Полный текст (2 201 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.
стр. 1926
بحسب قواعد التهذيب الحديثة. ثم انعقد المؤتمر الثالث في ١٨ أغسطس سنة ١٨٩٩ بمدينة باسل وقرئت فيه عدَّة تقارير دلَّت على نجاح الجمعيات الصهوينة وتكاثر عدد المنتظمين في سلكها , واقترح بعضهم استعمار قبرص فرفض طلبه بدون مناقشة فيه. وانعقد المؤتمر الرابع في ١٦ أغسطس سنة ١٩٠٠ بمدينة لندن. وتمكن هرتسل من مقابلة السلطان عبد الحميد مرَّتين فأنعم جلالته عليه بالنيشان المجيدي. ثم انعقد المؤتمر الخامس في مدينة باسل في يوم ٢٦ دسمبر سنة ١٩٠١ وتقرَّر
فيهِ عقد المؤتمر مرة كل سنتين وأن تنعقد في الفترات الواقعة بين المؤتمرات اجتماعات يحضرها أعضاءُ الجمعية الكبرى. ولاحظ زعماء الإسرائيليين أنهم غير ناجحين في استعمار فلسطين فخاطبوا فخامة اللورد كرومر في استعمار العريش فلم تجبهم الحكومة المصرية جواباً يحسن الوقوف عنده. ثمّ خاطبوا الحكومة الانكليزية في استعمار إحدى الجهتين وقال المسيو هرتسل: إن شرقي أفريقيا ليست صهيون ولا يمكن أن تكون كذلك وقال الأستاذ ماكس نوردو: لو أمكن إحداث مثل هذا المقر - يعني أقريقيا الشرقية - فهو لا يكون إلا دار عزلة مظلمة وتوفي هرتسل في ٣ يوليو سنة ١٩٠٣ فوصفتهُ دائرة المعارف
стр. 1927
الإسرائيلية بقولها: إنه السياسي اليهودي الوحيد الذي كرَّس حياتهُ لخدمة قومه واستطاع أن يقوم بما لم يستطعهُ فرد ولا جماعة في سبيل إعلاء شأن الصهوينة وتثبيتها؛ فقد كانت هذه المسئلة في بدئها مسئلة خيرية زراعبة , فصيرها هرتسل اقتصادية سياسية وانتخب الأستاذ ماكس نوردو الفليسوف الألماني المعروف خلفاً لهرتسل في رياسة المؤتمرات والجمعية العاملة؛ فرأس المؤتمر السابع الذي عقد في ٢٧ يوليو سنة ١٩٠٥ وصدق على قرار خلاصته أن الهيئة الصهوينة تبقي ثابتة لا تتحول عن إعداد وطن لليهود في فلسطين. ولا تزال المؤتمرات الإسرائيلية تعقد مرة كل سنتين في عاصمة من عواصم أوربا والجمعيات الصهوينة تنتشر في جميع الأقطار الشرقية والغربية ويتسع نطاقها فبلغت ألوفاً واشترك فيها مئات الألوف من الإسرائيليين على اختلاف طبقاتهم يمدونها بالآراء ويساعدونها بالمال كلٌّ على قدر طاقته؛ فتمكنوا من إنشاء المصرف اليهودي الاستعماري ثمَّ صندوق الذخيرة الوطنية الإسرائيلية والمقصود بهذه الذخيرة المال الذي يجمعهُ اليهود لاسترداد أرض فلسطين وجعلها مقراً لليهود المتشتتين في أنحاء المعمورة المعرضين لاضطهادات الحكومات المختلفة وازدرائها بهم. ومركز رياسة اللجنة العاملة لصندوق الذخيرة في مدينة كولونيا الألمانية. وقد بلغ رأس ماله ١٢٠ ألف جنيه انكليزي في سنة ١٩٠١. وللقوم في جمع المال طرق مختلفة أبانوها في منشوراتهم المطبوعة
стр. 1928
بالفرنسوية والانكليزية والألمانية؛ وأهمها طريقة الصناديق الخصوصية وهي صناديق مقفلة ذات ثقب منهُ النقود , ويرسل منها صندوق لكل من أراد فيضيع فيه ما يفيض عن نفقاته أو ما يقرّره على ذاته أسبوعيَّا أو شهريّاً ثم يأتي مندوب الجمعية في
وقتٍ معيّن ويفتح هذا الصندوق ويأخذ ما فيه ويقفله. وتقول الجمعية في نشراتها أن الادّخار في الصندوق الخاص هو خير وسيلة لتدريب الصغار على معرفة الواجب عليهم نحو شعبهم. ومنها طوابع البريد والتلغراف وتذاكر التهنئة والتعزية: وهي أوراق خاصة يبتاعها الصهويونيون ويستخدمونها في مكاتباتهم الخاصة. ومنها الكتاب الذهبي: وهو سفر مطبوع على ورق صقيل ومجلد تجليداً مزخرفاً فخماً يشتمل على اسم مَنْ يدفع للجمعية ١٠ جنيهات. ومنها دفاتر المذكرات: وهي تحتوي على قلم رصاص وتقويم وكمية من ورق الكتابة تخصص لتدوين ما يتبرع الصهونيون بهِ في الاحتفالات العامة والخاصة لتنفيذ فكرة الصهيوينة. ومنها أشجار الزيتون. فكل من يدفع ٢٠ غرشاً تُغرَس باسمه شجرة زيتون في إحدى مزارع الاستعمار الصهيوني. ومنها تسجيل الأراضي باسم أهل الخير. فكل من يدفع جنيهين يشتري باسمهِ - حساب الجمعية - دونم وترسل إليه حجة تملكه. ولا تفتر جمعية الذخيرة يوماً عن إيجاد طرق جديدة لحث الإسرائيليين على البذل. وقد تمكنت بأن تأتي بما جمعته بأعمال خطيرة جليلة أهمّها شراء
стр. 1929
ستة آلاف دونم من الأراضي على مقربة من بحيرة طبريا , وإنشاءُ مزرعتين كبيرتين للزيتون في حولدا وبن شامن وعدة حدائق لزراعة البرتقال والليمون والاترنج في شدراح وجنينة صامويل. أما المدارس الصناعية والزراعية والعالية التي أنشئت بمال الذخيرة في حيفا ويافا والقدس لتربية النشء الإسرائيلي وتعليمه فحدّث عنها ولا حرج. وهكذا قل عن المستعمرات الزراعية وبيوت العمَّال التي أنشئت في أنحاءِ فلسطين فتحوّل بها القفر البلقع إلى روض أزهر. وقد أتاحت لي الظروف التعرف إلى جماعة من المشتغلين بهذا الموضوع في القاهرة والاختلاط بهم فعلمت أن لهم مندوباً خاصاً يتردّد على بعض المدارس الابتدائية ويلقي على تلاميذها دروساً يبين فيها حقيقة الصهيوينة وما يجب على كل إسرائيلي عمله لتنشيطها ومسعدتها ولهم مجلة فرنساوية شهرية اسمها النهضة الإسرائيلية يوافيها أئمة الكتاب الصهيونية وأنصارها. وقيمة اشتراكها السنوي ثلاثة فرنكات. ولهم نادٍ خاص كبير في حيّ الإسماعيلية. ونحو عشر جمعيات تشتغل بجمع المال وإرساله إلى اللجنة الرئيسية في كولونيا. ويعني صهيوني , مصر بمطالعة كل ما يردُ عنهم في الجرائد المحلية ويعقبون عليه. وقد انعقدت الجمعية العاملة للصهيونيين في مدينة فينا يوم ١٠ يونيو مقدمة
للمؤتمر الذي سينعقد في شهر سبتمبر القادم المسائل المعروضة عليه يأخذ في تنفيذها بقوة مالهِ ورجالهِ
توفيق حبيب
стр. 1930
أثر عرابي ثمين
في مبحث الصوت , وأسباب حدوث الحروف
ممَّا يقولُهُ بعضُهم في الموازنة بين علم الشرق في الزمن الغابر , وعلم الغرب في الوقت الحاضر , أنَّ تقدُّم العلم الغربيّ مسيَّرٌ في الغالب بيد الصناعة , وأن للغاية الاقتصادية تأثيراً على مبدئه. فهو مثلُ الحضارة الغربية عمليٌّ أكثر منهُ نظريّ , وإلى الماديّ أقربُ منهُ إلى الأدبيّ. أمَّا العلم الشرقيّ فإنّ مدينة الشرق لم تنحُ بهِ نحواً خاصاً. ولذلك كان ينمو مع المدارك البشرية على قدرها. ولو أتي له الاستمرار في طريقهِ حتى يُدرك عصرَ الطباعة فالبخارِ والكهرباءِ , لكان لهُ في المستقبل شأنٌ غيرُ شأنهِ في الماضي. هذا ما يقولُهُ بعضهم في الموازنة بين العلمين؛ ويقولون زيادة على ذلك إنَّ العلمَ النظريَّ لم يبلغْ في أوربا اليومَ المنزلة التي بلغها في آسيا من قبل. ولعلّ الخاطرَ الأوّل الذي خطر لي عند إطّلاعي على رسالةِ الرئيس أبي عليّ الحسين بن سينا في أسباب حدوث الصوت والحروف كان من هذا القبيل , فقد قلتُ في نفسي ساعتئذٍ: لماذا تفيضُ الفلسفةُ الطبيعية الحديثة في بيان أشكالِ النور وألوانهِ وتحلُّله وتركّبهِ عند في بيان أشكال الصوتِ وأوصافهِ عند مرورهِ بالحنجرة وعبث اللسان بهِ في أطراف الفم , كما فعل ابن سينا قبل تسعمائة سنة في الكتاب الذي هو موضوعُ بحثنا الآن؟ نبهّني إلى كتاب ابن سينا عالمٌ جليلٌ محقّق , فرأينهُ من أنفس مدّخرات خزانة العالِم الفاضلِ أحمد تيمور بك , ولكنهُ واأسفاه! قد تناولتهُ يدُ التحريف والتصحيف حتى لا يكاد الإنسانُ يثقُ ببقاء جملةٍ منهُ على أصلها. فزادني هذا الأمرُ شوقاً إلى نشره وإحيائهِ تعريفاً للخلفِ بمآثر السلَف , وإعلاماً بما للعرب
стр. 1931
من فضيلة السبق في تحقيق أسباب حدوث الصوت , وخدمةً للّغة بلفْت الأنظار إلى مبحثٍ آخر من مباحثها , وهو أسباب حدوث الحروف وكيفية حدوثها. واصلنا البحث عن نسخة ثانية من هذا الأثر العربيّ الثمين , واستعنا بكثير من الإخوان , إلى أن عثر صديقي المسيو ماسينيون أستاذ تاريخ مذاهب الفلسفة العربية في الجامعة المصرية على اسم هذا الكتاب في فهرس المكتبة البريطانية في لوندرة ثمَّ أراد أن يكون عملهُ أكملَ فكتب إلى من أخذ لنا نسخةً فطوغرافية منهُ؛ فإذا هي لا تقلُّ عن النسخة الأولى تحريفاً , إلا أنَّ معارضة النسختين ومراجعة الكتب التي نقل أصحابها عن رسالة الحروف لابن سينا مثل كتابي
المواقف والمقاصد , وكتاب التفسير الكبير للفخر الرازي , ومبحث تشريح الحنجرة واللسان من قانون ابن سينا , قد صححت لنا الأغلاط التي يظهر أنها هي التي حالت دون عناية المستشرقين بنشر الكتاب: فظهرت لنا من كليهما نسخة تغلب الصحة عليها , ويطمئنُّ القلب إليها.
