← Джавами‘

Джавами‘ · id 36534

مجلة «الزهور» المصرية

أنطون الجميل

Полный текст (2 201 стр.). Показаны 1961–2000 · переход к 1966.

стр. 1961

الترنسفال. فأرسلت رسالة برقية إلى زميلي صاحب جريدة جوهسبورج دايلي نيوز في مدينة جوهنسبوج اطلعتهُ فيها على دخائل نفسي وطلبت إليهِ , بما للزميل على الزميل من الحقوق , أن يوقفني على حقيقة سليم؛ فجاءَني تلغراف منهُ بعد أيام قصيرة محتوياً على هذه الكلمات شكوك في محلهاز التفصيل مع البريد وكانت أدماء في خلال هذه المدة قد تماثلت لشفاء , وأخذت تعاودها العافية على مهل. أما شهادتها لدى وكيل النيابة العمومية فكانت قاصرة على أنها بادلت فؤاداً المحبة ووعدتهُ بالزواج , ولكنها أكرهت على النكث بعهدها أمام إرادة والدها وإلحاحهِ الشديد وقد أطلعت خطيبها سليماً عى علاقاتها السابقة بفؤاد ولم نكتمهُ شيئاً منها. ولما جاءتها رسالة التهديد بم تحفل بها كثيراً. ثم نامت ولم تدرِ ما جرى كيف جرى. وأقمتُ انتظر بريد الترنيسفال وأنا على مثل الجمر حتى وردت عليَّ بعد مضيّ شهر الرسالة التي نبّثت به تلغرافيَّا , فنشرتها في الأيام وعلَّقت عليها خواطري وظنوني وخلاصة هذه الرسالة منذ عشر سنوات لم يأتِ في خلاها عملاً نافعاً قط بل كان على العكس من ذلك فاسد السيرة , سافل الأخلاق. وقد حكمت عليهِ محاكم جوهنسبورج ثلاث مرَّات لثلاث جرائم ارتكبها كانت خاتمتها سرقة قضى أربع سنوات محبوساً من أجلها , ولما أخرج من السجن علق بفتاةٍ روميةٍ مجهولة النسب فتزوَّجها. وكان يُحبّها حبّاَ عظيماً ورزق منها ابنتين وولداً ذكراً. هذا مجمل ما حوتهُ الرسالة. أمَّا النيابة العمومية فاستدعت سلماً إليها على أثر ما نشرتهُ الأيام ولم تزل بهِ حتى أقرَّ بأنهُ هو الذي ارتكب الجناية التي اتهم بها فؤاد أفندي اليافي. قال أنهُ نكب في الرنسفال بالفقر المدفع ولم يكن يعلم أنَّ عمّة بملك ثروة كبيرة في مصر. وقد كتب عمّه اليهِ في الزمن الأخير ملحَّا عليهِ بأن

стр. 1962

يجيء القطر المصري فيزوّجهُ بابنتهِ الوحيدة فتتحوَّل إليه ثروة طائلة. فحار في أمرِه بين أن يأبى وأن يقبل فإنَّ زواجهُ السابق في جوهنسبورغ يحول دون زواجهِ الآخر في مصر وأنَّ حبّهُ لزوجته وأولادهِ يمنهعُ من التخلّي عنهم رغم ما كان يمكن أن يعقب تخلّيهِ من الحوادث والمشاكل. ورأى من جهة أخرى أنهُ إذا لم يأتِ مصر حرم مالاً وفيراً كان في أشد الحاجة إليه. لذلك وجد أنَّ الطريقة المثلى أن يحتال على ثروة عمّهِ بكلّ أنواع الحيل فإن لم تسعده هذه ارتكب الحناية غير هيّاب ولا وجل. وساعده على تحقيق أمانيهِ وجودُ العلاقات الحبيّة بين أدماء وفؤاد اليافي وتجاور بيتيهما. فأقام يترصد فرصة مناسبة لاغتيال الفتاة بدون أن يكون موضعاً للشبهات ولكنه أحجم أكثر من مرَّة عن ارتكاب الجناية حتى كانت ليلة الزواج وقد أطلعتهُ أدماء على رسالة فؤاد التهديدية فلم يجد خيراً من تلك المناسبة؛ فأشار على ابنة عمهِ بوجوب الاحتفاظ بالرسالة , على نية أن يجعلها مرشدا لرجال التحقيق , ودليلاً يصرف شبهاتهم عنه إلى فؤاد , وقد فتح الباب ليوهم دخول القاتل منهُ , وهو يحسب أن رسالة التهديد وفتح الباب دليلان كافيان لإثبات التهمة. واشتهر بين الناس فضلى باستكشاف حقيقة هذه الجناية فأكبر الجميع عملي , وأعلن ولاة الأمر شكرهم لي أما أنا فلم يسرَّني هذان الإِكبار والشكر بقدر ما سرَّني زواج فؤاد أفندي اليافي بأدماء كريمة الخواجه فرج الله خوري. وكان ذلك على أثر صدور الحكم على سليم الجاني بالأشغال الشاقة. وسيم السريَّان صاحب جريدة الأيام ورئيس تحريرها

стр. 1963

العدد ٣٧ - بتاريخ: ١ - ١٠ - ١٩١٣ فردي رواية عائدة الأوبرا الخديوية نبغ في إيطالية طائفة من رجال الفنون الجميلة شرَّفوا اسم بلادهم , وأعلوا مقامها بين الأمم , فأولوها فخراً لم تنله هي ولا غيرها بالحروب والفتوحات الجسام. ولقد ينقلب وجهُ العالم السياسيّ فتبيد دولٌ وتُشاد دول , ويبقى لإيطالية المجدُ المؤثّل والعزُّ الوطيد , ما دام للشعر والموسيقى والتصوير دولةٌ ورجال , ودولة هذه الفنون الجميلة دائمة ما دام للإنسان قلبٌ يخفق ونفسٌ تتعشَّقُ الجمال. تحتفل تلك البلاد في هذه السنة بعيد فردي أحد نوابغها المشهورين في عالم الأتغام , بمناسبة مرور قرن كامل على ولادتهو ولا تسلْ عن معالم الأفراح وحفلات التكريم التي تُقام في هاتيك الربوع احتفاءً بذاك اليوم السعيد. وهكذا الأمم الحيَّة الراقية تكرم ذكرى رجالها النوابغ , فتبعث في صدور أبنائعا روح النشاط والهمة.

стр. 1964

ليس فردي بالرجل الغريب عنا حتى ندعَ عيدهُ يمرُّ دون أن نقول فيهِ كلمة , ونطرح على ضريحهِ باقةً من الزهر أسوة بسائر الأمم التي هبت لتكريم ذكرهِ. فهو مؤلف عائدة وعائدة أول رواية ملحّنةٍ ظهرت على مسرحنا الوطني الأكبر الأوبرا الخديوية وضعها بناءً على طلب خديوي مصر الأسبقو وجعل وقائعها في مصر , ومثِّلت لأول مرة في مصر , ولا تزال الأجواق الاوربية التي تجيء البلاد في كل شتاء تمثّلها بنجاح عظيم؛ لذلك رأينا أن نقول كلمةً في الرجل وأعمالهِ وروايتهِ وعلاقتهِ بنا. ولد فرنسيس يوسف فردي في العاشر من شهر أكتوبر سنة ١٨١٣ في إحدى قرى دوقية بأرمه التي كانت تابعةً في ذلك العهد لإِحدى مقاطعات فرنسة؛ وكان والداهُ يُديران فُندُقاً صغيراً يُساعدهما دخلهُ على تربية أولادهما؛ فأظهر منذ حداثة سنةِ ميلاً إلى علم الأنغام والتوقيع. فكان يقصد في كل صباح كنيسة القرية فيخدم القَّداس ويتمرَّنُ مقابل ذلك على الضرب على أرغن قديم كان في الكنيسة. ولكي للبث أن أتقن كل الأنغام الدينية والترانيم الطقسية فعُهد إليهِ بإدارة جوقة الكنيسة. وكان مستخدما عند أحد باعة الخمور لقاءً راتبٍ يمكنهُ من القيام بحاجتِ معيشتهز وظلَّ على هذه الحالة حتى الثامنة عشرة من عمره. وكان صاحب الحانة نفسه مولعاً بالموسيقى فرأى في الفتى استعداداً لهذا الفن الجميل , فوالاه بمساعداته تى مهّد له السفر إلى مدينة ميلانو والبقاء فيها ثلاث

стр. 1965

سنوات كامة يأخذ الفنَّ عن مشاخير أربابهِ. وقد اقترن في غضون ذلك بابنة مساعدهِ بائع الخمرو فكانت له خير شريكة في حياته. ولمَّا أنس فردي من نفسه الإِستعدادَ اللازم , أخذ يضع قطعاً موسيقية , ويؤلِّف روايات ملحّنة من المعروفة عند الإفرنج بالأوبرا. فلاقى نجاحا يذكر , وعُرف اسمه بين كبار الموسيقين. ولم تكن العقبات التي لاقاها لتُضعف عزيمته , أو تخمد نار همته؛ بل كان يواصل الدرس والعمل ليصلح من أسلوبه , ويصقل أنغامه. فلحَّن في خلال سبع عشرة سنة عشرين رواية أشهرها: نبوكد نصَّر , وأورشليم , وهزناني , ومكبث عن شكسبير , وريجولتُّوا عن رواية مضحك الملك لفكتور هوغو وترافياتا عن لأدم أو كاميليا لدوس. وعظمت شهرتهُ على أثر تلحينه رواية مكبث فإنهُ تمكّن من أن يبرز بالألحان والأنغام تلك العواطف المتنوّعة التي عبَّر عنها شكسبير ببيانه السحريّ. ففي الليالي الثلاث الأولى لتمثيلها كان المسرح مكتظاً بالحاضرينو وقد أخذ الطرب منهم كلَّ مأخذ , فكانوا يطلبون المؤلف كل ليلة فوق الثلاثين مرة , وأركان القاعة تكد تتفوَّض من شدة التصفيق وهتاف الإِعجاب. وكانوا في ختام التمثيل يطوفون به المدينة ويرافقونه إلى منزله مهللين مكبرين. ورأى مواطنوهُ وجوب تكريم عبثريته فقدَّموا له أكليل غار من الذهب إشارة إلى تبوّئه عرش الموسيقى. ومن ثم نجاورت شهرة فردي حدود وطنه وعظم اسمه في أوربة , فمثِّت رواياته في أكثر العواصم والمدن الكبرى.

