Полный текст (2 201 стр.). Показаны 2171–2201 · переход к 2176.
стр. 2171
أو يرتدينَ ملابساً ... شفَّافةً عمَّا توارى
ويُجِلنَ في مَن حولَه ... نَّ لواحظاً ترنو حَيارى
خلاَّبةً في قلب عا ... شِقِهنَّ يُضرِمنَ الأُوارا
ولقد يكنَّ عقائِلاً ... يُولينَ ذا الجهلِ اغترارا
أشكالهنَّ المصْيبا ... تُ تُثيرث في لنفسِ المثارا
تُغري بهنَّ المستها ... مَ فؤادُهُ والمُستطارا
يا من تليقُ بها الكرا ... مةُ حاذِري ذاكَ الصَّغارا
صوني جمالاً طالما ... أولاكِ تيهاً وافتخارا
لا كان حُسنٌ فيكِ لم ... يكثنِ العفافُ لهث شعارا
أنتِ وهنَّ
أنا أُسعدتُ مرَّةً في حياتي ... بالهوى , وادَّعيتُهُ مرَّاتِ
كانَ قلبي كطائرٍ يتغنَّى ... هائماً في مسارح الجنَّاتِ
خاطراً بين أغصُنٍ وقدودٍ ... طائراً بين أنفُسٍ طائراتِ
ثَملاً كأسُهُ من الوَرَق الأخ ... ضرِ ملأَى من الندى قَطَراتِ
يجتلي ما يروقُ من زَهَرِ غضٍّ ... ويَجني ما طابَ من ثمراتِ
كان في قلبي رُوحاً يرفُّ على الما ... ءِ ويَسري كألطفِ النَّسماتِ
فيُجاري على هواهُ الجواري ... ويُناجي بِحُبّهِ السابحاتِ
سابحاً يرتمي ببحرٍِ أجاجٍ ... لاهياً يرتوي بعذبٍ فُراتِ
ذاكراً فيهِ قولَ مَن قالَ: إِنَّ ... الحُبَّ كالماءِ كان أصلَ الحياةِ
إِنَّ قلبي الصغيرَ يكبرُ إِن هبَّ ... تْ عليهِ عواصفُ النَّكَباتِ
ريشةُ الطائرِ المحلّقِ في الج ... وّ ومَرْسى شوامخِ الرَّاسياتِ
كان حُرّاً يجولُ ما بين أسرى ... بشباكٍ لمثلهِ قابضاتِ
هازئاً بالقلوب يُورثها الذُلَّ ... هوىً صائدٌ بلحظِ مَهاةِ
حامَ حومَ الفَراش حول لظى ... الحبّ ولكن لم يُكوَ بالجمَراتِ
مستضيئاً بالنارِ يعشو إليها ... وَهْيَ نارٌ تُضيءُ كالمشكاةِ
أيها القلبُ كنتَ بالعشق تلهو ... كنتَ تلهو بسيّد الكائناتِ
كدتَ تحكي الجمادَ لولا دمٌ كال ... قِدْرِ يَغلي على مدى الأوقاتِ
كدت تُلقي السلاحَ شأن كميٍّ ... لم يَجِدْ قَطُّ مثلهُ في الكُماةِ
لَستَ يا قلبُ في الندامى إذا دا ... رت كؤوسُ الهوى ولا في السُّقاةِ
غير كأسٍ رمتكَ بين السكارى ... وازَنَتْ سكرةٌ بها سكَراتِ
من لحاظٍ تفيضُ في النفس نوراً ... كشعاعٍ يمرُّ في ظُلُماتِ
أيُّ سرٍّ ناجى بهِ الطرفُ قلبي ... كتمتهُ نواهبُ اللَّحَظاتِ
بين ألحاظِها وبين فؤادي ... خافياتٌ مكتومةٌ عن ذاتي
أَلقِ دِرعاً لبسته فهو لا يم ... نعُ سهماً ترميهِ عينُ فتاةِ
حينما يخلَعُ الجمالُ عليها ... حللاً من محاسنٍ فاتناتِ
حين يبدو فجرُ الشباب وتغدو ... بنتُ حوَّاَء آيةَ الآياتِ
فتريكَ الجمالَ والطهرَ في أب ... دعِ ما صَوَّرَت يدُ النحَّاتِ
في قَوامٍ مهفهفٍ ومحيّاً ... كامِل الحسنِ كاملِ الحسَناتِ
يتجلَّى فيهِ العَفافُ ضياءً ... ساطعاً ضمنَ هالةٍ من حياةِ
طالما نازعتْ عليهِ قلوبٌ ... أعيُناً من جمالهِ ناهباتِ
رَبِّ , إِن الجمالَ نُورٌ ونارٌ ... لحياةٍ قدَّرتَهُ ومَماتِ
أنتَ سلَّطتَهُ علينا فقامت ... فِتَنٌ للعيونِ والمُهجاتِ
ربِّ , هذي قلوبُنا تتشاكى ... فأجِرْها من الجمالِ العاتي
فَتَنَتْنِي سمراءُ كالفجر لولا ... أنها تنجلي بلا ميقاتِ
لَوْنُها مثلُ لَوْنِه حينما تن ... جابُ عنهُ غياهبُ الظلُماتِ
стр. 2172
وتقومُ الأَطيارُ تخطبُ في الرو ... ضِ على منبرٍ مِنَ الشجَراتِ
وتظلُّ الأَطيار ترنو إليها ... مبصراتِ الأحداقِ أو مُصغياتِ
زهَّدَتني في البيضِ والسُّمرِ عينا ... ها وما فيهما من العاطفاتِ
قالتا لي , فكان ما قالتاهُ ... لغةَ الحبّ , وهيَ أمُّ اللغاتِ
هيَ حلَّتْ قَيداً لفكري وعقداً ... من لساني , وأَطلقت كلماتي
خامَرَ الحبُّ قلبَها مثلما خا ... مرَ قلبي , فأنصَتَتْ لشكاتي
عنّفتني على التغزُّل والتش ... بيب في غيرِها من الغاداتِ
ذكَّرتني قصائدي في الغواني ... وَمُناجاتهنَّ في أبياتي
ثم قالت: مَنْ هندُ تلك التي تخ ... لو بها في مكامنِ الغاباتِ؟
أو تُؤَدي إليك منها رسالا ... تِ الهوى خَطْرةٌ من النَسماتِ
واللواتي علقنَ طرفَكَ بالنجمِ ... فأمسيتَ ترصدُ النيّراتِ؟
كلَّ يومٍ يوحي إليك جمالُ ... بسلامٍ عليهِ أو بصلاةِ
قلتُ: لا عذرَ لي سوى أنني الشا ... عرُ يُوحِى إليهِ بالآياتِ
هِمْتُ في عالم الخيال إلى أن ... أرشدتني إلى الهوى خَطَواتي
بتُّ أهواكِ بعد ما عَجَمَ الده ... رُ زماناً عُودي وهزَّ قناتي
إنَّ هنداً عروسُ شعري وبنتٌ ... ليراعي وخاطري ودواتي
هيَ دلَّتْ عليكِ قلبي كما دلَّ ... على الزهرِ عاطرُ النفَحاتِ
واللواتي شاغلنَني , رُحنَ منّي ... يائساتٍ , فلا تقولي اللواتي
ما عشقتُ الجمالَ حين تجلَّى ... فيكِ لكن عشقُ حسنَ الصفاتِ
ما أرتكِ المرآةُ وجهَكِ إلاَّ ... وأراني النعيمَ في مِرآةِ
نحن رُوحانِ بالغَرامِ اتَّحدنا ... لا قضى الدهرُ بيننا بشتاتِ
ليتَ من حظنا الخلودَ لتبقى ... آيةُ الحبِّ آيةً للحياةِ
إلياس فياض
شاعر يتدفق شعره طبعاً وسلالة , لطيف التخيل , واضح المنهج , شائق اللفظ , ليس في نظمه تعسف ولا تعمل ولا غموض , كأنما استعمار شعره ونقاوة ألفاظه من صفا باله , ونقاوة قلبه. نظم في أكثر مواضيع الشعر فأجاد , وترجم جملة حسنة من الروايات فكان نثره كشعره من السهل الممتنع.
النسيم العاشق
هذه قِصَّةٌ جَرَتْ لنسيمِ ال ... روضِ فيما مضى مِن الأزمانِ
وَرَدَتْ في كتابِ سِخرٍ قديمٍ ... خطَّهُ فكرُ ساحرٍ شيطانِ
لم يكنْ قادِراً على فَهمِ معنا ... هُ سوى شاعرٍ لَعوبِ المعاني
وُجِدَ الشعرُ حينما وُجدَ السِحْ ... رُ شقيقَينِ ليس يَفترِقانِ
قيل إِنَّ النسيمَ قد كان يوماً ... يتمشَّى على رُبى لُبنانِ
كتمشي المُصطافِ لا شغلَ يدعو ... هُ سوى حُسنِ منظرِ الوديانِ
هائماً لا يَقرُّ منهُ قرارٌ ... من مكانٍ يميلُ نحو مكانِ
تارةً يلثمُ الزُّهورَ , وطوراً ... يرتمي في معاطِفِ الأغصانِ
إذ أتى منزلاً عظيماً لشيخٍ ... من شيوخ القُرى رفيعِ الشانِ
فانبرى داخلاً إليهِ من الكوَّ ... ةِ وثباً من غيرِ ما استئذانِ
ثّمَّ بنتٌ للشيخ تغزلُ صوفاً ... وهي في مأمنٍ من الحَدَثانِ
تَغزلُ الصوفَ كفُّها , ولها جف ... نانِ بالسحرِ والهوى غَزِلانِ
عبَثَ الزائرُ الجسورُ بشَعرٍ ... ناعمٍ فوقَ رأسِها الفتَّانِ
فتدلَّتْ أطرافُهُ الشُّقْرُ مِن فو ... قِ عيونٍ سُودٍ وخَدٍّ قانِ
ورأَى صاحبي النسيمُ جمالاً ... ما رآه من قبلُ في إِنسانِ
стр. 2173
فغدا شاخِصاً إِليها , مُديماً ... نحوَها نظرةَ الفتى الحَيرانِ
ذلك الأَهوَجُ الخفيفُ المُرائي ... ألقليلُ الثباتِ في كل شانِ
فاضحُ العاشِقينَ , ناشرُ أسرا ... رِ الهوى بينَ كلّ قاصٍ ودانِ
أصبحَ الآنَ بابنةِ الشيَّخ صَبّاً ... مُستهاماً بحُبِّها مُتفاني
عاشِقٌ لا يُرى , ويكفيهِ منها ... أن يَراها في كلّ حالٍ وآنِ
حيُث كانت يكونُ: في البيتِ أو في ال ... رَّوِ , بين النسرِينِ والريحانِ
كلُّ شيءٍ منها يراهُ , فما تخ ... جلُ منهُ وليس بالخجلانِ
همُّهُ كلُّ همِّه أن يراها ... في سرورٍ وغبطةٍ وأمانِ
جاعلاً نفسَهُ كما تشتهي بَرْ ... داً فحرّاً على اختلاف الزمانِ
فإذا اللَّيلُ كانَ ليلَ شتاءٍ ... يَخزُ البرْدُ فيهِ وَخْزَ السِّنانِ
صار حالاً إلى هواءٍ لطيفٍ ... فاترٍ وفْقَ نسبةِ الميزانِ
وإذا اليومُ كان يوماُ شديداً ... يَلذَعُ الحرُّ فيهِ كالنيرانِ
جاَءها كم ذُرى الجبالِ بنفحٍ ... مُنعشِ الرُّوحِ , منعشِ الجثمانِ
وإِذا استَشْعَرَ انقباضاً بها يو ... ماً مضى مُسرعاً إلى البستانِ
وأتاها من الطيورِ الشوادي ... بأرقِّ الأنغامٍ والألحانِ
وإذا الفصلُ كان فصلَ خريفٍ ... وغدا الرَّوضُ مثلَ وجهِ العاني
وخلا خِدْرُها من الزَّهرِ: من ور ... دٍ ومن نرجسٍ ومن أُقحوانِ
سارَ خلفَ الفراشِ في الحقلِ يَجني ... هِ , كما تُجتَنَى زهورُ الجِنانِ
وأتاها منهُ بباقاتٍ حُسنٍ ... مُدهشاتٍ من سائرِ الألوانِ
من عقيقٍ ولا زَوَردٍ وياقو ... تٍ وتبرٍ وأبيضٍ كالجُمانِ
تتجارى في خِدرِها طائراتٍ ... لامعاتٍ الجناحِ كالعقيانِ
وإِذا كان في يدَيها كتابٌ ... دَرْسُهُ مُحوجٌ إِلى الإِمعانِ
وانتهت من تلاوة الوجهِ منهُ ... ثمَّ همَّتْ بدرسِ وجهٍ ثانِ
