Полный текст (2 201 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
التاريخ والأدب والاجتماع قديماً وحديثاً. وكثيراً ما وقفت عندها أكثر مما وقفت عند المتن. ويظهر أن لهذا الكاتب البليغ في كل فن أثراً. فكتبه تدل على اجتهاد قلما عرف في كتّاب الشرق. وكأنه أراد أن يأخذ على نفسه إعادة من نبغ في حلب الشهباء من أعلام الأدباء. فيقضي أوقاته بالتأليف والتصنيف ولا تخلو النتيجة من أمثال فنلون التي عربها
نثراً ونظماً من رشاقة وجزالة في التعبير ولكن الإنشاء الساذج كان أولى بها. وكنت قرأت منها شيئاً في مجلة الضياء فاستحسنتها.
ومن غرائب الاتفاق أنني ما انتهيت من تلاوة البرهان السديد ومؤلفات الأب شلحت حتى فتحت مقدمة السبرمان تأليف سلامة أفندي موسى والسبرمان هو ما يسميه الإفرنج أو أي فوق الإنسان وهو مذهب نيتشه الفيلسوف الألماني الرامي إلى استئصال الرحمة من بني الإنسان لأنها ضربة على الإنسانية وجريمة فظيعة لأنها تخلد الصفات الرديئة في الشعوب فيجب تفسير الحياة بحب القوة وكره الضعف، والعلم على ترقية الإنسان إلى درجة السبرمان وذلك بالتحرير الاقتصادي القائم على السوسيالية وبالتحرير الأدبي بشكلٍ ينقرض معه الدنيء ليبقى العالي. وهذا مذهب يطول البحث فيه ولا مجال لي اليوم إذ لا يزال أمامي كتب عديدة وأنا مضطر إلى إرجاء الكلام عنها إلى العدد القادم.
- ناقد
стр. 142
جمالان في معرض
بعد ظهر السبت في ٢٣ أبريل كان افتتاح المعرض السنوي الخامس من معارض الزهور في كازينو سان استفانو في الإسكندرية بحضور سمو الجناب الخديوي وهو عبد الزهر والجمال. وقد جاءتنا الرسالة الآتية بهذا الموضوع. ومن أولى من مجلة الزهور بالاهتمام بمعرض الزهور:
أخذت الشمس تبزغ ساطعة في أفق صافٍ هو جزء من جو انقشعت سحابته التي كانت تبدو تارة سنجابية رامزة إلى البرد والعواصف، وتارة كثيفة سوداء منذرة بالبرق والرعد والمطر - أخذت تبزغ فتتهادى متجلية في هذا الجو اللازوردي مانحة روح الحياة إلى الطبيعة. فانجلت عبوستها مسفرة عن مجموع جمالي طبيعي رائع كاسف لسواه من الجمال. فهو الحياة في سن الشباب الزاهر، بل البهاء السائد على القلوب، بل الرواء الآسر للأميال السامية، بل الشذا الذي تحرك النسمات مصدره فيعطر الأرجاء، بل الروح التي تمتزج في نفس اليائس فتولد فيه الأمل، وتمر بالعبوس المكتئب فتنفس كربته، ويستنشقها الحزين فتخفف ما به، وتصل إلى معاطس العليل فتنعشه، بل هي التي يراها السعيد فتضاف إلى سعادته سعادة أخرى، وتلمسها أنامل الحسناء فترى مستقبلها في نطاق الغبطة، ويشاهدها المعاقر فيتجلى له الحبب للآلئ، ويضمها العاشق فيود لو ينزع قلبه فيهديه إلى عشيقته، بل هي التي ينساب الماء في مجاريها فتنمو، وتنبعث الحرارة الشمسية في عيدانها فتحيا، ويداعب الهواء البليل أوراقها فيسمع لتلامسها صوت هو الشدو، أي هي الورود - بين أحمر
стр. 143
قانٍ، وأصفر فاقع، وأبيض ناصع - وقد تفتح. والقرنفل على تباين ألوانه وقد برز من أغشيته المخضرة. والياسمين وقد كسا أغصانه التي هي كجدائل العذارى بخيطانه البيضاء. والفل وقد كللت نواصي عيدانه برمز الطهر والثالوث وقد بدا كأنموذج لألوان الكشمير و. و. إلى غاية ما هناك من الزهور والرياحين ولا غرو في هذا كله فقد أخذت وصيفات الربيع تقرعن باب الجمال فلاحت عروس مايو مفترقة للوجود عن ذلك المجموع، قائلة للشاعر تغزل، وللكاتب تصور وللعاشق تأمل، وللمصور صور فإن فيّ آية الآيات.
* * *
هو ذا البستان والحديقة والحقل بل هو ذا المكان الذي بدت فيه هذه الزهور زاهرة يانعة،
ولكن ما هذه اليد الإنسانية التي تمتد إلى الأغصان فتنزع حلاها منها، وتنقض على العيدان فتنزع منها الثمر، وتغوص في الأرض فترفع الشجيرات من أصولها؟؟. . . . . . . . .
* * *
هناك. على ذاك الشاطئ الرملي الذي سورته يد الإنسان ليدرأ عن البر هجمات البحر، وحيث يبدو هذا البحر كصحيفة من لجين لانحراف الشمس نحو الغرب فتكسبه لوناً أرجوانياً. هناك حيث امتزج دوي الأمواج المزبدة بأصوات المئات من الأنفس بنغمات الآلات العازفة فينقل الهواء هذه النغمات إلى بعد بعيد - إلى هناك حيث نادي سان استيفانو الذي هو مصيف الإسكندرية الأكبر - نقلت تلك اليد هذه الورود
стр. 144
والزهور والرياحين نقلاً، ورصتها فيه رصاً، ونسقتها تنسيقاً هندسياً أفرغ في قالب الحسن الوضعي فأطلق على النادي في ذاك اليوم اسم معرض الزهور
* * *
غص النادي فحوى الجمالين. جمال الحسان وجمال الزهور. فتباريا متزاحمين. أحدهما خليع طائش وثانيهما ساحر ثابت. يبدو أحدهما حيناً من السهام المندفعة من عيون الحسان فيلوح الآخر في الوقت ذاته من وراء الزهور. تتمايل الحسان حيناً آخر تمايل الدلال على نغمات الآلات العازفة فتتمايل الزهور تمايل الاستمالة للنسمات الهابة. تقع العين على حمرة الخدود فتصادف حمرة الورود. تشاهد بياض الأذرع العاجي والصدور النقية فيلوح بها الفل وهو يفوق العاج، والياسمين وهو النقاوة نفسها.
* * *
غير أنه لتنازع لم يستول على مجموع قوانا. فإننا لم نلبث حتى فطنا إلى حقيقة حجبتها عنا هذه المظاهر التي سحرتنا لأول وهلة. وهي حقيقة قد جردتنا من الإعجاب بالظواهر، فرأينا البواطن فارتسمت علينا ملامح الامتعاض وقلنا والسويداء مستولية علينا:
بئساً لكما من جمالين قد خرجا عن طورهما الطبيعي ففقدا أعظم مواهبهما السامية.
دخلت التصنعات على كليكما فهبطتما من ذروة الإعجاب التي تسنمتمانها في نفسنا.
دخلت التصنعات على الحسان ميلاً منهن إليها بغية الإبداع
стр. 145
فداخلت الإنسان الريب المحسوسة في تكوينهن. ودخلت على الزهور قصد إكسابها رونقاً على رونق ففقدت
رونقها الأول.
* * *
صدى الآلات العازفة ينشف الأسماع ويجلو هموم الصدور، ودمدمة الأمواج رامزة إلى أن البحر ثائر لتقيده بسلاسل حجرية، والشمس آخذة في الأفول وهي كقبة من نار مشتعلة في الأفق الغربي. فملنا إثر ذاك الاستنتاج عن سماع العزف واعرضنا عن ذينك الجمالين واستقبلنا الشفق فانطلقت من صدرنا نفسة وقلنا:
إنك الجمال أيها الشفق الطبيعي الذي لن تنال يد الإنسان ولن تدعها أنت تصل إليك وإنك لمتمثل فعلاً في ابنة الكوخ والزهرة وهي في الحقل
- الإسكندرية
حنا صاده
أزهار وأشواك
يا شعراء
شعراء مصر يندبون حالهم، ويتذمرون لكساد سوق الأدب في بلادهم، فيناجون شعراء الشام مستفهمين، وشعراء الشام يتأوهون لسوء مصيرهم، وإعراض الناس عن بضاعتهم فيجيبون شعراء مصر آسفين. . . النغمة واحدة في القطرين، والشكوى متشابهة في البلدين، وقد أصبح لسان حال الفريقين:
اليوم من يعلق الرجاء به ... أكسد شيء في سوقه الأدب
стр. 146
ومتى كان الشاعر سعيداً غير في الخيال، وأين كان غنياً سوى في التصور؟
ولو كانت الأبيات تنفع شاعراً ... لما كان يبنيها ويسكن بالأجره. . .