стр. 1966

وكما أن المصاعب التي لا فاها لم تقعد بهمته فكذلك لم يُسكره نجاه الباهر , بل ظل عاملاً مجد يرتقي من الحسن إلى الأحسن. وهذا شأن النابغين. وكانت مملكه سردينيا في ذلك العهد تسعى إلى إنشاء مملكة إيطالية الجديدة بخلع نير النمسة وتأليف الوحدة الوطنية الإيطالية. فلعب فردي دورا خطيراً في تلك الحوادث السياسية , وكان ينتمي إلى الحزب الإِستقلالي فجاهد في سبيلهِ جهاداً مذكوراً. وكان الشعب يرى في رواياته تلميحاً ظاهراً وإِشارة بيّنة إلى الأماني الوطنية التي كانت تشغ أفكار ذلك الجيل؛ فساعد ذلك على بعد صيتهِ وانتشار شهرتهِ. وكان شعار حزب الاستقلال فيكتور عمانوئيل ملك إيطالية ` ومن غرائب الإتفاق أنك لو أخذت الحرفَ الأوَّل من كل كلمة من هذه الكلمات لكان لديك اسم فردي وهكذا ظلَّ اسمهُ مدةً شعاراً لطلاب استقلال المملكة الإِيطالية , فكانوا ينادون به في جميع الاحتفالات القومية والمظاهرات الشعبية. وعلى أثر تأليف مجلس النوَّاب الإِيطلي , انتخب فردي عضواً فيه سنة ١٨٦١ وفي نوفمبر سنة ١٨٧٤ انتخب عضواً في مجلس أعيان المملكة. ولما احتفلت إيطالية سنة ١٨٨٩ بيوبيلهِ الماسي , أرادت الحكومة أن تنعم عليهِ بلقب مركيز فأبى قبول هذا اللقب

стр. 1967

وكانت وفاته سنة ١٩٠١. ومن أشهر رواياته عائدة التي سبقت الإشارة إليها في صدر هذا المقال وضعها بناء على طلب المغفور له الخديوي إلاَّ سبق سماعيل باشا , وكانت أول روايةٍ مُثِّلت في الأوبرا الخديوية دسمبر سنة ١٨٧١ ولا يزال الكثيرون في مصر يذكرون تلك الحفلة الشائقة. ولا تزال رواية عائدة عروس المسارح وموضوع إعجاب محبي الموسيقى , وقد ترجمها إلى اللغة العربية المرحوم سليم نقاش , وهي من الروايات التي يمثلها الشيخ سلامة حجازي. أما موضوعها فنلخّصه في ما يأتي:

стр. 1968

وقعت عائدة ابنة ملك الحبشة أمونسرو أسيرةً في يد فرعون مصر. فأهداها إلى ابنتهِ أمنريس لتكون من وصيفاتها. وكانت على جانبٍ عظيمٍ من الجمال والظرف فنالت حظوة لدى مولاتها. وصارت في وقتٍ قصير صديقة حميمة لها بل أختاً محبوبةز ورآها رادامس كبيرُ قوّادِ فرعونو فأحبّها؛ وأحبتهُ لبسالته وكرم أخلاقه. فلم يلبثا أن تعاهدا على الود الدائم. وكانت امتريس ابنة فرعون تكتم في فؤادها لرادامس حباً شديداً فخامرها ريبٌ في أمرهما وأخذت تُراقبها سرّاً لتقف على دخيلة الأمر وقد آلت على نفسها أن تنتقم من عائدة إذا ما أيقنت من حبها لرادامِس. وفي تلك الأثناء زحف أمونسرو ملك الحبشة بجيوشه على مصرَ , واستولى على طيبة فنهب وسبا , فخرج عليه رادامِس من مَنفْ بجيوش جرّارة وهزمهُ شرَّ هزيمة , ودخل طيبة منصوراً مثقلاً بالغنائم ومعهُ عددٌ كبيرٌ من الأسرى. وكان بينهم ملك الحبشة نفسهُ متخفياً بلباس ضابط. ثمَّ عاد القائد الظافر إلى منف حيث جرى له استقبالٌ باهر , ووضعت على رأسه أكاليلُ الغار , وأقيمت الحفلات الدينية في الهياكل شكراً للآلهة. وسأل رادامس فرعونَ مصر أن يعفو عن الأسرى , فأجابهُ إلى سؤله , وأطلق سراحهم جميعاً ما عدا أمونسرو فإنهُ أبقاهُ أسيراً مع عائدة وكان قد عرف أنهُ أبوها

стр. 1969

وأراد فرعون أن يُجزل لرادامس المكافأة فعرض عليه أن يزوّجهُ ابنتهُ أمنريس على أن القائد كان لا يزالُ أميناً على عهد عائدة وقد عقد النية على الاقتران بها كيف كان الحال. فأوعز إليها أن توافيه ليلاً إلى مكان قرب هيكل إيزيس. وكان أمونسرو قد عرف في مدة أسره شغف قائد المصريين بابنته , فرأى أن يستخدم هذا الحبّ للتغلُّب على مصرو لاسيما وغن الحبشان كانوا يتأهبون لاستئناف القتال. فكمن للحبيبين قرب الهيكل , وهكذا تمكن من أن يسمعَ القائدَ المصريّ يتفق مع عائدة على الهرب ويعين لها الطريق الذي سيسيران فيه لئلا يلتقيا بالجيوش المصرية الزاحفة لمقابلة الجيوش الحبشية. ولما ظهر من مخبإِه ذُعر رادامس وأدرك أنه خان

стр. 1970

بلادهُ لأن عدوها أطلع على خطة الجيش. واتفق أن امتريس كانت في تلك الأثناء في هيكل إِيزيس , وبينا هي خارجة مع الكاهن رأت المجتمعين وسمعت بعض حديثهم. فلم ير رادامس إلاَّ أن يسلم نفسه كخائن لوطنه , وفاز امونسرو مع ابنته بالهرب أما رادامس فحكم عليه بأن يدفن حيّاً , فعرضت عليه ابنة فرعون عفو أبيها إِن هو أعرض عن عائدة فأبى؛ ولما أُزل في القبر المعدّ لهُ وجد أن عائدة قد سبقتهُ إليه: فدُفنا معاً. وقد وقفنا على العقد الذي وضع بشأن رواية عائدة فأحببنا أن نطلع القراء عليه , والأصل محفوظٌ في سجلات الأوبرا الخديوية وهذه ترجمتهُ: بين الموقعين أدناه: مسيو أوغست مارييت بك باسم وإِذن سمو إسماعيل باشا خديوية مصر من جهة , ومسيو جوزف فردي مؤلف موسيقيّ من جهة ثانية تم الاتفاق على ما يلي: يتعهد مسيو فردي بتأليف موسيقي رواية ملحنة أوبرا مؤلفة من أربعة فصول عنوانها عائدة التي قبل بموضوعها مع حفظ حق التعديلات التفصيلية التي قد يوافق إِدخالها تُمثل هذه الأوبرا في تياترو الأوبرا الخديوية في القاهرة خلال شهر يناير سنة ١٨٧١.