فتراهُ بنفخةٍ قَلَبَ الوجهَ فلي ... سَتْ تحتاجُ مدَّ البنانِ
ولكم وقفةٌ لهُ ليس تُنسَى ... عندَ ذاك السريرِ ذي الأركانِ
وقدِ استحوَذّ النعاسُ عليها ... وتولَّى الكَرى على الأَجفانِ
يجتلي حُسنَ معصمَينِ أضاءا ... فوقَ مَلمومِ صدرِها الملآنِ
ولكم زَحزَحَ الستارَ , وأدنى ... ثغرَهُ فوقَ ثغرِها الظمآنِ
فرواها كما ارتوى , دون أن تخ ... جَلَ منهُ وليس بالخجلانِ
هكذا عاشَ في هواها زماناً ... ناعمَ البالِ خاليَ الأَشجانِ
حاسباً أنَّ للصفاءِ دواماً ... هل دوامُ الصفاءِ بالإِمكانِ؟
وَدّعِ الحبَّ يا نسيمُ , فقد جا ... َءك خصمٌ أقوى إلى الميدانِ
جاء مَنْ يَخطبُ الفتاةَ فتىً في ... عصرِهِ كانَ أبسطَ الفتيانِ
ما لهُ ميزةٌ على من سواهُ ... غيرُ مالٍ يَفيض كالغدرانِ
غرَّها كثرةُ الحلي , فمالت , ... وقديماً تهوى الحليَّ الغواني
رضِيَتْهُ بعلاً , فيا خيبةَ الآ ... مالِ م ذلك المحبِّ العاني
آهِ! مهما يكُ النسيمُ لطيفاً ... طَيِّبَ النَّشرِ عاطرَ الأردان
كيفَ يَسطيعُ صدَّ مالٍ وجاهٍ ... وحُليٍّ بهيَّةِ اللَّمَعانِ
لَهْفَ قلبي عليهِ! بعد مزيد ال ... عزّ يُمسي في ذلَّةٍ وهوانِ
واقفاً خلفَ كوَّةِ البيتِ يشكو ... بأنينٍٍ كأنَّةِ الثكلانِ
ولهُ كالحَمامِ طوراً هديلٌ ... وفحيحٌ آناً كما الثُّعبانِ
стр. 2174
ولكَم حدَّثَتهُ بالشّرِ نفسٌ ... ما لها بالشُّرورِ قبلُ يدانِ
فابتغى أن يصيرَ عاصِفَ ريحٍ ... هادِماً بيتَها على السكَّانِ
ولَدُنْ وافتِ الكنيسةَ بالمو ... كبِ تبغي إِتمامَ عقدِ القرانِ
عيلَ صبراً , فثارَ ثورةَ ليثٍ ... وأَثارَ الغُبارَ ملَء العيانِ
وانبرى للشموعِ يُطفِئُها غي ... ظاً ولم يحترمْ جلالَ المكانِ
زادَ حِقداً , فرامَ تجفيفَ ما في ال ... كأس حتى تبقى بلا قربانِ
ومُديرُ الناقوسِ ممَّا اعتراهُ ... أسمعَ الناسَ دقَّةَ الأحزانِ
كلُّ هذا لم يُجدِ نفعاً , وتمَّ ال ... عرسُ رغماً عن ذلك الهَيجانِ
فمضى هائماً على وجههِ وال ... صدرُ يغلي بالحقدِ كالبُركانِ
ساحَ في الأرض , مثستغيثاً ملوك ال ... ريحِ من كلّ صادقٍ مِعوانِ
بين هيفٍ وزعزعٍ ودَروجٍ ... وسمومٍ وعاصِفٍ مِرنانِ
ثمَّ وافى من بعدِ عامَينِ في جي ... شٍ خضمٍّ يموجُ كالطَّوَفانِ
خارِباً في طريقِهِ كلَّ ما م ... رَّ عليهِ من عامرِ البلدانِ
وصلَ البيتَ , وهو يحسبُ أن يَذ ... ريَهُ في الهواءِ مثلَ الدُّخانِ
إِذ رأى في جوانب الدارِ مَهداً ... فيهِ طفلٌ يبكي بغيرِ بيانِ
ولدى الطفلِ أُمُّهُ , وهي من خو ... فٍ عليهِ شديدةُ الخفَقانِ
فتلاشَتْ قواهُ , وانتصر الح ... بُّ عليهِ والحبُّ ذو سلطانِ
فجثا قُربَ طفلها , آخذاً عن ... ها يهزُّ السريرَ كالغلمانِ
صدَّ عني
صدَّ عني ولا عَجَبْ ... كلُّ شيءٍ لهُ سَببْ
ذهبتْ ساعةُ الرّضي ... وأتتْ ساعةُ الغضبْ
مستبدٌّ بحُكمهِ ... فأنا مثلُ ما أَحبّْ
تارةً صاحبُ المُنَى ... تارةً صاحبُ الكُرَبْ
فَلِقاءٌ بهِ الهنا ... وَفِراقٌ بهِ التَّعبْ
كلُّ ذنبي لأنَّ لي ... فيهِ صدراً قد التهبْ
ولأني عشقتهُ ... باردَ القلبِ والشَّنَبْ
ليالي الصيف في مصر
أذاعَ في مصرَ رسولُ البِشْرِ ... أنَّ ذُكاَء غَرِقَتْ في البحرِ
فَطَلَعَ البدرُ ضَحُوكَ الثغرِ ... وأقبلَ النسيمُ لطفاً يسري
وصَفَّقَتْ فَوْزاً مياهُ النهرِ
وبلغَ الرياضَ ذاكَ الخَبَرُ ... فاهتزَّ إِعجاباً وماسَ الشَّجرُ
وابتهجَ النّورُ بها والثَّمرُ ... والزُّهرُ من فوقُ إليها تنظرُ
ترى خيالَ ذاتِها في الزَّهرِ
ومن عجيبٍ أن تَرَى الطبيةْ ... تُظهِرُ ذي الشماتةَ الفظيعةْ
بالشمسِ وهي أُمُّها البديهةْ ... وَرَبَّةُ الكَلِمةِ المسموعةْ
تُطيعها في نهيها والأَمرِ
لكن بمصرِ ليسَ بالعجيبِ ... وقوعُ هذا الخطأِ المعيبِ
فكم بها من حادثٍ غريبِ ... والشمسُ فيها أحدُ الخطوبِ
في الصيفِ فهي أصلُ ذاك الحّرِّ
أُنظرْ فَبَيْنا الدُّورُ والقصورُ ... ليسَ بها حسٌّ ولا شعورُ
صامتةٌ كأنها قبورُ ... قدِ انبرَت بأهلِها تَمُورُ
وانْفَرَجَتْ عِقْدَةُ ذاكَ الحَصْرِ
أطلَّتِ الغِيدُ من الخدورِ ... كأنها الأقمارُ في سفورِ
يخطونَ في الدِّمَقْسِ والحريرِ ... مِن كلّ ظبيٍ أغَيدٍ غريرِ
مُهتضمِ الكشحِ دقيقِ الخصرِ
وخرجَ الناسُ إلى الساحاتِ ... يغتنمونَ فُرَصَ اللذَّاتِ
وارتفعت طَقطقةُ الساحاتِ ... من جعةٍ تُحسي ومن جلاَتِ
مبرّداتٍ مُنعِساتِ الصَّدرِ
تَنَفَّسَ الحيُّ ومنذُ حينِ ... كان يُعاني غًصَصَ المَنونِ
стр. 2175
مُنطرِحاً في ذلك الأتونِ ... فلم يكن يا ليلُ من مُعينِ
سِواكَ للخلاص من ذا الأَسرِ
يا أيها العبدُ الجميلُ الأسودُ ... أنتَ لنا المولى ونحنُ الأَعبُدُ
بل أنتَ في مصرَ إِلهٌ يُعْبَدُ ... ففيكَ طابت مُهَجٌ وأكبُدُ
أوْدى بها لولاكَ صيْفُ مصرِ
لأجلِ هذا قد تغنَّى المنشِدُ ... باسمكَ كلَّ ساعةٍ يُرَدّدُ
يا ليلُ! ليتَ الصبحَ ليسَ يُولَدُ ... وليتَ كلَّ أبيضٍ يا أسودُ
فداءُ هاتيكَ الثنايا الغُرِّ
يا صاحِ , فاسْلُ هذهِ النَّوادي ... حافلةَ القاعاتِ بالقُصَّادِ
إن رُمْتَ تَشفي غِلَّة الفؤادِ ... فاقصدْ معي ضِفافَ ذاك الوادي
حيثُ أبو الخيراتِ ظلَّ يجري
يا حبَّذا النّيلُ على ضوءِ القَمَرْ ... وحبَّذا الغبوقُ فيهِ والسَّحَرْ
ركبتُهُ كأنني على سَفَرْ ... في ليلةٍ ما عابَها غيرُ القِصَرْ
كذلك الصفوُ قصيرُ العمرِ
مَعَ غزالٍ من بني الإِفرنجِ ... مُهفهفِ القدِّ كثيرِ الغُنْجِ
ينظرُ عن سودٍ صِحاحٍ دُعجِ ... وجدتُ فيها كلَّما أُرَجّي
من روضةٍ وخمرةٍ وشعِرِ
والريحُ تسري حولَنا بليلا ... تبلُّ من صدورِنا الغليلا
كأنها آسٍ أتى عليلا ... وقدِ أبحناها اللَّمى تقبيلا
فما اكتفت بل عَيَثَتْ بالشَّعْرِ
والنّيِلُ يجري تحتَنا غزيرا ... تهزُّنا موْجاتُهُ سرورا
كما تهزُّ غادةٌ سَريرا ... قد نامَ فيهِ طفلُها قريرا
في مأمنٍ من عادياتِ الدَّهرِ
والبدرُ تلقى وجههُ في الماءِ ... سبائكاً من فضَةٍ بيضاءِ
تلمعُ إِذ تموجُ بالهواءِ ... كأنها السيوفُ في الهيجاءِ
ما بين كرٍّ دائمٍ وفَرّ
والأُفقُ زاهٍ بالنجومِ الغُرِّ ... كأنها لآليءٌ في نحرِ
جاريةٍ من الجواري السُّمرِ ... أو ياسمينٌ لاحَ في مخضرِّ
رَوضٍ تَرَوَّى من جُموعِ الفجرِ
وللنَّخيلِ منظرٍ مهيبٌ ... تُراعُ في جَمالهِ القلوبُ
فوقَ الضفافِ ظلُّها رهيبُ ... صفّاً بصفٍّ زانَها الترتيبُ
مِن كلِّ جبارٍ عظيمِ القَدَرِ
تحسَبها مَرَدَةً طوالا ... تحتَ مظلاَّتٍ زَهَتْ جَمالا
في النيل جاءت تبتغي اغتسالا ... سَحَرَها النيلُ فلن تَزَالا
واقفةً هنا بفعلِ السِحرِ
والذهبيَّاتُ بهِ جوارِ ... بين صُعودٍ فيهِ وانحدارِ
تبدو لنا زاهيةَ الأنوارِ ... كأنها لوامعُ الدَّراري
سابحةً فوقَ عبابِ الغَمرِ
وللشواطئِ لنا تردُّدُ ... فتارةً ندنو وطوراً نبعدُ
وللمياهِ حولَنا تنهُّدُ ... وزَفَرَاتٌ نحوَنا تُصَعَّدُ
والرّيحُ في الشّراعِ ذاتُ نَقْرِ
فلا نملُّ الضمَّ والتقبيلا ... وقد رَجونا الليل
هذا ونحنُ نتبعُ الأُصولا ... في الحبّ لا نبغي بها بديلا
فحبَّذا لو دامَ طولَ الدهرِ
وكانتِ الأكوانُ في هُجوعِ ... من حوِلنا باديةَ الخشوعِ
والزُّهرُ في السماءِ كالشُّموعِ ... قد أُوقدت لعرسِنا البديعِ
والليلُ قسّيساً لعقدِ السرِّ
فبينما نحنُ كذا سُكارى ... وقد خلعنا في الهوى العِذَارا
إذِ الصباحُ قد نضى البتَّارا ... وضَرَب الليلَ بهِ فدارا
وانسكبت دماؤُهُ كالخمرِ
فراغنا مشهدُ ذا القتيلِ ... وامتنعَ الحبُّ عن التقبيلِ
تهيُّباً للحادثِ الجليلِ ... فعدتُ مَعهُ لا أرى سبيلي
غيظاً على الصباحِ ربِّ الغدرِ
стр. 2176
يا حبَّذا النّيلُ على ضوءِ القَمَرْ ... وحبَّذا الغبوقُ فيهِ والسَّحَرْ
ركبتُهُ كأنني على سَفَرْ ... في ليلةٍ ما عابَها غيرُ القِصَرْ
كذلك الصفوُ قصيرُ العمرِ
مَعَ غزالٍ من بني الإِفرنجِ ... مُهفهفِ القدِّ كثيرِ الغُنْجِ
ينظرُ عن سودٍ صِحاحٍ دُعجِ ... وجدتُ فيها كلَّما أُرَجّي
من روضةٍ وخمرةٍ وشعِرِ
والريحُ تسري حولَنا بليلا ... تبلُّ من صدورِنا الغليلا
