← Джавами‘

Джавами‘ · id 36534

مجلة «الزهور» المصرية

أنطون الجميل

Полный текст (2 201 стр.). Показаны 2066–2105 · переход к 2071.

стр. 2066

فكاهة كان رجلٌ يكثرُ الطعامَ على العشاء , فإذا نام غطَّ غطيطاً هائلاً , وشخر شخيراً متواصلاً , فيقلق زوجتهُ , فتوقظهُ ليُغيّر ضجعتهُ ويريحها من غطيطه , فكان يغضب ويجادلها قائلاً: ما أنا غططتُ وشخرتُ , بل أنتِ فتصمتُ , وتصبرُ على مصيبتها حتى عيل صبرها وفارقها جلدها. فعمدتُ أخيراً إلى حيلةٍ تحجُّهُ بها , وتقنعْهُ عساهُ أن يُقَلّلَ من نهمتهِ , ولا يغطّ في نومهِ. فجاءَتهُ ذاتَ يومٍ , وبيدها الفونوغراف , وأدارتهُ وقالت: أتعلم ما هذا الصوت؟ فقال: هديرُ البعير , بل نهيقُ الحمير , لا بل قباعُ الخنزير , بل مواءُ السنانير , بل طنين الزنانير. وكان كلما أدارت مرّةً , غيَّر حكمهُ في الصوت؛ وهي تقول لا حتى ضاق صدره. فقال: قولي لي ما هو , وأريحيني , من هذه الأصوات المنكرة التي تملأُ الجسمَ رعدةً وقشعريرة. قالت: هذه أصواتُ شخيرِكَ التي صبرتُ عليها الأعوامَ , ولم تصبر عليها أنتَ لحظةً من الزمان. فقد وضعتُ الفونوغراف فوق رأسك وأنتَ نائمٌ , فدوَّنَ ما أنتَ سامع. فإِذا أيقظتُك بعد الآن , فاترك الحِجَاجَ والجدال , وارثِ لحالتي , واطلب إلى اللهِ أن يُصبّرني على مصيبتي. فسكتَ خجلاً , ثمَّ أطرقَ هُنيهة وقال: اثنان لا بّدَّ من تركها: النهمةُ على العشاء , ومجادلة النساءِ

стр. 2067

أزهار وأشواك اللغة والأسرة والحكومة في مصرَ اليومَ مسائل ثلاث تشغلُ الرأي العام: اللغةُ , والأُسرةً , والحكومة. لا يحسُنُ بي أن أدّعها تمرُّ دون أن أقول فيها كلمتي. سأضطرُّ على الإيجاز , ولن أُحاول استيعاب الموضوع , لأن كلَّ مسألة من هذه المسائل تُعَدُّ من العُقَدِ الاجتماعية التي لا يسهلُ حلُّها: باتَتْ لغتنا في حاجةٍ قصوى إلى الإصلاح , ولم يبقَ بالإمكان الجمود بها على ما كانت عليهِ حيال النهضة الحديثة التي بدَت طوالعُها. ولقد تنبَّه الخواطرُ إلى هذا الأمرِ على أثر المنشورات التي أصدرتها نظارةُ المعارف , فتراجع صداها في صحفنا اليومية , وتناولتها أقلام الكتَّاب بين منتقدٍ ومقرّظٍ. دار البحث أوَّلاً على مسألة الكتب المدرسية ووجوب ضبطها بالشكل لكي يعتاد التلاميذ منذ حداثة سنّهم , تقويمَ لسانهم وفصاحة نطقهم. ولا يخفي ما للشكل في اللغة العربية من الأهمية ليستقيم المعنى ويتمَّ المقصود؛ وكم من مرَّةً نقرأُ الجملةَ على صورةٍ معيَّنةٍ حتى إِذا ما وصلنا إلى آخرها وأحطنا بها , نجدُ أننا أسانا تلاوتها على نحو ما تلوناها أوَّلاً. فنردّد حينئذٍ ما كان يقول المرحوم قاسم أمين كلُّ لغةٍ تُقرَأُ لتُفْهَم , , إِلاَّ اللغة العربية , فإِنها تُفْهَم لتُقرأُ أُورِدُ مثلاً على ذلك جملةً قرأتُها في إِحدى المقالات التي كُتَبِتْ في هذا الموضوع , وهي حسن

стр. 2068

صرف المال في وجوه الخير فيمكنك أن تقرأها على وجوه مختلفةٍ لتجرُّدها من الحركات فتقول: ١ً - حَسَنق صَرْفُ المالِ في سبيل الخير , أي محمود ٢ً - حَسُنَ صَرْفُ المالِ في سبيل الخير , أي جَمُلَ ٣ً - حُسْنُ صَرْفِ المالِ في سبيل الخير , أي جمال ٤ً - حَسِّنٌ صَرْفَ المالِ في سبيل الخير , بمعنى الأمر ٥ً - حَسَنٌ صَرَفَ المالَ في سبيل الخير , أي سي حسن هو الذي صرف المال ٦ً - حَسَنُ! صَرّفِ المالِ في سبيل الخير , إذا ناديت حسناً وأمرتهُ ٧ً - حَسَنُ! صُرِفَ المالُ في سبيل الخير , إذا ناديت حسناً وأخبرتهُ عن صرف المال وفي هذا كفاية على أهمية الشكل في اللغة أما المسألةُ الثانيةُ فهي مسألة الأُسرة , دار عليها البحث بمناسبةِ الحربِ القلمية التي أثارها إِنشاءُ جمعيةٌ في مصر لتحرير المرأة , وخوض الكتَّاب في مسألة الحجاب والسفور. قال فريقٌ لا سبيل إلى إصلاح الأمَّة إلاَّ بإصلاح الأسرةِ , ولا تصلحُ الأسرة إلاَّ بصلاح المرأةِ , ولا تصلح المرأة إلاَّ إذا رفعت الحجاب واشتركت مع الرجل في الحياة ورافقتهُ في نزهاتهِ ورياضاتهِ بدلاً من أن يرتادَ الأندية العمومية فيجالس أساتذة السهر وفلاسفة اللهو والملذَّات.

стр. 2069

وقام فريقٌ ثانٍ بالويل والثبور , وعظائم الأمور , ويستنزل اللعنات على دُعاة السفور , صارخاً بهم يا لثارات الدين والقومية! مكانكم أيها السفهاء! فو اللهِ ما دعا دعاةٌ إلى شرِّ مما دعوتم , ولا تحركت الألسن بأسوأِ مما تحرَّكت بهِ ألسنتكم , ولا جرت الأقلام بأضرّ مما جرت بهِ أقلامكم , فليت ألسنتكم عُقِدَت , وأقلامكم قُصِفَتْ. هذا بعض ما اتحفنا بهِ الجرائد في هذا الموضوع. والغريب العجيب إن سيداتنا - وهنَّ موقداتُ نار هذه الحرب - لم يُبدينَ رأياً , ولا رفعنَ صوتاً , ساعة نرى أخواتهنَّ الغريبات في هذهِ الآونة يُزَاحمنَ الرجال , ويطالبهم بما يريد الرجال أن يُريحوهنَّ من متاعب هذه الحياة. أمَّا المسألةُ الثالثةُ التي شغلت صحافتنا وكانت موضوع أحاديثنا , فهي مباشرة الانتخابات للجمعية التشريعية التي حلّت محلّ مجلس شورى القوانين. لستُ أُريدُ الخوضَ في ما إِذا كان هذا التغيير يُعَدُّ تدرُّجاً نحو السلطة النيابية , فليس ذلك من شأني. وقد عرف القراءُ من جهةٍ ثانية نتيجة الانتخابات الأولية , وقرأوا البروجرامات السياسية التي عرضها المرشَّحون على الرأي العام , وسنعرف عن قريبٍ أسماء الذين يقرُّ قرارُ الأمة على انتخابهم لتمثيلها. إِنما الأمرُ الذي أسفنا لهُ , هو إِغضاءُ الكثيرين عن الانتفاع بحقّهم في الانتخاب. قرأَ الغيرُ , كما قرأتُ , خبرَ ملكِ إيطاليا وكيف أنهُ اشترك في الانتخاب إلى لمجلس النواب في بلادهِ منذ شهرٍ , فإنهُ ذهب بنفسهِ إلى دائرة الانتخاب التابع لها ورمى ورقتهُ في الصندوق كأحد أفراد رعيّتهِ. في هذا مثالٌ جميل , وقدوةٌ حسنة.

стр. 2070

مَنْ كَتَبَ سَوفَ يكتبُ يقولُ الإفرنج في أمثالهم من شَرِبَ سوف يشرب إِشارة إلى أن مُدْمِنَ الخمرة لن يُقلعَ عنها. ويصحُّ إِن نقولَ من كتبَ سوف يكتب بمعنى أنَّ مُدمِنَ الكتابةِ لن يكسرَ قَلَمهُ. والصحافة هي إِدمانُ الكتابة فمن زاولها مدَّةً , وذاقَ حلوها ومُرَّها لن يعرف أن يعيش بعيداً عنها. والأمثلة على ذلك كثيرة. عَلِمَ القرَّاءُ أن اسكندر أفندي شاهين الصحافي المعروف قد ودَّع الصحافة يوم غادر الديارَ المصرية قاصداً البلاد البرازيلية لتَعَاطي التجارة فيها , بعد أن خدم القلَمَ بأمانةٍ وإِخلاص مدَّةً ربع قرنٍ. وقد أقام لهُ يومئذٍ زملاؤُهُ حفلة لتوديعهِ , وتمنى عليهِ الكثيرون ألاَّ يهجر الكتابة هجراً تامّاً , لأنَّ لهُ في ميادينها جولاتٍ صادقة , وكنت بين المشتركين في الحفلة , فتبسَّمت لدى سماعي التعبير عن هذه الأمنية , لأنَّهُ كان قد بلغني أن الصديق اسكندر قد وَضَعَ في حقيبةِ سفرهِ كليشة حفرها في مصر باسمٍ جريدةٍ قد يُصدرها في البرازيل. ولم تلبث الأيام أن جعلت الظنَّ حقيقة , فقد حمل إلينا البريد منذ أسبوعين رزمةً من أميريكا الجنوبية , ففضضتها , وإذا فيها جريدةٌ يومية بثماني صفحات عنوانها أميركا وأبحاثها متنوّعة لذيذة , وعبارتها منسجمة طليّة , وهي لصاحبها ومحرّرها اسكندر شاهين. فأيقنتُ أنَّ من كتبَ سوف يكتب وتمنّيتُ لأميركا نجاحاً وخيراً كثيراً. حاصد

