بروتوس ودَّ لو خضع لحكم الشيطان الأبدي ولا يرى ملكاً على رومه بروتوس - لا أشكُّ في حبّك لي. واظنني قد حذرت بعض ما تدفعني إليهِ. سأنبئك بما يستقرُّ عليهِ رأيي في هذه الأمور. أما الآن فأرجوك أن لا تزيد في تحريك شجوني. إني سأمعن النظر فيما قلت وسأصغي إلى كل ما ستقول ثمَّ لي جواب على هذه المهام. واعلم أني أؤثر أن أكون قروياً حقيراً على أن أكون ابناً لرومه ينوءُ تحت أحمال قد يحمّلنا إياها هذا الزمان. فأمضغ هذا الكلام جيداً حتى نلتقي مرةً أخرى. كاسيوس - أنا فرِحٌ لأن كلماتي الضعيفة قد أذكت مثل هذه النار في صدرك بروتوس - قد انتهت الألعاب وعاد قيصر

стр. 1446

كاسيوس - عند ما يمرّ القوم اجذب كاسكا من كُمّ ثوبه إليك فيروي لنا بأسلوبه الساخر ما يستأهل الرواية من حوادث اليوم يدخل قيصر وأتباعه بروتوس - سأفعل. إنما تعالَ وانظر. ها علامة الغضب تلمع على جبهة قيصر. وأتباعه يمشون كاسفين. إن الاصفرار يعلو خدي كلبورنيا. وشيشرون ينظر بأعين من نار تذكرنا مواقفه في الكابتول حين يعارضه في الكلام أحد أعضاء المجلس كاسيوس - سيقص كاسكا علينا قيصر - انطونيوس! انطونيوس - قيصر؟ قيصر - أبغِني رجالاً يحيطون بي. رجالاً سمانا ذوي رؤوس ناعمة ينامون الليل كله. إن لكاسيوس الواقف هناك نظرات جائعة مهزولة. إنهُ كثير التفكير ومثل جانبه لا يؤمن انطونيوس - لا تخفهُ , ليس منهُ خطر. إنهُ روماني نبيل يميل إليك قيصر - لما تجنبتُ رجلاً تجنبي كاسيوس الناحل. أنهُ يقرأ كثيراً , وهو شديد الملاحظة , يحدق بنظره فيخترق أعمال الناس. لا يلهو ولا يلعب نظيرك يا انطونيوس , ولا يسمع الغناء , يتبسم قليلاً , وإذا تبسم فكأنهُ يهزأ من نفسه أو يحتقر قلباً يجد ما يستأهل التبسم. إن أمثاله قلقون أبداً , لا يهدأ لهم بال إذا رأوا من هو أعظم منهم. فهو خَطِر. على أني أنبئك عما يجب أن تخاف وليس عما أخافهُ أنا. لأن قيصر لا يزال قيصر. تعالَ إلى يميني , فإن هذه الأذن ثقيلة السمع وأبدِ لي رأيك فيهِ بالحق. يخرج قيصر وأتباعه ما عدا كاسكا كاسكا - أنك جذبت كمَّ ثوبي. هل تبغي محادثتي؟

стр. 1447

بروتوس - نعمو أنبئنا ما الذي أساء قيصر اليوم كاسكا - أنك كنت معهُ. . ألم تكن معهُ؟ بروتوس - لو كنت معهُ ما سألتك شيئاً كاسكا - لقد قدّموَا له تاجا , وبعد أن قدّموه ردّه بيده هكذا. فهتف له الشعب. بروتوس - وما كان سبب الهتاف الثاني؟ كاسكا - الأمر نفسه كاسيوس - هل أهدوا التاج إليهِ ثلاث مرات؟ كاسكا - نعم. ثلاث مرات , وقد ردّه ثلاثاً أيضاً. لكنه تمهّل في الثانية أكثر مما في الأولى , وفي الثالثة أكثر مما في الثانية. وكان الذين حواليَّ يهتفون له المرة بعد الأخرى كاسيوس - من قدّم له التاج؟ كاسكا - انطونيوس بروتوس - كيف كان ذلك كاسكا - أما كيف كان ذلك فصعب عليَّ وصفه. ما اكترثتُ. ظننت الأمر ألعوبة. رأيت ماركوس انطونيوس يقدّم له شيئاً ليس بالتاج حقيقة بل إكليلاً صغيراً. وقد قلت لك أنهُ رفضهُ. على أني أظنهُ كان يود لو أبقاه. فقدّم إلا كليل ثانية , فردّه قيصر أيضاً. على أنني أظنهُ اسثقل أن يعيد يده خاليةً منه. فعاد انطونيوس وقدم الإكليل مرة ثالثة , فردّه بين هتاف الجمهور وتصفيقهم. وأخذوا يرمون قبعاتهم القذِرة في الهواء فتختلط رائحتها برائحة أنفاسهم المنتنة حتى كاد يُقضى على قيصر. فقد اعتراه الأغماء وسقط إلى الأرض. أما

стр. 1448

أنا فلم أجسر أن أضحك مخافة أن أفتح فمي فيمتلئ ريحاً خبيثة كاسيوس - مهلاً. مهلاً. هل أغمي على قيصر؟ كاسكا - أنهُ سقط على قارعة الطريق , وأزبد فمه ولم يتكلم بروتوس - والأمر معقول. فإن قيصر مصاب بداء الصرع كاسيوس - ليس قيصر المصاب بالصرع! بل أنت , وأنا , وهذا الأمين كاسكا. نحن المصابون بالصرع! كاسكا - لا أفهم ما تقول. ولكني أعلم أن قيصر وقع إلى الأرض وكان قد لحظ قبل أن يقع سرور الشعب لرفضه التاج فجذبني إليهِ لأنزع الرداء عن عنقه , والتفت إلى جمهور الواقفين وقال تعالوا اضربوا عنقي. أما أنا فلو كنت أحد هؤلاء الصنّاع لصدقته حالاً. وعندما رجع إلى نفسه , اعتذر عما بدر منهُ ونسب السبب إلى مرضه , فصاحت ثلاث أو أرع نساء كنَّ بجانبي يا له من ملك كريم وغفرنَ له من قلوبهنَّ. إنما لا عبرة بأعمالهنَّ فلو طعنَ قيصر أمهاتهنَّ ما فعلنَ خلاف ذلك بروتوس - وبعد ذلك خرج كئيباً؟ كاسكا - نعم كاسيوس - هل تكلم شيشرون؟ كاسكا - نعم. تكلم باليونانية كاسيوس - ماذا قال؟ كاسكا - لو كنت أعلم ما قال لما نظرت إلى وجهك بعد الآن. أما الذين فهموه فكان ينظر بعضهم إلى بعض ويتبسمون ويهزّون الرؤوس. أما أنا فلم أفهم شيئاً. كان الكلام يونانياً - دونك خبراً آخر: إنهم قبضوا على ماروليوس وفلافيوس لأنهما نزعا الزينات من صور قيصر. وهناك مساخر أخرى قد نسيتها. مودّعاً طيبا نفساً كاسيوس - تعالَ نتعشى في بيتي هذا المساء