كأنها آسٍ أتى عليلا ... وقدِ أبحناها اللَّمى تقبيلا
فما اكتفت بل عَيَثَتْ بالشَّعْرِ
والنّيِلُ يجري تحتَنا غزيرا ... تهزُّنا موْجاتُهُ سرورا
كما تهزُّ غادةٌ سَريرا ... قد نامَ فيهِ طفلُها قريرا
في مأمنٍ من عادياتِ الدَّهرِ
والبدرُ تلقى وجههُ في الماءِ ... سبائكاً من فضَةٍ بيضاءِ
تلمعُ إِذ تموجُ بالهواءِ ... كأنها السيوفُ في الهيجاءِ
ما بين كرٍّ دائمٍ وفَرّ
والأُفقُ زاهٍ ب النجومِ الغُرِّ ... كأنها لآليءٌ في نحرِ
جاريةٍ من الجواري السُّمرِ ... أو ياسمينٌ لاحَ في مخضرِّ
رَوضٍ تَرَوَّى من جُموعِ الفجرِ
وللنَّخيلِ منظرٍ مهيبٌ ... تُراعُ في جَمالهِ القلوبُ
فوقَ الضفافِ ظلُّها رهيبُ ... صفّاً بصفٍّ زانَها الترتيبُ
مِن كلِّ جبارٍ عظيمِ القَدَرِ
تحسَبها مَرَدَةً طوالا ... تحتَ مظلاَّتٍ زَهَتْ جَمالا
في النيل جاءت تبتغي اغتسالا ... سَحَرَها النيلُ فلن تَزَالا
واقفةً هنا بفعلِ السِحرِ
والذهبيَّاتُ بهِ جوارِ ... بين صُعودٍ فيهِ وانحدارِ
تبدو لنا زاهيةَ الأنوارِ ... كأنها لوامعُ الدَّراري
سابحةً فوقَ عبابِ الغَمرِ
وللشواطئِ لنا تردُّدُ ... فتارةً ندنو وطوراً نبعدُ
وللمياهِ حولَنا تنهُّدُ ... وزَفَرَاتٌ نحوَنا تُصَعَّدُ
والرّيحُ في الشّراعِ ذاتُ نَقْرِ
فلا نملُّ الضمَّ والتقبيلا ... وقد رَجونا الليل
هذا ونحنُ نتبعُ الأُصولا ... في الحبّ لا نبغي بها بديلا
فحبَّذا لو دامَ طولَ الدهرِ
وكانتِ الأكوانُ في هُجوعِ ... من حوِلنا باديةَ الخشوعِ
والزُّهرُ في السماءِ كالشُّموعِ ... قد أُوقدت لعرسِنا البديعِ
والليلُ قسّيساً لعقدِ السرِّ
فبينما نحنُ كذا سُكارى ... وقد خلعنا في الهوى العِذَارا
إذِ الصباحُ قد نضى البتَّارا ... وضَرَب الليلَ بهِ فدارا
وانسكبت دماؤُهُ كالخمرِ
فراغنا مشهدُ ذا القتيلِ ... وامتنعَ الحبُّ عن التقبيلِ
تهيُّباً للحادثِ الجليلِ ... فعدتُ مَعهُ لا أرى سبيلي
غيظاً على الصباحِ ربِّ الغدرِ
النجوم
قلتُ للنّيراتِ ذاتَ مساءِ ... أتُرَى أنتِ مثلَنا في شقاءِ؟
ساهراتِ الجفونِ , هل لفراقٍ؟ ... خافقاتِ الضلوعِ , هل للقاءِ؟
هائماتٍ مع المجرَّةِ تجري ... نَ إلى غيرِ غايةٍ أو رَجاءِ
مثلَ سربٍ من القطا ظامئاتٍ ... حولَ ماءٍ يُمعنَنَ وِرْدَ الماءِ
أو عذارى من حولِ نعشٍ حيارى ... في صلاةٍ ما تنقضي وَدُعاءِ
إِنَّ في لحظكِ الشجيّ حنيناً ... نافذاً سهمُهُ إلى أحشائي
وأرى نورَك الضئيلَ كدمعٍ ... سائلٍ من محاجرٍ بيضاءِ
أثغورٌ كئيبةٌ , أم جراحٌ ... أنتِ في اللاَّنهايةِ السوداءِ؟
أنتِ يا جدَّةَ الخلائقِ , أمَّ الده ... ر , يا ربَّةَ الهُدى والضياءِ
стр. 2177
أنتِ تبكينَ يا نجومُ؟ أجابت ... نحنُ في عزلةٍ بهذا الفضاءِ
بينَنا الهجرُ من قديمٍ فلا يغ ... رُرْكَ منّا تقارُبُ الأَضواءِ
كلُّ نجمٍ منَّا يعيشُ بعيداً ... عن أخيهِ تقارُبُ الأَضواءِ
مُحرِقاً نفسهُ بغيرِ انتفاعٍ ... ذاهباً نورُهُ سدىً في السماءِ
قد فهمتُ الذي تقولينَ يا شه ... بُ فأنتنَّ أنْفُسُ الشُّعَرَاءِ
هكذا نورُها يضيعُ بأفقٍ ... نَزَلتْ منهُ منزِلَ الغُرَباءِ
لا تَرَى الأنفُسُ الغريبةُ منها ... ما بها من تَوَقُّدٍ وذكاءِ
فتنيرُ الظَّلامَ حيناً وتمضي ... في ثيابِ الخلودِ نحوَ الفناءِ
الدكتور نقولا فياض
شاعر رقيق التشبيب حلو التغزّل , موسيقي التراكيب , تشف معانيه عن شعور دقيق , وينم أسلوبه عن سلامة في الذوق. وهو كشقيقه في مذهبه الشعري حتى أنه لو نظم أحدهما القصيدة ووقعها الآخر لصحت نسبتها إليه
زهرة بنفسج
أَهوى البَنَفَسجَ آيةَ الزَّهرِ ... في الشَّكلِ والتصويرِ والعطرِ
وأُحبُّهُ في الأرضِ مُختَبئاً ... وأُحبُّهُ في بارزِ الصّدرِ
ولكلِّ عذراءٍ أُقدِّمُهُ ... ما دامَ فيهِ حياؤُهُ العُذري
لكنْ شَجاني منهُ حادِثةٌ ... أَجرتْ دموعَ عرائسِ الشعر
هيَ زهرةٌ بجوارِ ساقيةٍ ... نبتَت وعاشت عيشةَ الطُّهرِ
لم تدرِ غيرَ العشبِ مُتَّكأً ... وسوى عناقِ الماءِ لم تدرِ
فاستيقظَتْ يوماً كأنَّ بها ... سكراً وقد شَرِبَتَ نَدى الفجرِ
تَبكي جوىً وتَقولُ: ما أمَلي ... لو عِشتُ خالدةً بذا القَفرِ
حسناءُ لكنْ لا عيونَ تَرى ... حُسني , ولا مِنْ عارفٍ قَدري
هلاَّ صَعدتُ إلى ذُرى جَبلٍ ... وبَدلتُ هذا الكوخِ بالقَصرِ
فأَرى الجديد من الوجودِ وما ... تحوي معاني الكونِ من سِحْر
وأُشارفَ الدُّنيا وأجعلَها ... تَطوي مناظرَها على نَشري
قالت , وقامَ بها الهوى فمَشتْ ... في القفرِ مثلَ ظِبائِهِ العُفرِ
والرّيحُ تحملُها وتُقعِدُها ... وتَموجُ بينَ الشَّعرِ والخّصرِ
حتَّى إذا صعَدت وما ابتعدتْ ... وقَفتْ تُجيلُ الطرفَ عن كِبْر
فاستبشرتْ بالفوزِ وانطلقتْ ... تعدو ولا تلوي على أمرِ
وحلا لها السفَرُ البعيدُ , وما ... حسبت حسابَ الحلوِ والمرِّ
الأرضُ مُوعِرةٌ ومُحرِقةٌ ... فكأَنَّها تمشي على جَمرِ
ورفيقها هُوجُ الرياحِ , وقد ... ثارتْ عليها ثورةَ الغدرِ
ترمي بها كلَّ الجهاتِ , فلا ... ترتاحُ من كرٍّ إلى فرِّ
حتى أصابت هضبةً , فإِذا ... فيها نعيمُ العينِ والفكرِ
من تحتِها الجناتُ مشرقةٌ ... بالزَّهر كالأفلاكِ بالزُّهرِ
والناسُ والأشياءُ مائجةٌ ... كالبحرِ في مَدٍّ وفي جزرِ
قالت بدأتُ أرى فواطَرَبي ... لو كنتُ أبلغُ موطئِ النَّسرِ
أعلو إلى قُممٍ تحجّبها ... تلك الغيومُ بحالكِ السترِ
فأرى بديعَ الكونِ تحت يدي ... وأفضَّ منهُ غامِضَ السرِّ
يا للبنفسجةِ الجميلةِ من ... أهوالِ ما قاستْهُ لو تدري
عزَّ السبيلُ إِلى مطامِحها ... في مصعدِ الأشواكِ والوعرِ
وأَصابَ أَرجلَها الضعيفةَ ما ... يمني الحديدَ الصلْبَ بالكسرِ
فتأوَّهتْ نَدَماً ولو قدرتْ ... رجعتْ على أعقابِها تجري
لكنَّها داختْ , وصيَّرها ... خوفُ السقوط كراكبِ البحرِ
стр. 2178
فتشبَّثتْ بالأرضِ مُفرِغةً ... جُهدَ القوى وبقيَّةَ الصبرِ
حتى تسنَّمتِ الذُرى , وغدتْ ... في الأَوج تتلو آيةَ الشكرِ
لكنَّها لم تلقَ , واأسفي , ... في الأوجِ غيرَ جلامدِ الصخرِ
لا عشبَ يَنبتُ في جوانبهِ ... أبداً , ولا أثَرٌ لمخضرِّ
والعاصفاتُ كأنَّها أُسُدٌ ... في الجوِّ تزأَرُ أيَّما زأرِ
والغيمُ ساوى في تلبُّدهِ ... ما بين نصفِ الليلِ والظهرِ
فجثتْ لأوَّل مرَّةٍ , وبكتْ ... كالطفلِ من تَعَبٍ ومن ذُعرِ
والبردُ أفسدَ لونَها كمداً ... من كلّ مزرَقٍّ ومحمَرِّ
فاصفرَّ ذياك الجبينُ , كما ... ذهبتْ نضارةُ ذلك الثغرِ
من قهرِها أنَّتْ , وقد سُمعتْ ... وسطَ الزوابعِ أنَّهُ القهرِ:
يا ليتني لم أصْبُ نحو عُلىً ... وبقيتُ بينَ عرائسٍ الزهرِ
ثمَّ ارتمتْ ضعفاً وأَخرَسها ... شبَحٌ بدا من جانب القبرِ
وتصلَّبتْ أعصابُها , ومضتْ ... بالموت هاويةً إلى القعرِ
مسكينةٌ قد غرَّها شَرَفٌ ... هو كالسَّرابِ لكلّ مُغترِّ
ظنَّتْ بأنَّ لها العلاَء غِنىً ... فإذا بهِ فَقرٌ على فقرِ
ما كان أهنأَها وأسعدَها ... لو لم تُفارقْ ضفَّةَ النهرِ
اذكريني
ترجمة قصيدة - لألفرد ده موسه
اذكريني , كلَّما الفجرُ بدا ... فاتحاً للشمسِ قصرَ الذهَبِ
واذكريني كلَّما الليلُ مضى ... راكضاً بين جنودِ الشُّهُبِ
وإذا ما صدرُكِ ارتجَّ على ... نَغَمِ اللذَّاتِ وقتَ الطرَبِ
أو دعاكِ الظلُّ يا ميُّ إلى ... لذَّةِ الأحلامِ عندَ المغربِ
فاسمعي من داخلِ الغابِ صدى ... صارخٍ فيهِ يُناديكِ: اذكري!
اذكريني إِن غدا صَرْف ُالقَدَرْ ... فاصلاً ما بيننا للأَبدِ
يومَ لا تُبقي الليالي والعِبَرْ ... من رجاءٍ لفؤادي الكَمِدِ
واذكري حُبّاً بهِ قلبي انفطرْ ... ووداعاً ذابَ منهُ كبدي
وإذا الحبُّ على القلبِ انتصر ... غلبَ البعدَ وطولَ الأَمَدِ
وأنا ما عِشتُ يكفيني خَبرْ ... منكِ والقلبُ يُناديكِ: اذكري
اذكريني , عندما ما ألقى المَنونا ... ويَضُمُّ ذا القلبَ الكسيرْ
عندما تفتحُ للفجرِ الجفونا ... زهرةُ القفرِ على قبري الحقيرْ
لن تَري من بِعدها ذاك الحزينا ... إِنَّما نحوَكِ روحي ستطيرْ
وبها أبقى على العهدِ أمينا ... جاعلاً حُبَّكِ لي خيرَ سميرْ
واسمعي من جانب القبرِ أنينا ... هاتفاً في ظلمة الليل: اذكري!