стр. 1971

ينظم أشعارها الإِيطالية شاعرٌ يختارهُ مسيو فردي , ولا يكلف مسيو فردي الحضور إلى القاهرة لمراقبتها وحضور مراجعاتها , بل يمكنهُ أن يرسل من قبله شخصاً يختارهُ لإِرادته العمل وإِعداده حسب رغائبه إذا وجد ذلك ضرورياًز بعد تمثيل عائدة في القاهرة يحقُّ لمسيوج فردي أن يمثلها في أوروبة على المسرح أو المسارح التي يختارها. يختار مسيو فردي في جوقة التمثيل الإيطالية الموجودة في القاهرة الممثلين الذين يقومون بأدوار الرواية. الموسيقي والكلام في رواية عائدة يكونان في مصر ملكاً تامّاً لسموّ الخديوي. يحفظ مسيو فردي لنفسه ملكية الكلام والموسيقى في سائر أقطار العالم يرسل مسيو فردي إلى مصر , أو يسلم في باريس في الوقت المناسب , إلى مندوب سمو الخديوي نسخة ملحنة من موسيقى عائدة يتقاضى مسيو فردي مقابل هذا العمل مبلغ ١٥٠ ألف فرنك. يُدفع هذا المبلغ على قسطين: خمسين ألف فرنك يوم توقيع الاتفاق , ومئة ألف فرنك يوم يسلم مسيو فردي أو يرسل إلى سمو الخديوي موسيقى عائدة. كتبت من هذا العقد نسختان في باريس في ٢٩ يوليو ١٨٧٠. مقرٌّ بما فيه الأمضاء: ا. مارييت

стр. 1972

أقبل هذا العقد مع التعديلات الآتية: أوّلاً: الدفع يحب أن يكون ذهباً ثانيّاً: إذا حدث حادث غير منتظر مهما كان ولا علاقة لي أنا بهِ أعني لغيرِ تقصير مني فلم تمثّل الأوبرا في القاهرة خلال شهر يناير من سنة ١٨٧١ , يكون لي الحق في تمثيلها أينما شئت بعد مضيّ ستة أشهر من ذلك التاريخ الإمضاء: جوزبي فردي إلى القراء كان في النية كما وعدنا القرَّاء أن نخصّص هذا الجزء من الزهور بأبحاث أدبية اجتماعية عن حالة مراكش والجزائر وتونس وطرابلس الغرب كما خصصّنا الجزئين ٦ و٧ من السنة الأولى لهذه المجلة بموضوع مصر وسورية وذلك رغبة منّا في زيادة القراء معرفة بالأقطار العربية وأخبار نهضتها الفكرية. على انهُ لم يتسير لنا تهيئة جميع المعدات اللازمة بالنظر إلى صعوبة الحصول على المعلومات التي يقتضيها الموضوع. فرأينا , من أجل ذلك , أن نؤجلَ إصدار الجزء الموعود بهِ. ريثما تصلنا التفاصيل والمعلومات التي طلبناها من أنحاء مختلفة , فتتوافر لدينا المعدَّات اللازمة لجعل البحث مستوفياً يُرضي القراء ويفيدهم؛ وسيتمُّ لنا ذلك عن قريب , إِن شاء الله.

стр. 1973

تجاه البحر ذهبتْ إلى الاسكندرية أصطاف. . . أستغفر الله! كبُرتْ كلمة الاصطياف بواسع معناها على ما يمكنني من سوانح الفراغز بل ذهبت لقضاء أيام ألتمسُ فيها راحةً من عناءِ الأعمال. فلمّاً بلغتُ النَزْلَ كان أوَّل مطلبِ لي أن أرى البحر؛ فتمشيت إليهِ , وحاذيت إِفريزَه الجديد , متخطراً على رَسلي , حتى انتهيت إلى حدّ الرصيف غرباً فعمدت إى صخرة وثويت عليها. ثويت مفترجاً متخلّياً متروّحاً غير أنني لم ألبث أن وجدتُني قد أُخِذت أُخذْت بمحاسن ما أرى , واغتربتُ عن نفسي ساعةً. فلمَّا عدتُ من غربتي , حسبتنُي هيكلاً يتلهَّب بين تلك البسطةِ المائيَّة التي تُحيطُ بي لم يكن إلاَّ أن رسوت بجسمي مطلاًّ على ذلك الفضاء المتحشرج الليّن , المتضرّب المتلوّن , حتى مضى نظري طافياً فوق اللجج , طاوياً أبعادها , ملمّاً بآفاتها. وتدافعت خواطري متخذةً من أشعة النظر أسباباً ترتقي عليها أو سفائن تستقلُّها. فارْقَتٌ جسمي كما تفراقُ النحلْ الخليَّة , وانصرفت أشتاتاً بين السماء والماء. إنَّ للخواطر جنى عذباً تجنيهِ من آيات الماء الملِحْ. . . جنى معهُ

стр. 1974

التعب , وتعبهُ هو الراحة , على حدّ قول القائل: إنما الراحة تبدي ... لٌ لنوع التَعَبِ والتداوي نصَبٌ ... يُشفى بهِ من نصَبِ ما صفةُ ذلك الجنى. . .؟ لا تكلّفوها شاعراً قديراً , ولا كاتباً تحريراً , ولا حكيماً خبيراً؛ بل ليسأل كلٌّ منكم نفسهُ عما أحسَّ وتصوَّر حين جلسَ إلى البحر مثل تلك الجِلْسَةِ. جنيت من تلك الرحلة الفكرية تعباً مرُيحاً , وأردت تدوينَ ما كسبهُ ذهني من محصولها , فعجزت عن أقلّهِ , ولم يسعني سوى أن أتنفس الصعداءَ بهذا النداء: أيها البحر الشائقُ المهيب: ماذا يبلغ علمُ إِنسانٍ جاهلٍ ضعيف من أسرار جلالك وجمالك؟ إذا طغَتِ الموجةُ من أمواجك فاستجمَعَت خضراءَ , وانحذفت رابية شماءَ , تأخذ العنان بعفُرتها البيضاء , فأيّ فكرٍ يُكبرُها إِكبارَها , وإن هي منك إِلاَّ أُلعوبة تتجدُّدُ كلَّ ثانيةٍ , وأعجوبة بينا هي الأولى إذا هي الثانية. فإذا ملك النفسَ وملأَ الحسَّ إِعظام تلك الآياتِ , فما الذي تفعله الرَّوعةُ بالمتطلّع حين تهبطُ الرابية , وتنفعر لها الهاوية , فتقصف وهي متداعية , حتى تَنِشَّ نشيشاً , وقد تكسّرت إلى ألوف أجزاءٍ من الماس

стр. 1975

المتشعّب واللؤلؤء والمختلف النضار الساكب أو المتبسّط والجمان المصوغ أو المُتناثر. فإذا التمس العقلْ مزيداً وتعمَّق إلى مضطَرَب الذُّرَيراتِ فما حَيرتهُ ودهشتهُ لدى كل قطرةٍ , وفي القطرة جُزيئاتٌ لا تُعّدُّ: هذه تبسمُ وردية , وتلك ترقص لازوردية؛ إِحداها تحجلُ محمرّة , وأختها تزحف مخضرَّة؛ بعضها ينظرْ باللجَين شزراً , وبعضها يُضمرُ النار ويصفو مفترّاً أيها البحر الشائقُ الجميلً! تُجاهك لا يحسن إلاَّ التعجُّبُ والسكوت؛ وأنَّ مع السرور برؤيتك لأسفاً دويّاً من أنك أنت أيضاً حيٌّ وأنت أيضاً ستموت. خليل مطران أين أقام في مصر العلماء الذين صحبوا نابليون بونابرت كان مسيو جورج لجران قد قدَّم إلى المجمع العلمي المصري في شهر مارس سنة ١٩١٣ درساً عن منزل في القاهرة عاش فيهٍِ فريقٌ من العلماءِ الذين رافقوا بونابرت إلى مصرو وهذا المنزل لا يزال محفوظاً إلى اليوم وهو قرب ميدان الناصرية في شارع الكومي عند آخر حارة حسن كاشف الواقعة بين مدرسة الناصرية ومكتب البوستة. وكان في سنة ١٧٩٨ إبان الحملة الفرنسوية مُلكاً لإبراهيم السناري الأسود , وهو اليوم ملك الأوقاف. وقد تمنى مسيو لجران على المجمع العلمي المصري أن يتخذ الطرق اللازمة لحفظ هذا الأثر من الدمار. فاجبيت أمنيتهُ وعينت لجنة حفظ الآثار العربية مبلغاً من المال للشروع

стр. 1976

في ترميم المنزل. وفي آخر أغسطس الماضي اجتمع في المنزل نفسهِ فريقٌ من الجالية الفرنسية يتقدمهم مسيو فوشه وكيل فرنسة ومسيو كرترون قنصلها في مصر فألقى عليهم مسيو ليجران خطاباً تلخصهُ في ما يأتي: هذا المنزلُ القديم الآن كان حديث البناءِ عندما فتح القائد بونابرت مصر سنة ١٧٩٨. فإن البنائين والرسَّامين كانوا قد أتموا تشييده ونقشهُ منذ مدة يسيرة. وهذه المِطفرة الناشفة الآن كانت تُلطّف الهواءَ؛ والطنافس لثمينة تفرش هذا الرخام الأبيض , والمقاعد ول هذه القاعة تنتظر سيّد المنزل , وهو إبراهيم السنَّاري الأسود وكيل مراد بك الشهير الذي كان ينازع إبراهيم بك الكبير سيادة مصر في ذلك العهد. وكان إبراهيم السناري الأسود كما يدلُّ اسمهُ قاتم اللون أمَيل إلى السواد منهُ إلى السمرة. ويؤخذ من تاريخ الجبرتي أنهُ ولد في دنقلع حوالي سنة ١٧٧٠؛ فهجر بلاده وهو يافع , ونزل النيل حتى بلغ القاهرة. فلم يجد فيها سبيلاً لكسب معاشه , فتابع السير حتى المنصورة حيث اضطر أن يكون بواباً في أحد المنازل. على أن إبراهيم كان على جانبٍ من الذكاء فتعلم القراءة والكتابة ثمَّ التركية والحساب. وانصرف من ثمَّ إلى الفنون السحرية , فأصبح أشهر من قال البخت أو أعدَّ الطلاسم والتعاويذ. ونال حظوةً في عيني المعلوك الشابوري , فاستصحبهُ إلى الصعيد , حيث توصل إبراهيم إلى التقرُّب من مراد بك. فكان ذلك بداية افترار ثغر الدهر لهُ. ولم يلبث

