Полный текст (2 201 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.
стр. 1471
في رياض الشعر
الثلاثون عاماً
طلُّ الثلاثين عنكَ اليوم منتقلُ ... هل أنتَ من بعدها بالعيش محتفلُ
بعد السنين التي كانت محبّبة ... ثم انقضتْ فتقضّي الأنسُ والجذَلُ
تلك الليالي التي قضيتها حلُماً ... ما كان أقصر حلماً كلهُ غزلُ
ماذا لقيتُ من الدنيا وما عَلقت ... منها يداي وما إن عشتُ أقتبلُ
لاحتْ كواكب ليل الشعرِ تُنذرني ... بأنني عن مغاني اللهوِ مرتحلُ
إن أنكرتني العيونُ السودُ رانيةً ... فطالما عرفتني تلكم المقلُ
أيامَ أخطرُ في روض الصبا مرِحاً ... تميلُ بي نشوةُ الدنيا وتعتدلُ
والغيد تبسم لي من ل ناعمةٍ ... في خدِّها ويديها تصدقُ القُبَلٌ
ما لي تروّعني الذكرى وتفتنني ال ... دنيا وما لي في معروفها أملُ
ألا يخفّ عني أنني رجلٌ ... قد أنقضتْ ظهرَهُ أيامهُ الأولُ
لعلَّ شيبي الذي راعت بوادرُهُ ... نورٌ تضيءُ بهِ للتائه السبّلُ
أسرفتُ في حبّ دنيا لا بقاء لها ... وعشق ملك وشيكاً عنهُ أنتقلُ
فالناس قد خلقوا لا للبقاء بها ... بل للترحّل لولا أنهم غفلوا
أين الألى نحن نمشي في منازلهم ... أين المواكب والأقيال والدولُ
العقلُ يستهجنُ الدنيا ويمقتها ... والقلبُ مستغرَق فيها ومختبلُ
فليس من راغبٍ عنها وإن رغبت ... عنهُ وكلٌّ لهُ في جذبها حيلُ
стр. 1472
لا راهبٌ ساكنٌ في الدير منصرفاً ... عنها ولا عابدٌ في الغار معتزلُ
فاكدح إلى الله كدحاً غير ملتفتٍ ... لزينة الأرض والحق بالأُلى وصلوا
وابرأ إلى الله ليس العصر مرتقياً ... ما دام يزري بما جاءت بهِ الرّسلُ
أين التمدُّن والأهواءُ غالبةٌ ... والناس مثل وحوش الغاب تقتتلُ
حلفا
محمد توفيق علي
يوزباشي بالجيش المصري
التمدُّن العصري
ننشر الأبيات الآتية من قصيدة عصماء جاءتنا من شاعر من أكبر شعراء العراق:
يقولون أحيى المغربان حضارةً ... وهل حَييت إلاّ لمصلحة الذاتِ
يعيش سعيدٌ مفردٌ بين معشرٍ ... شقيٍّ وحيٌّ واحدٌ بين أمواتِ
وكم جائعٍ يرنو إلى مُتفكهٍ ... وعادم قوتٍ حول واجد أقواتِ
وكم جسدٍ فوق الأخادع شاخصٍ ... إلى جثةٍ تحت الأخامص مُلقاةِ
وما الزمن الماضي بأعظمَ محنةً ... من الحاضر الموصول بالزمن الآتي
ولم أر كالإنسان ربّ شرائعٍ ... حديثات وضعٍ أو شرائع موحاةِ
ولكنهُ لم يطوِ ليلَ ضلالهِ ... هدى شارع في الأرض أو في السموات
يظنون هذا العصر عصر هدايةٍ ... وأجدر أن ندعوه عصر ضلالاتِ
فإن خرافاتٍ مضت قد تبدَّلتْ ... حقائق إلاّ أنها كالخرافاتِ
وأكذبُ عصرٍ ما تشدَّق أهلهُ ... على ظلمهم بالعدل أو بالمساواة
ذئابٌ وشاءٌ لا الذئاب رواجعٌ ... عن الغيّ أو تعدو على زُمر الشاةِ
стр. 1473
ألا هل يعود الدين وهو مُشَتّتٌ ... جماعاتِ هذا العصر جامع أشتاتِ
ولكن أبوا إلاّ التنازُعَ فالتقتْ ... أدلةُ نفيٍ في أدلة إثباتِ
محمد رضا الشبيبي
الكريم
قامت تُعنّفني على تبديدي ... مالي لفعلِ المكرمات وجودي
وتقول ماذا قد حفظتَ لصببةٍ ... يبكون بعدك ربَّهم وعميدي
هل ذكرُك المحمود يُشبع جوعهم ... أو فخرُك الموهومُ يستر جيدي
أكرمتَ حتى حاسديك فهل ترى ... أن الحسود يسرّ بالمحسودِ
هم يحمدونك في الرخاء فإن بدتْ ... لك شدةٌ عمدوا إلى التنديد. .
فأجبتها كفّي ملامكِ إنني ... لابنُ المكارم عن أبي وجدودي
أُعطي إذا منعوا وأمدح أن هجوا ... شتان بين طريفهم وتليدي
وأنا ابنُ بجدتها إذا قلمٌ جرى ... فوق الطروس أكرُّ كرَّ الصيدِ
فأزّين القرطاس لا فحشاً ولا ... فُجراً وكلُّ القارئين شهودي
أتبره السودان
محمد فاضل
بالجيش المصري
السلطان الغازي
أقول لظبي راعني زهرُ حسنهِ ... حنانيك قلبي فيك يرجو الأمانيا
غزوت قلوبَ الناس حتى ملكتها ... تباركت سلطاناً وحيّيتَ غازيا
محمد علي حامد حشيشو
стр. 1474
الفكاهة في الشعر
أسبوع فلورة أو تكريم الكلاب
لا أعني تكريم كلاب المجاز؛ فليس تكريمُ هذه الكلاب بالأمر الطارئ أو البدع الغريب؛ وما خلا زمانٌ ولا مكان من كلبٍ من كلاب الأنس علا بهِ الجدُّ إلى حيث باتت تتزلف إليهِ الأسود , وتمشي بين السباع. وإن المرءَ ليجد كيف سار إنساناً له خسةُ الكلب ونذالته , وليست له نظرته وأمانته. والناس تظلم الكلاب بحشره في زمرتها , ويرون نهاية الزراية وصفهُ بصفتها. وأن الكلبية لنبرأ براءة الإنسانية منهُ. . . ولكني عنيتُ الكلاب ذات الأذناب وقد وصفها العرب ورثوها ومدحوا خفتها وسرعتها , ولكنهم لم يسبقونا إلى الاختفاء بها , والاحتفال بولادتها وتسميتها , وأن حقّاً على الناس أن يمجدوا الأمانة حيث كانت وأين ظهرت , فهل نُلام إذا نحن مجدناها في مخلوق من مخلوقات الله؟؟
اجتمعنا في رهط من الأدباء ليلة من الليالي , وجعلنا مناسبة اجتماعنا مضيَّ أسبوع على ولادة كلبة لبعض أصدقائنا. فقلتُ أبارك للنفساء وأحيي المولود:
أعلني يا فلورة الأفراحا ... واملأي الأرض والسماَء نباحا
ما حبا الدهر بنتَ كلبٍ بأعلى ... من ذراريكِ عنصراً ولقاحا
ابشري دولةَ الكلاب بجروٍ ... سوف ينفي عن قومهِ الأتراحا
ما تقضّي الأسبوعُ إلاّ وأمسى ... يذرع الدار جيئة ورواحا
خلع الليلُ والنهار عليهِ ... فتوارى عن العيونِ ولاحا
حرَّك الدهرُ ذيلهُ حين وافى ... وعوى الكون بهجةً وانشراحا
سوف يغدو على الكلاب أميراً ... يُفزِع الأسدَ وثبةً وصياحا
بل سيمحو عن الفصيلة ضيماً ... بات عاراً لنسلها فضَّاحا
بل أراه يُقيم ما أعوجَّ منها ... من ذيولٍ فتستقيم صحاحا
стр. 1475
بل أراه يعيد سيرة قطمير ... وقاراً وفطنةَ وصلاحا
لا أصابت عصا لئيم قفاه ... أو ثوى في الطريقِ ليل صباحا
لا ولا عضَّةُ من الجوع نابٌ ... يُثخنُ الناس والسباع جراحا
أو ترامي على الموائد يوماً ... يرقبُ العظمَ سائلاً ملحاحا
أو براه داءُ الكلاب وأخفى ... بين جفنيهِ عسجداً لمَّاحا
كان إيواؤها حراماً فلما ... جاء أضحى لنا حلالاً مباحا
قد فرحنا في عيده وطربنا ... وشربنا في نخبهِ الأقداحا
يا كليباً أزرى بذكر كليب ... لا تظننَّ ما نقول مزاحا
ما مدحتُ الأنام يوماً وإني ... لست آلوك يا كليب امتداحا
أعجم الناس في المودَّة بكماً ... وتلا عهدها الكلاب امتداحا
إنَّ عيَّ اللسان خيرٌ من النط ... ق إذا ان للأذاة سلاحا
وسعار الكلاب أهون شرّاً ... من سعار يمزّق الأرواحا
عباس محمود العقاد
بالأوقاف بمصر
حافظ بك المنشاوي
إن صحّ في رجل أن ينعت بالسريّ النبيل , فإن حافظاً من أجدر كبراء القطر المصري بهذا النعت. وقد فزنا برسالة وقصيدة أهديتا إليه في هذا الشهر بمناسبة إنعام الحضرة الفخيمة الخديوية عليه بالوسام العثماني الرابع بصفته أحد أعضاء الجمعية العمومية. فآثرنا نشرهما لبلاغتها وللدلالة على ما لسليل أسرة المنشاوي من المكانة في نفوس الأدباء أما الرسالة فهي من قلم الذكي النجيب محمد بك البابلي , وهذا نصّحها البليغ بعد الديباجة:
تالله , لو صاغوا لك من الثريا وساماً , وجعلوا فوق السماكين لك مقاماً , ما حلّوا صدرك بأحلى وأشرف مما انطوى عليهِ من كرم , ولا زادوا مكانك رفعةً
стр. 1476
عما أوصله إليك علوُّ الهمم , وحسبك صدرٌ ضلّت الفضيلة حتى اهتدت إليهِ , فاستقرَّت عليهِ؛ ومقام بناه خيرة الآباء الأمجاد , وأعلاه صفوة الأبناء الأجواد. . .