أصابع العاج
ليس البيانو الذي باتت تُكهرِبهُ ... يداكِ أطوعَ من قلبي وأفكاري
لَمَستِهِ فتمشَّى السحرُ بي , فكما ... تهتزُّ أوتارُهُ تهتزُّ أوتاري
أصابعُ العاجِ هذي تلعبينَ بها ... أمْ تلعبينَ بأسماعٍ وأبصارِ؟
تامر بك ملاط
شاعر بليغ فحل , جاهلي الديباجة , سما به شعره إلى طبقة أكابر الشعراء وكاد يكون في طليعتهم لولا أنه أصيب فجأة - وهو عصبي المزاج حاد الذكاء - بمرض في عقله على أثر حادث سياسي لا محلّ لذكره , فاستولى عليه ذهول بات يهيم منه على وجهه لا سلوى له إلا الشعر يقوله متى ثاب إليه رشده فيأتي فيه بالبديع المطرب. وفي القصيدة التالية وصفه لنفسه في حالة مرضه:
الشاعر المريض
دعاني أجْزَعِ الغَمَّا ... فَجفني بالأَسى نمَّا
وخَلاَّني أُصيحابي ... وسهمُ الغدرِ قد أصمى
стр. 2179
فلم أُبصر أَخاً يُرجَى ... ولا خالاً ولا عمَّا
وراحَ الحظُّ عن شكوا ... يَ في أُذنٍ لهُ صَمَّا
وجدَّ الدهرُ في قهري ... يحثُّ الهمةَ الشمَّا
رأيتُ الناسَ تخشاني ... كأَنّي وابئُ الحُمَّى
فلا أَدرِي أحيّاً ب ... تُّ أم ميتاً قضى ظلُما
أرى بيني وبين البُؤ ... سِ وُدّاً طافحاً يمَّا
أما من مُفسدٍ واشٍ ... سعى بالوشيِ مهتمَّا
فخلَّى ودَّنا شملاً ... شَتيتاً لَنْ يَرى لمَّا
يميناً! حارَ عقلي في ... حياةٍ تُشبِهُ الحُلما
أَرى فيها من الأضدا ... دِ ما يستوقِفُ الفَهما
أَعاجيبٌ قَضَتْ منّي ... شُؤُوناً بالأذى جَمَّا
فبي كالضربِ آلاماً ... وما من ضاربٍ همَّا
وكالتجريحِ أوجاعاً ... وما من جارحٍ أمَّا
وكالنيرانِ تَشِوي الرو ... حَ ثُمَّ اللحمَ والعظما
ولا نارٌ ولا جَمرٌ ... ولا ما يُشعِلُ الفحما
وكالأدواءِ أعراضاً ... تُذيبُ الصخرةَ الصمَّا
وما من علَّةٍ تُشكّى ... لطبٍّ يُبرِئُ السُقما
وكالأغلالِ في جسمي ... ولم أحملْ بهِ دُهما
وعَقلٌ ذاهلٌ ساهٍ ... سَجينٌ مُوثَقٌ رمَّا
كأني غيرُ موجودٍ ... وموجودٌ قدِ اهتمَّا
أراني قد أرى ريِناً ... بأنفِ الحقِّ قد شمَّا
أشكُّ اليومَ بي , حتَّى ... وجودي خِلتُهُ وَهما
فقبلي لم يكنْ سجنٌ ... يَعمُّ الروحَ والجسما
حبيسُ الروحِ عن حِسٍّ ... وفكرٍ سرَّ أو غمَّا
وعن حفظٍ وعن ذكرٍ ... وعن حُكمٍ , ولو مهما. . .
حبيسُ الفعلِ ثُمَّ النط ... قِ , لا حتى , ولا أَمَّا
ولا سَمعٌ ولا شوقٌ ... ولا لمسٌ ولا شمَّا
قُوىً محبوسةٌ جمعا ... ءُ ممَّا خصَّ أو عمَّا
فِعالٌ وانفعالاتٌ ... ولا حريةٌ ثمَّا
وحسَّاسٌ جَمادٌ في ... زمانٍ واحدٍ حكما
مَقُودٌ غيرُ مختارٍ ... كأني آلةٌ صمَّا
إِذا ما حشرةٌ أزَّتْ ... عرتني هزَّةٌ رُغما
وإِن صرَّ الذُّبابُ الغَثُّ ... صرَّتْ أضلُعي ممَّا. . .
ويأتيني البُكا عَفواً ... ويَعصيني البُكا لمَّا. . .
ولا أسطيعُ جَذْبَ النف ... سِ عن ضحك بيَ أئتمَّا
ولا أقوَى على ضحكٍ ... إذا أمَّتُهُ أمَّا
وحالٍ كالغنى شكلاً ... بفقرٍ مُدقعٍ نمَّا
رياشٌ جَمَّةٌ شتَّى ... ومالي مسُّها جَزما
طعامٌ شائقٌ حُلوٌ ... ولكن مرَّ لي طعما
ونومٌ دونَ تهويمٍ ... تراهُ أعيُني حَتما
شؤونٌ لو رواها الحُ ... رُّ نالتْ سمعَ مَن صمَّا
وقالوا: جِنَّةٌ عاثتْ ... بعقلي , فالتوَى رقما
وقالوا: إِنَّما القسي ... سُ فيهِ نافِعٌ حَسما
خرافاتٌ وأوْهامٌ ... تَعيبُ العقلَ والعِلما
وقالوا إِنهُ داءٌ ... لأعصابي قدِ انضما
ومنهم مَن رأى شيئاً ... ولا أكنى ولا سمَّى
فهذا النزرٌ ممَّا بي ... على ما أسطعتهُ نَظما
ولا أرتادُ للأيا ... مِ تَمداحاً ولا ذمَّا
فذا حظي من الدنيا ... فدعني , لا تزِدْ غمَّا
شبلي بك ملاط
هو من أمراء الشعر في الشام , ومن صاغة الكلام الذين يشار إليهم بالبنان , سريع
الخاطر سم القريحة , يجيش الشعر في نفسه فيجري فصيحاً على لسانه دون أن يكدّ طبعه. أما نظمه فجزل الألفاظ , مَحكم النسج , مطرد السياق , لا تعلق به ركاكة ولا ظل عليه للابتذال.
стр. 2180
مطوقة القطرين
أنشدت في حفلة سركيس لتكريم خليل أفندي مطران
لمشَت إلى الأَهرامِ أرضُ الشامِ ... لو تستطيعُ جوىً إلى الأَهرامِ
ذكَرَتْ جمالْ النّيلِ فانطلقت إِلى ... واديهِ بالأرواحِ والأحلامِ
وحلَتْ لها النَّجوى بهِ , فكأَنَّهُ ... سِينا الهُدَى ومحجَّةُ الإِلهامِ
خلعَتْ عليهِ الزاهراتُ جمالَها ... وحَنَتْ عليهِ مَراضعُ الإِعظامِ
مجدٌ بناصيةِ السَّحابِ مشدُّهُ ... قامت دعائمهُ على الإِسلامِ
يمشي على هامِ القرونِ , كأنَّما ... أقدامُهُ منها مكانُ الهامِ
مصرٌ لهُ أُمٌّ , وما مصرٌ سوى ... مهدِ الأسُودِ ومسرحِ الآرامِ
ما ضرَّها , وبنودُها معقودةٌ ... بالنيّرينِ , تقلُّبُ الأحكامِ
ولها من العبَّاس صمصامٌ على ... حدَّيهِ مجلَي الشكِّ والأوهامِ
ملِكٌ يطوفُ بهِ الجلالُ ومجدُهُ ... تُغْضِي العيونُ لديهِ وهيَ شوامِ
للشعرِ تهليلٌ إِذا علَّلتَهُ ... بِثَنا الأميرِ , وهِزَّةُ استغرامِ
سَعَدت قوافيهِ بهِ , وترنَّحت ... أيامهُ تيهاً على الأيامِ
حنَّتْ إليه رفاتُ أحمدَ , وانثنى ... طرِباً ببهجتهِ أبو تمَّامِ
وصبا إليهِ البحتريْ واشتاقَهُ ... مثوى عظامٍ في التراب عِظامِ!
يا هيكلَ الشِّعرِ الذي انبلجَ الهُدى ... من جانَبيهِ وحكمةُ الأعوامِ
غنَّتكَ من برناس أبكارُ الهوى ... وبناتُ عذرةَ أقدسَ الأنغامِ
ونشقنَ من أطيابِ تربكَ عنبراً ... ولَثَمْنَ منكَ مواقعَ الأَقدامِ
تتلامسُ الأرواحُ فيكَ , وتشتكي ... عند التفرُّق ثقلةَ الأجسامِ
خلَّدتَ تروادا وأبطالاً لها ... وردوا الحروبَ خوافقَ الأعلامِ
وحفظتَ للعرَبِ الكرامِ مآثراً ... وضَّاءةَ الأحسابِ والأحلامِ
هَبْ لي من الوحي الكثيرَ فانثني ... والسحرُ نظمي , والبيانُ كلامي
في محفلٍ فخمٍ بكلّ مبلَّجٍ ... طلقِ الجبينِ وأصيدٍ بسَّامِ
فَلَكٌ تحفُّ سَراتُهُ بمحمَّدٍ ... مثلَ النجومِ تحفُّ بدرَ تمامِ
شخصتْ لهث صِيدُ الحجازِ وساجلتْ ... بعليّهِ صُيَّابةً الأعجامِ
وتصافحتْ مصرٌ وسوريا بهِ ... تتعانقانِ على رضيً وَوِئامِ
شَمْلٌ تعهَّدهُ , فضمَّ شتيتَهُ ... مُحيي القريضِ ودولةِ الأقلامِ
تجري العناصرُ باسمهِ: خالاً إلى ... خالٍ , وأعماماً إلى أعمامِ
والناسُ إِنسانيَّةً جَمَعَتْهُمُ ... لو فكَّروا صِلَةٌ من الأرحامِ
أعزز على عصرِ التمدُّن أن يَرى ... جوَّ السلامِ مُلبَّداً بقَتامِ
ومن الجبالِ على البحارِ صواعقٌ , ... ومن القذائفِ للصدورِ مرامي
ومن الصوافنِ للعجاجِ صواهلٌ , ... ومن الصوارمِ للنجيعِ ظوامي
أرقى الممالكِ في العيونِ تمدُّناً ... أوفى ممدَّاتٍ ليومِ صدامِ
ومن البليَّةِ أن نرى همجيَّةٌ ... طُليتْ دهانَ تمدُّنٍ نمَّامِ
بينا ننادي بالإِخاء , إِذا بنا ... نمشي على جُئَثٍ تُدَقُّ وهامِ
والحربُ كالحةُ الجبين ودونَها ... جيشٌ لُهامٌ فاتكٌ بلُهامِ
من لم يمتْ بقذيفةٍ أودى بهِ ... عندَ التلاحُمِ ضربةٌ بحُسامِ
تلك النفوسُ ودائعٌ عبثتْ بها ... لو تستفيقُ , مطامعُ الحكَّامِ
الله! لطفَكَ يا كريمُ بأُمَّةٍ ... شَقِيَتْ ليومِ تقسُّمِ وخُصامِ
حنَّت إلى البُسفورِ باكيةً كما ... حنَّ الحمامُ مطوَّقاً لحمامِ
стр. 2181
واللهِ ما تبكي الحظوظَ وإِنَّما ... تبكي انقسامَ رجالِها الأعلامِ
قذفوا بها من حالقٍ واستسلموا ... ليدِ الضغائن أيَّما استسلامِ
فأضاعتِ الجيشَ السياسةُ , وهو لم ... يُخلَق لغير مُهنَّدٍ صمامِ
أخطا الألى نسبوا لبعضِ عناصرٍ ... منها شعورَ شماتةٍ وتحامِ
فَلَنَحْنُ نَعلمُ أن عرشِ محمَّدٍ ... خيرٌ لنا من دولةِ الأروامِ
بل نحنُ نفهمُ أَنَّهُ بَرٌّ بنا ... من كلّ محتكمٍ من الآنامِ
ولئنْ تسكَّعَ جاهلٌ فردٌ , فهل ... يسري على المجموعِ شبهُ مَلامِ؟؟
أمعاشرَ النيل الأُلى قد ضمَّدوا ... بالحودِ جرحَ المجهَديِنَ الدامي
خفَّفتمُ عبَء الشقا , وبَعثتمُ ... تحتَ الهلالِ مَراهِمَ الآلامِ
ومطَرتم دارَ السعادةِ مثنعشاً ... وسهرتمُ للخطبِ غيرَ نيامِ
خطَّ الثناَء لكم دمُ الجرحى بها ... ودعَتْ لمصرَ مدامعُ الأيتامِ
وإلى سليلِ الضاربينَ من التقى ... بيتاً تُقدِّسُهُ عشائرُ سامِ
أنضى العفاةُ مطيَّهم , واستقبلوا ... من راحتَيهِ أخا السَّحابِ الهامي
فاسمعْ حفيفَ دعاءِ عثمانٍ وقد ... ذكروا الجميلَ بركعةٍ وصيامِ
بالفرقدَين بعابدينَ جلالةً ... طافوا بمحرابٍ لهم وإِمامِ
سَلْ عن أميرِ النيلِ سوريَّا وما ... فيها لهُ من موثقٍ وذمامِ
من ورقِ جابيها إلى كولمبُسٍ ... حجَّتْ هواهُ أكارمُ الأقوامِ
يتلمَّسُ السوريُّ من وجدٍ بهِ ... أُنسَ الضُّحَى في وحشةِ الإظلامِ
ويشوقُهُ سفحُ المقطَّمِ ذاكراً ... أوطانَ أحبابٍ إليهِ كرامُ
ما وجدُ غَيلانٍ بميٍّ مثلهُ ... وجداً ولا عفراَء بابنِ حزامِ
أَمعاهدَ الأحباب حسبُكِ شاعر ... من شعرهِ زَهرُ الربيع النامي
رقَّتْ حواشيهِ وذابَ , فخلتنُي ... منهُ استعرتُ مدامِعي وغَرامي
في النيلِ مهبطُ وحيهِ ورنينُهُ ... في الخافِقَينِ لهُ صدىً مُترامِ
فإذا ذكرتَ لهُ الخليلَ تمايدت ... أعطافُهُ طَرَباً بغيرِ مُدامِ
من بعلبكَّ , وآلهُ القومُ الأُلى ... بلغوا من العلياءِ كلَّ مُرامِ
