← Джавами‘

Джавами‘ · id 36534

مجلة «الزهور» المصرية

أنطون الجميل

Полный текст (2 201 стр.). Показаны 2031–2070 · переход к 2036.

стр. 2031

الثانوية في ١٠ دروس كلَّ ما تكون قد تعلمتهُ في المدرسة الابتدائية. وفي ليستر تبدأ الابنة دروسها , وهي في السابعة من عمرها , وتُعطى في السنة ٥٠ أمثولة في الطبخ , يستغرق كلٌّ منها ساعة واحدة , فإذا ما بلغت الحادية عشرة , تُعطى ٥٠ أُمثولة أُخرى في الغسل. فتبلغ بذلك ساعات درسها المئة سنويّاً. وفي ليفربول تتعلم التلميذات بعض القواعد الصحية عن ظهر قلوبهنَّ , كما يتعلمنَ هنا معاً بصوتٍ مرتفع الحروفَ الهجائية. فمن تلك القواعد التي يرددنها: من يحفظ فمهُ نظيفاً لا تُؤلمه أَسنانهُ وحيث لا تدخل الشمسُ يدخل الطبيب. وغيرها من نوعها. أمَّا فيما يختص بتعليمهنَّ العناية بالأطفال , فإِن المعلَّمِة تقودهنَّ فرقاً إلى مهد الطفل عند أُمه , حيث تُريهنَّ رأي العين كيفية الاعتناء بالطفل , وملاعبته ولفّه وتقميطه الخ. وقد تمكنت إِحدى هؤلاءِ الطالبات بهذه الطريقة من الاعتناءِ بأخيها كلَّ الزمن الذي قضتهُ والدتها في المستشفى , وكان عمرهُ عندما عُهد بهِ إلى عنايتها ١٤ يوماً. المدارس المركزية ورأت بعضُ المدارس تعذُّر وجود جميع الأدوات والمعدّات اللازمة لتعليم تدبير المنزل في كلّ واحدة منها , فاتفقت على إنشاء معهدٍ مركزي عمومي , اشتركت في تأثيثهِ , فتذهب إليه طالبات كل مدرسة منها في مواعيد معيَّنة , حيث يتعلمنَ تدبير المنزل نظريّاً وعمليَاً وفي هذه المدارس المركزية قسمٌ ليليٌّ لتعليم الشابات. التعليم في المنازل ومتى تقدمتِ الطالبةُ قليلاً في هذا الفنّ

стр. 2032

تذهب مرّةً في الشهر إلى منزل إِحدى المعلّمات , فتُديره بمعرفتها ليتسنى لها بدّلك تطبيق القواعد العلمية المدرسية على العمل في بيتٍ منفردٍ. وفي تشستر وليفربول يؤجّر المجلس البلدي لهذا الغرض بأجَر متهاودةٍ منزلاً مؤنثاً لمعلّمات الابتدائية. وقد أبدت كثيرات من هؤلاء التلميذات مهارة عظيمة ونشاطاً وذكاءً في العمل؛ وكثيراً ما توصل البعض منهنَّ إلى اصطناع أبدع أمتعة المنزل من أشياء قديمة بالية لا قيمة لها. فمن ذلك أنَّ إِحداهنَّ أخذت مرَّة صندوقاً للشحن , وكستهُ قماشاً ظريفاً , وزانتهُ برسوم جميلة , فكانت منهُ مكتبة بديعة المنظر تليق بردهة استقبال. وحوَّلت أُخرى جرابات صوف بالية إلى ثوب طفل يصلح للأعياد , واصطنعت غيرُها من علب الحلوى إطاراً للصوَر متناً جميلاً. ولا ريب في أنَّ مثل هؤاء الطالبات يحوّلنَ منازلهنَّ إلى جنَّات غنَّاء. ولا تُتِمُّ الابنةُ دروسها الابتدائية إلاَّ وتكون قد خاطت كلَّ جهازها من القميص حتى القبعة , ومهرت كذلك في التمريض والعناية بالأطفال , وفي الغسل والطبخ , وفنون الاقتصاد , واصطناع الأبسطة , وتنجيد المقاعد والكراسي , والرسم والتصوير وسائر الأشغال اليدوية. الاقتصاد المنزلي في المدارس الثانوية لم تُفسح هذه المدارس لتدبير المنزل المجال الذي أفسحتهُ المدارس الابتدائية ومدارس الأطفال , وذلك لأنَّ الطالبة تدخلها وقد أضحت من فضليات ربَّات المنزل , لا ينقصها إلاَّ النزر القليل , فتراجع فيها كلَّ ما تعلَّمت قبلاً مع التطويل

стр. 2033

والإِسهاب. وقد أرادت بعضُ هذه المدارس أن تصبغَ علم تدبير المنزل بصبغةٍ علمية , فضمَّتهُ إلى علمي لطبيعيات والكيمياء , وزادت فيه تعليم الطالبات كيفية تطبيق المبادئ الكيماوية على الشؤون المنزلية , فتوسَّعت في درس المواد التي يتركب منها كلُّ نوعٍ من أنواع الأغذية وكيفية تحولها الكيماوي بالطبخ والاختمار , وفحص المآكل بالمجهر , وطريقة اصطناع المسكَّرات والحلويات , ودرس محلولات خاصة بتنظيف الأمتعة والأقمشة , وغسلها من أصوافٍ وأجواخ وحرائر وجلد ورخام وزجاج وخشب , وكذلك في علم الآليات , وبعض دروس مالية وتجارية , كتسليف النقود والاسترهان , وتحرير العقود والصكوك , ومسك الدفاتر إلى غير ذلك مما يطولُ شرحهُ. مدارس المعلّمات أما المعلّمات المكلَّفات بالتعليم في المدارس الابتدائية والثانوية فيتعلمنَ في مدارس عالية خاصة بتحضيرهنَّ للتدريس تعدّهنَّ للشهادات المنزلية العليا المقبولة من الحكومة , وتؤهلهنَّ للتعليم برواتب تتراوح بين ٧٠ و ٣٠٠ جنيه سنويّاً. ولا تقبل هذه لمدارس إِلاَّ حاملات الشهادات الثانوية. ومن تتناوله دروسها علم الحياة , وعلم الميكروبات , والحقوق المدنية , والاقتصاد , ومسك الدفاتر. ومن هذه المدارس كلية تدبير المنزل في أيدنبرج وفيها , عدا ما تقدَّم ذكره في الكليَّة السابقة , أقسامٌ خاصَّة بتعليم كلّ فرعٍ من

стр. 2034

فروع تدبير المنزل على حدة , فتقصده كلُّ فتاة روم الاختصاص بفرع من هذه الفروع , وتخرج منهُ بعد ٦ أشهرٍ بشهادة مربية أولاد أو مدبرة منزل أو طاهية الخ. وتُلقي كلية أيدنبرج أيضاً في العاصمة والضواحي محاضراتٍ في حفظ الصحة والتمريض والعناية بالأطفال وما شابه ذلك. فترى أنَّ التعليم المنزلي في بريطانية قد كاد يبلغُ حدَّ الكمال وهو لا يزال في طورهِ الأوَّل , فإِنهُ في حالتهِ الحاضرة يمكّن كلَّ انكليزية من إتقان شؤونها المنزلية , ويعلّمها كيف تُؤَنث منزلها بنفسها , فتصنع الأبسطة , وتحبكُ قشَّ الكراسي , وتُصلح الأقفال , وتزين الجدران والأمتعة بالرسوم والنقوش , وتتعهد بنفسها زرع أزهار حديقتها , وتقي تلك الأزهارَ في غرف المنزل من الذبول السريع , وتختار الألوان التي تتفق مع بعضها بعض في تنسيق الأمتعة وترتيبها بذوقٍ يزيدها جمالاً ورونقاً؛ فتجعلُ منزلها شعاعاً من نور نفسها , ونسمةً من حياتها , يُنير ويُحيي الأفئدة التي يضمُّها بين جدرانهِ. ولقد صدق الوزير الانكليزي الذي قال: إِن إدارةَ المنزل جيداً تستدعي من المقدرة والبراعة والذكاءِ فوق ما تستدعيه إدارة مملكة واسعة ولا ريب في ن مثل هذا التعليم في مصر , يؤثر تأثيراً سعيداً في الحياة العائلية وفي أخلاق الأمة وصحة عقولها وأبدانها , وفي سلامها ونجاحها , ويصرف اهتمام شابَّاتنا عمَّا لا يجديهنَّ نفعاً إلى ما يضمن سعادة أسرِهنَّ. هند اسكندر عمون

стр. 2035

الضمير الضميرُ قوَّةٌ من قوى النفس , بها يُقابل الإنسانُ أعمالهُ على الناموس الأدبي , ويشعر بالسرور أو الكدّر لمطابقة أعمالهِ لذلك الناموس أو لمخالفتها. فالضمير يستحثُّ الإنسان على إِتمام الواجب , ويدفعهُ على عمل الخير , أو يبكّتهُ على ارتكاب المنكر. فهو بشير السعادة الأبدية , ونذير الهلاك الدائم. ليست أفعال الحيوان ناجمةً عن شعورٍ بوجوب قضائها , وتَحتُّم إِجرائها. بل هي ناتجة إِما عن خوفٍ واقع , وإِما احتياج دافع. وليس الإنسان كذلك , بل أنَّ لمبدع الحكيم خصَّهُ بطبيعةٍ أدبية , وصفاتٍ كمالية فطرية. فسنَّ له من ناموس المحبة الكامل , وجعل له قائداً يُرشدهُ إليهِ , ودليلاً يدلهُ عليهِ , وما ذاك المرشد الدليل إلاَّ الضمير. إذا أردنا أن نحكم على أعمال الغير , نتصوَّر ما يبدو لنا من أعمالهم وما ينبئ عن أفعالهم. ونقابل ذلك على الناموس الأدبي , فيتّضح لنا ما ينطبقُ عليهِ , وما يشدُّ عنهُ , ومن ثمَّ يكون حكمنا صحيحاً مبنيّاً على التحقيق , صادراً عن العقل الأدبي وليس عن الضمير , لذلك لا نشعر في هذا الحكم بنخره ولا بمدحه. وليس الضميرُ معلولَ الخوف , إذ أنهُ موجودٌ في تسنموا أسمى المراتب , واستلموا زمام الأمور , يديرونها كيفما شاؤوا وشاءَ الهوى , فخافهم الجميع ولم يخافوا أحداً.