стр. 1977

أن أصبح صديق سيده وموضع ثقتهِ , فغمرهُ هذا بالهدايا والنعم. ولمَّا نزل مراد في الجيزة في السراي التي قامت محلها اليوم إصلاحية الأحداث على طريق الأهرام عُيّنَ السناري وكيلاً له في القاهرة. فكان إبراهيم يفلوض امراء المماليك باسم مولاه , وصار منذ ذلك العهد مسموع الكلمة بعيد النفوذ. وكان له في القاهرة أبنية عديدة عندما صحّت عزيمتهُ على بناء هذا المنزل الذي نحن فيهِ , ولم يدّخر وسيلةً في توفير أسباب الهناء والرخاء في منزله الجديد , ويمكننا أن نتثبَّت ذلك بالعيان ممَّا بقي أمامنا من الآثار , وإن كان قد ذهب معظمها ولعبت بهِ يدُ الدهر التي لا تُبقي ولا تَذّر. ولو قدرت هذا الجدران على الكلام لإفادتنا أنهُ عند انتشار خبر وصول الفرنسيين إلى القطر بقيادة الجنرال بونابرت واستيلائهم على الاسكندرية , ترك مراد بك مزاحِمَهُ إبراهيم بك يحشد رجاله بالقرب من بولاق , وجمع هو جموعهُ وزحف لمقابلة الفاتح وفي ١٤ يوليو ١٧٩٨ تقابل الفريقان في شبراخيت , فولى المماليك الأدبار. وبعد ثمانية أيام نازلهم بونابرت في أنبابة حيث توجد الآن المحطة الحالية. وفي مساء ذلك اليوم نام بونابرت في سراي مراد بك عدّوهِ المغلوب. أما مراد بك ففرَّ إلى الصعيد؛ ولحق إبراهيم السناري بسيدهٍ ولم يفارقهُ مدة الثلاث سنوات التي ظلّ يناوش الفرنسيين أثناءَها. وهكذا ترك السناريّ المنزل الذي نحن فيهِ. وعهد بونابرت بعد انتصاره هذا إلى الجنة في أن تختار منزلاً له

стр. 1978

ولأركان حربهِ. فوقع اختيارها على منزل محمد بك الألفي وكان قد تمَّ بناؤه منذ ثلاثة أسابيع فقط , وكان هذا المنزل قائماً شمالي ميدان الأزبكية بين فندق شبرد والنادي الفرنسي الحاليين. ولا صحة لما يُروي عن أن في القاهرة اليوم منازل عديدة قد سكن فيها بونابرت. ولكن المرجح أن القائد الفرنسي ذهب إلى الديوان الأكبر الذي لا يزال منهُ بعض حجر في شارع الرّويعي وشارع البواكي فوق محل سبيرو؛ وقد زار بونابرت أيضاً منزل الشيخ السادات والشيخ البكري , ولكني لم أجد قط ما يدلّ على أنهُ اتخذ لسكنه محلاً غير منزل ألفي بك. أمَّا الحاشية العسكرية والملكية فقد اتخذت لسكناها سرايات البكوات والمماليك حول الأزبكية , وقد درست آثارها كلها. وكان مع الحملة العسكرية بعثة علمية مؤلفة من ١٣٥ عضواً ولم يكن بدٌّ من إيجاد منازل لهم وللمجمع العلميّ المصريّ الذي ألَّفوه. فوقَّع بونابرت أمراً صريحاً بهذا المعنى يقضي بإسكانهم بقرب المعسكر العام بالأزبكية. ولا ندري ما الذي حال دون تنفيذ ذلك الأمر. على أن المقرّر أن مونج وبرتوله وكافارلي قصدوا إلى السيدة زينب؛ واحتلوا منازل عديدة كان قد تركها المماليك أنصار مراد بك. وكان أجمل هذه البنايات منزل حسن بك الكاشف الذي قامت على أنقاضهِ مدرسة الناصرية الحالية. وكان تجاه هذا المنزل قصرٌ فخم لقاسم بك حيث يوجد الآن مكتب البريد الجديد , ومن الجهة الثانية للشارع كانت حديقة متسعة الأطراف وإلى جانبها سراي لعلي بك وقد

стр. 1979

محا معوَل الهادمين كل هذه الآثار , ولم يبقَ إلاَّ منزل إبراهيم السناري الذي نحن فيهِ الآن. هذه هي المنازل التي سكنها أعضاءُ لجنة العلوم والفنون التي رافقت الحملة الفرنسية. فاتخذ قصر حسن بك الكاشف مقرّاً للمجمع العلمي , وحوّلت حديقة قاسم بك معرض للتاريخ الطبيعي , فجمع فيها العالم جوفري سانتهيلير عدداً كبيراً من الحيوانات , واستنبت البذور التي قد استحضرها من فرنسة. وكان هناك أيضاً مكتبة عمومية يرتادها من يشاء , ومعامل كيماوية كان يُجري فيها العالم برتوله تجاربهُ ويلقي دروسه , فأمّها الكثيرون من الوطنيين وأخذوا يدرسون مدنية الغرب. وأقام كونته إلى جانب المعامل ورشاً أخرجت للمستعمرة الجديدة كل ما تحتاجهُ من آلات وأدواتٍ ومعدّات. وكان قصر قاسم بك من نصيب المغني فيلّوتو الذي درس أصول الموسيقى العربية على أربابها , وألّف فيها وصنّف. وسكن سائر علماء الحملة من فلكيين ومهندسين ومستشرقين وغيرهم حول تلك البقعة. أما منزل السناري هذا فوضع تحت تصرُّف المصوّر رغو لأن هذه القاعة الفسيحة كانت في غاية الموافقة. وكان بونابرت قد عهد إلى ذلك المصوّر في تصوير أعيان البلاد ووجهائها. وفي هذا المكان رسمت صور الشيخ السادات والشيخ البكري وغيرهما من أعيان الديوان الكبير والديوان الصغير. وكان نابوليون وهو منفيٌّ في جزيرة القديسة هيلانة

стр. 1980

يذكر الرسوم البديعة التي زين بها المصوّر ريغو سراياه في الأزبكيةز وحدث لريغو في هذا المنزل حوادثه متنوّعة فكان السذَّج ينظرون إليهِ كأنهُ ساحرٌ ويشيعون أن أعضاء بشرية معلقة إلى حائط القاعة التي يسكنها مشيرين بذلك إلى الصور العديدة التي كانت عنده. واتفق يوماً أنهُ أراد تصوير أحد النوبيين القادمين إلى مصر , فرضي النوبي بذلك ولما جلس المصوّر أمامهُ , ومزج الألوان , وأخذ يرسم على القماش تقاطيع الرجل وهيئته , قام هذا مذعوراً وخرج مستجيراً من شرّ إبليس. وكان جماعة العلماء يعيشون في راحةٍ وصفاء منصرفين إلى أبحاثهم ودروسهم , إلى أن حدثت فتنة القاهرة في أواخر أكتوبر سنة ١٧٩٨ , فوجدوا أنفسهم منفصلين عن المعسكر العام. وكان عندهم شيءٌ من السلاح للدفاع , على أنهم كانوا قليلي الخبرة في استعماله؛ ففكّروا هنيهة في أن يتركوا مقرَّهم ويلجأُوا إلى الأزبكية , ولكنهم خافوا على المكتبة والمجموعات العلمية من أن تذهب فريسة الثائرين , فأثروا البقاء حيث كانوا وإِن عرّضوا حياتهم للخطر , وتحصنّوا في المنازل وأقاموا الخفراء عند مدخل شارع حسن كاشف وقرب سبيل السيدة زينب , إلى أن تمكّن الجنرال لأنّ من نجدتهم وإعادة المياه إلى مجاريها. وبعد سكون الفتنة رجع العلماءُ إلى أعمالهم حتى يناير سنة ١٨٠٠ فسافروا إلى الاسكندرية على نية الرجوع إلى فرنسة بموجب اتفاقية العريش. فحال دون ذلك نقض الاتفاقية. ثم حدثت موقعة المطرية ,