البابلي
أما القصيدة فهي لشاعرنا الكبير خليل مطران , وهذا نصُّها:
هل لشعري وأنتَ منهُ مرادي ... وصف حاليك من على وانفرادِ
كلُّ مدحٍ أراهُ فيكَ قليلاً ... وكثيرٌ ما يقتضيني فؤادي
خطةٌ غيرُ بالغٍ كلُّ جهدي ... بعضَ شيءٍ من شوطها المتمادي
فليكنْ من تمام جودك عذري ... فقبولُ الأعذارِ شأنُ الجوادِ
أيها الحافظُ الأمينُ بحقٍّ ... للمعالي من طارفٍ وتلادِ
قد وفدنا حجيج أكرم بيتٍ ... واعتمدنا نؤمُّ أشرفَ نادِ
لا بقصدِ البناءِ فخماً ولا ال ... زينةِ أبهى ما جوَّدتها الأيادي
لا ولا المجدِ باقياً عن كبارٍ ... من كرام الآباء والأجدادِ
إنما شاقنا لقاءُ المعالي ... والمرؤاتِ والندى والأيادي
في فتى حازمٍ جريء همام ... ثابت العهد صادق الميعاد
ثقفٍ أن يهزّه الخطبُ يوماً ... هزَّ لدناً من القنا المَّياد
راسخِ العزم في كفاح الليالي ... باسم الوجه في قطوب العوادي
موئلِ المستجير كهفِ اليتامى ... والأيامي منارة الروَّادِ
حيثما تدْعُهُ الذمار يُجبْها ... صوتُ حقٍّ منهُ وسيف جلادِ
ويجبها رأيٌ مذلٌّ عداها ... ربَّ رأيٍ أغزى من الأجنادِ
أي كفيل الحمى إذا قيل من في ال ... قوم يومَ الندى ويم التنادي
بعضُ تلك الخلالِ في نفَر مه ... ما يقلُّوا كفايةٌ للبلادِ
تلك حسبُ الفتى مقاماً وبيتاً ... وحديثاً يبقى على الآبادِ
стр. 1477
وبها يُدرك المقام المعلّى ... من بك أئتمَّ عن هدى ورشادِ
عِشْ طويلاً في غبطة وصفاءٍ ... سالماً ناعماً رفيعَ العمادِ
وليزنْ صدرَك الرحيبَ وسامٌ ... بات فيهِ وقدرُهُ في ازدياد
نعَمُ المالكين لا فرقَ فيها ... غير أن الفروقَ في الأندادِ
خليل مطران
السعادة
قالوا السعادة في الغرا ... م وفي الملاهي والشبابْ
فأنا فتىً ذقتُ الغرا ... م فلم أجد غيرَ العذابْ
حليم إبراهيم دموسى
حول النياشين
في إحدى معارك الحرب المشهورة بين فرنسا وألمانيا في سنة ١٨٧٠ و١٨٧١ أسر الألمان جنديّاً فرنساويّاً اسمه فوكه وقادوه إلى مكان الأسرى ولكنهُ لم يلبث أن آنس غفلة من حراسه فهرب وعاد إلى المعسكر الفرنساوي فقاتل في اليوم التالي قتالاً شديداً وأظهر شجاعة وإقداماً فائقين فوعد ضابط فرقته بالمداليا الحربية وقدم اسمه بين أسماء أخوانه المستحقين تلك المكافأة. . . ثم مرّت الأيام وتوالت السنون ولم تلمع على صدر فوكه المداليا الفضية حتى تقدمت لناظر الحربية في هذه السنة قائمة بأسماء المعدة صدورهم للمداليات والنياشين لهذا العام وبينها اسم فوكه وتاريخ استحقاقه للمداليا فبحثت الحكومة عنهُ حتى وجدته لا يزال حيّاً يرزق فقلدته النيشان. . . بعد أربعين سنة.
стр. 1478
جريمة الرجل
وجريمة المرأة
فتاةٌ في ربيع حياتها , تلوح على وجهها إمارات الطهر والعفاف , أطلّت ذات ليلة من نافذة منزلها , وكانت الطبيعة هادئة , والناس نياماً والسكون باسطاً جناحيه تكاد لا تسمع سوى حفيف الأشجار وتغريد الطيور وخرير المياه. . . نظرت إلى ما فوقها فرأت النجوم تنير القبة الزرقاء , والقمر يتهادى كالعروس مبدّداً جيوش الظلام باسطاً ضوءَه على العالم فيزيد الطبيعة بهاءً وجمالاً , ثم حانت منها التفاتة إلى ما تحتها فرأت منظراً رائعاً مهيباً رأت منحدراً تغطيه أشجار الصنوبر والأعشاب الجبلية ينتهي إلى وادٍ جميل تكسوه المروج الخضراء. . . راقتها تلك المناظر البديعة التي طالما سمت بالشعراء إلى عالم الخيال وانتعش فؤادها من نسيم الليل العليل , فغادرت منزلها في سكون الليل وسحر القمر , وجعلت تسير بين الكروم بخفة الغزال , وهي تمتع نظرها بمحاسن الطبيعة وجمالها حتى وصلت إلى مكان تظلله شجرة فتقدمت إليها وجلست على غصن من أغصانها لتستسلم إلى سرورها وهنائها. . . ما كادت الفتاة تجلس حتى مال بها الغصن فوق هوة عميقة تنتهي إلى ذلك الواد , فتماسكت به وصاحت بأعلى صوتها: أدركوني! ولكن ما من مجيب.
стр. 1479
رأت الهوة الفاغرة فاها تحاول أن تبتلعها , وفوقها سماء وتحتها فضاء فأيقنت بالهلاك. . ظلت معلقة في الفضاء حتى ضعفت قواها , وكلت يداها , فهوت إلى الحضيض , فتهشمت أعضاؤها , وذهبت ضحية غواية الجمال. . كانت سعيدة بحياتها هنيئة بما حولها فماتت أشنع ميتة , وذهبت طعاماً للوحوش. فوا أسفي على شبابها الزائل! أما الغصن الذي كان سبباً في هلاكها فعاد إلى ما كان عليه قبلاً , وقد يورد غيرها مورد الهلاك. . . تلك هي حال المرأة الساقطة. تولد الفتاة طاهرة عفيفة , وتشبّ ساذجة وديعة , ترى الحياة لذيذة وتبني لنفسها قصوراً من الآمال , حتى يعترض هناءها رجل تحسبه نجم حياتها وقبلة رجائها , فتركن إليه وهو يخادعها حتى إذا ما نال بغية منها تخلي عنها , فترى هول سقطتها , فتضيق بها الدنيا على رحبها فتتمسك به مستغيثة بالعدل وما من سميع , وبناصر الضعفاء وما من مجيب , إلى أن يستولي عليها اليأس فتسقط في وادي الشقاء مستنجدة بالإنسانية فلا تجد إلاَّ وحوشاً يأنون إليها منتهزين فرصة ضعفها القضاء
الأخير على كل وسيلة لها إلى العيش إلى أن تصير عالة على الإنسانية. . أما الرجل الذي كان سبباً في وقوع هذا البلاء فيتجاوزون عن هفوته ولا يناله شيء من الضرّ كأنه لم يأتِ أمراً فرياً , ويظل رائعاً في بحبوحة الصفو والهناء , وقد يوقع غيرها في شرك خداعه. ولا يتحمل عاقبة تلك الجنايات سوى الفتيات الضعيفات. إني إذا بكيت حزناً على شباب الأولى فإني هنا أصيح نادباً تلك
стр. 1480
الأنفس التي تفسد بعد يوم وأقول , إن العالم يفسد شيئاً فشيئاً وسيأتي يوم لا نرى فيه للشرف والعفاف أثراً. وما ذلك إلا لأن الرجل لا يجد رادعاً إذ لا عقوبة تحلُّ بهِ من جرَّاء عمله فتراه مندفعاً في سبيل خداع المرأة. إلا أن ذلك ظلم وعدوان وتلك حال لا تدعو إلى الطمأنينة والأمن. . . أنا احترم القانون ولكني أقول إن جاء به من محللات تلك الجريمة جريمة إفساد الفتيات كالرضا مثلاً الذي يعتبر مسوغاً لما يقدم عليه الشبان والفتيات. أقول إن هذا الرضا لا يصح الأخذ به فإنه محاط بوعود طويلة عريضة من جهة الشاب واعتقاد راسخ من جهة الفتاة بصحة ما يقوله مغويها. ولست أظن هذا الرضا يخرج عن حدود الضعف المسبب عن الحيلة للوصول إلى غرض مقصود فهي شبيهة من كل الوجوه بجريمة النصب والاحتيال من أجل المال التي جعل لها القانون بين بنوده عقاباً للمحتال على العرض أثمن قيمة من المال , فلم لا يفرض القانون عقاباً للمحتال على العرض كما فرضه للمحتال على المال , فلم لا يفرض القانون إن هذا الأمر جريمة تستحق العقاب , والرأي العام يطلب ذلك والقانون الذي لا يسير مع الرأي العام في مستوي واحد , من جهة ما يعتبر جريمة وما لا يعتبر جريمة , قانونٌ ناقصٌ أو متجاوز , وأعيذ قانوناً أن يلحق به النقص أو التجاوز. ولقد يرى البعض أني أبالغ في وصف جريمة الرجل دون الفتاة؛ على أن قليلاً من الإمعان يكفي المتأمل في الحوادث التي تمرّ أمامه من هذا
стр. 1481
القبيل أن يرى أن مصيبة الفتاة بسقوطها هائلة تودي بنفسها إلى الهلاك فتصير طريدة شريدة تتحمل أنواع البؤس والشقاء , فضلاً عن أنها تصير سمّاً زعافاً يسري في عروق الهيئة الاجتماعية. أما الرجل فإنه كما ذكرنا لا يناله شيء من الضر مع أنهُ جانٍ على المرأة والمجتمع الإنساني في وقت معاً. ليست الحالة تتوقف على خداع شاب لفتاة بل هنالك قطيع من سفلة الأغنياء يساعدهم على تحقيق أمانيهم قومٌ هم وتجار الرقيق سواء. . . أن الفضيلة تتعذَّب لضياع العفاف , والإنسانية تتألم لأن الكمال يفر مدبراً أمام جيوش
الفساد التي تزداد انتشاراً. فيا ليت السماء تمطر صواعقها على هؤلاء الناس الذين يقوّضون دعائم الفضيلة ويهدمون أركان العمران والرقي الأدبي. ولكن مضى زمن الصواعق والمعجزات. فيا أصحاب الشرائع ويا أيها الحكماء تعالوا واندبوا هذا العصر الذي يدعونهُ بعصر الماديات فإن حالتنا تستدعي الندب والبكاء. ولعلّ تلك الدموع تغسل شرورنا وتطهّر آثامنا. . . لقد تعب فلاسفة الأخلاق فكتبوا المقالات , وألَّفوا الكتب وألفوا الخُطَبَ ضمنوها نصحاً خالصاً وحضّاً على الكمال , ولكني أرى أنها لا تؤثر إلاَّ في من كانت نفسه في استعداد لقبولها. فإن من فسدت أخلاقه ومات ضميره تعذَّر علينا إرجاعه إلى السبيل المستقيم بكلمات عذبة رقيقة. ولله در سليمان الحكيم حيث قال إن من يوبخ مستهزئاً يكسب لنفسه هواناً؛ ومن ينذر شريراً يكسب عيباً. ومثل هؤلاء قد اجتمعت فيهمم الصفتان وانبعثت فيهم روح الاستهزاء , وامتزجت في