стр. 2036

وليس الضمير أثراً لملكةٍ استحكمت في الأذهان بالتكرار , ورسخت في النفوس مع تمادي الأدهار , ولا مما تدعو إليه قوَّة الوهم , أو صلاح المعيشة , أو حبُّ السلام , فإن هذه عللٌ متباينة في ذاتها , فضلاً عن تفاوت الأشخاص , في الميل إليها , والاستعداد الفطري لقبولها , فمعلوماتها تكون مختلفة في الماهية ومتعدّدة , والضمير لا يتعدّد في الإنسان , ولا تتفاوت ماهيته باختلاف الأحوال والأزمان. وقد خط بعضهم الضمير مع البواعث الأدبية كالميل للرحمة , وإيثار العدل , وحبّ الحقيقة. هذه البواعث هي غرائز أدبية , ضرورية لإرشاد الإنسان ولاسيما في حالته الأولى , حينما كان حجاب الجهل مسدولاً , وهي تظهر في هيئات خصوصية معدودة , وأفعال محصورة محدودة , ولا تتضمن واجباً كالضمير , فضلاً عن أنها كثيراً ما يعارض بعضُها بعضاً , فهي مفتقرة إلى قانون يُنظّمها: تعطف الغنيَّ عواطفُ الشفقة على الفقراء وتدفعهُ لمساعدتهم , ولربَّما جنح بعضهم من جراءِ ذلك إلى الخمول , فانقطع عن العمل , متربعاً على بساط الكسل , فتكون الرحمة لمثل هؤلاء ظلماً , والإحسان إليهم إِساءةً وجرماً. وكثيراً ما تكون الرحمة واجبة , حيث العقاب ضروري اقتضاءً للعدل؛ فإن كان العدل مجرّداً , لا دخل للمحبة فيه , تعذَّر وجود الرحمة. لذلك لابدَّ لهذه البواعث من شروطٍِ تجب مراعاتها , ونظام تجري عليه , حتى الحقيقة فإنها لا تقال في كل الأوقات. والضمير يشابه العقلَ في بعض أعماله: فإنَّ من أعمال العقل

стр. 2037

إِدراك الأوليَّات , نحو كل جسم موجود في مكان , وكل تغير حادث في زمان , وكل حادث له سبب وما أشبه من البديهات التي لا تفتقر إلى برهان , ولا يختلف فيها اثنان. كذلك من أعمال الضمير ما هو بديهي لا يحتاجُ إلى شروط وسائط , كالرغبة في الخير والابتعاد عن الشرّ , تسديداً لمطالب الناموس الأدبي , الأمر بعمل الخير , واجتناب الضير. فمن آثر لشرَّ على الخير يسيء لنفسهِ أولاً ويضعف صوت ضميره , لعدوله عن سبيل الحق المنير وتسكعه في ظلمات اغرور. وقد يحو بين الضمير والحقيقة حجابٌ من نسيج الجهل , أو فاصل من مادة المآرب الشخصية , أو غشاءِ من ظلمة التهوُّر في دنايا الدنيا فينجح المرءُ إلى الشر بدلاً من الخير , ويشتري الضلالة بالهدى , ويسقط من أوج الفضيلة , إلى أقصى دركات الرذيلة , وبئس المصير , مصير المنافقين. أمَّا المستقيم في أعماله , الصادق في أقواله , المتحلي بحلي الفضائل السالك في منهج الكمال , فله من راحة ضميره الحيّ سرورٌ لا يحيط به الوصف , ولا يقوى على تبيان محاسنه البيان. سرور لا يدانيه في التأثير جمال المناظر الطبيعية , ولا عذوبة الأنغام الموسيقية , فلا غرو إِن قيل. إِن الضمير صوت الله في الإنسان. جرجس عبد الملك

стр. 2038

الشرق وأُبناؤه اعتاد دولة الأمير الخطير محمد علي باشا شقيق الجناب العالي الخديوي أن يقوم في كل سنةٍ برحلة في ناحيةٍ من أنحاء العالم , وأن يدوّن عند عودتهِ آراءَه وملاحظاتهِ ووصف ما رأى وشاهد في كتابٍ ينشرُهُ ويهديه إلى أصدقائِهِ تذكاراً لرحلته. وقد سافر في العام الماضي إلى الولايات المتحدة , وعرف القراءُ من الصحف اليومية ضروب الحفاوة والإِكرام التي قام بها السوريون في العالم الجديد ترحيباً بالأمير الشرقي المصري الكبير. فنشر دولته في كتابٍ تفصيل رحلتهِ هذه , وذكر السوريين بكل إطراءِ , وأثنى على همتهم وإقدامهم , واحتفاظهم بقوميتهم العربية في أقصى الأصقاع. ونحن اليومَ ناقلون عن هذا الكتاب الجليل صفحةً عن حالة الشرق , عسى أن يكون فيها عبرة وذكرى. قال الأمير حفظه الله: إنَّ الثلاثين سنة التي قضيتُ معظمها جائلاً في أنحاء أوربا , والتي لا أُنكر المزايا التي اكتسبتها فيها بمعاشرتي واختلاطي بكبراءِ رجالها المفكّرين والمصلحين , قد زادت في قلبي حبَّ بلادي وتعلُّقي بالشرق والشرقيين. فبكلّ جوارحي أُنادي فليعش الشرق وأبناؤه! جديرٌ بنا أن نفتخر ببلادنا العزيزة , مهبط الأنبياء , ومنبع الأديان وأصل التاريخ , مصدر التمدين. فذكرُ مجد الشرق يُحزنني. فأين نحن الآن من عظمتنا الماضية؟ أُلقوا معي نظرةً في تاريخ حياة أجدادنا. أنهُ كان مجيداً: فكم بلادٍ فتحوها بشفار سيوفهم , وكم أمم أخضعوها بقوَّتهم وشدَّة بأسهم! إِنهم لم يتركوا وسيلةً لإِعلاءِ شأنهم , وإظهار عظمتهم ,

стр. 2039

ونشر سلطانهم , إلاَّ اتخذوها , مُقدِمين عليها بلا خوفٍ ولا وَجلٍ. ولم يدعوا باباً يوصلهم إلى غايتهم الشريفة , إلاَّ طرقوه بدون تردُّد أو تهاون. فالتاريخ يشهد إذاً بما كان لهم من صفات الفاتحين , كالشهامة والأقدمين , ولاسيما التفاف بعضهم حول بعض , وجمع شملهم ووحدة كلمتهم وإخلاصهم وشدَّة حبهم لبلادهم. فبالله ماذا جرى لنا حتى أصبحنا في مؤخرة الأمم المتمدينة؟ إِنَّ بلادنا لم تتغير , رجالها هم أبناءُ أولئك الأجداد وأحفاد أولئك الأبطال. فماذا دهانا حتى وصلنا إلى هذه الدرجة التي لا تسرّ؟ أظنُّ أننا تهاونّاً في أمورنا , فحلَّت علينا المذلة والمسكنة , وتركنا شؤوننا فغشيَنا من النعس ما غشيَنا الأمير محمد علي الرقص المصري قال العلاّمة ويلكنسون المؤرّخ الانكليزي في كلامٍ لهُ عن الحضارة المصرية: إِنَّ نساءَ قدماءِ المصريين كنَّ يرقصنَ في الفرح والترح على السواءِ. وتوجد في المقابر المصرية , في بني حسن بمديرية المنيا , صورٌ عديدة تمثّل الراقصات وهنَّ يتمايلن طرباً وسروراً على نغمات الدفوف والعيدان. ولا يختلف رقص البطن المعروف عند المصريين الآن. وأُضيفُ إلى ذلك أنَّ لباسَ الرقص عند بعضهنَّ كان عبارةً عن نسيجِ رفيع من القطن مفصَّل بشكل الجسم , ومنهُ يُرى

стр. 2040

النحر والبطن والساقان. وكان بعضُهنَّ يرقصنَ قبيحة , وفي أيديهنَّ الدفوف والصاجات وروى بعضُ المؤرخين أن المصريين تعلموا رقصَ البطن من الفرس , عندما أتوا إلى مصر فاتحين. فأتقنتهُ نساؤهم , وبرعنَ في حركاتهِ وسكناتهِ , ولبثت الراقصاتُ موضعاً لاحترام العامَّة والخاصَّة , حتى فت المسلمونَ مصر , فدالت دولة الرقص. كما قضي على غيرها من فنون قدماء المصريين وعاداتهم. ثم دبّت روح الحياة في مصر في منتصف القرن الماضي. ووجد من سعى إلى ترقية الآداب والفنون. فنهضت الموسيقي , وارتقى الغناءُ , وترعرع النثر والنظم. أما الرقص فبقيَ مهملاً , لأن أبناءَ البلاد منعتهم أحكام الدين والعرف والعادات عن أن يقتبسوا عن الإفرنج الرقص الذي يشترك فيهِ الجنسان اللطيف والنشيط معاً. بل كانوا يرون أنَّ مجرَّد النظر إلى راقصةٍ أمرٌ لا تجيزهُ الآداب. وكاد فن الرقص يُصبح نسياً منسيّاً لولا نسوةٌ من أهالي الصعيد أَتقنَّهُ بعض الإتقان , ولكنهنَّ لم يكنّ يرقصن جهراً في الأندية أو المراسح خوفاً من الحكومة. وكان بعض التراجمة والأدلاءِ يقودون السائحين إلى بعض مواخير في القاهرة , فترقصُ النسوة أمامهم بتهتُّك شائنٍ , وحركاتٍ معيبة؛ بل كان بعضهنَّ يرقصنَ عارياتٍ , فيخرج السائحون ساخطين على مصر ورقصها , ويكتبون عن الرقص المصريّ قادحين , بناءً على ما شاهدوا بعيونهم من الأمور التي لا ترضاها أحطُّ طبقات الأمم المتوحشة , وكانت