الرسالة اسمها أسباب حدوث الحروف وهي في ستة فصول هذا بيانها:
الفصل الأول - في سبب حدوث الصوت ,
الفصل الثاني - في سبب حدوث الحروف ,
الفصل الثالث - في تشريح الحنجرة واللسان ,
افصل الرابع - في الأسباب الجرئية لحرفٍ حرفٍ من حروف العرب ,
الفصل الخامس - في الحروف الشبيهة بهذه الحروف وليست في لغة العرب ,
الفصل السادس - في أن هذه الحروف من أي الحركات غير النطقية قد تُسع
يقول ابن سينا في سبب حدوث الصوت:
أظنُّ أنَّ الصوتَ سببهُ القريب تموُّجُ الهواءِ دفعة وبقوة وبسرعة من أيّ
стр. 1932
سبب كان. ثم ذلك الموج يتأدّى إلى الهواء الراكد في الصماخ فيموّجه فتحسّ به العصبة لمفروشة في سطحه. والذي يُشترط فيهِ من أمر القرع عساه أن لا يكون سبباً كليّاً للصوت , بل كأنهُ سببٌ أكثريّ؛ ثم إن كان سبباً كليّاً فهو سبب بعيدٌ , ليس السببَ الملاحق لوجود الصوت , والدليل على أن القرع ليس سبباً كليّاً للصوت أن الصوت قد يحث أيضاً عن مقابل القرع وهو القلع.
فإذن العلة القريبة - كما أظن - هو التموّج
فالتموّج نفسهُ - كما يقول ابن سينا - هو الذي يفعل الصوت
وأما حال التموّج من جهة الهيئات التي تستفيدها من المخارج والمحابس في مسلكه فتفعل الحروف.
وتعريف الحرف في كتاب ابن سينا هو هيئة للصوت عارضة لهُ يتميز بها عن صوت آخر مثله في الحدّة والثقل تميزاً في المسموع
والحروف بعضها - من حيث الصوت - مفردة؛ وبعضها مركبة. فالمفردة تحدث عن
حبسات تامة للصوت - أو للهواء الفاعل للصوت - تثبعها أطلاقات دفعة , والمركبة تحدث عن حبسات غير تامة لكن تتبعها أطلاقات. والمفردة تشترك في أن وجودها وحدوثها في الآن الفاصل بين زمان الحبس وزمان الإطلاق , وذلك أن زمان الحبس التام لا يمكن أن يحس فيه بصوتٍ حادث عن الهواء وهو مستكن بالحبس , وزمان الإطلاق لا يحس فيه بشيء من هذه الحروف لأنها لا تمتد في الزمان الذي لا يجتمع فيه الحبس مع الإطلاق.
ويقول ابن سينا في تشريح الحنجرة أنها مركبة من غضاريف ثلاثة:
١ - الغضروف الدرقي , وهو موضوع إلى قدّام ويناله الحبس في المهازيل
стр. 1933
عند أعلى العنق تحت الذقن. وشكله شكل القصة , حدبته إلى خارج وإلى قدام وتقيعره إلى الداخل وإلى خلف
٢ - عديم الاسم , وهو خلف الدرقي مقابل سطحه ,
٣ - الغضروف الطهر جاري , وهو كقصعة مكبوبة على الغضروفين السابقين ويقول في تشريح اللسان أنه مركب من ثماني عضل: اثنتان تأتيان من الزوائد السهمية التي عند الأذن يمنةً , ويسرة , وتتصلان بجانبي اللسان , فإذا تشنجتا جذبتا جملة اللسان إلى قدام فتبعها جزء منه وامتد وطال. واثنتان من العضلين السالفين من أضلاع هذا العظم تنفذان بين المعرضين والمطولين ويحدث عنهما توريب اللسان. واثنتان موضوعتان تحت هاتين وإذا تشنجتا بطحتا اللسان.
هذا ملخص الفصول الثلاثة الأولى؛ وكلها مقدمات لبيان كيفية حدوث كل حرف من الحروف العربية والحروف الأخرى التي توجد فيما عرفه ابن سينا من لغات آسيا المنتشرة يومئذٍ في فارس وما يليها. وهو يقول مئلاً في بيان كيفية لفظ حرف الخاء أنهُ يحدث من ضغط الهواء إلى الحدّ المشترك بين اللهاة والحنك ضغطاً قويّاً مع إطلاق , تهتزّ فما بين ذلك رطوبات يعنف عليها التحريك إلى قدَّام , فكلما كادت تحبس الهواء زوحمت , وقسرت إلى خارج في ذلك الموضع بقوَّةٍ. والقاف يحدث حيث تحدث الخاء ولكن بحبس تامّ. وأما الهواء فمقداره ومواضعه فذلك بعينه. ويقول في كيفية لفظ الجيم أنهُ يحدث من حبس تام بطرف اللسان وبتقريب للجزء القدّم من اللسان من سطح الحنك المختلف الأجزاءِ
في النتوءِ والانخفاض مع سَعة من ذات اليمين واليسار وإعداد الرطوبة , حتى إذا أطاق نفذ الهواءُ في ذلك المضيق نفوذاً يصفر لضيق المسلك , إلا أنهُ يتشذب لاستعراضهِ ويتمم صفيرهُ خللُ
стр. 1934
الأسنان وتنقص من صفيره وترده إلى الفرقعة الرطوبةُ المندفعة فيما بين ذلك متفقعة , ثم تتفقأ , إلا أنها لا يمتد بها التفقُّع إلى بعيد ولا تتسع , بل تفوقها في المكان الذي يطلق فيه الحبس. والشين تحدث كما يحدث الجيم بعينه ولكن بلا حبس البتة , فكأنما الشين جيم لم يحبس وكأن الجيم شين ابتدأت بحبس ثم أطلقت. ويقول في كيفية لفظ الصاد أن الذي يفعله هو حبس غير تامّ أضيق من حبس السين وأيبس وأكثر أجزاء حابس طولاً إلى داخل مخرج السين وإلى خارجه حتى يطبق اللسان أو يكاد يطبق على ثلثي السطح المفروش تحت الحنك والمنخر ويتسرَّب الهواء عن ذلك المضيق بعد حضر شيء فيه من وراء ويخرج من خلل الأسنان , وأما السين فتحدث عن مثل حدوث الصاد إلاَّ أن الحابس من اللسان فيه أقلّ طولاً وعرضاً فكأنها تحبس العضلات التي في طرف اللسان , لا بكليتها بل بأطرافها. ويقول في وصف الفاء التي تكاد تشبه الباء ف - أنها تقع في غلة الفرس عند قولهم فرندي٩) تفارق الباء لأنهُ ليس فيها حبس تام. وتفارق الفاء بأن تضييق مخرج الصوت من الشفة فيها أكثر وضغط الهواء أشد حتى يكاد يحدث بسببه في السطح الذي في باطن الشفة اهتزاز. ومن ذلك الباء المشدّدة ب - الواقعة في لغة الفرس عند قولهم ببروزي وتحدث بشد قوي للشفتين عند الحبس وقلع بعنف وضغط الهواء بعنف.
وأما الفصل الأخير فهو من أغرب المباحث وألطفها وأكثرها حاجة إلى الدرس
стр. 1935
والبحث والتدقيق لأن ابن سينا حاول أن يأني فيها لكل واحد من الحروف العربية بما يشبهه من الحركات الغير النطقية , مثل صدور صوت يشبه حرف القاف عن شق الأجسام وقلعها. والغين عن غليان الرطوبة في أجزاء كبار تندفع إلى جهة واحدة. والكاف عن قرع كل جسم صلب كبير على بسيط آخر صلب مثله. والشين عن نشيش الرطوبات وعن نفوذها في خلل أجسام يابسة نفوذاً بقوة. والطاء عن تصفيق اليدين بحيث لا تنطبق الراحتان بل ينحصر هنالك هواءٌ له دويٌّ. والتاء عن قرع الكف بأصبع قرعاً بقوة. والفاء عن حفيف الأشجار.
وبعد فإن الذي يطالع الرسالة كلها يظهر له أن ابن سينا كان جديراً بأن يقول في آخرها:
إني قد بلغت الكفاية , وعبّرت عن المقداد الذي تبلغه مني المعرفة. وقد أهداها إلى الأستاذ أبي منصور محمد بن علي بن عمر الخيَّام وهو الذي اقترح عليه تصنيفها , ولا يقل أن يكون أبو منصور هذا حفيد الخيام الخراساني صاحب الرباعيات لأن الخراساني كان معاصراً للرئيس ابن سينا وتلميذاً له. وعلى كل حال فهذا الكتاب الصغير نموذج للعلم الشرقي الذي لو أتيح له الاستمرار في طريقه حتى يدرك عصر الطباعة فالبخار والكهرباء لكان له شأن غير شأنهِ.
القاهرة
محب الدين الخطيب
لا يتعادل الحبُّ بين اثنين؛ بل يكون قويّأً في إحداهما , وهذا الذي يتألَّم , وضعيفاً في الآخر , وهو الذي يضجر.