стр. 2071

ثمرات المطابع مصر الجديدة - لم يبقَ أحدٌ في مصر لم يسمع باسم رواية مصر الجديدة أو لم يقرا عنها شيئاً في الصحف اليومية , إِذا لم يكن قد توفَّق إلى حضورها. وهي الرواية التمثيلية التي وضعها الكاتب المعروف فرح أفندي أنطون منشئ الجامعة ورئيس تحرير المحروسة الغراء , وقد مثّلها جوق أبيض في الأوبرا خلال الشتاءِ الماضي , فكان الإِقبالُ عليها عظيماً. جاءَتنا هذه الرواية مطبوعةً فطالعناها بلذةٍ لا تقلُّ عن لذّة مشاهدتها على المسرح لما تضمنتهُ من الآراءِ الاجتماعية والعظات البليغة والأبحاث النفسية في أحوال الشرقِ عموماً , وحالة مصر على الخصوص , بقالبٍ روائي لطيف. الأمراض المعدية - للدكتور العالم الفاضل عزتلو محمد عبد الحميد بك طبيب مستشفى قليوب فضل لا ينكر على اللغة العربية؛ فقد وضع بها أكثر من أربعة عشر مؤلفاً في الطبّ كانت خلواً منها؛ وأتحفتها اليوم بكتابٍ نفيس في الأَمراض المعدية فجاءَ حلقة جديدة في السلسلة الذهبية التي صاغها من قبل. وفي هذا المؤَلف أبحاث مفيدة جدّاً في الأمراض التي تنتقل من المريض إلى السليم بواسطة الهواء أو الماء أو الحشرات أو الطعام أو الشراب أو الملامسة وفي طريق الوقاية منها مما يحسن بكل

стр. 2072

قارئٍ أن يقف عليهِ ويستفيد منهُ. أننا نتمنى أن يكون في كلّ بيت مكتبة وأن تزدان كلّ مكتبة بمؤلفات هذا النطاسي الفاضل. تقويم البشير - هو أوفي تقويمٍ يصدرُ باللغة العربية من حيث الإتقان ودقة المعلومات وتنوّع الأبحاث وضعهُ حضرة العالم الفاضل الأَب لويس معلوف مدير جريدة البشير وصاحب قاموس المُنجِد وضِمنَّهُ كلّ ما يُقال عن تواريخ السنة مع فوائد كثيرة في الجغرافية والتاريخ والمالية والفلك والصحة وآداب اللغة. ويزيد هذا التقويم إتقاناً سنةً فسنةً , حتى يصحَّ أن يقال إِنهُ يتدرّجُ شيئاً فشيئاً ليكون في اللغة العربية كتقويم هاشت في اللغة الفرنسوية. النظرات - هو مجموع المقالاتِ الشائقة , والنبذُ المستملحة التي نسج بردها , ووشى طرازها الأديبُ مصطفى لطفي المنفلوطي وقد نشرنا رأينا في الكتاب وصاحبهِ الزهور مجلّد ١ ص ٨٠ , وفي يدِنا الآن الطبعة الثانية من هذا السفر النفيس. نهنئ المؤلّف برواج كتابهِ وإِقبال الجمهور عليهِ. ملخص التاريخ القديم - كتيّبٌ صغير جمع في صفحاته ملخّص تاريخ المصريين والفينيقين واليونان والرومانيين والقرطاجنيين والفتوحات الإِسلامية والحروب الصليبية والدولة التركية , كل ذلك بعبارةٍ رشيقة وأَسلوبٍ جميل يدلُّ على براعةِ المؤلّف المتستّر.

стр. 2073

تاريخ حرَبي البلقان - للكاتب السياسي البليغ يوسف أفندي البستاني نظرات دقيقة في السياسية وفد أكسبهُ طول عهده بالصحافة إطلاعاً واسعاً , وخبرةً تامة. فلما شبَّت الحرب البلقانية شرع يتتبَّع حوادثها , ويستقصي أخبارها من أصدق الموارد ويدرس باعتناءٍ كلَّ م يقولهُ كتَّاب أوروبا فيها حتى وقف على دقائقها وتفهَّم أسرارها. فأخذ حينئذٍ بكتابة تاريخ لها جامعٍ لأسبابها ووقائعها ونتائجها , فجاءَ كتابهُ في أكثر من ثلاثمائة صفحة حافلة بكل الفوائد التي تقتضيها كتابة التواريخ ومحتويه على خريطتين ونو أربعين رسماً. فنلفت الأنظار إلى هذا الكتاب المفيد. ولعلَّنا أن نعودّ إلى الكلام عنهُ في جزء قادم لإِيفائهِ حقَّهُ. كيف ينهض العَرَب - عنوان رسالةٍ وضعها الأديب عمر أفندي الفاخوري ضمَّنها شذرةً تاريخية في عوامل نهوض العرب وأسباب سقوطهم , ودعا قومه إلى شدّ أواصر العنصرية العربية واعتناق هذا المذهب السياسي دون نظرٍ إلى معتقدهم الديني , وقد بيَّن أن العَرَب لا ينهضون إِلاَّ إذا أصبحت العربية , أو المبدأُ العربي , ديانةً لهم يغارون عليها كما يَغارُ المسلمون على قرآنِ النبي الكريم , والمسيحيّون على إنجيل المسيحِ الرحيم الخ هذه الفكرة يسعى إلى تعميمها فريقٌ من أنصار الإصلاح في البلاد العثمانية , وقد بدأ بصيصُ نورِها يلمَعُ من أنحاء مختلفة.

стр. 2074

بين اليمن والشام - عنوان قصيدةٍ غرّاء من نوع الشعر القصصي نظم عقدها حضرة الشاعر الكبير شبلي بك ملاَّط مندوب أُدباءِ سوريا في حفلة تكريم خليل أفندي مطران. وهي قصَّة غرام حدثت وقائعها في عهد لخلفاء الأمويين فسبكها حضرتُهُ بقالبٍ سهل المأخذ رصين التركيب وطبعتها جريدة المراقب الغراء في بيروت. مفكّرة المعارف - صدرت هذه المفكرة الشهيرة لسنة ١٩١٤ وهي صغيرة الحجم كبيرة الفائدة وتمتاز عن غيرها بما أُضيف إليها من الآيات والأمثال الحكيمة في ذيل كل صفحة وتاريخ أشهَر الاختراعات والاكتشافات وضبط الأعياد الدينية والمدنية. وهي مطبوعة على ورق جيّد ومجلَّدَة تجليداً متقناً وثمنها أربعة غروش صاغ وتُطلَبُ من جميع المكتبات في مصر. مجلة فرعون - توفيق أفندي حبيب من أعرفِ الكتَّاب بشؤون مصر وحوادثها الخصوصية , يعرف منها كثيراً ويروي ما يعرف بأسلوبٍ خفيف يلذّ القارئ ويُسلّي المطالع. وقد أعاد في هذه الآونة أصادر مجلتهِ فرعون التي وقفها على البحث في أحوال الطائفة القبطية وشؤونها الاجتماعية. فنتمنى لها رواجاً رفيعاً في عالم الأدب.

стр. 2075

العدد ٣٩ - بتاريخ: ١ - ١٢ - ١٩١٣ الأوقاف في القطر المصري تاريخها ونظامها وناظرها الجديد أُنشئَ ديوان الأوقاف لأوَّل مرَّةٍ على عهد المغفور لهُ محمد علي باشا الكبير جدّ الأسرة الخديوية بموجب الأمر الصادر سنة ١٢٥١هـ=١٨٣٥ م وما لبث أن صدر أمرٌ بإلغائه بعد ثلاث سنوات. ثمَّ أُلِّفَ للمرَّة الثانية في ١١ رجب سنة ١٢٦٧ هـ=١٨٥١م بناءً على قرار المجلس الخصوصي الذي صدر بأمر المرحوم عباس باشا الأوَّل. وكان هذا القرار يشتمل على عشر موادّ , خلاصتُها: أن يُطلبَ من نظَّار الأوقاف الخيرية بيانٌ عن أعيان الأوقاف الجارية في نظارتهم وما يتجمَّع من إِيرادها ووجوه إِنفاقها , وما يفضلُ بعد ذلك منها لمراجعتها. وأُطلِقَ على ذلك اسم المحاسبات؛ وأن يكونَ النظَّارُ مسؤولين عما يحدثُ من العجز في الأعيان , وأن يُحالَ

стр. 2076

أمرُ من يُخالِفُ منهم شرطَ الواقفِ إلى المحكمة الشرعية , حتى إذا ثبتَ للقاضي اختلاسهُ , عزلهُ وولىّ بدلاً منهُ؛ وأن تتكفَّل الحكومة بنفقات الديوان من ماهيَّات المستخدمين وغيرها , لأنَّ شرطَ الواقفين يقضي بأن لا يُنفَقَ شيءٌ في أي وجهٍ كان ممَّا لن يُعيِّنهُ الواقفُ واستمرَّ الديوانُ في مراجعة المحاسبات الواردة من نظَّار الأُوقاف لغاية سنة ١٢٧٥ هـ=١٨٥٨ م إِذ أحيل إليه بعضُ أوقافٍ ذات إِيراد فقضت الحاجةُ حينذاك بإِنشاءِ خزانةٍ خاصَّةٍ بهِ. وفي السنة التالية صدَر قرارٌ آخرُ على عهد المرحوم محمد سعيد باشا يقضي بأن يُنفَقَ من خزانة الأوقاف ماهيَّات المستخدمين مباشرةً , وأن تُسدِّدَ المالية للديوان قيمة ما يُنفقُهُ في هذا الباب. وفي سنة ١٢٧٧ هـ=١٨٦٠ م صدرَ أمرق عالٍ جاءَ فيهِ: أنَّ نفقاتِ الديون تبلغ ٤٧٧٠٢ قرشاً يؤدّي ديوانُ الأوقاف منها ١٩٢٣٤ قرشاً ونصف قرش مما يخصصه على إيرادات الأوقاف التي يبلغ إيرادها ٩٨٨٩٦ قرشاً , وتدفع خزانةِ الحكومة الباقي. ثمَّ صدر ثالث سنة ١٢٨٠ هـ=١٨٦٣ م على عهد المرحوم إسماعيل باشا خديوي مصر السبق متوَّجاً بأمرٍ عالٍ يقضي بأن يُنِفقَ الديوانُ في ما هيَّات مستخدميهِ مبلغ ٢٠٤٧٠ قرشاً , وأن تُنِفقَ الحكومةُ مبلغ ٢٠٣٥٠ قرشاً. وباشر الديوان صرف الماهيَّات من خزانتهِ , ووضعها ضمن النفقات التي خصَّصها على إيرادات الأوقاف. ومن هذا العهد أخذ ديوان الأوقاف ينمو ويزداد في الارتقاءِ , لأن