стр. 2041

كتابة هؤلاء السائحين من أكبر البواعث لحمل المصريين على مشاهدة هذا الرقص. فكانوا يبذلون العشرات من الجنيهات للتمتع سرّاً برؤية راقصة وهي تشتغل بصناعتها الشائنة. ثمَّ أخذ الرقصُ المصريُّ ينتشر شيئاً فشيئاً في الموالد التي تقام في الوجه القبلي. وقد تعلمتهُ النسوة المبتذلات اللائي أمرت الحكومة بنفيهنَّ من العاصمة وبعض جهات الوجه البحري إلى مدينة أخميم. وعرفتُ منذ نحو ٣٥ سنة راقصة تدعى بنت أبو شنب كان يحضر رقصها الألوف. ومتى بدأت في العمل صمت الحاضرون كأنهم في معبد. فإذا انتهت طافت بهم لجمع النقطة فلا يقلّ ما تجمعهُ في الجلسة الواحدة عن مئتي جنيه!! ومن الغريب أنهُ بينما كان الرقص المصري منحطّاً في مصر لا يُرى إليهِ إلاَّ بعين الازدراءِ , كان بالغاً أعلى درجات الرقي في أكثر بلاد الشرق والمغرب الأقصى. وجرى حديث في هذا المعنى منذ نحة ٢٥ سنة بين المسيو مانولي يوانيدس صاحب قهوة ألف ليلة وليلة ورجل من المغاربة فذكر المغربي أنهُ توجد في تونس نسوة يُجدن الرقص المصري بلا تهتُّكٍ ولا تبذُّل. فاتفق المسيو يوانيدس مع مُحَدّثهِ على أن يُحضِرَ بعض هؤلاءِ النسوة للرقص في مصر. فلبَّى الطلب. وفُتِحت أوَّل قهوة للرقص البلدي في شارع كلوت بك خلف قهوة اللوفر في سنة ١٨٨٧. وكانت أُجرى الدخول إلى هذه القهوة غروش صاغاً للدرجة

стр. 2042

الأولى , وخمسة قروش للدرجة الثانية. ومع أنَّ المسيو يوانيدس كان يدفع لهذه الجوقة التونسية ستة جنيهات في الليلة , فإِن مكاسبهِ كانت عظيمة لإِقبال المصريين على قهوتهِ وإعجابهم برقص أولئك التونسيات. ورأى جماعةٌ من اليونانيين أن يقتدوا بالمسيو يوانيدس فأنشأوا في العاصمة والإسكندرية وبعض مدن الأقاليم قهواتٍ عدَّةٍ للرقص البلدي. وتعلَّمت المصريَّات الصناعة , وأحكمنَ الملابس اللازمة لها. ووضع لهنَّ مشهورو الملكّنين أدوراً يرقصنَ على أنغامهاز وساعدَهنَّ على إِتقانها فريقٌ من مشهوري الطبَّالين. ووضع النظام المتبع في القهوات الراقصة , وهو أن يغني المغنون دورهم , ثم تتبعهم الراقصة , فتخرج إلى المرسح ملتفةً بعباءَة ولا تلبث أن تبدأَ بالرقص على نغماتِ العود والقانون والدربكَّة , وهي تتمايل في كسائها المعروف , وهو قميص من الشاش , وفوقه صدرةٌ حريرية مزركشة تستر الثديين , وتنُّورة مفوَّفة بالأشرطة المذهبة. ومتى أتمَّتْ دورها يعود المغنُّون , فالرقص وهكذا. وبلغ عدد قهوات الرقص البلدي في العاصمة منذ عشر سنوات ١٩ قهوة. ثمَّ فترت حرارة المصريين في الإِقبال على هذه القهوات , فانحطَّ عددُها إلى ستّ قهواتٍ , منها ثلاث مهدَّدةٌ بالإفلاس. وكانت هذه القهوات عامرةً بعددٍ يُذكر من شهيرات الراقصات , بين مصريات وسوريات وفارسيات ومغربيات , ومنهنَّ من حازت مادليات من أكبر معارض وأميريكا إِعجاباً بصناعتهنَّ. وبلغت أُجور الشهيرات منهنَّ نحو ٦٠ جنيهاً في الشهر.

стр. 2043

ولكن هؤلاء البارعاتِ المتفنِّنات قد تعب بعضهنَّ وملَّ , وشاخ البعض , واكتفى البعض بما جمعنَ من مال وعقار. فأهملنَ الصناعة. ولم يبقَ في القهوات إلاَّ راقصات مقلّدات لا يزيد راتب أكبرهنَّ عن عشرين جنيهاً في الشهر. ويكتفي بعضهنَّ بأخذ ثلثي قيمة ما يفتحهُ لهنَّ الزبائن من زجاجات البيرة , ويختلف ثمن الزجاجة من عشرة قروش إلى ثلاثين قرشاً. وقرن بعضهنَّ الرقص بالغناء. وقد اشتدَّت المزاحمة يوماً بين اثنين من أصحاب القهوات على غنيةٍ مصرية تجيد الفنَّيْن , فبلغت أُجرتها ١٥٠ جنيهاً في الشهر عدا نصيبها في ثمن ما يُفتح لها من زجاجات البيرة والشمانيا. ولبثت الحكومة زمناً , وهي متأثرة بأقوال أعداءِ الرقص المصري فصادرتهُ , وأمرت بإقفال بعض مراسحهِ. فقاضاها أصحاب هذه المراسح أمام المحاكم المختلطة , فأصدرت محكمة الاستئناف حكماً قالت فيهِ إِنَّ الرقص المصري فنٌّ من الفنون الجميلة , وليس فيهِ شيء مخالف للآداب بالمرَّة ولكن هذا الحكم لم يقنع الكثيرين من أدباء المصريين , فحمل الأديب الكبير محمد بك المويلحي على الرقص وأنديته حملةً شعواء في كتابهِ حديث عيسى بن هشام وزار المستر رودي الكاتب الانكليزي هوة النوفرة عندما كان يرأٍس تحرير جريدة الأجبشن ستندرد أحد ألسنة الحزب الوطني , فأعجب بها , وأعلن إعجابه في مقالة نشرها في تلك الجريدة , فقامت قيامة الصحف المصرية عليهِ , وأنَّهم صاحب المؤيد المرحوم مصطفى كامل

стр. 2044

منشئ الأجبشن ستندرد بأنهُ يدعو المصريين إلى الدَّعارة والفجور. ثم أخذ بعض الناقدين وأهل الرأي والمدركين حقيقة الفنون الجميلة يخفقِّون من انتقادهم على الرقص البلدي , ولاسيما بعد أن شاهدوا في أوربا وأمريكا ومصر من الرقص الإفرنجي المعيب والتهتك الذي لا زيادة بعده لمستزيد. وقد حدث منذ شهرين أنَّ راقصة انكليزية أرادت السفر إلى الهند فقامت الصحف الانكليزية مناديةً بالويل والثبور , وطلبت من الحكومة منعها عن عزمها بدعوى أن الهنود لا ينظرون إلى حركات هذه الراقصة بالعين التي يرى بها إليها أدباءُ الانكليز. وهكذا شأن القوم معنا , فمهما تحشَّمت الراقصة المصرية , عدُّوا رقصها تهتكاً وابتذالاً. ومهما تهتكت الراقصة الأجنبية ورفَّ الشفوف فأعلن ما استتر وجوباً وجوازاً من أعضائها , عدُّوا عملها نهاية الرقي العقلي والأدبي. وسبحان مقسم العقول والأرزاق. مصر توفيق حبيب حكم - الأملُ هو الخبز الذي تتغذى منهُ النفس كلَّ يوم. - إذا افتكرتَ بمصائب أمس الدابر , هانت مصائب اليوم الحاضر. - الابتسامة في ثغر بعض الناس تشبهُ وخز السنان - أنشد مغنٍّ بين يدي المأمون هذا البيت: وإني لمشتاقٌ إلى ظلِّ صاحبٍ ... يروقُ ويصفو إن كدرتُ عليهِ فصاح بهِ الخليفة: ويحك! جئني ب_هذا الصديق وخذ نصف المملكة

стр. 2045

متاحف الآثار في مصر ألقى المسيو ماسبرو مدير مصلحة الآثار المصريّة خطبةً في الجمعية العلمية الفرنسية في باريسو تكلم فيها عن أعمل الحفر والآثار في مصر , جاء فيها عن المتاحف قولُهُ: إنَّ إنشاءَ متاحف المديريات في نظري أمرٌ لابدَّ منهُ. وكنت من أول وصولي إلى مصر ١٨٨١ - ١٨٨٦ قد رأيت أنَّ متحفَ بولاق يضيق عن لستيعاب كل ما تُخرِجهُ ارض مصر والآثار , وأنهُ لابدَّ من إنشاءِ متحفٍ في الإسكندرية , تُعرض فيهِ آثار العهدِ اليوناني الروماني. لكنَّ الحوادث السياسية التي جرت في ذلك الحين حالت دون تحقيق هذه الأمنية. ولما رجعت سنة ١٨٩٩ وجدتُ الآثارَ المجموعة في الجيزة مكدَّسةً بعضها فوق بعض فصمَّمت النية على أن أُنشئَ في جهات مختلفة متاحفَ محليةً تُعرَض فيها الآثار المختصة بكل مديريةٍ , الدالة على تاريخها وحياتها القديمة. أمَّا الآثار التي تتعلَّق بالتاريخ المصري العام فتوضع في متحف القاهرة. وبما أن ميزانية المصلحة لم تكن تقدرُ على القيام بالنفقات الطائلة التي يتطلبها المشروع , رأينا أن نشركَ الأفراد , أو بالأحرى الدوائر المحلية , في الأمر. فبدأنا نحو سنة ١٩٠١ بالأقصر , لكننا لم ننجح في سعينا. وفي

стр. 2046

سنة ١٩٠٥ عاودنا الكرَّة ثانيةً , وفاوضنا شركة ترعة السويسو فلم نَفُزّ بالنتيجة التي كنَّا نرجوها بفضل مساعدة البرنس دارنبرغ , مع انهُ كان في الإسماعيلية في ذلك العهد شبهُ متحفٍ جُمعت فيهِ الآثارُ التي كان قد وجدها المسيو كليدا في حفر الترعة. ولم يكن الأمر كما تقدَّم في أسيوط وأسوان. فإن مساعيَّ هناك كُلِّلَتُ بالنجاح التام \. والفضل في إنشاء متحف أسوان عائد إلى مصلحة الرذي التي تنازلت لنا في أواخر سنة ١٩١١ عن البناية التي كانت قد شيدتها لمهندسيها في جزيرة أنس الوجود. وقد جمعنا في المتحف المذكور الآثار التي وجدها في بلاد النوبة بين ١٩٠٨ و ١٩١١ الخواجات ريستر وفيرث , وفتحنا أبواب المتحف للعموم في أول سنة ١٩١٢ وأرصدت لنا نظارة المالية سبعة آلاف فرنك للإنفاق عليهِ. فهو والحالة هذه متحف الحكومة المصرية. والفضل في إنشاء متحف أسيوط عائد لسيد بك خشبه الذي كان قد نال رخصةً بإجراء حفريات في المديرية. وكان يتاجر بالنصف الذي هو حصتهُ من الآثار المكتشفة. لكن أحمد بك كمال المتولي مراقبة الحفر من لَدثن مصلحة الآثار تمكَّن من إقناعهِ بأن الواجب الوطني يقضي عليهِ بأن ينشئ على نفقتهِ في مسقط رآهِ متحفاً يجمع فيه على الأقلّ قسماً من الصنف الذي يخصهُ فأنشأ المتحف وتسلمناه هذا العام. وقد نحا هذا النحو مجلسان آخران ويمكننا القول أن المشروع سائر في أحسن السبل.