إرباً بنفسك أن تكون الحبيبَ الذي يلي حبيباً جار أو ظلم؛ لأن الثأر يؤخذ منكَ وأنت يرىٌ من الذنب
стр. 1936
في رياض الشعر
وعشنا على بؤسٍ
ليالي , أبلي من همومي وجدّدي ... لكِ الأمرُ , لا تَقوى على ردّه يَدِي
فما أرتجي والأربعون تصرَّمت ... ولا عيشَ إلاَّ ينتهي حيثُ يبتدي
سكتُّ سكوتاً لا يَربكِ امتدادُهُ ... فلا خاطري باقِ ولا الشعر مُسعدي
ولا فيَّ من روح الشبابِ بقيةٌ ... ولستُ بمشتاق ولستُ بموجدِ
حزنتُ على الماضي ضلالاً ومنْ يَعشْ ... كما عشتُ لم يحزنْ ولم يتجلَّدِ
وماليَ منهُ خاطرٌ غير أنني ... عدلتُ فلم أفتكْ ولم أتعبَّد
سقى الله داراتِ القرافةِ ديمةٍ ... ترفُّ على قوم هنالك هُجَّدِ
تعوَّدَ كلٌّ بؤسها ونعيمَها ... وعشنا على بؤسٍ ولم نتعوَّدِ
أحنُّ إلى تلك المراقدِ في الثرى ... ولو استطيعُ اليومَ لاخترتُ مرقدي
فأنزلتُ جسمي منزلاً لا يملّهُ ... يكونُ بعيداً عن أعادٍ وحُسَّدِ
وما يتمنّى الحرُّ في ظلّ عيشةٍ ... تمرُّ لأحزارٍ وتحلو لأعبُدِ
كأنَّ بها وقراً على كلّ كاهلٍ ... فمن يتكبَّدْ حمَلهُ يتكبدٍ
لقد أتعبني , والمتاعب جمةٌ ... مسيرةُ يومي بين أمسَي والغدِ
ألما يئنْ أن يستريح مجاهِدٌ ... ألما يئنْ أن يبلغَ المنهلَ الصَّدِي
تزهدتُ في وصل المعالي جميعها ... ومن يَطَّلبِها كاطلابيَ يزهدِ
وبتُّ تساوت في فوأدي مناهجٌ ... تُؤدّي لخفض أو تؤدي لسؤدُد
стр. 1937
وإنيَ في بيتٍ صغيرٍ مهدَّمٍ ... كأنيَ في قصرٍ كبيرِ مشيَّدِ
عنا اللهُ عن قومٍ أتانيَ غَدْرُهم ... فربَّ مسيءِ لم يُسئ عن تعمُّدِ
وكم من نفوسٍ يستطيلُ ضلالُها ... ولكن متى ما تُبصرِ النورَ تهتدِ
فزعتُ من الآمالِ باليأس عائداً ... فإِن تَدْنني منها اللُباناتُ أبعدِ
فلا ترتعي مني بقلبٍ معذَّبٍ ... ولا تنجلي مني لطرفٍ مسهَّدِ
فيا ريحُ إن يعصفْ بيَ الشجو سكّني ... ويا غيثُ إن يُضرْمنيَ الوجدُ أخمد
ويا ساكناتِ الطير في دولة الدُّجى ... أرى , إن دعاكِ الصبحُ , أن لا تغّردي
لديَّ شكاياتٌ وأنتِ شجيَّةٌ ... فإِن تستطيبيها لشجوكِ أنشدي
ولا تحسَبي التقليدَ يذهبُ حسنَها ... فكم حسناتٍ قد أتت من مقلّدِ
تركتُ الغنى لا عاجزاً عن طلابهِ ... وأنزلْتُ نفسي من منازلِ محتدي
وهذي بحمدِ الله مني براَءةٌ ... فيا أفقُ سجّلها ويا أنجمُ اشهدي
وليّ الدين يكن
إلى الله
يا ربِّ أين تُرى تقامُ جهنَّمُ ... للظللين غداً وللأشرارِ
لم يُبقِ عفوُكَ في السماواتِ العلى ... والأرضِ شبراً خالياً للنار
يا ربّ أهلْني لفضلك واكفني ... شَطَطَ العقولِ وفتنةَ الأفكارِ
ومرِ الوجود يشفَّ عنك لكي أرى ... غضبَ اللطيف ورحمةَ الجبَّارِ
يا عالِمَ الأسرارِ حسبيَ محنةً ... علمي بأنك عالمُ الأسرارِ
أخلقْ برحمتك التي تسَعُ الورى ... ألاَّ تضيقَ بأعظمِ الأوزارِ
إسماعيل صبري
стр. 1938
لكنَّ مصراً
ناظم هذه القصيدة شاعر مطبوع , عرفته مصر يوم كان ينشر في صحفها باكورة ثمار قريحته. ثم نشر هنا ديوانه , فتوسمنا فيه سليقة شعرية ما زالت تنجلي في كل ما نظمه بعدئذ. وقد أرسل إلينا من الولايات المتحدة - حيث هو يقيم الآن - القصيدة الآتية يحيي بها مصر ويحن إلى وادي النيل:
أشقى البرية نفساً صاحب الهمم ... وأتعسُ الخلق حظاً صاحبُ القلمِ
عافَ الزمانُ بني الدنيا وقيّدَهُ ... والطيرُ يُحبَسُ منها جيّدُ النغَمِ
وحكّمت يدُه الأٌلامَ في دمِه ... فلم تصنهُ ولم يعدل إلى حكمِ
لكلّ ذي همةٍ في دهرهِ أملٌ ... وكلُّ ذي أمل في الدهرِ ذو ألمِِ
ويلُ الليالي لقد قلّدنني ذرياً ... أدنى إلى مهجتي من مهجةِ الخصمِ
ما حدثتني نفسي أن أحطّمَهُ ... إلاَّ خشيتُ على نفسي من الندمِ
فكلما قلتُ زهدي طارد كلَفني ... رجعتُ والوجدُ فيهِ طاردٌ سأميِ
يأبى الشقاءُ الذي يدعونهُ أدباً ... أن يضحكَ الطرسُ إلا إن سفكتُ دمي
لقد صحبتُ شبابي واليراع معاً ... أودي شبابي. . . فهل أبقي على قلمي؟
كأنما الشعراتُ البيضُ طالعةً ... في مفرقي أنجمٌ أشرقنَ في الظُلمِ
تضاحك الشيبُ في رأسي فعرّض بي ... ذو الشيب عند الغواني موِضعُ التُهمِ
فكلُّ بيضاء عند الغيدِ فاحمةٌ ... وكل بيضاء عندي ثغرُ مبتسمِ
قل للتي ضحكت من لَّمتي عجباً ... هل كان ثمَّ شبابٌ غير منصرمِ
قد صرتُ أنحلَ من طيفٍ وأحير من ... ضيفٍ واسهرَ من راعٍ على غنمِ
وليلةٍ بتُّ أجني من كواكبها ... عقداً كأني أنالُ الشْهبَ من أمّمِ
لا ذقَ طرفي الكرى حتى تظلَ يدي ... ما لا يفوزُ به غيري من الحلُم
стр. 1939
ليس الوقوفُ على الأطلال من خُلُقي ... ولا البكاءُ على ما فاتَ من شيَمي
لكنّ مصراً وما نفسي بناسيةِ ... ملكية الشرق ذات النيلَ والهرمِ
صرفت شطرَ الصبي فيها فما خشيت ... رجلي العثارَ ولا نفسي من الوصمِ
في فتيةٍ كالنجومِ الزُهر أوجهُهم ... ما فيهمَ غير مطبوعٍ على الكرمِ
لا يقبضونَ مع اللأواء أيدَيهمُ ... وقلما جادَ ذو وَفر مع الأزمِ
في ذمة الغربِ مشتاقٌ ينازعهُ ... شوقٌ إلى منهبطِ الآياتِ والحِكَمِ
ما تغرب الشمسُ إلا أدمعي شفقٌ ... تنسى العيونُ لديهِ حمرةَ الغيمِ
وما سرت نسماتٌ نحوها سحراً ... ألا وددتُ لو أني كنت في النسمِ
ما حالُ تلك المغاني بعد عاشقها ... فإِنني بعدها للسُهد والسقمِ
بين الجوانحِ همٌّ ما يخامرُني ... ألا وأشرقني بالباردِ الشمِ
جادَ الكنانة عني وابلٌ غَدِقٌ ... وإن يكُ النيل يغنيها عن الديمِ
الشرقُ تاجٌ ومصرٌ منه درَّتهُ ... والشرقُ جيشٌ ومصر حاملُ العلَمِ
هيهات تطرفُ فيها عينُ زائرها ... بغير ذي أدبٍ أو غير ذي شمم
أحنى على الحرّ من أمٍّ على ولدٍ ... فالحرُّ في مصرَ كالورقاء في الحَرمِ
ما زلتُ والدهرُ تنبو عن يدي يدُهُ ... حتى نبتْ ضلةً عن أرضها قدمي
الولايات المتحدة
إيليا أبو ماضي
مكارم الأخلاق
سلوتُ بحمد اللهِ عنها وأصبحت ... دواعي الهوى من نحوِها لا أجيبها
على أنني لا شامتٌ إن أصابها ... بلاءٌ ولا راضٍ بوجهٍ يعيبها
شيخ النحاة
стр. 1940
عشرون عاماً
في أواسط الشهر الجاري يغادر مصر حضرة الكاتب المعروف اسكندر أفندي شاهين رئيس تحرير جريدة الوطن قاصداً الديار البرازيلية وحضرته من الكتَّاب المجيدين في اللغتين العربية والانجليزية فأحببنا بهذه المناسبة أن ننشر للقرّاء صورة هذا الصحافي القديم , وإن تُشيّعهُ بكلمة وداع باسم الصحافة التي خدمها زهاء ربع قرن , سائلين له في غربته كلّ توفيق ونجاح. وقد نشرنا في الصفحات التالية كلمته في وداع مصر , قال:
стр. 1941