فتعزوا يا شعراء، ولا يأخذن منكم اليأس وأنتم الأغنياء. ألم يقل شاعركم:
ورأس مالي سحر الكلام الذي ... منه يصاغ القريض والخطب
أغوص في لجة البيان فأختار اللآلئ منها وأنتخب
وآخذ اللفظ فضة فإذا ... ما صغته قيل أنه ذهب
النظارة العجيبة
شبه العلماء العين بالآلة الفوتوغرافية ترتسم عليها كل الصور المنظورة. وقد ثبت لأحد العلماء الآن أن العين تحفظ صورة آخر ما ترى على أكمل شكل. لكن الرسم الدقيق لا يراه النظر المجرد. فاخترع نظارة مكبرة لتجسيم هذا الرسم. أنت لا تلتفت أيها القارئ إلى هذا الاختراع وتعده تافهاً ليس وراءه من فائدة كبرى. أما أنا فبخلاف ذلك فإني أعده اكتشافاً خطيراً أين منه سائر الاكتشافات. أركب هذه النظارة، وأنظر في عين ذاك المتظاهر بالورع والتقوى، فأرى رسم المكان الذي كان فيه قبل طرقه باب المسجد. وأنظر في عين تلك الحسناء العفيفة، فأرى صورة آخر حبيب كانت تغازله وتداعبه. انظر في عين الكاتب فأقرأ فيها صفحات ذلك الكتاب الذي سرق منه مقالة ادعاها. . . أنظر. . . فأرى. . .
стр. 147
خراب العالم
وما عهد هذا الخراب ببعيد: ثمانية عشر يوماً تنقضي فيقضي علينا بالهلاك حريقاً أو غرقاً أو تسمماً - كما يزعم البعض. وذلك لأن مذنب هاللي يمسنا بذنبه فيكتسح عالمنا في
الفضاء كما تكتسح المكنسة حبة الرمل. . . ما اغرب طبع الإنسان. كل شيء غير منتظر يولد فينا الخوف واليأس بدل الفرح والأمل: سر في طبع الإنسان لا أعرف فك رموزه. والخوف من ظهور المذنبات قديم العهد تجده في أشعار فرجيل وفي كتابات غيره من الأقدمين. وها أن قلوب الأكثرين قد هلعت لقرب ظهور مذنب هاللي. ففي إسبانيا ساد الرعب واستولى القنوط على القوم، وفي الصين ثار الشعب وهاج وأخذ يفتك بالأجانب ويسلب وينهب. وفي النمسا خافوا خوفاً فلسفياً فباعوا أملاكهم وأخذوا ينفقون أثمانها على إقامة الأفراح والمسرات لتوديع هذه الحياة. ولعمري أن هذا النوع من الخوف يفضل سواه بكثير. ولقد ذكرني ذلك برسالة كتبها فولتر في مثل هذه الأيام منذ مئة وسبه وثلاثين سنة، وكان الباريسيون ينتظرون ظهور المذنب الذي ننتظره اليوم. فضحك كعادته ضحكاً يرن صداه في أذني الآن. فأقهقه معه لأن الضحك يجلب الضحك ألا تضحك معي أيها القارئ. . .؟ وإذا قضى علينا المذنب فنموت ضاحكين مسرورين
وإذا لم يكن من الموت بدٌّ ... فمن العجز أن نموت حزانا
стр. 148
حديقة الأخبار
- في ٢٦ مارس مثلت الجمعية الحمصية في ملعب أكاديمي أوف موزيك في بروكلين (أمريكا) رواية جنفياف وفي ٩ من الشهر الغابر مثل المنتدى السوري الأمريكي في نيويورك رواية ثارات العرب من قلم المرحوم الشيخ نجيب الحداد. فالمهاجرون ينشرون اللغة العربية في أقاصي المعمور.
- للكاتب التركي عزت مليح بك رواية تمثيلية اسمها ليلى وقد نقلت إلى اللغة الإسبانية ومثلت في الشهر الغابر في مكسيكو وقد أثنت جرائد البلاد كثيراً على هذه الرواية ومؤلفها الشرقي لإجادته في تنسيق مشاهدها وتمثيل العادات الشرقية.
- مثلت رواية عنتر تأليف شكري أفندي غانم ستين مرة في باريس في ملعب الأوديون وكانت القاعة كل مرة غاصة بالحاضرين، واضطر مدير الملعب إلى إيقاف تمثيلها بسبب ارتباطه مع بعض المؤلفين لتمثيل رواياتهم هذه السنة.
- في ١٧ أبريل مثل فريق من تلامذة المدرسة المارونية في مصر رواية اللصوص من قلم مدير هذه المجلة فأجادوا كثيراً.
- زار مصر في هذا الشهر جميل بك معلوف وشبل أفندي دموس وكلاهما من الكتبة المعروفين في أمريكا فأهلاً ومرحباً.
- بعد كلمة الحق والعرب ودار الخلافة صدرت جريدة عربية جديدة في عاصمة السلطنة العثمانية باسم الحضارة لمدير سياستها
стр. 149
حضرة عبد الحميد أفندي الزهراوي العضو في مجلس المبعوثان ومدير أعمالها شاكر أفندي الحنبلي. وهي سياسية أدبية فنية وتصدر يومياً. بدل اشتراكها ٦٠ غرشاً. اخبارها شائقة وعبارتها رائقة ومدير سياستها كاتب طويل الباع.
- وردت مقالة لطيفة في الإكسبرس الإسكندري عن الأندية والصحف: كل الأندية تريد أن ترسل إليها الصحف والمجلات مجاناً مع أن النادي يستفيد من الجريدة لأنها أهم الآلات والوسائل التي تعينه على بلوغ غرضه. أما صاحب الجريدة فلا يستفيد من النادي. ونظام الاجتماع يقضي بأن يكون النفع متبادلاً. . . الأندية في أوروبا تخلق الصحف وتمدها بالمال وتروجها وتشد إزرها. أما عندنا فيريدون من الجرائد أن تخدم الأندية والمجتمعات وتعضدها وتنشر تقاريرها و. و. و. وتريد أن تشترك فيها لوجه الله.
- ثلاثة من نخبة كتابنا حرمت الحكومة القراء من نفثاتهم الشائقة فتركوا الصحافة لدواوين الحكومة: حافظ أفندي عوض أصبح في المعية السنية، والسيد مصطفى لطفي المنفلوطي في نظارة المعارف، ومحمد أفندي مسعود في قلم المطبوعات. نحن نتمنى لهم كل توفيق وتقدم على شرط أن يذكرونا من حين إلى حين. وإذا كانت مراكزهم الجديدة تحول دون جولاتهم المعروفة في ميادين الصحافة، فإن المجلات الأدبية لا تزال مفتوحة في وجههم. فليذكروا العهد، ولا ينسوا صحبتهم الطويلة للقلم الذي طالما غرّد في يمينهم. . .
- مخبر
стр. 150
العدد ٤ - بتاريخ: ١ - ٦ - ١٩١٠
الكلمات الأجنبية
في اللغة العربية
من سوء الحظ ليس عندنا مجمع لغوي يبحث في تهذيب لغتنا ويعد لنا مفردات جديدة لما استجد من الاختراعات والاكتشافات شأن سائر الأمم. ولما كان هذا الأمر من الأهمية بمكان عظيم لإحياء اللغة وتطبيقها على حاجات زماننا الحاضر رأينا فريقاً من أدبائنا الأعلام يحاولون أن يسدوا هذا الفراغ ببحثهم وتنقيبهم، فوُفقوا في بعض الشيء وفشلوا في البعض الآخر.