стр. 2077

أوقافاً كثيرة من مصر والأقاليم أُحيلت إليهِ , وذلك بعد صدور الفتوى الشرعية بأنَّ كلَّ ناظرِ وقفٍ يموتُ أو يختلسُ يُحال ما تحتَ يدهِ من الوقف إلى الديوان. وأول ما اتّصل بهِ من هذا القبيل ما كان من الوقف تحت إِدارة ذنون آغا دار السعادة بأمرٍ من الخديوي إسماعيل باشا سنة ١٢٨٠ هـ=١٨٦٨ م وفي السنة نفسها أُضيفت إلى الديوان أوقاف الحرَمين بعد أن كان لها ديوانٌ خاصّ تحت نظارة المرحوم إبراهيم أدهم باشا. وما زالت الأوقافُ تُحال إلى الديوانِ وقفاً بعد وقف حتى أربت على المئة وقفٍ في سنة ١٢٨٩ هـ=١٨٧٣ م. وفي تلك السنة صَدَرَ أمرق عالٍ بانتخاب خمسين شخصاً من نجباءِ الطلبةِ , من سنّ العشرين إلى الثلاثين , بعد امتحانهم ليكونوا معلّمين للغّة العربية والتركية في المدارس الأهلية , وأن يُعيَّنَ لكلّ منهم مدَّة التعليم مئةُ قرشٍ شهريّاً. وكان ذلك أولَ ما درج بهِ ديوانُ الأوقاف من الأعمالِ الخيرية في المنفعةِ العامَّةِ. ولما اتسعت دائرة أعمالِ الديوان , وأصبح مصلحةٍ مهمَّةً ذات أقلام عديدة رأى أُلو الأمر أَن يحوّلوهُ إلى نظارةٍ سنة ١٢٩٦ هـ=١٨٧٩م , وعُيّن محمود سامي باشا البارودي المشهور ناظراً للأوقاف في وزارة رياض باشا. وهكذا جُعِل ديوان الأوقاف لأوَّل مرَّة نظارةً من نظارات الحكومة كما جُعِل الآن. ثمَّ صدر أمرٌ عال في ٢٣ يناير سنة ١٨٨٤ بإعادة نظارة الأوقاف

стр. 2078

مصلحة قائمةً بنفسها. ومفادُ ذلك الأمر أنهُ من الواجب أن تكونَ الأحكام المختصَّة بمسائل الأوقاف مطابقةً للأحكام الشرعية , فلا ارتباطَ لها بالنظارات الموكول إليها النظر في الأمور الإِدارية والسياسية؛ ولذلك اقتضت الإرادة جعلها إِدارة قائمةً بذاتها وأن تكون الأوامر التي تصدرُ بشأنها من الجناب العالي مباشرةً. وفي سنة ١٨٩٥ وُضِعت لديوانِ الأوقاف لائحةٌ يجري عليها ويرتبطُ بقيودها , وقضت تلك اللائحةِ بوضعِ ميزانية منتظمة على الطريقة التي تسير عليها الحكومة في ميزانيتها. ولمَّا أخذت المالية في مباشرة هذا الأمر وجدت أمامها عقبةً حائلةً دون الوصولِ إلى الغرَض , وهي أنهُ كان في ديوان الأرقافِ حسابٌ خاصٌّ بكل وقفٍ , فكانت الطريقة الحسابية عبارةً عن حساباتٍ متعدّدةٍ بقدر عدد الأوقاف التي تحت إِدارتهِ , وكان لا يستطيعُ وفاءَ ما يطهرُ من العجزِ في إِيرادات الأوقافِ الفقيرة بأخذهِ عن زيادة إِيرادات الأوقاف الغنية. فصدر أمرُ مجلس النظَّار بتعيين لجنةٍ من العلماءِ لدرس المسألة وتوحيد الحسابات. وصدرت الإِرادة السنية سنة ١٨٩٦ بإتّباع الطريقة التي أفتى بها العلماءُ , وهي أنَّ الأوقافَ الخيريةَ تنقسمُ أقساماً بحسب وجوهِ إِنفاقها , وأنَّ ما يزيدُ في إِيرادات تلك الأقسام عن نفقاتها بعد وفاءِ ما يظهرُ من العجزِ في أيّ قسمٍ من أقسامها يتكوَّن منهُ مالٌ احتياطي لا يمكن التصرُّف فيهِ إلاَّ بأمرٍ عالٍ يصدرُ بناءً على طلب مدير الأوقاف بعد أخذ رأي مجلس الإدارة أو المجلس الأعلى حسب الحال.

стр. 2079

وقد اسثنيت من ذلك أوقاف الحرَمين. وبناءً على المادَّة ٥٧ من اللائحة , انتدبت نظارة المالية حضرة جورج بك طلاماس لمراجعة حسابات الديوان , فوُضعت نماذج الدفاتر والاستمارات للأعمال الحسابية بالاتفاقِ بين المندوب ورجال الديوان. وقد نصَّت اللائحة الصادر بها الأمر العالي المؤرَّخ في ١٣ يوليو سنة ١٨٩٥ على اختصاص الديوان بما يأتي: ١ً - إِدارة الأوقاف التي تؤول إلى الخيرات وليس النظر مشروطاً فيها لأحد ٢ً - إِدارة الأوقاف التي لا يُعلَمُ لها جهة استحقاق ٣ً - إِدارة الأوقاف التي ترى المحاكم الشرعية وجوب إِحالتها إلى الديوان مؤقتاً بضمّ مديرِهِ ناظراَ مع ناظر الوقف ٤ً - إِدارة الأوقاف التي يُقامُ الديوان حارساً قضائياً عليها ٥ً - إِدارة الأوقاف التي يَرغبُ نظَّارها ومستقوها في إِحالتها إلى الديوان من تلقاءِ أنفسهم. أمَّا الوظيفة الدينية والأدبية التي يُؤدَّيها ديوان الأوقاف فِإِنَّهُ يُقيم الشعائر الدينية في المساجد , ويُنفِّذُ شروطَ الواقفين في وجوهِ البرّ التي عيَّنوها , ويبذلُ المساعدةَ على نشر التعليم بالمدارس والكتاتيب والمعاهد العلمية , ويُديرُ ملاجئ أُنشئت للعجزةِ والبائسين , ومستشفيات وعيادات طبية مفتوحة للفقراءِ مجاناً , ويمدُّ بالمرتبات السنوية عدَّةَ جمعياتٍ خيرية ومدارس صناعية , ويتولَّى بالصدقات الشهرية مؤاساة كثيرين

стр. 2080

من أهل البيوت ذوي الخصاصةِ ممن أخنى عليهم الدهرُ بصروفهِ , وتصدَّقُ أيضاً على الفقراءِ وأبناءِ السبيل في أيام المواسم والأعياد. أمَّا إِيراداتُ الأوقاف فقد بلغت في سنة ١٩٠٢ - ٢٤٦٠٠٠ جنيه مصري , وبلغت في العام الماضي ٥١١. ١٠٠ جنيه , فتكون الزيادة في مدة عشر سنوات ٢٦٥. ١٠٠ جنيه. وقد زادت أيضاً النفقات تبعاً لنموِّ الإِيرادات , فإِنها كانت منذ عشر سنوات ٢٠٩. ٣٦٢ جنيهاً فبلغت في العام الغابر ٤٨٠. ٨٠٥ جنيهات ويُدير ديوانُ الأوقاف ١٤٣٥ مسجداً في القطر المصري , منها ٥٣٠ مسجداً في مدينة القاهرة وحدها. ويبلغ عدد خَدَمةِ هذه المساجد ٨٠٤٧ بين مشايخ ومدرّسين وأئمة وخطباء ومؤذّنين وميقاتيين وقرَّاء وملاحظين. أمَّا المعاهد العلمية الدينية التي يُنفق عليها الديوان فهي الجمع الأزهر ومشيخة علماء الإسكندرية ومشيخة الجامع الأحمدي ومشيخة الجامع لدسوقي ومشيخة علماء دمياط , فيها ٦٤٠عالماً ونحو ٢٠. ٥٠٠ طالب.

стр. 2081

ويتبع ديوان الأوقاف ١٥١ مكتباً محالة إدارتها إلى نظارة المعارف العمومية مقابل مبلغ ٢٤. ٦٧٧ جنيهاً يدفعهُ الديوان للنظارة. ويصرف أيضاً مبلغ ١٥٠٠ جنيه بصفة إعانات لمدارس يُراقب إِدارتها , هذا عدا الإعانات المخصَّصة لبعض المدارس الأهلية. وللأوقاف ١١ مستشفى وعيادةً طبية يُنفق عليها في السنة نحواً من ١٧٠٠٠ جنيه , وهي مستشفى الجذام ومستشفى الأزهر ومستشفى قلاون , وعيادات المنشية ومصر القديمة وبولاق وطنطا والإسكندرية والبعثة الطيبة الحجازية ومخزن الأدوية العمومي والمستشفى العبَّاسي. ويُدير الديوان من التكايا والملاجئ: تكية المدينة المنوَّرة , ومكة المكرّمة , وطره في مصر , وتكية النساء في مصر أيضاً , والقباري في الإسكندرية , وملجأ الأطفال في مصر , ويبلغ ما يُنفقهُ عليها في السنة ٢٢٠٠٠ جنيه تقريباً , وعدد الفقراء والمعوزين الذين يقيمون فيها أو تُصرف لهم الأغذية منها ٢٤٥. وتبلغ الإِعانات التي يمنحها في السنة للمدارس والجمعيات الخيرية حوالي ١٣٥٠٠ جنيه , منها ٥٠٠٠ جنيه للجامعة المصرية , و ١٠٠٠ لجمعية رعاية الأطفال , و٢٠٠٠ لملجأِ الأيتام بالإسكندرية , و ١٠٠٠ لمدارس الجمعية الخيرية الإسلامية , و ٥٠٠ للكتبخانة و ٥٠ لجمعية الرفق بالحيوان. الخ. ويُدير ديون الأوقاف , غير الأوقاف الخيرية وأوقاف الحرَمين الشريفين , أوقافاً أهلية تُحال إليهِ , بعد تقريره في النظر عليها من قَبِل القضاة الشرعيين. وتبلغ هذه الأوقاف ٤٦٥ وقفاً , يأخذُ الديوان من

стр. 2082

مواردها ١٠ في المئة رسم إِدارة بموجب لائحة الإِجراءَات ويُديرها كما يدير الأوقاف الخيرية سواء بسواءٍ. هذا ما يسمحُ المقام يذكرهِ عن ديوان الأوقاف الذي صدرت الإِرادة السنية في الشهر الغابر بتحويلهِ إلى نظارةٍ من نظارات الحكومة يرأسها الوزيرُ الهمام المدبّر أحمد حشمت باشا ناظر المعارف السابق. ويرى القارئ ممَّا تقدّم أن المجالَ واسعٌ لرجلٍ كحشمت باشا أن يسير بالأوقاف على المنهاج الذي سار بهِ في المعارف , فإنهُ بعث أثناءَ السنوات القلائل التي قضاها في تلك النظارة روحاً جديدة في اللغة العربية بتنشيطهِ التأليف في هذه اللغة , وتوسيع التعليم بها , وبتقريبه كتَّابها وأُدباءَها وشملهم برعايتهِ وتزويدهم بإرشاد ونصائحه , فرأينا نهضة حقيقية للتأليف في فروع العلوم والآداب كافةً , ولا شكَّ في أن تاريخ النهضة الحديثة في الآداب العربية سوف لا ينفكُّ مقروناً باسم حشمت باشا. والآمال معقودة الآن على همة هذا الوزير العامل بأنهُ سينهض بالأوقاف ويزيدُ في نموّها ومنفعتها إِداريّاً وأدبيّاً , فنرى لهُ فيها من المآثر ما رأينا لهُ في المعارف , فلا يُلاقي غداً إلاّ ما لاقاهُ بالأمس من الثناء على همتهِ البعيدة , وإِطراءِ إِدارته الرشيدة.