стр. 1449

كاسكا - لا. فإن لي موعداً آخر كاسيوس - فليكن الأمر غداً كاسكا - لا بأس إن عشتُ , وكان غذاؤك طيباً , وإن أنت لم تنس كاسيوس - سأكون بانتظارك يخرج كاسكا بروتوس - غريب أمر هذا! وكيف صار بطيء الفهم. فقد كان رفيقي في المدرسة وعرفته على جانب عظيم من الذكاء وسرعة الخاطر كاسيوس - أنهُ لا يزال سريعاً في التنفيذ سبّاقاً إلى غايات الشرف والشجاعة رغم ظاهره البطيء. وليست هذه الخشونة البادية عليهِ إلاَّ مرقاً في صحن ذكائهِ يذيقهُ الناس فيحسنون هضم كلامه بشهية بروتوس - وهو كذلك. سأتركك الآن. فإذا أحببتَ أن تراني غداً أجيئك. أو تعالَ أنت إلى منزلي. إني أكون بانتظارك كاسيوس - سأفعل. استودعكَ التفكير في شؤون هذا الزمان يخرج بروتوس. إنك شريف يا بروتوس. على أني أرى معدنك الشريف قد يُصكُّ ويجوَّل إلى غير وجهتهِ. ولذلك وجب أن لا يخالط الشريف إلاَّ الشريف , فالعصمة ليست لأحد , وأي الرجال لا يُستغوى. أن قيصر حاقدٌ عليَّ ولكننهُ يحب بروتوس. فلو كنتُ أنا بروتوس وكان بروتوس كاسيوس لما استطاع أن يثير مكامن عواطفي. فلأذهبنَّ الليلة وأكتبُ رسائل أرميها إليهِ من نوافذ بيته رسائل مختلفة الخطوط تشيرُ إلى ما له من عظيم المكانة في قلوب أهل رومه وتلمذح إلى أطماع قيصر ومآربه وبعد ذلك ليطمئن قيصر في مقعده إن استطاع للاطمئنان سبيلا. فإنّا سنهززه تهزيزاً أو نخضع للنحس طويلاً يخرج المشهد الثالث رعد وبرق يدخل كاسكا من جهة شاهراً سيف , وشيشرون من جهة أخرى شيشرون - السلام يا كاسكا. أكنتَ في ركاب قيصر حتى منزله؟ مالك

стр. 1450

تكاد تختنق؟ إلى أيّ شيء تحدّق كاسكا - وأنتَ مالك ساكناً لا تتحرَّك والأرض تكاد تميد بما فيها كورقة يهزُّها الريح. أي شيشرون! إني رأيت أعاصير اقتلعت الأشجار ذات العقد؛ وشاهدتُ البحر ينتفخُ ويرغي ويُزبِد طامعاً بأن يرتفع إلى السحب الغضبى ولكنني لم أرَ قبل اليوم عاصفة تمطرُ ناراً. فقد يكون أهل السماء قام بعضهم على بعضٍ عدوّاً. أو أن الأرض تطاولت على الآلهة فاستفزتها إلى إرسال صواعق الهلاك شيشرون - ماذا رأيتَ من الغرائب؟ كاسكا - رأيت عبداً رافعاً يده اليسرى تلتهب ناراً كأنها تضمُّ عشرين مشعالاً ولكنها سليمة لا تحترق. والتقيتُ بأسدٍ سللتُ له سيفي فكان يحملق فيَّ ثم سار بسلام. وثَمَّ يسيرون في الشوارع. والبارحه جثمت البوممة طائرُ الليل تنعبُ في رابعة النهار. . أفإِذا اتفقت هذه الخوارق على الوقوع يعللها الناس بأنها طبيعية ويخلقون لها أسباباً؟ أما أنا فأراها نُذُرَ سوءِ للبلد التي تحلُّ عليها! شيشرون - لا ريب أنهُ زمنٌ غريب الطوار. إنما الناس يؤوّلون على هواهم أموراً ليست مقاصدهم. أيجيء قيصر إلى الكابيتول غداً؟ كاسكا - يجيء فقد أمرَ أنطونيوس بأن ينقل إليك نبأ عزمه على الذهاب شيشرون - مُسيّتَ بالخير ليس هذا الطقس بلائق للسُرى كاسكا - بحفظ الله يا شيشرون يخرج شيشرون يدخل كاسيوس من ناحية أخرى كاسيوس مَن هنا كاسكا - روماني كاسيوس - أنتَ كاسكا. عرفتك بصوتك

стр. 1451

كاسكا - ُذنك سمَّاعة! أي كاسيوس ما هذا الليل؟ كاسيوس - إنها لليلة تسرُّ المخلصين الأمناء كاسكا - مَن رأى السماء تزمجر هكذا كاسيوس - الذين رأوا الأرض مملوءة ذنوباً. أنظر يا كاسكا! إني كما تراني قد خرجتُ أجول في الأسواق معرّضاً نفسي لأخطار هذا الليل , مفكوك الإزار معرّياً صدري للصواعق حتى إذا ما أرعدت وشقّت صدر السماء كنت أتعرّض لها مستقبلاً انقضاضها هكذا؟ كاسكا - ولم تستفزُّ السماء هذا الاستفزاز؟ أن علينا نحن البشر أن نخاف ونرتجف عندما ترسل الآلهة البطّاشة مثل هذه النذر الهائلة لترهبنا كاسيوس - إنك بليد يا كاسكا! فإما إنه يعوزك شررُ الحياة اللازم لكلّ روماني وأما أن يكون مخبوءا فيك لا تقدح بهِ. تلبس لباس الخوف والدهشة , ويعلو وجهك الاصفرار , وتحدّق لترى علة ملل السماء. ولو استقصيتَ السبب الحقَّ لوجدتَ أن هذه النيران وهذه الأشباح الزاحفة وهذا الطير والحيوان وهذه الأشياء جميعها لم تخرج عن مألوفِ سليقتها وأصل كيانها ولم يستعصِ سرُّ انقلابها على الرجال عاقلهم ومجنونهم وطفلهم , فضاع منهم سبب تحوّلها هذا التحوُّل الرهيب إلاّ لأمرٍ جللٍ خارق؛ وأن السماء قد نفخت فيهم هذه الأرواح لتجعلهم آلةَ رعبٍ وإنذار! أي كاسكا! هل أُسمي لك رجلاً هو أشبه الأشياء بهذا الليل - رجلاً يرعد ويبرق ويبنش القبورَ ويزأر كالأسد في الكابيتول - رجلاً لا يفضلك ولا يفضلني في الأعمال ولكنهُ نما فصار مخيفاً هائلاً كهول ما نشاهد من الخوارق. كاسكا - قيصر عنيت. ألم تعنهِ يا كاسيوس؟ كاسيوس - ليكن من يكون. تعساً لهذا الزمان! فإن للرومانيين الآن أعصاب أجدادهم وعضلاتهم. أما عقول آبائنا فقد ماتت وبقيت لنا عقول الأمهات