стр. 2047

في رياض الشعر المراسلات السامية كنا قد نشرنا في السنتين الأولى والثانية الزهور شيئاً من المراسلة الشعرية التي دارت بين الشاعرين الكبيرين المرحوم محمود باشا سامي البارودي والأمير شكيب أرسلان , فلاقى ذلك الشعرُ النفيسُ استحساناً لدى الجميع. وها نحن ننشر اليومَ قصيدةً أرسلها الأمير شكيب , وهو في طبريّة , إلى المرحوم محمود سامي باشا يتشوَّق إليهِ ويعزّيه بفقد كريمةٍ له: أيُّ ريٍّ بالصحف والأقلامِ ... لفؤادٍ إلى لقائِك ظامِ وتناجي الأرواحِ بُعداً وفي القر ... بِ تَلاقي الأرواحِ والأجسامِ كلما شئتُ شَدَّ رحلي إلى مص ... ر نَبتَ بي عوائقُ الأيَّامِ تعتفي سَيرتي وبيني وبين ... النيل لم يبقَ غيرُ سهمٍ لِرامِ ولقد طالما تمثّلتُ ذك الم ... ساء يجري وكنتُ في الأوهامِ كم أراني الخيالُ لقباً وهذا ... غيرُ ما جاد طيفكم من لمامِ وجذبنا من الحديث غُصوناً ... وسهرنا إلى نحولِ الظلامِ وروينا من القريضِ الذي تس ... كر منهُ العقولُ من دون جامِ وَنَجرْنا إلى القلوب عهوداً ... قد تمادت كذاك شأنُ الذِمامِ سيقولُ الأميرُ ماذا الذي عا ... قَ وماذا يحولُ دون المرامِ ما نأت دارُ من تُحبُّ وعيبٌ ... نقصُ ذي قدرةٍ على الإِتمامِ بيننا ليلتانِ لكن مع الغي ... ب سواءٌ يومانِ أو ألْفُ عامِ وعزيزُ اللقاء والإِلْفُ لم تش ... حط بهِ الدارُ زائدٌ في الهيامِ

стр. 2048

ليس ما بيننا سوى البحرِ يومي ... ن ولكن سواهُ بحرٌ طامِ دون مصرٍ بحران منهُ ومن آ ... خرَ بحرُ الوشاة والنُّمَّامِ ذاك بحرٌ تسيرُ فيهِ سَفينٌ ... من حظوظ اللئام كالأعلامِ وكلامٌ يدرونَهُ أنّهُ الإِف ... كُ ولكن يبغون صيدَ الحُطامِ ومَقالٌ إنّا من العصبة الفت ... يانِ والطاعنين في الأحكامِ أنا أرجو في مصرَ لقيا عظامٍ ... ودُّهم بات سارياً في عظامى صلةُ الإِلّ بيننا وأرى الآ ... داب أقوى فينا من الأرجامِ وحنيني إلى الذي طالمااشتق ... تُ بعيداً فكيفَ وهوّ أمامي الأميرُ المحمود بالاسمِ والفع ... ل وكم خالفَ الفعالُ الأسامي سيدٌ إن تحجَّ كعبةَ عليا ... هُ تَجِدْ ما نسيت منهُ الموامي باهرُ القدرِ إن تزِنْهُ مع الأقو ... امِ في الفضلِ مال بالأقوامِ مُفردٌ خافَهُ الزمان فناوا ... هُ كذاك العِظامُ حربُ العِظامِ جدَّ في حصرِ بأسهِ وهْوَ لو جا ... لَ لقيدوا طُرّاً بغير خزامِ كحسامٍ خبا سناهُ بغَمدٍ ... وسواهُ غَمدٌ بغير حُسامِ ولع الدهرُ بالغرائب والبخ ... تُ أحَلَّ الليوثَ تحت النعامِ أيُّها السَّيدُ الهُمام ومن يكف ... يهِ أن قيل فيهِ محمود سامي لك ذكرٌ قد طار في الشرق والغر ... بِ وفضلٌ أدناهُ فوق الهامِ هل تراهم أخفوا علاك وهل تخ ... في فِعالُ الليوث في الآجامِ ولعمري ذكاك مثلُ ذكاءِ ... هل تغيب الشموسُ طيَّ الغمامِ ولأنتَ الذي نشرتَ بذا الع ... صرِ قريضاً طوى أبا تمَّامِ من رواهُ ولم يخَلْ ربَّهُ قد ... عاصر الوحيَ والتقى بالتهامي أدَبٌ حزتَهُ وليس كذا الق ... سم من الحظّ سائرُ الأقسامِ

стр. 2049

ولعمري مع ذاك أيُّ علاءِ ... لم تكن منهُ في الذّرى والسنامِ أخَّر الدهرُ منك شهماً تسامى ... أن ينال الجوزاءِ بالأبهامِ ولئن جزتَ عن وزارةِ أمرٍ ... لم تزل صدرَ دولةِ الأفهامِ إن صلاك الزمانُ حرباً عواناً ... فقديمٌ عدوانهُ للكرامِ ولعمري الذي دهاك أخيراً ... كان وقعَ السهام فوق السهامِ لا تَخَلْ كنتَ في الفجيعةِ فرداً ... كلُّ قلب لجرح قلبك دامِ قد سكبنا نظير شعرك دمعاً ... في نواحِ كنو وُرق الحمامِ إن بكينا فقد بكينا على حز ... نك والثُّكل أعظم الآلامِ والذي راح فليهنّأ على فر ... قة دارٍ ليست بدار مُقامِ هذه سنَّةُ الليالي فأدعو ... ك إلى الصبر سنِّةِ الإسلامِ شكيب أرسلان الشاعر والليل والطيف اللهَ في وجدٍ وفي مأملِ ... من لي بعود الزمنِ الأوَّلِ قد كنتُ أشكو عذَّلي في الهوى ... فصرت مشتاقاً إلى عذَّلي ملّلْتُ عذبَ اللوم جهلاً بهِ ... لو كنت أدري الحبَّ لم أملل ما أولعَ القلبَ بما يجتني ... وأفتنَ العينَ بما تجتلي أهفو لسهدي. ليتَ لي مثلَهث ... وليتني في ليلي الأليل إذْ أترك الأنجم في أفقها ... شوقاً إلى نبراسيَ المُشَعلِ وأُحكم الكَوَّةَ دون الصبَّا ... وأوصدُ البابَ على الشَّمأل واعتلي كرسيَّ مستكبراً ... كالمَلْكِ فوق العرشِ إذ يعتلي سيجارتي مشعلة في فمي ... ثم يراعي من على أنْمَلي

стр. 2050

وقهوتي أبريقُها مُترَعٌ ... إذا أنا أفرغتهُ يمتلي في حجرةٍ كالقلب في ضيقها ... لو حُمّلَتْ غيري لم تحملِ تَسمعُ مني في سكون الدُّجى ... ما يسمع الروضُ من البلبلِ له يطيبُ اللّبثُ في عشه ... ولي يطيب اللبث في منزلي إنّا اقتسمنا الليلَ ما بيننا ... لهُ الكرى في الليل والسهد لي كتبي تناجيني فتمشي بها ... عيناي من شكل إلى مشكل ما بين أوراقٍ بها غضةٍ ... وبين أوراق بها ذبَّل يا خلواتٍ الوحي في تيهه ... ملأتِ قلبَ الشاعر المختلي سوانحي منكِ وفيكِ انجلت ... فأنزلي الآيات لي أنزلي يا طيفها لا ترتجعْ معجَلاً ... لا تُقْنعُ الزورةُ من معجل إني وحذي حجرتي مأتمنٌ ... فأنَسْ إلى صبك لا تجفلِ أُدنُ قليلاً قد أطلت النوى ... جُدْ مرةً بالله لا تبخل لو لم تكن تشتاقني نفسها ... يا طيفها ما كنتَ بالمقبل عيناك عيناها كذا كانتا ... والوجه ذاك الوجهُ لم يبدل أعرف لحظيها برغم النوى ... فكم أصابا قبل ذا مقتلي جسي بهذا الكفِ صدري ترى ... ما فيهِ من نار جوى موغل أظلَّني همٌّ فلم أنتبهْ ... إلا وقد أوغلتُ في المجهل إِن كان هذا ما دعوه الهوى ... فمثل هذا الليل لا ينجلي يا مهجتي يا جلدي يا صِبا ... إِن لم أمت وجداً فلا بد لي ولي الدين يكن