стр. 2083

رحلة صيف ذهبتُ إلى الإسكندرية , وفي تقديري أن أقضيَ ثمَّتَ يومين , وفي تقدير الله أن أقضيَ شهرين. فما هو إِلاَّ أن خَلَت ليلةٌ حتى باغتَني داءٌ , فضرب وأثقل , ثم تمكَّن فأعضل , ثم أناخَ بكلكل. فلمَّا صوتُ بعد أيام من سكرتهِ , ونجوتُ من مضطرَب غمرتِه , نهضتُ ببقية الجسم الباقية , كما تُلبس الخرقة البالية , وعرضتُ نفسي على الباخرة , فالباخرةُ تحملني إِمَّا إلى الشرق وإِما إلى الغرب. فقيل: مكانك يا هذا الخيال! إِنّ الباخرةَ لا تستقلُّ بك في زمن وباءٍ , وقد تستقلُّ بأشباه الجبال. قال الطبيب: فعليك بالمكس! حَسُنَ هواؤها , وجلَّ رواؤها. فقصدتُ المكس وما أدراك ما هي الآن. هي إِحدى ضواحي الإسكندرية , قليلةُ المساكن حقيرتها , تمتدُّ سلسلة أبنيتها مستطيلةً بين شاطئِ البحر والرمل. الهواءُ فيها جافٌّ نقيٌّ عاصف , والبحرُ شديد الخفوق لا يملُّ من مداعبة الصخور بمثل خشونة الضواري في تداعبُها. والمنظر على الجملة بديعٌ في مطلع الشمس وفي مغربها؛ وللشمس فيها تجلّياتٌ باهرةٌ خلالَ الغمام , وللغمام تشكُّلٌ وتلوُّن فاتنان , وللأُفق تأنُّقٌ عجيبٌ في ترتيبِ قدر المنطقة التي يتحزَّم بها وإبرازها في أبدع زينةٍ بين الورديّ فالبنفسجيّ فالفستقيّ فالزمرديّ فاللازورديّ

стр. 2084

فالسنجابيّ , فما بينها من الألوان التي تُلطِف اجتماعها وتزيدها بهاءً على التنويع. ومن محاسنِ المكس أنَّ الحكومةَ مهملتُها , فهي من أجل هذا لم تزل قطعةً من الطبيعة يعيش فيها الإنسان , كما يُجبُّ أن يعيش المتمتع طالبُ الراحةِ. فإذا مرَّ في طريق , فالطريقُ غيرُ ممهَّدَة ولا مستقيمة ولا محفوفةٍ بصفيَّن من الشجر يحجبان النظرَ , كما تُحجبُ عيون الخيل التي تجرُّ المركبات؛ بل هي ضيّقةٌ فواسعة , صاعدةٌ فمنحدرة , رملية فحجرية ممتدَّةٌ فمنعطفة , فيها للسائرِ ما لا يألفهُ فيستجدُّهُ كلَّ آنِ. وفيما حولها من المسافات المفتوحة ما ينطلق معهُ النظرُ على مدى البحر الفسيح تارةً , وعلى مدى الرملةِ الوعساءِ طوراً. رأيتُ في خلال إِقامتي بالمكس بعضَ الأشياءِ التي تجدرُ بالذكر رأيتُ الملاَّحاتِ وعلمتُ للمرَّةِ الأولى علمَ الشهادةِ والتحقيق كيف يُصْنَعُ هذا المصلح الذي يُصلِح غذاءَنا , وينزلُ من حاجيّات حياتنا في المنزلة الأُولى , حتى أن الأمصارَ التي لا يُوجد فيها وتستوردُهُ من بعيد على ظهور الدواب تتداول قطَعَهُ تداولَ النقود. وإني لاستحيي أن أصف بالدقة كيف يُصنع الملحُ , لأنَّ أجهلَ الناسِ يتصوَّرُهُ. ولكنني لا أخاف القولَ إِنَّ البلادةَ مستحكمٌ في قلوبنا , نحن الشرقيين , متمكنةٌ من لحمنا ودمنا إلى حدّ أنَّنا لا نتكلَّفُ الرؤيةَ ولو عن كَثَبَ , لنعلمَ مِن دقائق الأمر ما لم يُلمَّ بهِ تصوُّرُنا إِلماماً تامّاً من مجرّد الأخبار.

стр. 2085

رأيت أيضاً مصطَنعَ الحجارة الضخمة المربَّعةِ التي تُعدُّ لإِتمامِ جدارِ الرصيف الشرقي بالإسكندرية , وقد تمَّ منها ألوفٌ يجدُها الناظرُ معروضةً على خَطٍّ مُستطيل , وهي تُحمَلُ على ظهورِ البواخرِ بواسطةِ مرفعةٍِ بخاريةٍ منصوبة على رأس صخرة متقدّمة في البحر. رأيتُ حيث ينتهي النظر من المكس شبه قريةٍ ذات خضرةٍ تدعى العجمي عاقني عن تفقُّدها ضعفّ الجسم؛ فسألتُ أحد ساكنيها , فقال إِنَّها لا مزَّيةَ لها عن سائر القرى المجاورة إلاَّ بشيءٍ: وهو أن البحرَ يمدُّ هناك ذراعاً , ثمَّ يعطفهُ منها جزيرة. وفي الجزيرة مقامٌ لوليّ يُعرف بالعجمي , وهذا المقامُ غاصٌّ بالمراكب الصغيرة المُهداةِ إليهِ نذوراً , والنواتي يعتقدون أنهُ شفيعُهم , وأنهُ ببركة هذه النذور يرقُّ لهم ويُنقذهم من أخار البحر. ما أحوجَ الإنسانَ إلى الإِيمان! هذا كلُّ ما رأيتهُ م جانبٍِ؛ أمَّا من الجانب الآخر , وهو الذي ينتهي إليهِ الترام قادماً من الإسكندرية , فالذي استلفني أمران: أحدهما وجودُ حمَّام هناك واسع متقن , ومنديَين للشرب , هذا من خشبٍ قائم فوق الحمَّام , وذاك مبنيٌّ من الحجر على شكل سرادق رحيب , بينهُ وبين الحمَّام خطواتٌ. وفي كل مساءٍ يستقدم أصحاب هذين المنتدَيَين جوقَتَي موسيقي لإِطراب الحضور , الواحدة منهما أرمنية تضرب ألحاناً شرقية وألحاناً غربية , والأُخرى إفرنجية تضرِبُ ألحاناً إفرنجية

стр. 2086

مختارة بإتقان لا تبلغهُ الأولى. ولكنَّ ألحانه الأولى التي فوق الحمَّامِ يزدحم الناس فيها ألوفاً كلَّ يوم , بخلاف الأخرى التي بجانبها , فلا يجتمع فيها إلاَّ أفرادٌ. ولو شئتُ أن أُفصل أسباباً لنجاح هذه وفشل تلك , لفعلت؛ ولكنَّ مذهبي أن السبب الذي ترجع إليه تلك الأسبابُ بجملتها هو نفس السبب الذي تشقى به أحياناً أمةٌ صالحةٌ وأرضٌ خصبة وعملٌ متقَن , وتسعد بهِ أمةٌ فاسقةٌ وأرض قحلةٌ وعمل ناقصٌ. فسمّهِ ما شئت ويذكرني نجاحُ قهوةً الحمَّام قهوة أخرى أنشئت في المنازل منذ تسع سنين , أي حينما مُدّ الخطُّ الحديديُّ إلى المكس , فكنَّا إِذا شئنا التنزُّه ركبنا القطارَ إلى المنازل , ووجدنا الناسَ مزدحمين وقوفاً وجلوساً , والمكاسبُ تتدفقُ على صاحب المكان من كلّ صوب. فلما افتقداها هذه المرَّة تراباً أو صانعٌ يضربُ قطعة خشب , كما تتحرَّك الجرذانُ الجسيمة في بعض الخرائب العتيقة. ذلك أنَّ وجود الترام قتَلها , لأنهُ عطَّل الخط الحديدي , فأبطلهُ , والترام لا يمتدُّ إليها , بل هو بعيدٌ عنها. فأيُّ سببٍ نردّ إليه أمثال هذه الانقلابات التي تكون في عالم الغيب ثم تفاجئ من حيث لا تظن. أما الأمر الثاني الذي استوقفني وشجاني , فهو ما رأيتهُ على كئيبٍ ممتدٍّ شبه القَتَبْ بين البحر وبيم طريق الترام من المدافع القديمة أدواب الدفاع عن مدخل الثغر. تدلُّ مركزُ هذه المدافع على أنها كانت منصوبةً وراء القَتَب , كما

стр. 2087

تُنَسَّقُ الإِبَرُ في ورَقَتِها , وكلُّها من الطراز الضخم , إذا أقبل عليها الناظرُ من بعيد ظنَّها بعض الوحوش الضارية من أسدٍ ومرٍ وفهدٍ , فإذا دنا منها لم تزُل مهابتها من قلبه , ولكنه رأى الموت قد مدَّ عليها كفناً من أشّعة النهار وأنداءِ الليل ثم طبع عليها أصابعَهُ , فهي منقَّطة بنقط صفراء نحاسية , وخضراء طحلبيّة , على قشر عاتم صادئ , ومنها ما انكسرت له ساق , فانقلب على جانبهِ , ومنها ما أصابتهُ ضربة في شفتهِ , فانشقَّت والتوَت , ومنها ما أدلى بعنقهِ الطويل إلى التراب كأنه يعضُّهُ في أحشائهِ. منظرُ موتٍ وخراب وعار. دنوت من هذه الأشياء وأنا أسيفٌ أُرسل النظرة إلى الغيب , فأرى بها أُمم الشرق كلَّها مجتمعة تدبُّ دبيب الحشرات لاصقةَ الجباه بالأرض من الضعف والجبن ودناءة المطالب , وأطلق الزفرة من صدري , فأؤبن بها مجداً عظيماً ملأ العالم زمناً , ثم دفنهُ ذووه في بعض زوايا التَّرك والإهمال , ووكلوا إلى الذين ابتلوا بهِ قديماً أمر البحث عنهُ وجلاءِ آثاره التي غالها الصدأُ وغشيها نبات النسيان , حتى نخرها إلى الصميم , واذرفْ العبرة فأبكي سماءَ انطوت طيَّ الجلباب , ونجوماً غارت في التراب , ومعالم عامرة صارت إلى تباب. ثم وضعتُ رجلي على عنق الكبير من تلك الضواري الجامدة , وأثقلتُ وطأتَها عليهِ وقلتُ: يا أيها الأسد جُعِلْتَ للزئير فاستنبحوك , وللافتراس فكّموك , وللوثب فقيّدوك؛ فلينسجِ العارُ عليهم مثل ما نسج على جلدك. فإذا نهشتك الأيام نهش الكلاب الشلو , فليشهد عليهم كلُّ