في مثل هذا اليوم من عشرين سنة مضت - في اليوم الأوَّل من شهر يوليو سنة ١٨٩٣ - رأيتُ أن أبتاع من بعضهم جريدة أسبوعية اسمُها الرأي العام كنت أطبعُها لشابَّين سوريَّين لم يتفقا على تحريرها , ولكنهما اتفقا على تركها لي؛ فاشتغلتُ بها من ذلك اليوم , وجعتُ أغيّر ما بها على مهلٍ , وأحرّرها من رقِّ الرياء , لأنها نشأت على عبادة السلطان عبد الحميد ومدح أبي الهدى , وما بقيَ من أساليب الوطنية التي كانت شائعةً في ذلك الزمان , حتى جعلتها الرأيَ العام المعروف في أوائل هذا القرن وأواخر القرن الماضي. وتدرَّجتُ منها إلى الاِشتغال بتحرير الجرائد اليومية , وبغير هذا من فنون القلم إلى أن بلغتُ هذا النهارَ من عمريَ الصحافي , وذكرتُ ذيَّاك العمرَ الطويلَ وهاتيك الحوادث الكثيرة والعبر المتوالية؛ فقلت إني آنَ لي أن أستريحَ قليلاً من عناء حرفةٍ لم تفارقني ولم أخن عهدَها في كلّ هذه السنين؛ لعلَّ الراحةَ تجدّد القوى وتنسي بعض الذي مرَّ من متاعب التحرير والتحبير. وماذا أقول وما الذي أسطّر هنا من خزانةٍ وعت أموراً تضيق بها المجلدات , وذاكرةٍ طالما أغنتني عن بعيد الكتب وعزيز المؤلفات؟ لعمرك لو أنني أسطرُ عشرَ الذي يجول الآن في ذهني بينا أنا أخطّ هذه السطور لأغنيتك عن مطالعات أسبوعٍ أو شهرٍ من الزمان. أٌول ذلك لأنني ذاهبٌ إلى أبعد القارَّاتِ عن هذا القطر لأقضي فيها أشهراً , وليس يدري غيرُ الله كيف يكون الختام. أنا النفسَ ألفت بلاداً قضيت فيها زهرةَ العمر وجئتها من نحو ٢٩ عاماً؛ فعسيرٌ عليها أن تحنَّ إلى وادٍ
стр. 1942
غير وادي النيل , أو أن تطلبَ اللقاء بخلاَّنٍ غير الذين عاشرتهم كل هذا العمر الطويل. فسواءٌ جرت سفينة الأرزاق بما تشتهي نفسي وتتمنى جوارحي , أو سارت الأقدار بي في سبيل آخر , فلأذكرنَّ عهد الولاء إلى آخرِ العمر. والهُ يفعل بعباده ما يشاء. ولقد ساءَني أناسٌ مدةَ هذه السنين وساءَ ظنهم بي فكانوا يتهموني في أوَّ الأمر بخيانة الدولةِ وعداءِ السلطان؛ ثم رجعوا إلى رأيي بعد أن طال عهد
الجفاء. واتهموني بعد ذلك بمصانعة الدولة الانكليزية لأنتفعَ بأموالها؛ ثم ظهر أن التهمةَ أبعد عن الصدق مما بين القطبين. وقالوا أني كنتُ مفرّقاً بين طوائفِ المصريين , فثبت نقيضُ الذي قالوا بعد أن تغيرت بعضُ الخواطر على حين. وقد مضى الآن زمان هذه المزاعم ومضى تأثيرها , فكان على الجملة كما أتمنى , وبقيَ في الأذهان عامةً حقيقة أعدُّها أثمنَ من المال المكنوز؛ ألا وهي أنني خدمت الحقَّ في كل حياتي الصحافية خدمةَ الذي يقدِّم الحقَّ على كل مصلحة أو شأن. وعرفتُ بالصدق لا يختلفُ ضميري عن لساني , ولا تخون نفسي الحقّ في حال من الأحوال. هذا هو فخري وهذا جزائي من الناس بعد الاشتغالِ عشرين سنة بالكتابة والتحرير؛ ونعم الجزاءُ ونعم الأجرُ الكبير وليس يؤخذُ مما تقدَّم أنني العصمةَ والكمال؛ بل إن خطتي كانت خطةَ الصراحة والصدق. فسواء صدقت آرائي في هذه المسائل العديدة التي كتبتُ فيها أو أخطأت , فإنَّ القولَ كان صادراً عن اعتقاد بصحته , وعن عزم على إيراد الحقيقة وإهمال كل مصلحة يفيد فيها
стр. 1943
الكذب والرياء. فإذا قدّر لي أن أعودَ إلى هذا القلم رجعتُ إليهِ ولم ارجع عن المبدأ الذي أفخر بهِ وقد رأيته أنفعَ من مبادئ الذي يتقلبون مع الأهواء , ويبدون في كل يوم بشكل جديد. وأسأتُ في ما مضى إلى كثيرين أيضاً ربما كان معظمهم من الزملاء الذين يقضي اختلافُ نفساً بقصد إيلامها ولا تهجمت على رجل بالطعن , وأنني كنتُ أحزنُ لما يصيبُ الخصمَ الصحافي ولا حزنَ أصحابه والأخصاء الأقربين. على أن المطاعنَ الصحافية كلها خطأ قبيح , ولابدَّ أن يكون قلمي قد زلَّ مراراً وأغضبّ بعض الرفاق فاسألهم الصفحَ والمعذرة , وأرجو أن يكون عامنا الحالي آخرَ أعوامِ التجريح والمشاتمة في عالم التحرير. قلتُ أن الذي تعي ذاكرتي من حوادث هذا العمر الصحافي والذي يعنُّ لي إيرادهُ شيء كثير. فإذا شاء قراء الوطن أن أوافيهم بشيء من أذوق الراحة أياماً. وأمَّا اليوم فاكتفي بشكرٍ عام أرسلهُ إلى كل صديق كريم وذي وداد طلب لي الخير فيما مضى؛ وأسأل الله أن يوفق كلًّ منا إلى الغرض الذي يطلبه , وأن يديمَ أيامَ الصفاء والهناء لجميع الأخوان الذين عرفتهم في وادي النيل.
اسكندر شاهين
стр. 1944
صاحب البرق
عشت شقيّاً ولم أبالِ ... ولم يمرَّ الهنا ببالي
أعلّلُ النفسَ في نهاري ... وألزمُ الدرسَ في الليالي
رقَّ شعوري فرقَّ جسمي ... ورقَّ ديني ورقَّ مالي
بشارة خوري
إذا قلتَ في تعريف البرق: إِنها جريدة اجتماعية أدبية انتقاديه - كما هو مكتوب في صدرها - فإنك لم تخصصها بهذا القول؛ ولكنك إذا قلتَ فيها: إِنها جريدة يحبّها النشء السوري المتأدب , وإِنها
стр. 1945
في سوريا جريدة السوريين المهاجرين في الأقطار الأميركية فقد ميزتها حينئذٍ بصفتين خصيصتين بها. نشأت في بيروت على أثر إعلان الدستور في تركيا , ولم يكن لها رأس مالٍ ماديّ قط , ولا معنويّ سوى أدب منشئها ونشاطهِ , وسوى تلك الفوضى الهائلة التي انتشرت في البلاد يومئذ. على أنها ما برحت سائرة في طريقها يدفعها نشاط الشباب إلى الأمام , وتحببها حرية القلم إلى القرَّاء حتى بلغت اليوم السنة الخامسة من حياتها وقد بلغت معها شأواً كبيراً من النجاح. هذه هي جريدة البرق التي اثني عليها حضرة الكاتب الشهير سليم أفندي سركيس ذلك الثناء الطيّب في حفلة إكرام خليل أفندي مطران الشاعر المحبوب؛ فإنَّ البرق دعت أنصار الأدب في سوريا إلى الاشتراك في تكريم شاعر القطرين وأرسلت إليهِ باسم أولئك الأدباء هدية جميلة اعترافاً بفضله ونبوغهِ. أما صاحب البرق , بشارة أفندي الخوري , ففي ما دون الثلاثين من العمر. وهو ذكيُّ الفؤاد , عصبي المزاج , سريع التأثر. إذا كتب راضياً سالت كلماتهُ رضيً وصفاءً , وإذا كتب غاضباً قطر قلمهُ سّماً زعافاً. وهو شاعر مجيد ليس للصناعة أثرٌ ما في شعره وإن كان أثرها يظهر على الغالب في نثره؛ ذلك لأنهُ يقول الشعر عفواَ الخاطر غير مغضوب عليهِ , ويكتب على الأكثر محمولاً على الكتابة إما بحكم السياسة وإِما بحكم الأحوال. ولقد أُتيح للزُّهور أن تنشر شيئاً من شعره في بعض
стр. 1946
أجزائها السابقة - والزُّهور كما يعهدها القرَّاء لا تنشر من الشعر إلاَّ الجيّد المختار - فكن في الذي روته لهُ , على قلّتهِ , دليلٌ على الإجادة والمقدرة. على أنَّ ذلك القليل لم يكن كافياً لإظهار الشاعر بمظهره الحقيقي من الشاعرية فرأينا أن نختار اليوم مما وقع إلينا من شعره ما لعلَّه أن يكون أدلَّ
على فضلهِ , وأفصح عن بيانهِ وأدبهِ:
قال من قصيدة:
يا هندُ قد الِفَ الخميلةَ بلبلٌ ... يشدو فتصطفقُ الغصونُ وتطربُ
هوَ شاعرُ الأطيارِ لا متكبّرٌ ... صَلِفٌ ولا هو بالإمارةِ معجَبُ
تتعشَّقُ الأزهارُ عذْبَ غنائهِ ... فإذا شدا فبكلِّ ثغرٍ كوكبُ
والغصنُ - والأوراقُ آذانٌ لهٌ - ... ماذا تُرى فيها النسيم يتبتبُ؟
وإذا الضُحى لمعت بوارقُ ثغرهِ ... نادي بأجناد الطيورِ تأهبوا
فسمعتَ للأطيار موسيقي على ... نغماتِها يأتي النهارُ ويذهبُ
والصوتُ موهبةُ السماءِ فطائرٌ ... يشدو على غصنٍ وآخرُ ينعبُ
هي للهزارِ مكانةٌ من أجلها ... دبَّت بأفئدةِ الحواسدِ عقرَبُ
فتألبوا من حولِ أشمطَ أشيبٍ ... يحدو به للشرّ أشمطُ اشيبُ
فإذا همُ حولَ الغرابِ عصابة ... بأحطَّ من أخلاقها تتعصَّبُ
فشكوا لبعضهمِ الهزارَ وجذوةً ... بفؤادِ كلٍّ منهمُ تتلهبُ
وتشاوروا فإذا الوشايةُ خيرُ ما ... شَرَكٍ به يقعُ الهزارُ فيُعطبُ
فسعوا بهِ فإذا الهزارُ مقفَّصٌ ... والبومُ منطلِقُ الجوانحِ يلعبُ
يا هندُ إني كالهزارِ فإن يكنْ ... هو مذنباً فأنا كذلك مذنبُ
стр. 1947
وقال من قصيدة:
أيهِ لبنانُ والجداولُ تجري ... فيك برداً فتنعش الظمآنا
أيهِ لبنانُ والنسيمُ عليلاً ... يتهادى فيعطف الأغصانا