وقد رأى نادي دار العلوم الزاهر منذ سنتين أن يقوم بهذه الخدمة الجلى بوضع مسألة الأسماء للمسميات الحديثة موضع بحثه ومناقشاته. وكان قد وضع عقب انتهاء المناقشات قراراً يكون منهجاً لسيره في التعريب. وذلك بأن يختار عشرة من الأسماء الأعجمية أو العامية فيرسل إلى كل عضو من أعضائه نسخة منها ليكتب كل منهم ما يراه لذلك الاسم من الكلمات
стр. 151
العربية البسيطة أو المركبة. ثم تعاد هذه الإجابات إلى النادي في موعد معين، وحينذاك تجتمع اللجنة العلمية للنادي فتنظر في ما لديها وتنتقي من الكلمات أقربها مناسبة لمعنى الكلمة الأعجمية أو العامية. ولما اجتمع لدى اللجنة جملة صالحة من تلك المفردات قررت أن تبدأ بنشرها ليطلع عليها أعضاء النادي ويبدوا ما عندهم من الملاحظات. وإذا مضى شهر كامل ولم يرد ملاحظات اعتبرت رأياً عاماً لجميع أعضاء نادي دار العلوم فكان عليهم أن يصقلوها بألسنتهم وأقلامهم حتى تكون لعامة من يشتغلون باللغة العربية.
ولم يشأ أعضاء النادي أن يبخسوا من تقدموهم بالعمل حقهم فإن المفردات التي سبقت الجرائد والمجلات إلى استعمالها في معنى من المعاني وكانت أفضل من سواها قد أبقوها على ما هي.
هذا هو العمل الذي أخذ النادي على نفسه القيام به ولعمر الحق أنه لعمل جليل مفيد يستحق القائمون به على كل ثناء وشكر.
على أننا نطلب من الأعضاء الكرم أن يمددوا أجل البحث حتى يتمكن أدباء معظم الأقطار العربية من الاشتراك فيه، ليكون الاختيار أصح، والاستعمال أعم.
وإننا نعرض اليوم على قرائنا ما توصل إليه أعضاء النادي من البحث في وضع المفردات
طالبين من الأدباء أن لا يضنوا بملاحظاتهم حتى تصل بواسطة هذه المجلة إلى النادي فتتم الفائدة التي نسعى إليها:
- (استمارة) يرى أعضاء النادي استعمال (استئمارة) وقد وجدت
стр. 152
هذه الكلمة في الكتب القديمة بلفظ استيمار بالتسهيل وحذف التاء ولكنهم رأوا إثبات التاء لالتزامها في الاستعمال الحاضر وعدم المانع منه والكلمة مرة من استأمر أي اخذ أمره.
- (انفيتياترو) ترجمت بلفظة (مدرَّج) منذ زمان وقد كاد اختيار الأعضاء يجمع عليها.
- (بلوك نوت) تعريبها (اضمامة) ومعناها الأوراق منضمة.
- (بويه) نظرت اللجنة فيما يستعمل للتلوين فوجدته على نوعين: نوع يتخلل أجزاء الأجسام فاختارت له كلمة (صبغ) كصبغ الثياب والورق وما أشبه. ونوع يعلو السطوح فاختارت له كلمة (طلاء) كطلاء المباني والأواني وغير ذلك.
- (تختة بوش) وهو ما يسميه الإفرنج وتعريبه (نجيرة) فقد جاء في لسان العرب أن النجيرة سقيفة من خشب ليس فيها قصب ولا غيره.
- (تربيزة أو طاولة) رأت اللجنة من هذا المسمى أنواعاً: فمنها ما هو للأكل وهذا (خوان) ويسمى حين وضع الأكل عليه (مائدة). ومنها ما توضع عليه الأشياء المختلفة وهذا (منضدة) مشتقة من النضد وهو جعل المتاع بعضه فوق بعضه ويخصصه بعض اللغويين بحرّ المتاع وخياره. ومنها ما هو للكتابة خاصة وهذا يطلق عليه كلمة (مكتب) المستعملة.
- (ترسينه) إن ما يخرج عن البناء منه ما هو مغطى وهذا يسمى (كُنَّة) ومنه ما هو مكشوف وهذا (طَنَف) والكلمتان في العربية
стр. 153
موضوعتان لما يخرج من الأجنحة في الدار. على أن هناك لفظة تؤدي المعنى وهي (شرفة) وقد كثر استعمالها. وقد ورد في الأغاني بهذا المعنى كلمة (مستشرف).
- (جول) اختارت لها اللجنة لفظة (مرمى) على أن كلمة (محج) الشائعة في سورية تؤدي نفس المعنى.
- (خارطة) وصحيحها (خريطة)
- (دوسيه) تعريبها (ملف)
- (شماعة أو تعليقة) وجدت اللجنة لما تعلق عليه الملابس نوعين: أولهما ذو عمود متوسط
وشعبات بارزة فاختارت له كلمة (غِدان) وهو في اللغة قضيب تعلق عليه الثياب. والثاني يثبت في الحائط فاختارت له لفظة (شجاب).
- (طابور) الكلمة عربية حرفت وصحيحها (تابور).
- (كارت فيزيت) سبق اختيار (بطاقة الزيارة) ولا مانع من الاستغناء عن المضاف إليه فيقال (بطاقة) كما يقول الإفرنج (كارت).
وقد رأت اللجنة أيضاً استبدال (سينماتوغراف) بكلمة (خيالة) وهي كل ما تراءى لك من الصور (وفونغراف) ب (الحاكي)
وسيموغراف (بمطبعة النضح) و (تيب ريتر) بمطبعة الأزرار) لأنها اتخذت قاعدة عامة في تسمية المطابع وهي أن تستعمل كلمة مركبة من (مطبعة) مضافة إلى أكبر مميز لتلك المطبعة. على أن كلمة (الآلة الكاتبة) أو (الكاتبة) فقط أقرب من مطبعة الأزرار.
стр. 154
هذه نتيجة بحث اللجنة الأولى وسنوافي القراء بباقي أبحاثها طالبين منهم أن يوافونا تباعاً بملاحظاتهم على الكلمات المختارة حتى يتم المقصود وتنتشر الكلمات الجديدة في الصحف والمجلات وعلى الألسنة.
رجوع الحبيب
أرفعها إلى
ما جاء الليل حتى انهزمت الأعداء وفي ظهورهم بضع السيوف ووخز الرماح، فعاد الظافرون وحاملين ألوية الفخر، منشدين أهازيج النصر، على توقيع حوافر خيولهم المتساقطة كالمطارق على حصباء الوادي.
أشرفوا على الجبة وقد طلع القمر من وراء فم الميزاب، فظهرت تلك الصخور الباسقة متشامخة مع نفوس القوم نحو العلا، وبانت غابة الأرز بين تلك البطاح، كأنها وسام مجد أثيل علقته الأجيال الغابرة على صدر لبنان.
ظلوا سائرين، وأشعة القمر تتلمع على أسلحتهم، والكهوف البعيدة تتقلد تهاليلهم، حتى إذا ما بلغوا جبهة العقبة أوقفهم صهيل فرس واقف بين الصخور الرمادية، كأنه قُدَّ منها. فاقتربوا إليه مستطلعين، وإذا بجثة هامدة مرتمية على أديم التراب المجبول بنجيع الدماء. فصرخ زعيم القوم قائلاً أروني سيف الرجل فأعرف صاحبه.
стр. 155
فترجل بعض الفرسان وأحاطوا بالمصروع مستفسرين. وبعد هنيهة التفت أحدهم نحو الزعيم، وقال بصوت أجش لقد عانقت أصابعه الباردة قبضة السيف بشدة فمن العار أن أنزعه.
وقال آخر: لقد لبس السيف غمداً من الدماء، فاختفى فولاذه.
وقال آخر: لقد تجمدت الدماء على الكف والقبضة، وأوثقت الشفرة بالزند فصيرتهما عضواً واحداً.
فترجل الزعيم، واقترب من القتيل قائلاً: أسندوا رأسه ودعوا أشعة القمر أن ترينا وجهه.
ففعلوا مسرعين، وبان وجه المصروع من وراء نقاب الموت، ظاهرة عليه ملامح البطش والبأس والتجلد، وجه فارس قوي يتكلم بلا نطق عن شدة رجوليته، وجه متأسف فرح، وجه من لقي العدو عابساً، وقابل الموت باسماً، وجه بطل لبناني حضر موقعة ذلك النهار ورأى طلائع الاستظهار، ولكنه لم يبق لينشد مع رفاقه أهازيج النصر.
ولما أزاحوا كوفيته، ومسحوا غبار المعمعة عن وجهه المصفر، ذعر الزعيم وصرخ متوجعاً: هذا ابن الصعبي فيا للخسارة. . .!