أَفتى الشواردِ , كم سهرتَ وكم جَرتْ ... منكَ الجفونُ على الطروسِ دوامي
حتَّى بلغتَ مكانةً تَعِبَت لها ... نفسُ أمريءِ صعبِ القيادِ عصامي
عِلْمُ الفتى حليٌ ولكنْ قدرُهُ ... يعلو إِذا رصَّعتَهُ بوسامِ
بعضُ الفضائل لا يتمُّ جمالُها ... إِلاَّ إِذا عزَّزتَها بتمامِ
مثلاً أضِف للعلم بعضَ دعائمٍ ... من سدرةِ المجدِ الأغرِّ السامي
تتصيَّدِ الجوزاَء دون حبائلٍ ... وتَقُدْ جماحَ الدهرِ دونَ زمامِ
لحظتْكَ لاحظةَ الأمير فأغدقت ... سُحُبَ الرجاءِ على الفؤادِ الظامي
خصَّتكَ من إِنعامها وكأنَّها ... عمَّت بلادَ الشامِ بالإِنعامِ
وَطَرٌ , فأَوَّلُ جولةٍ فَرَحاً بهِ ... لدمي , وأوَّلُ خَفقةٍ لعظامي
ما بيننا نسبُ الخيالِ , وحبَّذا ... نَسَبُ الشعور ودقَّةُ الإفهامِ
فاهنأْ بما أدركْتَهُ ولعلَّهُ ... قد جاَء تَوطئةً لغيرِ مقامِ
واحرصْ على إِخوانك الغرِّ الأُلى ... قاموا بعهدِ ولاكَ أيَّ قيامِ
واذكر لسركيس كياستَهُ وما ... أُوتيهِ من حزمٍ ومن إِقدامِ
أمَّا أنا فبلطف روحِكَ شاعرٌ ... والشَّوق شوقي والهيامُ هيامي
فإِذا سمعتَ النوحَ فهو صبابتي ... وإذا استطبتَ الريحَ فهي سلامي
стр. 2182
طانيوس عبده
هو شاعر ناثر متفنن في كلتا الصناعتين , جيد الملكة , لطيف التخيل , عصريّ المعنى , مستعذب اللفظ , نظم كثيراً , وكتب أكثر , وأكسبته رواياته شهرة بعيدة بين قراء العربي , وأنزله شعره منزلة كريمة بين أمائل الشعراء
حديث قديم
أتيتُ فألفَيْتُها ساهِرَة ... وقد حَمَلَتْ رأسَها باليَدينْ
وفي صدرِها زهرةٌ ناضِرَة ... رأيتُ بأطرافِها دَمعتَينْ
وقد وقفتْ دمعةٌ حائِرَة ... على خدّها مثلَ ذَوبِ اللُّجيَنْ
فقلتُ على مَ لبكا والحَزَن؟ ... وكيفَ تبدَّلَ ذا الاِِبتسامْ؟
فقالت: هوَ الدهرُ لا يُؤتَمَنْ ... وفي قوسهِ منزعٌ للسّهامْ
رضيتُ الذكاءِ رضيتُ الحسَبْ ... رضيتُ اليراعَ يخطُّ العَجَبْ
فلا نسَب اليومَ غيرُ النَّشَبْ ... وإِنَّ بُكائي لهذا السَّببْ
فقلتُ: على مَ عزمتِ إِذَن؟ ... فقالت: ومدَّتْ يداً للوئامْ
إذا أنا ما صُنتُ عهدي فَمَنْ؟ ... فقلتُ: ومثليَ يرعى الذّمامْ
وكان الفِراقُ وكانَ التَّدانْ ... تَدَاني الفؤادِ وهجرُ الجسَدْ
يمرُّ بنا الشوقُ في كلِّ آنْ ... فيخطفُ من صبرِنا ما وَجَدْ
إلى أن تحجَّرَ صدرُ الزمانْ ... وخلْنا الفِراقَ فراقَ الأبدْ
فلمَّا شفعنا إليهِ فَحنّ ... وأسهرَ أجفانَنا ثمَّ نامْ
رأت ورأيت ُمِثالَ الشَّجَنْ ... تجسَّمَ في هيكلٍ من عِظامْ
وكان نَدَى الطّلِّ فوق الشَّجَرْ ... يسيلُ فيُبكي عيونَ الورَقْ
وقد عِلَقت نُقَطٌ بالثَّمَرْ ... كما وَقَفَ الدمعُ تحت الحَدَق
فقلتُ انظري الطير كيف استَترْ ... ونَوَّحَ يندبُ عهداً سَبقْ
فقالت تنقَّلَ فوقَ الفَننْ ... وليس جواهُ جَوى مُستهامْ
أليسَ التنقُّلُ في شرعِ مَنْ ... يُحبُّ حرامٌ؟ فقلتُ حَرامْ
أُحبّكِ لا لجمالٍ وُصِفْ ... فكانَ الرسولَ إلى كلّ قلبِ
ولا لكمالٍ بهِ تَتَّصِفْ ... صِفاتُكِ في كلّ صوبٍ وحَدبِ
ولا لذكاءٍ عجيبٍ عُرِفْ ... فكانَ السبيلَ إلى كلِّ عُجبِ
ولكنَّ هذا الفؤادَ افتَتن ... بأنتِ وأنتِ المثنى والمرامْ
وكلُّ الذي فيكِ حلوٌ حَسَنْ ... وكلُّ الذي بفؤادي هُيامْ
سلامٌ على روحِكِ الطاهِرَة! ... سلامٌ على سِرِّ ذاك الكمال
سلامٌ على ذاتكِ الحاضِرَة ... بقلبٍ يَراها بعينِ الخيالِ
سلام على مُهجةً طائِرَة ... حنيناً إلى ذلكَ الاتّصالِ
تُفَرِّقُنا عادياتُ الزَّمَنْ ... وتجمَعُنا حادثاتُ الغَرامْ
فنحيا جُسوماً بهذي الفِتَنْ ... ونحيا نفوساً بذاك السلامْ
بنتي ودوائي
تطوفُ في البيتِ مثلَ ال ... عصفورِ تطلبُ حَبَّا
حتى التقتْ بإناءٍ ... فيهِ الأرزُّ تخبَّا
تناولتهُ وألقتْ ... بهِ إلى الأرضِ غَضبى
وراعَها ما أتتْهُ ... فأسرعتْ تتخبَّا
حتى إذا صارَ أمناً ... ذاك الذي كان رُعبا
وأيقنتْ أنَّ ما قد ... جَنَتْهُ لم يكُ ذنبا
دَبَّتْ إلى الحَبِّ دَبّاً ... وأمعنتْ فيهِ نَهبا
تَذْري الحبوبَ على الأر ... ضِ , وهيَ تضحكُ عُجبا
فليسَ تقبَلُ زجراً ... وليسَ تفهمُ عَتبا
وتملأُ الأرض حَبَّا ... وتملأُ البيتَ حُبَّا
فقلتُ: يكفيكِ زَرعاً ... لا ترتجي فيهِ خَصْبا
يا بنتُ , قد ساَء طفلٌ ... على العنادِ تربَّى
فاستضحكتْ فرَحاً إِذ ... ظنَّتْ أقول المربَّي
стр. 2183
وكان عندي دواةٌ ... كم فرَّجت ليَ كَرْبا
وسوَّدت ليَ حظّاً ... وبيَّضت ليَ قلبا
تَوَهَّتَهْا إِناَء الحُل ... وى فجاَءتهُ وَثْبا
وهاجَمَتْها تُريد الحُل ... وى غلاباً وغَصْبا
أردُّها , لا تبالي , ... أصدُّها , وهي تأبى
فكانَ مَوْقِفُنا في ال ... خصامِ يُشبهُ حَرْبا
تغلَّبتْ , وهيَ طفلٌ ... والطفلُ يأنَفُ غُلبا
فكان حظُّ دواتي ... والحبرِ كسراً وصبَّا
وارحمتا لدواتي! ... وقد سباها الأحِبَّا
كانت لدى الغزوِتَسبي ... فصارتِ اليومَ تُسبَى
بشارة الخوري
عِشتُ شَقيّاً ولم أُبالِ ... ولم يمرَّ الهنا ببالي
أُعِّلُ النفسَ في نَهاري ... والزمُ الدرسَ في الليالي
رقَّ شُعوري فَرَقَّ جِسمي ... ورَقَّ دينيو ورَقَّ مالي
أديب ذكي الفؤاد , حساس النفس , إذا كتب راضيا سالت كلماته رضى وصفاء , وإذا كتب غاضباً قطر قلمه سماً زعافاً. أنشأ في بيروت جريدة البرق فملأها أدباً , فمهدت له الشهرة الواسعة التي يتمتع بها اليوم. أما شهره فعواطف مرصفة تؤديها ألفاظ جزلة سلسة مصوغة في قالب مَلئة الرونق والبيان.
البلبل والبوم
يا هندُ قد ألِفَ الخميلةَ بلبلٌ ... يشدو فتَصطَفِقُ الغُصونُ وتطربُ
هو شاعرُ الأطيارِ لا مُتكبِّرٌ ... صَلِفٌ , ولا هو بالإِمارةِ مُعجَبُ
تتعشَقُ الأزهارُ عذْبَ غِنائهِ ... فإذا شَدا فبكلِّ ثغرٍ كوكبُ
والغصنُ , والأَوراقُ آذانٌ لهُ , ... ماذا تثرى فيها النسيمُ يُتَبِتبُ؟
وإذا الضُحى لمعَت بوارِق ثغرهِ ... نادى بأجنادِ الطيورِ تأهَّبوا
فسمعتَ للأَطيارِ موسيقي على ... نغماتِها يأتي النهارُ ويذهبُ
والصوتُ موهبةُ السماءِ فطائِرٌ ... يشدو على غُصُنٍ وآخرُ يَنعبُ
هي الهَزارِ مكانةٌ م أجلِها ... دبَّت بأَفئدةِ الحواسدِ عقرَبُ
فتألَّبوا من حولِ أشمطَ أشيبٍ ... يحدو بهِ للشرِّ أشمَطُ أشيَبُ
فإذا همُ حولَ الغُرابِ عصابةٌ ... بأحطَّ من أخلاقِها تتعصَّبُ
فشكوا لبعضهمِ الهزَارَ وجذوةً ... بفؤادِ كلٍّ منهمُ تَتلهَّبُ
وتشاوروا فإذا الوشايةُ خيرُ ما ... شَرَكٍ بهِ يَقعُ الهَزارُ فيُعطبُ
فسعوا بهِ فإذا الهزَارُ مقفَّصٌ ... والبومُ منطلِقُ الجوانحِ يَلعبُ
يا هندُ إِنّي كالهَزارِ فإن يكنْ ... هو مُذنباً فأنا كذلك مُذنِبُ
إلى لبنان
إِيهِ لبنانُ! والجداولُ تَجري ... فيك برداً فتُنعشُ الظمآنا
إِيهِ لبنانُ! والنَّسيمُ عليلاً ... يتهادى فيعطفُ الأغصانا
حبَّذا السفحُ معبداً لصغار ال ... طَّيرِ تشدو لربِّها الأَلحانا
خافقاتِ الجناحِ للشمس آناً ... خافقاتِ الفؤاد للحبِّ آنا
آمناتٍ في السفحِ كاسرة الج ... وّ فلا تأتلي بهِ طَيَرانا
فتَرفُّ الأَديمَ تختلس الحَ ... بَّ وتَظمى فتقصدُ الغُدرانا
وإذا الشمسُ ودَّعَت , ودَّعت تل ... كَ السواقي والزَّهرَ والأَفنانا
واستقرَّت في وكرِها آمناتٍ ... كلُّ قلبَينِ يخفقانِ حَنانا
مطبقاتِ الجفونِ يحفظُها الأم ... نُ كما الجفنُ يحفظُ الإِنسانا
أيّها ذي الطيورُ مَن قَسَمَ الح ... ظَّ؟ ومَن قال للشقا كُم فكانا؟
أيّها ذي الطيورُ حسبُكِ في السف ... حِ انطلاقاً جوانحاً ولِسانا
стр. 2184
أَتُجيدينَهُ البيانَ على الأفنا ... ان والنَّاسُ لا تُجيدُ البيانا؟
وتعيشين , والرجالُ بلُبنا ... نَ يموتونَ شقوةً وهَوانا؟
إن كفّاً تفصِّلُ الثوبَ للعر ... سِ لَكَفٌّ تفصِّلُ الأَكفانا
دواء الهموم
تَبسَّم وشعشِعْ لي السُلافةَ في الكأسِ ... فثغرُكِ في ليل الحوادثِ نبراسي
ولا تلمَسِ الكأسَ التي قد رشفتُها ... أخافُ على كفيَّكَ من حَرِّ أَنفاسي
يقولُ ليَ الآسي: فؤادُكَ موجَعٌ ... فمَن أَنبأَ الآسي بفعلِكَ يا قاسي؟
ويَنصحُني الأخوانُ بالخمرِ إنَّها ... على زعمِهم تَشفي من الألمِ الراسي
فها أنا أستَشفي بها كلَّ ليلةٍ ... ألم ترني أستتبعُ الكأسَ بالكأسِ؟
وأعجبُ من نفسي , ودائي بمهجتي ... أعالجهُ بالخمرِ تَرقى إلى راسي
اللؤم
فتىً يتعثَّرُ في لُؤمه ... كما يَتعثَّرُ في جَهلِهِ
نواظِرُهُ تحتَ أقدامهِ ... كباحثةٍ ثَمَّ عن أصلِهِ
لَتُسقِطُ أُمُّ الجنينِ ابنَها ... إذا حَلِمت بفتىً مثلِهِ
ولو أَبصرَت عينُهُ وَجهَهُ ... لقُلتُ العفاءُ على نسلِهِ
محمد توفيق علي
شاعر أديب أنيق الديباجة , واضح الأسلوب , شريف الغاية , سامي المرمى. وهو أحد شعراء مصر الذين تغنوا بالشعر تحت ظلال السيوف وخفق البنود. كان ضابطاً في الجيش فإذا خلا لنفسه من مهام الجندية , استيقظ الشاعر الرقيق في صدره , وحل القلم في يمينه محل الشيف. ففي السودان آثار جنديته وفي مصر وطنه الذي أحبه ملء جوارحه آثار شاعريته. وقد استعفي من الجيش وانقطع إلى مزرعة له مؤثراً صحبة المحراث على صحبة الشيف والقلم.
