Полный текст (2 201 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
أفكار وآراء
- الإصابة ليست دائماً في جانب الإجماع. فالكثرة ليست حجة قاطعة، أو هي وحدها برهان القوة الوحشية، والحقيقة ما كانت أدنى إلى الواقع.
- الفلسفة - وإن كان لا يزال لها بعض المعنى اليوم - فإنها ستصبح مبتذلة في مستقبل الأيام فالمستقبل اليوم للعلم. وللعلم العملي وحده فقط
- علوم الكلام التي ترمي إلى تفسير ما لا يفسر، وتأويل ما لا يؤول، قد أضلت عقولاً كثيرة، وغلت عن العمل أيدياً كثيرة، فلم تنفع الاجتماع
стр. 177
بشيء، بل أضرته إذ أضلته وأصبحت عالة عليه
- نحن علمنا الإنسان أن يكذب، لأننا عاقبناه على الصدق. وإن يسرق لأننا حجبنا عنه ما يحتاج إليه.
- لا شيء أقدر على تعريف الإنسان واجباته للقيام بها مثل معرفته المنافع المترتبة له عليها. فباحترام الحقوق تعرف الواجبات.
- يجب صرف قوى الإنسان عن تلك المباحث الرثة المضيقة للعقل، المضللة له، من فلسفة نظرية، وتواريخ كنسج العناكب، وعلوم عالية ككفة الميزان الفارغة، وأقاصيص كقماقم عفاريت ألف ليلة وليلة.
- لا يستوي المرء إلا إذا طمست يد العلم ما خطته يد الجهل، ولم يعد له أثر في المدارس بل صارت المدارس للفنون والصناعات والعلوم الصحيحة والطبيعية فقط.
- لست أخشى تخطئة الناس لي إذا كنت أعرفن مصيباً، ولا يسرني تصويبهم إذا كنت أعرفني مخطئاً.
- إن العرش الذي يتبوأه الملوك قائم على قاعدة هي الأمة، فإذا خلت الأمة من تحتهم، هوى بهم ذلك العرش كجلمود صخر حطه السيل من عل.
- الثقة بالنفس غير الاعتداد بها: فالثقة خمير عن روية، والاعتداد فطير عن استسلام.
- إن العالم الطبيعي، والحاسب الرياضي، والعالم الميكانيكي، أقصر كلاماً، وأفصح بياناً، وأبسط أسلوباً، وأثبت حجة وأصدق من الأديب
стр. 178
اللغوي، والعالم اللاهوتي، والفيلسوف المنطقي، وسائر علماء الجدل الكلاميين لأنه ألف البرهان الطبيعي الرياضي الذي لا يقبل المغالطة والتمويه.
- الإنسان ابن التربية وهو فيها ابن هواجسه قبل أن يكون ابن علمه.
- أنت تظن أنك تحكم لنفسك والحقيقة أنك غالباً تنطق عن أحكام سواك.
- الشرقي اليوم فضلة في الاجتماع لا عمدة، بل هو شريك سلبي لاقتسام المنفعة، لا إيجابي للعمل بها. بل هو يقتسمها مرغماً في ورودها إليه من الخارج، ويقوم في سبيلها معارضاً من الداخل.
- اللغات تحيا بحياة الأمم، وحياة الأمم غنما تكون بعلومها وصناعاتها، وحياة العلوم والصناعات بالعلماء والصناع منها، فإذا خلت امة منهم، ذهب استقلالها وكان القضاء عليها أمراً محتوماً.
- كن شديد التسامح مع من يخالفك في رأيك، فإن لم يكن رأيه كل الصواب، فلا تكن أنت كل الخطأ بتشبثك. وأقل ما في إطلاق حرية الفكر والقول تربية الطبع على الشجاعة والصدق. وبئس الناس إذا قسروا على الجبن والكذب.
- الناس حتى اليوم يكرهون البساطة في كل شيء سواء كتبوا أو تكلموا أو عملوا، ويدخلون الخيال الغريب لا في مباحثهم العلمية والأدبية والدينية فقط، بل في سائر أمورهم الاجتماعية. حتى التافهة جداً أيضاً. فإن تصوروا ملكاً أو حكماً أرادوهم بكل مظاهر الأبهة ولو ظهروا فيها بمظاهر المساخر، كأنه لا يصح أن يكونوا ببساطة أزياء العالم. . . .
стр. 179
في حدائق العرب
ليلى العفيفة والبرّاق
هي ليلى لكيز بن مرة بن أسد من ربيعة بن زار نشأت في حجر أبيها وبرعت بفضلها وكانت تامة الحسن كثيرة الأدب وافرة العقل شاع ذكرها عند العرب حتى خطبها كثيرون من سراتهم. وكانت ليلى تكره أن تخرج من قومها وتود لو أن أباها زوجها بالبراق بن روحان ابن عمها. إلا أنها لم تعص أمر أبيها وصانت نفسها تعففاً فلقبت بالعفيفة.
وكان والدها يتردد على عمرو بن ذي صهبان ابن أحد ملوك اليمن فيجزل عطيته، ويحسن إكرامه، فخطب منه ليلى وجهز إليه بالهدايا السنية، فأنف أن يرد طلبته، وأمل أن يكون الملك فرجاً لشدائد قومه، وحصناً في جوارهم، وذخيرة في عظائم أمورهم، فصعب الأمر على البراق لما بلغه الخبر، وأتى إلى أبيه وإخوته وأمرهم بالرحيل فارتحلوا.
وثارت في أثناء ذلك حرب ضروس بين بني ربيعة قوم البراق وقبائل قضاعة وطي. فاتسع الخرق ودارت الدوائر على بني ربيعة. هذا والبراق معتزل عنهم برجاله لرغبة عمه عنه بابنته ليلى. فاجتمع إليه كليب بن ربيعة وإخوته يستنجدونه فقالوا له: يا أبا النصر قد طم الخطب ولا قرار لنا عليه. وأنشده كليب:
إليك أتينا مستجيرين للنصر ... فشمر وبادر للقتال أبا النصر
وما الناس إلا تابعون لواحد ... إذا كان فيه آلة المجد والفخر
стр. 180
فناد تجبك الصدي من آل وائل ... وليس لكم يا آل وائل من عذر
فأجابه البراق متهكماً:
وهل أنا إلا واحد من ربيعة ... أعز إذا عزوا وفخرهم فخري
سأمنحكم مني الذي تعرفونه ... أشمر عن ساقي وأعلوا على مهري
وأدعو بني عمي جميعاً وإخوتي ... إلى موطن الهيجاء أو مرتع الكر
ثم ردهم خائبين
وبلغ الأعداء امتناع البراق من القيام بقومه، فأرسلوا إليه يعدونه بما شاء من الكرامة والسيادة فيهم إن آزرهم على قتال ربيعة. فأخذت البراق الغيرة لذلك، وزال ما كان في قلبه من الحقد والضغينة على قومه وأجاب بني طي:
لعمري لست أترك آل قومي ... وأرحل عن فنائي أو أسير
بهم ذلي إذا ما كنت فيهم ... على رغم العدى شرف خطير
أأنزل بينهم إن كان يسر ... وأرحل إن ألمَّ بهم عسير
ألم تسمع أسنتهم لها في ... تراقيكم وأضلعكم صرير. . .
وأمر رجاله بالركوب فركبوا وامتطى هو مهرته شبوب وكسر قناته وأعطى كل واحد من إخوته كعباً منها وقال لهم: حثوا أفراسكم، وقلدوا نجبائكم قلائد الجزع في الاستنصار لقومكم.
فامتثلوا رأيه وتفرقوا في أحياء ربيعة. واستصرخوا قبائلهم، فجزعت ربيعة لجزع البراق، وأخذت أهبتها للحرب وتواردت قبائلها من كل فج وعقدوا له الرئاسة في قومه. ثم ساروا إلى ديار قضاعة وطي فأغاروا عليهم
стр. 181
وانطبقت عليهم الفرسان البراق من كل جانب فبرّحوا بهم القتل وانهزم الباقون، ثم عاد القوم إلى القتال وطالت الحرب بينهم، تارة لقوم البراق وأخرى عليهم، إلى أن أظفره الله بأعدائه وامتلأت أيديه من الغنائم وانقادت له قبائل العرب. وكان قد فك أسرى قومه، واسترجع الظعائن وكانت من جملتهن ليلى، واصطلحت القبائل بعد ذلك وأقروا للبراق بالفضل والشرف الرفيع.
أما عمرو بن ذي صهبان خطيب ليلى فإنه أرسل إلى ليكز والدها يستنجزه وعده في أمر ابنته. فلم ير بداً من إجابة دعواه. إلا أن ابناً لكسرى ملك العجم حال دون مرامه فأرسل فرساناً سبوها في طريقها وحملوها إلى فارس مرغمة. فبقيت هناك أسيرة لا ترضى بزواج. ولما ضيق عليها العجم وضربوها لتقنع بمراد ملكهم استصرخت بالبراق وبأخوتها في قصيدتها المشهورة.