فردد القوم هذا الاسم متأوهين، ثم جمدوا في أماكنهم، كأن قلوبهم السكرى بخمرة النصر قد
فاجأها الصحو، فرأت أن خسارة هذا البطل هي أجسم من مجد التغلب وعز الانتصار. ومثل تماثيل قد أوقفهم هول المشهد وأيبس ألسنتهم فسكتوا، وهذا كل ما يفعله الموت في نفوس الأبطال، فالبكاء والنحيب حري بالنساء، والصراخ والعويل خليق
стр. 156
بالأطفال، ولا يجمل برجال السيف غير السكوت هيبة ووقاراً - ذلك السكوت الذي يقبض على القلوب القوية مثلما تقبض مخالب النسر على عنق الفريسة، ذلك السكوت الذي يرتفع عن الدموع فيزيد بترفعه البلية هولاً وقساوة، ذلك السكوت الذي يهبط بالنفوس الكبيرة من قمم الجبال إلى أعماق اللجة. ذلك السكوت الذي يعلن مجيء العاصفة، وأن لم تجيء كان هو نفسه أشد فعلاً منها.
خلعوا أثواب الفتى المصروع ليروا أين وضع الموت يده، فبانت كلوم الأشفار في صدره، كأنها أفواه مزبدة تتكلم في هدوء ذلك الليل عن همم الرجال. فاقترب الزعيم وجثا مستفحصاً، فوجد دون سواه منديلاً مطرزاً بخيوط الذهب، مربوطاً حول زنده، فتأمله سراً، وعرف اليد التي غزلت حريره، والأصابع التي حاكت خيوطه، فستره بالأثواب وتراجع قليلاً إلى الوراء حاجباً وجهه المنقبض بيده المرتعشة. تلك اليد التي كانت تزيح بعزمها رؤوس الأعداء قد ضعفت وارتجفت وصارت تمسح الدموع لأنها لامست حواشي منديل عقدت أطرافه أصابع محبوبة حول زند فتى جاء ليشهد يوم كريهة مدفوعاً ببسالته فصرع وسوف يرجع إليها محمولاً على أكف رفاقه.
وبينما نفس زعيم القوم تتراوح بين مظالم الموت وخفايا الحب، قال احد الواقفين: تعالوا نحفر له قبراً تحت تلك السنديانة، فتشرب أصولها من دمه وتتغذى فروعها من بقاياه، فتزيد قوةً وتصير خالدة وتكون له رمزاً فتمثل لهذه الطلول بطشه وبأسه.
стр. 157
فقال آخر: لنحملنه إلى غابة الأرز ونقبره بقرب الكنيسة فتظل عظامه محفورة بظل الصليب إلى آخر الدهر.
وقال آخر: اقبروه ههنا حيث جبل التراب بدمائه واتركوا سيفه في يمينه واغرسوا رمحه بجانبه وانحروا حصانه على قبره ودعوا أسلحته تؤنسه في هذه الوحدة
وقال آخر: لا تلحدوا سيفاً مضرجاً بدم الأعداء ولا تنحروا مهراً يخوض المنايا ولا تتركوا في الوعر سلاحاً تعود هز الأكف وعزم السواعد، بل احملوها إلى ذويه لأنها خير ميراث.
وقال آخر: تعالوا نجثو حوله مصلين صلاة الناصري، فتغفر له السماء وتبارك انتصارنا.
وقال آخر: لترفعه على الأكتاف جاعلين له نعشاً من الرماح والتروس، فنطوف به في هذا الوادي ناشدين أهازيج النصر، فيشاهد أشلاء الأعداء وتبتسم شفاه جراحه قبل أن يخرسها تراب القبر.
وقال آخر: تعالوا نعليه سرج جواده ونسنده بجماجم القتلى، ونقلده رمحه وندخله الأحياء ظافراً، فهو لم يستسلم إلى المنية إلا بعد أن حملها من أرواح الأعداء حملاً ثقيلاً.
وقال آخر: تعالوا نودعه لحف هذا الجبل فيكون له صدى الكهوف نديماً وخرير السواقي مؤنساً، فترتاح عظامه في برية يكون فيها وطئ أقدام الليالي خفيف الوقع.
وقال آخر: لا تغادروه ههنا، ففي البرية وحشة مملة ووحدة قاسية،
стр. 158
بل تعالوا ننقله إلى جبانة القرية، فيكون له من أرواح جدودنا رفاقاً يناجونه في سكينة الليل ويقصون عليه أخبار حروبهم وأحاديث أمجادهم.
فتقدم الزعيم إذ ذاك إلى وسط رجاله وأسكتهم بإشارة ثم قال متنهداً: لا تزعجوه بذكرى الحروب ولا تعيدوا على مسامع روحه الحائمة فوق رؤوسنا أخبار السيوف والرماح، بل هلموا نحمله ببطء وهدوء إلى مسقط رأسه، ففي ذلك الحي نفس ساهرة تترقب قدومه، نفس حبيبة تنتظر رجوعه من بين الأسنة، فلنعيده إليها كيلا تحرم نظرة من وجهه وقبلة من جبينه.
حملوه على المناكب، مطأطئي الرؤوس خاشعي العيون، ومشوا ببطء محزن يتبعهم فرسه الكئيب يجر مقوده على الأرض ويصهل من وقت إلى آخر فتجيبه الكهوف بصداها، كأن للكهوف أفئدة تشعر مع البهيم بشدة الضيم والأسى.
بين أضلع ذلك الوادي حيث أشعة القمر تسترق خطواتها، سار موكب النصر وراء موكب الموت، وقد مشى أمامهما طيف الحب جاراً أجنحته المكسورة.
- باريس ٤ (أيار) مايو ١٩١٠
جبران خليل جبران
جبران خليل جبران كاتب اشتهرت كتاباته في أمريكا وامتاز برقة الشعور وسمو الخيال ثم سافر إلى باريس لإتقان فن التصوير. فأصبح يصور بالكلام أو بالألوان ما يجيش في
خاطره أجمل تصوير. وقد أرسل إلينا هذه المقالة اللطيفة من فرنسا بعد أن انقطع مدة عن الكتابة.
стр. 159
القطران الشقيقان
في ٨ مايو المنصرم أقام نادي المدارس العليا حفلة شائقة حضرها فريق كبير من وجهاء القطرين المصري والسوري ونجباء التلامذة إكراماً لحضرة جورج أفندي أبيض وهو أول ممثل شرقي تلقى أصول التمثيل على أساتذة الفن في باريس وذلك على نفقة حضرة الجناب العالي الخديوي (راجع الجزء الثاني ص ٦٥ من هذه المجلة) فافتتح الحفلة عزتلو القانوني الشهير أحمد لطفي بك بكلمات طيبة.
وألقى المحتفل به مقاطيع عديدة نالت استحساناً كبيراً، وقد دعي إلى الكلام صاحب الزهور فقال ما يأتي:
هذي يدي عن بني قومي تصافحكم ... فصافحوها تصافح نفسها العرب
يا كرام السادة. هذا البيت لشاعر الشرق الكبير هو خير ما يستهل به الكلام في مثل هذا النادي الزاهر، ساعة أراه يضم في هذه المساء نخبة أدباء البلدين، وعلية قوم القطرين الشقيقين.
وكلمات الإخاء والسلام هي خير كلمات تردد في ساحة تجمع فيها رجال العلوم وأبطالا لآداب والفنون
فتحية وألف سلام يا أعضاء هذا النادي الأعلام، وتحية وألف سلام يا أبناء النيل الكرام. سلام تردده ربوع الشام من شواطئ البحر إلى أعالي لبنان، فيتراجع صدى هذه التحية، في كل صدر خفقت بين ضلوعه نفس حرة أبية عربية.
تحية طالما جاش بها الفؤاد، وتحركت بها الشفاه، حتى لم يقو الصدر على كتمانها في هذا المساء فانبعثت منه طاهرة خالصة من كل تكلف
стр. 160
وتصنع، لأن مصدرها القلب وإلى القلب مصيرها.
فخذوها منا غليكم أيها الإخوان ومهرها الصدق، وصداقها الإخلاص. وأحلوها منكم محل الإكرام، فانتم الأحرار في بلادكم، الكرماء لضيوفكم.