стр. 1981

وثورة القاهرة الكبرى وعودة إبراهيم بك إلى لعاصمة فاضطراه إلى مغادرتها لمعاودة القتال. وهكذا رجع العماءُ ثانيةً إلى المنازل المتقدّم ذكرها , ولكنَّ إقامتهم هذه المرة كانت أشبه شيءٍ بالمنفى. وجاءَ الطاعون فزاد موقف الفرنسيين حرجاً. ولما غُلبَ القائد مينو وتقهقر إلى الاسكندرية , أصدر القائد بليار نائبة في القاهرة الأمر إلى العلماء بأن يوافوه إلى القلعة حيث يكونون بمأمنٍ من الطوارئ. فرفضوا بتاتاً لأنهم كانوا يشعرون بأنهم بين أصدقائهم الوطنيين في حرز حريز. ولم يذكر العلماءُ قطّ أنهم وجدوا بين المصريين رجلاً واحداً أساء إليهم أو لم يحسن معاملتهم. وظلوا كذلك إلى أن جلت الحملة الفرنسية نهائياً عن الديار المصرية. أما إبراهيم السناري فإنه عاد منزله هذا , ولكنهُ لم يذُق فيهِ الراحة طويلاً , لأن القائد العثماني لم يدّخر وسعاً في إِبادة سلطة المماليك وتوطيد سلطة الباب العالي في مصر , وقد روى لنا الجبرتي مقتل السناري في الإسكندرية. ولكان هذا الرجل اليوم نسياً منسيّاً لولا أن فريقاً من العلماء احتلوا منزله , وهم الذين عرّفوا مصر القديمة إلى العالم , وذلك لخير العلم والإِنسانيةز سئُل أعرابيٌّ: هل لك في الزواج؟ فقال: لو استطعتُ لطلقتُ نفسي

стр. 1982

عظة الحسون عشيَّةَ يومٍ وقد أخذت عين الشمس المحمرَّة تغمض وتذبل , وقف الحسون على غصت صفصافةٍ قد تدلَّت أغصانها فوق جدول ماءٍ صافٍ؛ حيث اصطفت على ضفتيهِ الطيور على تباين أشكالها واختلاف أجناسها قال الحسون وقد سرَّهُ ائتلاف إِخوانه الطيور حول ذاك الجدول , تستقي من مائهِ , ومن ثمَّ تتفيأُ بظلّ تلك الصفصافة دون أدنى حسد أو تنازُع: إخواني , كنت ظننتُ أن تفاوت طبقاتكم وأجناسكم يحدث بينكم شيئاً من القلاقل والمشاغب , ولكني والحمد لله رأيت خلاف ما ظننت , فكأن تعدد مشاربكم , وتشتت جماعاتكم , وتباعد مساكنكم , كل هذا لم يكن إلاَّ دافعاً لكم لتسلكوا سبيل الألفة والمحبة , فضلاً عن أنكم سمحتم لمثلي أنا ابن الشعب الصغير فيكم بأن أعظكم كأنني عظيمكم , فالمولى يوفقكم وينميكم ويرزقكم بُرّاً وماءً. أما عظتي التي أعددتها لمثل هذا الاجتماع لتلقي على مسامعكم في أوَّل هذا الفصل فهي: ترون ولاشك أن الربيع قد برز بحلته وظهر بحسن طلعته؛ وأخذت أنفاسه المنعشة تمرُّ مقبّلةً مباسم الزهور , وزهور الثغور. وأخذتم أيضاً تشعرون بالواجب عليكم , وأنه يقتضي علينا أن نمزّق جماعاتنا المتحدة أفواجاً ونتفرَّق اثنين اثنين؛ بحيث نتألف أزواجاً تصفيق أجنحة

стр. 1983

وتغريد ألسنة أرى أن السرور قد استفزَّكم وأنا أعذركم على هذا , إِذ ليس أشهى من قرب الأحباب , ولا ألذّ من العزلة لعشيقين افترقا مدةً فذاقا الأمرّين. أجل , إِننا سنفترق الآن لنجتمع غداً. نفترق الآن اثنين اثنين , لنعود أربعة وخمسة؛ نفترق الآن لكي نعشش فنعتاض مما أفقدتنا تعديات البشر القساة؛ نفترق لنعلّم الإنسان كيف يجب عليهِ أن يسعى لأولاده , ويجتهد بمساعدة زوجته. نفترق لنصير أزواجاً أصحاب عمل وأرباب بيوت فنكون أعضاءَ عاملين في محيطنا الأدبي والمادّي. نذهب الآن ليفتش كل عصفور منا على عصفورة تناسبه وتعجبهُ , فيحبها وتحبهُ , ويتعاونان على تربية أفراخها الصغيرة. إِياكم أن يعتدي أحدكم على عصفورة صاحبه؛ لأن ذلك يؤدي إلى الخصام والمقاتلة. وقد قال الكيم الغيرة قاسية كالموت والمحبة عميقة كالهاوية. إِياكم أن يبقى أحد منكم دون حليلة , لأنهُ يكون عرضة للانتقاد وإلقاء الشبهات , والويل لمن تقع الشكوك عن يده , ويقود أخاه إلى عمل الإِثم. إخواني أن الزيجة واجبة لازمة لاسيما وأنها لا تكلفنا شيئاً نحن جماعة الطيور بيت من القش اليابس , وحبة حنطة من الحقل وقطرة ماء من النهر هذا كلّ ما نتكلفهُ , فلا نحتاج القصور , لأن قصورنا الجدران العالية والأشجار الباشقة , ولا نطلب الرياش , فكل ما في الطبيعة من تلك التي لم يلبس سليمان كواحدة منها هو لنا , ولا نطمع بالحلى , فإن ملابسنا لا تتغير فهي ثابتة مثل قلوبنا.

стр. 1984

تناسلوا وتكاثروا. وعيشوا اثنين اثنين طول هذا الفصل بمحبة وأمانة؛ وليرعَ بعضكم بعضاً , وليكن كلٌّ منكم أميناً على عهد زوجته , لا تخونوا لأن الخيانة من طباع اللئام. أوصوا فراخكم بأن يحبوا فراخ سواكم لأننا بدون محبة ووفاق لا يمكننا أن نعيش ونحفظ كياننا. قبل أن نفترق إلى أعمالنا ألفت أنظاركم إلى شيء مهم. وهو أنهُ غداً يأتي الأولاد , فيخربون بيوتنا ويسرقون أفراخنا ويأكلونهم؛ ولو كنت ممن يميلون إلى فعل الشرّ لقلت لكم: أفقأوا أعينهم! ولكن لا. فهذا يضرُّ بنا لأن ابن آدم حقود , فتجنبوا البشر كثيراً , لأنهم إذا كانوا يقتلون ويأكلون بعضهم بعضاًو فكيف تكون حالهم معنا؟ لا تتمثلوا بهم , إذ يأتون إليكم وبينهم المسيحي والنيّ واليهودي , وكلهم قد اتفقوا على الشرّ والاعتداء عليكم. أقول لكم اتحدوا , ولكن على الخير لا على الشرّ , فكما أنهم يتحدون على الشرّ دون الخير كذلك أنتم اتحدوا ولكن على الخير لا على الشرّ. غداً يؤمُّنا الصيادون. فلنهرب! أتعرفون إلى أين؟ إلى مكان لا تظنونهُ موافقاً وأميناً ولكنهُ على عكس ما تظنون. غداً بعد ما يتم نتاجنا , ويجتمع شتيتنا , وتلئم أسرابنا , نقصد بلاد البلقان هناك يلهو عنا الإنسان بقتل أخيهِ الإنسان. مراد أبي نادر ليس لكذوب مرؤة, ولا لضجورٍ رياسة , ولا لملول وفاء , ولا لبخيل صديق.

стр. 1985

الفضيلة وجدتني يوماً من أيام هذه الحياة في عاصمةٍ من عواصم هذا العالم استفزتني فيها مشاهد متباينة أضحكنَ وابكينَ؛ وظللتُ متجولاً في مشارعها وشوارعها , وأنديتها وأوديتها , كأني ناشد ضالةً وهل تنشد في ظلمات هذه المدينة إلاَّ الفضيلة الضائعة لا بل الضالة لأنها هبطت من المحل الأرفع وهوت من الفضاء إلى ثرى الغبراء ومن عالم النور والسيَّارات والشموس , إلى عالم الظمة ظلمة الفضاء والعقول والنفوس , ونزلت من السماء سماء الصمت والسكون والراحة الأبدية , إلى حضيض جلبة الإنسان , وعجيج الحيوان , فضلَّت هذه الفضيلة وأضلَّت. ضلَّت حين لم تجد سكناً تأوي إليهِ في جديد مُستقرٍّ اختارته , وعرفت أنها التاثت بحمأة الخطيَّة , وأضلَّت لأنها تركت الفلاسفة والشعراء كحاطبين في الظلام. أضلَّتهم لأنها ربة عَبَدها الناس , لا جميع الناس , ولكن عبدها الشاعر والفيلسوف , وسجد لها الأدبيون والأخلاقيون وهم لا يدرون أين يضعون لها شطر الوجوه , فضلَّوا وأضلُّوا كما فعلت الآلهة من قبل فيا لضلال العابد والمعبود! ضائعة أنت أيتها الفضيلة وأنتم أيها الفلاسفة والشعراء وأركان الحكمة والآداب كل منكم فضيلةٌ أرضية ضائعة ضياع فضيلة السماء في الأرض؛ كل منكم فضيلة ضائعة ولكن يست بأرضيةٍ كما قيل , لأنكم أرواح سماوية , وجواهر مجرَّدة , هبطت مع الآلهة إلى الأرض, فضاعت