فلما بلغ بني ربيعة استنجاد فتاتهم استفزتهم الحمية وخنقتهم العبرة. فحشد البراق الفرسان وسار إلى بلاد العجم. ولم يزل يكد ويسعى حيناً بالقتال وآخر بالحيلة حتى خلص ليلى من يد مغتصبيها، وأعادها إلى ديار بني ربيعة. فأثنى عليه قومه ثناء جميلاً وتزوج بليلى وتولى رئاسة قومه زماناً فأعطى وكسا وقرى وصارت ربيعة بحسن تدبيره أوسع العرب خيراً لما حازوه من الغنائم وكانت وفاته قبل الإسلام بقرن ونصف تقريباً.
стр. 182
ثمرات المطابع
فلسفة النشوء والارتقاء
قال بعضهم يوماً للدكتور شميل: إنك لمصيبة على الناس، لمغايرتهم في أفكارهم. فأجابه الدكتور: إذا جازت الشكوى فمن منا أولى بالشفقة، أنتم الذين مصيبتكم بي واحدة، أم أنا الذي مصيبته بكم متعددة!.
هذه النكتة التي رواها الدكتور في مقدمة الطبعة الثانية من كتابه فلسفة النشوء والارتقاء - وهو الجزء الأول من مجموعته التي هي قيد الطبع - تصور أحسن تصوير موقف الدكتور شميل تجاه البشرية. . . ويعرف ذلك أتم معرفة من جالسه وباحثه فسمعه يتذمر ويتأفف من حالة المجتمع الإنساني وخرافاته وسخافاته، شأن الذين لم يفهمهم معاصروهم. . .
صاحب كتاب فلسفة النشوء والارتقاء أشهر من نار على علم، قضى ثلاثين سنة ونيفاً وهو يحارب ويقاتل بقلمه - لأنه لم يكتب إلا ليشن الغارة على ما يراه من الأوهام في أبناء جنسه - وهو من هذا القبيل أجرأ كاتب عرفناه في الشرق، وأمثاله في الغرب ليسوا بالعدد الكثير. يبحث وينقب ويستقري، مستنيراً بنور العقل والطبيعة، ولا يخشى في إعلان نتيجة بحثه واستقرائه ولو كان فيها ما يغضب ويؤلم ويخالف معتقد عموم الناس - وهي كثيراً ما تكون من هذا القبيل. وكفى برهاناً على ذلك
стр. 183
أنه قام ينشر في الشرق مذهب دارون وشرح بختر عليه يوم كان أنصار هذا المذهب في أوروبا نفسها لا يتجاوزون عدد الأصابع. ولذلك قامت القيامة على هذا الكاتب الجديد الذي كان يريد أن ينقض كل ما بناه أسلافه. ولكن كل ذلك لم يثبط منه العزائم ولم تزده المعاكسات إلا رسوخاً في آرائه حتى ألفها الناس منه ولو لم يوافقوا عليها. وتعودوا سماعها الآن من طبيبهم وفيلسوفهم الشيخ بعد أن استكبروها من الشاب منذ ثلاثين سنة. والثبات على المبدأ - أياً كان - والتفاني في سبيله لمما يدعو إلى الإعجاب بصاحبه. ولو كان الدكتور شميل مؤمناً، لكان من أحر المبشرين وأعظم الشهداء. لأنه من الفئة المهاجمة في هذه الدنيا لا الفئة المدافعة. ولذلك هو الآن مبشر حار، ومؤمن متعصب بعدم الإيمان. وإن شئت، قل هو متعصب في كفره كما أن غيره متعصب في إيمانه. وقد يكون كلا المتعصبين سواء.
هو يقول عن نفسه أنه تقلب على مقالب التردد في الأديان من اليقين إلى الشك فالنفي ولكن هذا التردد لم تطل مدته عنده. بل طار به سريعاً إلى النتيجة الأخيرة وهي النفي ووقف عندها منكراً نافياً داعياً الجميع إلى مثل نفيه وإنكاره. وتكاد تجد في ما كتبه منذ ربع قرن ما لا يزال ينسج عليه اليوم. ولم يحاول قط أن يلبس يده الحديدية قفازاً من المخمل، ولم يعمد أبداً إلى الطرق اللينة. بل إنه يجرح بقلمه معتقدات العقل، كما يجرح بمشرطه دمامل الجسم، ولكن دون استعمال بنج أو مخدر. وهو يقر بذلك إذ يقول (ص ٢٤): رأيت أن أخوض غمار
стр. 184
البحث غير حافل بالمصاعب التي ستعترضني في هذا السبيل، وأن انخعه بتلك الصراحة الجازرة، منكباً عن خطة الذين يرون أن الحكمة إنما هي المصاداة، لعلي أزحزح الأفكار عن مألوفها، لعلمي أن تحريك الأفكار لا يكون غالباً إلا بمثل هذه المصادرة العنيفة. . .
وهذه هي طريقته الإصلاحية. ولم نر في كتابه الضخم ذكراً للشفقة والرحمة إلا مرة واحدة حيث قال: لماذا كل هذا الغضب على هذا الإنسان الضعيف الذي أقل احتياج من احتياجاته كافٍ لأن يدفعه إلى ارتكاب الجريمة لأن الاحتياج مؤلم، فالجوع فضاح، والحاجة قاتلة
وعليه فأقصد هذا الطبيب الاجتماعي إذا كنت مصاباً بدمل أو كنت ذا عضو معتل، فهو يبتره لك بلا شفقة. وإذا كنت ذا جرح يحتاج إلى بلسم أو مسكن، فإياك والدكتور شميل. فأقل ما هناك أن يكويه بالنار أو بحجر جهنم.
وإذا كان هو يؤلمك فلأنه متألم منك ومن نظامك الاجتماعي في حاضرك وماضيك.
اسمع ما يقوله عن الماضي (ص ٦): إني لا أتمنى لك تمدناً كتمدن عصر سقراط، ولا تمدن باني الأهرام، ولا تمدن الرومان، حتى ولا تمدن عصر العباسيين، ولا تمدن الأمم النصرانية بعد خروج الإسلام من الأندلس وقبل الثورة الفرنسوية. وإلا فأكون قد تمنيت لك أن تكون عبداً ذليلاً لا تملك أدنى حرية لا في القول ولا في الفكر ولا في العمل وليس هذا كل مبلغ غضبه على النظام الاجتماعي في الماضي بل إنه يتمنى لو
стр. 185
أحرقت كل منقولات التاريخ وما فيه من التلفيق والكذب (ص ١٠).
أما غضبه على النظام الاجتماعي الحالي فتكاد تقراه في كل صفحة من المقدمة والخاتمة. ونكتفي بإيراد شاهد واحد على ذلك وهو قوله: صارت علوم اللغة مماحكات لا طائل
تحتها، لا كلاماً وضع للتعبير عن الفكر والشعر إغراباً لا إبداعاً في وصف الحقائق. وعلوم الفقه سخافات يتنزل العقل فيها إلى حد التبذل. والطب شعوذة لاستنزال الأسرار وتحويل الأقدار وعلوم القوانين لاهوتاً ثانياً لا يفهم. وعلم المحاماة مخرقة وتفنناً في المشاغبات لا دليلاً مرشداً إلى الحق رادعاً للباطل إلخ. . . وعلى هذه المبادئ النخرة شاد الإنسان بنيان نظاماته الاجتماعية المتقلقلة.
وبعد أن هدم هذا البنيان أخذ يرشد إلى كيفية تشييد بنيان اجتماعي جديد. فجعل الأساس العلوم الطبيعية. فبها يصح نظر الإنسان في لغاته، وينتظم قياسه في دليله، وتقوى فلسفته بارتباطها، وتعلوا آدابه لانطباقها على العمل، وتصلح شرائعه. . . ويتسع عقله إلخ. . .
ويرى أن هذه العلوم هي المخل الذي يستكفل بقلب ما بني من النظامات المتقلقلة والشرائع الخائفة. أما العلوم الكلامية فالعداوة بينه وبينها شديدة وهو يبشرها بالانقراض القريب متى ترقى النظام الاجتماعي حسب السنة الطبيعية.
وإذا استعملنا مع الدكتور شميل تشبيهاً طيباً، فلا نكون قد خرجنا عن الموضوع: يستخرج الأطباء المصل الشافي والواقي من الأمراض، بان يلقحوا بمركوب الوباء حيواناً ما. فيتركب في دمه حالاً مادة مقاومة
стр. 186
لسريان الداء بموجب نواميس الطبيعة. ويزيدون كمية التلقيح يوماً فيوماً، حتى تبلغ مقداراً كان يقتل ذلك الحيوان لو لقح به دفعة واحدة. وبزيادة كمية المادة الوبائية، تزداد كمية المادة المقاومة. ومن هذه الأخيرة يؤخذ المصل الذي يستعمل للتطعيم. . . قل ذلك عن مذهب الدكتور شميل ولا تكون بعدت كثيراً عن الحقيقة.