стр. 2088

أثرٍ في البلاد من بعدك. فإنهم خفضوا رايةً , وأضاعوا جيشَ بَرٍّ , وأغرقوا أساطيل بحر , وأذلوا أمة , وأضاعوا وطناً. هذا كل ما في المكس من قديمٍ وحديث وهو قليل؛ غير أن مناظر الطبيعة فيها غاية ما يُتمنَّى؛ نقاوة الهواء وصفاءُ الطبع وسلامة ُ المعيشة من المصطلحات المزعجة المتعبة أفضلُ وسائل التعافي والسرور ونشاط النفس. خليل مطران الزهور - في ديوان الخليل بضعُ صَفَحاتٍ شعرّيةٍ عنوانُها حكاية عاشَقين بدأت في سنة ١٨٩٧ وانتهت في سنة ١٩٠٣. والمقالةُ التي نشرناها في الصّفحات السابقة إنّما كتبها خليلٌ في أواخر عهدِهِ بتلك الحكايةِ يَومِذهبَ إلى رَملِ الإسكندرية مستشفياً من دائَينِ كانا قد ألمّا بهِ ووصفهما وصفاً بديعاً ملئهُ عواطِفُ نفسٍ حزينةٍ يائسةٍ في قصَائِدَ من أجود الشعر نختار الأبيات التالية من إحداها؛ قال: إنّي أقمتُ على التعِلَّةِ بالمُنى ... في غُربةٍ قالوا تكونُ دوائي إنَ يشفِ هذا الجسمَ طينبُ هوائها ... أيُلِطّفُ النّيرانَ طيبُ هَواءِ عَبَثٌ طوافي في البلدٍِ وعِلَّةٌ ... في عِلّةٍ مَنفايَ لاستشفاءِ متفرِّدٌ بصبابتي متفرِّدٌ ... بكآبتي مفرِّدٌ بعنائي شاكٍ إلى البحرِ اضطرابَ خواطري ... فيُجيبني برياحهِ الهوجاءِ ثاوٍ على صخرٍ أصمَّ وليتَ لي ... قلباً كهذي الصخرةِ الصَمَّاءِ يَنتابُها خفّاقُ لجوانبِ ضائِقٌ ... كمَداً كصدري ساعةَ الإِمساءِ

стр. 2089

تغشى البريِّة كدْرَةٌ وكأنّها ... صِعدتْ إلى عينيَّ مِن أحشائي والأفقُ مُعتَكِرٌ قَرِيحٌ جفنُهُ ... يُغضي على الغَمرَاتِ والإِقذاءِ ولقد ذكرتُكِ والنّهارُ مُودِّعٌ ... والقلبُ بينَ مَهايةٍ ورَجاءِ وخواطري تبدو تِجاهَ نواظري ... كَلْمى كدامِيَةِ السَّحابِ إزائي والدَّمعُ من جفني يَسيلُ مشعشاً ... بسنى الشععِ الغاربِ المترائي والشمسُ في شَفَقٍ يَسيلُ نُضارُهُ ... فوقَ العَقيقِ على ذُرى سوداءِ مرَّت خلاَلَ غمامَتينِ تحدُّراً ... وتقطّرتْ كالدَّمعةِ الحَمراءِ فكأنَّ آخِرَ دَمعةٍ للكونِ قد ... مُزِجَتَ رآخرِ أدمعي لرِثائي وكأنني آنستُ يَوميَ زائِلاً ... فرأيتُ في المرآةِ كيفَ مسائي الإِنتقاد بينَ نَقْدِ المؤلّفات هنا , ونقدِها هناك فرقَانِ: أحدُهُما يتعلّق بالنّاقِدِ والآخر يتعلّق بأثر النقد في الأذهان. أمّا الأوَّل فهو أن الناقد هناك ينتقد الكتاب من حيث ذاتهِ؛ فلو لم يكن للكتاب صَاحبٌ لا ينتقدَهُ , وهنا ينتقدهُ باعتبار شخص مؤلفِهِ. أي أنهُ ينتقِدُ الكتاب بل صَاحبَ الكتاب في كتابه. وأمّا الثاني , وهو أثرٌ طبيعي للأوَّل , فهو أنَّ للانتقاد هناك أثراً ظاهراً في الكتاب من حيث رواجه وكساده , وشهرتهِ وخمولِهِ. فكما يقول المنتقد يقول الناس بقولهِ. وهنا يمرُّ الانتقاد بالأذهان مرّاً فلا يبقى من آثارهِ فيها إلاّ أثرٌ واحد وهو أن الكتاب جليل القدر سني القيمة!! مصطفى لطفي المنفلوطي

стр. 2090

انيبال هو قائد من أهل قرطجنة ولد فيها سنة ٢٤٧ قبل المسيح ومات سنة ١٨٣. يجدرُ بنا أن نعرضَ عن الكلام في حياة الإسكندر المكدوني الذاهبة على غير طائلٍ وجدري , ونأخذّ في ذكر حياةٍ لا يفضلها حياةٌ نبالةً وحماسةً: ألا وهي حياة القائد انيبال فنقول: هو الرجلُ الذي أتاهُ الله جميعَ مواهبِ العقلِ , وجودةِ الطبع , وزيّنهُ بأفضلِ ضروب الاستعداد التام لإِتيان أشرفِ المساعي , وأسمى الأعمال الخطيرة. وُلدَ في بيت قادةٍ اشتهروا بالذود والدّفاع عن استقلال مدينتهم , حتى الممات. وكانت روحهُ كأنها نوعٌ من المعدن قد صيغَ في وسط أتون البغض والحقد المتّقد حول رومه بجزلِ مطامعها. وإذ بلغ التاسعةً من عمره فارقَ قرطجنة وصحب أباهُ إلى حيث كان منتوي أجداده قصدَ أن يحيا ويموتَ في محاربة الرومان. فدلَّ ذلك أن الأعمال الحربية كانت مرتاد أمانيهِ ومرمى هممهِ. فاعتاد منذ صغره الرُّقادَ في ساحات الوغى. ومواطن القتال ليكفَي بهذا الاعتياد الوجعَ في عُنُقهِ من تعادي خَشِن الوساد , وفي سائر جسمه التبرُّم من الاضطجاع على مثل شوك القتاد وليأمن مظانَّ المخاوفِ , ويتمرَّنَ لبُّهُ على تدُّبر الأَعمال الحربية بحيث يكون , في أعظم الأهوال وأشدِّ الحروب , أفضلَ من غيرهِ في أصفى الأحوال والأوقات. ثم بعدَ وفاةِ أبيهِ أميلكار العظيم , وصهرهِ أسد روبال اللذينِ قضيا نحبهما قتيلين في حومات الوغى , انتخبه الجيشُ القرطجنب قائداً عاماً , مع أنَّ سنيهِ لم تتجاوز الست والعشرينَ إذ ذاك , خلافاً لرأي مجلس الملاء القرطنجي , لأنهُ كان ينفسُ على بيت بركا - بيت انيبال - عظمَ مكانتهِ وشهرتهِ. ولما استولى انيبال على قيادة الجيش جعَلهُ مثلهُ ممتلئاً حقداً وحنقاً على الرومانيين , ومُحرِزاً إقداماً وثباتاً بليغين. ثم زحف بهِ في أكباد أوروبا , وكانت

стр. 2091

حينئذٍ مجهولة المسالك , كأواسط أفريقية الآن , واجتازَ جبالَ البيرينه وجبال الألّب في ثمانينَ ألفَ جنديّ , وقد فقد منهم أكثرَ من خمسين ألفاً في مسيره الشاقّ الشاسع الخارق العادة؛ واستمرَّ سائراً لا تصدُّهُ الصعابُ والعقباتُ المتنوعة اعتقادَ وجوبِ محاربةِ رومه في بلادها , للتمكن من الاستحواذ عليها , إلى أن دخل إيطالية , مشيراً على رومه أتباعها ورعاياها فوثب على القواد الرومانيين واضطرَّهم إلى مزايلة مراكزهم ومعسكراتهم الحصينة ومنازلتهِ , بتظاهرهِ باستصغار شأن بعض القوَّاد , والاستخفاف بقلة شجاعتهم , وبما زيَّن لكبرياء وخيلاء قوم آخرين منهم؛ وما زال بهم حتى ظهر عليهم شيئاً فشيئاً وكاد يكتبهم ويقهرُهم كافةً , لولا أن تصدَّى له قِرنٌ مكافئ له في الشدّةِ والبأسِ , وهو فابيوس الذي أشار بأنَّ من الواجب أن يُقاوم هذا الجبارُ يس بقوَّةِ السلاح في وقائع حرب لا يطمع منها بالغلبة عليهِ , بل بفضل الثبات الذي هو من فضائل رومه الحقيقية. ولما رأى انيبال غلطهُ بانكالهِ على الغالبين لعدم ثباتهم , وتحقق عدمَ إمكانهِ أخذ رومه ذهب إلى جنوب إيطاليا , وكانت البلادُ ثمَّةَ متمدّنة وحكوماتها متآلفةً من مجالسِ أشرافِ مستبدَّةٍ برعاع الشعب , فخضد شوكة الشرفاء مع كونه شريفاً , وسلّم مقاليدَ الحكومة إلى لشعب , وجعل مدينة كابو عاصمة حكومتهِ , متباعداً نزيها عن الملاهي والملاذّ خلافاً لما توهم أو أوهم كثيرٌ من المؤرّخين , إذ أنهُ لم يكنِ يعرفُ مواردَ الترَفِ والتلذّذ , ولم يذّقْ طعمها في كل حياتهِ. ثم جدَّد نشأةَ جيشهِ وأغناهُ بمسلوبات فتوحِ البلدان. وما منعه خذلانُ أهل وطنهِ إياهُ أن استدعى إليهِ بشعوب الأرض وشبَّ الحربَ في اليونان وآسيا مستثيراً سكان الدنيا قاطبةً لمقاومة الرومان. وما زال مدَّةَ اثنتي عشرة سنة فاتكاً بكلّ جيشٍ روماني يخرُج لقتالهِ , ولهُ من نفسهِ ناصرٌ معين , وهو رابط الجأش , رسوخ القدم في إيطاليا , حتى أنَّ الرومانيين باتوا قانطين من جلائه عن بلاد إيطاليا. ولكن أنى يومٌ نقلوا فيهِ مراكزَ القتالِ ومواقفهُ إلى أفريقية , تحت أسوار قرطجنة , فاستغاثت بهِ مدينته , فخرج يقاتلُ العدو بجيشهِ المتضعضع جيشاً منظماً