стр. 1482
نفوسهم روح الشرّ , فلا يرجى إصلاحهم بالنصح والإرشاد. وقد خطرت على بالنا كلمة لشكسبير نابغة الانكليز وشاعرهم قال دع المتشرّد يقترف الجنايات كل يوم , ويتوغل في شروره صباح مساء , دعهُ ولا تنصحهُ إلى يوم قريب يسقط فيهِ إلى الهاوية على عنقهِ , فالقانون له بالمرصاد ولا تفوته الفرص , وهو يستطيع أن يريبه ويقوّم أخلاقه فإن مادة أو مادتين في القانون تقوم مقام عشرين من ألفاظك العذبة الرقيقة نعم يجب أن يكون القانون واقفاً بالمرصاد للمجرمين الأشرار. وهو أعظم رادع يقف في سبيل هؤلاء الفاسقين. ولو جاءَ فيهِ بندٌ يقضي بعقوبة من يخدع الفتاة ويجرّها إلى الهلاك سواء كانت بالغة سنّ الرشد أو لا لخفت وطأة هذه المصيبة شيئاً عن الهيئة الاجتماعية. وإذا عُدَّ حكم قدماء المصريين بقتل الزاني وقطع أنف الزانية في منتهى القساوة فإن التجاوز عن تلك الجريمة يُعَدُّ منتهى التساهل الذي يكون سبباً لانتشار الفساد في الأخلاق وعلةً لخراب العمران
فيليب. م. ليليا
أمثال وأقوال
القلم شجرة , ثمرها المعاني؛ والفكر بحرٌ , لؤلؤة الحكمة عبد الحميد بن يحيى
الرجل القليل العلم ينمو نموّ الثور: يزداد لحمه لا عقله
стр. 1483
لو صوّر العقل لأضاء منه الليل , ولو صوّر الجهل لأظلم منه النهار
سئل أحد القدماء: ماذا تعلمت من الفلسفة؟ قال: تعلمت أن أعيش بالسلام مع جميع الناس
مرّن نفسك حتى على الأشياء التي تيأس من عملها , وخذ مثالاً على ذلك اليد اليسرى فإنها أقدر على ضبط العنان من اليمنى بسبب التمرين
لا يصلح للصدر إلاَّ واسع الصدر ابن سهل
لو وضعت مصائب الناس كلها في كومة واحدة , وأبيح لكل واحد أن يختار منها ما شاء , لأختار كلّ مصيبته واستردّها سقراط
الجاهل يُسأم , أما مدّعي العلم إدّعاءً فلا يُطاق نابوليون
كن المشتوم لا الشاتم , وكن من الذين يُجار عليهم لا من الجائزين. بولانو
المرأة الجميلة تبهج العيون , والمرأة الصالحة تبهج القلب , الأولى حلية والثانية كنز نابوليون
يجب علينا أن ننتحل أعذاراً للجميع: للأولاد لأنهم صغار , وللنساء لأنهنَّ ضعيفات , وللحكام لأن مهامهم عظيمة فلا بدّ لهم من الخطأِ وللصالحين لأنهم لا يقصدون الإساءة , وللاشرار لأنهم يستحقون الشفقة لأن الشقاء مستقبلهم سنيكا
عمل الخير اخياري ولكن رده إلزامي شيشرون
الشحّ أَرُّ على الإنسان من الفقر , لأن الفقير إذا وجد اتسع والشحيح لا يتسع وإن وجد الإمام علي)
стр. 1484
من يأكل وهو شبعٌ يحفر قبره بأسنانه مثل تركي
ما من إنسان تكشَفُ أفكاره وأفعاله ألا يستحق الشنق عشر مرّات مونتاين
ابكِ على العاقل يوم يموت , وابكِ على الأحمق حتى يموت. أفلاطون
إني لأرى الرجل فيعجبني , فأقول هل له حرفة؟ فإن قالو لا , سقط من عيني عمر بن الخطاب
إذا لم تكن سعيداً , فذلك لأنك تطلب ما ليس لك , وتنسى ما عندك شكسبير
تحتاج لثلاثة لتكون سعيداً: عافية الجسد , وصحة العقل , وسلامة القلب من أقوال العرب
العبد له سيد فرد , والرجل الطماع عبد لكل فرد يساعده على سد مطامعه لابرويير
ومن أمثال الانكليز:
من كان ضميره مطمئاً نام والرعود تقصف
ارقب عدوَّك كأنه أسد ولو كان فأرة
يجب أن نهتمّ للمستقبل اهتماماً لا يحرمنا لذة الحاضر لأنه ليس من الحكمة أن نشقي اليوم مخافة أن نشقي غداً
درهم الفقير إذا غُصب كان جمرة في كيس الغنيّ
стр. 1485
أزهار وأشواك
حول الرتب والنياشين
عيّن بوالو الشاعر الفرنسوي الشهير في القرن السابع عشر مؤرخاً للملك الكبير لويس الرابع عشر يدوّتن أهم أخبار البلاط وحوادث المملكة على عهده. ولما عاد الملك إلى باريس من إحدى حروبه , وقد أحرز النصر تلو النصر , رفع إليه الشاعر قصيدة اشتهرت بمطلعها حيث قال ما معناه: أيها الملك العظيم كفَّ عن الانتصار أو أكفَّ أنا عن الكتابة يعني بذلك أن الملك ينتصر في كل حرب بأسرع مما يقدر المؤرخ على تدوين خبر الانتصار. . . وأنا , وليس لي مقدرة بوالو في الكتابة , أكاد أقول لسموّ أفندينا العباس: يا أميري كفَّ عن الإنعام على الأدباء , أو أكفّ أنا عاجزاً عن تهنئتهم وشكر آلائك إذ أنني ما كدت أفرغ من تهنئة حافظ برتبه , وتهنئة خليل بنيشانه , حتى وافتني الجريدة الرسمية زاهيةً بخير الإنعام على جرجي زيدان بالرتبة المتمايزة. ومع ذلك فقد قابلتُ هذا الخبر كما قابله جميع قرّاء العربية بالارتياح التام , لأن جميع قرّاء العربية يعرفون ما لصاحب الهلال من الفضل الجمّ والأدب الغزير فكانت هذه الرتبة مكافأة عن ربع قرن قضاه في التأليف والتصنيف: وإذا سعى البعض إلى الرتب والنياشين بمأثرةٍ باهرة أو بثروة طائلة , فإن الرتبة سعت إلى زيدان بك اعترافاً بأنهُ لم يعش إلا ليتب ولم يكتب إلا ليفيد. وليس مثل هؤلاء الأدباء بالعدد العديد.
стр. 1486
أقتطف من الرسائل الواردة باسمي إلى إدارة مجلة الزهور شيئاً عن الرتب والنياشين , لأن هذا الموضوع حديث الناس في هذه الأيام. كتب لي أحد القراء من مصر يقول ما كان أصدقك يا حاصد في تعليقك على رتبة حافظ حيث كتبت: فإذا نحن قلنا الشاعر حافظ إبراهيم عرفهُ كل ناطق بالضاد. ولكننا إذا قلنا عزتلو الوجيه بك إبراهيم لا يعرفهُ إلاَّ بواب منزله وفرَّاش الكتبخانة. وقولك هذا يصح في كل أديب كبير , فقد حدث منذ أيام في نظارة المعارف ما أُبت ذلك: كان صاحب الهلال , بعد الإنعام عليهِ بالرتبة , في النظارة , وكان هناك أحد كبار علماء الهند. فعرَّف الناظر الواحد إلى الثاني , قائلاً زيدان بك فلم يُعره العالم الهندي كبير التفات لظنهِ أنهُ أحد البكوات - والبكوات في مصر أكثر من الهمّ على القلب - فأدرك الناظر الأمر , وأراد أن يستدرك ما فات فما لبث أن ذكر جرجي زيدان منشئ الهلال فقام الهندي إليهِ وصحافهُ مصافحة
الاعتبار والإجلال مثنياً على تآليفهِ وأعماله الأدبية. . . فما أجمل مغزى هذه الحادثة وما أبلغ. . . وكتب إليَّ قارئ من الأرياف يقول: كثرت المؤامرات في هذا الصيف وإنني لأكاد أرى في رتب أدبائنا واحدة منها , وما المتآمرون إلاَّ عصبة من الباشاوات والبكوات. فإن حافظاً وخليلاً وزيدان كانوا بصفتهم الأدبية يُعدّون في طليعة أهل البلاد قبل هؤلاء الباشاوات والبكوات. فدبَّر لهم المتآمرون هذه المكيدة , وقد انطلقت عليهم الحيلة فأصبح حافظ برتبتهِ الثانية , وخليل بنيشانهِ الثالث , وزيدان برتبتهِ
стр. 1487
المتمايزة بعد فلان باشا , ودون هذا يحمل العثماني أو المجيدي الأول , وذاك الذي يرفل في كسوة الميرميران أو الأولى صنف أول. وبهذه المناسبة اقترح على الحكومة - وهي مهتمة الآن لإعداد ميزانية مصالحها وإيجاد المال اللازم لإنفاذ المشروعات النافعة للبلاد - أن تضع رسماً على حاملي الرتب والنياشين. ومهما كان هذا الرسم زهيداً فإنه يعود على الحكومة بإيراد وافر يسد شيئاً كثيراً من حاجاتها بسبب كثرة الذين ستتناولهم هذه الضريبة. ولكان هذا الإيراد يزيد أضعاف الأضعاف , لو ضوعف الرسم على البهوات التقليد. ف نك لو مررت حوالي الساعة الحادية عشرة مساءً في ميدان باب الحديد أو في ميدان الأوبرا , لتمزقت أذناك من ترديد حمار يا بك؟ أجي يا بك؟ ولو كان بينك وبين البكوية مراحل. . . وفي الختام أورد لقرأئي الآتية وقد روتها الجرائد الفرنسوية في الشهر الفائت قالت: لقي بوليس باريس قرب الشانزليزه شاباً متقلداً شارة اللجيون دونور , فرابه أمره لاعتقاده أن مثل هذا الوسام لا يحمله إلا الشيوخ الذين أتوا في حياتهم أعمالاً جليلة. فأخذه إلى أقرب مخفرٍ هناك. فسئل الشاب عن اسمه ولقبه وسبب تقلده شارة هذا النيشان العظيم الشأن , فأجاب بكل بساطة أنا عما نوئيل ملك البرتغاال السابق فانحنى سائله أمامه باحترام , واعتذر له بما حضره من الكلام.