стр. 2051

من زوايا الذاكرة وناضرة خفَّ فيها النسيمُ ... فخفَّ إلى قصدِها محملي هواءٌ أرقُّ من العاطفا ... تِ وماءٌ ألذُّ من السلسلِ تذكرتُ عاطفةَ المغرَمينَ ... فجاورتُ منعطف الجدولِ وآلمني مُجْتَلَي وَردةٍ ... تكادُ تذيبُ حشا المجتلي وذابلةٍ من بناتِ الحقولِ ... ولولا الظما قطُّ لم تَذبلِ أبخلُ الطبيعة أودى بها ... واشا الطبيعةَ لم تَبخلِ ستقطُفها بعد إهمالها ... يدُ الموتِ كالولدِ المُهْمَلِ حسدتُ الزهورَ لأن الزه ... ور كأخوان جامعةٍ مُثّلِ ومّما يُجدِّد ذكرى الهوى ... هوا بين أغصانها الميِّلِ فهذا يقولُ لذاك: اعتنقْ ... وذاك يُشيرُ لذا: قَبّلِ فما لبني جنسنا الأكرمين ... قد افترقوا كالمهى الجفّلِ يُبيدُ القويُّ حياة الضعي ... فِ ويودي المسلّحُ بالأعزلِ فأين , ودؤكم الاختلا ... فُ , أطباءُ دائِكُمُ المُعضِلِ فمرتفعون لأوج السماءِ ... وهارون للدَرَك الأسفلِ وأجبنُ من ضافرٍ في الحياةِ ... وأضرى من الأَسَد المُشبلِ ومظلمةِ ساد منها السَكو ... نُ بليلٍ بعيدِ المدى أليلِ بصرتُ بها تحتَ جنح الظ ... لامِ بأشباح ضامرة هزّلِ رمت بهم لمهاوي الشقاءِ ... يدُ الزمَنِ القلَب الحوّلِ فهم ينشدون نشيداً علي ... هِ ملامحُ حالهمِ المجملِ فكم نظر الناس من تحته ... م وهم ينظرون لنا من علِ محمد رضا الشبيبي

стр. 2052

التدواي بالثمار العنب العنبُ ثمرٌ لذيذٌ ومفيد للصحة إفادة عظيمة , لأنهُ يحوي كثيراً من الأملاح المعدنية كالبوتاس والكلس والمنيزيا والحديد. وعلى ذلك يكون العنب عبارة من مزيج مياه معدنية مفيدة. ويُعَدُّ العنبُ من الأغذية المهمة , فهو يقوي العضلات ويسهل الهضم ويكثر الدم ويُنّقيه. ويستَعملُ العنب في أوروبا علاجاً لمن يُصابُ بسوء الهضم وتلبُّكٍ في المعدة أو احتراق في الأمعاء , كما يستَعملُ بنوعٍ خاصّ ضّد المغص والإِسهال والباسور , وغير ذلك. وقد قال بعض الأطباء الفرنسويين: إنّ العنب يُستعمَلُ كدواءٍ لالتهابِ الخصيتين , ولإفراز السموم , حتى أن الفُرْسَ إلى اليوم يصفونهُ للمسموم كعلاج نافع , كما يستعمله للغاية نفسها بعضُ أقوام الهندِ الصينية. ويقسم العنب إلى قسمين: العنب الأبيض , والعني الأسود وينضم إليهِ العنب الأحمر وتكثر الموادُّ المعدنية في العنب الأحمر والأسود , كما أن هذا الأخير يُنَبّهُ الأعصاب أكثر من الأبيض , ولذلك يُوصَفُ لمن أُصيب بفقر الدم وضعف القوى العضلية , في طوِر النَقَه , ويستعمَلُ العنبُ الأبيض لتسهيلِ الهضم والأدوار. أمَّا التداوي بالعنب فمدَّتُهُ لا تقلُّ عن ثلاثة أيامٍ , ولا تزيد عن سنة: ففي اليوم الأول يؤكل مقدار كيلو منه , ثم تزادُ هذه الكمّيةُ بالتدريج يومياً , إلى أن يكونَ مقدار التناول في اليوم الأخير خمسة كيلوغرامات. ويجبُ إجراءُ الرياشة البدنية في هذه المدة بواسةِ المشي لا أقلَّ من ساعة في الفلوات والحدائق لاستنشاق الهواء النقي الذي يكسب الصحة جودة. والمهم في هذا أن يكون العنب جديداً , كما يُشترَط أن يُغسَلَ جيداً حذراً ممَّا يعلق بهِ من الغبار والأوساخ التي لا تخلو منها حوانيت البائعين , فضلاً عن أن

стр. 2053

قشر العنب قابلٌ لتخمُّرِ الميكروبات المتنوعة. ويجبُ طرح بزوره وقشوره عند الأكل. أمَّا إذا كان جديداً نظيفاً فلا حاجة لتقشيره إلا إذا القصد من تناوله تسهيل الهضم؛ فحينئذٍ يؤكل ببزوره وتطرح قشوره. وأكثر البلاد تعويلاً على المعالجة بالعنب , بلاد ألمانيا المشهورة بترقي فن الطب. ويُقال إنَّ اليونانَ والرومان الأقدمين استعملوا العنب علاجاً. وفي سويسرا وأوستريا مستشيفات خصوصية للمداوة بالعنب ويزداد عددُ المرضى الذين يَفِدون كلَّ سنةٍ إليها. ويجب ألاَّ ننسى أنَّ الفائدَة المطلوبة من التداوي بالعنب لا تتمُّ ولا تكمل إلا بالتنزّه واستنشاقِ الهواء النقي. ويقول بعض الأطباء إن لعصيرِ العنب أو شرابه في مداواة العلل هذا التأثيرَ عينهُ. ويجب شرب هذا الشراب قبل تناول القهوة بقليل. ويقولون إنَّ تناولَ قدَحٍ من شراب العنبِ يعدل أكل ٢٠٠ - ٤٠٠ غرام منهُ. ويجب حفظ هذا الشراب في آنية نظيفة تحفظ في أماكن خاليةٍ من الرطوبة ويرتئي بعضُ الأطباء أن يُسَّخنَ هذا الشرابُ في حمام مريم قبل شربهِ , فيكون تأثيرهُ أشدَّ وأعظم. وقد عم استعمال هذا الدواء في أوربا كلها , والكثيرون يستعملونه علاجاً شافياً لكثير من الأمراض المزمنة. حب التوت الشامي اكتشف الأطباءُ مؤخراً علاجاً الأوروبيون أعظم علاج وجد من الثمار وهو حب التوت الشامي وقد جرَّبهُ مكتشفه لمداواة المسلولين , فكان النجاحُ إليفه. وهو يقول: إنّ لشرابِ التوت هذا التأثيرَ نفسه. وقد بيَّنَ ذلك المسيو بورت والمسيو رمولن الكيماويان الشهيران بتحليلهما حب التوت تحليلاً كيماوياً , فوجدا أن في هذا الثمر المفيد قليلاً من حمض السالسيليك الذي يجعلُ لهُ رائحةً لطيفةً عند نضجه. ويفيد حبُّ التوت لمداواة الأمراض الروماتيزمية؛ ويُستعملُ أيضاً في أوربا نوع من حبّ التوت يأتي من

стр. 2054

جبال سافوى لمن أصيبوا بهذا الداء. والسببُ في انتخابهِ من تلك الجبال أنّ التوتَ هنالك يحوي كثيراً من حمض الساليسيليك بدليل جودة رائحتهِ ولذة طعمهِ. ويؤكدُ كثير من الأطباء أنّ حبَّ التوتِ يُفيدُ النزلة الصدرية كما يشفي المصابين بالسلّ الرئوي على ما المعنا سابقاً. وما السلُّ الرئويُّ إلاّ نزلةٌ صدرية تفاقم أمرها. وقد شهد أمهرُ الأطباء في هذا العصر بفائدةِ هذا الثمر ومثل هذه الأمراض , وقالوا إنهُ الترياقُ الشافي. وقد نقل لنا التاريخ عن المحقق فونتل أنّهُ كان يُحبُّ حَبَّ التوتِ كثيراً فكان لا يمرُّ بهِ يومٌ دون أن يتناولَ بقدرِ ما يتيسَّرُ لهُ. وقد قيل إنّهُ كان مريضاً ذات يومٍ , فزارهُ بعضُ أصدقائه , وسأله أحدهم قائلاً: كيف صحتك اليوم يا فونتل؟ فأجابهُ هذا على الفور: ليست جيدة يا عزيزي. إن آلام الأمراضِ قبل حلول أوان الصيف ومجيء موسم حب التوت. وكان يعتقد أن حب التوت سبب تعافيه وطول حياتهِ. أما التداوي بحب التوت فهو يُشبه التداوي ببقية الثمار. ويُشترطُ في أكلهِ أن يكونَ , والمِعدَةُ فارغةٌ , لئلاّ يضرَّ ويُسبّبَ سوء هضم لبرودته. ووقت الصباح أحسن الأوقات لتناوله لأَن المعدة تكونُ فارغةً. وهو لا يغسل بالماءِ لئلاّ تذهب رائحتهُ للطيفة , غير أنهُ يجب الاعتناءُ بقطفه وأن يكون نظيفاً ويترك بعقبه. أما المصابون بالأمراض الجلدية كالجرب والزهري الخ فليتجنبوا حبَّ التوت كلَّ التجنُّبِ , لأنّهُ يزيدُ الداءَ شدةً بتكثيره المادة في الجلد. الليمون الحامض وما قلناه عن حبّ التوت نقولُهُ عن الليمون , فهو يُفيد في أمراض الحلق والنوبات العصبية الخفيفة والإِغماءِ. والليمونُ أكبرُ مضادّ لتعفُّنِ