стр. 1986

آلهتكم وضعتم معها أنتم في ثنيَّات القرون. حقيقة كشفتموها ومَثَلٌ ضربتموه هو أن الأرض الخبيثة لا ينبت فيها الطيَّب بل الخبيث. الأرض الخبيثة تبخلُ على الزهرة بشيءٍ من قواها الحيوية فتخرجها ضعيفة القوام لا تقوى على الفواعل. تتأُر حتى من النسيم البليل , وتحرقها حتى حرارة شمس الخريف المعتدلة , ثم أنها تُودّع الحياة غير شبعانةٍ من الأيام كأنها أمل في صدر الفتاة ما عتم القضاء أن رماه باليأس فأطفأ نوره أما الأشواك فلها من التربة السوداء كل حياةٍ تجعلها راسخة الجذور رسوخ حب الأثرة في نفوس الجبَّارين , وتبرزها محدَّدة الرؤوس كأنها حراب الجنود المسخَّرة لتدمير الشعوب الضعيفة , وتكوّنها جاثيةً على الرمال كأَنما هي رؤوس الأرواح الشريرة نافرةً من بطون الأَرضين على وجه البسيطة. الفضيلة تلك الزهرة الضعيفة القوام لا تلبث أشواك الاجتماع أن تقضي عليها , لأن نفوس البشر تربة خبيثة لا تغذّي الأزهار ولكنها تغذّي الأشواك السامة , تبسطها على طريق المصلحين فتدمي أقدامهم , وتملأ بها سبيل التعسء فتزيد آلامهم , فيا تعست تلك التربة الخبيثة وتعس من ورائها الجناة الآثمون! الفضيلة زهرة عطرة لا تحبُّ أن تخرجها الأرض , لا بل لا تحب هي أن تخرج من الأرض , لأنها لا تُريد أن تتغذّى بعناصر أشقياءِ هذا العالم تدكّهم عروش الظالمين , وتحشرهم في الأجداث المظلمة , فتحلهم الطبيعة غذاءً لها , فبئس غذاء الأشواك لا غذاء الورود , وبئست تلك

стр. 1987

الهياكل المحنَّطة التي أنفوا عليها حتى من فعل الطبيعة , والتي تحبّ الكبرياء حتى وهي أجداثها العميقة , والتي أقامت من الأهرام دليلاً على الجبروت. الفضيلة زهرة لا تحبّ أن تستمد من هواء هذه الأرض لأن هذه أنفاس وتلك حسرات ممتزجة بجواهره الفردة. نفثات صدورٍ وآلام , وحسرات كرام , لا تحب أن تنمو عليها تلك الزهرة الطاهرة , لأنها لا تريد أن تجتذب من الهوء آلام البشر وحسرات الإنسانية الشقية , ولا تحب أن تعيش في محيط تلك الأمواج الاثيرية التي يبعثها أنين المظلومين , وعجيج الفقراء , وأصوات الحزاني. حقاً أن الزهرةة قصيرة مدى الحياة لأنها شاعرة حسَّاسة ذات ضمير ووجدان في ظواهر هذه النفوس البشرية , فلذلك تتأثر وتتألم وتذبل تموت. فسلام على الزهرة! ما أشبه تلك الزهرة بالفضيلة , ما أشبهها بتلك التي تخالج صدر الأديب وتعالج نفس الفيلسوف , تريد أنتنمو لتكون فيَّاضة الوجود عى العالم بأسره , فتمنعها الرذيلة فيموت حاملها وتموت قصيرة مدى الحياة بموتهِ , فيا لرزية الإنسانية بفقدكِ أيتها الفضيلة! النجف محمد رضا الشببي

стр. 1988

في رياض الشعر إلى الأمير عمر باشا طوسون تألفت في مصر جمعيتان لمدّ يد المساعدة للدولة العثمانية وتخفيف ويلات القتال في الحرب الطرابلسية والحرب البلقانية , وهما جمعية إِعانة الدولة وجمعية الهلا الأحمر وقد ترأس الأولى دولة الأمير عمر باشا طوسون , والثانية دولة الأمير محمد علي باشا , فطاف الأميران البلاد مستنهضين الهمم , مستنديين الأكفّ , فبذل المصريون المال وكل أنواع المساعدة بكرمٍ وسخاءٍ , فاستطاعت جمعية جمع الإِعانات إِمدادَ الدولة بما فرَّج كربتها وسهّل عسرها , وتمكّنت جمعية الهلال الأحمر من تضميد جروح المقاتلين وإِسعاف المنكوبين ومؤاساتهم , مما رفع قدر مصر في عين الإِنسانية , وخلّد ذكر أُمرائها الفخام وأبنائها الكرام , وجعلهم مضرب مثل إِذا ما ذُكر الكرم والمرؤة. ولقد كان أبسط الجميع كفّاً , وأكرمهم يداً , وأبعدهم عزمةً دولة الأمير الخطير البرنس عمر باشا طوسون , فجاد بالمبالغ الطائلة من مالهِ الخاصو وبذل ما له من النفوذ البعيد وما عُرِف بهِ من الهمة العلياءِ لجمع الإِعانات للجيش العثماني , حتى أُعجب الجميع بسخائهِ وحميّتهِ , وإِن كانوا قد عرفوا دولة الأمير سبَّاقاً إلى كل مكرمة وتعوّدوا أن يروا له في كل مأثرةٍ يداً. وقد اعرب عن هذه العواطف كبير شعرائنا وأستاذهم - سعادة

стр. 1989

اسماعيل صبري باشا - بأبياتٍ كالذهب الأبريز رونقاً وجلاءً , فسألناه أن نحلّيَ بها جيد الزهور اعترافاً بمأثر الأمير , وحفظاً لهذا الشعر الجميلو فأجاب ملتمسناو وهذه هي الأبيات: لك الإِمارةُ , والأقوام ما برحت ... بكلّ عالي الذري في الكون تأتمرُ لو لم تَرثها لما ألقت أعنتها ... إلاَّ إليك خلالٌ كلها غررُ يا ابن الأُلى لو أطلُّوا من مضاجعهم ... يوماً عليك لقالوا: إيهِ يا عُمَرُ أعدتَ أيامهم في مصرَ ثانيةً ... حتى توهَّم قومٌ أنهم نُشروا وسرتَ سيرتهم حى كأنهمُ ... إذا خطرتَ بأرضٍ مرةً خطروا للهِ درُّك كم نبَّهت من هممٍ ... تثني على أهلها الآصال والبكرُ وكم تعهدتَ جرحى من أسودِ وغىً ... أن يكشرِ الدهرُ عن أحداثهِ كسروا مستندجداً من بني مصر أُلي شممٍ ... إذا رأوا ثلمةً في حوضهم جبروا مستهيماً هامياً والنيلُ في وجلٍ ... من أن تجودَ بهِ أيمانكم حذِرُ حتى تفاهمت الأرحامُ وادَّكرت ... ما بينها الأهلُ والخلانُّ والاسرُ وآذن البرُّ بالسقيا وما فتئت ... منهمْ ومنك صنوفُ البرّ تنتظرُ وحرَّكت كلَّ كفٍّ بالندى مِقَةٌ ... حتى تعجبتِ الأنهارُ والغدُرُ والناسُ أن قام يستسقي الكريمُ لهم ... سحائب الفضل , بشّرهم فقد مُطروا أبي علاءُ سعيدٍ أن يشابههُ ... إلاَّ ابنُ دوحتهِ إن قام يفتخرُ ما زال يحمدهُ رائيك مُدَّكراً ... والأصل بالفرعِ إن حاكاهُ يُدَّكرُ إسماعيل صبري

стр. 1990

رثاء فردي نشرنا في صدر هذا الجزءِ كلمةً عن فردي وحياتهِ وروايتهِ عائدة , ونتحف القرَّاءَ الآن بأبيات غراء , نظمها أمير الشعر والإلهام في رثاءِ أمير الأنغام , قال: فتى العقل والنغمةِ العالية ... مضى ومحاسنه باقية فلا سوقةٌ لم تكن أنسهُ ... ولا ملك لم تزنْ نادِيهْ ولم تخلُ من طيبها بلدةٌ ... ولم تخلُ من ذكرها ناحيه يكاد إذا هو غنَّى الورى ... بقافيةٍ يُنطقُ القافيه يتيه على الماس بعضُ النحاس ... إذا ضمَّ ألحانهُ الغاليه وتحكم في النفس أوتارُهُ ... على العود ناطقةً حاكيه وتبلغ موضعَ أوطارها ... وتغشى سريرتها الخافيه وكم آيةً في الأغاني لهُ ... هي الشمس ليسَ لها ثانيه إذا ما تنادى بها العازفون ... قل البرق والرعد من غاديه فإن همسوا بعد جهر بها ... فخفق الحليّعلى الغانبه لقد شاب فردي وجاز المشيب ... وعَيدا شبيبتها زاهيه تمثل مصرَ لهذا الزمانِ ... كما هي في الأعصر الخاليه ونذكر تلك الليالي بها ... وننشد تلك الرؤى الساريه ونبكي على عزّنا المتقضي ... ونندب أيامنا الماضيه فيا آل فردي نعزيكمُ ... ونبكي مع الأسرة الباكيه فقدنا بمفقودكم شاعراً ... يقلُّ الزمانُ لهُ راويه شوقي