стр. 2092

جديداً , فنكص جدُّهُ الباسق ونقص حظّه السابق , فلم يجد بدّاً من أن يدين لسيبيون الجديد الطالع نزولا على حكم الدعر وتقلبات الأيام , فعاد متحسراً متقطعاً إلى وطنهِ , وجعل يسعى في لمّ شعثهِ وإصلاح أحواله , ليصيرَ قادراً على نزال الرومانيين كرةً ثانيةً. ثم وشى بهِ مواطنوه المتلبسون بالجور والاستبداد تشيعاً للرومانيين , ففرَّ إلى المشرق لائذاً بحمى أنطويوخوس الكبير ملك سوريا. ثمَّ لجأ من مداومةِ القتالِ , فتناول سمّاً وقضى بهذا السبب. وهو آخرُ بطل من أبطال عشيرته لأنهم بأجمعهم ماتوا ميتتهُ أحراراً في سبيل هذا القصد المقدَّس , وهو مدافعة التسلُّطِ الأجنبي ومقاومته. ومن الممتنع إيجادُ مظهرِ ضعفٍ في تضاعيف حياة هذا الرجل العجيب المتحلي بكل مزايا المرؤة والعقل والإِقدام. أجل لا يستطاع التماسُ مثلِ هذا الضعف أو هذه النقيصة. ونحن نحاول فيهِ وجود ميل ذاتي كحبّ المال أو الملذَّات أو الطمع أو غيره ولكن لا نجدُ في الرجل إلاّ ميلاً واحداً وهو بغضهُ أعداء وطنه. قد نسب إليهِ تيت ليف المؤرخ الروماني البخلَ والقسوة ولكن تهمتهُ هذه في غير محلها. نعم إن انيبال قد جمع أموالا طائلة , ولكنه لم يستعملها قط لأغراض ذاتية , وإنما كان يخصصها لدفع رواتب جيشهِ. قلنا إنَّ أهلَ وطنه كانوا قد تركوا نصرتهُ , والجيش المذكور لم يعصَ قط أوامر قائده انيبال , لما له من السطوة والهيبة والحكمة خلافاً لأمثاله من الجيوش المؤلفة من جنود غرباء وعصابات بربرية مختلفة الجنسية والوطن واللغة. وقد

стр. 2093

أرسل انيبال إلى قرطجنة عدَّة إمداد ممتلئةً بالخواتم والفتخ الذهبية التي أخذها إسلاباً من قتلى أشراف الرومانيين ولكن لم نجدُ لهُ في تضاعيف التاريخ ذكر مُنكَر أناه , ولم يسفكْ دمَ إنسان بلا حرب. فينتج من كلامنا أنّ شهادةَ المؤرخ الروماني تعودُ على قائدنا هذا بالفخر والشرف. وبالاختصار فإن أقوالَ التواريخ والأزمنة التي توالت بعد هذا البطل سيردّده جميعُ الأمم والأجيال إلى منقضي العالم. وذلك أنَّ مظهرَ حياةِ هذا القائد المجيد , لهو أشرفُ مظاهر الحياة البشرية في هذه الدنيا لدلالتهِ على همةِ عالية , ومدارك سامية يندرُ وجودُها , خصوصاً حياته خلت عن كل أربٍ شخصي , وأثرة ذاتية , لم يلابسها إلاّ هوى فرد , ألا وهو حبُّ الوطن حتى أنهُ قضى أخيراً شهيد محبته لوطنه. يوليوس قيصر قائد روماني ولد سنة ١٠٠ قبل المسيح وتوفي ٤٤ ق. م. ها أنّا موردون ترجمة شهيد آخر لم يتفانَ في حبّ وطنهِ , ولكن ذهب قتيل الطمعِ - نريد بهِ هذا الرجل العجيب المنقطع النظير , الذي لم يكن يخلو عن ضربٍ من ضروب النقائض والرذائل , وكانت حياتهُ كلها عبارةً عن سلسلة تعدّياتٍ على وطنهِ. وبالجملة فإنَّ هذا الرجلَ هو قيصر ثالثُ الرجال العظام المشاهير في الأقدمين. وُلدَ ونشأ وشبَّ متحلياً بصنوف الصفات , فإنهُ كان شجاعاً فصيحاً لطيفاً كريماً جواداً مفرطاً في السخاء؛ بيدَ أنهُ كان يؤثِرُ السذاجةَ في أعماله؛ ولكن لم يكن عندَه أٌلُّ همّ في أن يفرق بين الخير والشرَ , لا في العمل ولا المبدأ. وكان قصارى همهِ ومبدأ جميع أعماله طلب الغاية التي قصّر عن بلوغها

стр. 2094

ماريوس وسيلاً نريد بها التسلط على وطنهِ. كان قصد الإسكندر الاستيلاء على جميع العالم المعروف وقتئذٍ؛ ووقف انيبال حياتهُ كلها على وقاية وطنهِ من النشوب في عبوديةِ الأعداء. أما قيصر فكانت غايتهُ القصوى أن يملك رومه التي تفرَّدت بالاستيلاءِ على كلّ الدنيا تقريباً. ونراه قد اتخذ كلَّ الوسائل إدراكاً هذه الغاية , غيرَ متذمّم من الإسفاف إلى الذرائع السافلة , بيدَ أنهُ لم يَردْ مواردَ الجور والجنَفِ تفادياً من الارتطام بأغلاط ماريوس وسيلاّ. وقد تدرَّج في الخطط والمراتب من وظيفة إديل إلى وظيفة بريتور ثم إلى رتبة رئيس أحبار العاصمة؛ وعقد ديوناً رابيةً ليرشوَ المنتخبين , لأنّ كلَّ هذه الوظائف كانت تُنال بالانتخاب , واستغوى الرجال والنساءَ , مستفسداً المتزوّجين وغيرهم استفادَةُ عامة الشعب. وما كفاهُ ما أتاه من ضروب الفساد حتى عمد إلى استعمال الوسائط الأدبية , فأصبح أعظمَ خطيبٍ في رومه بعد شيشرون. وما زال حتى صار علّة عدة كثيرين من بوادر الفرَح والريب في رومه؛ فأعيتهُ الإقامةُ بها فاتفق مع كراسّوس البخيل , وبمبيوس المتكبر , واختصَّ نفسهُ بحكومة ولاياتِ غاليا قصدَ تدويخ هذه البلاد الواسعة , لا ليزيدَ مجدَ رومه , بل ليحشدَ عساكرَ قاهرةً , ويجمع أموالاً وافرةٌ , فيقضي ديونهُ وديونَ أشياعهِ. فأقام مدة ثماني سنين في غاليا يحاربُ أيامَ الصيف , ويعودُ آونة الشتاءِ إلى دسّ الدسائل , ويدبّرُ من معسكرهِ في ميلانو مجر عجرفة بمبيوس وبخل

стр. 2095

كراسوس. وبذلك تسلّط مدة عشر سنين على مجرى الأحوال الرومانية. ثم توفي كراسوس في آسيا , ولم يبقَ بينهُ وبيم بمبيوس رجلٌ ثالث يمنع تماديها في الطمع ولبغي , عمد أولاً إلى استعمال الحيل لإِرجاءِ القتالِ بينهما , إذ كان قد شعر بسوء عاقبتهِ , حتى أنهُ لما تعذَّر عليهِ مجانبةُ القتال , اجتاز نهر روبيكون وسار لمساوة بمبيوس , وهناك ترك كما قال مدلاّ بسطوته , قائداً بلا جيش , وذهب إلى اسبانيا فشتت جحافل بمبيوس التي كانت بإمرة أفرانيوس. ثم غادر اسبانيا , واجتاز إيطاليا مسرعاً شاخصاً على أبيروس إدراكاً لعدوّهِ. فصادف بمبيوس نفسه وجعل يقاتله الكرَّةَ بعد الكرة , وكانت الوقعة الفاصلة لتلك الحرب الشهيرة سهول فرسال فتغلّبَ عليهِ , واستأثر بالسلطة المطلقة , فلاذ بمبيوس بالهرب منهُ خوفاً إلى أن لاقى أجله قتيلاً في مصر. ثم إنَّ قيصر جعلَ يتعقبُ بقايا حزب بمبيوس في أفريقية واسبانيا , وقهرهم كافةً , وفتح شمالي آسيا. ثمَّ عاد إلى رومية ليتلذَّذ بثمارِ انتصاراتهِ على جميع أعدائهِ ومناوئيهِ. ثم أسَّي فيها ما يعبَّرُ عنهُ بالإمبراطوريَّة الرومانية , ولكنهُ ذهب قتيلاً بفتكةِ الجمهوريين , لأنهُ أراد الإِسراعَ في وضعِ الاسم للمسمَّى , بعد أن ملك العالم مدة تزيد على أربع سنوات. فما سبق إيرادهُ من أخبار هذه الحياة يرى أن كل الوسائلِ والتدابير المذكورة كانت سيئة كالغاية التي سعى إليها قيصر. ولكن ينبغي أن يعترَف لهُ بالفضل من جهةٍ واحدة وهي أنهُ قصد أن يحوّل هيئة الحكومة من كونها جمهوريَّة إلى كونها إمبراطوريّة. ليس بأنواع القتل وسفك الدماءِ , كما فعل ماريوس وسيلاّ ,