حاصد
стр. 1488
صوَر هذا الجزء
كنا قد أعددنا لهذا الجزء من الزهور صوَر أسرة اليازجي , لنشرها بمناسبة الاحتفال بنقل رفات المرحوم إبراهيم من مصر إلى لبنان. فكان تأجيل الاحتفال سبباً في تأخير نشر الصوَر.
موت الكنار
في الجزء الخامس من الزهور ص٢٤٢ نشرنا مقالة للكاتبة مي ترثي فيها كناراً لها. وقد نقلت جريدة الزمان هذه المقالة وأردفتها بالأبيات الآتية:
بكتِ الكنارَ فهيَّجت بي لوعةً ... نفسي بها امتلأت لموت كناري
أن تُشجِ ميَّ وفاة عصفورٍ لها ... فتقول فيهِ النثرَ كالأشعارِ
فيما تراني في الرثاء أجودُ من ... بعد الحبيبِ ونكبةِ الأقدار؟
ذيَّاكَ عصفورٌ بكتهُ بلهفةٍ ... فإذا بكيتُ بمدمعٍ مِدرارِ
ومثيرُ أشجاني ملاكٌ , هل أكو ... نُ موفياً حقَّ الغرامَ شغاري؟
شتَّانَ بين مصيبةٍ ومصيبةٍ ... يا ميُّ. منُ ينهي إليكِ سراري؟
مَن همت فيهِ لا كلام يفيهِ حقَّ ... الوصفِ. والهفي من التذكارِ!
قد كان أجمل زهرةٍ في روضةِ ... الآمال لي ومحجّة الأوطارِ
حاولتُ ما استطعتُ المطار بهِ فلم ... أُفلح فماتَ ولم نفز بمطارِ
فتحسُرٌ أضنى الكنارَ أصابنا ... وكمثلنا قد بتِّ بتُّ بنارِ
اسطفاق علبوني صاحب جريدة الميزان البرازيلية
стр. 1489
جرائدهم وجرائدنا
نشر مسيو ارثور ماير مدير جريدة الغولوى الفرنسوية كتاباً بعنوان الذي رأيتهُ بعيني فلما بلغ إلى وصف الجرائد قال عن جريدة الماتن: يصحّ القول في جريدة الماتان أنها الجريدة العصرية الراقية. فهي إذا قالت أقول كلّ شيء جاز لها هذا الإدعاء , فإن لها أسلاكاً تلغرافية خصوصية تربطها , وهي في باريس , بلندن ونيويرك وبرلين؛ ولها مراسلون في كل مكان. وهي متحدة بجريدة التيمس الانكليزية المشهورة فتنقل أخبارها الخاصة في كل صباح. أما صبغتها السياسية فجمهورية بحتة ولكنها لا ترفض نشر أفكار وآراء رجال السياسية على تباين أغراضهم وسياساتهم. فهي والحالة هذه أنموذج الجرائد الحرة ذات المقام السامي في عالم الأعمال والأشغال من كل نوع , وهي أشبه بمنبر عال مباح لكل خطيب من كل مبدأ ومن كل غاية ولست أظن أنهُ توجد بين الصحف صحيفة أكثر منها إقداماً وشجاعة. وتشغل إدارتها بنايات كل واحدة منها كبيرة على حدة. وتبلغ المساحة التي أقيمت فيها هذه الإدارة ثلاثة آلاف وأربعمائة متر مربع. أما عمالها المأجورون فيعدون تسعمائة عامل , عدا المراسلين. وفيها ست ماكنات أميركية كبرى تطبع في الساعة الواحدة مئة ألف عدد ولها مستودع كهربائي خصوصي يغنيها من المستودع العمومي ولاسيما أبان الاعتصابات. وفيها معمل لحفر الصوَر فهي تكتب وتطبع وتنشر لنفسها بنفسها ةلا تشتري من المعامل إلاَّ الورق والحبر. أما إيرادها اليومي فيبلغ ثمانين ألف فرنك ولكنها تنفق على الورق يومياً عشرة آلاف فرنك. وقد كان مجموع ما أنفقتهُ على أخبارها التلغرافية الخارجية في سنة ١٩٠٩ نصف مليون فرنك وأما دائرة تحريرها فمؤلفة من مئة كاتب ينقسمون تحت إدارة رئيس التحرير إلى ثلاث فئات فئة المخبرين المحليين وفئة المخبرين الأجانب.
стр. 1490
ثمرات المطابع
عجائب غرائب
لما سألنا قراءنا هذه السنة عن النوابغ في مصر , أجابنا كثيرون منهم ذاكرين حافظ نجيب النابغة في الاحتيال. والحق يُقال أنهُ لنابغةٌ فذٌّ في بابهِ , يُعَدُّ أرسين لوبين واللص الشريف وسائر أبطال روايات البوليس السري عيالاً عليهِ. كانت المحاكم قد حكمت عليهِ ثلاثة أحكام غيابية لاتهامهِ بالنصب والاحتيال في حوادث غريبة الوقائع , وحكمت عليهِ مرة حكماً حضوريّاً , ولكنهُ تمكن من الفرار من سجنهِ في ٢٧ دسمبر سنة ١٩٠٧ , وظلَّ خمس سنوات يتنقل في القطر المصري والبوليس ينقّب عنُ وهو يواصل أعماله الغريبة. ذهب إثر هربه من السجن إلى الوجه البحري؛ ودخل في دير أشواري , وادَّعى أنهُ راهب واسمهُ غبريال جرجس وبقي هناك بضعة شهور اكتسب في خلالها ثقة الجميع , حتى أصبح صاحب الكلمة المسموعة وحينئذٍ احتال على رئيس الدير وأخذ مبلغ ستمئة جنيه واختفى. ثمَّ قصد دير المحرّق متخذاً اسم الراهب غالي جرجس , وراسل من هناك بعض صحف العاصمة , وكان له كتابات تُذكر في موضوع الخلاف الذي كان قائماً في ذلك العهد بين الجرائد الإسلامية والجرائد القبطية. ولما افتضح أمره , غادر الدير واختفى أثرهُ , إلى أن كان اليوم العاشر من شهر أكتوبر الماضي. فقد بلغ البوليس أن حافظاً موجود في دائرة قسم مصر القديمة وهو متنكرٌ يحترف حرفة درويش يعطي عهوداً فهاجمتهُ قوة من رجال البوليس فوجدوه محاطاً بعدد كبير من الدراويش في حلقة ذكر , ولما رآهم مقبلين إليهِ , أخذ يكبر بصوتٍ عالٍ الله! الله! ولما قبضوا عليهِ , ادَّعى أنهُ الشيخ عبد الله إبراهيم من المنوفية وأنَّ الله يخلقُ من الشبه أربعين. على أنا إدعاءَه هذا لم يجده نفعاً , وسيق إلى السجن. وكان مدة إقامته في مصر العتيقة قد اقترن بإحدى جاراتهِ - وهي تجهل
стр. 1491
حقيقة أمره - ورزق منها ابنة سماها عزيزة وهي الآن في حولها الثاني. هذا شيءٌ قليل من نوادر هذا الرجل الغريبة. وما كنا لنشغل بها قرَّاء ثمرات المطابع لولا أن الرجل كاتب بليغ وله مصنّفات نفيسة وإليك تحرير الخبر: قصدتْ مطبعة منذ مدة سيدة وطنية اسمها وسيله محمد وعرضت على نجيب أفندي متري صاحب المطبعة نشر كتاب عنوانه روح الاعتدال لواضعه شارل وانير. فارتاح متري أفندي إلى موضوع الكتاب الجليل ورآه
جديراً بالنشر باللغة العربية لما فيهِ من الفائدة للبلاد فطبعه؛ وتناولت الصحف الكتاب بكلمات الإطراء , وأقبل عليهِ القراء أيّما إقبال , وقرَّرت مدارس كثيرة تدريسه. وبعد مدة وجيزة عادت وسيلة محمد إلى مطبعة المعارف وبيدها نسخة من كتاب آخر , عنوانه غاية الإنسان فلم يتردَّد نجيب أفندي متري في قبوله إذ رآه لا يقلُّ فائدة عن الكتاب المتقدم ذكره. فطبعهُ ونشره في الشهر الماضي وكان له نصيب كبير من إقبال القراء. وفي أوائل أكتوبر عادت وسيلة محمد إلى المطبعة ومعها القسم الأول من ترجمة كتاب الناشئة وفي ١٠ أكتوبر قبض البوليس على حافظ نجيب , فحال دون إنجاز الكتاب الثالث من هذه الكتب التي كان ينشرها حافظ باسم زوجتهِ - وهي لا تدري من سرّ زوجها شيئاً. . . أهدت وسيلة محمد كتابها الأول إلى ابنتها العزيزة فقالت , - أو قال حافظ نجيب أنت اليوم طفلة في المهد , ترّك ابتسامتي , ويكفيكِ حنوي. وطفلة اليوم أم الغد. . . والزمان قلَّب , والغد مجهول , فقد لا أكون إلى جانبيكِ إذ ذاك , فترجعين إلى هذا الكتاب. . فتؤثرين العمل بما فيهِ من الآراء السديدة على ما يجدو إليهِ نزق الشباب , أو جنون الصبا , وطيش الرعونة. . . وإذا ما أعوزتكِ النصيحة فإن في آراء الكتاب الاجتماعيين ما قد ينوب عن نصيحة أمِ ثوَت , أو والدٍ قُبر , هذه هديتي. فإن تعلمت علماً صحيحاً وكنتِ رقيقة العواطف , عرفتٍ منها كم كنت أحبكِ وأرغب في نفعكِ والكتاب الثاني أيضاً مهدي إلى الابنة العزيزة وقد جاء في كلمة الإهداء:
стр. 1492
الدهر عبر , والحياة سير , والنفس بينهما لا تستقرّ , فمن تتقي الأيام تأمن عِبَرها ومن تعرف الحياة تتحمل سيرها. والحوادث جائية ذاهبة , والأعمار فانية ناضبة , فالحال لا تدوم أسعدتْ أم أشقتْ , والذكرى لا تفنى قبحت أم حسنت. فاتقي بنيتي العاقبة الأخرى , فإنما الحياة هي الذكرى نكتفي بهذه النتف للدلالة على مقدرة حافظ نجيب الكتابية , لأن المجال غير متسع لزيادة البحث في كتبهِ وآرائهِ. على أنهُ لا يسعنا قبل الختام إلاّ إبداء الأسف لضياع مثل هذا الذكاء النادر. ولو عرفت الحكومة الآن أن تقوده في الطريق المستقيم لنفعت وأفادت كثيراً.