أو إن شئت فاحكم عليه كما يحكم هو نفسه على العلماء وقل معه: إن للعلماء أحلاماً كالعوام، والعقل خزانة كثيرة الأدراج.
هذا ما يسمح المجال ببسطه عن فلسفة الدكتور المتطرفة. ولو أردنا التفصيل لما كفى الكتاب العريض الطويل. أما عبارة الشميل فهي آية في الإيجاز مع أداء المطلوب. وقلما قرأنا كاتباً عربياً جاراه في هذا الأسلوب.
* * *
معنى الحياة - وكثيرنا يجهل معنى الحياة الحقيقي ولربما كان هذا الجهل سبب ما تراه في مفاوز هذه الدنيا من الرزايا والحطوب، والتعاسة والشقاء، والخصام والتنافر، والضغائن
والأحقاد، ومتى فهمنا هذه الحياة بمعناها الصحيح يسود السلام في العالم، وتعم المحبة بني الشر، ويذوق الإنسان منتهى السعادة الممكنة. طالع كتاب لورد افبري يتضح لك ذلك تماماً. وترى أن واضع هذا الكتاب من الفلاسفة الذين لم يضيعوا في عالم الأوهام ولا في بهرجة الكلام. ونحن في أشد الحاجة إلى مثل هؤلاء
стр. 187
المفكرين الذين ينشرون المبادئ الصحيحة ولذلك يسرنا أن نصوغ أجمل كلمات الثناء على حضرة الشاب الذكي النجيب وديع أفندي البستاني الذي خدم بلاده أحسن خدمة بتعريب هذا السفر النفيس وسبكه في عبارة عربية بليغة سلسة. كما أنه يسرنا أن نرى الإقبال الذي صادفه هذا الكتاب فقد كادت تنفد طبعته الأولى قبل مرور العام عليها. وعن قريب سيطبع ثانية. وقد قررت مدارس المرسلين الأمريكان تدريس معنى الحياة في مدارسها.
* * *
نفحات الوردتين - أو مجموع الفصول الشائقة والمقالات اللطيفة التي دبجها يراع الأديبتين المرحومتين أنيسة وعفيفة كريمتي حضرة اللغوي الشهير الشيخ سعيد الشرتوني. يفوح من هذه المجموعة أريح طيب نشرته هاتان الوردتان قبل أن يذبلهما نفس الموت السام. وخليق بنسائنا وفتياتنا أن يطالعن هذه المجموعة النفيسة حتى يعرفن الدرجة التي تبلغ إليها الفتاة الشرقية. متى ترتب تربية حقيقة وصرفت أوقات فراغها بالدرس والمطالعة بدلاً من قتل وقتها وقواها العقلية بالأمور التافهة. فنثني على حضرة الأديب ميخائيل أفندي الشرتوني الذي حفظ هذه الفصول الجميلة من الضياع بنشرها بالطبع. ونسأل للأديبتين الراحلتين رحمة واسعة ولحضرة والدهما المفضال عزاء وسلواناً.
стр. 188
أزهار وأشواك
الحمد لله. . . .!
الحمد لله! زال الخطر، وانقشعت غياهب الهلع، وتنفس سكان الأرض تنفس المتعوب بعد الفرج. وعاد الناس إلى مألوف أعمالهم على سطح الكرة الأرضية بعد أن وقفت حركتهم في انتظار ذك القادم المجهول. وإذا لم يكن بد من الكلام بصراحة فأقول إنني لم أكلف نفسي كتابة حرف واحد حتى ولا التفكير في موضوع حديثي الشهري مع القراء. بقيت هكذا - بلا خوف ولا وجل، ولكن بلا نشاط في العمل - حتى مر علينا المذنب مر الكرام فلم يلحق بنا ضرراً. . . هل اشمأز مما لاقاه في أرضنا فلم يشأن أن يلامسنا؟ أم هو أخذته عوامل الوجد فقبل الأرض خلسة تحت جنح الدجى وهرب غير آمل أن يفوز منها بالوصال؟ لا أدري والذي أدري أنه حمل حقيبته، ولف ذنبه وغادرنا لسفر بعيد. . . ولما أمنا وقفنا نودعه على الأفق هازئين ساخرين مرددين قول الشاعر العربي:
وخوفوا الناس من دهياء مظلمة ... إذا بدا الكوكب الغربي ذو الذنب
تخرصاً وأحاديثاً ملفقةً ... ليست بنبع إذا عدت ولا غرب
حادثة صغيرة قبل ختام قصة المذنب: منذ أسبوع أيقظني عند الفجر صراخ في بيت جاري. وسمعت الجدال الآتي بين الزوجين:
- أين قضيت ليلتك؟ عد من حيث أتيت.
стр. 189
- أؤكد لك يا عزيزة أنني كنت أرقب مذنب هالي
ويظهر أن الزوجة لم ترض بهذا العذر لتغيب زوجها فصفعته صفعة على خده، أرته النجوم. . . والمذنبات في رائعة النهار. . .
التمثيل والكتاب
بدت في هذه المدة طوالع نهضة مباركة في التمثيل العربي وكثر البحث في الروايات التمثيلية والممثلين وإنشاء مدرسة وطنية لتعليم هذا الفن الجميل. ولكنني لا أرى سبيلاً إلى ترقية هذا الفن إلا إذا نزل الكتاب والأدباء إلى ميدانه لينهضوا به ويعلوا مناره. ولذلك أقترح أن تؤلف رواية كبيرة تمثل في الأوبرا الخديوية وتوزع أدوارها كما يأتي: دور الملك إسماعيل باشا صبري. ودور ابن الملك لأحمد بك شوقي. وحافظ إبراهيم ونقولا
رزق الله يمثلان قائدي الجيش. والدكتور شميل يمثل دور الفوضوي عدو المملكة ويعاونه في مساعيه الشيخ يوسف الخازن. ويقوم صاحب الزهور بدور من نوع دور روميو بلا إنشاد. ويكون خليل مطران والشيخ أمين الحداد النديمين. وحافظ عوض وداود بركان رسولين. ويمثل ولي الدين بك يكن دور الأسير ويقوم إمام العبد بدور الطيف أو الشبح المخيف. وتعهد أدوار النساء إلى صاحبة فتاة الشرق وصاحبة أنيس الجليس وصاحبة الجنس اللطيف والباحثة في البادية. وتختم هذه الرواية بفضل مضحك أو فروتو يقدمه سليم سركيس وإلياس فياض ويكون من تأليفهما. ويتلو الدكتور شدودي منولوج فتاة العصر ويترأس صاحب الإكسبرس الموسيقى الوترية. . . أنا لست غنياً ولكن إذا
стр. 190
عزم الأدباء المذكورون على إحياء هذه الليلة فإني أدفع نصف راتبي الشهري لمشترى تذكرة دخول ولو في أعلى التياترو وأتولى توزيع الإعلانات على إدارات الصحف وأصفق للممثلين مجاناً.
الحجاج والبكالوريا
عشرات ن التلامذة الذين تقدموا هذه السنة لامتحان البكالوريا في مصر سيسقطون والذنب في ذلك على الحجاج ولو كان - حفظه الله - عرف ماذا سيصيب فريقاً من شباب القرن العشرين بسببه لدعا على لسانه بالقطع أو على الأقل لمنع كتّاب ديوانه من تدوين خطابه لأهل العراق لئلا يطلب من طلبة البكالوريا أن يفكوا رموزه للحصول على الشهادة. وإليك أيها القارئ ما طلب تفسيره من التلامذة: ما يقعقع لي بالشنان ويغمز جانبي كتغماز التين، ولقد فررت عن ذكاء، وفتشت عن تجربة. . . والله لأحزمنكم حزم السلمة، ولأضربنكم ضرب غرائب الإبل. . . فإذا سهل عليك أن تفهم هذه الأحاجي فيحق لك أن تلوم من قصر في ذلك. اما انا فلا أخجل من إعلان جهلي ولو سقطت في كل بكالوريات العالم وأتعزى في فشلي بترديد ما قاله صفي الدين الحلي:
إنما لحيزبون والدردبيس ... والطخا والنقاخ والعلطبيس
والسبنتي والحفص والهيق ... والهجرش والطرقسان والعسطوس
لغة تنفر المسامع منها ... حين تروى وتشمئز النفوس
وقبيح أن يسلك النافر الوح ... شي منها ويترك المأنوس
стр. 191
إن خير الألفاظ ما طرب السا ... مع منه وطاب فيه الجليس
ولذيذ الألفاظ مغناطيس
حاصد
فكاهة
روت الصحف الأمريكية تلغرافاً تلقته جريدة الورلد النيويوركية، ومفاده أن رجلاً عربياً مر بمحطة برلنغام في السادس من الشهر الفائت، وكانت ساحة المحطة غاصة بالعربات والسيارات وكلها بانتظار قدوم القطار إلى ذلك القسم الجميل من المدينة حيث يسكن الأشراف وكبار المتمولين. فإذا بذلك العربي - وقد انقبضت سحنته وامتقع لونه - أخذ يتكلم بحدة شديدة ويردد كلمات لم يفهمها أحد من الذين تجمهروا حواليه. وحاول بعضهم أن يستفسره عن سبب تأثره واستيائه. فأشار العربي بيده إلى واجهة بناية المحطة. فظن القوم أن الرسوم العربية المنقوشة على الواجهة قد أثارت فيه عواطف الذكر وحب الوطن، فأحدثت هذا التهيج الظاهر على محياه. ولم تعرف الحقيقة حتى وصل أحد الطلبة في مدرسة اللغات الشرقية وعرض نفسه للترجمة. فسمع العربي يتلو الشتائم واللعانات الموجهة إلى إدارة السكة الحديدية وخطوطها وعرباتها ومأموريها وأصحابها وهو محدق بنظره إلى واجهة البناية كأنه يقرأ عليها ما يقول. فأنعم الترجمان النظر في الرسوم، فأدرك سر تهيج العربي، وقال للمتجمهرين: إن ناقش هذا الزخرف العربي قد نحت في الحجر سلسلة شتائم لشركة السكة الحديدية.