السيف والقلم والمحراث
لا السيفُ في مصرَ يُرضيني ولا القلَمُ ... كلاهما في يمينِ الحُرِّ مُنثَلِمُ
جرَّدتُ سيفي وأقلامي , وبي أملٌ ... واليومَ أُغمدُها يأساً , وبي ألَمُ
يُريد بي الدهرُ , لا تمَّتْ إِرادتهُ , ... ذُلاًّ وفقراً , ويأبى العزُّ والكَرَمُ
سأصرفُ العمرَ حُرّاً لا يُقيّدُوني ... إِلاَّ التُقى والنُهى والمجدُ والشَّمَمُ
وأطلبُ المالَ , لا زهواً ولا سرَفاً , ... فإِنما المالُ في أهلِ النُهى ذِمَمُ
وخيرُ ما يَقتني المصريُّ مزرعةٌ ... يشقى بها الفاسُ والمحراثُ والنَّعَمُ
باللهِ يا سيفُ! هل ضُمَّت عليك يدٌ ... في الرّوعِ مثلُ يدي , والهولُ يحتدمُ؟
وهل سواي فتىً زانتكَ صحبتُهُ ... يغشىَ بك الموتَ مُختالاً ويقتحِمُ
ألستَ كنتَ ترى حقَّ الرئاسةِ لي ... إِن راحَ يخفُقُ فوقَ الفيلقِ العَلَمُ
لكنَّ للدهرِ جيشاً من حوادثهِ ... إِذا رآني ولّى , وهو منهزمُ
ويا يراعيَ , إِنَّ الصمتَ من ذَهبٍ , ... لا يَسمعونَ وفي آذانِهم صَمَمُ
قد يُسجَنُ البلبلُ الغِرّيدُ في قفَصٍ ... وينعبُ البومُ في الآفاقِ والرَخَمُ
للهِ بهجةُ حقلي! ما يُماثلُها ... في حُسنها السيفُ مصقولاً عليهِ دَمُ
ويا سطوراً بمحراثي أُدبِّحُها ... لا يستقلَّ بها القرطاسُ والقلمُ
تفتَّحَ الزهرُ منها عن مباسمهِ ... وراحَ يرتَعُ فيها مُقلةٌ وفَمُ
هذا هو الخيرُ معسولاً مواردُهُ ... هذا هو العيشُ , إِلاَّ أَنَّهُ حُلُمُ
стр. 2185
النيل السعيد
صَفَتْ مرآتهُ , وجلاهُ جالِ ... فلاحَ كأنَّهُ ذوبُ أللآلي
وغازَلتِ الحدائقُ شاطئَيهِ ... وألقتْ فوقهُ خُضرَ الظلالِ
فكم غُصُنٍ قدِ ارتسمتْ حُلاَهُ ... عليهِ تهزُّهُ ريحُ الشمالِ
كما ارتسمتْ على المرآةِ خودٌ ... يُرَنّحُ عطفَها خَمْرُ الدَّلالِ
وناحيةٍ بِرُمَّانٍ أُظِلَّتْ ... وناحيةٍ بأعراشِ الدَّوالي
ونخلٍ باسقاتٍ كالعذارى ... تَثَنَّى في غدائرِها الطِّوالِ
خَلعنَ الحسنَ منعكساً عليهِ ... فآنسنَ الحقيقةَ بالخيالِ
وحلَّى ألسُنَ الأطيارِ منهُ ... وقال لها اذكري باري جَمالي
فجنَّ الطيرُ باسمِ اللهِ حتى ... تَدَاني اللهُ والسبعُ العوالي
فآمنَ بالبديع الصنعِ قلبي ... وفاضَ الطرفُ بالدرَرِ الغوالي
وسارَ النيلُ يطلبُ وصلَ مصرٍ ... وهل يُرضي المحبَّ سوى الوصالِ
تُضاحكهُ الغزالةُ في عُلاها ... وبدرُ التمّ في أوجِ الكمالِ
عذارى الغرب , قد سحتُنَّ شرقاً ... وغرباً للجنوبِ وللشمالِ
أَمِثْلَ النيل شاهدتنَّ نهراً ... تفرَّدَ بالمحاسنِ والجلالِ
لئن كانَ الأُلى عبدوهُ ضلَّوا ... فَرُبَّ هدايةٍ تحتَ الضَّلالِ
أُحِبُّ النيلَ حُبَّ أبي وأُمّي ... وأهوى مصرَ فوقَ دمي ومالي
وبي عن كلِّ مشروبٍ حرامٍ ... غنىً بِرضا بهِ العذبِ الحلالِ
رضعتُ هواهُ في مهدي صغيراً ... وحينَ أشابتَ الدنيا قَذالي
بِلاَدي لا أَرومُ بها بديلاً ... ولو أًسكنْتُ في روضِ المالِ
وما فكَّرتُ في الأهرامِ إِلاَّ ... بكيتُ مفاخرَ الحُججِ الخوالي
فلولا يُمْسِكُ التوحيدُ رُكني ... سجدتُ لتلكمُ الرُّمَمِ البوالي
بوِدّي لو قرعتُ صفاةَ هَمّي ... بأمثالِ الجبالِ من الرّجالِ
فبي وخزٌ من الأيام جافٍ ... على جُرحٍ قريبِ الإِندمالِ
أيمضي الدهرُ , لا ميتٌ فأُنسى ... ولا أشفى من الداءِ العُضالِ
وما لي لا أرى إِلاَّ ظلاماً ... يكادُ يغضُّ من نورِ الهِلاَلِ
وما بالي أهمُّ بما أُرجّي ... فتقعدَ بي على نضْوٍ رِحالي
بمن يا نيلُ أرمي مَنْ رمانا ... وقد خَلتِ الكنانةُ من نبالِ؟
عبد الحميد بك الرافعي
هو من أدباء طرابلس الشام المعدودين , وسليل أسرة عريقة مشهور عن إفرادها العلم والفضل. أنا شعره فشعر البداوة مع مسحة حضرية , فصيح الألفاظ , جيد التراكيب. وله ديوان حافل بغرر المنظومات.
المشيب
يا شَيبُ , عَجَّلْتَ على لِمَّتي ... ظُلماً فيا ابنَ النُّورِ ما أظلَمَكْ
بدَّلتَ بالكافورِ مِسكي وما ... أضواهُ في عيني وما أعتَمَكْ
مَنْ يقبلُ الفاضحَ في ساترٍ؟ ... فهاتِ ليلايَ وخُذْ مريَمَكْ
غرَّكَ أنَّ الشيب عند الورى ... يكرمُ , هل في الغيد مَنْ أكرَمَكْ؟
نَفَّرْتَ عني غانياتِ الطلي ... ويحكَ! قد أسقيتَني عَلْقَمَكْ
دَعَونني الشيخَ وكنتُ الفتى ... أخَّرني الدَّهرُ الذي قَدَّمَكْ
ونالَ من حَولي ومن قوَّتي ... جَوْرُ زمانٍ فيَّ قد حكَّمَكْ
سِرعانَ ما أذْبلتَ من صَبَوتي ... بنارِكَ البيضا فما أضرَمك
وشدَّ ما لاقت عيوني فلو ... ينطقُ لي جَفْنٌ إِذَنْ كلَّمك
وَرُبَّ لمياَء منيعِ اللَّمى ... تقولُ ما أسقيهِ إلاَّ فَمك
تخاطبُ البدرَ على تمِّهِ ... جَلَّ الذي من غرَّتي جَسَّمك
كنتُ مع العفَّةِ أحيا بها ... وهل بلا ماءٍ يعيشُ السَّمَك
стр. 2186
فرَّت كمثلِ الخشفِ مذعورة ... لمَّا رأت في مفرقي مِخْذَمك
وصارتِ النظرةُ لي حسرةً ... تقولُ للطرفِ: أفِضْ عَنْدَمك
وما كفى يا شيبُ حتى لقد ... فضحتَ أسرارَ مَنِ استكْتَمك
أيُّ خضابٍ لم يكن ناصلاً ... عنكَ ولو بالليلِ قد عَمَّمك
فليتَ أيَّامَ شبابي التي ... أرقتَها غَدْراً أراقت دَمك
وأنتَ يا ظبيَ النقا ما الذي ... أغراكَ بالهجرِ , ومَنْ عَلَّمك؟
ما لبياضِ الرأسِ حكمٌ هنا ... لكن سوادُ الحظِّ قد ألزَمك
لو لم يُغِرْ هذا على لونِ ذا ... لم تجْفُ ذا الشيخَ وما اسْتَخْصَمك
ما خلتُ أن ترضى بنقصِ الوفا ... واللهُ بالحُسن لقد تَمَّمك
يا ربِّ , ما طالَ زمانُ الصِّبي ... كأنُه طَيفٌ سرى وانْهَمك
وهكذا الأيَّامُ تُطوى بنا ... سُبحانكَ اللهمَّ ما أعظَمك!
رضيتُ يا ربّي بما ترتضي ... فلا تخيّبْ مُذْنباً يَمَّمك
وأنتَ يا شيبيَ خُذْ بي إلى التق ... وى عسى الرحمنُ أن يَرحَمك
مناجاة شاعر
سَلُوها لماذا غَيَّرَ السُّقْمُ حالَها؟ ... تُرَى شُغِفَتْ حُبّاً وإلاّ فما لها
تبدَّلَ ذاكَ الوَردُ بالوَرسِ , وانطفئ ... سناها , وَرَقَّتْ فَهْيَ تحكي خِيالها
أظِنُّ هوى الغزلانِ قد هَدَّ حَيْلَها ... فإِني رأيتُ الرّيمَ يوماً حِيالها
تُناجيهِ سِرّاً وَهْيَ في زِيّ والهٍ ... فخلتُ أخاها كان أوكان خالها
فيا حُبُّ غَلْغِلْ في صميمِ فؤادِها ... ويا ربِّ لا تُعْطِفْ عليها غَزَالها
ولكن أرِحْها بعضَ حينٍ فإِنني ... شمتُّ بها والقلبُ يأبى زوالها
ومَنْ حَبَّ لم يُبْغِضُ ولو حَبَّ هاجراً ... فقد رَقَّ قلبي مذ رأيتُ هِزَالها
عسى أنَّها مِن بعد أن ذاقتِ الهوى ... تنوحُ على مَنْ كان يهوى جَمالها
وتذكرُ إِذ كانت وللحُسن عزَّةٌ ... نَرَى مُهَجَ العُشَّاقِ صَرْعَى قِبالها
فتبكي زماناً فيهِ أبكت بصدِّها ... عُيوناً تَوَلاَّها الأسى فأسالها
وَلعْتُ بها حيناً من الدهرِ لم أفُز ... بساعةِ لطفٍ كنتُ أرجو نَوَالها
ولو عَطَفَتْ يوماً عليَّ بزورةٍ ... لَقَبَّلْتُ حتى بالعيونِ نِعالها
وكم غربةٍ قاسيتُ من أجلِ حُبّها ... أجوبُ الفيافي سهلَها وجِبِالها
ولولا الهوى ما هام في الكونِ واحدٌ ... ولا فارقَتْ أُسْدُ العرينِ دِحالها
وقلتْ لقلبي وهو يذكرُ عهدَها: ... رُوَيْدكَ هذي بُغيةٌ لن تنالها
تركتْ هواها واشتغلتُ بغيرِها ... ومَنْ قَطَعَتْ حَبلي قَطَعْتُ حِبالها
محمد رضا الشبيبي
هو أحد أعلام الشعراء في العراق العربي. وأديب من أشهر أدباء النجف مشى في نظمه مشية من تقدمه من أكابر الشعراء في تلك البلاد ونهج مناهجهم فجاء بالشعر مطيب النفس , مرصف اللفظ , متين التركيب , يذكر بشعر العصر العباسي الزاهر
في سبيل الشرق
لم يَبقَ لي إلاَّ الشَّبابُ , وإِنَّهُ ... دِيباجةٌ ضَمنَ الأَسى إِخلاقَها
نزلت بثهلانَ الهمومُ فلم يُطِقْ ... حتَّى نزلنَ بكاهلِي فأَطاقَها
وكرهتُها , ومِنَ الغرائبِ أَنَّني ... لشديدِ إِلفتِها كرهتُ فِراقَها
أشتاقُ أطّرحُ الهمومَ ويقتضي ... ظَمأِي إلى الآلامِ أن أَشتاقَها
يشكو الصَّبابةَ كلَّ يوم مُدَّعٍ ... وأحقُّنا دعوىً بها مَنْ ذاقَها
стр. 2187
لو أنصفت تلكَ الحمامةُ لوعتي ... نَضَتِ الخضابَ ومَزَّقتْ أطواقَها
يا هذهِ , حتَّى الغُصونُ لما بها ... نثرَتْ على وجهِ الثَرى أَوراقَها
مثلَ التي لَزِمَ الخفوقُ جناحَها ... أصبحتُ مرتكِضَ الحشَا خفَّاقَها
داءٌ تحاماهُ الطبيبُ , وعِلَّةٌ ... طَلبَ العليلُ فلم يَجِد أِفراقَها
مرَّتْ بنا الأُممُ الطليقةُ , وانثنتْ ... أُخرى تُعالجُ أسرَها ووِثاقَها
هذي الجيادُ , فمنْ تعاطى شأوَا ... يا شرقُ ومَنْ أراد سبِاقَها
يا مَشرِقَ الشمسِ المنيرةِ , إِنَّها ... وأبيكَ , شمسُكَ فارقت إِشراقَها
أمَّا لياليكَ التي قد أقمرَتْ ... فلقد طوَت لكَ محوَها ومَحاقُها
فاقت وبزَّتْ أُمَّةٌ غربيَّةٌ ... مَنْ بزَّها في المشرقَين وفاقَها
وإِذا أرادَ اللهُ رقدةَ أُمَّةٍ ... حتَّى تَضيعَ , أضاعَها أخلاقَها
مَلَكَ الضَّلالُ زمامُها , فإذا حَبت ... أو أمسكَت سببَ المعالي عاقَها
رأتِ العدالةَ لا تروقُ لعينِها ... فتلمَّستْ في الليلِ ظُلماً راقَها
عَجلت على البلوى فساقت نفسَها ... للموتِ , أو عَجل البلاءُ فساقَها
ما عُذرُ طائفةٍ أضاعت مصرَها ... أنْ لا تُضيعَ شامها وعِراقَها
بَرزتْ وقابَلَها الزمانُ بسيفهِ ... فأطنَّ ساعِدَها وعَرقبَ ساقَها
أين الذين إذا اكفهرَّتْ أوجهٌ ... هبُّوا لنا طُلْقَ الوجوهِ عِتاقَها
للهِ أَطماعٌ أصابت خُلْفَها ... فيهم , وآمالٌ رأتْ إِخفاقَها
نَظرَتْ إلى الحُلمِ الجميل فهاجَها ... ورَنت إلى الطيفِ الملمِّ فشاقَها
أوَ ما تشوقُكَ يا خيالُ بقيَّةٌ ... في أنفُسٍ لكَ كابدت أشواقَها؟
إيليا أبو ماضي
أديب أوحي إليه الشعر وحياً فقاله عفو الخاطر , وأرسله سهلا رائقاً , سائغ البيان , صافي الديباجة. لم يتلق آداب اللغة في مدرسة , ولا أخذ النظم عن أستاذ أو عن كتاب , فهو أديب بالفطرة وشاعر بالسيقة.