الهدية الفهمية - أتحفنا بهذه الهدية حضرة الفاضل محمد أفندي فهمي المغربي أحد موظفي نظارة الحربية. وهو عنوان لكتاب وضعه لتذليل صعوبات اللغة الانكليزية فإذا بهِ ثمرة مطالعات كثيرة , وخبرة كبيرة. والكتاب مقسوم إلى قسمين: يتضمن القسم الأول
الاصطلاحات اللغوية والأفعال المختلفة المعاني باختلاف الحروف التي تليها مع جمل تدل على كيفية استعمالها؛ والقسم الثاني يتضمن الاصطلاحات الإدارية والعلمية والفنية , وتجاه كل عبارة ترجمتها العربية. فجاء هذا الكتاب المفيد أشبه شيء بقاموس مرتب حسب المعاني. فنوجه إليهِ أنظار طلاّب اللغة الانجليزية فيجدون فيهِ فائدة عظيمة.
الإسلام والإصلاح - هو عنوان تقرير رسمي رفعُ جناب السر ريشارد وود قنصل دولة انكلترا الجنرال ووكيلها السياسي في تونس إلى جناب ناظر خارجيتها وقد نشرتهُ الحكومة الانكليزية في الكتاب الأزرق الذي أصدرتهُ سنة ١٨٧٨ عقب وقوع الحرب بين الدولة العثمانية وروسيا. وأعاد طبعه بالعربية حضرة الأديب محب الدين أفندي الخطيب أحد محرري جريدة المؤيد. وأردفهُ
стр. 1493
بلمحة في تاريخ الجندية العثمانية ترجمها عن الكاتب التركي رفيق بك مانياسي وزير العدليه العثماني المتوفي. وهو من الكتب التي يحسن الإطلاع عليها في الآونة الحاضرة.
سوريا ومصر - كثرت هذه المدة الأبحاث في موضوع القطرين الشقيقين لشدة صلة الروابط الأدبية بينهما. وآخر ما جاءنا بهذا المعنى كتيّب بالعنوان المتقدم أرسله إلينا حضرة الأديب نسيم أفندي ملول , وقد جمع فيهِ سلسلة مقالات كان قد نشرها في جريدة النصير البيروتية , ثم جمعها خدمة للدولة والوطن العثماني.
الشعب - جريدة جامعة أنشئت لخدمة الشعب الشوفي , يُصدرها في عين زحلتا حضرة الكاتب الشاعر رشيد بك نخله الأديب المعروف لدى قراء الزهور ويودعها ما اشتهر عن قلمهِ من النفثات الشائقة. فنرجو لها النجاح في الخدمة القومية التي تتوخاها.
الصحة - كلَّ يوم يأتينا دليل جديد على نهضة اللغة العربية في العالم الجديد على يد المهاجرين النشيطين. وقد حمل إلينا البريد الأخير العدد الأول من مجلة صحية طبية اسمها الصحة يصدرها في نيويرك الصيدلي الكيماوي يوسف أفندي يبرودي , فإذا بها حافلة بالموضوعات العلمية والفوائد الطبية والأبحاث الصحية المفيدة.
مكتبة المنار - أهدت إلينا هذه المكتبة الزاهرة لأصحابها رضا وخطيب وقتلان قائمة كتبها عن السنة لجارية , وهي طافحة بالكتب الأدبية المفيدة. والمكتبة ترسلها مجاناً إلى كل من يطلبها منها.
стр. 1494
يوليوس قيصر
رواية تمثيلية من أشهر الروايات وأحكمها وضعاً وأعظمخا وقعاً في النفوس لمؤلفها شكسبير
الفصل الثاني
المشهد الأول
رومه - منزل بروتوس
بروتوس - منادياً الخادم لوسيوس! يا لوسيوس! لنفسه لا أقدر أن أحرز من النظر إلى النجوم مقدار قرب النهار منا. منادياً الخادم لوسيوس! أنت ياهذا! لنفسه ليت لي ذنيه واستغرق في مثل نومه. منادياً الخادم
لوسيوس - هل نادى مولاي؟
بروتوس - خذ شمعةً إلى غرفة قراءَتي. أضئها وتعال ادعني إليها
لوسيوس - سأفعل يا مولاي. تخرج
بروتوس - لنفسه فلتنجونَّ رومه بموته! إني لا أجاهده ابتغاءَ مصلحة نفسي بل لمصلحة الأمة. يودُّ يُتوَّج. تُرى كيف يكون تأثير التاج فيهِ؟ تلكم المسألة. لا يخرج الصل من وكره إلاّ على نور النهار عند ذلك يجب المشي باحتراس. إذا نحن ألبسناه التاج لبسنا الخطر , فنكون قد أخرجنا الصلّ من وكره فلا نأمن. بل نكون قد حدّدنا نابه يعطينا به حين يشاء. شرُّ ما تكون العظمة عليه عندما تفرّق بين القوة والرحمة. إن قيصر - والحق يقال - لم يدع عواطفه تتغلب على عقله قط. إنما من يضمن المستقبل؟ إن الطمع يتخذ في بدء أمره التواضع سلماً له. فتراه محولاً إليهِ وجهه عندما يكون واقفاً في أسفله. فإذا ما اعتلا قمته ولاّه ظهره ناظراً إلى السحب فوقه ناسياً تلك الدرجات الواطئة التي تسلّقها. هذا مثل سائر
стр. 1495
وبرهان معروف. . . قد يفعل قيصر هذا الفعل. فلنمنعنه قبل أن يأتيه لا حجة لنا عليه الآن. فلنغيّر شكل دعوانا ولنقدّر أنهُ إذا نما عما هو عليهِ أضرَّ وكان ضرره عظيماً. لنحسبنّه بيضة الحية نقتلها في قشرتها مخافة أن تفرّخ فتسعى لضرّ الناس. يرجع الخادم لوسيوس.
لوسيوس - مولاي. أضات الشموع في غرفتك. وقد رأيت هذه الورقة مطوية طيتها في
النافذة , ولم تكن هناك عندما رقدت. يعطيه الورقة.
بروتوس - اذهب ونم. لم يطلع النهار بعد. في أي الأيام نحن يا غلام؟
لوسيوس - لا أعلم يا مولاي.
بروتوس - أنظر في التقويم وهات الخبر.
لوسيوس - أمرك. تخرج
بروتوس - يمكنني أن أقرأ على نور هذه النيازك المتساقطة في الهواء يفتح الورقة ويقرأ بروتوس أنت نائم؛ تنبّه وانظر إلى نفسك! إن رومه الخ الخ. . . تكلم. أضرب. أفدِ! بروتوس أنت نائم! استيقظ! لنفسه قد عثرت على كثير من هذه الكتب المحرَّضة. يقرأ رومه الخ الخ لنفسه تُرى ما معنى هذا؟ هكذا يجب أن تكون: أتستعبد رومه خوفاً من إنسان فرد؟ أرومه؟ أن آبائي طردوا تاركون من أزقة رومه عندما طمع بالملك. يقرأ تكلم اضرب لنفسه أكلاماً وضرباً يرجون مني؟ ايه رومه! لكِ عليَّ العهد أن تنالي مبتغاكِ على يدي إن كان العدل ينجم عن ذلك. يرجع الخادم لوسيوس.
لوسيوس - مولاي قد انسلخ أربعة عشر يوماً من شهر مارس.
بروتوس - حسناً. اذهب وانظر من بالباب فإني اسمع قرعاً. يخرج لوسيوس
стр. 1496
لنفسه طالت لياليَّ ولم أنم من يوم ما حرَّضني كاسيوس على قيصر. إن المسافة بين تنفيذ عملٍ فظيع وبين أول دافع يدفع إليه لخيال أو حلم مخيف. العقل والجسد يتشاوران , وتصبح حالة الإنسان كمملكة صغيرة تتناوبها الثورات يرجع لوسيوس.
لوسيوس - أن أخاك كاسيوس في الباب يودّ أن يراك.