стр. 1452

أن نيرنا وصبرَنا عليهِ لمظهرٌ من مظاهر تخنّثنا كاسكا - يقال أن الأعيان ينوون المناداة بقيصر ملكاً يحمل التاج في البرّ والبحر وفي مكان خلا إيطاليا كاسيوس - إذن فإنا أعرف أين أغمد هذا الخنجر وأحرر نفسي من هذا الرق! إيهٍ أيتها الآلهة! إنكم في هذا تجعلون الضعيف قوياً وتقهرون المستبدين!. . . لا تستطيع الحصون الحجرية ولا الأسوار المصفحة بالنحاس , ولا السجون المخنقة , ولا سلاسل الحديد أن تقف حاجزاً في سبيل عزم نفس أكيد. إنما كنتُ أعلم ذلك - وهو ما يعلمه الناس كلهم - فإني أستطيع أن أنزع عني متى شئت هذا الاستبداد الذي أحمله كاسكا - هكذا أنا. وهكذا كل عبد يحمل في يده قوة تزيل عنهُ عبوديته كاسيوس - إذن لماذا يكون قيصر السيد المستبد؟ مسكين هو - الذنب ليس ذنبه. إنهُ لا يودّ أن يكون ذئباً لو لم يرَ الرومانيين حملاناً؛ ولا أن يصير أسداً لو لم يكن الرومانيين ظباء. إن أعظم النار التهاباً تبدأ بشرر في العشب الصغير البائد. يالرومة. ما آزراها وما أشبهها بالحثالة والنفاية حيث هي أداة هوان تُحرق مشكاةً لشيءٍ سافلٍ اسمهُ قيصر! رويدكِ نفسي لقد أضلتني شجوني , فقد أكون مخاطباً رجلاً راضياً بالرق. على أني أتحمل مسؤولية كلامي , فلا أخشى الخطر بعد أن سلحت لملاقاته عزيمتي كاسكا - إنك تخاطب كاسكا. وليس كاسكا بالثرثارة المهذار. ضع يدك في يدي! كن في عصبة تقوم في وجه هذه المساوئ , فأصبح واحداً منكم لا يسبقهُ إلى العمل سابق كاسيوس - هذا عهد بيننا. يتصافحان فليكن في معلومك الآن أني قد أثرت بعضاً من أشرف رؤوس رومه ليكونوا عوناً لي على أمر جلَل نبيل؛ وهم

стр. 1453

بانتظاري الآن في رواق بومباي في هذا الهزيع من الليل حيث لا سار في الأسواق. . . ما أشبه وجه الطبيعية بعمل دموي مخيف سوف نقدم عليهُ يدخل سنّا كاسكا - اختبئ هنيهةً! إنسان قادم على عجل كاسيوس - هو سنّا. اعرفه بمشيته. أنهُ صديق. ما لك تسرع يا سنّا؟ سنّا - أهلاً بك وفرحاً! يا لهول هذا الليل! إن بعضاً من قومنا رأى مناظر غريبة كاسيوس - أينتظرني القوم؟ قل! سنّا - نعم هم بانتظارك. ايه كاسيوس لو تستطيع أن تجعل بروتوس منا كاسيوس - اطمأن بالاً. خذ هذه الورقة للمجلس , وضعها في كرسي بروتوس الخاص بهِ بحيث لا يراها سواه , وارمِ بهذه إلى نافذة بيتهِ , علّق هذه على تمثال جدّه بروتوس؛ ثم تعالَ والحق بنا في رواق بومباي. أهناك داسيوس وتريبونيوس؟ سنّا - الكل عدا سمبر الذي خرج وراءك إلى بيتك. ها أنا أُسرع لأوزع هذه الأوراق حسب قولك كاسيوس - ثم ارجع بعد ذلك لى رواق بومباي. يخرج سنّا مخاطباً كاسكا كاسكا. هلمَّ بنا إلى منزل بروتوس قبل أن يفاجئنا النهار. ثلاثة أرباعه لنا الآن , وسنأخذه كله بعد هذا الاجتماع كاسكا - أن منزلته رفيعة المقام في قلوب الشعب وما يرونهُ تهجماً إذا صدر منا ينقلب بسحر هيبتهِ فضيلةً وإحساناً كاسيوس - لقد قدرته وفضله وحاجتنا إليهِ حق القدر. هيا بنا فقد آذن الليل بالانصراف , وسوف نكون واثقين منهُ قبل أن يلوح الفجر يذهبان تم الفصل الأول

стр. 1454

العدد ٢٨ - بتاريخ: ١ - ١١ - ١٩١٢ الرتب والنياشين الإنسان بطبيعته ميال إلى الزهو , توّاق بفطرته إلى التفوّق على أبناء جلدتهِ , شغفٌ بكل ما يميزه على الغير. تلك غريزة ملاصقة للنفس البشرية كيفما تكيفت وحيثما وُجدت. ولذلك ترى منح الرتب والنياشين من العادات القديمة المنتشرة بين جميع الأمم والشعوب , أيّاً كان شكل حكومتها ولطالما استخدمها الرؤساء والحكام لاستمالة أصحاب النفوذ من المرؤوسين والمحكومين , لأنهُ إذا كان للرعية ألف وسيلة تتزلف بها إلى عاهلها , فللعاهل فيما تجود به يده من نعم الألقاب والأوسمة أحسن ذريعة للتزلف بدوره إلى تلك الرعية. ولإِن روى لنا التاريخ حادثة ذلك الكونت الذي مننه ملكه بقوله من جعلك كونتاً؟ فأجابهُ , ويده على قائم سيفه أنت. ولكنني صيّرتك ملكاً فلكم روى لنا عن استكانة أصحاب الألقاب إلى الذل والخنوع لما نحيهم ذلك اللقب الذي يخوّلهم حق التشامخ على من كان عطلا منه. ولإِن كان قانون الولايات

стр. 1455

المتحدة يمنع الأميركيين من حمل الألقاب وعلامات الشرف , فلكم رأينا من أغنيائهم يسعون زحفاً لنزويج بناتهم صاحبات الملايين من ذوي لقب وإن كان نعدماً لا يملك شروى نقير. البحث في الرتب والنياشين من الأبحاث التي كثير خوض الكتاب فيها. فمن أن تقابل وتقارن بينها دون أن تتوصل إلى إقناع صاحب يقول عنها: علامة شرف , وشهادة نبل , ودليل مرؤة ورفعة: تقول هذا مجاج النحل تمدحهُ ... وإن ذممتَ تقُل قيء الزنابيرِ يسعى الآن فريق لإلغاءِ الرتب وإبطال النياشين وسائر علامات الامتياز. وحجتهم في ذلك نشر المساواة بين الوطنيين. ولاسيما أن هذه الامتيازات لا تزيد في قدر الرجل وليست دائماً في الواقع علامة امتياز حقيقي , بل كثيراً ما تكون موضوع تجارة سافلة من مانحيها , وذريعة للإعجاب والغطرسة من نائليها. ولطالما كانت موضوع الدسائس والمساعي الدنيئة في جميع أنواع الحكومات من إمبراطوريات وملكيات وإمارات وجمهوريات. وقد تبادر فكر إلغاء النياشين والرتب إلى ذهن رجال الثورة الفرنسوية الكبيرة فألغوا كل ما خلّفه عهد الملوك من الرتب والألقاب والنياشين , ولكنهم لم يلبثوا أن اضطروا إلى إنشاء غيرها ليجعلوها علالة لكبرياء الناس. فأوجدوا أولاً ما سمّوه أسلحة الشرف وذلك مكافأة للأبطال الذين امتازوا في حملة إيطاليا. ثم لما قبض نابوليون