حبذا السفح معبداً لصغار ال ... طير تشدو لربها الالحانا
خافقات الجناح للشمس آناً ... خافقات الفؤاد للحب آنا
آمنات في السفح كاسرة الج ... وِّ فلا تأتلي بهِ طَيرانا
فترفّ الأديمَ تختلس الح ... بَّ وتظمى فتقصدُ الغدرانا
وإذا الشمس ودَّعت ودَّعت تل ... ك السواقي والزهرَ والأفنانا
واستقرَت في وكرها آمناتٍ ... كلُّ قلبين يخفقان حنانا
مطبقات الجفون يحفظها الأم ... ن كما الجفن يحفظ الإنسانا
أيّها ذي الطيور مَن قسم الح ... ظَّ ومَن قال للشقا كن فكانا
أيّها ذي الطيور حسبكِ في السف ... ح انطلاقاً جوانحاً ولسانا
أتجيدينهُ البيان على الأفنا ... ن والناس لا تجيد البيانا
وتعيشين والرجال بلبنا ... ن يموتون شقوة وهوانا
إن كفَّا تفصل الثوب للعر ... سِ لكفٌّ تفصّل الاكفانا
ولهُ في بكاءِ والده:
وقفتُ حيالَ القبر ما أنا بسٌ ... بشعرٍ ولكن مقلتي تنبس الشعرا
وهل كنتُ عند القبر غيرَ قصيدةِ ... بواكي قوافيها تُرى دون أن تُقرا
فتىً دامع العينين مضطرب الحشا ... يكفكف باليمنى ويسند باليسرى
وفي عينه ما يعجز الوصفَ بعضهُ ... وفي صدره ما بعضهُ يُحرج الصدرا
стр. 1948
وله من قصيدة ضمّنها حكاية قال:
فتىً يتعثَّرُ في لؤمهِ ... كما يتعثرُ في جهلهِ
نواظرُهُ تحت أقدامهِ ... كباحثةٍ ثَمّ عن أًصلهِ
لتسقِطُ أمُّ الجنين ابنّها ... إذا حلمت بفتىً مثلهِ
ولو أبصرت عينهُ وجهَه ... لقلتُ العفاءُ على نسلهِ
ولهُ وقد طالما جلس إلى الكأس حزيناً فما زال بها حتى سُرّيَ عنه وفارقها يتهادى انبساطاً:
تبسمُ وشعشع لي السلافة في الكأسِ ... فثغرك في ليل الحوادث نبراسي
ولا تلمَس الكأس التي قد رشفتها ... أخاف على كفَّيك من حرّ أنفاسي
يقول ليَ الآسي فؤادك موجعٌ ... فَمن أنبأ الآسي بفعلك يا قاسي
وينصحني الأخوانُ بالخمر إنها ... عى زعمهم تشفي من الآلم الراسي
فها أنا أستشفي بها كلَّ ليلةٍ ... ألم ترَني استتبعُ الكأسَ بالكأسِ
وأعجبُ من نفسي ودائي بمهجتي ... أعالجهُ بالخمر ترقى إلى رأسي
وله من قصيدة في وصف أرز لبنان الشهير:
جبالٌ على شكل الهلال محيطةٌ ... بمفرق قاديشا تناجي الغواديا
قوائمُ حول الأرز منّاعةٌ له ... إذا صادمته الحادثات عواديا
وما الأرز إلا آية اللهِ في الورى ... فبوركَ ضخمَ الجزع ريّانَ ناميا
أو ليس في هذه المختارات القليلة ما ينمُّ عن شاعرية فطرية تُحلّ صاحبها منزلةً عالية بين الشعراء المجيدين؟ أنَّ المستقبل بسَّام لصاحب البرق والوسائل متوافرة لديه من ذكاء عزم وتوقّد فكرة ونشاط شباب.
стр. 1949
ثمرات المطابع
خواطر في الحقوق والأدب - هذه مجموعة تلك امقالات الغراء التي كان ينشرها في جريدة الأخبار حضرة الكاتب الفاضل سامي أفندي الجريديني المحامي المشهورز وإنَّ الأدباء ليذكرون مقدار التأثير الذي كانت تؤثرهُ مباحثهُ الطليّة في النفوس , وصدى لاستحسان الذي كانت تجده كل مقالة منهاز جمعها حضرتهُ ضنّاً بفائدتها وحرصاً عليها فجاءت كتاباً شاملاً أبحاثاً دقيقة في مواضيع شتىَّ كالربا والطلاق وحقوق الملاَّك وحقوق الحياة ونظريات صادفة في آداب اللغة العربية مفرغة جميعها في قال لطيف رشيق العبارة سهل المأخذ لا يبعد عن الإفهام , مؤيدة وذوق سليم في الانتقاد. وقد عرف قراء الزهور مقدرة سامي أفندي في الكتابةو وأجادته في التعبير من ترجمته لرواية يوليوس قيصر التي نشرت متسلسلة في هذه المجلة فكان لها وقع حسن جداً في النفوس واتخذها تلاميذ المدارس معواناً لهم على تفهَّم شكسبير واستيعاب أغراضه ومعانيه. فنثني على حضرّته كل الثناء.
الإسعاف الأوّلي - لم يعجب أحدٌ من عارفي فضل الدكتور محمد عبد الحميد ونشاطهِ في خدمة العلم من وجود اسمهِ في الشهر الفائت مدرجاً بين أسماءِ الذين أنعمت عليهم الحضرة الفخيمة الخديوية بلقب
стр. 1950
البكوية , بل قابل الجميعُ هذا الأنعام بالاستحسان التامّ بالنظر إلى ما لحضرة هذا الطبيب المجتهد من الخدم الجليلة في سبيل العلم. فإن كتبهُ الطبيبة التي يتابع نشرها باللغة العربية أصبحت تؤلف مكتبة قائمة بنفسها وآخر كتاب أتحفنا بهِ هو كتاب الإسعاف الأولي الذي يتضمن ما يجب أن يعرفهُ الجميع. ولا يخفي ما في هذا الموضوع من الفائدة. فنثني على همة الدكتور عبد الحميد بك ونرجو لمؤلفاتهِ النفسية كل رواج.
تاريخ الحرب البلقانية - يحملُ إلينا البريد أكداساً من الكتب الأفرنجية الموضوعة في تاريخ الحرب التي تأججت نيرانها هذه السنة في شبه جزيرة البلقان. وقد رأينا فريقاً من كتاب العربية طرقوا أيضاً هذا الموضوع , مما دلَّنا أن المؤلفين عندنا أخذوا أيضاً شضعون الكتب في الحوادث الجارية لفائدة القراء , ومن هذا النوع تاريخ الحرب البلقانية لكاتبه المنشيء المتفنن سليم أفندي العقاد الصحافي البيروتي المعروف. وقد تنول فيه لمحةً من تاريخ الدول البلقانية وجغرافية بلادها ومقدمات تلك الحرب الطاحنة وما جرى فيها من
المواقع , وما دار من المفاوضات كلّ ذلك بعبارة طلية منسجمة تنمّ عن عهد مكين بين الكاتب والقلم. والكتاب مزين بأربعة عشر رسماً وخريطتين حربيتين.
رجال المعلّقات العشر - كتابُ تفيس وسفرٌ جليل أهدنهُ
стр. 1951
إلينا مكتبة المنار الشهيرة في مصر. وقد وضعهُ حضرة الأستاذ الفاضل الشيخ مصطفى الغلاييني مدرّس اللغة العربية في الكتب السلطاني والكلية العثمانية في بيروت , وضمّنهُ تاريخ شعراء المعلقات العشر وأنسابهم ونفيس أشعارهم وما اتفق لهم من الحوادث مما يجدُ القارئ فيه لذةً وفائدة كبيرتين. وقد ضبط الشعر بالشكل الكامل وشرحهُ شرحاً وافياًَ لمساعدة المطالع على تفهّم المفردات والمعاني. وصدّر الكتاب بمقدمتين جليلتي النفع ضافيتي الذيول: الأولى تتضمن خلاصة تاريخ العرب قبل الإسلام , والثانية تشتمل خلاصة تاريخ أدب اللغة العربية من لدان العصر الجاهلي حتى الزمن الحاضر. ولم يدّخر المؤلف وسعاً في مراجعة الدواوين وكتب الأدب القديمة والحديثة , حتى جاء عمله متقناً وافياً بالغرض. ولا نشك في أن الإقبال سيكون عظيماً على هذا الكتاب الجميل في إبان النهضة العربية الحاضرة.
منتخبات الشيخ أمين الحدَّاد - قلنا في الزهور سنة ٣ صفحة ٣٠٧ كلمةً في المرحوم الشيخ أمين الحداد من حيث هو كاتبٌ وشاعر , فلا حاجة بنا اليوم إلى زيارة القراء تعريفأً بهِ. إنما يسرّنا أن نعلن محبي النظم الرائق والنثر الطلي أنهُ صدر في عالم المطبوعات كتابٌ نفيس جمع بين دفَّتيهِ مئتين وثلاثين موضوعاً من المواضيع التي جال فيها قلم الفقيد. والفضل في نشر هذا الكتاب عائد لحضرة الأديب المشهور الشيخ سلامة حجازي الذي أراد أن يطبعه على نفقتهِ الخاصة تخليداً لمآثر أبناء الحداد وتذكاراً لإشتغاله مع المرحوم الشيخ نجيب بفن التمثيل
стр. 1952
العربي الذي بلغ على يدهما مبلغاً بعيداً من الإتقان.
صحيفة طفل - الآنسة أوليفيا عبد الشهيد الأقصرية كاتبة يحقُّ أن يقال فيها أنها تغمس قلمها عندما تكتب في دموع عينيها أو دم فؤادها لأن كتابها النفيس العائلة المصرية زهور سنة ٣صفحة ٣٢٥ كله حسّ وشعور أما كتيّبها الجديد فهو صحيفة فتاةٍ , ابتسامة جميلة تترقرق في خلالها دمعة مؤثرة.