стр. 2096

ولكن بتعطيل الآداب الملائمة أخلاق الرومان , وبحسب قوّةِ العقل المناسبة لسموّ مداركهِ. وبالجملة فإنَّ هذا الرجلَ الغريب الذي كان من أعظم أرباب السياسةِ , وخطيباً شهيراً وبطلاً صنديداً , وعائقاً في الأرض فاسدَ الأخلاقَ , يظلم بلا رحمةٍ , ويرحم بغير حدّ ولا قياس , لهُ مزيةٌ خاصة بهِ دون سواه. وهي أنهُ خُلق عجيب يخبر عنهُ آخر الدهر بكونهِ أكمل إنسان وجد على الأرض. للكلام صلة الأناشيد الوطنية قال أحَدُ مشاهيرِ كتَّابِ الانكليز إِنَّ الذي يضعُ لحناً وطنيّاً لقومهِ يضعُ لهم قوانينَ جديدة وهو قول لا مبالغةَ فيهِ. إِذ أنَّ الأناشيد الوطنيةَ هي التي شحذَت السيوفَ , وحرَّرتِ الأرقَّاءَ , وكوَّنتِ الأُمم , ورفعت الممالك , ووحَّدَت قلوبَ أهل البلد الواحد. وهي التي تُذَكي نارَ الوطنيَّة , وتجلو صدأها؛ يتوكأ عليها قوَّادُ الأُمم إذا أجهدَهم السيرُ , ويهشّونَ بها على أتباعهم إذا حادُوا عن الطريق. ينشدُها الغريبُ فيذكر قومهُ , ويرفعُ بها المنفي عقيرتَهُ فيتذكَّرُ وطنهُ. فهي روحُ الوطنية , والوطنيةُ قوامُ البلاد؛ وهي رسولُ الشُّعور , والشعورُ منبتُ الوطنية. وهي الصلةُ بين القلوب؛ والقلوب منشأُ الشعور. وأفعلْ الأناشيدِ الوطنيةِ في الأفئدةِ وأشدُّها تأثيراً على النفوس ما وافقَ لحنُهُ الموسيقيّ ألفاظَهُ فامتزجا بمخيِّلةِ الشاعر الملحّن قبل أن

стр. 2097

يظهرَ لحيّز الوجود. حتى إذا أدَّى كلٌ من القلب والرأس ما يطلبهُ هذا النشيدُ منهما برزَ فكان قوَّةً حيَّةً تدفعُ القوم لخدمة وطنِهم , والذَّود عن حياضِهِ , والعملِ لرفعة شأنه. سألَ أحدُهم شاعراً من كبار الشعراءِ أن يُعَلِّمَهُ الأوزانَ فأجابهُ: إذا لم يُوحِ قلبُكَ إليك الشعرَ فما تنظمتُهُ لا يكونُ شِعراً هكذا الأناشيدُ الوطنيَّة. فإنها لا تَفعلُ فعلها في النفوسِ إِلاّ إذا كان منشأها القلبُ ولا أعرفُ نشيداً وطنيّاً تطيرَ لهُ القلوب , وتثب الأفئدة , ويجري الدم حارّاً في العروق عند سماعه , مثل المرسلييز نشيدِ فرنسا الوطني. لم يوضع ليكونَ نشيدَ الثورةِ الأفرنسية , ولكنهُ هيأَ النفوسَ لها. وُضِعَ عندما كان لويسُ السادسُ عشرَ الآمرَ الناهي. فلما أعلنَ الحربَ على النمسا عام ١٧٩٢ اقترح محافظُ مدينة ستراسبرج وضع نشيدٍ يستفزُّ بهِ هِمم الشبَّانِ للدّفاعِ عن بلدِهم. فلَبَّى طلَبهُ يوزباشي اسمهُ روجيه دي ليل. جادت عليه الطبيعة بإِبداع الشاعرِ وابتكارِ الملحّن. فنظمَ النشيد ولحَّنهُ بين مساءٍ وصباح. وقد كانَ من تأثيرهِ على النفوسِ أن تطوَّعَ في الحاميةِ المدافعةِ تسعمائة شابٍّ في يومٍ واحد. ولم يكن أحدٌ يحلمُ , ولا لويسُ السادسُ عشرَ نفسهُ , بما سيكونُ من الأهميَّةِ للمرسييز الذي كان يُسمَّى نشيد جيش الرين حتى مشى أهلُ مرسيليا لباريز يترنَّمونَ بهِ طولَ الطريق فنُسِبَ إليهم. ولا يقلُّ نشيدُ غريبالدي عن المارسييز. ويكفي أن نقولَ في

стр. 2098

تأثيرَهُ إنَّهُ وحَّدَ إيطاليا المبعثرة , ونفَخ فيها روحاً صيَّرتها كما نراها الآن بعد أن كانت نهباً مقسمَّاً. وأيُّ إِنسانٍ لا يتحرَّكُ للعملِ عندما يسمعُ جارَهُ يُنشدُ انهضوا يا أخواني , واطردوا من بلادكم عدوَّها الغريبَ بالسيفِ , وانشروا أعلامكم , ولتفرح قلوبُكم التي تقَدِّمونها بفخرٍ فداءَ وطنكم أمَّا الولايات المتحدةُ الأمريكية فلها من الأناشيد الوطنيَّةِ حظٌّ وافر. غير أنّ نشيدها الرسميُّ منك يا بلادي ليسَ بالنشيدِ الذي يترنَّم بهِ الجمهور. وإذا سألت أبناء الولايات المتَحدة أن يختاروا من أناشيد هم واحداً لاختاروا بين ١ ينكي دودل و ٢ العَلَم المرصَّع بالنجوم و ٣ جسم جون براون ` و ٤ السير في جورجيا و ٥ أرض دكسي لأنَّ كل هذه الأناشيد وُضِعَتْ إِمَّا إِبَّانَ الحربِ أو في أيام الثورة. فالنشيدان الأوَّل والثاني كان أوَّلُ العهد بهما في الثورةِ الأمريكية التي قدت انكلترا فيها أغلى ماسةٍ في تاجها. والثالث هو الذي حرَّر عبيدَ أمريكا , وأدار رحى الحرب الأهلية بين الولايات الشماليةِ والولايات الجنوبيةِ. والرابع والخامس كانا نشيدَي هذهِ الولايات في تلك الحرب. ولقد لحَّنَ أحَدُ أخواننا السوريين نشيداً عنوانهُ لأجلك يا أمريكا ووضَعَهُ بين أيدي رجال الولايات المتحدةِ للنظرِ في إِحلالهِ محلَّ النشيدِ الرسميّ الحالي.

стр. 2099

ولم يحفظ التاريخ بين صفحاته , خلافَ المرسييز وغريبالدي , عن نشيدٍ وطنيّ أنَّهُ أثر في النفوسِ مثلَ ربّنا أحفظ الملك عام ١٨٩٦ عندما كانت تستعدُّ انكلترا لمحاربة أمريكا. فإنه أظهرَ ما خفي في صدر جون بل من العواطف الكامنة. وما زال منذ ذلك الوقت إلى يومنا هذا يُنشدُهُ البريطانيّون في انتصارهم فيملأهم فِرحاً وسروراً , وفي خذلانهم فيوليهم شجاعة وإِقداماً. أمَّا تاريخهُ فيرجع إلى سنة ١٧٦٦ إذ كان يُنشدُ باللاتينية في عهد جيمس الثاني. إلا أنه يوجد في انكلترا نفسها من يعارضُ في جعلهِ نشيداً رسميّاً. والمعارضون قسمان: الأول يقول إِنه لا يجوزُ دينيّاً أن نطلب من الله سحقَ أعدائنا. فهم ينشدون بدَلهُ بارك يا رب وطننا وفيهِ يرجونَ للهَ حفظَ بلادِهم وحمايتها وانتشار السلامِ في العالم حتى يُصبحَ عدوُّهم صديقاً. والقسم الثاني يَضعُ الشعبَ في المقامِ الأوَّل , ويرى أن يُهتَفَ باسمهِ لا باسمِ الملوك. فوضَعَ لنفسه متى تنجّي الشعبَ يا ربَّنا ` ومطلِعُهُ متى تنجّي الشعب ياربّنا يا إله الرمة لا الملوك فقط بل الشعوبَ , لا التيجانَ , ولكن بني الإِنسان ولا يزالُ في انكلترا من يظنُّ أنَّ هذا في صحة الملك ` هو أحقُّ بجعلهِ نشيداً وطنيّاً من ربنا احفظِ الملكَ إِلاَّ أنهُ لا يتَّفقُ مع الذَّوقِ تحيّةُ ملكِ من بيتِ هانوفر بنشيدٍ وُضِعَ على نُفوسِ الشعبِ لاستردادِ سلالةِ ستوارت

стр. 2100

مثل بني دندي والملك على سطح الماء وفي اللغةِ الانكليزية عددٌ غيرُ قليلِ من الأناشيدِ الوطنيةِ للشعراء: بيرنز وتمسون وموروكمبل تُحمّس الجبان , وتحيي ميّتَ الإِحساسِ مثل احكمي يا برْيطانيا وكثيراً ما نرى أنَّ النشيد الذي تنتخبُهُ الحكومة لا يتَّفِقُ مع ذوق الجمهور فيتركهُ كما في الولايات المتحدة. كذلك في ألمانيا؛ فإنك في أغلب الأحايين لا تسمعُ الشعبَ يترنمُ بالنشيد الرسمي. بل تجدُهُ يُنشدُ اليوم بحماس المراقبة على الرين لا يقلُّ عن حماس آبائهم يومَ كانوا ينشدونه قبلَ أخذِ الالزاس واللورين. غيرَ أنَّ لنشيدِ مارتين لوتر أو كما سمَّاه الشاعرُ هنريك هين مرسييز الإصلاح رنّةٌ لطيفة , وذكرٌ جميل , وتاريخٌ سارٌّ. فهو لا يزالُ يُسمَع اليوم بألمانيا كما سُمع في معركة لوتزن وفي حرب فرنسا. بل كلَّما جدَّ حادثٌ جَلل. ولقد عناهُ الفيكونت دي فوج أحد كبار كتَّابِ فرنسا في انتقادهِ رواية السقوط لا ميل زولا حيث قال إِنَّ من سمع الأصوات التي ملأت وادي الميوز ليلةَ أوّل سبتمبر سنة ١٨٧٠ يعرف كيف غُلِبَت فرنسا على أمرِها ولا يجهلُ أحدُنا ما كان من التأثير الشديد لنشيدِ الدستور العثماني عام ١٩٠٨ فالعهدُ ليسَ ببعيد. فقد أشعل نارَ الوطنية في قلوب العثمانيين ,