القوة والضعف
ليسَ يدري الهمَّ غيرُ المبتلي ... طالَ جنحُ اللَّيلِ أو لم يَطُلِ
ما لهذا النَّجمِ مثلي في الثرى ... طائرَ النَّومِ شديدَ الوجلِ!
أتُراهُ يَتَّقي طارئةً ... أم به أَنّي غريبُ المنزلِ
كلمَّا طالعتُ خَطباً جَلَلاً ... جاَءني الدهرُ بخطبٍ جَللِ
أشتكي الليلَ ولو ودَّعتُهُ ... بتُّ من همّمي بليلٍ أليَلِ
يا بناتِ الأفقِ ما للصبّ من ... مُسعدٍ في الناسِ هل فيكنَّ لي؟
لا عَرفتنَّ الرزايا إِنَّها ... شَيَّبت رأسي ولم اكتَهِلِ
سهدَت سُهدي الدراري إِنَّما ... شُدَّ مابين المعنَّى والخلي
ليت شعري! ما الذي أعجبَها؟ ... فَهْيَ لا تنفكُّ ترنو من عَلِ
أنا لا أغبطُها خالدةً ... ولقد أحسدُها لم تعقلِ
كلمَّا راجعتُ أحلامَ الصِّبي ... قلتُ: يا ليتَ الصِّبي لم يَزلِ
أيُّها القلبُ الذي في أضلِعي ... إِنَّما اللَّذةُ جَهلاً فاجهَلِ
تجمل الرقَّةُ في العضبِ فإِن ... كنتَ تهواها فكن كالمِنصَلِ
هيَ في الغيدِ الغاني قوَّةٌ ... وَهْيَ ضعفٌ في فؤادِ الرَّجلِ
لا يغرُّ الحسنُ ذا الحسنِ فقد ... يَصرَعُ البُلبلَ صوتُ البُلبلِ
تُقتلُ الشاةُ ولا ذنبَ لها ... هيَ لولا ضعفُها لم تُقتَلِ
إِن تكنْ في الوحشِ كُنْ ليثَ الشَّرى ... أو تكنْ في الطيرِ كنْ كالأجدلِ
стр. 2188
أو تكنْ في الناسِ كُنْ أقواهمُ ... ليستِ العلياءُ حظَّ الوَكيلِ
حنين إلى مصر
أشقى البريَّةِ نفساً صاحبُ الهِمَمِ ... وأتْعَسُ الخَلْقِ حَظّاً صاحبُ القلمِ
عافَ الزمانُ بين الدنيا وقيّدَهُ ... والطيرُ يُحبَسُ منها جيّدُ النَّغمِ
وحكَّمت يدُهُ الأقلامَ في دَمهِ ... فلم تَصُنْهُ ولم يعدِلْ إلى حُكُمِ
لكلّ ذي هِمَّةٍ في دهرهِ أملٌ ... وكلُّ ذي أملٍ في الدَّهرِ ذو ألمِ
ويلُ الليالي! لقد قلَّدنني ذّرباً ... أدني إلى مُهجتي من مُهجةِ الخَصِمِ
ما حدَّثتنيَ نفسي أن أُحَطِّمَهُ ... إلاَّ خشيتُ على نفسي من النَّدَمِ
فكلمَّا قلتُ: زُهدي طاردٌ كَلَفي ... رجعتُ , والوجدُ فيهِ طارِدٌ سأَمي
يأبى الشقاءُ الذي يدعونهُ أدباً ... أن يضحكَ الطرسُ إلاّ أن سفكتُ دمي
لقد صَحبتُ شبابي واليراعَ معاً ... أودي شبابي! فهل أُبقي على قَلَمي؟
كأنما الشَّعَراتُ البيضُ طالعةً ... في مفرقي أنجمٌ أشرقنَ في الظلَمِ
تضاحَكَ الشَّيْبُ في رأسي فعرّض بي؛ ... ذو الشيب عند لغواني موضعُ التُّهمِ
وليلةٍ بتُّ أجني من كواكبها ... عَقداً كأني أنالُ الشُّهبَ من أمَمِ
لا ذاق طرفي لكرى حتى تنالَ يدي ... ما لا يفوزُ بهِ غيري من الحُلُمِ
ليسَ الوقوفُ على الأطلال من خُلُقي ... ولا البُكاءُ على ما فاتَ من شِيِمي
لكنَّ مصراً وما نفسي بناسيةٍ ... مليكةَ الشرقَ ذاتَ النيلِ والهرَمِ
صرفتُ شطرَ الصِّبي فيها فما خَشِيَت ... رِجلي العثارَ , ولا نفسي من الوَصمِ
في فتيةٍ كالنُّجومِ الزُّهرِ أوجهُهُم ... ما فيهمِ غيرُ مطبوعٍ على الكرَمِ
لا يقبضونَ مع اللأواءِ أيديَهم ... وقلمَّا جادَ ذو وَفرٍ مع الأزَمِ
في ذمَّةِ الغربِ مشتاقٌ يُنازعهُ ... شوقٌ إلى مهبطِ الآياتِ والحِكَمِ
ما تَغْرُبُ الشمسُ إلا أدمعي شَفَقٌ ... تَنسى العيونُ لديهِ حُمرةَ العَنَمِ
وما سَرَت نسماتٌ نحوَها , سَحَراً ... إلاَّ وددتُ لو أني كنتُ في النَّسمِ
ما حالُ تلك المغاني بعد عاشِقها؟ ... فإِنني بعدَها للسُهدِ والسَّقَمِ
بين الجوانحِ همٌّ ما يُخامرُني ... إلاَّ وأشرقَني بالباردِ الشبِمِ
جادَ الكنانةَ عنّي وابلٌ غدِقٌ ... وإن يكُ النيلُ يُغنيها عن الدِّيَمِ
الشرٌ تاجٌ , ومصرٌ منهُ دُرَّتهُ ... والشرقُ جيشٌ , ومصرٌ حاملُ العَلَم
هيهاتِ على الحرّ من أمٍّ على ولدٍ ... فالحرُّ في مصرَ كالورقاءِ في الحَرمِ
ما زلتُ والدهرُ تنبو عن يدي يَدُهُ ... حتى نَبتْ ضِلَّةً عن أرضها قَدَمي
محمود سامي باشا البارودي
. . . أما شعره فهو بجملته صناعة لا تنافس بقديم أو حديث مع ابتكار قليل وإحساس فياض. اختار له أحسن أساليب العرب وأفصح ألفاظهم وتغنى بها على وحي نفسه - ونفسه جارية النغمة وعاشقة الإيقاع - فافتنَّ حتى أنسى الفنّ , وجوَّد حتى أذهل عن
стр. 2189
المعنى. ذلك كان مذهبه في الشعر وتلك غايته منه. ولا ننس له فضلا جديراً بالذكر الخاص وهو أنه أول شعراء البعثة الحديثة بمعنى أنه أول من رد الديباجة إلى بهائها وصفائها القديمين , وما أبرزّ قريضه لقريض جيله , فإنك لتجد الواحدة من قصائده ذاهبة صعداً إلى عهد أرقى أزمنة العرب فهي كالجبال الشامخة وحولها القصائد الأخر كالأركان المقامة من حجارة إطلال بلا اختيار ولا نسق ولا هندام. الخلاصة أن المرحوم البارودي كان في الطبقة الأولى بين شعراء العرب وكان قلبه كلفاً بالنغمة وذهنه منصرفاً إلى الصناعة كما يدل على ذلك منظومة وكما يشير إليه اختياره من أقوال المتفوقين فإنه لم ينتق منها إلا كل ما حسن لفظاً ومعنى أو حسن لفظاً. وأهمل ما حسن بمعناه دون مبغاه فشعره إنما هو شعر الصناعة والإيقاع.
خليل مطران
الأمير شكيب أرسلان
حضري المعنى , بدوي اللفظ , يحب الجزالة حتى يستهل الوعورة. فإذا عرضت له رقة ولان لها لفظه فتلك زهرات ندية شديدة الريّا ساطعة البهاء كزهرات الجبل. نبغ منذ طفولته في الشعر ولكن أبكر الفتيان في نشر ديوان له , وجاء ديوانه في وقته آية غير أنه لم يلبث أن ترك الشعر وانصرف إلى الترسل فيه ما أوتيه من العبقرية فهو الآن في مذهبي أمام المترسلين. على أنه قد يدعوه من النفس أو من الطوارئ فينظم. ينظم كما نثر فياض الفكر غير تعب , لكن نظمه يحمل في عهده الآخر أثراً من نثره.