آداب المراسلة - كتابٌ وضعهُ حضرة العالم الفاضل الخوري بطرس البستاني , وضمّنه كلَّ ما يجب على الطالب معرفته من أًصول المراسلة وقواعدها وأنواعها المتعددة , وشفعهُ
بأمثلةٍ كثيرة تمرّن التلميذ على تطبيق تلك القواعد. وفي ذيل الكتاب مواضيع شتى ليتوسع فيها الطالب فتتقوَّى فيهِ ملكة الإنشاء. كل ذلك بأسلوبٍ جليّ واضح , مما يجعل لهذه الكتاب فائدة كبرى.
حديث القلوب - عرّفنا القراء بالكاتب الشهير لأمينه في الزهور سنة ٢ صفحة ٢٩٣ يومَ نشرنا فصلاً له ترجمه لهذه المجلة الأديب حنا أفندي صاود. وقد أكمل حضرتهُ ترجمة الكتاب برمتهِ ونشره لقراء العربية فجاءَت الترجمة سلسة العبارة فصيحة الأسلوب.
стр. 1953
التصريف الملوكي - هذا كتيّب في التصريف من صنعة أبي الفتح عثمان بن عبد الله ابن جنّي النحوي المشهور عنيَ بتصحيحهِ وشرحهِ السيد محمد سعيد بن مصطفى النعسان الحموي وطبعته شركة التمدن الصناعية. وهو كتاب حريّ بطلبة قواعد اللغة وأصولها أن يطالعوه بامعان وتدقيق لما فيه من الفوائد.
زهرة الشباب في لغة الأعرب - جاءَنا الجزء الأوَّل من هذا الكتاب لمؤلفهِ الأديب السيد عثمان أفندي لطفي من المدرسين بمدرسة سعيد الأوَّل , وهو يشتمل على قواعد النحو على طريقة السؤال والجواب , ويلي كلّ درس تمرين على القواعد التي مرّ شرحها. فنشكر للمؤلف غيرته على لسان العرب.
تربية الطفل - للدكتور سروبيان طبيب مستشفى لادي كرومر وطبيب ملجأِ الأطفال اللقطاء في مصر عناية خصوصية بنشر الكتب الطبيَّة المفيدة التي لا غنى عن الرجوع إليها. ومن هذه الكتب كتاب تربية الطفل وهو على صغر حجمه جامع لفوائد جلّى إذا نشئ الطفل بحسبها نشأ قويَّ البنية جيد الصحة. فنوجه أنظار الأمهات خصوصاً إلى هذا المؤلَف المفيد ونتمنى له الرواج.
стр. 1954
جناية شبرا
مررت مُبكراً في الصباح بوليس الأزبكية في ميدان باب الحديد , ودخلت على حضرة المأمور أروم محادثتهُ لعلّي أن استفيد منهُ خبراً ما لجريدتي الأيام التي أنشرها في مصر منذ بعيد. وكانت بيني وبين هذا الموظّف النشيط صداقة قديمة العهد لم يكن يمنعني من أجلها شيئاً يجيزهُ لهُ القانون. وفيما نحن نتحدّث سمعنا ضجيجاً عالياً في باحة الدائرة , وصارخاً يصرخ ملء فيه: أين المأمور؟ أين المأمور؟ فالتفتَ إليَّ صاحبي وقال: أنَّ خلف هذا الصياح أمراً جللاً. فتبسمت وقلت: ذلك ما جئت إليك من أجله. ولم أكد ألفظ الكلمة الأخيرة حتى دخل علينا رجل فوق الخمسين من العمر تدلُّ ملامحهُ على القلق والخوف. ولم يتمهّل ريثما يسألهُ صاحبي عما يريد من مفاجأتهِ لنا على تلك الصورة بل قال: تفضَّل يا حضرة المأمور إلى منزلي نمرة ١٣ بشارع سلامة في شبرا , فقد ارتُكبِت الليلةَ فيهِ جناية فظيعة. إنَّ يداً أثيمةً امتدَّت إلى ابنتي في سريرها فقتلتها شرَّ قتلة. . . مسكينة أدماء! واهاً عليك يا أدماء!
فقال المأمور وقد مدّ يدهُ إلى التلفون: ومَن القاتل؟
فأجاب الرجل: لا أعرفهُ ياسيدي. أننا أطلنا السهرَ الليلة البارحة إذ كنَّا نعدُّ المعدَّات لحفلات هذا النهار , فقد كان اليوم موعداً لزواج أدماء بابن عمّها ووارثي الوحيد بعدها , ونمنا على أن نبكّر إلى العرس فبكَر إلينا المأتمز
وفيما كان الرجل يتكلم , كن المأمور قد أخذ يخاطب بالتليفون وكيل النيابة العمومية.
ولم تمضِ إلاَّ دقائق قليلة حتى وقفت بنا العربات أمام المنزل المعيَن. وكنتُ
стр. 1955
قد استأذنتُ صديقي في مرافقتهِ فركبت إلى جانب والد أدماء , وفاتحتهُ الحديث قائلاً: ألا تشرّفني بمعرفتك يا سيّدي؟ أما أنا فاسمي: وسيم الريّان صاحب جريدة الأيام ورئيس تحريرها فقال: وأنا فرج الله خوري مصوغات وجواهر في لخان الخليلي. وكانت باحة المنزل حين وصولنا قد كادت تغصّ بايأس يتهامسون بينهم؛ فأمر المأمور رجالهُ بتفريقهم , ثمَّ دخل ودخلنا وراءَه فلقينا الخادمة تبكي بمرارة وتنأرّه على سيدتها. وكان هنالك أيضاً شابٌ في نحو الثلاثين من العمر يروح ويجيء قلقاً مضطرباً , ولم يكن في عينه أثر للبكاء قط؛ غير أنَ بياض المقلتين كان قد تحوّل إلى احمرار قرمزيّ كأن الدم جال فيهما بدَلَ الدمع. ثمَّ سأل المأمور صاحب الدار عن مكان وجود الجثة , فمشى أمامنا إلى غرفة في أقصى
المنزل وقال: هنا. . . . هنا غرفة أدماء. ودخلنا فأبصرنا على سرير في إحدى الزوايا فتاةً شاحبة اللون , وإحدى يديها ملقاة على جانبها الأيسر حيث تدفق الدمُ قضرَّج ملابس نومها البيضاء وأغطية فراشها. وهي ما تزال في السرير كأنها نائمة نومةً طبيعية , ممّا دلّ على أن قانلها فتك بها في خلال رقادها. وكانت على الأرضو حذاء السرير , سكّين حادّة من السكاكين التي تُستعمل في مطابخ البيوت؛ وهي ملوثة بالدم أيضاً. أما الجاني فلم يكن أحد يعرف شيئاً عنهُ؛ غير أنّ خفير الحيّ شهد بعدئذ بأنهُ أبصر في المنزل المقابل غرفةً بقيت مُنارةً معظم الليل , وخيال شابٍّ كان يروح ويجيء فيها حيناً بعد حين. ثمَّ انطفأ نورها في نحو الساعة الثالثة صباحاً. وأثَّر فينا جميعنا منظر الجثة وعلى مقربة منها الآلة القاتلة فارتعشنا واقشعرّت أبداننا. وكان الطبيب قد دخل الغرفة حينئذٍ؛ فجسَّ نبض الفتاة , ثمَّ انحنى بإذنه على صدرها يتسمّع خفقان قلبها. وكأنما خامرَهُ شكّ في موتها فأخذ مرآه وأدناها من فمها برهة , ثم تأملها فأبصر عليها شبه غشاوة مما دلهُ على أنهُ لم تزل في ذلك
стр. 1956
الجسم بقية من الحياةز فالتفت إلينا وقال: هي حية لم تمت بعد! وكأن لفظة الحياة نبهّت خطيب الفتاة فأجفل وتفدّم خطوة إلى السرير محملقاً في الطبيب كمن فوجئ بما لم يكن يوّقع. أمَّا الأب فترامى على أقدام الطبيب وهو يقول لهٌ: أحيها. . . بربّك أحيها. ثمَّ جثا يصلّي. ورأيت في تلك الساعة ما لم أرَهُ من قبل: أباً جاثياً يدعو الله وملء نفسه خشوع ورجاء وملء ناظرَيه ذلّة وحزن؛ وعاشقاً تتنقّل نظراته من السرير إلى الطبيب إلى السكين؛ ورجالَ حكومة واجمين ينظرون بلهفة وأمل؛ وطبيباً أحدقت به القلوب كأنَّ كهربائية انتقلت منها إلى يديه فحركتهما على ذلك الجسم المسجّى بدون حراك. ورأيتني وحدي في ذلك الموقف ثابت الجأش أرى وألاحظ , وأعي غير ذاهل , حتى لقد ظنتني اسمع خفقة كلّ قلبٍ في كلّ صدر , وأحسّ دبيب كلّ خاطرٍ في كلّ ضمير. حينئذ أشار الطبيب فخرج الجميع من الغرفة , وأقام هو وحده يعالج الفتاة. وبثَّ المأمور رجاله في المنزل وحواليه , ثمَّ أخذ في التحقيق الأوّليّ فعرف أنّ ربَّ البيت يسمَّى فرج الله خوري وأنّه يتَّجر في الخان الخليلي بالمصوغات والحجارة الكريمة , وأن ابنته وحيدة لهُ واسمها أدماء وقد توفيت والدتها وهي في نحو الخامسة من عمرها فربّها أبوها وأدّبها في المدارس ولم يشأ أن يتزوج ثانية حبّاً بها وغيرة عليها. أمّا الشاب خطيب أدماء فاسمه سليم خوري
وهو ابن أخٍ للخواجا فرج الله؛ هاجر بعد وفاة أبيه إلى الترانسفال وأقام فيها نحواً من عشر سنواتو ثمَّ جاء القاهرة للتزوّج بأدماء والإقامة في هذا القطر. وفي نحو التاسعة جاء وكيل النيابة العمومية وشرع في التحقيق الدقيق فلم يلبث أن توصّل على معرفة الجاني؛ فإن الخادمة أطلعتهُ على علاقات أدماء بفتىً يدعى فؤاد اليافي يسكن منزلاً مجاوراً. وكان كثيراً ما يحادث أدماء من النافذة
стр. 1957
متى خيّم الليل ونام الخواجا فرج الله. وكانت الخادمة تنقل رسائله على سيدتها وتحمل أجوبتها إليه؛ قالت وأن آخر رسالة جاءت بها منه كانت في نفس الليلة التي ارتكبت فيها الجناية وقد ناوَلها إياها بيدٍ مرتجفة وفي نظراتهِ معنى الاضطراب والغضب. . . وعثر وكيل النيابة على تلك الرسالة تحت وسادة أدماء فإذا هي هذه:
وعدتِ ثم أخلفتِ. ويلٌ لكِ يا ظالمة! أعقبي حبّنا إن تكوني زوجةً لسواي؟ تالله لن يكون ذلك أبداً. ليس والدك الذي ارادو بل أنتِ التي اثرتِ ابن عمك عليَّ. كذبتِ في غرامكِ , كما كذبتِ في عهودكِ. أمَّا أنا فلن أكذب في عزمي. آليتُ ألاَّ يسعد ابن عمَّكِ بك , وأشقى أنا بدونك. الويل لي إذا كان المأتم غداً بدلاً من العرس!!