стр. 2101

وعلَّمهم أن الحرية حقٌّ , والعدلَ واجبٌ , والمساواة طبيعية. فأصبحوا لا يرضونَ بالذُّل , ولا يرضخون للاستبداد. وما زال كالكهرباء يغلي الدّم في عروقهم , ويثيرُ الشعورَ في قلوبهم , حتى كان منهُ أن خَلَع عبد الحميد. أمَّا نشيدُ الجمهورية الصينية فأشهرُ من أن نشيرَ إليهِ. وهو أكبر برهانٍ على أنّ الأناشيدَ الوطنية هي التي ترفعُ الأمم من وهده الانحطاط. وهل كان يجول بفكرٍ أحدِنا أنّ الصين تصير يوماً ما جمهورية؟؟ نظرة إلى مصر بعد كل ما مرَّ بنا لا يوجدُ في هذا القطرِ ما يُطلقُ عليه نشيدٌ وطني سوى سلام الخديو هذا الخديو له الفخار وهو ليس مما يدفع القومَ لبذل النفس والنفيس في سبيل بلادهم. وما عداهُ فأناشيدُ يترنم بها أطفال المدارس في الاحتفالات. وجلُّها بل كلها من نظم شاعرِ الأمير أحمد شوقي بك وهي ممَّا يشكرُ عليها. إلاَّ أنها ليسَ لها الوقع الذي غيرها من الأناشيد الوطنية. والسبب على ما أظنُّ كون شوقي بك شاعراً غير ملحِّن. وقد اقترحَ بعضهم في الجريدة منذُ ثلاثة أعوام وضع جائزة لمن ينظم أحسن نشيدٍ وطني. ولا أرى لذلك فائدة. إذ أَن النشيد الذي يجب أن يكون نشيد مصر الوطنيّ لا يكون الباعث عليهِ حبُّ المال. واليوم الذي تجتمع فيهِ الوطنية الحقة والشعر والموسيقي في قلب احد أبناء النيل هو اليوم الذي نسمع فيهِ نشيدنا المنتظر؟ اتبره - السودان عز الدين صالح

стр. 2102

في رياض الشعر البستاني الشاعر والبستاني الوزير بين الأستاذ عبد الله أفندي البستاني العالم اللغوي الشهير وسليمان أفندي البستاني ناظر. التجارة والزراعة صلة وداد متينة عدا ما بينهما من صلات القرابة والأدب. فلما ألقيت إلي البستاني الوزير مقاليد الوزارة , كتب إليه البستاني الشاعر بالقصيدة العصماء التي نحن ناشروها هنا. ثم دارت بينهما , على أثر ذلك , مراسلة نتوقع الفوز بها لننشرها في الزهور. أما الأستاذ عبد الله فأشهر من أن نعرفه إلى القراء وهو أستاذ معظم أدباء سوريا , وزعيم العلماء اللغويين فيها , وكبير الشعراء المجيدين في ربوعها. ولقد تلطف حضرته فوعد الزهور بأن ينشر فيها سلسلة مقالات لغوية انتقادية تكون تكملة لتلك المباحث اللغوية الشائقة التي كان ينشرها المرحوم اليازجي في الضياء. ولعلنا أن نبدأ بها منذ الجزء القادم. كتب إليه أوّلاً بالتاريخ الآني: لي مع سليمانَ قلب لا يُزايلُهُ ... خوفَ الرقيبِ ففيهِ كلُّ أسراري إن نابَني بعدَهُ شوقٌ يؤرّخُهُ ... فإِنَّني مستعيرٌ قلب خطّارِ ١٩١٣ ثمَّ كَتبَ إليهِ: تَرَحّلْ إلى مولاكَ يا قلبُ عَجلانا ... وأبقِ لصدري بعدَ بُعْدِكَ نيرانا كأنّكَ في دارِ الشقاءِ معذّبٌ ... تحنُّ إلى دار السعادةِ وَلْهانا فها أنتَ ذا يا قلبُ تهجرُ أضلُعاً ... عليكَ انحنتْ لا تبتغي منك هُجرانا وأنتَ الذي أدمنتَ إيقاظَ أعيُني ... وأسأمتَ نجمَ الليل تخفقُ يقظانا فكم سكِرتْ بالدمعِ إّ كنتَ خافقاً ... ولكن بصَهباءِ الهوى كنت سَكراناً ولولاك ما اسودَّت لياليَّ إنما ... سيُسفِرْنَ بيضاً , أن قفوتُكَ , غُرَّانا

стр. 2103

أتشكو عذاباً في الضلوعِ وأنتَ قد ... جعلتَ بحرّ النار صدريّ حَرَّانا جرى الدمعُ غازيّاً عليها زادَها ... سعيراً ولمَّا هجتَ خلتُكَ بركانا وساءكَ أن تنتابَها سِنةث الكَرى ... وسرَّكَ أن أرعى السوافرَ سَهرانا عهدتكَ ذا رفقٍ بها صائناً لَها ... فلاتكُ في عهدٍ لمولاكَ صوَّانا ألم يكُ إنساناً لها ابتهجت بهِ ... ولم تكُ تهوى غيرَهُ قَطُّ إنساناً أتتركه قَرْحَي ومولاك ناظِرٌ ... يعزُّ عليهِ أن تُقَرَّحَ أجفانا كمِ التمستْ منك الهُجُوعَ لأن ترى ... دموعاً بنحرِ الطيفِ تُعْقدُ مَرجانا فمِمَّنْ تعلّمتَ الجفاَء ولم تكُنْ ... ترى غيرَ مولاك الأنيسَ إلى الآنا تُنفّذ أمرَ الدهرِ فيَّ وما عنا ... أبيٌّ لذي حيفٍ لهُ أنقاد مِذعانا أما أنت تدري أنَّ مولاك مَوثلي ... إذا بان للعينيِ أو عنهما بانا وقامَ بنصري منذُ عهدِ صبائهِ ... وما خانَ عهدي قَطَ بل غيرُهُ خانا ولستُ أرَى غيرَ ابن عمّي أخي ولا ... أرى أبداً أبناء آدمَ إخوانا فما أكثرَ الإِخوانَ في مَذهب الهوى ... وليسوا إذا نالوا هوى النفسِ خُلاّنا ومَن عجمَ الأخلاقَ لم يكُ سائِلي ... على مَنْحِ قلبي لابن عمّيَ برهانا ولم يُلهِهِ عَنّي نعيمٌ غَنَا لَهُ ... وصَعْبُ شقاءِي إن فكرتُ بهِ هانا وهانَ عليهِ أن أحلّ بأرضهِ ... كما حلَّ إسرائيلُ في أرض كنعانا فموسى من المنّانِ قد نالَ منّه ... ولقياهُ مَنٌّ ما بهِ كان منّانا فيا قلبُ سرْ واسكنْ إليهِ فأنتَ ما ... فُطرتَ لترضى غَيره فيك سكّانا بحرمةِ أشواقي إليه توقَّ أن ... يرى فيك ناراً لوَّعتنيّ أزمانا فدّعها بصدري خوفَ لذعِ أناملٍ ... على الطرس قد خطَّت بياناً وتبيانا وإلاَّ فكن كالبدرِ بالشمسِ مزهراً ... وما فيهِ نارٌ بل بأنوارها ازدانا أحبُّ إليهِ أن براها كما رأى ... بحوريبَ موسى النارَ مرتفعاً شانا

стр. 2104

وإِياكَ ذِكرى لوعتي بفراقهِ ... مَخَافة أن تلقاه يلتاعُ أحزانا وناسمْهُ عني بالسلام يظنَّهُ ... إذا اشتمَّ ريّاه تجسّم ريحانا قيا قلبُ لم يقنَعُ برؤيةِ طيفهِ ... فقد شاقك الجثمان تخفق لهفانا فكن بارحاً مثواكَ مرتحلا إلى ... فروقَ وطب واشهد لمولاك جثمانا وفي كلِّ نادٍ بالجلالِ مؤرَّخٍ ... تجَلّدْ ولا تخفق بنادي سليمانا ١٩١٣ عبد الله البستاني المشيب يا شَيبُ عَجَّلتَ على لِمّتي ... ظُلماً فيا ابنَ النُّورِ ما أظلَمَكْ بدّلتَ بالكافورِ مسكي وَما ... أضواهُ في عيني وما اعتَمَكْ مَنْ يقبلُ الفاضحَ في سَاتِرٍ ... فهاتِ ليلايَ وخُذْ مريَمكْ غرَّكَ أنّ الشَّيبَ عند الورى ... يُكرَمُ , هل في الغيد من أكرَمَكْ نَفّرْتَ عني غانياتِ الطلي ... ويحك قد أسقيتَني عَلْقَمَكْ دعونَني الشيخَ وكنتْ الفتى ... أخَّرني الدَّهرُ الذي قدَّمكْ ونالَ من حولي ومن قوّتي ... جَورُ زمانٍ فيَّ قج حكَّمَكْ سرعانَ ما أذبلتَ من صبوتي ... بناركَ البيضا فما أضرَمَكْ وشدَّ ما لاقَتْ عيوني فلو ... ينطقُ لي جفنٌ إذّنْ كلَّمَكْ ورُبَّ لمياَء منيعِ اللّمى ... تقولُ ما أسقيهِ إلاّ فمَكْ تخاطِبُ البدرَ على تَمّهِ ... جلَّ الذي من غرَّني جسّمَكْ كنتُ مع العفّةِ أحيا بها ... وهل بلا ماءٍ يَعيشُ السَمَكْ فرَّنْ كمثلٍ الخشفِ مذعورةً ... لما رأت في مفرِقي مِخْذَمَكْ

стр. 2105

وصارتِ النظرةُ لي حسرَةً ... تقولُ للطرفِ أفضْ عَندَمكْ وما كفى يا شَيبُ حتى لقدْ ... فَضحتَ أسرارَ مِنِ اسْتكتمَكْ أيُّ خضابِ لم يكن ناصلاً ... عنكَ ولو بالليل قد عمَّمكْ فليتَ أيامَ شبابي التي ... أرقَتها غّدْراً أراقتْ دَمَكْ وأنتَ يا ظَبي النقا ما الذي ... أغراكَ بالهجرِ ومَنْ عَلَّمَكْ ما لبياضِ الرأس حكمٌ هنا ... لكن سوادُ الحظِ قد ألزّمكْ لو لم يُغِرْ هذا على لونِ ذا ... لم تجفُ ذا الشيخَ وما استخصمَكْ ما خلتُ أن ترضي بنقصِ الوفا ... واللهُ بالحسن لقد تمَّمَكْ يا ربِّ ما طالَ زمانُ الصبّى ... كأنهُ طيفٌ سرى وانْهمَكْ وهكذا الأيّامُ تطوى بنا ... سُبحانَك اللهمّ ما أعظمَكْ رضيتُ يا ربي بما ترتضي ... فلا تخيّبْ مُذْنباً يمَّمَكْ وأنتَ يا شيبيَ خُذْ بي إلى التق ... وى عسى الرحمنُ أن يرَحَمكْ عبد الحميد الرافعي هل أنت في مصر إذا كنتَ في مصرٍ ولم تكُ ساكناً ... على نيِلِها الجاري فما أنتَ في مصرِ وإن كنتَ في مصرٍ بشاطئِ نيلها ... وما لكَ من شيءٍ فما أنتَ في مصرِ وإن كنتَ ذا شيءٍ ولم تك صاحباً ... لإِلفٍ له لطفٌ فما أنتَ مصرِ وإن كنتَ ذا إلفٍ ولم تكُ مالكاً ... لكيسٍ حوي ألفاً فما أنتَ في مصرِ وإن حزتَ ما قُلنا ولم تكُ هائماً ... بمَيلٍ لمن تهوى فما أنتَ في مصرِ
следующие страницы →