стр. 192
ويقول هذا العربي أنه لا يعرف في لغته كلاماً أفظع وأسفه من الكلام المنقوش على هذه البناية.
فدهش القوم لذلك واستغربوا الأمر وقصدوا مهندس الشركة يطلبون الوقوف على سر هذا الخبر. فلما سمع الرواية منهم استلقى على ظهره ضحكاً وقال: الحمد لله فقد وجد أخيراً من يقرأ هذه اللعنات ويفسر معانيها فيشفي غليلي. وليس في نقش ما رأيتم سهو ولا غلط. فإنني أنا فعلت ذلك عمداً مني وبعد إمعان النظر. وكيفية ذلك أنني حين كنت أبني هذه المحطة طلبت من الشركة جوازاً للسفر مجاناً على خطوطها كما تفعل كل شركة مع موظفيها فأبت إجابة طلبي. فتحصلت على أقبح ما جاء في اللغة العربية من الشتائم، ونقشته على الواجهة لعنة ثابتة على كر الأعوام. وهكذا قد أثبت هذه اللعنات منقوشة على اجر مشوي في النار، وحفرت انتقامي من الشركة على حجرٍ أصم بإزميل من فولاذ. . .
كيف نقضي العمر
قد اتفق لكل منا أن يقف أحياناً في آخر نهاره متسائلاً: كيف قضيت هذه الأربع والعشرين ساعة التي غارت في بحر الزمان. كم أضعت منها سدة. وكم استعملت منها في الأمور العائدة بالنفع علي أو على إخواني بني البشر. هل عشت حقيقة في هذا النهار أم قتلته قتلاً. . .؟
نتطارح وضميرنا هذه الأسئلة فنجد أن هذه الزيارة مثلاً قد ضيعت علينا وقتاً جزيلاً بلا جدوى. أو أن تلك الدعوة إلى وليمة أو إلى محفل
стр. 193
لهو قد أكلت من يومنا شطراً كبيراً. أو أن توعكاً في مزاجنا قد اضطرنا إلى الراحة. وينتهي حسابنا - بعد إسقاط ساعات النوم - بأننا قضينا فقط القليل من الوقت - أو دون القليل - في الجد والأعمال النافعة. فنتحقق قول أحد فلاسفة الرومان: إن في حياتنا ساعات تؤخذ منا، وساعات تسرق منا، وساعات تفلت منا.
متوسط حياة الإنسان سبعون سنة. فإذا أسقطنا منها الوقت الذي يقضيه آكلاً شارباً نائماً لابساً نجد أنه لا يبقى له إلا شيء يسير منها.
وضع أحد الإحصائيين حساباً مدققاً لمعدل السنين التي يقضيها الإنسان من عمره في لزوميات هذه الحياة فتوصل إلى النتيجة الآتية، باعتبار العمر سبعين سنة:
يقضي الإنسان أكثر من ثلث عمره - أربع وعشرين سنة - نائماً لأنه إذا كان لا ينام إلا القليل وهو شيخ فقد كان يرقد الساعات الطوال وهو طفل.
وحساب الأوقات التي يقضيها في الأكل والشرب يدل على انه ينفق ست سنوات من عمره آكلاً شارباً.
وإذا أنزلت أوقات النزهة والكل إلخ من سني الدراسة يبقى للدرس الحقيقي ثلاث سنوات فقط.
وكذلك يقضي ثلاث سنوات أيضاً في الحمام وأمام المرآة وعند المزين ويقضي ثماني سنوات في المنتزهات والملاهي وخمس سنوات في المشي والتنقل. وست ساعات في المطالعة.
стр. 194
ومجموع الأوقات التي يصرفها في الكلام والحديث ثلاث سنوات. ولكن كم من ثرثارة مهذار يقضي الشطر الأكبر من عمره متكلماً.
وإذا أسقطنا كل هذه السنين من عمر الذي يعيش سبعين سنة نجد أنه لا يبقى للشغل والعمل سوى إحدى عشر سنة.
قال الشاعر العربي:
إذا مر بي يوم ولم استفد يداً ... ولم اكتسب علماً فما ذاك من عمري
فما أقصر عمرنا إذن. . .!
حديقة الأخبار
- منذ أسبوعين عقد المؤتمر الصحافي الدولي الرابع عشر في عرض البحر أمام مدينة تريسته على ظهر الباخرة تاليا. فانتخب للرئاسة مدير جريدة فيينرتا جبلاط ولوكالة الرئاسة مسيو أدريان هبرار مدير جريدة الطان الفرنسوية.
- في العاشر من الشهر القادم يعقد عموم الصحافيين السلاف مؤتمراً في مدينة بلغراد عاصمة الصرب لينظروا في حقوق وواجبات الصحافي ويتدالون في الشؤون التي تعود على العنصر السلافي بالنفع. وأي أمتي أبشر قرائي بقرب انعقاد مؤتمر عام لخدمة الصحافة العربية.
- الجامعة العثمانية في بيروت جمعية ضمت نخبة من أفراد العناصر المختلفة لتعمل على توحيد المصالح وتأليف القلوب. وقد أصدرت جريدة بعنوان صدى الجامعة العثمانية مديرها المسؤول عبد الكريم
стр. 195
أفندي أبو النصر ويحررها فريق من أعضاء الجمعية. عبارتها متينة وغايتها حميدة.
- كانت بلاد ما بين النهرين وما يجاورها مهد النهضة في آداب اللغة العربية فيما غبر من الزمان. وبقي لنا من تلك الأعصر الخوالي ما لا يزال يعد حتى يومنا أكبر ثروة في آداب لغتنا. ولم تبرح مآثر بغداد عن بال عربي. بل كنا نتألم عند تذكار الماضي والمقابلة بينه وبين الحاضر. على أن هاتيك البلاد المجيدة قد بدأت تنهض من سباتها العميق، فقد اتصل بنا أن جماعة من أدبائها قد عزموا على إصدار صحائف أدبية باسم الكرخ والرصافة والدجلة التي طالما تغنى بها شعراء العرب. فنرحب بهذه النشرات سلفاً مؤملين أن تعيد لنا أمجاد الماضي.
- أسس جماعة من أدباء العرب في الأستانة نادياً علمياً أدبياً أطلقوا عليه اسم المنتدى الأدبي وغايته كما جاء في قانونه المطبوع تسهيل تعلم اللغات الحية على الطلاب، وصرف وجهتهم إلى المذاكرات العلمية، والمسامرات الأدبية وتوفير معلوماتهم، وتوسيع مداركهم، وحفظ أوقاتهم من الملاهي
- كتب اللغة كثرة على أن اقتناءها يصعب على الطلبة والمشتغلين في الكتابة لكبر حجمها أو لغلاء أسعارها. وكان قاموس محيط المحيط الذي وضعه الأستاذ المرحوم بطرس البستاني من أوفى الكتب وأكثرها فائدة حتى نفد تماماً وعليه فقد عزم نجلا البستاني نجيب
بم ونسيب بك على إعادة طبع محيط المحيط على طرز القواميس الإفرنجية مع إضافة
стр. 196
حواش وتنقيحات كان المؤلف قد زادها قبل وفاته: هذه خدمة جليلة والحاجة إليها ماسة.
- سافر أمين أفندي ريحاني من سورية قاصداً عاصمة الإنكليز لتمثيل روايته مقتل علي بن أبي طالب وقد فرغ من تنسيق مشاهدها وإفراغها بقالب إنكليزي شائق. فأقامت له جريدة البرق البيروتية حفلة أدبية في ملعب زهرة سورية خطب فيها بشارة أفندي الخوري صاحب البرق والشيخ إسكندر العازار وجرجي أفندي عطية صاحب المراقب والشيخ إبراهيم منذر. نتمنى للريحاني سفراً سعيداً وتوفيقاً في نشر آداب العرب في بلاد الغرب ولاشك في أن روايته ستصادف الإقبال الذي صادفته ترجمته لرباعيات أبي العلاء المعري.