بروتوس - هل هو وحده؟
لوسيوس - كلاّ مولاي! بل معهُ أكثر من واحد.
بروتوس - أتعرفهم؟
لوسيوس - لا. فإن قُبعاتهم مشدودةٌ إلى آذانهم وأرديتهم تغطي نصف وجوههم , فلم أتمكن من معرفة واحدٍ منهم.
برتوس - دعهم يدخلون يخرج لوسيوس. لنفسه هم العُصبة. ايهٍ أيتها الفتن! أتخجلين من إظهار وجهكِ المخيف في سوادِ الليل وهو مباءَة الشرور؟ إذنْ أنَّي لكِ أن تجدي كهفاً في
رابعة النهار يسدُل سِترَ ظلامهِ على فظاعة وجهك؟ لا تطلبي محالاً. خبإِي وجهكِ تحت ستار التبسّم والمخادعة فإنك لو خرجتِ إلى الناس بلا ستار لعجزت ظلمةُ جهنم الخامسة عن إخفاءِ فضيحتكِ! يدخل المتآمرون كاسيوس وكاسكا وداسيوس وسنِّا وسمبر وتريبونيوس.
كاسيوس - طاب صباحك يا بروتوس. لقد تجاسرنا على إقلاعك. أليس كذلك؟
بروتوس - لم أنمْ ليلى. هل أعرفُ هؤلاء القادمين معك؟
كاسيوس - نعم , كلاًّ منهم. وليس منهم إلاّ من يُكرمك ويَودُّ لو كان لك في نفسك مثلما للرومانيين فيها من حسن الثقة. هذا تريبونيوس.
بروتوس - أهلاً بهِ.
стр. 1497
كاسيوس - وهذا داسيوس
بروتوس - مرحباً بهِ
كاسيوس - وهذا كاسكا. وهذا سنّا , وهذا سِمبر
بروتوس - أهلاً بهم جميعاً وسهلاً. أيُّ الهموم حالت بين عيونكم وبين الليل فمنعتها من النوم؟
كاسيوس - أتأذن لي في كلمة؟ بروتوس وكاسيوس يتهامسان
داسيوس - هنا الشرق. أو ليس هذا مطلعُ الشمس؟ يشير إلى جهة الشرق
كاسكا - كلاّ
سنّا - عفوك. بلى. وليست هذه الحبائل البيضاء التي تقاطعُ السحب إلاّ رسل النهار
كاسكا - إنكما على ضلال. وستعرفان بهِ. إن الشمس تشرقُ من هنا حيث يتجه سيفي وهي جهة قريبة للجنوب. والسنة تكون في أولها في مثل هذه الأيام. ثم تتجه بعد شهرين تقريباً إلى الشمال وترمينا بحرارتها. أما الشرق فهذه وجهته. هنا حيث الكابيتول.
بروتوس - هذه يدي. هاتوا أيديكم
كاسيوس - ولنحلفنّ متفقين
بروتوس - لا. لا حلف ويمين. إن لم تكن إماراتُ وجوهنا وآلام نفوسنا وجور الزمان علينا بالأسباب الكافية لنا , فلتتفرَّق الآن وليذهب كلٌّ إلى فراشهِ ولندع نسرَ الاستبداد في
تحليقهِ يتخطفنا الواحد إثر الآخر. أما إذا كانت هذه الأسباب نفسها ناراً تنفخُ في الجبان شجاعة وتجعلُ نفوس الأطفال والنساء
стр. 1498
مفلوذةً , فماذا تزيدنا اليمين في إقدامنا؟ وأيُّ الروابط تفضلُ رابطة كلمة خرجت من أفواه رومانيين يكتمون السرَّ ولا يمارون؟ وما اليمين لقوم كرام تعاهدوا على تنفيذ أمرِهم أو تركه ملطخاً بدمائهم؟ دعوا الأقسام للكهنة , للجبناء , للمنافقين , للجثث الزائلة ولنفوسٍ تقبلُ الضيمَ وتصبرُ على الأذى. أن الذين يُشكُّ في أقوالهم يُقسمون , ليحملوا الناس على تصديق أغراضهم الباطلة. أما أنتم فأعيذكم من أن تدنّسوا عِرضَ غرضنا أو تكبحوا جماح نفوسنا بقَسَم تظنونهُ لازماً. إن دماءَكم التي تجري في عروقكم - على شرف محتدها - لتصبح أسفل من دم اللقطاء إن حنث أحدكم بحرف من كلمة خرجت من أفواهكم.
كاسيوس - ما قولك بشيشرون. أنعجمُ عودَه؟ أظنهُ يؤيدنا بقوَّة.
كاسكا - لا نتركه
سنّا - لا نتركه أبداً
متلّوس - لنشركنّهُ معنا. إن شعره الفض لأكبرُ مبرّرٍ لعملنا في أعين الناس ولأعظم داعٍ لثقتهم بنا , فيقولون أن حكمهُ الصائبَ قد سدَّد أيدينا. ولا يظهرُ علينا شيءٌ من مظاهر نَزَق الشباب بل تُدفن كلها في عظيم رصانتهِ ورزانتهِ.
بروتوس - لا تذكروا اسمهُ. إننا لن نطارحهُ الأمر. فهو لا يتبع أحداً ابتدأ عملاً قبلهُ.
كاسيوس - فلندعهُ وشأنهُ
كاسكا - حقاً إنهُ لا يصلح لشيء
ديسيوس - ألا يُمسُّ أحد بسوءٍ خلاف قيصر؟
كاسيوس - أصبتَ المحزَّ يا ديسيوس. فلا يليق بأنطونيوس محبوب قيصر أن يعيش بعده. إن تركناه نلقَ منهُ محرّكاً للفتنة يَقِظاً. وقد تمتدُّ يده إلى الإساءة إلينا إن هو أحسنَ إدارة ما لديهِ من الواسطة السيئة. فلنمنعنهُ من ذلك , وليسقط مع قيصر!
стр. 1499
بروتوس - إذا نحن قطعنا الرأس وألحقنا بهِ الأعضاء ظهرت أعمالنا بمظهر دمويّ لا يليق. ويكون مثَلُنا مثل المتشفّي يشوّه فريسته بعد قتلها. فإن أنطونيوس ليس إلاّ عضواً من أعضاء قيصر. . أي كاسيوس! لنكن فدائيين لا جزارين. إننا نناهض روح قيصر , ولا
دم للأرواح. ليتنا نستطيع أن نبطش بروح قيصر ولا نمس جسده. يا للأسف! لا بدَّ لدم قيصر إن يسيل. إذن فلنقتلنه شجعان لا حاقدين ولا منتقمين. لنجعلنه ذبيحةً تليق بالآلهة , لا جثةً تقطع وتُرمى للكلاب. ليكن عملنا السادة الدهاة يدفعون عبيدهم إلى الغضب ثم يعنفونهم على ذاك الاندفاع. بمثل هذا تظهر فعلتنا للجمهور لازمة لازبة , لا حاقدة غائرة , فندعي مطهرّين لا سفاحين. دع انطونيوس من فكرك. أنهُ لا يستطيع أن يعمل أكثر مما تعمله يد قيصر بعد أن يقع رأسه عنه.
كاسيوس - ولكنني أخافهُ. فإن محبته لقيصر. . . .
بروتوس - مقاطعاً دعه من فكرك أيها الطيب كاسيوس. إن كان يحب قيصر فماله إلاّ أن يموت حزناً عليه. وليس الأمر بالهين ف نهُ مغرم بالتنزه والطيش والمغازلة.
تريبونيوس - لا خوف منه. لا تقتلوه فإنهُ سيعيش ويضحك من هذا الأمر تدق الساعة.
بروتوس - اسكتوا عدوا دقات الساعة
كاسيوس - دقت الساعة ثلاثاً
ترينونيوس - حان وقت الذهاب
كاسيوس - على أننا لا نزال في شك من خروج قيصر من بيته اليوم. فلقد أصبح متطيراً متشائماً , إذا سمعته لا تظنهُ ذلك الرجل الذي لم يكن ليعبأ بالأوهام والأحلام والتقاليد الدينية. فقد لا يأتي اليوم إلى الكابيتول لسبب مظاهر هذا الليل غير العادية ولأقول المنجمين الذين يحيطون بهِ.
стр. 1500
ديسيوس - لا تخشَ هذا الأمر. فأنا أثينه عن عزمه إذا صمَّم على البقاء في منزله. إنه يبتهجُ إذ يسمعني أقول له: إن الشجر يُسلّمُ وحيد القرن إلى الهلاك كذلك الدببة فإنهم يصطادونها بالزجاج , والفيلة بحفر الأحافير , والشباك تنصبُ لاقتناص الأسود , أمّا ابن فيؤخذ بالتملّق فإذا قلتُ له أنك تكره المملقين , يجيبني نعم أكرههم. وهو بهذا القول يكون قد خضع للتملق كل الخضوع. دعوني أتمم عملي فإني أعرف كيف استميله وآتي بهِ إلى الكابيتول.
كاسيوس - لا إننا نذهب كلنا ونأتي به
بروتوس - ولتكن الساعة الثامنة غاية موعدنا
سنّا - نعم ولا تتأخروا
سمبر - أن ليجاريوس يكرهُ قيصرَ , فقد وبّخه هذا مرة إذ سمعه يطري بومباي. أعجبُ كيف لم تفتكروا به.
بروتوس - اذهبْ إليه الآن. إني قد أحسنتُ إليه فهو يحبني. أرسله إليّ فأكيفه
كاسيوس - لقد هجم علينا الصباح. بروتوس , ها نحن تاركوك. تفرقوا أيها الأخوان. اذكروا ما قلتموه , وكونوا أبناء رومه الصادقين.
بروتوس - أيها السادة الأخيار. إبسموا واطربوا. ولتخفي وجوهكم نيّاتكم. ولنظهر بمظهر الممثلين الرومانيين مالكين قياد أنفسنا وواثقين منها. طاب ليلكم جميعاً. يخرج الجميع عدا بروتوس. ينادي الخادم أي لوسيوس. يا غلام! لنفسه نومه عميق. لا بأس. تمتع بندي النوم اللذيذ. إنك لا تحلم ولا ترى أشباحاً وخيالات تملأ رؤوس الرجال بعيدي الهمّ , لذلك تنام نوماً عميقاً تدخل إمرأته بورسيا
стр. 1501
بورسيا - بروتوس! مولاي!