стр. 1991

شاعرة تهاجرُ شاعرا تُمسين ناسيةً وأُمسي ذاكرا ... عجباً أشاعرةٌ تهاجرث شاعرا فهل الملائك كالحسانِ هواجرٌ ... إن الملائك لا تكون هواجرا إن كنتُ لا أسعى لداركِ زائراً ... فلكم سعى فكري لدارِكِ زائرا وأخو الوفاءِ يصونُ منهُ غائباً ... أضعافَ ما هو صانَ منهُ حاضرا يُصيبك طيرُ في ترجيعهِ ... يا ليتني في الروض أصبحُ طائرا ويهزُّ منكِ الزَّهرُ في زفراتهِ ... نفساً تظلُّ لها النفوسُ زوافرا قد عشت دهرَكِ بالمحاسن صبَّةً ... وقضيتُ دهري بالمحاسن حائرا هذا اتحادٌ في الرغائبِ والهوى ... أبداً ترينَ من المشاهد ما أرى أنَّا اقتسمنا السحرَ فيما بيننا ... لله ساحرةٌ تساجلُ ساحرا لابدَّ في هذي الحياةِ من الهوى ... أنَّ الهوى يهب الحياةَ نواظرا ولقد تهبُّ عليهِ يوماً سلوةٌ ... فتُنيمُ ساهرةً وتترك ساهرا يا ويحَ ذي قلبٍ يناجي مثلهُ ... يدعوه مؤنسهُ فيبقى نافرا قلبان: ذو صبرٍ يعاني هاجرا ... أو هاجرٌ ظلماً يعذّبُ صابرا متوافقانِ على الشكايةِ في الهوى ... كم جائرٍ في الحبّ يشكو جائرا إن كان قلبي في التصبرِ مذنبا ... فليُمسِ قلبكِ في التصبر عاذرا سيعود ذاك الودُّ أبيض ناصعاً ... ويصير هذا أخضر ناضرا ولي الدين يكن

стр. 1992

الليالي الماضيات نشرنا في الجزء الأخير من السنة الماضية في معرض الكلام عن رئيس الجمهورية الفرنسية الجديد - مسيو ريمون بوانكاره - ترجمة أبياتٍ صحيفة ٥٣٦ نظمها يوم انتقل من حضن الحياة العائلية إلى ميدان الجهاد والعمل؛ واقترحنا على شعرائنا أن ينظموها شعراً عربيّاً. فكان خير ما جاءَنا من هذا القبيل الأبيات التالية وإن كان ناظمها قد توسَّع في المعنى وتصرَّف بالأصل , قال: هي الأيامُ سلسةُ الحياةِ ... وماضي العيش منها غيرُ آتِ وقد جعل المهيمن من قديم ... مصيرَ العالمين إلى المماتِ وليس بخالدٍ للناس شيءٌ ... سوى حسناتهم والسيئاتِ وأعمالُ الفتى إن مات كانت ... ممثّلةً لهُ إحدى الصفاتِ يكرّرُ ذكرها التاريخ دهراً ... وترويها أحاديثُ الرواةِ رغيداً عيشهُ ما دام حيّاً ... وأيُّ فتى كذلك أو فتاةِ إليكِ يا دنياي عنّي ... فإِني قد سِئمتُ من الحياةِ وما أسفي على عيشٍ رغيدٍ ... ولا وقتٍ صفا من حادثاتِ ولا أسفي على كسلٍ مضرٍّ ... يسمَّى راحةً عند الوُناةِ ونفسي لم تكن إن غادرتني ... دواعي البشر تأسى للفواتِ ولكني أسفت على سماءٍ ... صفت في الصيف من كل الجهاتِ

стр. 1993

ونارٍ أصطليها في شتاءٍ ... ودفءٍ في الليالي البارداتِ وإخوان صفوا وأبٍ ودودٍ ... وخلٍّ ذي وعودٍ صادقات ذوائبَ أسرة قومٍ ... وأخوة شدّةٍ وبني ثقات وأمٍ من ذوات العَطف تحنو ... على طفلٍ حنوَّ المرضعاتِ تبيت الليل ساهرةً عليهِ ... ونام من العشيّ إلى الغداةِ وأيامي الجميلةُ قد تقضَّت ... وولّت بالشبيبة مديراتِ على أنَّ التأسّفَ ليس يُجدي ... على تلك الليالي الماضيات كاظم الدجيلي استبداد واستبداد يكرمُ المرءُ مستبدّاً بخصمٍ ... حيث لاقى كفؤاً لهُ فاستبدَّا فإذا ما استبدَّ يوماً بخصمٍ ... غير كفوءِ لهُ اعتدى وتعدَّى خليل مطران تحت صورة شمسية سرقتِ بحيلةٍ يا شمس رسمي ... فأشرقَ زاهياً غضَّ الإِهاب إذا وافى المشيبُ أقولٌ فيهِ: ... على رُغمِ الزمان أرى شبابي! حليم دموسي

стр. 1994

الصحافة الصحافة صناعة الصحف. والصحف جمع صحيفة وهي قرطاس مكتوب. والصحافيون القوم ينتسبون إليها ويشتغلون فيها. والمراد الآن بالصحف أوراق مطبوعة تنشر الأنباء والعلوم على اختلاف مواضيعها بين الناس في أوقات معينة. فإنَّ فيها من تواريخ الأُول وأخبار الدول وفكاهات الروايات وغرائب الاكتشافات وأسعار التجارة وفنون الصناعة وضروب الانتقاد وشؤون الاقتصاد وأخلاق الغرباءِ وعادات البعداء ما يغني عن التوجه إلى بلادهم ومخالطة شعوبهم والوقوف على أحوالهم. ولذلك عوَّل الفضلاء على إِنشاء الصحف , بحيث أصبح سكان أقاصي المشرق يصل إليهم خبر أقاصي المغرب بأقرب حين , بعد إن كانت الأنباء تتجاوز الأيام العديدة للوصول من مكان إلى مكان آخر مجاور لهُ. فتأتي مختلفاً فيها لا يكاد الباحث عنها يعلم الحقيقة. وأوَّل من استعمل لفظة الصحافة بمعناها الحالي كان الشيخ نجيب الحداد منشئ جريدة لسان العرب في الإسكندرية وحفيد الشيخ ناصيف اليازجي. وإليهِ يرجع الفضل في اختيارها , فقلّده سائر الصحافيين من بعده. وكانت تسمى الصحف في أول عهدها الوقائع ومنها جريدة الوقائع المصرية كما دعاها بهِ رفاعة بك الطهطاوي. وسمُيت أيضاً غزتة نسبة إلى قطعة من النقود بهذا الاِسم كانت تباع الصحيفة بها فعُرّفت كذلك. وقيل أيضاً أنَّ أول صحيفة ظهرت في

стр. 1995

البندقية سنة ١٥٦٦ كانت تسمى غزتة فشملت هذه التسمية كل صحيفة بلا استثناء. ولما نشأت الصحافة العربية أُطلقت عليها لفظة غزتة لأنَّ هذه الصناعة كانت حديثة العهد عند الناطقين بالضاد ولا أثر لها لدى كتابهم الأقدمين. ولما أنشأ خليل الخوري سنة ١٨٥٨ حديقة الأخبار في بيروت أطلق عليها لفظة جرنال وهي كلمة فرنسية معناها يومي أي المنسوب إلى اليوم للدلالة على الصحف اليومية بينا كانت جريدتهُ أسبوعية وإِليك ما كتبهُ أديب إسحاق في نبذة لهُ عنوانها مباحث في الجرائد قال: ولا مناسبة بين الجرنال وبين الجريدة إلاَّ أن يقال أنهُ أُطلق أولاً على الصحائف اليومية من قبيل تسمية الشيء بما هو عليهِ ثمَّ عممهُ الاصطلاح فعرِفت بهِ الجرائد يومية كانت أو غير يومية ثمَّ رأى الكونت رُشَيد الدحداح اللبناني صاحب جريدة برجيس باريس الباريسية سدَّ هذه الثلمة فاختار لفظة صحيفة وجرى مجراه أكثر أرباب الصحف في ذاك العهد وبعده. فما كان من أحمد فارس الشدياق اللبناني صاحب الجوائب في القسطنطينية ومناظر الكونت رشَيد الدحداح في بعض المسائل اللغوية إلاَّ أنهُ عقد العزيمة على استعمال لفظة جريدة وهي الصحف المكتوبة كما ورد في معجمات اللغة. ومن ذاك الوقت شاع اسم الجريدة لدى جميع الصحافيين بمعناها العصري ومنهم من استعمل غير ذلك من المسميَّات كالقس صابونجي السرياني صاحب النحلة الذي اتخذ لفظة نشرة بمعنى جريدة أو