مخبر
من وإلى القراء
جاءتنا كتب عديدة من مصر وسورية بين منظوم ومنثور ثناء على الزهور وخطتها وتهنئة لها بوفود الربيع موسمها. فنشكر للأدباء رقة شعورهم ونطلب منهم المعذرة على عدم إثبات كتاباتهم وأبياتهم بهذا الموضوع.
وجاءنا بإمضاء زهرة أن لكل الناس يوماً أو أسبوعاً يعيدون فيه ولكن للزهور فصلاً كاملاً هو عيد لها.
وكتب إلينا ظريف من البحيرة يقول: خوفاً من أن تتحقق أحلام الفلكيين ويقضي علينا مذنب هالي أسرعت في إرسال قيمة الاشتراك لئلا أطالب بها في الآخرة وجاءنا من السودان شيء بهذا المعنى.
стр. 197
الرجاء من المراسلين الذين يوالون المجلة بأخبارهم الأدبية أن يتكرموا بإرسال كتاباتهم قبل نهاية الشهر بعشرة أيام على الأقل وإلا اضطررنا إلى تأجيلها.
طلب منا بعض القراء فتح باب للسؤال والجواب. وهو باب مفتوح من طبيعته. لأننا جعلنا هذه المجلة رابطة بين كتابنا وقرائهم وواسطة للتراسل بين الأدباء، على شرط أن لا يخرج موضوع البحث من موضوع المجلة.
لم ترد كتابات عديدة في السباقين النثري والشعري الذين اقترحنا موضوعهما في العدد الأول وسنعلن النتيجة قريباً.
حصل فصل الصيف وفيه يسافر عدد كبير من القراء فالأمل أن يرسلوا لنا عنوانهم الجديد لترسل إليهم المجلة.
سألنا كثيرون عن كيفية دفع الاشتراك فنفضل إرساله تحويلاً على بوستة مصر.
* * *
وعدنا بإصدار عدد خصوصي كبير في كل سنة وقد قرب موعد صدوره. ففاوضنا الكتاب الأفاضل الذين يساعدون في تحير هذه المجلة بشأن الموضوع الذي يتناوله هذا الهدد. ففضل السواد الأعظم منهم طرح الأمر على جمهور القراء ليختاروا هم الموضوع الذي يرتاحون إليه زيادةً في الفائدة. وها نحن فاعلون. فالرجاء من أصدقاء الزهور أن يرسلوا إلينا اقتراحاتهم بأقرب وقت لإعداد المعدات اللازمة.
стр. 198
العدد ٥ - بتاريخ: ١ - ٧ - ١٩١٠
النهضة الأدبية في العراق
وعدنا عند إنشاء هذه المجلة أن نجعلها رابطة تعارف بين أدباء الأقطار العربية وبينا فائدة ذلك في حينه. فإن الأدباء في مصر والشام يعرفون شيئاً عن بعضهم بعض ولكنهم يكادون يجهلون كل شيء عن زملائهم في العراق وسائر بلاد العرب. ونحن نزف إلى القراء اليوم هذه المقالة الشائقة التي أتحفنا بها أديب من أدباء بغداد الذين يشار إليهم بالبنان وفيها الفوائد الجمة عن النهضة الأدبية في هاتيك الأنحاء.
وسيوافينا مراسلونا العديدون في كل بلاد عربية بكل ما تهم معرفته في هذا الشأن:
كل من يطالع تاريخ اللغة العربية يتحقق أمراً وهو أن هذه اللغة لم تبلغ أوجها إلا في عصر العباسيين السعيد، ثم أخذت بعد ذلك بالانحطاط والهوي شيئاً فشيئاً عند تقلص ظل هذا الدولة الجليلة حتى أفضت إلى درك ليس وراءه درك. فأخذت حينئذ بالخمود أو الجمود. ثم انتقلت إلى التقهقر.
فالعراق كان من أجل البلاد العربية التي نمت فيها اللغة الفصيحة وسارت فيها سيراً حثيثاً. وفي دياره برز أولئك العلماء النوابغ أي الكوفيون والبصريون. وفي هذين المصرين قام أكتب الكتاب وأشعر الشعراء وأبلغ
стр. 199
البلغاء وأخطب الخطباء. أما اليوم فقد تبدلت الأحوال. ولم يبق من هذه البلاد إلا الأسماء دون الرجال.
أما الخيام فإنها كخيامهم ... وأرى رجال الحي غير رجاله
على أن الضربة التي قضت على العراق لم يكن سببها مقصوراً على انحطاط دولة العباسيين فقط كما يتوهمه أغلب الناس. بل زادها هولاً قتل ذوي العلم وذبحهم ذبحاً عن بكرة أبيهم وذلك بعد انقراض دولة بني العباس بقرن ونصف قرن. وهو ما استأصل كل الاستئصال عروق العلم ومنابته فانقطع حينئذ متصل حبل التعليم والتدريس والأخذ والتلقي والتلقين والتأليف والتصنيف، ثم إفناء الكتب والأسفار بالإحراق والإغراق في أم العراق، على وجه شنيع وهذا كله في النائبة الأخيرة التي نزلت بها على يد تيمورلنك في ١٠ تموز سنة ١٤٠١ للمسيح وتبع بغداد في الرزية، وقاسمها البلية البصرة والحلة وسائر مدن العراق الكبرى المشهورة يومئذ.
إن الرزية لا رزية بعدها ... فقدان كل أخٍ كضوء الكوكب
فهذه الرزية العظمى التي لم يقع مثلها في سائر البلاد العربية كالديار الشامية والمصرية
والغربية وغيرها هي التي أسكتت نامة العلماء والشعراء والكتاب ردحاً من الزمن وإذا لم يسمع فيه صوت عربي فصيح في العراق كله.
وساد الجهل في العراق في كل المدة التي ملك فيها بنو تيمور إلى أن انتقلت البلاد إلى أيدي آل عثمان فاستقرت بيدهم سنة ١٠٤٨م، فأخذ الناس حينئذ يتنفسون الصعداء، مما دهمهم من البرحاء بدون أن يخافوا رقيباً أو جاسوساً.
стр. 200
وفي تلك السنة رجع الآلوسيون إلى وطنهم بغداد قادمين من جزيرة آلوس مسقط رأس عميدهم الأول وموئلهم في المخاوف والمهالك. وكانوا قد انهزموا إليها في مذبحة تيمورلنك. فلما رجعوا عاد ضياء العلم والأدب إلى منبعثه ومصدره وحينئذ أخذ العلماء يتواردون من كل واد وناد متأثرين الألوسيين العلماء العظام. فمنهم من جاء من ناحية الموصل ومنهم من هبط من ديار الشام ومنهم من أقبل من أقطار مصر وغيرهم من غيرها.
على أن علم العلماء لم يتعد الجوامع والمساجد والكتاتيب. أما تدوينه في الكتب فإن العادة كانت قد ضعفت في أصحابها ولهذا لا ترى شعراً أو أثراً مذكوراً يرتقي إلى ذلك العهد.
وإنما بدأ عهد التأليف ونظم الشعر وقرضه في أيام داود باشا الكبير والوزير الخطير. فإنه كان عالماً جليلاً فضلاً عما كان قد امتاز به من الحنكة والدربة في السياسة إذ كان فيها داهية من الدواهي. فهو إذاً الذي أنهض همة الكتبة والعلماء والشعراء، وأيقظ فيهم ملكة الأدب التي كانت قد خملت فيهم، وهو الذي حث أهل العلم والفضل والأدب على جمع الكتب والمكاتب فعمر لها الخزائن ونظم المدارس وأنشأ المساجد والجوامع إلى غير ذلك من الأعمال العالية التي تذكرنا مآثر هارون الرشيد أو جلائل المأمون.
ولد داود باشا الكبير نحو سنة ١١٨٨ هجري (١٧٧٤م) في بلاد الكرج وجاء بغداد وكان مملوكاً نصرانياً عمره ١١ سنة جاء به أحد النخاسين إلى بغداد فاشتراه منه مصطفى بك الربيعي. ثم باعه لسليمان باشا والي بغداد فرباه أحسن تربية وعلمه القرآن ودرسه العلوم والفنون المشهورة في
стр. 201
ذلك العصر. ولما بلغ عمره ٢٧ سنة اتخذه وليه أمين خزنته (خزنداراً) ثم مازال يتقدم والنجاح حليفه حتى صار والياً على بغداد في ٥ ربيع الثاني سنة ١٢٣٢ هجري (٢٢ شباط سنة ١٨١٧م) وفي سنة ١٢٤٧ هجري (١٨٣١م) أكره على
السفر إلى الأستانة فأقام فيها إلى سنة ١٢٦٠ هجري (١٨٤٤م) فأرسله في تلك السنة السلطان عبد الحميد ليكون شيخ الحرم فأقام في المدينة يدرس ويعلم إلى أن توفي سنة ١٢٦٧ هجري (١٨٥١م) إلا أنه لم يؤلف كتاباً سمعنا به.