بروتوس - بورسيا! ما هذا؟ ولِمَ تبكرين في القيام. ليس لمزاجك الضعيف أن يتعرّض لبرد الصباح ورطوبته.
بورسيا - ولا لمزاجك أنت أيضاً , إنكَ قد انسللتَ من فراشي انسلالاً. والبارحة على العشاء نهضت فجأة وأخذت تتمشي ويداك ورآء ظهرك تتنهدُ وتشكو. عندما سألتك السببَ نظرتَ إليّ مغضباً , فأعدتُ السؤال عليك فحككت رأسك وضربت الأرض برجلك , فألححتُ ولم تنثن عزيمتي , فأشرت بيدك إليَّ أن انصرفي , فانصرفت طائعة مخافة أن أزيد في قلقك المتقد راجيةً أن يكون الأمر انزعاجاً خفيفاً قد يطرأ على جميع الناس , ولكنه قد حرمك الأكل والكلام والنوم وتمكن منك حتى لو كان أثره في جسمك مثلما هو في عقلك لغابتْ عني معرفتك أي مولاي دعني أعرف سبب حزنك.
بروتوس - إني منحرف المزاج قليلاً. هذا كل ما في الأمر.
بورسيا - إن بروتوس لعاقل حكيم. لو كان يشكو الدآء في صحته لتوَّقي أسبابه.
بروتوس - هذا ما أفعله. اذهبي إلى فراشكِ أيتها العزيزة.
بورسيا - أمريض بروتوس؟ أمن دواعي الاستشفاء أن تنهضَ مفكوك الإزار تمتصُّ
رطوبة الصباح؟ أمريضٌ بروتوس إذ يهربُ خلسة من فراشه الطيب لملاقاة عدوى الليل ولاستفزاز برد الهواء وفساده إلى زيادة مرضه؟ لا يا بروتوس! إن علتك هنا في الرأس , لي بحقّ الزوجية أن أعرفَ ماهيتها. . إني أجثو لديك واستنجدُ ماضي جمالي علّهُ يستهويك. بل أستعين عليك بعهود حبّك وبميثاق عظيمٍ جعلنا جسداً واحداً إلاّ كشفت لي ضميرك وقلت لي - لمن هي مقام النصف منك - في مقام نفسك - ما سبب وجومك؟ ومن الذي لجأ إليك هذه الليلة. فإني رأيت رهطاً يخفون وجوههم حتى عن الظلام.
стр. 1502
بروتوس - لا تركعي يا بورسيا اللطيفة!
بورسيا - ما كنت لأركع لو كنتَ بروتوس اللطيف. أي بروتوس. أمحظور عليَّ في عرف عهود الزوجية أن اطّلع على سرّك؟ أأكون وإياك واحداً في بعض الأمور ولا! كونه في الأخرى؟ أقُسمَ لي الاكتفاء بمنادمتك على الطعام وتسليتك عند المنام والتحدّث معك في بعض الأحايين؟ أأسكن في ضواحي كيفك أم في وسط قلبهِ؟ إن كانت تلك قسمتي منك فما أنا بحليلتك بل خليلتك.
بروتوس - أنتِ زوجتي الشريفة الصادقة , أعزُّ إليَّ من تلك النقط الحمراء التي تطرق قلبي الحزين.
بورسيا - إن كان حقاً ما تقول فقد حقَّ لي أن أعرف سرّك. نعم أنا امرأة ولكني امرأة اختارها بروتوس زوجةً له. نعم أنا امرأة ولكني أرضيك عند الحسب فأنا ابنة كاتو أوَ لا تظنني أقوى بنات جنسي وقد انتسبت لمثل ذاك الأب واقترنت بمثل هذا الزوج؟ أطلعني على أفكارك. إني لا أبوح بها. أما علمت مقدار ثباتي إذ طعنت نفسي مرةً بخنجر في فخذي؟ أأحتمل بصبر تلك الطعنة ولا احتمل أسرار بعلي؟
بروتوس - ايه أيتها الآلهة. اجعلني كفوءًا لهذه المرأة النبيلة يُقرع الباب اسمعي اسمعي. الباب يُقرع. اذهبي الآن وستعلمين عما قليل ما انطوى عليهِ قلبي. سأقرأ لكِ كتاب حزن وجهي فتطّلعين على كل دخائلي وأسراري. عجلي بالخروج تخرج بورسيا لوسيوس! من الطارق؟ يدخل لوسيوس ومعه ليجاريوس.
لوسيوس - هنا رجلٌ مريض يودُّ أن يشافهك
بروتوس - لنفسه هذا ليجاريوس الذي أشار إليهِ سمبر. للخادم قف
стр. 1503
ناحية يا غلام. كيفَ
أنتَ يا ليجاريوس؟
ليجاريوس - تقبَّل تحيةً طيبة من لسان ضعيف
بروتوس - تعساً لميعاد ضربتهُ للاعتصاب بهذه العمة. ليتك لم تكن مريضاً
ليجاريوس - لستُ بالمريض إذا دعاني بروتوس إلى مواقف النُبل
بروتوس - لو كنتَ صحيح الأذن التي تثني لها ركبُ الرومانيين! ها قد اقتلعتُ مرضي مني ينزع عصبته عن رأسهِ أيْ حياة رومه. أيها الأسد الخارج من صُلب الشرف إنك كالساحر عزَّمتَ فأخرجتَ شيطان مرضي مني. إني الآن أسابق المستحيل فأسبقهُ إن أنتَ أمرتني. ما العمل؟
بروتوس - عملٌ يجعل المرضى أصحاء
ليجاريوس - أو لا نجعل بعض الأصحاء مرضى؟
بروتوس - نعم. سنفعل ذلك. سأكشف لك الأمر في الطريق وأنبئك عمن أشير إليه
ليجاريوس - أُخطُ أمامي فأثب وراءك بقلبٍ من نار أجري إلى ما لستُ أعلمهُ راضياً بأنك قائدي. أنا سهمٌ من سهامك , ارمِ بي حيث تشاء
بروتوس - إذن اتبعني يخرجان
المشهد الثاني
بيت قيصر. برقٌ ورعد يدخل قيصر بثبات النوم
قيصر - ما سكنت السماء ولا استراحت الأرض في هذا الليل. لقد صاحت كالبورنيا في نومها ثلاثاً إليَّ. هوَّاه. إنهم يقتلون قيصر مَن بالباب؟ يدخل الخادم
стр. 1504
الخادم - مولاي!
قيصر - اذهب إلى الكهنة , وابلغهم أمري , يذبحون في الحال قرابينهم ويتكهنون.
الخادم - سأفعل يا مولاي تدخل كالبورنيا
كالبورنيا - ما قصدك قيصر؟ أتفكر في الخروج من منزلك؟ ما أنت بخارج منهُ اليوم.
قيصر - أما قيصر فسيخرج. لا تقدر الأشياء التي تتهددني أن تنظر إليَّ وجهاً لوجه بل تدور من ورائي. فإذا ما لفتُّ إليها وجهي اضمحلَّت
كالبورنيا - قيصر! إني لم أهتمّ بالخرافات والأوهام قط. أما الآن فإنها تخيفني. . في الدار
رجل روى لنا عن أحد حرَّاس البلد ما تقشعر منهُ الأبدان هذا فضلاً عما سمعناه ورأيناه نحن: لبوةٌ تزأر في الأسواق. قبورٌ انشقت وقذفت بموتها خارجاً. جنودٌ نارية مرعبة تصفُّ صفوفها صفَّ القتال تتحارب بين السحب ودماؤها تتساقط على الكابيتول تمرُّ في الأزقة تولولُ وتعوّلُ تعويلاً. إيهٍ قيصر. ليست هذه الأمور بالعادية. إنها لتخيفني
قيصر - لا مردَّ لما قدَّرته الآلهة تقديراً. إن قيصر لذاهب اليوم. فما هذه النذُر بمرسلةٍ له بل قد تكون مرسلةً كله
كالبورنيا - لا نيازك تُرى عند موت السوقة. أما الأمراء فالسموات تسطع موتهم تسطيعاً.
قيصر - الجبان يموت مراراً قبل موته أما الشجاع فميتة واحدة. أغرب ما سمعت من الغرائب خوف الإنسان من أجله وهو ضربة لازب تجيء عندما تجيء.
стр. 1505
يرجع الخادم فيخاطبه قيصر قائلاً: ما قال الكهنة المنجمون؟
الخادم - إنهم يتمنون لك ألاَّ تبرح منزلك اليوم. فقد شقوا أحشاء الذبيحة فلم يجدوا فيها قلباً.
قيصر - إن الآلهة تفعل هذا حياءٌ من الجبن. لو أقام قيصر اليوم في صحن بيته خوفاً لكان بالحق وحشاً لا قلب له. لا. قيصر لا يقيم. الأخطار تعلم حق العلم أن قيصر أشدُّ منها خطراً. نحن أسدان وُلدنا في يوم واحد. أنا أكبرهما وأشدهما رعباً. إن قيصر لذاهب.
كالبورنيا - وأسفاه يا مولاي. إن حسن ظنك يبتلع حكمتك وتعقلك. لا تخرج اليوم. قل إن مخاوفي جعلتك تلبث في بيتك لا خوفك. لنبعث بانطونيوس رسولاً إلى مجلس الشيوخ يحمل نبأ انحراف مزاجك. دعني - وأنا على ركبتيَّ - أفز بهذه الأمنية.
قيصر - سأمكث إكراماً لكِ. وسيقول لهم انطونيوس إني مريض. يدخل ديسيوس ها ديسيوس. دعه يحمل إليهم الخبر
ديسيوس - السلام قيصر. سَعُدَ صباحك. إني أتيت أدعوك إلى مجلس الشيوخ.
قيصر - طاب قدومك. أحمل سلامي إلى الأعيان وقل لهم إني لا أريد أن أذهب اليوم. . . لو قلتُ لا أستطيع لكان قولي كذباً أو قلت لا أجسر لكان القول أكذب. . . إني لا أريد أن أذهب. هكذا تقول لهم.