* * *
ما أجمل اجتماعنا في هذا المساء، وما أبهى هذا اللقاء للاحتفال بفن من أجمل الفنون، ولتكريم أول شاب شرقي كرس نفسه لخدمة التمثيل. . . كان الفرسان في القرون المتوسطة، قبل النزول إلى ميادين القتال، يختارون عراباً لهم بطلاً من مشاهير الأبطال.
وأنا أرى رمزاً وإشارة إلى ذلك في زيارة ابن الأبيض لهذا النادي الزاهر، نادي الشبيبة الراقية المتهذبة. أتى يزوركم وهو على تمام الثقة بأنه سيجد في كل منكم عراباً له في المهمة التي وقف لها نفسه. وهل كان بوسعه أن يجد من يقوم بهذه المهمة أحسن من نادي المدارس العليا وقد رفع فوق هذا النادي علم العلم خفاقاً يهدي كل شاب صراط العلم والاجتهاد، في خدمة البلاد؟
أجل يا سادة. جميل هو اجتماعنا في هذا المساء، وقد زانته الشبيبة، وصاغت عقد نظامه. فما أجمل الشباب وقد بعث في صدوركم الغيرة على كل مشروع مفيد جليل.
صدق والله حكيم اليونان إذ قال: أمة بلا شبيبة كسنة بلا ربيع فحياكم الله يا ربيع الأمة الزاهر، وبهاءها الناضر. فلأنتم خير إكليل تزدان به جبهة مصر الفتاة، وتفاخر به الغير إذا ما الغير فاخر بالشوكة والثروة وبعد الجاه.
* * *
стр. 161
فهيا يا أخوتي الشبان نتضافر ونتآزر في خدمة كل مشروع جليل نافع. علينا خدمة الآداب والمعارف، فتحيا البلاد وتنهض. علينا تنشيط العلوم والفنون، فنعيد إلى الشرق العزيز بهاءه المفقود. وننشر في ربوعنا لواء السلام والوئام، وما أبهى السلام والوئام. . . .
مني السلام على ناد سما وزها ... بما حوى من شباب العلم والعمل
لا زال تخدمه الأيام مقبلة ... فيخدم العلم والدنيا بلا ملل
ما هو الشعر
الشعر شعور النفس، وأغنية الحس، وأنشودة الضمير، ولسان الوجدان، وترجمان الجنان، وصورة العواطف الحساسة الرقيقة في كل إنسان بل وحيوان.
فهديل الهزار، وتغريد الكنار، وسجع الحمام، وصدح اليمام، وزمزمة العندليب، وزقزقة العصفور، وشدو الشحرور، وزقاء الديك، وبغام الربرب، ورنين الجؤذر، وحنين الغزل، وازرام الجمال، وهمهمة الخيل، وثغاء الأغنام، ورغاء الأنعام، بل وفحيح الهوام، بل ونقيق ربات الغدير، ونواء السنانير، وثرثرة الصراصير، أو (منشدة القصائد في أيام الحصائد) بل وتصدية كل ذي روح، كلها أنواع من الشعر على أوزان طبيعية خاصة وإن درج على خلاف هذه الحقيقة أسرى التقليد في كل عصر ومصر.
(بيروت)
محيي الدين الخياط
стр. 162
في جنائن الغرب
نعرب تباعاً تحت هذا العنوان خير ما يؤخذ عن آداب الغربيين قديماً وحديثاً لما في ذلك من الفوائد الجليلة التي لا تخفى على أحد.
الفارس
أرسلت إلينا هذه القطعة الجميلة لننشرها في هذا الباب سيدة فاضلة غربية. والفارس عنوان قصيدة نظمها في مديح الأمير تاج الفخر الشاعر البولوني الشهير آد ميكيه ويكس وهو كاتب حماسي أحبه مواطنوه حباً أشبه العبادة ودفنوه بعد موته في قبور ملوكهم. وقد دافع عن وطنه بولونيا مدافعة الأبطال إلى أن نفاه الروس فذهب بعد أسفار كثيرة إلى فرنسا ودرّس في كليتها الكبرى ولما قامت روسيا تهدد تركيا سنة ١٨٥٤ سافر إلى الأستانة وتبعه من بولونيا ألوف من المتطوعين للدفاع عن السلطنة العثمانية. وفي السنة التي بعدها أصيب بالكوليرا وتوفي في الأستانة. ولم ينس العثمانيون صديقهم فإن جمعية الاتحاد والترقي لما احتفلت بتذكار حرب القريم في ١٧ أغسطس (آب) الأخير، وضعت على البيت الذي توفي فيه هذا الشاعر صفيحة من البرونز، ونقشت عليها تحت اسمه هذه العبارة صديق العثمانيين وكان هذا الوطني الكبير أثناء وجوده في باريس قد أصدر جريدة بعنوان منبر الشعوب ما لبثت أن احتجبت. وقد عاود أشياعه اليوم إصدارها في الأستانة وجاءنا البريد الأخير بأول عدد منها. . . وإليك قصيدة فارس التي أشرنا إليها:
ما أسعد الفارس العربي عندما ينطلق من أعلى صخرة منحدراً إلى الصحراء، على جواد تنغرس قوائمه في الرمال بصوت أصم. ويسبح في ذاك البحر اليابس شاقاً أمواجه الجامدة بصدره الدلفيني.
стр. 163
شدة جريه تزداد بسرعة عظيمة، حتى أنه بعد هنيهة يكاد لا يمس سطح الرمال، ثم يزداد سرعة فيحتجب في دجى النقع. . .
فرسي أدهم بلون الغمامة، وفي غرته نجم يسطع كالفجر الباسم. والرياح تتلاعب بعرفه الشبيه بريش النعام. والبرق يومض من تحت قوائمه المحجلة.
طر يا حبيبي المحجل تنحي يا غابات، ويا جبال أفسحي مجالاً. .!
النخل الأخضر يعرض علي عبثاً ظله وثمره، فإني أعرض عنه نافراً، فيهرب مني خجلاً،
ويتوارى في الواحة، فيخيل إلي أنه بحفيف أوراقه يضحك من جرأتي.
الصخور الواقفة على حدود الصحراء تحول نحوي وجهاً عبوساً كالحاً، وتردد صدى عدوي كأنها تهددني قائلة: إلى أين يجري هذا الأحمق، فهنالك لا ملجأ لفرسه من سهام الشمس في ظل نخلة خضراء الشعر، ولا تحت خيمة بيضاء الصدر، هنالك لا خيمة إلا القبة الزرقاء، ولا يرقد تحتها إلا الصخور، ولا يرى فيها سوى النجوم.
على أني لم أزل أجد في الجري. ثم نظرت ثانية إلى الصخور، فرأيتها تهرب وتختبئ خجلاً.
بيد أن عقاباً سمع تهديدها وتوهم أنه سيأسرني في الصحراء، فانقض من السماء على أثري، وحام فوقي ثلاثاً مكللاً رأسي بإكليل أسود، وهو يصيح ويصوت: غني أشم رائحة جثة. إلى أين تجري أيها الفارس الأحمق وأيها الفرس المجنون. هل يبحث الفارس هنا هن طريق؟ وهل
стр. 164
يطلب الفرس هنا مرعى له؟ هنا لا طريق إلا للرياح، ولا مرعى إلا للثعابين. هنا لا مرقد إلا للجثث ولا مسلك إلا للعقبان
وكان العقاب يصوت ويهددني بمخالبه اللامعة. فتراشقنا بالنظرات ثلاث مرات. فلم يستول علي الرعب. بل استولى الرعب على العقاب. وأنا لم أزل أجد في الجري. وعندما التفت ثانية إلى العقاب، وجدته على بعد شاسع، كأنه نقطة سوداء، معلقة في كبد القبة الزرقاء، بحجم العصفور، فالفراشة، فالبعوضة، ثم اختفى في زرقة السماء.
طر يا حبيبي المحجل القوائم، تنحي يا صخور، ويا عقبان أفسحي مجالاً. . .!
على أن غمامة سمعت تهديد العقاب، فنشرت أجنحتها البيضاء على وجه السماء الزرقاء، وجدت في أثري: تريد الغمامة أن تكون فارساً جريئاً في الفضاء، كما أنا فارس جريء فوق الغبراء. . . ثم وقفت فوق رأسي، وصفرت تهديدها مع زمهرير الريح:
إلى أين يجري هذا الأحمق؟ هناك الحرارة تذيب صدره. ولا غمامة تغسل رأسه من الرمل المحرق الذي يعلوه، ولا جدول ماء يدعوه إليه بخريره الفضي. ولا قطرة واحدة تصل إليه من قطرات الندى، لأن الرياح الجافة تتشربها قبل الوصول إليه.