стр. 2055

الأمعاءِ , كما أنهُ يفيدُ المصابين بالهيضة الكوليرا والصفراء والبلغم وأمراض الكَبِد وقد شهد طبيبٌ شهيرٌ أنَّ الليمون علاجٌ مفيدٌ للمُصابِ بعلة هي من نوع علل الروماتيزم وانتشر استعمال الليمون علاجاً لهذه الأمراض في ألمانيا وسويسرا ونتج عن استعمالهِ نتائج مفيدة نافعة. واقتصر المُصاب على تناول ١٧٥ - ٢٠٠ ليمونة بك المدة. والتداوي بالليمون يجري على طريقة التداوي بالعنب , أي أن يُخذَ في اليوم الأول مقدارٌ قليل , فيزداد يوماً فيوماً؛ ثم متى حصل الشفاء التامُّ يتناقص رويداً رويداً. ولقائل أن يقولَ: ألا يحصل ضررٌ من أكل مقدار كثير كهذا من الليمونَ لا يؤثِّر في الهضم ِإلا تأثيراً خفيفاً نافعاً وأما تأثيره في الأسنان فقليلٌ جدّاً لا يُعتَدُّ بهِ , فضلاً عن أنَّ الوسائط اللازمة في ذاك الوقت تمنع كل ضرر. أما طريقة المداواة فإليك بيانها: يأكل المصاب في اليوم الأَول ليمونةً واحدةً , ويشرب في اليوم الثاني عصيرَ ليمونتين , وفي اليوم الثالث أربع ليمونات وفي اليوم الرابع ست , وفي الخامس ثماني , وفي السادس إحدى عشرة , وهلم جراً حتى اليوم العاشر فيشرب عصير خمس وعشرين ليمونة على دفعات متوالية , ثم تنقص الكمية كما تزايدت , ولا بأس من مزج عصيره بقليل من السكر لتسهيل تناوله. وسنعودُ في فرصة قريبة إن شاء الله إلى ذكر فوائد غير ما تقدم من الأثمار. أنطاكية نقولا كي عبد المسيح شكري

стр. 2056

في حدائق العرب ظهر في الشهر الغابر كتابٌ عنوانه حديقة الزهر وضعهُ باللغة الفرنسية حضرة الأديب واصف بك بطرس غالي , ضمنهُ بحثاً شائقاً في الشعر العربي وأنواعهِ وأساليبهِ , مع ترجمة مقطوعاتٍ شعرية منهُ. فقابل الفرنجُ هذا الكتاب بالارتياح لأنَّهُ عرَّفهم بشاعرية قومٍ لهم في عالم الخيال المقام الأرفع. ومن جملة ما ترجمهُ واصف بك الحادثة الآتية نرويها لقرّائنا في أصلها العربي , لما فيها من بلاغة الوصف وجمال الأسلوب: بشر بن أبي عوانة والأسد كان بشر بن أبي عوانة العبدي صعلوكاً: فأغار على ركب فيهم امرأةٌ جميلة , فتزوَّج بها , ما رأيتُ كاليوم. فقالت: أعجب بشراً حَوَرٌ في عيني ... وساعدٌ أبيضُ كاللجينِ ودونُهُ مسرحُ طرف العينِ ... خمصانةٌ ترفلُ في حجلينِ أحسن من يمشي على رجلينِ ... لو ضمَّ بشرٌ بينها وبيني أطال هجري وأدام بيني ... ولو يقيس زينها بزيني لأسفر الصبحُ لذي عينينِ قال بشر: ويحك من عنيت؟ فقالت: بنت عمك فاطمة. فقال: أهي من الحسن بحيث وصفتِ؟ قالت: وأكثر وأزيد , فأنشأ يقول: ويحك يا ذات الثنايا البيضِ ... ما خلتني عنك بمستعيضِ فالآن إِذ لوَّحتِ بالتعريضِ ... خلوتِ جوّاً فاصغري وبيضي لا ضُمَّ جفناي على تغميضِ ... إِن لم أشل عرضي من الحضيضِ

стр. 2057

ثم أرسل إلى عمّهِ يخطب ابنته , ومنعهُ العمُّ أمنيته , فآلي ألاَّ يرعي على أحدٍ منهم , إِن لم يزوّجه ابنته. ثم كثرت مضرَّاته فيهم , واتصلت مضرَّاته إليهم. فاجتمع رجال الحيّ إلى عمه وقالوا: كفَّ عنا مجنونك. فقال: لا تلبسوني عاراً , وأمهلوني حتى أُهلكه ببعض الحِيَل. فقالوا: أنت وذاك. ثم قال له عمه: إني آليت أن لا أزوّج ابنتي هذه إِلاَّ ممن يسوق إليها ألف ناقةٍ مَهراً , ولا أرضاها إِلاَّ من نوق خزاعة. وغرض العم كان أن يسلك بشر الطريقَ بينهُ وبين خزاعه , فيفترسهُ الأسد. لأنَّ العرب قد كانت تحامت عن ذلك الطريق؛ وكان فيه أسدٌ يسمَّى داذاً , وحية تدعى شجاعاً , يقول فيهما قائلهم: افتكُ من داذٍ من شجاعِ ... إن يكُ داذٌ سيدَ السباعَ فإنها سيّدةُ الأفاعي ثم إِنَّ بشراً سلك ذلك الطريق , فما نصّفه , حتى لقي الأسد , وقمص مهره , فنزل وعقره. ثم اخترط سيفهُ إلى الأسد , واعترضه وقطَّهُ , ثم كتب بدم الأسد على قميصه إلى ابنة عمه قصيدته المشهورة التي مطلعها: أفاطِمَ , لو شهدتِ ببطن خبتٍ ... وقد لاقى الهزبرُ أخاك بشرا فلمَّا بلغت الأبياتُ عمَّهُ , ندم على ما منعهُ من تزويجها , وخشيَ أن تغتالَهُ الحيةُ , فقام في أُثره وبلغه وقد ملكتهُ سورة الحية. فلمَّا رأى عمه , أخذتهُ حمية الجاهلية , فجعل يدَهُ في فم الحية , وحكّم سيفه فيها فقال: بشر إلى المجد بعيد همهُ ... لما رآه بالعراءِ عمهُ قد ثكلته نفسهُ وأمه ... جاشت بهِ جائشةٌ تهمهُ

стр. 2058

قام إلى ابن للفلا يؤمه ... فغاب فيهِ يدُهُ وكمهُ ونفسه نفسي وسمي سمهُ فلما قتل الحية , قال عمه: إني عرَّضتك طمعاً في أمرٍ ثنى الله عناتي عنهُ , فارجع لأزوَّجك ابنتي , فلما رجع جعل بشر يملأ فمه فخراً , حتى طلع أمرد كشقّ القمر على فرسه مدجّجاً في سلاحه. فقال بشر: يا عمّ إني أسمع حسَّ صيد. وخرج فإذا بغلامٍ على قيد فقال: ثكلتك أُمك يا بشر , إِن قتلت دودة وبهيمةً تملأ ما ضغيك فخراً؟ أنت في أمان أن سلَّمت عمك. فقال بشر: من أنت لا أم لك؟ قال: اليوم الأسود , والموت الأحمر. فقال بشر: ثكلتك من سلحتك قذفت بك من بطنها فقال: يا بشر ومن سلحتك أيضاً. وكرَّ كلُّ واحدٍ منهما على صاحبه , فلم يتمكن بشرق منهُ وأمكن الغلام عشرين طعنةً في كلية بشر , كلما مسَّهُ شبا السنان حماه عن بدنه أبقاءً عليهِ. ثم قال: يا بشر كيف ترى أليس لو أردتُ لأطمعتُك أنياب الرمح؟ ثم ألقى رمحه واستلَّ سيفهُ فضرب بشراً عشرين ضربة بعرض السيف , ولم يتمكَّن بشرق من واحدة. ثم قال: يا بشر سلّم عمَّك واذهب في أمان. قال: نعم ولكن بشريطة أن تقول لي من أنت. قال: أنا ابنك. فقال: يا سبحان الله ما قارنتُ عقيلةً قط , فإني لي هذه المنحة؟ فقال: أنا ابنُ المرأة التي دلَّتك على ابنة عمك. فقال بشر: تلك العصا من هذه العصية ... هل تلد الحيةَ غيرُ الحية وحلف لا ركب حصاناً ولا تزوَّج حصاناً , ثم زوج ابنة عمه لابنه.

стр. 2059

أبو العلاء المعري ثِقةَ الدهورِ وحجَّةً الأزمانِ ... خذْ من بيانِكَ ذمّةً لبياني أُعيي القريضَ فإنْ بلغتُكَ خانني ... قَلمي وعيَّ عن المقالِ لساني وعت القياصرَ والملوكَ وراعني ... ما فيك وحدَك من جلال الشانِ لكَ في الملوك الخالدين على البلى ... أسمى العروشِ وأُمنُ التيجانِ تهوي الأسرَّةُ والمماليكُ تنقضي ... وسريرُ ملككَ راسخُ الأركانِ ملكٌ عليهِ من الخلود سرادقٌ ... فخمٌ يهابُ جلاَلهُ الملَوان تهوي جبابرةُ الخطوبِ حيالهُ ... صرعى منكّسةً على الأذفانِ وترى الدهورَ إذا مررنَ بساحهِ ... فوضى الخُطى يعثرنَ بالحَدثانِ يدلفنَ من كبرٍ وفرط كهولةٍ ... وشبابُ مجدكَ دائمُ الرَّيعانِ تبني العقولُ وترفعُ الأيدي وما ... يسطيعُ شأوَكَ رافعٌ أو بانَ صدع الزلازلَ ما بنيتَ وهدَّها ... ما للزلازلِ بالبروجِ يدان أدركتَ أسرارَ الوجود وجُزتها ... ترتادُ أسرارَ الوجودِ الثاني تدنو فتبعدُ والمخاوف جمَّةٌ ... والحجبُ شتَّى والحتوفُ دوانِ تهتاج إن ومضت فإن هيَ أمسكتْ ... زادتكَ أشجاناً على أشجانِ صانعتَ شاردّها فقلنا عاشقٌ ... طربٌ يصانعُ شاردَ الغزلانِ وشكوتَ هاجرَها فقالوا كاشحٌ ... ظلموكَ! تلكَ سجيةُ الولهانِ