ففي عهد ولاية هذا الوزير الكبير اشتهر شعراؤنا الأولون بعد تلك الفترة الأدبية المديدة. واغلب هؤلاء الشعراء غنوا مكارم هذا النابغة نابغة السياسة والعلم وقد نسجوا كلهم على المنوال القديم.
فمنهم الملا جواد البصير. ومن قصيدة له في الوزير المذكور:
بشرى لمن أشرقت في الكون طلعته ... وأزهرت في رياض الأرض غرته
وبلبل البشر والإقبال حين أتى ... غنى وأغنت عن الأقيام نغمته
وفي القصيدة ١٩ بيتاً. . . ومنهم الشيخ محمد ابن الشيخ جعفر وقال:
أنار الدهر وابتهج الوجود ... وأقبلت المسرة والسعود
وجاء الحق متضحاً فزاغت ... أباطلهم فهم فيها أبيدوا
وممن اشتهر بحسن نظمه وتنسيق كلمة صالح التميمي وله أشعار كثيرة وهو الذي أنكر على داود باشا أن يقرظ قصيدة المعلم بطرس كرامة قائلاً أنه لا يجوز له أن يقرظ شعراً تنصر ثم أنشد:
عهدناك تعفو عن مسيء تعذرا ... ألا فاعفنا عن رد شعر تنصرا
стр. 202
وهل من مسيحي فصيح نعده ... إذا أينع الشعر الفصيح وأثمرا
عداه شبيب والأخص وفاته ... من الرند والقيصوم ما كان أزهرا
فأجابه بطرس كرامة بقصيدة رنانة كان لها دوي بعيد في صدور الأدباء والشعر استهلالها:
لكل امرئ شان تبارك من برى ... وخص بما قد شاء كلاً من الورى
ولو شاء كان الناس امة واحد ... ولم تلق يوماً بينهم قط منكرا
فلا يفتخر مرء بعجب يناله ... تلاداً إذا عن طارف المجد قصرا
ومن شعراء عراقنا الملا عبد الحميد رحبي زاده. والحاج محمد والسيد حسين ابن السيد سليمان الحلي وعبد الله أفندي البصري والملا حسين بن إبراهيم جاوش، وعلي بن أمين الشخلي، ومحمد يس بيك بن أمين بك الموصلي، والشاعر عبد الحميد، ودرويش محمد
مصاحب، والحاج صالح آغا عبد الجليل زاده، والملا خليل أفندي بكتاش زاده، والسيد الملا خميس الموصلي، وحسن بن علي العاملي الفتوني، والملا عبود البصري، ومحمد بن عبد الله الموصلي، ومسعود بن الوزري، والشيخ عثمان بن سند البصري، والسيد عمر بن رمضان الهيتي، والشاعر الشهير عبد الباقي العمري الموصلي، والظاهر أن الوزير داود باشا ألف كتاباً هو شرح كتاب لأن المغربي أحد شعراء بغداد قال فيه يومئذ:
شرح تضوع عرفه بنضارة ... يسبي العقول بنسجه الفتان
وحوى مؤلفه العلوم مؤسساً ... أوضاعها بمصادر الإتقان
فكأنه في وقته: لكماله ... بدر يشاركه بكل سنان
стр. 203
صدر الصدور وقدوة العلماء من ... هو مقصد للوارد اللهفان
ومن كواكب تلك الثريا: سالم بك ابن عبدي باشا والي الموصل، والحاج محمد سعيد الجوادي، ومحمد زين الدين الحسني، والشيخ حسن البرزنجي، وباقي أفندي العمري، والسيد راضي القزويني، والسيد عبد الغفار الأخرس، وتعداد هؤلاء الشعراء يطول، إلا أن يرصد لكل شاعر ترجمة أو لكل بيت اشتهر أبناؤه بالعلم والأدب والشعر مقالة فحينئذ يكون قد تم بعض الغرض.
وبالجملة يقال إن شعراء العراق أكثر عدداً من شعراء ديار الشام ومصر في هذه الحقبة الأخيرة إلا أنهم لم يشتهروا اشتهار هؤلاء لأسباب منها: ١) قلة وسائط الطبع في العراق لعدم اختلاط أهله بالإفرنج؛ ٢) لبعد موقعه عن ديار أهل الجد والسعي؛ ٣) لأن روح الاستبداد في هذه العقود الأخيرة كان قد أطفأ جذوة كل همة وحاول إتلاف كل محترف بالأدب أو معان له؛ ٤) إن عدم نشر دواوين أولئك الشعراء أو قصائدهم أقعد همة كثيرين عن المجاراة والمسابقة فأضر ذلك بالأدب والأدباء والشعر والشعراء، وهناك غير هذه الأسباب:
ومما يلاحظه كل من يريد أن يتتبع آثار النهضة العلمية والأدبية في العراق هو:
١ - أن الشعراء على كثرتهم وتكاثف جمعهم ليس فيهم من يستحق أن يقال عنه أنه نبغ في الشعر للسبب الذي ذكرناه وهوانهم نسجوا على منوال من تقدمهم من شعراء انحطاط الشعر في متوسط عصور الهجرة
стр. 204
بأن انتحلوا أفكارهم وتصاويرهم وأقوالهم، بل ربما
قصائدهم بأسرها. ولهذا لم يأتونا بشيء طريف أو ظريف. فلم يمتازوا عنهم بأمر يذكر. اللهم إلا اثنان وهما جميل صدقي أفندي الزهاوي ومعروف أفندي الرصافي. وكلاهما حي وهما من نوابغ الشعراء العصريين في عهدنا هذا بل في مقدمتهم. فإن شعرهما من أحسن ما جاء في وقتنا من أي جهة اعتبرته ومن أي موقف وقفت فيه لتنظر إلى محاسنه.
٢ - إن العلماء والأدباء والكتبة الذين يستحقون أن يطلق عليهم مثل هذه الألفاظ يعدون على الأصابع أو قل هم منحصرون في آل الآلوسي والزهاوي والحيدري والسويدي والرحبي. وقلما سمعنا بمؤلفات غير أبناء هذه البيوتات.
٣ - إن لا ترى في جميع ما سردناه من الأسماء واحداً من النصارى إن بين الأدباء وإن بين الشعراء. والسبب هو أن النصارى كانوا دائماً قليلين في العراق ولم يزدادوا إلا في نصف القرن الأخير. ولما جاؤوا إلى هذه الأقطار، بعد ذبحهم عن آخرهم في القرن الخامس عشر، كانت غايتهم الأولى البيع والشراء والتجارة وتعلم اللغات الأجنبية كالإيطالية والبرتغالية والإنكليزية والهندية سعياً وراء غايتهم. وأما العربية فلم يتقنوها لعدم احتياجهم إليها في أشغالهم أو في وظائفهم الحكومية بخلاف نصارى ديار الشام ومصر فإن اللغة العربية من اللغات التي يرتزق منها من يتقنها.
وأما نصارى هذا العهد فقد جروا على آثارهم من تقدمهم من هجر هذه اللغة الجليلة. وإذا كان عندنا اليوم من ينظم الشعر فهو لا يستحق أن
стр. 205
يتسم بسمة شاعر أو ناظم، أو يتسم باسم شويعر أو شعرور. فإن أصر على أن يتصف بصفة سميناه بناظم بعروز. وأما من جهة الكتابة والتأليف فإن وجد بيننا من يقع عليه هذا الاسم فلا يحق له إلا من باب الإعارة أو الاستعارة.
٤ - وأما اليهود فهم غير معذورين في تلم العربية لأنهم كانوا دائماً منتشرين انتشار الجراد في العراق كله وبعدد عديد، ولم يمحقوا إمحاقاً كلياً. ومع ذلك فلا ترى فيهم من يحسن كتابة جملة عربية، بل ولا من يتكلم كلاماً يفهمه غير اليهودي لشناعة لفظهم وسوء استعمال الكلم في محالها وكراهية لهجتهم وقلق نبرتهم.
وهذا ما ذكرته إلى هناك هو نظرة عموم لا نظرة استقصاء. ثم إنه لابد لي في الختام من أن أذكر كلمة عن حالة اللغة العربية في يومنا هذا أعني بعد نشر الدستور فأقول:
إن لغة جرائدنا (وهي في بغداد تفوت العشر) لغة في منتهى الركاكة ولا ترى فيها واحدة (وهل سمعت كلمة واحدة فاحفظها لأني لا أقول أكثر) تنهج نهج العربية الفصيحة أو تنحوه. ومن اغرب الغرائب أن يقع مثل هذا الأمر في بغداد دار الفصحاء والعلماء ونوابغ الكتاب والشعراء في سابق العهد. فإذا تصفحت إحدى هذه الجرائد وأردت أن تعرف بأي لغة تتكلم، لما اهتديت سبيلاً ولو كنت دعيميص الرمل أو خرّيتاً من الخراريت. لأنك تساءل نفسك وتقول: لعل صاحب المقال تكلم بالتركية أو الكردية أو بالفارسية أو بالهندية أو بالعربية العامية. . . .