على أن تهديد الغمامة ذهب أدراج الريح، وأنا لم أزل أجد في السير، وهي ترتجف في السماء واهنة القوى، فحنت رأسها، واتكأت على صخرة، ولما التفت إليها ثانية كان بيننا
بعد شاسع وقرأت على وجهها ما يدور في
стр. 165
صدرها. فاحمرت حنقاً، ثم اصفرت كمداً، ثم اسودت حتى أصبحت كالجنة، وألحدت وراء الصخور.
طر يا حبيبي المحجل، تنحي يا عقبان، وأفسحي مجالاً يا عمائم. .!
وبعد ذلك سرحت الطرف في كل أنحاء الأفق كأنني الشمس، فلم أر حولي أحداً.
فالطبيعة هنا رافدة لم يوقظها الإنسان قط من سباتها، والعناصر مستكنة حولي أشبه بحيوانات جزيرة دخلها الإنسان لأول مرة فلا تخاف منظره. . .
يا الله! أنا لست وحدي هنا. .! أرى هناك جماعة عند منفرج الرمال. أمسافرون هم. أم لصوص يترصدون المسافرين؟ ما أشد بياض هؤلاء الفرسان. وما أروع بياض مطاياهم. .! أسرعت نحوهم فلم يتحركوا، وناديتهم فلم يجيبوا. يا الله! إن هم إلا جثث. هذه قافلة كنست الريح الرمل عنها فتبدت هياكل عربان على عظام جمال. وكان الرمل يتساقط من ثقوب كانت عيوناً في هذه الأجسام وكأني به يتهددني هامساً:
إلى أين يجري هذا الأحمق؟ فما قليل تلاقيه العواصف.
ولكني مازلت أجد في السير. . . تنحي يا جثث الموتى، ويا زوابع أفسحي لي مجالاً. .!
وكانت زوبعة من أشد الزوابع التي تهز الأصقاع الأفريقية تتمشى منفردة على أوقيانس الرمال. فرأتني عن بعد، فدهشت ووقف. والتفت على نفسها قائلة:
стр. 166
هذا أي ريح من أخواتي الصغيرات هو؟ يتجرأ بشكله الحقير وطيرانه البطيء على الدخول في الصحراء مملكتي؟
قالت وزأرت هاجمة علي كأنها هرم متحرك. ولما عرفت أني لست إلا إنساناً وأنني لا أرجع عن عزمي، تلظت غيظاً، وضرب الأرض بقوائمها، فاهتز لها نصف بلاد العرب. وفبضت علي قبضة العقاب على العصفور، ولطمتني بأجنحتها العاصفة، وأحرقتني بنفسها الملتهب، وقذفتني في الهواء، وضربت بي الأرض. فانتصبت ووثبت عليها وعاركتها وفككت عقد عجاجها ومزقتها، وعضضتها فطحنت بأسناني قطع جسمها الرملي. حاولت الزوبعة الإفلات من يدي فلم تتمكن وتقطعت إرباً. وسقط رأسها مطراً رملياً وتمددت جثتها العظيمة على قدمي كأنها سور مدينة.
فتنفست حينذاك، ورفعت عيني إلى النجوم ونظرت إليها بإعجاب. فنظرت إلي النجوم
بأعينها الذهبية، لأنها لم تر غيري في الصحراء. . .
آه ما أعذب التنفس هنا بملء الرئتين. كل هواء بلاد العرب يكاد لا يملأ صدري. آه ما ألطف تسريح النظر هنا على قدر مد البصر، فإن عيني تنفتحان وتريان حتى ما وراء الأفق. . .! آه ما ألطف بسط الذراعين هنا بحرية على قدر طولهما. وكأني قادرٌ على ضم الدنيا بأسرها بين ذراعي من المشرق إلى المغرب. .!
فكري ينطلق كالسهم، ولا يزال يحلق في العلو حتى يغوص في لجة السماوات. وكما أن النحلة تدفن حياتها مع حمتها حين تغرسها، هكذا أنا مع فكري أغرس نفسي في السماوات.
- آدم ميكيه ديكس
стр. 167
بين عرش ونعش
نزل إدوارد السابع ملك إنكلترا وإمبراطور الهند من العرش إلى النعش، وأدرج في الأكفان، بعد ما جر ذيول الأرجوان، وغيب في ظلمة القبر بعد ما طلع في صدر الإيوان. وخلفه ولده وولي عهده جورج الخامس في حكم الملايين من الناس، بعد أن طاف الممالك والأمصار مثل أبيه، ودرس أميال الشعوب ليعرف كيف تساس، وإذا كان حكم مدام دي جنليس الكاتبة الفرنسوية القائلة: إن الأمراء هم أسوأ تربية من كل الناس بمعنى أن تربيتهم تبعدهم عن معرفة حقائق هذه الحياة - وإذا كان حكمها صحيحاً في أكثر الأمراء فهو لا يصح في إدوار ملك الأمس ولا في جورج ملك اليوم، فلقد عرف كلاهما حقائق هذه الدنيا قبل أن قبض على زمام الأحكام. . . وقد أفاضت الصحف في الكلام عن السلف والخلف، وعرف القراء كل ما تهم معرفته عن العاهل الراحل والملك الجديد. فاكتفينا بتلخيص فصل من كتاب ألفه إدوارد السابع وترجم إلى الفرنسوية، عنوانه تأملات في الموت والأبدية وإليك ما قاله الملك - الكاتب المتوفى عن الموت:
الخوف من الموت
لو أتيح لنا نحن البشر أن نرى منذ مهدنا كل الحوادث وصنوف العذاب التي تنتظرنا، لكان خوفنا من الحياة أشد من خوفنا من مغادرة الحياة.
كثيراً ما شبهوا هذه الحياة برحلة نبدأها غير مخيرين، وننهيها مضطرين، فتركض إلى الأمام بسرعة وقلق. ونسير في فجر الصبح المكفهر خارجين من ظلام الليل إلى ظلام آخر. وهذا عمل الله من البداية إلى النهاية.
стр. 168
ما هو الموت؟ هو الانطفاء كالنور، هو نسيان المرء نفسه وكل حوادث ماضيه كما ينسى الأشباح التي يراها في حلم خاطف، هو إبرام علائق جديدة بالعالم الرباني، هو الدخول في منطقة أعلى، هو خطوة نحو ارتقاء الخليقة لا يقدر عليها الإنسان.
فلماذا نخاف من الموت وما هو الانتقال إلى حالة أحسن. لماذا، عندما نفكر بانحلالنا، نزيد حباً بالحياة أية كانت؟
ليس خوفنا من الموت بل من تصورنا للموت. فأبعد هذه التصورات عن فكرك، وانظر إلى الموت كما هو، يقل هول الموت في عينيك.
لا قيمة للحياة إلا إذا استعملناها لإصلاح نفوسنا، وتزيين عقولنا بأشرف الصفات، ونشر السعادة حوالينا. وعندما نعجز عن ذلك لتقدمنا في العمر فنفقد كل أمل بالتقدم في هذه الطريق، تكون الحياة قد فقدت قيمتها الكبرى.
تستولي علي قشعريرة باردة عند التفكير في الموت وكأن كل عرق فيّ يحاول مقاتلة الانحلال والانفصال. ومع كل ذلك لابد من الموت.
لماذا جئت هذا العالم؟ ولماذا لا أرى الموت كما أرى الحياة، وأنا قد منحت كليهما على غير إرادة مني!
ما عساني أن أكون بعدما أجد من شكلي الإنساني وأقطع من البشرية؟ أن هذا الريب أو الشك في ما سوف ينتظرنا هو الذي يملأنا رعباً. والظلام الذي يغشي المستقبل هو الذي يفرحنا بالنور الآن. نقدر ما في يدنا حق قدره فنخاف أن نتركه تلقاء شيء لا نعرفه.
стр. 169
ولو كان الخالق قد مكننا في هذه الحياة من معرفة الحياة الأخرى لما عاد الموت حاجزاً ولكان من ينتظرون ساعتهم الأخيرة نفراً قليلاً.
فهذا الرعب هو أشد رابطة تربطنا بهذه الحياة. فالجبان الذي تهوله المصائب لا يردعه عن التخلص من حياته إلا ذاك الشك المخيف.