стр. 2060

جهلوا مرادَك , والعقولُ مراتب ... والناسُ بالألباب والأذهانِ أكبرت رزَء العقلِ حينَ رأيتهُ ... رهنَ العمى وغضبت للإنسانِ تجري الأُمورُ وليس يعلمُ كنهها ... وهو المراد بهذهِ الأكوانِ ويقالُ أعمى في الحياةِ وبعدَها ... والدينُ والدنيا لهُ عينانِ كلٌّ له ذكرى وكلٌّ عبرةٌ ... تجلو اليقينَ وصادقَ الإيمانِ فلئن حجبت عن الغيوبِ فإنها ... لله ذي الجبروتِ والسّلطانِ أعلى لكَ الغرُفاتِ يومَ لقيتَهُ ... وحباك ما تبغي من الرضوانِ فرأيتَ منزلَهُ العظيمَ وأجرهُ ... وحمدت عُقبى العلم والعرفانِ شغفت بكَ الدنيا تُريدك دامقاً ... وشغفت بالإِعراض والهجرانِ تجلو زخارفها فتُغمضُ دونها ... عينَ الحكيم وتنثني بأمانِ فتنت محاسنها العقولَ ولم تزل ... في حيرةٍ من عقلكَ الفتانِ صارمتها وكشفتَ عن سوآنها ... ليُفيقَ مختبلٌ ويقصرُ عانِ وصددت عن صلفِ الملوكِ وكبرهم ... متعالياً عن ذِلّةٍ وهوانِ أغناكَ عن آلائهم وهباتهم ... أنَفُ الشريفِ وعفّةُ المتغاني ورضيتَ بينكَ هازئاً بقصورهم ... وجليلِ ما رفعوا من البُنيانِ بيتٌ أناف على الكواكب رفعةً ... فدنا يمسّحُ ركنَهُ القمرانِ لم يحكهِ كيوانُ في عليائهِ! ... بيتُ الحكيمِ أجلُّ من كيوانِ لو رُدَّ كسرى أو تأخرَ عصرُهُ ... فأذنتَ , حجَّ إليكَ بالإيوانِ لو كنتما منّي بحيثُ أراكما ... لَلثمتُ تربَكما إذاً فشفاني فحمدتما في الظالمين ضراعتي ... ورفعتما في الخالدينَ مكاني

стр. 2061

خيرُ المناسك حلَّ حيث حللتما ... للناسكين وأنتما الحرَمانِ أوتيتَ من أخلاقِ ربِّكَ رحمةً ... لم يُؤتها بشر وفرطَ حنانِ أشفقتَ من وطءِ التراب على الأُلى ... غالَ الترابُ وكلُّ حيٍ فانِ يمشي الفتى يختالُ فوقَ رفاتهم ... جذلانَ فعلَ الشاربِ النشوانِ الجوُّ أرواحٌ تفيضُ وأنفسٌ ... والأرضُ من رمُمٍ ومن أكفانِ عفتَ الأذى ونهيتَ عن مكروههِ ... وأمرتَ بالمعروفِ والإحسانِ ورحمتَ حتى الوحشَ في فلواتها ... وحميتَ حتى الطيرَ في الأوكانِ ورثيتَ للشاكين من بلوائهم ... فحملتَ ما حملوا من الأحزانِ ومسحتَ دمعَ النائحاتِ معزياً ... فكففنَ عن نوحٍ وعن إرنان ونسينَ من هولِ الفجائع ما مضى ... وسلَونَ بعد تعذّر السلوان شرعٌ بعثتَ بهِ ودينٌ لم تقمْ ... فيهِ لغير الواحدِ الدّياّنِ بوركتَ في دينِ المسيح وأحمدٍ ... ومُدحتَ في الأنجيل والقرآن الشرقُ معتزٌ بفضلكَ معجَبٌ ... والغربُ مغتبطُ بذكرك هاني بإملاء بحكتكَ المسامعَ والنُهى ... واحكْم فما شيءٌ سوى الإذعانِ ما زلتَ من قبلِ المماتِ وبعدهِ ... شيخَ النُهى وحكيم كلّ زمانِ الأرضُ حافلةٌ كعهدِكَ بالأذى ... والناسُ فوضى والحياةُ أماني أحمد محرم

стр. 2062

ضرب زيدٌ عمراً مسكين زيدٌ وعمروٌ فإِنهما ما زالا منذ سيبوَيْه يتضاربان ويترافسان إكراماً لساداتنا النحاة. فتارةً يكون زيد ضارباً وطوراً يكون مضروباً. لي صدي من العلماء المستشرقين أنفق السنين الطوال في درس اللغة العربية والإطلاع على شواردها وضوابطها. دخلتُ عليهِ ذاتَ يوم فرأيتُ وجهه يطفح بشراً وهو يقول: الحمد لله! الحمد لله! فقلت: ما الخبر؟ فقال: لقد أخذ عمروٌ بثأره فقلت: وكيف ذلك؟ فأجاب: لقد أنفقتُ عشرين عاماً وأنا أدرس كتب النحاة وأطالع مؤلَّفات الأئِمَّة فلم أجد مثالاً للفاعل والمفعول إلاَّ قولهم ضرَب زيدٌ عمراً وقد عثرت الآن على مَثلٍ جديد وهو قولهم ضرب عمروٌ زيداً فالحمد لله لأن عمراً أخذ بثاره من زيد فضربهُ ولو مرَّة واحدة في الحياة في كلام هذا العالِم حكمةٌ سامية. فإن الشرقيين يتقاتلون ويتضاربون كتضارب زيدٌ وعمروٍ في كتب النحاة. وما ذلك المثال إلا دليل على الطباع والأخلاق. يبدأ الأوربي أجروميته بتصريف فعل أحبَّ. ويبدأ الشرقي

стр. 2063

أجروميته بتصريف فعل ضرب أو قتل. ذلك يتمرَّن على الحب وهذا يتمرَّن على الضرب والقتل. فيحق للأوربي والحالة هذه إذا أراد أن يتعلَّم الصرف العربي أن يتقلَّدَ سيفه وترسه اتقاءً شرّ المضاربات بين زيد وعمرو. رحم الله سيبويه! ما ضرَّهُ لو أنهُ أَبدل فعل ضرب بفعل أحبَّ أو غيره من الأفعال التي لا تضطرّ القارئ أن يحمل دروعه وأسلحته؟ ألم يكن في قاموس غير ذلك المثل الشؤوم؟ حقّاً لو أراد عمروٌ أن يتقاضى زيداً أمام المحاكم لظلَّ القضاة ينظرون لأمر لهما بمعالجة أربعين عاماً. ولو عددنا الجروح التي في رأس كل منهما لاحتجنا إلى جيش من الكتبة والحاسبين. ولو استشهدنا سيبويه ونفطوَيه لشهدا على كلٍّ منهما بالاعتداء على رفيقهِ. أفما كان الأجدر بقاضي الصلح أن يصلح بينهما ويعيد الأمن إلى نصابه بين عائليتهما حفظاً للراحة العمومية؟ في كتب النحو أمثلة أخرى تدل على طباعنا. من ذلك قولهم مات زيد وهو وايم الله لا يزال حيّاً يُرزق يضرب عمراً من جديد. وقد ازرَقَّ عمروً وعُقِر من شدَّة الضربات والرفسات. وزاد الطين بلَّةً أن جمعية الإسعاف أهملتهُ ولم تشفق عليهِ. فوا رحمتاه على عمرو! إنهُ لن يخلص من ضربات زيد ولو مات زيدٌ عشرين مرَّة في كتب النحاة.

стр. 2064

إذ لا تكاد تسمع نعيَّه حتى يعود إلى الحياة ويستأنف ضرب عمروٍ. فهو كالسنَّور له سبعة أرواح. ومن أمثلة النحاة أيضاً - أو بالحري علماء الصرف - قولهم: أحوَل وأعرج وأقطع إلى غير ذلك من الأمثلة التي لم تكن تبرح من فكر سيبويه. ولو جمعنا جميع أصحاب العاهات الذين أحيا النحاة ذكرهم لضاقت بهم الأرض والسماء. ولعلَّهم أُصيبوا بعاهاتهم من جرَّاء ضرب زيدٍ لعمروٍ وغيره. ومن البليَّة أيضاً قول ساداتنا النحاة إِن أمثال الأحوال والأعوَر والأعرج لا ينصرفون. فسيظلون يلازموننا إلى أن يقوم رجل أشدّ بطشاً من زيد , فيبطش بهم كما بطش هذا بعمروٍ , ويُريح تلاميذ المدارس منهم. سامحك الله يا سيبويه! ومن البليَّة أيضاً أنَّ النصب عند النحاة حالة من حالات الإعراب. ومثلها الخفض أيضاً. وقد يرفعون من لا يستحق أن يُصفع بالأحذية. فإذا قُلنا سرق زيدٌ مال عمرو قالوا يجب رفع زيد , لأنهُ ارتكب جناية فعل السرقة ويجب خفض عمرو , لأنهُ الشخص المسروق منهُ. ما شاء الله كان!. . . أيُرْفَعَ زيدٌ ويُعلَى شأنهُ لأنهُ سَرق , ويُخْفَض عمرو وتُداس حقوقه

стр. 2065

لأن زيداً سرَق منهُ؟ فيا لله من هذا الظلم والاستبداد! ألم يكن في وسع النحاة أن ينصفوا عمرواً ولو مرة وحدة في الحياة؟ حاشية - بمزيد السرور وعظيم الابتهاج وننعي إلى طلبة الصرف والنحو حضرة الشيخ عمرو , عدوّ زيد. وجار بكرو ونسيب نفطويه. انتقل من الديار الفانية بعد عمر قضاه في احتمال الضربات من عدوّه زيد وقد أسلم الروح فراح شهيد النحاة على أثر الجروح المميتة التي أُصيب بها على أُمّ رأسه. فانصرف مع أنهُ كان أعوَر. والتمست جمعية الشفقة على الحيوانات من عدوّه زيد أن لا يلحق به إلى دار الخلود. وسيُحتفل بتشييع جنازته من دار نفطويهَ إلى قبر سيبويه ليُدفَنَ معهُ وتستريح عظامه الموضوضة. وسيثنْقَش على ضريحهِ: ضرب زيدٌ عمرواً. . . سليم عبد الأحد حِكَم للإِمام علي من وَضَعَ نَفْسَهُ مواضِعَ التُّهمَة فَلاَ يلومَنَّ مَنْ أسَاءَ بهِ الظنَّ النَّاس أعْداءُ ما جَهلُوا آلَةُ الرّئاسَةِ سَعَةُ الصّدْرِ ما اختْلَفَتْ دَعْوَتَانِ إِلاّ كانَتْ إحْدَاهمَا ضَلاَلة مَنْ لَمْ الصّبرُ أهْلَكهُ الجَزَعُ