стр. 1456

بونابرت على أزمة الأحكام أخذ يمطر ألقاب الامتياز على قواده , مضيفاً إلى أسمائهم الأصلية أسماء الانتصارات التي أحرزوها ف المواقع الحربية. وكان قد أنشأ وسام فرقة الشرف لجيون دونور وجعل عدد حاملي هذا الوسام ٦٠٠٠ فقط. فجاءَت الإمبراطورية الثانية وزادت على هذا الرقم أصفاراً فجعلته ٦٠. ٠٠٠ ولا يزال التاريخ يذكر ذلك الاحتفال الباهر الذي أقيم يوم وزّع بونابرت هذا النيشان على مستحقيه. ولا ينكر أن من الخدمات الجلّي ما لا يمكن إثابة من يقوم بها بالدراهم. وهذا ما يدّعيه مريدو الرتب والنياشين. فيرونها والحالة هذه أسمى ثواب وخير جزاء , فضلاً عن أنهم ينظرون فيها باعثاً للنشاط , معزّزاً للجدّ في سبيل الخير العام , مثيراً للعواطف النبيلة في النفوس وإذا كانت أحياناً تُنال عن طريق الثروة , فكثيراً ما تكون أيضاً جزاء عمل جليل يؤول إلى ترقية البلاد ماديّاً أو أدبيّاً أو علميّاً أو فنيّاً , فأصبحنا نراها على صدر الجندي والشاعر والعالم والمخترع وصاحب الفن , وصار عدد حاملي النياشين من هذه الطبقات يزداد يوماً فيوماً. وقد قال الشاعر الفرنسوي روستان عن لسان ابن نابوليون: كان بودّ أبي أن يجعل الشاعر كورنيل أميراً فسأجعلنَّ فكتور هوغو دوقاً. . وعلى كل فيجب التحفظ والاعتدال في توزيعها حتى تبقى علامة امتياز حقيقي لا تبتذَا فتفقد قيمتها في أعين الناس. ولا بأس في هذا المقام من إيراد نكتة للملك فكتور عما نوئيل الإيطالي فإنهُ كان يقول شيئان لا يمكني أن أرفضها لأي رجل فرنسوي يطلبهما مني بتأدب: عود كبريت ليولع

стр. 1457

سيجارته , ونيشان القديسين موريس ولا زار ليزين صدره. . ولقد اشتهر أمر كثيرين من مشاهير العلماء وكبار الرجال الذين رفضوا بتاتا الرتب والنياشين , وكان رفضهم عن إخلاص في الاعتقاد ورسوخ في المبدأ. غير أن رفض البعض كان ينمّ عن كبرياءٍ حقيقة وعجرفة فعلية. وما الرتب والنياشين في الحقيقة إلاّ كمصباح يحمله الإنسان , فيبدي عيوبه إذا كان ناقصا , ويُظهر محاسنهُ إذا كان كاملاً. قال أحد كتَّاب الغربيين: يجب أن نعجب لا أن نضحك من هذا الاختراع الكبير - اختراع الأوسمة والنياشين - فهو اختراع قوة أدبية لنيل قطعة من المعدن يرون فيها أمجد مجد وأشرف شر وأعظم جزاء هذا جنون ولكنهُ جنون جميل. كأن الناس خافوا على هذه الامتيازات من الطامعين فيها يدّعونها كذباً وزوراً فجعلوا في القانون مادة تعاقب بالسجن من ستة أشهر إلى سنتين من يحمل نيشاناً لم يُنعم عليهِ بهِ , كما أنهم يغرّمون من ينتحل لنفسهِ لقباً من ألقاب الشرف جزاءً نقدياً من ٥٠٠إلى ٢٠٠٠٠ فرنك. وأحسن ما يختم بهِ هذا المقال كلمة جامعة شاملة على إيجازها , لأحمد فارس الشدياق عن الألقاب قال: هي خرقة تستر عورة الاسم الذي أُطلق على المسمى. . بل هي كالبطاقة شُدَّت إلى لابسها ليعرف بها سعره. إلاَّ أنه كثيراً ما يقع الغلط في إلصاقها بمن ليس بينهُ وبينها علاقة. . .

стр. 1458

بعد أن تكلمنا عن الرتب والنياشين من الوجهة الأدبية الاجتماعية , يجدر بنا أن نقول عنها كلمة من الوجهة التاريخية. تقدم أن منح النياشين وعلاقات الشرف والامتياز عادة قديمة. وكان أبطال الرومانيين عدا ما يصيبهم من الغنيمة على العدو يُثابون بأسلحة شرف يوزعها عليهم بنياشين وعلامات يتزينون بها في الحفلات العمومية , كما هي العادة اليوم , وأشهرها الأكاليل. فكان إكليل المعسكر يُمنح لأول جندي يدخل معسكر الإهداء , وإكليل الحصن لأول جندي يهاجم قلعتهم. وكان يُنعم بإكليل البحر على القائد البحري الذي يكسر أسطولاً أو على النوتي الذي يسبق رفاقه بالصعود إلى مركب العدو. أما إكليل الزيتون فكان للعساكر والضباط الذين ينقذ حياة أحد الرومانيين. وكان الجيش يقدّم إكليل الكلإ للقائد الذي ينجيه من أيدي العدو. أما إكليل الآس وإكليل الغار فكانا للقائد الذي يخرج شعب رومة لملاقانهِ بعد العودة من فتح كبير أو انتصار باهر. وعلى عهد الإمبراطورية الرومانية , وُضع حدٌّ فاصل بين هذه الإنعامات. فكانوا يسمعون الأكاليل الإنعامات الكبرى أما الإنعامات الصغرى فمنها الِوار في الذراع والقلادة في

стр. 1459

العنق والدائرة على الصدر والقرون على الخوذة. وكانت هذه الشارات من الذهب أو الفضة. وكان منح الإنعامات الكبرى من حق مجلس الشيوخ السناتو أو الجيش , ومنح الإنعامات الصغرى من حق قواد العساكر. وكان يحوز للروماني أن يُحرز كل هذه الامتيازات معاً وعدداً كبيراً منها. فإن سكسيوس دنطاطوس نال ٢٢ رمخ شرف و٢٥ اسطوانة و٨٣ قلادة و١٦٠ سواراً و٢٦ إكليلاً. أما قدماء اليونان فلم يكن عندهم كل هذه الأنواع الكثيرة من علامات الشرف. وأشهرها عندهم الإكليل ولخطيبهم الأكبر ذيموستينوس خطبة معروفة في هذا الموضوع. وكانت علامات الامتياز في ما مضى عسكرية على الغالب للتميز بين القواد وطبقات الضباط والعساكر. على أن الملوك أخذوا يوجدون الأوسمة الخاصة ينعمون بها على كل من خدم بلاده. فأنشأ شارلمان وسام التاج الملكي والملك لويس التاسع وسام كوز اللزّان والملك جان وسام النجمة والملك هنري الثالث وسام الروح القدي وأشأ لويس الراع عشر وساماً باسم جده الأكبر القديس لويس واتخذ لويس الرابع عشر من هذا الوسام طبقة ثانية سماها وسام الاستحقاق العسكري للإنعام به على غير الكاثوليك من رعاياه. ولما جاءَت الثورة الفرنسوية ألغت جميع الألقاب والنياشين. على أن نابليون أعادها فأنشأ نيشان اللجيون دونور كما تقدم