لماذا أبكي؟ ولماذا تنوحون على من فقدتم؟ هل نحزن على الموتى لأنهم تركوا من يحبون، وغادروا حياة طالما تنعموا بها؟ ما أقل نفع هذا الحزن وذاك البكاء. .! هل نبكي كل مساء أعزاءنا لأنهم يرقدون؟ هل نرثي أنفسنا ساعة النوم؟ وأي فرق بين الموت والنوم؟
نعم إن من ينام يبقى له أمل باليقظة بقوة مجددة عند شروق الشمس. ولكن هذا الأمل - ولو بعيد الأجل - يبقى أيضاً لمن يموت. وعند يقظته يشاهد أحبابه وأعزاءه، وبعد قليل يشاهدكم أنتم أيضاً. لأن أطول حياة هي كلا شيء: سل الشيخ الهرم ابن السبعين فيقول لك: مرت حياتي كسبعين دقيقة في الحلم فعلام نبكي إذن؟
وهذا الريب نفسه لا يخيف إلا بقدر ما تكون الحياة الأخرى بعيدة، ويزول تماماً ساعة الدنو منها. ساعة الموت تظهر لنا الحياة قاتمة تافهة، ويشرق علينا المستقبل تنيره أشعة الأبدية. فالإنسان عند موته يصفي حسابه مع العالم ويلقي بركته على أحباب قلبه، ثم يعرض عن كل شيء وينضم إلى نفسه ليقطع الحد الفاصل بينه وبين الحياة السعيدة: لم
يبق في الماضي ما يؤنسه، وأصبح في المستقبل كل ما يستميله.
إدوارد السابع
стр. 170
في رياض الشعر
بين شعراء مصر والشام
نشرنا في العدد الماضي (ص ١٠٧) قصيدتين لشاعرين من سورية جواباً على قصيدة عبد الحليم أفندي المصري التي شكا فيها من كساد الشعر في مصر وسأل زملاءه في الشام عن حالتهم. (راجع قصيدته ص ٥٩) وننشر اليوم قصيدتين ثانيتين وردتا على المجلة من سورية بهذا المعنى. وتسرنا هذه المراسلة الأدبية بين كتاب القطرين فنحن إنما أنشأنا هذه المجلة لتكون رابطة أدبية بين الأقطار العربية.
١ - يا شعراء النيل
يا دهر من أغراك بي للحرام ... ما مهجتي مرمى لكل السهام
إن كان ذنب العاشقين الهوى ... يا دولة الحب عليك السلام
قد كان لي قلب به صبوة ... ومقلة ترعى نجوم الظلام
قد كان - والعهد قريب بنا ... مذ جزت بالعشرين عفت الغرام
أصبحت لا أشتاق وادي النقا ... ولا أجاري نائحات الحمام
أمسيت لا أبكي بسقط اللوى ... ولا أناجي فيه بدر التمام
لأنصف الدهر بأحكامه ... لو كان للدهر وفاء الذمام
ولا رعوى عن غيه تائباً ... لو ينكأ الدهر قراع الملام
* * *
стр. 171
يا شعراء النيل لا تجزعوا ... قد صافحتكم شعراء الشام
لكم بهم في قومهم أسوة ... ما أغنياء الشام ري الأوام
لا يبصر الشاعر دينارهم ... عيناً ولا طيفاً له في المنام
يدعوهم الفضل فلا مسمع ... هم في القصور الساهرون النيام
ما في قصور اليوم من نخوة ... قد كانت النخوة بين الخيام!!
لهفي على قوم كرام مضوا ... قد أنصفوا بالفضل قوماً كرام
يكاد لو نادى بهم آمل ... في الترب يحيي نخرات العظام
كلام أخل الشعر في عهدهم ... جواهر واليوم أمسى كلام
لا مصر ترضيهم ولا مصرنا ... ما أطيب السكنى ببردي لتام
لا كنت لي يا موطني مسكناً ... إن كان فيك الحر خلقاً يضام
* * *
إن كان هذا الحظ لا ينجلي ... ما أضيق العيش وأشقى المقام
- (لبنان)
ف. نصار
٢ - حالتنا
عبد الحليم! عليك ألف سلام ... مني ومن شعراء بر الشام
عبد الحليم! لقد أثرت عزائماً ... في النفس قد سئمت من الإقدام
أبرزت من سجر القريض فرائداً ... طربت لهن جوانب الأهرام
ناديتنا متسائلاً مستفهماً ... عن حالة الشعراء والأقلام
* * *
стр. 172
فعلام يا ابن النيل تنب حالة ... أنتم بها من أسعد الأنام؟؟
أتبيت في أرض النضار وتشتكي ... من غمرة البأساء والآلام؟
أتبيت في ربع الأمام وتختشي ... من نائبات الدهر والأيام؟
* * *
هلا ركبت البحر نحو ربوعنا ... فترى لأهل العلم قلباً دامي
هلا أتيت إلى الشام فتلتقي ... بحر التعصب والغباوة طامي
عجل تجد روح التحاسد عابثاً ... بمبادئ الحكام في الأحكام
فإذا الأديب أراد نشر معايب ... طويت عن الأفكار والأفهام
يترصدون له الوقيعة والأذى ... ويسددون عليه سهم ملام
وترى الصحافي الجريء مهدداً ... بالضيم من حكامه الظلام
يبغي التقدم للبلاد فينثني ... عن عزمه لمفاسد الأقوام
تلقى يراع الحر معتقلاً فلا ... يحيا بغير المدح والإكرام
إن خط آيات الحقائق مرة ... قامت عليه قيامة الحكام
فكأنه طير الحمام إذا شدا ... يلقى من القناص كأس حمام!!
* * *
فإليك - يا عبد الحليم - مثالنا ... صورته ليلاً ودمعي هامي
فلئن تكن مصر تضيق بكم على ... رحب الديار فكيف أرض الشام؟؟
- (بيروت)
حليم إبراهيم دموس
стр. 173
شكوى المنفي
(قالها ناظمها حين نفي إلى سيواس وتخلى عنه أصحابه)
حيي ربوعها قطر ... يا وطناً هو مصر
ما لي إليك سبيل ... هذا خلاء وبحر
غر الأعادي انكساري ... والانكسار يغر
وسرهم طول نفيي ... ومثل نفيي يسر
هم يحسبوني أقضي ... عنهم وما لي ذكر
هيهات بعدي رجال ... والفجر يتلوه فجر
عين بكت قبل هذا ... وسوف يبسم ثغر
ارتجعي يا أماني ... بالوصل قد طال هجر
إنا عهدناك أوفى ... عهداً إذا خان دهر
فبينما أنت زهر ... إذا بك اليوم غير
فليس يرفع جد ... وليس يخفض هذر
* * *
مرت عذاب الليالي ... وكل عذب يمر
التزم الصبر كرهاً ... وليس للحر صبر
وأسلك الحلم نفسي ... ومسلك الحلم وعر
لبيك يا مجد قومي ... لبي نداءك حر
دافعت دون فروق ... قوماً رحلت وقروا
стр. 174
سادوا بها فلكل ... نهي عليها وأمر
ما كنت اغلب لولا ... قوم ثبت وفروا
ضاق المجال عليهم ... ضيقاً ولم يغن كر
وفي العيون ازورار ... وفي الجوانح ذعر
فبت تلقاء ليث ... كأنما هو قصر
له شباة وظفر ... ولي شباة وظفر
يعدو إلي فأعدو ... إليه زأر فزأر
فربع في البيد ذئب ... وريع في الجو نسر
وظلت الحرب بيني ... وبينه تستمر
فاضطر للصلح رغماً ... ومن بغى يضطر
واغتالني بعد غدراً ... وشيعة النذل غدر
لا يقصدوني بعذر ... فما على الجبن عذر
بين وبين الأعادي ... يوم إذا طال عمر
حتام أخفض قدري ... وما تعالاه قدر
أن أمس فيه أسيراً ... قد يعتري الحر أسر
* * *
رضيت سيواس داراً ... وما بسيواس شر
جنوا عليها فأمست ... قد أقفرت فهي قفر
فلا بها الروض خصب ... ولا بها الزهر نضر
стр. 175
اندست مطرباتي ... وأصبحت وهي دثر
فليس لي ثم نظم ... وليس لي ثم نثر
وكم بمصر أديب ... يشدو فترقص مصر
لهفي على سانحات ... كأنما هي سحر
يقولها قائلوها ... فيعتري الناس سكر
ولي الدين يكن
مقابلة الذم والاغتياب
لسعادة إسماعيل باشا صبري
بذرت شؤماً ولؤماً ... فاحصد أناة حليم
روث اللسان سماد ... في روض كل كريم
* * *
ولحضرة السيد مصطفى لطفي المنفلوطي في هذا الموضوع
إذا ما سفيه نالني منه نائل ... من الذم لم يحرج بموقفه صدري
أعود إلى نفسي فإن كان صادقاً ... عتبت على نفسي وأصلحت من أمري
وإلا فما ذنبي إلى الناس إن طغى ... هوها فما ترضى بخير ولا بشر
стр. 176
أفكار وآراء
- الإصابة ليست دائماً في جانب الإجماع. فالكثرة ليست حجة قاطعة، أو هي وحدها برهان القوة الوحشية، والحقيقة ما كانت أدنى إلى الواقع.