стр. 2066

فكاهة كان رجلٌ يكثرُ الطعامَ على العشاء , فإذا نام غطَّ غطيطاً هائلاً , وشخر شخيراً متواصلاً , فيقلق زوجتهُ , فتوقظهُ ليُغيّر ضجعتهُ ويريحها من غطيطه , فكان يغضب ويجادلها قائلاً: ما أنا غططتُ وشخرتُ , بل أنتِ فتصمتُ , وتصبرُ على مصيبتها حتى عيل صبرها وفارقها جلدها. فعمدتُ أخيراً إلى حيلةٍ تحجُّهُ بها , وتقنعْهُ عساهُ أن يُقَلّلَ من نهمتهِ , ولا يغطّ في نومهِ. فجاءَتهُ ذاتَ يومٍ , وبيدها الفونوغراف , وأدارتهُ وقالت: أتعلم ما هذا الصوت؟ فقال: هديرُ البعير , بل نهيقُ الحمير , لا بل قباعُ الخنزير , بل مواءُ السنانير , بل طنين الزنانير. وكان كلما أدارت مرّةً , غيَّر حكمهُ في الصوت؛ وهي تقول لا حتى ضاق صدره. فقال: قولي لي ما هو , وأريحيني , من هذه الأصوات المنكرة التي تملأُ الجسمَ رعدةً وقشعريرة. قالت: هذه أصواتُ شخيرِكَ التي صبرتُ عليها الأعوامَ , ولم تصبر عليها أنتَ لحظةً من الزمان. فقد وضعتُ الفونوغراف فوق رأسك وأنتَ نائمٌ , فدوَّنَ ما أنتَ سامع. فإِذا أيقظتُك بعد الآن , فاترك الحِجَاجَ والجدال , وارثِ لحالتي , واطلب إلى اللهِ أن يُصبّرني على مصيبتي. فسكتَ خجلاً , ثمَّ أطرقَ هُنيهة وقال: اثنان لا بّدَّ من تركها: النهمةُ على العشاء , ومجادلة النساءِ

стр. 2067

أزهار وأشواك اللغة والأسرة والحكومة في مصرَ اليومَ مسائل ثلاث تشغلُ الرأي العام: اللغةُ , والأُسرةً , والحكومة. لا يحسُنُ بي أن أدّعها تمرُّ دون أن أقول فيها كلمتي. سأضطرُّ على الإيجاز , ولن أُحاول استيعاب الموضوع , لأن كلَّ مسألة من هذه المسائل تُعَدُّ من العُقَدِ الاجتماعية التي لا يسهلُ حلُّها: باتَتْ لغتنا في حاجةٍ قصوى إلى الإصلاح , ولم يبقَ بالإمكان الجمود بها على ما كانت عليهِ حيال النهضة الحديثة التي بدَت طوالعُها. ولقد تنبَّه الخواطرُ إلى هذا الأمرِ على أثر المنشورات التي أصدرتها نظارةُ المعارف , فتراجع صداها في صحفنا اليومية , وتناولتها أقلام الكتَّاب بين منتقدٍ ومقرّظٍ. دار البحث أوَّلاً على مسألة الكتب المدرسية ووجوب ضبطها بالشكل لكي يعتاد التلاميذ منذ حداثة سنّهم , تقويمَ لسانهم وفصاحة نطقهم. ولا يخفي ما للشكل في اللغة العربية من الأهمية ليستقيم المعنى ويتمَّ المقصود؛ وكم من مرَّةً نقرأُ الجملةَ على صورةٍ معيَّنةٍ حتى إِذا ما وصلنا إلى آخرها وأحطنا بها , نجدُ أننا أسانا تلاوتها على نحو ما تلوناها أوَّلاً. فنردّد حينئذٍ ما كان يقول المرحوم قاسم أمين كلُّ لغةٍ تُقرَأُ لتُفْهَم , , إِلاَّ اللغة العربية , فإِنها تُفْهَم لتُقرأُ أُورِدُ مثلاً على ذلك جملةً قرأتُها في إِحدى المقالات التي كُتَبِتْ في هذا الموضوع , وهي حسن

стр. 2068

صرف المال في وجوه الخير فيمكنك أن تقرأها على وجوه مختلفةٍ لتجرُّدها من الحركات فتقول: ١ً - حَسَنق صَرْفُ المالِ في سبيل الخير , أي محمود ٢ً - حَسُنَ صَرْفُ المالِ في سبيل الخير , أي جَمُلَ ٣ً - حُسْنُ صَرْفِ المالِ في سبيل الخير , أي جمال ٤ً - حَسِّنٌ صَرْفَ المالِ في سبيل الخير , بمعنى الأمر ٥ً - حَسَنٌ صَرَفَ المالَ في سبيل الخير , أي سي حسن هو الذي صرف المال ٦ً - حَسَنُ! صَرّفِ المالِ في سبيل الخير , إذا ناديت حسناً وأمرتهُ ٧ً - حَسَنُ! صُرِفَ المالُ في سبيل الخير , إذا ناديت حسناً وأخبرتهُ عن صرف المال وفي هذا كفاية على أهمية الشكل في اللغة أما المسألةُ الثانيةُ فهي مسألة الأُسرة , دار عليها البحث بمناسبةِ الحربِ القلمية التي أثارها إِنشاءُ جمعيةٌ في مصر لتحرير المرأة , وخوض الكتَّاب في مسألة الحجاب والسفور. قال فريقٌ لا سبيل إلى إصلاح الأمَّة إلاَّ بإصلاح الأسرةِ , ولا تصلحُ الأسرة إلاَّ بصلاح المرأةِ , ولا تصلح المرأة إلاَّ إذا رفعت الحجاب واشتركت مع الرجل في الحياة ورافقتهُ في نزهاتهِ ورياضاتهِ بدلاً من أن يرتادَ الأندية العمومية فيجالس أساتذة السهر وفلاسفة اللهو والملذَّات.

стр. 2069

وقام فريقٌ ثانٍ بالويل والثبور , وعظائم الأمور , ويستنزل اللعنات على دُعاة السفور , صارخاً بهم يا لثارات الدين والقومية! مكانكم أيها السفهاء! فو اللهِ ما دعا دعاةٌ إلى شرِّ مما دعوتم , ولا تحركت الألسن بأسوأِ مما تحرَّكت بهِ ألسنتكم , ولا جرت الأقلام بأضرّ مما جرت بهِ أقلامكم , فليت ألسنتكم عُقِدَت , وأقلامكم قُصِفَتْ. هذا بعض ما اتحفنا بهِ الجرائد في هذا الموضوع. والغريب العجيب إن سيداتنا - وهنَّ موقداتُ نار هذه الحرب - لم يُبدينَ رأياً , ولا رفعنَ صوتاً , ساعة نرى أخواتهنَّ الغريبات في هذهِ الآونة يُزَاحمنَ الرجال , ويطالبهم بما يريد الرجال أن يُريحوهنَّ من متاعب هذه الحياة. أمَّا المسألةُ الثالثةُ التي شغلت صحافتنا وكانت موضوع أحاديثنا , فهي مباشرة الانتخابات للجمعية التشريعية التي حلّت محلّ مجلس شورى القوانين. لستُ أُريدُ الخوضَ في ما إِذا كان هذا التغيير يُعَدُّ تدرُّجاً نحو السلطة النيابية , فليس ذلك من شأني. وقد عرف القراءُ من جهةٍ ثانية نتيجة الانتخابات الأولية , وقرأوا البروجرامات السياسية التي عرضها المرشَّحون على الرأي العام , وسنعرف عن قريبٍ أسماء الذين يقرُّ قرارُ الأمة على انتخابهم لتمثيلها. إِنما الأمرُ الذي أسفنا لهُ , هو إِغضاءُ الكثيرين عن الانتفاع بحقّهم في الانتخاب. قرأَ الغيرُ , كما قرأتُ , خبرَ ملكِ إيطاليا وكيف أنهُ اشترك في الانتخاب إلى لمجلس النواب في بلادهِ منذ شهرٍ , فإنهُ ذهب بنفسهِ إلى دائرة الانتخاب التابع لها ورمى ورقتهُ في الصندوق كأحد أفراد رعيّتهِ. في هذا مثالٌ جميل , وقدوةٌ حسنة.

стр. 2070

مَنْ كَتَبَ سَوفَ يكتبُ يقولُ الإفرنج في أمثالهم من شَرِبَ سوف يشرب إِشارة إلى أن مُدْمِنَ الخمرة لن يُقلعَ عنها. ويصحُّ إِن نقولَ من كتبَ سوف يكتب بمعنى أنَّ مُدمِنَ الكتابةِ لن يكسرَ قَلَمهُ. والصحافة هي إِدمانُ الكتابة فمن زاولها مدَّةً , وذاقَ حلوها ومُرَّها لن يعرف أن يعيش بعيداً عنها. والأمثلة على ذلك كثيرة. عَلِمَ القرَّاءُ أن اسكندر أفندي شاهين الصحافي المعروف قد ودَّع الصحافة يوم غادر الديارَ المصرية قاصداً البلاد البرازيلية لتَعَاطي التجارة فيها , بعد أن خدم القلَمَ بأمانةٍ وإِخلاص مدَّةً ربع قرنٍ. وقد أقام لهُ يومئذٍ زملاؤُهُ حفلة لتوديعهِ , وتمنى عليهِ الكثيرون ألاَّ يهجر الكتابة هجراً تامّاً , لأنَّ لهُ في ميادينها جولاتٍ صادقة , وكنت بين المشتركين في الحفلة , فتبسَّمت لدى سماعي التعبير عن هذه الأمنية , لأنَّهُ كان قد بلغني أن الصديق اسكندر قد وَضَعَ في حقيبةِ سفرهِ كليشة حفرها في مصر باسمٍ جريدةٍ قد يُصدرها في البرازيل. ولم تلبث الأيام أن جعلت الظنَّ حقيقة , فقد حمل إلينا البريد منذ أسبوعين رزمةً من أميريكا الجنوبية , ففضضتها , وإذا فيها جريدةٌ يومية بثماني صفحات عنوانها أميركا وأبحاثها متنوّعة لذيذة , وعبارتها منسجمة طليّة , وهي لصاحبها ومحرّرها اسكندر شاهين. فأيقنتُ أنَّ من كتبَ سوف يكتب وتمنّيتُ لأميركا نجاحاً وخيراً كثيراً. حاصد
следующие страницы →