стр. 1460

مقالات باكون ٣ - الانتقام وما مات منا سيّدٌ حتفَ أنفهِ ... ولا طُلَّ منا حيث كان قتيلُ الانتقام عدالة الوحشين. وإذا امتزج حبهُ بالنفوس يكون كالسُّم خالط الشراب؛ لأن من يقترف ذنباً يضرُّ بنظام الشرائع؛ وأما من حقد على عدوّ له , وأخذ بثأر قتيلٍ , أو شرفٍ ناله أذى , فإنهُ ينتزع سلطة الشرائع ويعبث بها. على أن من قابل السيئة بالحسنة , وعفا عمن أذنب , فقد أمسى كريماً , لأن العفو من شيم الكرام. وأما من استكبر , وقابل الإساءَة بأختها , فقد حطَّ من مقدار نفسهِ , ووضعها ونفسَ المسيء على بساط المساواة. وقد كان سليمان الحكيم يقول: إن الجنة مأوى الغفور. وما الانتقام إلا تمرّد في النفس قد أنبته ذنب انقضى عهده. فما لنا وذلك الماضي الذي فات , وخير لنا أن نعني بيومنا وغدنا من أن ننظر في شأن أمور كانت بالأمس. وليس الظلم من شيم النفوس , إنما حب النفس يدفع الناس إلى الظلم والشر. فكل يظلم لمغنم يستجلبه , أو لحاجة في نفسه يقضيها , أو لنيل شرفٍ يسعى ليدركه. فماذا علينا من رجل يحب الخير لنفسهِ , ويكرههُ لغيره. أما من يظلم الناس ليشفي غليلاً في الفؤاد , لأن الشرّ

стр. 1461

كامن في نفسهِ كمون الكهرباء في الأجساد , فهو خليق بالرحمة والغفران , لأنهُ كالأفعى ليس لديها الأسمها. ولقد يُزكى الانتقام , إذا كان لذنب لا ينال المذنب عليهِ عقاب سوى الأخذ بالثأر. على أن الانتقام في مثل هذه الحال جدير بأن لا يكون ذنباً يقع آتية تحت طائلة العقاب وإلا يكون المنتقم قد ألقى بنفسه في التهلكة وأصابه الشر مرتين. وأشرف أنواع الانتقام ما كان على مرأى من الناس ومسمع. فليس الغرض من الانتقام أن ترد الإساءَة إلى من أساء إليك , إنما الغرض أن يتوب المسيء عن الإساءة , ويعلم أن هذه بتلك والبادئ أظلم. وقد ينتقم الجبان لنفسه تحت طي الخفاء , فيكون كالسهم أرسلته القوس تحت جنح الظلام. وقد يعفو الناس عن المسيء إن كان عدواً لدوداً , ولكنهم لا يلتمسون للصديق عذراً , إذا نقض عهداً , أو خان وداً. ومن الناس من يفتأ يذكر الثأر والانتقام , فيبقى جرح نفسه غير ملتئم أمدً فيقضي عمره بين الهم والكدر. ولو أنه نسي ما فات لالتأمت جراحه. وقد يقوم المنتقم للانتقام وهو آمن شر العاقبة , لأن الله يعضده والناس , وذلك المأخوذ بثأره كبيراً بين قومه , قد غدره أعداؤه وأوقعوا بهِ ظلماً. فقد هبّ أغسطس قيصر للانتقام ممن أراقوا دم يوليوس قيصر , فعضده أهل رومه وأخذوا بيده وحكموه فيهم.

стр. 1462

٤ - الدرس والمطالعة إن للدرس والمطالعة نفعاً كبيراً: فإن الخلوة بالكتّاب تشرح الصدر وتحسن الحديث وتزيد القارئ علماً وعرفاناً. وأيُّ شيءٍ أحبُّ إلى من هجر الدنيا ومن عليها من كتاب يجلس إليهِ؟ وأيُّ شيءٍ أنفع إلى رجلٍ يحبّ إذا ما فاه أن يفوه بالقول البليغ من كتاب يحسّن لفظه؟ وأيُّ شيء يعلم رجل الدنيا كيف يسير في الدنيا غير كتاب مفيد؟ وإنك لا تجدر رجلاً يدبر أُمور غيره وينظر بشؤون أمته ويأخذ على عاتقه عبئاً ثقيلاً , إلاَّ وهو على بيّنة من العلم , ونصيبه من المعرفة وافر. على أن لكل نافع ضرّاً. وليس ضرُّ العلم بناشئ منه. إنما يعاب صاحبه إذا لم يسلم من ثلاث: الإفراط فيهِ والإعجاب ومزج العلم بالعمل. فإن الإكثار من الدرس والمطالعة والعلم يورث الخمول. وأنك إن حاولت إظهار معرفتك في حديثك فقد عرَّضت نفسك للنقد واللوم. وأنك إن شئت أن تسير في عملك وفقاً لغرض علمك فأنك لا تستطيع. وليس الغرض من العلم أن يكون كل بضاعتك؛ إنما هو كالصقل لليماني , فإنه يشحذ القرائح ويخرج القوى الكامنة في النفس فتبدو كالأحجار الكريمة إذا أخرجها العامل من جوف الأرض أو قاع البحر وصقلها فبدت محاسنها وخفيت عيوبها. على أن العلم في حاجة إلى التدريب وليس يكفيك أن تكون ذا علم واسع أن لم تكن قد هذبتك الأيام وأمسيت لمعول الحوادث صفاً صلداً. لأن العلم كالأسد الهصور لا تستطيع أسره إلاّ إذا كبلته بقيود من اختبار.

стр. 1463

وقد يكون أحدنا ماكراً ختلاً مخادعاً , فيسخر بالعلم ويسكن إلى خداعه ومكره لأنهما يمكنانه مما يريد. وقد يندهش الجاهل منه. إنما لا يستطيع أن ينتفع به إلاَّ العاقل الحكيم. فإنه يعلم علم اليقين أنَّ العلم ليس إلاّ مشكاة يستضي بها في ديجور هذه الحياة الدنيا فعليها النور وعليهِ المسير. وليس الغرض من المطالعة أن تنتقد قول المؤلف أو تنقض آراءَه , أو لتأخذ كلامه قضية مسلمة لا نزاع فيها , أو لتتمشدق بما قرأته على رؤوس الإشهاد , لتظهر للملأ أنك تقرأُ الكتب؛ إنما الغرض أن تزن أبحاث الكاتب وتمعن النظر في مقدماته ونتائجه. على أن الكتب كالطعام: بعضه تذوقه ولا تأكله , وبعضه تلتهمه التهاماً , وبعضه تلوكه وتهضمه هضماً. فبعضها تقرأ زبده , وبعضها تطالعه بلا إمعان كثير , وبعضها تطالعه وتدرسه درساً دقيقاً وتمحصه تمحيصاً. وفي مطالعة الكتب منافع غير التي ذكرت ثلاث. فالدرس يدّخر منهُ العقل حكمة. فالدرس يمدّ العقل بالحكمة فيدّخرها , والجدل يشحذ الذهن ويوقد القريحة , والاقتباس يورث الدقة والإتقان. فإذا كنت ممن لا يطالعون كثيراً , فأنت في حاجة إلى ذكاءٍ تخفي به جهلك؛ وإن كنت ممن يفضلون راحة البال على الجدل والمناقشة , فأنت أحوج الناس إلى ذهن حادّ يدلك على كلام تلقي به حجة خصمك؛ وإن كنت قليل الاقتباس فأنت في حاجة إلى حافظة شديدة تتقي بها شرَّ النسيان. وكل فرع من شجرة الحكمة يوسع دائرة من دوائر العقل. فالتاريخ