стр. 1996

مجلة. وهكذا صنع المرسلون الأميركيون أصحاب النشرة الشهرية والنشرة الأسبوعية٩٩ في بيروت وغيرهم. ومن تلك المسميَّات أيضاً الورقة الخبرية أو الرسالة الخبرية وقد استعملتها جريدة المبشر مع أكثر الصحف الدورية في بلاد الجزائر المغربية التابعة لحكومة فرنسا ومنها أوراق الحوادث وهو الاسم الذي أطلقهُ للدلالة على صحف الأخبار نجيب صوايا منشئ مجلة كوكب العلم في القسطنطينية. وكان الصحفيون لا يفرّقون أولاً بين الجريدة وبين المجلة في الاستعمال. ومن المعلوم أن الإفرنج أطلقوا اسم المجلة على الصحف الدورية التي تصدر على شكل الكراسة. فلما تولى الشيخ إبراهيم اليازجي إدارة مجلة الطبيب البيروتية سنة ١٨٨٤ بالاشتراك مع الدكتورين بشارة زلزل وخليل بك سعادة أشار باستعمال لفظة مجلة وهي صحيفة علمية أو دينية أو أدبية أو انتقادية أو تاريخية أو ما شاكل تصدر تباعاً في أوقات معينة. فأثبتها بمعناها العصري وتابعته في هذا الاصطلاح جميع المجلات التي صدرت بعدها والتي كانت قبلها. ثم شاعت في جميع الأقطار العربية شيوعاً أجهز على المعنى الأصلي حتى صار مهجوراً بالمرَّة. فلا يتبادر الآن إلى ذهن المطالع لدى عثوره على لفظة مجلة إلاَّ الصحيفة الدورية دون سواها ولا يطلق أحد من كتاب العصر هذه التسمية على صحيفة فيها الحكمة إلاَّ إذا كانت تصدر تباعاً في آونةٍ معينة. ومع ذلك إذا طالعت المعاجم العصرية لا ترى فيها للفظة المذكورة معناها الحالي الشائع بل القديم

стр. 1997

المهجور. هكذا توفق العرب المولدون إلى وضع أسماء لمسميَّات الصحافة الحديثة. وهو مطلب غير بعيد على أهل هذه اللغة طلبوه بأسبابه ودخلوه من أبوابه. وتختلف مواضيع الصحف باختلاف غايات أصحابها ونزعاتها ومشاربهم فتارة تكون دينية وطوراً سياسية وحيناً أدبية. وقس عليها العلمية والفنية والانتقادية والروائية والهزلية والتهذيبية والإخبارية والعمرانية والقضائية والأخلاقية والتاريخية وغيرها. ولكل من هذه التقاسيم الكبرى فروع بل فروع يطول بنا شرحها لكثرتها فنضرب عنها صفحاً. وقد أصاب الدكتور شبلي شميل فيما كتبهُ بهذا المعنى قال: الصحف أنواع بقدر المواضيع التي تتناولها معارف البشر. وربما قصروها على فرع من علم بل على مبحث من فرع استيفاءً للبحث. وساعدهم على ذلك كثرة خاصتهم وحب عامتهم لرفع شأن العلم. . . بحيث لم تنقصهم في سبيلها النفقات التي هي لحياة الصحف كالغذاء لحياة الأبدان. فتكاثر عددها عندهم جدّاً حتى صارت فوائد العلم بها قريبة المنال عامة العرفان في كل مكانز إذ ليس للعلم وطن يؤثره على وطن ولما كانت الصحف تصدر في آجال معلومة فقد سماها الإفرنج الصحف الدورية أو الصحف الموقوتة أعني لأنها تنشر شهرية أو أسبوعية أو يومية. بل منها أيضاً ما يصدر مرَّتين في الشهر أو الأسبوع أو اليوم أو غير ذلك من المواعيد. فيليب دي طرازي

стр. 1998

الحرب والسلم افتتاح قصر السلام في مدينة لاهاي لا يُنكر أحدٌ أنَّ الحربَ مجلبةُ الدَّمار والبوار , ومدعاةٌ لخراب العباد والبلاد , لما يتقدَّمها ويصحبها ويليها من بذل الأموال وسفك الدماء وتخريب الأمصار. فهي من بقايا الهمجية ومن آثار التوحش. لذلك هبَّ قومٌ من دُعاة الإنسانية يناهضون فكرة التسليح ويعملون على إِبطال القتال بتعميم مبدأِ التحكيم العام والاِستناد إليهِ بدلاً من التعويل على السيف والدفع. فسخر منهم الآخرون , وعدُّوا أمنيتهم من قبيل الأحلام , وإِن كانوا وأِباهم متفقين على ويلات الحرب وفظائعهم. ذلك لأنهم يرون الحرب دائمة ما دام الإِنسان ذا طمع , وقد يُدرج الإِنسان في كفنهِ , ولا يموت الطمع في صدره. والتاريخ شاهد لا ترد شهادتهُ في هذا الموضوع. فإن الحرب في نظرهم شرٌّ ولكنهُ شرٌّ متحتم الوقوع. على أن أنصار السلم لم يعبأ وأبهزءِ الهازئين , ولا بتصنيع الحوادث أحياناً لآمالهم بل ظلوا يكتبون ويخطبون ويسعون لنشر مباديهم , حتى أخذت فكرة التحكيم العام في المشاكل الدولية ترسخ شيئاً فشيئاً في الأذهان. ورأينا أكثر من مشكلة في هذه السنين تُحَلُّ عقدتها بالطرُق السلمية , بعد أن كانت مثيلاتها في الماضي لا تُحل إلاَّ بظبي الحراب وبإشعال البارود. فكرة السلم العام خطرت لكثيرين من الفلاسفة والاِجتماعيين منذ

стр. 1999

زمنٍ بعيد , ولكنها لم تبرز بشكل حسيّ إلاَّ منذ نحو ربع قرن. وذلك أنَّ فريقاً من كتَّاب الإنكليز , وفي مقدمتهم مستر ستدِ صاحب مجلة المجلات المشهورة , رأُوا وجوب تعميم هذه الفكرة. وأوحي إلى البعض أن اسكندر الثالث قيصر الروس يميلُ ميلاً أكيداً إلى إِيقاف التسليح في العالم. فما كاد هذا الاعتقاد يتجسم في رأس مستر ستدِ , حتى نهض يعمل بجدٍّ واجتهاد لتحقيق تلك الأمنية. فكتب عريضة وقَّعها من كل ذي مقام في بلاد الانكليز , وقدّمها إلى حكومتها ملتمساً منها فيها مخاطبة الدول في سبيل إِيقاف التسليح وتحديده. فأرسلت وزارة الخارجية الانكليزية تلك العريضة إلى القيصر. وبينما القيصر يتحفَّزُ للعمل , نشبت الحرب بين الصين واليابان فكان من العبث محاولة إِقناع الدول بإيقاف التسليح , ودويُّ المدافع يقصف في بعض إِنحاء العالم , فاضطر القيصر إلى تأجيل العمل وحالت وفاته دون متابعة الأمر. غير أن القيصر الحالي الذي خلفه لم يكن أقلَّ منهُ رغبةً في ذلك فدعا الأمم إلى السلام , ولبَّث الشعوبُ نداءَهُ. وكانت نتيجة ذلك عقد المؤتمر الأول في لاهاي عاصمة هولندة سنة ١٨٩٩. ثم أراد أحد ملوك المال , مستر أندرو كارنجي , أن يشترك مع ملوك السياسة في هذا العمل المجيد , وأن يضع لمشروع السلام أثراً خالداً , فوضع سنة ١٩٠٣ تحت تصرُّف حكومة هولندة مبلغ مليون ونصف مليون من الريالات لإقامة البناء اللازم لمحكمة لاهاي وإِنشاء مكتبة عمومية لمحكمة التحكيم المستديمة. فسرَّ ذلك حكومة هولندة وزاد

стр. 2000

افتخارها باختيار عاصمتها مركزاً مستديماً للسلام , وكعبةً تحجُّ إليها الآمال , فأرادت أن تشترك في المشروع اشتراكاً فعليّاً , وتُظهر للمستر كارنجي على هبتهِ العظيمة , فقرّرت إِنفاق مبلغ ٥٦ ألف جنيه من خزانة الحكومة لابتياع خمسين ألف متر مربع من حديقة كانت قسماً من المتنزه الملكي. فتم البيع في آخر يوليو سنة ١٩٠٥. وقد تمَّ البناءُ الآن , وجرى الاحتفال الرسمي بافتتاح قصر السلام في الثامن والعشرين من شهر أغسطس الماضي بحضور مندوبي الدول. وقد جاءَ هذا البناءُ فخماً , لطيف الشكل , خلواً من كل ما يدلُّ على العظمة الوحشية أو الحربية التي امتازت بها الأبنية الكبيرة حتى الآن. وقد زيّنت واجهة الدور الثاني من القصر بعدَّة تماثيل ترمز إلى العلوم والمعارف العصرية والمزايا الإِنسانية الراقية. وفي صدر البرج الكبير تمثال للتجارة , وآخر للصنائع , وبين نافذتي الواجهة قامت تماثيل شتى من اليسار إلى اليمين تمثّل البلاغة وحسن الطوية وقوَّة الإِرادة والسلطة أو القدرة والدرس والبحث والحكمة والإِنسانية والثبات ونُصيب إلى جانبي نافذة القاعة الكبرى تمثالان يمثّلان العدل والقانون كأنهما حارسان يحرسانها. ونُصِب فوق كل ذلك تمثال ملكة السلام بشكلها المعروف وقد جعلت يديها على قبضة سيف مسلول , لفَّت حوله خريطةً مكتوبة إِشارة إلى الشرائع السائدة. وتحت هذا التمثال فوق الرتاج أسدان فاغران فاهيهما. يفصل بينهما برج
следующие страницы →