- الفلسفة - وإن كان لا يزال لها بعض المعنى اليوم - فإنها ستصبح مبتذلة في مستقبل الأيام فالمستقبل اليوم للعلم. وللعلم العملي وحده فقط
- علوم الكلام التي ترمي إلى تفسير ما لا يفسر، وتأويل ما لا يؤول، قد أضلت عقولاً كثيرة، وغلت عن العمل أيدياً كثيرة، فلم تنفع الاجتماع
стр. 177
بشيء، بل أضرته إذ أضلته وأصبحت عالة عليه
- نحن علمنا الإنسان أن يكذب، لأننا عاقبناه على الصدق. وإن يسرق لأننا حجبنا عنه ما يحتاج إليه.
- لا شيء أقدر على تعريف الإنسان واجباته للقيام بها مثل معرفته المنافع المترتبة له عليها. فباحترام الحقوق تعرف الواجبات.
- يجب صرف قوى الإنسان عن تلك المباحث الرثة المضيقة للعقل، المضللة له، من فلسفة نظرية، وتواريخ كنسج العناكب، وعلوم عالية ككفة الميزان الفارغة، وأقاصيص كقماقم عفاريت ألف ليلة وليلة.
- لا يستوي المرء إلا إذا طمست يد العلم ما خطته يد الجهل، ولم يعد له أثر في المدارس بل صارت المدارس للفنون والصناعات والعلوم الصحيحة والطبيعية فقط.
- لست أخشى تخطئة الناس لي إذا كنت أعرفن مصيباً، ولا يسرني تصويبهم إذا كنت أعرفني مخطئاً.
- إن العرش الذي يتبوأه الملوك قائم على قاعدة هي الأمة، فإذا خلت الأمة من تحتهم، هوى بهم ذلك العرش كجلمود صخر حطه السيل من عل.
- الثقة بالنفس غير الاعتداد بها: فالثقة خمير عن روية، والاعتداد فطير عن استسلام.
- إن العالم الطبيعي، والحاسب الرياضي، والعالم الميكانيكي، أقصر كلاماً، وأفصح بياناً، وأبسط أسلوباً، وأثبت حجة وأصدق من الأديب
стр. 178
اللغوي، والعالم اللاهوتي، والفيلسوف المنطقي، وسائر علماء الجدل الكلاميين لأنه ألف البرهان الطبيعي الرياضي الذي لا يقبل المغالطة والتمويه.
- الإنسان ابن التربية وهو فيها ابن هواجسه قبل أن يكون ابن علمه.
- أنت تظن أنك تحكم لنفسك والحقيقة أنك غالباً تنطق عن أحكام سواك.
- الشرقي اليوم فضلة في الاجتماع لا عمدة، بل هو شريك سلبي لاقتسام المنفعة، لا إيجابي للعمل بها. بل هو يقتسمها مرغماً في ورودها إليه من الخارج، ويقوم في سبيلها معارضاً من الداخل.
- اللغات تحيا بحياة الأمم، وحياة الأمم غنما تكون بعلومها وصناعاتها، وحياة العلوم والصناعات بالعلماء والصناع منها، فإذا خلت امة منهم، ذهب استقلالها وكان القضاء عليها أمراً محتوماً.
- كن شديد التسامح مع من يخالفك في رأيك، فإن لم يكن رأيه كل الصواب، فلا تكن أنت كل الخطأ بتشبثك. وأقل ما في إطلاق حرية الفكر والقول تربية الطبع على الشجاعة والصدق. وبئس الناس إذا قسروا على الجبن والكذب.
- الناس حتى اليوم يكرهون البساطة في كل شيء سواء كتبوا أو تكلموا أو عملوا، ويدخلون الخيال الغريب لا في مباحثهم العلمية والأدبية والدينية فقط، بل في سائر أمورهم الاجتماعية. حتى التافهة جداً أيضاً. فإن تصوروا ملكاً أو حكماً أرادوهم بكل مظاهر الأبهة ولو ظهروا فيها بمظاهر المساخر، كأنه لا يصح أن يكونوا ببساطة أزياء العالم. . . .
стр. 179
في حدائق العرب
ليلى العفيفة والبرّاق
هي ليلى لكيز بن مرة بن أسد من ربيعة بن زار نشأت في حجر أبيها وبرعت بفضلها وكانت تامة الحسن كثيرة الأدب وافرة العقل شاع ذكرها عند العرب حتى خطبها كثيرون من سراتهم. وكانت ليلى تكره أن تخرج من قومها وتود لو أن أباها زوجها بالبراق بن روحان ابن عمها. إلا أنها لم تعص أمر أبيها وصانت نفسها تعففاً فلقبت بالعفيفة.
وكان والدها يتردد على عمرو بن ذي صهبان ابن أحد ملوك اليمن فيجزل عطيته، ويحسن إكرامه، فخطب منه ليلى وجهز إليه بالهدايا السنية، فأنف أن يرد طلبته، وأمل أن يكون الملك فرجاً لشدائد قومه، وحصناً في جوارهم، وذخيرة في عظائم أمورهم، فصعب الأمر على البراق لما بلغه الخبر، وأتى إلى أبيه وإخوته وأمرهم بالرحيل فارتحلوا.
وثارت في أثناء ذلك حرب ضروس بين بني ربيعة قوم البراق وقبائل قضاعة وطي. فاتسع الخرق ودارت الدوائر على بني ربيعة. هذا والبراق معتزل عنهم برجاله لرغبة عمه عنه بابنته ليلى. فاجتمع إليه كليب بن ربيعة وإخوته يستنجدونه فقالوا له: يا أبا النصر قد طم الخطب ولا قرار لنا عليه. وأنشده كليب:
إليك أتينا مستجيرين للنصر ... فشمر وبادر للقتال أبا النصر
وما الناس إلا تابعون لواحد ... إذا كان فيه آلة المجد والفخر
стр. 180
فناد تجبك الصدي من آل وائل ... وليس لكم يا آل وائل من عذر
فأجابه البراق متهكماً:
وهل أنا إلا واحد من ربيعة ... أعز إذا عزوا وفخرهم فخري
سأمنحكم مني الذي تعرفونه ... أشمر عن ساقي وأعلوا على مهري
وأدعو بني عمي جميعاً وإخوتي ... إلى موطن الهيجاء أو مرتع الكر
ثم ردهم خائبين
وبلغ الأعداء امتناع البراق من القيام بقومه، فأرسلوا إليه يعدونه بما شاء من الكرامة والسيادة فيهم إن آزرهم على قتال ربيعة. فأخذت البراق الغيرة لذلك، وزال ما كان في قلبه من الحقد والضغينة على قومه وأجاب بني طي:
لعمري لست أترك آل قومي ... وأرحل عن فنائي أو أسير
بهم ذلي إذا ما كنت فيهم ... على رغم العدى شرف خطير
أأنزل بينهم إن كان يسر ... وأرحل إن ألمَّ بهم عسير
ألم تسمع أسنتهم لها في ... تراقيكم وأضلعكم صرير. . .
وأمر رجاله بالركوب فركبوا وامتطى هو مهرته شبوب وكسر قناته وأعطى كل واحد من إخوته كعباً منها وقال لهم: حثوا أفراسكم، وقلدوا نجبائكم قلائد الجزع في الاستنصار لقومكم.
فامتثلوا رأيه وتفرقوا في أحياء ربيعة. واستصرخوا قبائلهم، فجزعت ربيعة لجزع البراق، وأخذت أهبتها للحرب وتواردت قبائلها من كل فج وعقدوا له الرئاسة في قومه. ثم ساروا إلى ديار قضاعة وطي فأغاروا عليهم
следующие страницы →