стр. 1464

يعلّم الناس فنَّ السياسة , والشعر يولّد الآراء السامية , وفنّ الرياضيات يعلّم الدقة , والعلوم الطبيعية تكون واسطة للتبحر في العلم , والفلسفة الأدبية تورث الحزم والثبات , والمنطق والبلاغة يقرّبان المرء من المقدرة على الخطابة والمناظرة. وليس في العقول نقص لا يكلمه العلم , أو عاهة لا تشفيها الحكمة. وكما أن لكل داءٍ من أدواءِ الجسم جدواءً يشفيهِ فالمشي ذهاباً وجيئة ينفع الأمعاء , وركوب الخيل يشفي المخ , والرماية تصلح الرئتين. فمن كان قليل الانتباه فدعه يدرس الرياضيات فإنهُ إن سها أو نسي أو أخطأ فيها مرةً , تكبد مشقة العمل ثانياً , وإن آنس من نفسه عجزاً في الاستنتاج فدعه يصرف قليل وقت في مطالعة المناظرات الدينية. وإن أحس من نفسه بضعف في ضرب الأمثال فدعه يقرأ كتب الشرائع والقوانين محمد لطفي جمعه المحامي المودة الكاذبة إن أهل الدنيا يتعاطون فيما بينهم أمرين , ويتواصلون عليهما؛ وهما ذات النفس , وذات اليد. فالمتبادلون ذات النفس هم الأصفياء. وأما المتبادلون ذات اليد فهم المتعاونون ذات يلتمس بعضهم الانتفاع ببعض. ومن كان يصنع المعروف ببعض منافع الدنيا , فإنما مثلهُ فيما يبذل ويُعطي كمثل الصياد وإلقائهِ الحبّ للطير , لا يريد بذلك نفعَ الطير وإنما يريد نفع نفسه. ابن المقفع

стр. 1465

النساء الرجال اطلعنا على الفصل التالي في إحدى المجلاَّت الفرنساوية فرأينا أن نترجمه لما فيه من بيان فضل المرأة الغربية , وفوزها على الرجل في كثير من الأعمال الجلّي التي قلما يقدم عليها غير الشجاع الباسل. وهو مكتوب بقلم السيدة ريموند دلاروش الطيَّارة الفرنساوية التي أدهشت بطيرانها المتفرجين في حفلة عين شمس بمصر في شتاء سنة ١٩١٠. وقد أرادت بنشره أن تردَّ على جمهور من الكتَّاب قام ينتقدها على أثر سقوطها من الجوّ في حفلة الطيران في مدينة ريمس ويُعنّف من أجلها سائر النساء بدعوى أن المرأة لا تستطيع ما يستطيعه الرجل. قالت الكاتبة: تعجب بعضهم من إقدامي على الطيران , وأدهشتهم جرأتي ومخاطرتي أحياناً كثيرة بدعوى أن الطيران خاص بالرجال لا يتعداهم إلى النساء. ثم انقلب تعجّبهم ودهشتهم إلى انتقاد وتأنيب يوم وقعت بي طيارتي في مدينة ريمس فأصبتُ ببعض الجراح والرضوض؛ ولو أسعدني الحظ فلم أقع لحوَّل أولئك الناس تعجبهم ودهشتهم إلى إعجاب بفضلي , وإقرار بعلمي , وكان مديحهم لي وثناؤهم على جراءَتي وخبرتي بدلاً من الانتقاد والتأنيب اللذين وجهوهما إليَّ! أو لم يقولوا علناً على أثر إصابتي تلك إنني حصدت ما زرعت , ولقيت ما سعيت إليه؟؟ قلت مراراً عديدة من قبل , وأنا أكرّر اليوم ما قلتهُ بالأمس أن الطيران ليس بأعظم خطراً من سواه بين أنواع الرياضيات البدنية والاختراعات المعدة لها. وإذا جازلي أن أتباهي بكوني أول امرأة لامست

стр. 1466

الغيوم , وصعدت إلى عالم النجوم فأشرقت من أعالي الفضاء على هذه الأرض , وقسم لها شؤم حظها أن تقع مرة من شاهق فتصاب بالجراح والرضوض , فإني لست المرأة الأولى التي قارعت الرجال في كثير من أنواع الرياضة , وركبت من الأخطار كل مركب صعب , فدلَّت على جلد ثابت , وشجاعة فائقة. إن نساء كثيرات وأخص الانكليزيات والأسوجيات والدانماركيات بلغنَ حداً قاصياً في إتقان بعض الرياضيات كالجمنستيك , وكرة القدم بجميع أنواعها , والسباحة , ولعب السيف , وركوب السيارات والدرّاجات وهلمَّ جرّاً من أمثال هذه الفنون المروّضة التي اختصَّ بها الرجال دون النساء! ولقد وددت لو تمكنت من ذكر جميع الشهيرات في العالم في مثل هذه الأعمال غير أني سأقصر كلامي على بعضهنَّ مخافة أن يطول المجال. وسيرى القارئ من خلال حديثي هذا أن في وسع المرأة أن تسير إلى جانب الرجل وترفع رأسها تباهياً وكبراً. جرَّب كثيرون أن يقطعوا خليج المانش سباحة فلم يُفلح منهم سوى القبطان وب في سنة ١٨٧٥ على أنهُ كان بين أولئك المجرّبين امرأتان اشتهرتا بإِقدامهما , حداهما البارونة فالبوكادساسكو والثانية الآنسة كلارمن. أما الأولى وهي نمسوية اشتهرت بالسباحة في نهر الدانوب الطونة

стр. 1467

ومصادمة التيار فيهِ , فإنها نزلت البحر في كاله في الساعة السابعة من صباح اليوم الخامس من سبتمبر أيلول سنة ١٩٠٠ فعاكسها التيار وتقاذفتا الأمواج واللجج نحواً من ست ساعات متوالية حتى خارت قواها فأقرَّت بفشلها بادئ ذي بدسِ حتى إذا أراد المركب الذي كان يرافقها أن ينقلها إليهِ أبت عليها كبرياؤها الإقرار بالعجز فعادت تعارك الأمواج وتغالب اللجج حتى كانت الساعة الخامسة مساءً فتلاشت قواها تماماً ولم يعد في وسعها الثبات فأعلنت عجزها بعد مكافحة عشر ساعات. وكانت المسافة التي قطعتها ثلاثين كيلومتراً. وأما الثانية فنزلت إلى البحر من دوفر في صباح اليوم السادس والعشرين من أغسطس سنة ١٩٠٥ فسبحت ست ساعات متوالية وكاد يسعدها الحظ ببلوغ أمنيتها لولا أن عاكستها الريح بعد ذلك وغالبها التيار فلم تتمكن من قطع ما كان قد بقي أمامها من المسافة إلى البرّ الفرنساوي. ومما يؤثر عن هذه المرأة قطعت سباحة مسافة ٣٧ كيلومتراً في ثلاث ساعات وإحدى عشرة دقيقة. وبين النساء السبَّاحات كثيرات اشتهرنَ بجلدهنَّ وقوتهنَّ ولإقدامهنَّ على منازعة الرجال الجوائز في السباقات المتنوعة , وأشهرهنَّ الأختان الشقيقتان مارث وسيسل روبرت السويسريتان , والآنسة مارفنت الفرنساوية , والآنسة فردندوفر النمساوية , والآنسة جونسون الانكليزية. وقد طالما وضعت أندية الألعاب المروّضة في الدانمارك جوائز كبيرة