كالبورنيا - قلْ إنه مريض.
قيصر - أو يكذبُ قيصر؟ أأمدُّ يدي فأتناول النصر والفتح من بعيد وأخشى الحق أقوله لذقون بيضاؤ. ديسيوس! اذهب وقل لهم أن قيصر لا يريد أن يجيء
ديسيوس - أي قيصر عظيم الاقتدار! دعني أعرف لذلك سبباً مخافة أن
стр. 1506
يضحكوا مني إذا أنا جئتهم بمثل هذا الكلام
قيصر - السبب راجع إلى إرادتي. إني لا أريد أن أذهب , وكفى بهذا سبباً للأعيان. . . على أني لا أخفي عليك أنت حقيقة الأمر لأنك تحبني. ن امرأتي كالبورنيا تمسكني عن الخروج من البيت. لقد رأت في حلمها تمثالي يتفجر الدم من جوانبه كينبوع ذي مائة عين وأهلَ رومه قادمين باسمين يغسلون أيديهم بدمي. وهي تدّعي أن في هذا نذيراً بشرّ قادم مستطير. فجثت أمامي راجيةً أن أمكث في بيتي اليوم.
ديسيوس - لقد ساء تأويلُ الرؤيا. إنه لحلمٌ جميلٌ مبخوت. فما تمثالك يفجّر الرومانيون الدم من جوانبه تفجيراً ويغسلون فيه أيديهم إلاَّ رمز إلى أن رومه سترضعُ منك شبابها , وإن أعاظم الرجال يتزاحمون لينالوا منك أثراً خالداً أو تذكاراً جميلاً. ذلكم تأويل حلم كالبورنيا.
قيصر - لقد أحسنتَ تأويله
ديسيوس - وستزداد اعتقاداً بحسن التأويل عندما أنقلُ إليك نبأً آخر: إن المجلس قد أجمع أمرهم على أن يقدموا لك التاج اليوم! فإذا لم تذهب الآن قد يتغير إقرارهم في الغد. ومن يضمن لنا الخلاص من سخرية ساخر يقول فضّوا المجلس إلى تتناوب امرأة قيصر أحلامٌ أخرى. أولاً يهمس الهامسون بأن قيصر قد خاف. عفوك قيصر! إني أنطق بلسان حبي الشديد لك. فهو ينطقني بالحكمة
قيصر - لكالبورنيا ما أضلَّ مخاوفكِ يا كالبورنيا. إني أخجل من نفسي عندما أرى كيف أنقذتُ إليكِ. إيتيني بردائي. أنا ذاهب. يدخل بوبليوس وبروتوس وليجاريوس ومتلوس وكاسكا وتريبوتيوس وسنا. ها بوبليوس آتٍ ليأخذني.
بوبليوس - طاب يومك قيصر!
стр. 1507
قيصر - أهلاً بك يا بوبليوس! بروتوس , مرحباً بك أمبكرٌ أنت أيضاً بالقيام؟ طاب يومك كاسكا. وأنتَ ليجاربوس. أنت مريض؟ إن مرضك الذي أهزلك لأشد عداوة لك مني! كم الساعة؟
برزتوس - أشكر لكم أيها السادة تلطفكم واجهادكم أنفسكم بالمجيء يدخل أنطونيوس وها أنطونيوس الذي يقضي لياليه سامراً قد جاءنا مبكراً. سعدتْ أوقاتك يا أنطونيوس
أنطونيوس - ولقيصر الشريف أسعدُ الأوقات
قيصر - دعهم يهيئوا لي ثيابي! إني لحقيق باللوم إذ أجعل هؤلاء السادة ينتظرون. مرحباً كاسكا. مرحباً متلوس وأنتَ تريونيوس لي حديث ساعة معك اليوم. كن قريباً فلا أنسى.
تريبونيوس - سأكون بقربك. لنفسه نعم سأقرب قرباً يودُّ أصدقاؤك لو كان بُعداً
قيصر - ادخلوا أيها الأصدقاء , نذوق معاً شيئاً من الخمر ثم نذهب معاً كإخوان الصفاء يخرجون جميعهم
المشهد الثالث
شارع قرب الكابيتول يدخل ارتمييدوروس يقرأ ورقة
ارتمييدوروس - قارئاً قيصر احذر بروتوس. توقَّ كاسيوس. لا تقرب كاسكا. ضع عينك على سنَّا. لا تثق بتريبونيوس. الحظ سمبر. برتوس لا يحبك. إنك قد أغضبت ليجاريوس. كلُّ هؤلاء مجمعون رأيهم على اردائك. إذا كنت إنساناً غير خالد لنفسك. الاستسلام مدعاة الفتنة. لتحرسك الآلهة القديرة
محبك ارتمييدوروس
стр. 1508
سأقف هنا حتى يمرّ قيصر فأعطيه هذه الورقة على شكل عرض تظلّم. نفسي حزينة على فضيلة لا تستطيع البقاء في وجه منافسة حاسدة تحرق الأرمّ. أي قيصر إن أنت قرأت هذه الورقة سلمت. وإلاّ فتكون الأقدار قد اتخذت من الخونة ساعداً وعضداً يخرج
المشهد الرابع
قسم آخر من نفس الشارع أمام بيت برتوس تدخل بورسي والخادم لوسيوس
بورسيا - يا غلام. ألم تذهبْ بعد؟ ركضاً إلى مجلس الأعيان! اذهب ما لك واقفاً
لوسيوس - لأعلم بما تأمرينني أيتها السيدة
بورسيا - ليتك تستطيع الذهاب والرجوع بأسرع مما أمرك بذلك. لنفسها تشدّدي عزيمتي! وأقيمي لي جبلاً حاجزاً بين ضميري ولساني. إن لي قلب رجل وقوّة امرأة أن تكتم سرّها. للخادم ألا تزال واقفاً أمامي؟
لوسيوس - ما مهمتي يا مولاتي؟ أأركض إلى الكابيتول وأرجع إليك؟ أليس عليَّ واجبٌ آخر؟
بورسيا - بلى اذهب وانظر أمعافى مولاك فإنه خرج متألماً. خذ بالك مما يفعله قيصر ومن الناس الذين يقتربون منه. اسمع اسمع يا غلام! ما هذا الصوت؟
لوسيوس - إني لا أسمع شيئاً أيتها السيدة
بورسيا - أصغ أصغ جيداً. إني سمعتُ ضجيجاً كضجيج عراك تحمله الريح من ناحية الكابيتول
стр. 1509
لوسيوس - بالحقّ يا مولاتي لم أسمع شيئاً يدخل المنجم
بورسيا - للمنجم تعال يا إنسان. من أين أنت قادنٌ؟
المنجم - من بيتي أيتها السيدة الصالحة
بورسيا - كم الساعة؟
المنجم - التاسعة تقريباً أيتها السيدة
بورسيا - هل وصل قيصر إلى الكابيتول أم لم يصل بعد؟
المنجم - لم يصل بعد. وأنا ذاهب لأقف فأراه مارّاً في سبيله إلى الكابيتول
بورسيا - إن لديك أمراً تعرضه على قيصر. أليس كذلك؟ قل
المنجم - نعم أيتها السيدة لي ما أعرضه عليه. فإذا أحسن إلى نفسه وأعارني أذنه أوصيته بأن يطاط لأمره
بورسيا - ولماذا؟ هل تعلم بخطر يتهدده؟
المنجم - إني لا أجزم بوقوع الخطر ولكني أخشى حدوثه. سعدت أوقاتكِ. هنا الشارع ضيق والجمع الذي يلحق بقيصر مؤلف من أعيان وقضاة وذوي مطالب شتى يتكاثفون فيزحمون رجلاً ضعيفاً مثلي. وقد يقتلونهُ. سأذهب إلى مكان أفسح من هذا أعارض قيصر في السبيل وأكمله يخرج
بورسيا - يجب أن أدخل إلى غرفتي. ويلٌ لي , ما أضعف قلب المرأة. لتُنجحِ السموات مقاصدك يا بروتوس! آه لقد سعني الخادم تقول ما يأتي لتحوّل ذهن الخادم عن الجملة الأولى فيما لو كان قد سمعها أن لبروتوس طلباً لا يستحيبه إليهِ قيصر. يكاد يُغمى عليَّ.
اذهب يا غلام إلى مولاك واقرأ سلامي. قل له إني مشروحة الصدر لا أشكو ألماً ثم ارجع إليَّ وأنبئني بما يجيبك بهِ تخرج ثم يتبعها الخادم
تم الفصل الثاني
стр. 1510
العدد ٢٩ - بتاريخ: ١ - ١٢ - ١٩١٢
البلقان والحرب
ليس في الآونة الحاضرة من لا يهتم للحرب المنتشبة بين العثمانيين والبلقانيين فالناس في كل مكان على اختلاف طبقاتهم ولغاتهم وأجناسهم يتهافتون على الأنباء الواردة من ميادين القتال تهافتاً عظيماً جداً. لذلك أنشأنا الفصل التالي وهو مجمل ما طالعناه في المجلات والمؤلفات الإفرنجية وخلاصة جامعة عن هذه الحرب ومقدماتها وسياسة البلقانيين فيها وتكهن الساسة الأوروبيين عن عقباها لعلّ في ذلك كله فائدة لقراء الزهور.
الولايات العثمانية الأوروبية وسكانها - للحكومة العثمانية في أوروبا ست ولايات خلا الآستانة وضواحيها. وهي: سالونيك , وموناستر , وأدِرْنَه , واشقودره , وقوصه , ويانيا. ويُطلق الجغرافيون عليها جميعها اسم مكدونيا وإن لم تشمل هذه التسمية في الحقيقة البلاد الألبانية. أما عدد سكان هذه الولايات فلم يحصَ إحصاءً دقيقاً لكثرة التباين في الأغراض والنزعات الجنسية والسياسية والدينية. ولكنَّ المأثور أنه لا يتجاوز خمسة ملايين ونصف مليون يضاف إليهم عدد سكان الآستانة وملحقاتها فيبلغ المجموع على التقريب ستة ملايين ونيّف. وهم أخلاط من السلافيين والترك واليونانيين والألبانيين. وأما عددهم بالنسبة إلى الجنس
следующие страницы →