فؤاد
ثمَّ طرق رججال البوليس منزل فؤاد اليافي وقد اقتنع وكيل النيابة كلّ الاقتناع بأنَّ فؤاداً هو الجاني لا غيره , وبأن الذي دفعه إلى ارتكاب الجريمة إنما هو الغيرة والغرور. ومما أيَّدَ هذا الاقتناع أن فؤاداً لم يبت ليلتهُ كلَّها في منزلهِ؛ فقد جاء في نحو الساعة السابعة مساءًو وخلا بنفسهِ في غرفتهِ الخاصة دون أن يتناول طعام العشاء. ولما افتقدَه أهله في الصباح لم يجدوه , ولكنهم وجدوا رسالة منهُ على مكتبهِ. فأنَرَ وكيل النيابة بها فإذا فيها ما يأتي:
إلى والديَّ العزيزين
ليس في استطاعتي أن أشهد غداً عرس جارتنا أدماء لأن الغيرة تأكل قلبي. لذلك أنا ذاهبٌ اسلاعةَ إلى حيث لا أدري. ومتى شفِيَت نفسي من آلامها عدتُ إليكما. ساِمحا زلَّتي , وترقَّبا أخباري.
فؤاد
ودقَّقت النيابة في استجاء حقيقة العلاقات بين فؤاد وأدماء , فوقعت على رسائل كثيرة في حوزة الفتاة أزالت كلَّ شبهة عن غرام فؤادٍ وغبرته. واتصلت بها من شهودٍ كثيرين أمور تافهة في حدّ ذاتها , ولكنها إذا أضيفت إلى مجمل القرائن
стр. 1958
كنت دلائلَ قوية على ثبوت الجريمة على ذلك الشابز ولما توافرت الأدّلة على هذا الشكل أمرت النيابة بتعقّب الجاني , وضيّقت عليهِ سُبُل الفرار من القطر لمصري بما بثتهُ من العيون والأرصاد. وفي ذلك النها نفسهِ ورد على نيابة مصر تلغراف من بوليس الاسكندرية يُفيد إلقاء القبض علىالمتهم وهو يتأهب للسفر إلى أوروبَّا على إحدى البواخر. فجاء هذا دليلاً جديداً على أنَّ فؤاداً هو الجاني , لأنَّ سفرَه الفجائي لم يكن إلاّ بَغية الفرار من وجه القضاء والعدل. واتّصل خبرُ الجناية بصحف العاصمة فنشرتهُ , كعادتها في أمثاله , مقتضباً ومذيّلاً بكلمات الثناء على مهارة النيابة العمومية , وتيقَّظ رجال البوليس. أما أنا , وقد رأيتُ بعيني , وسمعت بأذني , فإني رويت الحادث في الأيام مسهباً في تفضيل وقائعهِ كلَّ الإسهاب. ثمَّ قلت في ختام كلامي: إنَّ على النيابة أن لا تغشى عينيها الأدلّة من نحو الشذوذ في الاتفاق فيكون فؤاد بريئاً من التهمة التي أصقها بهِ نكد الحظّ. لم أقل ذلك عفوَ الخاطر أو من قبيل التفلسف في الأمور؛ وإنما بنيت قولي على توافرِ عقائد في نفسي حسبتها براهين تجيزُليَ نفيَ التهمة عن فؤادِ , والقاءها على عاتق سواه. فعزمت على أن استكشفَ الحقيقة مهما اقتضيتهُ من عناءٍ ومال , لأنّ الصحافي الماهر هو مَن بذل جهدهُ لمعرفة الحقائق , ثم سبق إلى نشرها؛ وإنما بهذين اشتهرت الأيَّام ومشت في طليعة الجرائدِ العربيَّة الكبرى. أمَّا شكوكي فبدأت حيث بدأ اقتناع النيابة العمومية. هي كانت ترى كلُ شيءٍ إيجاباً في حين كنت أراهُ أنا سلباً. فغيرة فؤاد وتهديدهُ , وسهرهُ وقلقه , ورسالتهُ إلى والديهِ , وسفرهُ إلى الاسكندرية , وعزمهُ على مغادرة القطر , كانت جميعها
стр. 1959
دلائل وقرائن عليهِ في نظر عليهِ في نظر مَن يأخذ الأمور بظواهرها. غير أنَّ النيابة ذهب عن بالها أن تبحث , في الدرجة الأولى , عن الطريق التي سلكها فؤاد إلى الغرفة النائمة فيها أدماء حتى تمكن من ارتكاب الجنلية. أمَّا أنا فلم أغفل هذا الأمر قط , فقد عرفتُ أنَّ الخواجه فرج الله أقفل بيدهِ باب المنزل قبل أن نام , وترك المفتاح في ثقب الغال من الداخل. ثمَّ علمت أنَّ الخادمة , لمَّا أفاقت في الصباح , وجدت الباب مفتوحاً فاستنكرت ذلك كما استنكرهُ سيدها والخواجة
سليم أيضاً. ولو تنبَّه رجال التحقيق إلى أنَّ الغال لا يمكن فتحهُ بمفتاحٍ من الخارج , ما دام أن َّ المفتاح متروك في ثقبهِ من الداخل , لأدركوا مثليَ أنَّ الجاني إمَّا أن يكون غريباً , وإمَّا أن يكون بعض أهل أدماء. فإن كان الأوَّل اقتبضى أن يكون لهُ شريك ممَّن في المنزل فمكَّنهُ من الدخول؛ وإن كان الآخر وجب أن يكون أحد اثنين: إمَّا الخادمة , وإمَّا الخواجة سليم. وأمَّا أن يكون الجاني قد دخل البيت من غير بابهِ فمما لم يكن معقولاً قط لأن العلوَّ شاهق جدّاًو والبيت مطلٌّ من جميع جهاتهِ على الشوارع المنارة حيث الخفراء والمارّة لا يبرجون بين رواحٍ ومجيء. أضِفْ إلى هذا كلهِ أنَّ البرد كان قارساً في تلك الليلة , وأن النوافذ جميعها بقيت مقفلة حتى الصباح. ولما تشبَّعت من هذهِ الحقائق بحثت عن سيرة الخادمة مُنقباً نستقصياً فعرفت أيها قديمة العهد في منزل الخواجه فرج الله , وأنها اعتنت بأدماءِ بعد وفاة والدتها , وحنَت عليها كما لو كانت أمَّها الحقيقة , وأحبَّبتها بإخلاص شديد , فكانت لها خادمةً وأمَّا وصديقة معاً. أوَ بعد هذا ما يستوقف شبهاتي عليها؟ ولكنني وقعت حينئذٍ في حيرة شديدة: فلا ظنوني بواقفة عند الخواجه فرج الله , ولا شكوكي بمنتقلةٍ إلى الخواجه سليم. ذلك والدٌ وهذا خطيبٌ وابن عمّ.