стр. 1468

للسابقين في السباحة فنال كثيرات من النساء عدداً منها بعد أن زاحمنَ أشهر السباحين في سبيلها فتغلبنَ عليهم , وعرف الجميع مقدرتهنَّ وسبقهنَّ في هذه الرياضة الخطرة المتعبة فأقرّوا لهنَّ بالفضل. ومن الأعمال التي اختص بها الجنس القويّ دون الجنس الضعيف التصعيد في الجبال العالية المغطاة قممها بالثلوج , والمحفوفة سبُلها بالأخطار والمكاره كجبال الألب في أواسط أوروبا. كل من زار سويسرا في الصيف عرف أن كثيرين من الأجانب عنها إنما يؤمونها بغية التصعيد في جبالها فيسير الواحد منهم متوكئاً على عصا طويلة صلبة يغرزها قدامه في الثلج ويتنقل وراءها بحذر وانتباه شديدين مرتقياً قمة فقمة , وهو لا يأمن أن تزلّ بهِ القدم فيهوي من شاهق إلى أسفل حيث لا ينجو من الهلاك إلا بأعجوبة بالغة. وكثيراً ما تتدحرج عليهِ القطع العظيمة من الثلوج فيموت شرّ ميتة. فلهذا كله كان التصعيد في تلك الجبال عملاً طلباً للشهرة. على أن كثيرات من النساء قد صعّدنَ في جبال الألب وفزنَ بالغاية القصوى منها. فإن مسز سايرس الانكليزية فازت مرتين أيضاً وكان زوجها رفيقها فيهما. وفازت مدام رهاتش مرة برفقة زوجها أيضاً , ومدام فون شزايو مرتين أيضاً وكان رفيقها فيهما مسيو أولر. فكان فوز أولئك النساء مدعاة لإعجاب الناس وإكبارهم هذه الأعمال الشاقة تأتيها المرأة المنسوب

стр. 1469

جنسها إلى الضعف والوهن. واشتهر عن الرجل دون المرأة أيضاً إطلاق المسدسات , وإتقان الإصابة بها. غير أن بعض النساء اللواتي جرّبنَ هذا العمل برعنَ فيه براعة أقرّ بفضلها الرجال أنفسهم. فإن سارة برنار الممثلة المشهورة معروفة بأنها قلما صوَّبت فأخطأت. ومثل سارة برنار الآنسة لويزابايما فإن شهرتها في ذلك لا تقلّ عن شهرة زميلتها الممثلة الطائرة الصيت. ومما يؤثر عن براعة النساء في الإصابة بالرصاص أن الماركيزة دي نسل غارت من الكونتس بولينياك وكلتاهما كانت تحب الدوق ريشيليو , فتبارزتا واختارتا الرصاص دون السيف وقد كانتا مشهورتين بإتقان الرمي ولا تخطئان المرمى إلا نادراً. فلما تقابلتا في ساحة البراز أطلقت المركيزة رصاصها أولاً فأخطأت مرماها عمداً غير أن الكونتس اكتفت يومئذ بأن تقطع برصاصها إذن ضرّتها عقاباً لها. وممن اشتهر بهذا الفن البرنسيس تشيكا الرومانية فإنها كسرت ١٥ لعبة بخمس عشرة رصاصة بعد التصويب بل تبعاً لإشارة المشاهدين. أما المبارزة بالسيف فقد اشتهرت بها نساء كثيرات أيضاً لأن في هذه المبارزة مجالاً للمرأة لأن تستخدم نظراتها الحدة الصائبة , ورشاقة قدها , ولين أعضائها , وخباثتها الفطرية. وإن في تاريخ انكلترا شاهداً بليغاً يصحُّ أن يتخذ دليلا على براعة النساء بالمبارزة. فقد حدث في اليوم التاسع من ابريل سنة ١٧٨٧ إن الشفاليه سان جورج وهو أعظم

стр. 1470

من اشتهر بضرب السيف وإتقان المبارزة بهِ بارز السيدة ديون الانكليزية في منزل لورد بروكهام بحضرة ولي عهد انكلترا يومئذٍ وعدد غفير من لوردة الانكليز , وكبار رجالهم. فأسفرت المبارزة عن إصابة السيدة ديون للشفاليه سان جورج سبع مرات متوالية بدون أن تمكنهُ من إصابتها مرة واحدة. أما اليوم فإن انكلترا وفرنسا تتباهيان بوجود نساء عارفات بهذا الفن كمسز سندرسون ومدام فيني في لندن , ومدام اميل مارينياك , والآنسة كاميل ليففر في باريس. وانتقلت مدام دلاروش من هذا الحديث في مقالها إلى ذكر الشهيرات في ركوب الدرَّاجات والسيَّارات , فسمَّت النساء الشهيرات فيهما وذكرت عدداً من اللواتي ربحنَ الجوائز وفزنَ بها على الرجال وذلك في حديث يطول , حتى انتهى بها البحث إلى الطيران فقالت أنها أول امرأة طارت. ولكنها ليست بالطيَّارة الوحيدة الموجودة اليوم بين جماعة الطيَّارين. ثم قالت أنها ذكرت يسيراً من كثير عن شجاعة المرأة وإقدامها وتفوّقها في هذه الأعمال بالرجال دون النساء. ونقول - ونحن قد اختصرنا أقوالها كثيراً أيضاً وصرفنا النظر عن أعمال وألعاب جلَّي فلم نذكرها - هل يصح بعد ذلك أن يقال الجنس القوي والجنس الضعيف على تعميم وإطلاق هاتين الصفتين؟؟

стр. 1471

في رياض الشعر الثلاثون عاماً طلُّ الثلاثين عنكَ اليوم منتقلُ ... هل أنتَ من بعدها بالعيش محتفلُ بعد السنين التي كانت محبّبة ... ثم انقضتْ فتقضّي الأنسُ والجذَلُ تلك الليالي التي قضيتها حلُماً ... ما كان أقصر حلماً كلهُ غزلُ ماذا لقيتُ من الدنيا وما عَلقت ... منها يداي وما إن عشتُ أقتبلُ لاحتْ كواكب ليل الشعرِ تُنذرني ... بأنني عن مغاني اللهوِ مرتحلُ إن أنكرتني العيونُ السودُ رانيةً ... فطالما عرفتني تلكم المقلُ أيامَ أخطرُ في روض الصبا مرِحاً ... تميلُ بي نشوةُ الدنيا وتعتدلُ والغيد تبسم لي من ل ناعمةٍ ... في خدِّها ويديها تصدقُ القُبَلٌ ما لي تروّعني الذكرى وتفتنني ال ... دنيا وما لي في معروفها أملُ ألا يخفّ عني أنني رجلٌ ... قد أنقضتْ ظهرَهُ أيامهُ الأولُ لعلَّ شيبي الذي راعت بوادرُهُ ... نورٌ تضيءُ بهِ للتائه السبّلُ أسرفتُ في حبّ دنيا لا بقاء لها ... وعشق ملك وشيكاً عنهُ أنتقلُ فالناس قد خلقوا لا للبقاء بها ... بل للترحّل لولا أنهم غفلوا أين الألى نحن نمشي في منازلهم ... أين المواكب والأقيال والدولُ العقلُ يستهجنُ الدنيا ويمقتها ... والقلبُ مستغرَق فيها ومختبلُ فليس من راغبٍ عنها وإن رغبت ... عنهُ وكلٌّ لهُ في جذبها حيلُ