стр. 206
والأصح أنه تكلم بكل هذه اللغات معاً. وأما من جهة اللحن في الإعراب فهذا من مزايا جرائد العراق بأسرها من الموصل إلى البصرة بل ومن مميزاتها الخاصة بها أكثر من غيرها. وأما من جهة الأفكار فهي لا تزال في الطلق والمخاض. فإن شاء الله تولد وتنشأ فصيح أن يقال فيها أحياها الذي أنشأها أو أنشأناها خلقاً آخر، أو الأولى إنا أنشأناهن إنشاء.
- بغداد سانسنا
(الزهور) نشكر حضرة الأديب الفاضل المتستر تحت هذا الاسم شكراً وافراً ونثني على أده ونرحب بكل ما يتحفنا به عن تلك الربوع التي تجلت فيها لغتنا بأجمل مجاليها.
أيها الفن
مرفوعة إلى
أيها الفن، العظيم بتأثيره، الغريب بأعماله، السامي بجماله وأسراره، أنت شبح من مقدرة المبدع الأزلي في نفوس النوابغ المبدعين، أنت روح الله المرفوفة بين قلوب البشر واللانهاية، أنت فكرة مستيقظة في هذا العالم النائم بحراكه، الجامدة بمسيره.
بأصابعك الخفية تتناول العناصر وتكون منها صوراً وأشباحاً وأجساماً وأنغاماً تبقى ببقاء الزمن وتظل جميلة إلى النهاية. . .
إن العدم يصير وجوداً عندما يرم أمامك، واللاشيء يصبح شيئاً إذ يلامس أطراف أذيالك، والموت ينقلب بوقوفه لديك. جميع الأصوات
стр. 207
والألوان والخطوط، وجميع العناصر والأرواح والخيالات، وكل ما تحدثه الطبيعة بحراكها والإنسان بكيانه يستسلم إلى مشيئتك ويتكون بكيانك ويتمايل مع أميالك.
أنت تلامس الزمن، فيتحجر الزمن، وينقلب تماثيل منتصبة أمام وجه الأبدية. أنت تتنفس في الهواء، فينسكب الهواء خمرة علوية من بين شفاه المغنين وأصابع الموقعين. أنت ترتعش بين دقائق النور، فيسل النور مع الحبر على أوجه الأسفار والكتب. أنت تتناول أشعة الشفق، وألوان قوس قزح، وتبتدع منها صوراً ورسوماً. أنت تطأ بأقدامك الصخور فترتفع الصخور معابد ومساجد وهياكل خالدة بخلود الدين.
أما عرشك تظل الأجيال واقفة مستيقظة مترنمة، فما مضى منها يبقى حاضراً بحضورك، وما سيأتي منها يطوف الآن مرفرفاً حول أذيالك.
إن مجد الأمم يبقى ما بقيت، ويذهب إن ذهبت، لأنك من حياة الأمم بمقام القلوب من الأجساد: فمصر وآشور وفارس لم يتعالين إلى السماء إلا بقربك وما انحدرن إلى الهاوية إلا لبعادك، وأغريقيا ورومة وبيزنطيا لم يتعانقن النور إلا في ظلالك، وما هجعن بين لحف الظلام إلا لهجرانك - واليوم قد درست الأجيال أمجاد تلك المم وجبروتها لكنها لم تستطع أن تمحو آثار أقدامك عن آثارها، ولم تقدر أن تمزق بقايا النقاب السحري الذي ألقيته على بقاياها، فالسائر على ضفة النيل يرى أشباحك حائمة بين القصور والهياكل، والواقف على الأكروبليس يشاهد شعلات أنفاسك
стр. 208
طائفة فوق الأعمدة والأصنام، والناظر إلى جدران الخرائب في سبارطا وتدمر وبعلبك، يقرأ مطالع الموشحات وأذيال القصائد التي خطتها
أناملك.
إذا كان التاريخ مرآة العصور فأنت اليد التي جلت وصقلت أديم تلك المرآة، وإن كان العلم سلماً يرفع الإنسان إلى ما وراء الكواكب فأنت العزم الذي يبني ويبقي درجات ذلك السلم. وإن كان الدين شعر الحياة، فأنت الوزن الذي يجعل لذلك الشعر رنة في الصدور، ونغمة في القلوب.
أيها الفن الغريب بأسراره، العجيب بخفاياه، القوي برقته، الفاتن بهوله ومهابته، كيف نصفك وبماذا نشبهك، وأنت روح الوصف وعلة التشبيه. هل ندعوك عاطفة؟ وأنت مولد العواطف والإحساس. أم ندعوك قوة؟ وأنت مظهر القوات والعزائم. نحن نرى مجدك بعيون قلوبنا الشاخصة، ونسمع أناشيدك بآذان نفوسنا المصغية. ونثلم أطراف أذيالك بشفاه أرواحنا المرتعشة. ولكننا لا نستطيع أن نخط حرفاً من حروف اسمك حتى تلامس أصابعنا أصابعك، ولا نقدر أن نتكلم عن جمالك إلا إذا غمست ألسنتنا بخمرة جمالك، فأنت بنفسك مظهر لنفسك، ونحن بقوة الحب الذي وضعته في أعماقنا نقترب من محبة القوة التي وضعها الله في أعماقك.
اجعلني أيها الفن خادماً من خدامك المتسلطين على الحياة. وصيرني جندياً من جنودك المنتصرين على الدهور، ودع حريتي تستعبد لمشيئتك، والمس نفسي بشعاعك لعلها تقترب من مبدعها ومبدعك.
باريس
جبران خليل جبران
стр. 209
في جنائن الغرب
سويفت كاتب إنكليزي اشتهر بكتابة رحلات جلفر وبينها وبين أسفار السندباد البحري بعض المشابهة. وقد أودعها حكماً وأبحاثاً عمرانية في قالب فكاهي لذيذ. ويتضمن هذا الكتاب خبر رحلته ليليبت وهي بلاد لا يزيد طول الواحد من سكانها - على ما يزعم - عن إصبعين، وخبر رحلة إلى بلاد بربدنجناج التي يسكنها المردة العظام. وقد نشر هذه الرحلات باللغة العربية حضرة البارع عبد الفتاح صبري بك وكيل المدرسة السعيدية. ونحن نقتطف اليوم شيئاً عن الرحلة الأولىة وما شاهد فيها من صغر السكان:
رحلة جلفر إلى ليليبت
(بعد نزولي إلى الشاطئ وانتشار خبري في المملكة) حضر سفير عظيم الشأن من بلاط جلالة ملكهم، فتسلق على أكتاف حجابه حتى وصل إلى أخمصي، وأقبل يمشي نحو رأسي فقطع المسافة أكثر من ربع ساعة. . . وألقى خطبة لبث فيها أكثر من عشر دقائق كان في أثنائها يشير إلى جهة بعيدة علمت بعد ذلك أنها عاصمة هاتيك البلاد، وأن الأمر قد قر على نقلي إليها.
ويظهر أنهم حالما علموا بوجودي وأنا نائم أوفدوا بريداً إلى جلالة الملك ليبلغه ذلك الحادث الجلل فأصدر أمراً بشد وثاقي وصنع مركبة تحملني إلى العاصمة.
(فاشتغل مئات من النجارين بصنع مركبة عظيمة حمل عليها وجرها إلى
стр. 210
العاصمة ألف وخمسمئة جواد ولما وصل إليها طلب منه الملك أن يسمح للمفتشين بتفتيشه).
فأطعت أمره وأدخلت رجلين في جيوبي واحداً بعد الآخر فكتبا محضراً بكل الموجودات وهذا نصه.
١ - قطعة قماش كبيرة للغاية تصل لأن تكون بساطاً جميلاً في حجرة الاستقبال الكبرى بالقصر الملكي.
٢ - صندوق عظيم من اللجين مغطى بغطاء من نفس هذا المعدن النفيس لم نقدر على حمله فطلبنا من الرجل - الجمل فتحه ونزلنا فيه فوجدناه مملوءاً بأكوام من التراب، هب هباؤها في الهواء عند دخولنا فجعلتنا نعطس عطساً شديداً مؤلماً.
٣ - إضبارة هائلة مطوية على بعضها وفي طول ثلاثة رجال كانت مربوطة بجنزير
طويل
٤ - آلة عظيمة مركب في ظهرها عشرون عموداً بطول الأعمدة القائمة في فناء القصر الملكي يحتمل أن يستعملها في ترجيل شعره. . .
٥ - جنزير عظيم من الفضة معلق بإحدى جيوبه وفي نهايته آلة عظيمة، نصفها من الفضة، والنصف الآخر من مادة شفافة ظهر لنا من ورائها رموز غربية، فمددنا يدنا لجسها فحالت دون ذلك تلك المادة. ثم أدنى هذه الآلة من آذاننا فسمعنا دوياً كدوي الساقية أو الطاحون. ولا ندري إذا كانت حيواناً أو آلهاً يعبد، لأنه قال لنا أنه لا يعمل عملاً دون أن ينظر إليها فإنها هي التي تحدد أوقات جميع أعماله.