فمن الجاني إذاً؟ أشيطانٌ من جهنم , أم ملكٌ من السماء؟؟
ولقد حاولت كثيراً أن أذهب مذهب النيابة العمومية في اتهام فؤاد اليافي فلم
стр. 1960
أستطع. وزادني تشبثاً في رأيي هذا أنَّ فؤاداً لم ينكر الجريمة كلَّ الإنكار فقط , بل بكى بُكاءً مرّاً حين درى بها إشفاقاً منهُ وحناناً على أدماء. وقد جرَّب إقناع رجال التحقيق بأنَّ تهديدهُ لحبيبتهِ لم يكن إلاَّ تهديداً كاذباً حاول أن يتعلَّق بهِ , وهو آخر سلاح كان قد بقيَ لهُ , كما يحاول الفريق التعلُّق بالطحلب في الماءو وأن عزمهُ على السفر لم يكن إلاَّ يأساً وقنوطاً لأن نفسه لم تكن تطيق أن يرى أدماء لسواه. على أنَّ كل ذلك لم يفدهُ شيئاً , بل أحالتهُ النيابة العمومية على محكمة الجنايات ليحاكم أمامها كقاتل متعمد. وراجعتُ نفسي مراراً في إتهام الخواجة سليم خوري فما ازددتُ إلاَّ اعتقاداً بكونهِ الجاني الأثيم. فقد تبيّنتُ أموراً جديرة بالاعتبار , أغفل وكيل النيابة بعضهاو وحملَ بعضها الآخر على محامل شتى. من ذلك: أنَّ الخادمة عرفت السكّين التي طُعنت بها أدماء أنها سكّين مطبخها , مما دلَّني على أنَّ اليد التي استعملها وصلت إلى مكانها بدون عناء. وهل يُعقل أنَّ قاتلاً متعمداً يجيء
ليقتل , تحت جنح الليل , فيجيء بدون سلاح على نيَّةِ أن يجد لهُ سلاحاً ما في المكان الذي نوى الجناية فيهِ؟ ومن ذلك أنَّ الجاني كان على يقين من أن أدماء لا تقفل بابها من الداخل في الليل. وأنَّي لغريبٍ عن المنزل أَن يكون على بيّنةٍ من هذا الأمر؟ ومن ذلك ايضاً أنَّ سليماً كان يحسب الطعنة قاتلة؛ فلما فأجاهُ الطبيب بقوله إنَّ أدماء حيَّة لم تمت , أجفل في مكانهِ إجفال مؤملٍ بوغِتَ بضياع أملهِ. ومن ذلك أخيراً تبدو عليهِ في أقوالهِ وحرركاتهِ جميعها. فكلَّ ذلك قوَّي اعتقادي بأنَّ اليد التي جنت إنما هي يدُ سليم دون سواه. ولكنَّ إقدامي على إتّهام الرجل في الأيام كان مجفوفاً بالخطر. فالبيّنات على خطورتها كن يمكن دحضها بمثلها. ولذلك عوَّلت بعد التفكير الطويل على كتمان شكوكي في نفسي , مع مواصلة التحرّي الدقيق. وكان أوَّل خاطر خطر لي أن أبحث عن ماضي سليم وتاريخهِ في
стр. 1961
الترنسفال. فأرسلت رسالة برقية إلى زميلي صاحب جريدة جوهسبورج دايلي نيوز في مدينة جوهنسبوج اطلعتهُ فيها على دخائل نفسي وطلبت إليهِ , بما للزميل على الزميل من الحقوق , أن يوقفني على حقيقة سليم؛ فجاءَني تلغراف منهُ بعد أيام قصيرة محتوياً على هذه الكلمات شكوك في محلهاز التفصيل مع البريد وكانت أدماء في خلال هذه المدة قد تماثلت لشفاء , وأخذت تعاودها العافية على مهل. أما شهادتها لدى وكيل النيابة العمومية فكانت قاصرة على أنها بادلت فؤاداً المحبة ووعدتهُ بالزواج , ولكنها أكرهت على النكث بعهدها أمام إرادة والدها وإلحاحهِ الشديد وقد أطلعت خطيبها سليماً عى علاقاتها السابقة بفؤاد ولم نكتمهُ شيئاً منها. ولما جاءتها رسالة التهديد بم تحفل بها كثيراً. ثم نامت ولم تدرِ ما جرى كيف جرى. وأقمتُ انتظر بريد الترنيسفال وأنا على مثل الجمر حتى وردت عليَّ بعد مضيّ شهر الرسالة التي نبّثت به تلغرافيَّا , فنشرتها في الأيام وعلَّقت عليها خواطري وظنوني وخلاصة هذه الرسالة منذ عشر سنوات لم يأتِ في خلاها عملاً نافعاً قط بل كان على العكس من ذلك فاسد السيرة , سافل الأخلاق. وقد حكمت عليهِ محاكم جوهنسبورج ثلاث مرَّات لثلاث جرائم ارتكبها كانت خاتمتها سرقة قضى أربع سنوات محبوساً من أجلها , ولما أخرج من السجن علق بفتاةٍ روميةٍ مجهولة النسب فتزوَّجها. وكان يُحبّها حبّاَ عظيماً ورزق منها ابنتين وولداً ذكراً. هذا مجمل ما حوتهُ الرسالة. أمَّا النيابة العمومية فاستدعت سلماً إليها على أثر ما نشرتهُ الأيام ولم تزل بهِ حتى أقرَّ بأنهُ هو الذي ارتكب
الجناية التي اتهم بها فؤاد أفندي اليافي. قال أنهُ نكب في الرنسفال بالفقر المدفع ولم يكن يعلم أنَّ عمّة بملك ثروة كبيرة في مصر. وقد كتب عمّه اليهِ في الزمن الأخير ملحَّا عليهِ بأن
стр. 1962
يجيء القطر المصري فيزوّجهُ بابنتهِ الوحيدة فتتحوَّل إليه ثروة طائلة. فحار في أمرِه بين أن يأبى وأن يقبل فإنَّ زواجهُ السابق في جوهنسبورغ يحول دون زواجهِ الآخر في مصر وأنَّ حبّهُ لزوجته وأولادهِ يمنهعُ من التخلّي عنهم رغم ما كان يمكن أن يعقب تخلّيهِ من الحوادث والمشاكل. ورأى من جهة أخرى أنهُ إذا لم يأتِ مصر حرم مالاً وفيراً كان في أشد الحاجة إليه. لذلك وجد أنَّ الطريقة المثلى أن يحتال على ثروة عمّهِ بكلّ أنواع الحيل فإن لم تسعده هذه ارتكب الحناية غير هيّاب ولا وجل. وساعده على تحقيق أمانيهِ وجودُ العلاقات الحبيّة بين أدماء وفؤاد اليافي وتجاور بيتيهما. فأقام يترصد فرصة مناسبة لاغتيال الفتاة بدون أن يكون موضعاً للشبهات ولكنه أحجم أكثر من مرَّة عن ارتكاب الجناية حتى كانت ليلة الزواج وقد أطلعتهُ أدماء على رسالة فؤاد التهديدية فلم يجد خيراً من تلك المناسبة؛ فأشار على ابنة عمهِ بوجوب الاحتفاظ بالرسالة , على نية أن يجعلها مرشدا لرجال التحقيق , ودليلاً يصرف شبهاتهم عنه إلى فؤاد , وقد فتح الباب ليوهم دخول القاتل منهُ , وهو يحسب أن رسالة التهديد وفتح الباب دليلان كافيان لإثبات التهمة.
واشتهر بين الناس فضلى باستكشاف حقيقة هذه الجناية فأكبر الجميع عملي , وأعلن ولاة الأمر شكرهم لي أما أنا فلم يسرَّني هذان الإِكبار والشكر بقدر ما سرَّني زواج فؤاد أفندي اليافي بأدماء كريمة الخواجه فرج الله خوري. وكان ذلك على أثر صدور الحكم على سليم الجاني بالأشغال الشاقة.
وسيم السريَّان
صاحب جريدة الأيام ورئيس تحريرها
стр. 1963
العدد ٣٧ - بتاريخ: ١ - ١٠ - ١٩١٣
فردي
رواية عائدة الأوبرا الخديوية
نبغ في إيطالية طائفة من رجال الفنون الجميلة شرَّفوا اسم بلادهم , وأعلوا مقامها بين الأمم , فأولوها فخراً لم تنله هي ولا غيرها بالحروب والفتوحات الجسام. ولقد ينقلب وجهُ العالم السياسيّ فتبيد دولٌ وتُشاد دول , ويبقى لإيطالية المجدُ المؤثّل والعزُّ الوطيد , ما دام للشعر والموسيقى والتصوير دولةٌ ورجال , ودولة هذه الفنون الجميلة دائمة ما دام للإنسان قلبٌ يخفق ونفسٌ تتعشَّقُ الجمال. تحتفل تلك البلاد في هذه السنة بعيد فردي أحد نوابغها المشهورين في عالم الأتغام , بمناسبة مرور قرن كامل على ولادتهو ولا تسلْ عن معالم الأفراح وحفلات التكريم التي تُقام في هاتيك الربوع احتفاءً بذاك اليوم السعيد. وهكذا الأمم الحيَّة الراقية تكرم ذكرى رجالها النوابغ , فتبعث في صدور أبنائعا روح النشاط والهمة.
стр. 1964
ليس فردي بالرجل الغريب عنا حتى ندعَ عيدهُ يمرُّ دون أن نقول فيهِ كلمة , ونطرح على ضريحهِ باقةً من الزهر أسوة بسائر الأمم التي هبت لتكريم ذكرهِ. فهو مؤلف عائدة وعائدة أول رواية ملحّنةٍ ظهرت على مسرحنا الوطني الأكبر الأوبرا الخديوية وضعها بناءً على طلب خديوي مصر الأسبقو وجعل وقائعها في مصر , ومثِّلت لأول مرة في مصر , ولا تزال الأجواق الاوربية التي تجيء البلاد في كل شتاء تمثّلها بنجاح عظيم؛ لذلك رأينا أن نقول كلمةً في الرجل وأعمالهِ وروايتهِ وعلاقتهِ بنا.
ولد فرنسيس يوسف فردي في العاشر من شهر أكتوبر سنة ١٨١٣ في إحدى قرى دوقية بأرمه التي كانت تابعةً في ذلك العهد لإِحدى مقاطعات فرنسة؛ وكان والداهُ يُديران فُندُقاً صغيراً يُساعدهما دخلهُ على تربية أولادهما؛ فأظهر منذ حداثة سنةِ ميلاً إلى علم الأنغام والتوقيع. فكان يقصد في كل صباح كنيسة القرية فيخدم القَّداس ويتمرَّنُ مقابل ذلك على الضرب على أرغن قديم كان في الكنيسة. ولكي للبث أن أتقن كل الأنغام الدينية والترانيم الطقسية فعُهد إليهِ بإدارة جوقة الكنيسة. وكان مستخدما عند أحد باعة الخمور لقاءً راتبٍ يمكنهُ من القيام بحاجتِ معيشتهز وظلَّ على هذه الحالة حتى الثامنة عشرة من عمره. وكان صاحب الحانة نفسه مولعاً بالموسيقى فرأى في الفتى استعداداً لهذا الفن الجميل , فوالاه بمساعداته تى مهّد له السفر إلى مدينة ميلانو والبقاء فيها ثلاث
стр. 1965
سنوات كامة يأخذ الفنَّ عن
مشاخير أربابهِ. وقد اقترن في غضون ذلك بابنة مساعدهِ بائع الخمرو فكانت له خير شريكة في حياته. ولمَّا أنس فردي من نفسه الإِستعدادَ اللازم , أخذ يضع قطعاً موسيقية , ويؤلِّف روايات ملحّنة من المعروفة عند الإفرنج بالأوبرا. فلاقى نجاحا يذكر , وعُرف اسمه بين كبار الموسيقين. ولم تكن العقبات التي لاقاها لتُضعف عزيمته , أو تخمد نار همته؛ بل كان يواصل الدرس والعمل ليصلح من أسلوبه , ويصقل أنغامه. فلحَّن في خلال سبع عشرة سنة عشرين رواية أشهرها: نبوكد نصَّر , وأورشليم , وهزناني , ومكبث عن شكسبير , وريجولتُّوا عن رواية مضحك الملك لفكتور هوغو وترافياتا عن لأدم أو كاميليا لدوس. وعظمت شهرتهُ على أثر تلحينه رواية مكبث فإنهُ تمكّن من أن يبرز بالألحان والأنغام تلك العواطف المتنوّعة التي عبَّر عنها شكسبير ببيانه السحريّ. ففي الليالي الثلاث الأولى لتمثيلها كان المسرح مكتظاً بالحاضرينو وقد أخذ الطرب منهم كلَّ مأخذ , فكانوا يطلبون المؤلف كل ليلة فوق الثلاثين مرة , وأركان القاعة تكد تتفوَّض من شدة التصفيق وهتاف الإِعجاب. وكانوا في ختام التمثيل يطوفون به المدينة ويرافقونه إلى منزله مهللين مكبرين. ورأى مواطنوهُ وجوب تكريم عبثريته فقدَّموا له أكليل غار من الذهب إشارة إلى تبوّئه عرش الموسيقى. ومن ثم نجاورت شهرة فردي حدود وطنه وعظم اسمه في أوربة , فمثِّت رواياته في أكثر العواصم والمدن الكبرى.
следующие страницы →