стр. 1472

لا راهبٌ ساكنٌ في الدير منصرفاً ... عنها ولا عابدٌ في الغار معتزلُ فاكدح إلى الله كدحاً غير ملتفتٍ ... لزينة الأرض والحق بالأُلى وصلوا وابرأ إلى الله ليس العصر مرتقياً ... ما دام يزري بما جاءت بهِ الرّسلُ أين التمدُّن والأهواءُ غالبةٌ ... والناس مثل وحوش الغاب تقتتلُ حلفا محمد توفيق علي يوزباشي بالجيش المصري التمدُّن العصري ننشر الأبيات الآتية من قصيدة عصماء جاءتنا من شاعر من أكبر شعراء العراق: يقولون أحيى المغربان حضارةً ... وهل حَييت إلاّ لمصلحة الذاتِ يعيش سعيدٌ مفردٌ بين معشرٍ ... شقيٍّ وحيٌّ واحدٌ بين أمواتِ وكم جائعٍ يرنو إلى مُتفكهٍ ... وعادم قوتٍ حول واجد أقواتِ وكم جسدٍ فوق الأخادع شاخصٍ ... إلى جثةٍ تحت الأخامص مُلقاةِ وما الزمن الماضي بأعظمَ محنةً ... من الحاضر الموصول بالزمن الآتي ولم أر كالإنسان ربّ شرائعٍ ... حديثات وضعٍ أو شرائع موحاةِ ولكنهُ لم يطوِ ليلَ ضلالهِ ... هدى شارع في الأرض أو في السموات يظنون هذا العصر عصر هدايةٍ ... وأجدر أن ندعوه عصر ضلالاتِ فإن خرافاتٍ مضت قد تبدَّلتْ ... حقائق إلاّ أنها كالخرافاتِ وأكذبُ عصرٍ ما تشدَّق أهلهُ ... على ظلمهم بالعدل أو بالمساواة ذئابٌ وشاءٌ لا الذئاب رواجعٌ ... عن الغيّ أو تعدو على زُمر الشاةِ

стр. 1473

ألا هل يعود الدين وهو مُشَتّتٌ ... جماعاتِ هذا العصر جامع أشتاتِ ولكن أبوا إلاّ التنازُعَ فالتقتْ ... أدلةُ نفيٍ في أدلة إثباتِ محمد رضا الشبيبي الكريم قامت تُعنّفني على تبديدي ... مالي لفعلِ المكرمات وجودي وتقول ماذا قد حفظتَ لصببةٍ ... يبكون بعدك ربَّهم وعميدي هل ذكرُك المحمود يُشبع جوعهم ... أو فخرُك الموهومُ يستر جيدي أكرمتَ حتى حاسديك فهل ترى ... أن الحسود يسرّ بالمحسودِ هم يحمدونك في الرخاء فإن بدتْ ... لك شدةٌ عمدوا إلى التنديد. . فأجبتها كفّي ملامكِ إنني ... لابنُ المكارم عن أبي وجدودي أُعطي إذا منعوا وأمدح أن هجوا ... شتان بين طريفهم وتليدي وأنا ابنُ بجدتها إذا قلمٌ جرى ... فوق الطروس أكرُّ كرَّ الصيدِ فأزّين القرطاس لا فحشاً ولا ... فُجراً وكلُّ القارئين شهودي أتبره السودان محمد فاضل بالجيش المصري السلطان الغازي أقول لظبي راعني زهرُ حسنهِ ... حنانيك قلبي فيك يرجو الأمانيا غزوت قلوبَ الناس حتى ملكتها ... تباركت سلطاناً وحيّيتَ غازيا محمد علي حامد حشيشو

стр. 1474

الفكاهة في الشعر أسبوع فلورة أو تكريم الكلاب لا أعني تكريم كلاب المجاز؛ فليس تكريمُ هذه الكلاب بالأمر الطارئ أو البدع الغريب؛ وما خلا زمانٌ ولا مكان من كلبٍ من كلاب الأنس علا بهِ الجدُّ إلى حيث باتت تتزلف إليهِ الأسود , وتمشي بين السباع. وإن المرءَ ليجد كيف سار إنساناً له خسةُ الكلب ونذالته , وليست له نظرته وأمانته. والناس تظلم الكلاب بحشره في زمرتها , ويرون نهاية الزراية وصفهُ بصفتها. وأن الكلبية لنبرأ براءة الإنسانية منهُ. . . ولكني عنيتُ الكلاب ذات الأذناب وقد وصفها العرب ورثوها ومدحوا خفتها وسرعتها , ولكنهم لم يسبقونا إلى الاختفاء بها , والاحتفال بولادتها وتسميتها , وأن حقّاً على الناس أن يمجدوا الأمانة حيث كانت وأين ظهرت , فهل نُلام إذا نحن مجدناها في مخلوق من مخلوقات الله؟؟ اجتمعنا في رهط من الأدباء ليلة من الليالي , وجعلنا مناسبة اجتماعنا مضيَّ أسبوع على ولادة كلبة لبعض أصدقائنا. فقلتُ أبارك للنفساء وأحيي المولود: أعلني يا فلورة الأفراحا ... واملأي الأرض والسماَء نباحا ما حبا الدهر بنتَ كلبٍ بأعلى ... من ذراريكِ عنصراً ولقاحا ابشري دولةَ الكلاب بجروٍ ... سوف ينفي عن قومهِ الأتراحا ما تقضّي الأسبوعُ إلاّ وأمسى ... يذرع الدار جيئة ورواحا خلع الليلُ والنهار عليهِ ... فتوارى عن العيونِ ولاحا حرَّك الدهرُ ذيلهُ حين وافى ... وعوى الكون بهجةً وانشراحا سوف يغدو على الكلاب أميراً ... يُفزِع الأسدَ وثبةً وصياحا بل سيمحو عن الفصيلة ضيماً ... بات عاراً لنسلها فضَّاحا بل أراه يُقيم ما أعوجَّ منها ... من ذيولٍ فتستقيم صحاحا

стр. 1475

بل أراه يعيد سيرة قطمير ... وقاراً وفطنةَ وصلاحا لا أصابت عصا لئيم قفاه ... أو ثوى في الطريقِ ليل صباحا لا ولا عضَّةُ من الجوع نابٌ ... يُثخنُ الناس والسباع جراحا أو ترامي على الموائد يوماً ... يرقبُ العظمَ سائلاً ملحاحا أو براه داءُ الكلاب وأخفى ... بين جفنيهِ عسجداً لمَّاحا كان إيواؤها حراماً فلما ... جاء أضحى لنا حلالاً مباحا قد فرحنا في عيده وطربنا ... وشربنا في نخبهِ الأقداحا يا كليباً أزرى بذكر كليب ... لا تظننَّ ما نقول مزاحا ما مدحتُ الأنام يوماً وإني ... لست آلوك يا كليب امتداحا أعجم الناس في المودَّة بكماً ... وتلا عهدها الكلاب امتداحا إنَّ عيَّ اللسان خيرٌ من النط ... ق إذا ان للأذاة سلاحا وسعار الكلاب أهون شرّاً ... من سعار يمزّق الأرواحا عباس محمود العقاد بالأوقاف بمصر حافظ بك المنشاوي إن صحّ في رجل أن ينعت بالسريّ النبيل , فإن حافظاً من أجدر كبراء القطر المصري بهذا النعت. وقد فزنا برسالة وقصيدة أهديتا إليه في هذا الشهر بمناسبة إنعام الحضرة الفخيمة الخديوية عليه بالوسام العثماني الرابع بصفته أحد أعضاء الجمعية العمومية. فآثرنا نشرهما لبلاغتها وللدلالة على ما لسليل أسرة المنشاوي من المكانة في نفوس الأدباء أما الرسالة فهي من قلم الذكي النجيب محمد بك البابلي , وهذا نصّحها البليغ بعد الديباجة: تالله , لو صاغوا لك من الثريا وساماً , وجعلوا فوق السماكين لك مقاماً , ما حلّوا صدرك بأحلى وأشرف مما انطوى عليهِ من كرم , ولا زادوا مكانك رفعةً
следующие страницы →