стр. 211
وقد نشبت حرب أثناء وجوده هناك بين ملك هذه الجزيرة وملك الجزيرة المجاورة فلعب صاحبنا دوراً خطيراً وإليك تفصيل الخبر كما رواه):
أخذت منظاري وصوبته نحو الجزيرة فوجدت على شاطئها أسطولاً عظيماً مركباً من خمسين سفينة حربية مدرعة تنتهز هبوب الريح الموافقة حتى ترفع مراسيها وتقلع نحو بلادنا. فاستدعيت مهرة الملاحين وعلمت منهم أن البحر ير يزيد عن ثمانية أقدام في أعمق جهاته فطلبت أن يصنع لي خمسون سلسلة وعدد كبير من قضبان الحديد كي أثنيها وأجعلها صنانير. ولما جاؤوني بما طلبت غصت في البحر وسبحت حتى بلغت الشاطئ الثاني، وشبكت الصنانير في المدرعات بعد أن ربطتها بالسلاسل وقطعت المراسي، وعدت والأسطول خلفي يمخر في العباب سائراً على شكل نصف دائرة كأنه عرض بحري عظيم.
وعند عودتي إلى البر وجدت الملك والوزراء وجميع أرباب المقامات في انتظاري على أحر من الجمر وهم يحسبون ألف حساب لدعاء أعدائهم واقتدارهم. ولكن نجم سعدهم وصل إلى السماك عندما برزت من الماء قابضاً على السلاسل. فوثبوا فرحاً وسروراً وقلدني الملك في الحال أكبر وسام.
ولكن الملك لم يكفه هذا الفوز المبين الذي لم ترق فيه قطرة دم، ولم تحرك من أجله رجل، ولم ينفق في سبيله درهم، بل طلب مني أن انتهز فرصة أخرى وآتيه ببقية السفن حتى لا يبقى للأعداء حول ولا طول. غير أن مرؤتي أبت أن أؤاتيه على هذا البغي والجور وأن أكون
стр. 212
العامل على استعباده أمة حرة عاشت السنين الطوال تأبى الضيم. فراجعت الملك في
الأمر، وأقمت عليه الحجج الدامغة عن ضروب الساسة وعبر التاريخ، حتى إنجاز أغلب الوزراء إلى رأيي عندما طرحت المسألة على المجلس. ولكن الملوك لا يقف في سبيل أطماعهم حق ولا إنصاف، فتراهم يستعملون كلا لوسائط السافلة الدنيئة لبلوغ غاياتهم الجائرة. وينقمون على من يمحض لهم النصح لغير مأرب شخصي أو منفعة ذاتية. ولم يخالف هذا الملك تلك السنة الشنعاء بل أضمر لي الشر والوقيعة وشاركه في ذلك عدد من الوزراء لغير ذنب اقترفته سوى خدماتي الصادقة.
وبعد أن انقضت هذه الحوادث بثلاثة أسابيع حضر ستة سفراء من قبل حكومة الأعداء ليقرروا عقد الصلح وشروطه. فساعدتهم بكل ما استطعت من قوة الحجة حتى وفقوا إلى عقد معاهدة غير شائنة ولا جائرة. فخضروا إلى بيتي يوماً في زيارة رسمية ليشكروا حسن صنيعي وأكدوا لي أن ملكهم يمتلئ سروراً وفرحاً إذا زرت بلاده. فوعدتهم أنني سأنتهز أول فرصة للتشرف بالمثول بين يدي مليكهم. على أن ملكنا بات من ذاك الحين يرمقني بعين ملؤها الإغضاء والجفاء، ولم أعرف لهذه المعاملة سبباً إلا أخيراً حيث تبين لي أن بعض الوزراء وشى بي ونقل حديثي مع سفراء الأعداد. فكان أن حنق علي الملك. وصمم على تعذيبي إن لم يقدر على الفتك بي. فشعرت لأول مرة بمبلغ الوشايات والمكايد التي تنجم عن الاحتكاك ببلاط الملوك.
تعريب عبد الفتاح صبري
سويفت
стр. 213
جرنالوفوبيا وجرنالوفاجيا
كتبها الدكتور شميل لما كان صحافياً يصدر الشفاء منذ ٢٥ سنة
الأول معناه الخوف من الجرائد والثاني التهامها - وقد نحت لهما بعضهم اسمين عربيين، فسمى الأول الجنفرة من الجرنال والنفور والثاني الجبلعة من البلع أو الجأكلة أيضاً من الأكل. وهما مرضان لم يسبق لأحد وصفهما ومن أعراض الأول أن الواحد إذا ورد له جريدة ملفوفة بادر على الفور إلى ردها وكتب على غلافها مرفوض أو مرضوض لم مرتب وهو مرض حميد. ومن أعراض الثاني أن الواحد يقبل الجريدة إذا لم يردها في آخر سنتها ولكنه يلتهم ثمنها، وهو مرض أشد ضرراً من الأول، وقال بعض المحققين بل
المرضان طوران مختلفان لمرض واحد كالخنازيري والسل ولو كره البرفسور بتر. والحق يقال إن الذنب ليس على هؤلاء وحدهم بل على أصحاب الجرائد أيضاً فإنهم هنا خلافاً لأوروبا يطرحون جرائدهم على الناس خوفاً من أنهم لو
стр. 214
حذوا حذو أهل أوروبا ولم يرسلوا الجريدة إلا لمن يطلبها ويدفع ثمنها سلفاً لربما لم يجدوا مشتركاً - فها نحن قد وصفنا الداء فعلى الطبيب الحاذق أن يصف الدواء.
شبلي شميل
في حدائق العرب
حرب البسوس
كانت العرب تقول في أمثالها أشأم من البسوس لأن هذه المرأة كانت سبباً في نشوب حرب طاحنة بين القبائل. وتفصيل الخبر أن البسوس هذه نزلت على ابن أختها جساس بن مرة، فكانت جارة له، ومعها ابن لها وناقة خوارة مع فصيلها، واسم الناقة سراب. وقيل أن الناقة لرجل من بني جرم نزل بالبسوس. فخرج كليب (زوج جليلة أخت جساس) يوماً يتعهد الإمبل ومراعيها، فأتاها وتردد فيها. وكانت إبله وإبل جساس مختلطة، فنظر كليب إلى سراب فأنكرها. فقال له جساس وكان معه: هذه ناقة جارنا الجرمي.
فقال: لا تعد هذه الناقة إلى هذا الحمى
فقال جساس: لا ترعى إبلي مرعى إلا وهذه معها.
فقال كليب: لئن عادت، لأضعن سهمي في ضرعها.
فقال جساس: لئن وضعت سهمك في ضرعها، لأضعن سنان رمحي في صلبك. . . ثم فترقا.
стр. 215
وقال كليب لامرأته: أترين أن في العرب رجلاً مانعاً مني جاره. .؟
فقالت: لا أعلمه إلا أخي جساساً. . . فحدثها بالحديث. وكان بعد ذلك إذا أراد الخروج إلى الحي منعته وناشدته الله ألا يقطع رحمه، وكانت تنهى أخاها جساساً أن يسرح إبله.
وكان كليب ذا زهو شديد لما هو فيه من العز وانقياد القبائل له، حتى بلع من بغيه أنه كان يحمي مواقع السحاب فلا يرعى، وإذا جلس لا يمر أحد بين يديه إجلالاً. ولا توقد نار مع ناره، ولم يكن تغلبي ولا بكري يجير رجلاً أو يحمي حمى إلا بأمره. وكان هو يجير على الدهر فلا تخفر ذمته. ويقول: وحش أرض كذا في جواري فلا يهاج. وكان يحمي الصيد فيقول: صيد ناحية كذا في جواري. . . فلا يصيب أحد منه شيئاً. وكان قد حمى حمىً لا يطأه إنسان ولا بهيمة، فدخل فيه يوماً فطارت قبرة من على بيضها فقال لها من أبيات:
لا ترهبي خوفاً ولا تستنكري ... قد ذهب الصياد عنك فابشري
خلا لك الجوف فبيضي واصفري ... فأنت جاري من صروف الحذر
واتفق أن كليباً بعد خلافه مع جساس خرج إلى الحمى فوجد الحذر القبرة قد وطئتها سراب
ناقة البسوس فكسرتها، فغضب وأمر غلامه أن: ارم ضرعها. . . فخرقه بسهم وقتل فصيلها. وولت سراب ولها عجيج حتى بركت بفناء صاحبها. فلما رأت البسوس ما أصاب الناقة، ضربت وجهها وانتزعت خمارها وصاحت: وا ذلاه. .!
فقال لها جساس: اسكتي. فلك بناقتك ناقة أعظم منها. فأبت أن
следующие страницы →