خليل مطران
المراسلات السامية
تكاتب بها هذان الأديبان الكبيران أيام كان المرحوم البارودي منفياً في جزيرة سيلان مع زعماء الثورة العرابية الشهيرة. وكان سبب هذه المكاتبة أن الأمير شكيباً استشهد في بعض كتاباته أولاً وثانياً بأبيات للبارودي على غير معرفة شخصية سابقة , فكتب محمود سامي باشا إلى الأمير بالمقطوعة الآتية , قال:
أَشدتَ بذكري بادئاً ومُعقّباً ... وأَمسكتُ لم أَهمسْ ولم أَتكلمِ
وما ذاك ضِنّاً بالودادِ على امرئٍ ... حباني بهِ , لكن تَهيَّبتُ مَقدَمي
فأمَّا وقد حقَّ الجزاءُ فلم أكنْ ... لأَنطِقَ إلاَّ بالثناءِ المُنمنَمِ
فكيف أذودُ الفضلَ عن مستقَرّهِ ... وأُنكرُ ضوَء الشمسِ بعدَ توسّمِ
وأنت الذي نوّعت باسمي ورشتَني ... بقولٍ سرى عنّي قناعَ التوهمِ
لكَ السبقُ دوني في الفضيلةِ فاشتَمِلْ ... بحُليَتِها , فالفضلُ للمقدِّمِ
ودونكها يا ابنَ الكرامِ حبيرةً ... من النظمِ سدَّاها بمدحِ العلا فمي
فأجابهُ الأمير:
لكَ اللهُ من عانٍ بشكرٍ منمنَمِ ... لتقدير حقٍّ من علاكَ محتَّمِ
وشهمٍ أبيّ النفسٍ أضُحى يَرى يداً ... تَذَكُّرَ فضلٍ أو جميلٍ لمنِعمِ
رأى كرَماً منّي تذكُّرَ قولهِ ... فدّلَّ على أعلى خِلالاً وأكرَمِ
ولو كانَ يدري فاضلُ قدرَ نفسهِ ... رأى ذكرَهُ فرضاً على كل مُسلمِ
أيعجبُ من تنويهِ مثلي بمثلِهِ؟ ... لعمري الذي قد شقَّ في شعرهِ فمي
ومهما يكنْ مِن أعجمٍ فبفضلِهِ ... يُرى ثقَفيّاً في الورى كلُّ أعجمِ
إذا مَطرَ الغيثُ الرياضَ بوابلٍ ... فأيُّ يدٍ للطائرِ المترنّمِ؟
إذا ما تَصبَّت بالعميدِ صباحةٌ ... بوجهٍ , فما فضلُ العميدِ المتيَّمِ؟
стр. 2190
وهل يُنكرُ الإحسانُ إلاَّ لئامةً ... وينكرُ حسناً غيرُ مَن طرفُهُ عَمي؟
وهل شهودِ الشمسِ أدنى مزيَّةٍ ... وقد جاَء ضوءُ الشمسِ لم يتكتَّمِ؟
رُويدَكَ لا تُكثرْ لدهرِك تهمةً ... ولا تيأسنْ من أهلهِ بالتوهُّمِ
فما زالَ من يدري الجميلَ ولم يكن ... لتأخذَهُ في الحقّ لومةُ لوَّمِ
وأنت الذي لو أنصفَ الدهرُ لم يكن ... لغيرِكَ في العلياءِ صدرُ التَقدُّمِ
جَمعتَ العُلى مِن تلْدِها وطريفها ... فجاَءت كعقدٍ في ثناكَ مُنظَّمِ
غدَت خطَّتي إِمَّا يراعٌ ومِخذّمٌ ... وأنَّك قُطبٌ في يراعٍ ومخذَمِ
ولم أرَ كفّاً مثل كفِّكَ أحسنت ... إلى المجد إرعافَ المدادِ مع الدَّمِ
جَمعَتها جمعَ القديرِ بكفّهِ ... إلى محتدٍ سامٍ إلى المجدِ ينتمي
ولو كان يَرقى المرءُ ما يستحقُّهُ ... إذاً لبلغتَ النّيراتِ بسلَّمِ
وأنتَ الذي يا ابن الكرامِ أعدتَها ... لأفصَحَ من عهدِ النواسي ومسلمِ
وأنشرتَ مَيت الشعرِ بعد مصيرهِ ... لأعظمَ نثراً من رُفاتٍ وأعظمِ
وأَشهدُ ما في الناسِ مِن متأخِّرٍ ... يدانيكَ فيهِ , لا! ولا متقدّمِ
ولو شعراءُ الدَّهرِ تُعرَضُ جُملةً ... لمنجدِهم من كلِّ حيٍّ ومُتهمِ
لأبصرتُ شخصَ البحتري منك بحتراً ... وخُلْقَ أبي تمَّامَ غيرَ متمَّمِ
لك الآبادتُ الآنساتُ التي نأَتْ ... وأنست عكاظَ الشعرِ بل كلَّ موسِمِ
لكم أَسهرَتْ جفنَ الرُّواةِ وخالَفت ... حظوظَكَ منها شُرَّدٌ غيرُ نوَّمِ
شُغفتُ بها طِفلاً فأروي بديعَها ... ولم أروِ من وجدي بها نارَ مضرمِ
ولا عَجبٌ أنّي أجنُّ صبابةً ... فيسري الهوى بالقولِ للمتكّمِ
أفي كلِّ يومٍ فيكَ وجدٌ كأَنَّهُ طوى جانحاً منّي على نارِ مِيسمِ
أُحمِّلُ ريحَ الهندَ كلَّ تحيَّةٍ ... فكم من صباً منها عليكَ مسلِّمِ
وقد طالما حدّثتُ نفسي , وعاقَني ... تردُّدُها ما بين أقدمْ وأحجمِ
حلفتُ بما بين الحطيمِ وزمزمٍ ... وبالرَّوضةِ الزَّهرا أليَّةَ مُقسِمِ
لألفيتُ عندي دوسَ مشتَجرِ القنا ... وخوضيَ في حوضٍ من الطعنِ مفعَمِ
أقلُّ بقلبي في المواقفِ هيبةً ... وأهونُ م ذاكَ المقامِ المعظَّمِ
وَهبْ أنّني بازٌ , قدِ انقضَّ , أشهبٌ ... فهل يطمع البازي بُليقانِ ضيغمِ؟
ولكنَّ لي من عفِ مولايَ ساتراً ... فهأَنذا منهُ بهِ بتُّ احتمي
أمحمودَ سامي , إِن يكُ الدّهرُ خائناً ... وطالَ عليكَ الزجرُ طائرَ أشأَمِ
فما زالتِ الأيامُ بُؤْساً وأنعما ... وحظّ الشقا بالمكثِ حظّ التنعُّمِ
ولولا الصدى ما طابَ وِردٌ ولا حلا ... لك الشّهدُ إلاَّ مِن مرارةِ عَلقمِ
عسى تعتبُ الأقدارُ والهمُّ ينجلي ... وينصاحُ صبحُ السعدِ في ذيل مُظلِمِ
وأُهديك في ذاك المقامِ تهانئاً ... حبيرةَ مُسدٍ في ثناكَ ومُلحمِ
ثم كتب محمود سامي باشا إلى الأمير شكيب بهذه القصيدة:
أدّي الرسالةَ يا عُصفورةَ الوادي ... وباكري الحيَّ مِن قَولي بإِنشادِ
ترقَّبي سِنَةَ الحُرَّاسِ وانطلقي ... بين الخمائلِ في لبنانَ وارتادِي
لعلّ نغمةَ ودٍّ منكِ شائقةً ... تهزُّ عطفَ شكيبٍ كوكبٍ النادي
هوَ الهُمامُ الذي أحيا بمنطقِهِ ... لسانَ قومٍ أجادُوا النُّطقَ بالضادِ
стр. 2191
تلقي بهِ أحنفَ الأخلاقِ مُنتدياً ... وفي الكريهةِ عَمْراً وابنَ شدَّادِ
أخي وداداً وحسبي أَنهُ نَسَبٌ ... خالي الصحيفةِ من غِلٍّ وأحقادِ
أفادني أدباً من منطقٍ شهِدَتْ ... بفضلِهِ الناسُ من قارٍ ومن بادٍ
عذبُ الشريعةِ لو أن السَّحابَ همي ... بمثلهِ لم يَدّعْ في الأرضِ من صادِ
سرت بقلبيَ منهُ نَشوةٌ مَلكتْ ... بحُسنِها مِسمَعي عن نغمةِ الشادي
يا ابنَ الكرامِ , عدتْني منكَ عاديةٌ ... كادتْ تسدُّ على عيني بأَسدادِ
فاعذرْ أخاك , فلولا ما بهِ لجرى ... في حلبة الشكر جريَ السابق العادي
وهاكَها تحفةً مني , وإِن صغرتْ , ... فالدرُّ وهو صغيرٌ حليُ أجيادِ
فأجابه الأمير شكيب:
هل تعلمُ العيسُ إِذ يحدو بها الحادي ... أنَّ السُّرى فوقَ أضلاعٍ وأكيادِ
وهل ظعائنُ ذاك الرَّكبِ عالمةٌ ... أنَّ النوى بينَ أرواحٍ وأجسادِ
تحمَّلوا , ففؤادي منذُ بينِهمِ ... في إِثرِهم نِضوُ تأويبٍ وأِسادِ
يرتادُ منزلَهم في كلِّ قاصيةٍ ... وحَجْبُهُ , لو دَرى , أحرى بمُرتادِ
بين الجوانحِ ما لو أنتَ جائبُهُ ... أغناكَ عن لفِّ أغوارٍ بإنجادِ
وفي الفؤادِ , كشطرِ الكفِّ , باديةٌ ... في جنبِها تيهُ موسى ليس بالبادي
كم بتُّ أُنشدُ أحبابي وأَنشدُهم ... في الهندِ , يا شدَّما أبعدتُ أِنشادري
ولو أُناجي ضميري كنتُ مُستمِعَهم ... قَولي كأَنَّهمُ في الغيبِ أشهادي
مَنْ كانَ دونَ مرامي العيس منزعُهُ ... فلب هوىً دون أمواجٍ وأزبادِ
دون الخضارمِ إن ضلَّ الحبيبُ سُرىً ... فإِنَّ وجديَ نعمَ القائفُ الهادي
هوَى بأروَعَ , لو أنَّ الزمانَ درى ... لما أحلَّ سواهُ الصدرَ بالنادي
سامي الأرومة في أعراقهِ نَسَبٌ ... في المجدِ لا يشتكي من ضعفِ إِسنادِ
أرقُّ من شمأَلِ الوادي شمائلُهُ ... وعندَ شدِّ الليالي صخرةُ الوادي
من مَعشرٍ لو يَقيسُ الناسُ شأوَهمُ ... إلى العُلى افتقروا فيهِ لأرصادِ
يا مَنْ لنا ردُّهُ من فائتٍ عِوَضٌ ... يُمحَى بهَ وِزرُ أحقابٍ وآمادِ
إِن يحجبوكَ فما ضرَّ النجومَ دجىً ... ولا زري الشيفَ يوماً طيُّ أغمادِ
لا بأسَ إِن طالَ نجزُ السعدِ موعدَهُ ... فأعذبُ الماءِ شُرباً في فمِ الصادي
عسى لياليكَ قد سُلَّتْ ضغينتُها ... وقد صَفتْ كأسُها من سؤرِ أحقادِ
واستأنفَ الدهرُ سِلماً لا يكدِّرُها ... فالدهرُ قد يرتدي حالاتِ أَضدادِ
لو كان يُسعِدُ قومٌ قدرَ فضلِهمِ ... ما لاقَ مثلكَ أن يحظى بإسعادِ
وكتب محمود سامي إلى الأمير من جزيرة سيلان:
ردِّي التحيَّة يا مَهاةَ الأجرَعِ ... وصِلي بحَبلكِ حَبلَ مَنْ لم يَقطعِ
وترفَّقي بمتيّمٍ عَلٍقَتْ بهِ ... نارُ الصبابة فهوَ ذاكي الأَضلُعِ
طَرِبِ الفؤادِ يكادُ يحملُهُ الهوى ... شوقاً إليكِ مع البُروقِ اللمَّعِ
لا يستنيمُ إلى العزاءِ , ولا يَرى ... حَقّاً لصَبوتهِ إذا لم يَجزَعِ
ضَمنَت جوانحُهُ إِليكِ رسالةً ... عنوانُها في الخدِّ حمرُ الأَدمُعِ
فمتى يَبوحُ بما أجنَّ ضميرُهُ ... إن كنتِ عنهُ بنجوةٍ لم تَسمعي
أصبحتُ بعدكِ في دياجرِ غُربةٍ ... ما للصبَّاحِ بليلِها من مَطلعِ
لا يهتدي فيها لرحليَ طارِقٌ ... إِلاَّ بأنَّةِ قلبيَ المتوجِّعِ
стр. 2192
أَرعى الكواكبَ في السماءِ كأَنَّ لي ... عندَ النُّجومِ رهينةً لم تُدفَعِ
زُهْرٌ تأَلَّقُ في السماءِ كأَنَّها ... حَبَبٌ تَردَّدَ في غديرٍ مُترَعِ
وكأَنَّها حولَ المجرِّ حمائِمٌ ... بيضٌ عكفنَ على جوانبِ مَشرَعِ
وترى الثُريَّا في السماءِ كأَنَّها ... حَلَقاتُ قرطٍ بالجمانِ مُرصَّعِ
بيضاَء ناصعةً كَبيضِ نِعامةٍ ... في جَوفِ أدحِيٍّ بأرضٍ بَلَقعِ
وكأَنَّها أكَرٌ توقَّدَ نورُها ... بالكَهرباَءةِ في سَماوةِ مصنعِ
واللَّيلُ مرهوبُ الحميّةِ قائِمٌ ... في مِسْحهِ كالرَّاهبِ الممُتلفِّعِ
متوشّحٌ بالنيّراتِ كباسلٍ ... من نسلِ باللُّجَينِ مدرَّعِ
حَسبَ النُّجومَ تخلفَّتْ عن أمرِهِ ... فوَحي لهُنَّ من الهلال بإصَبعِ
ما زلتُ أرقبُ فجرَة حتى انجلى ... عن مثلِ شادِخةِ الكُمَيتِ الأَتلعِ
وترنَّحت فوقَ الأراكِ حمامةٌ ... تصِفُ الهوى بلسان صَبٍّ مولَعِ
تدعو الهديل وما رأتهُ , وتلكَ مِنْ ... شِيَمِ الحمائمِ بِذعةٌ لم تُسمَعِ
رَيَّا المسالِكِ حيثُ أمَّت صادَفت ... ما تَشتهي من مجثمٍ أو مَرتعِ
فإذا علَت سكَنت مظلَّةَ ايكةٍ ... وإذا هَوت ورَدت قرارةَ منبَعِ
أَمْلَت عليَّ قَصيدةً فجعلتُها ... لشكيبَ تحفةَ صادِقٍ لم يَدَّعِ
هيَ مِن أهازيج الحمامِ وإِنَّما ... ضمّنتُها مَدْحَ الهُمامِ الأَرواعِ
هوَ ذلك الشَّهمُ الذي بَلَغتْ بهِ ... مشكاتُهُ حدَّ السماكِ الأرفعِ
نبراسُ داجيةٍ , وعقلةُ شاردٍ , ... وخطيبُ أندِيةٍ , وفارسُ مجمعِ
صَدْقُ البيانِ أَعضَّ جرول باسمهِ ... وثنىَ جريراً بالجرير الأطَوعِ
لم يَتَّخذْ بدرَ المقنّعِ آيةً ... بل جاَء خاطرُهُ بآيةِ يُوشعِ
أَحيا رميمَ الشعر بعدَ هِموِدِهِ ... وأعادَ للأيامِ عَصرَ الأَصمَعي
كَلِمٌ لها في السَّمعِ أطربُ نَغمةٍ ... وبحجرةِ الأَسرارِ أحسنُ موقعِ
كالزَّهرِ خامَرَهُ الندى فتأَرَّجت ... أنفاسُهُ بالعنبرِ المتضوّعِ
يعنو لها الخصمُ الأَلدُّ , ويغتدي ... بلُبانِها ذِهنُ الخطيبِ المصقعِ
هيَ نجعةُ الأدبِ التي مَنْ أمَّها ... ألقى مراسيَهُ بوادٍ مُمرعِ
مَلكتْ هوى نفسي , وأحَيتْ خاطري , ... وروَت صدى قلبي , ولَذَّت مِسمَعي
فاسَلمْ شكيبُ ولا بَرِحتَ بنعمةٍ ... تحنو إليكَ بأيكنِها المتفرّعِ
فلأنتَ أجدَرُ بالثناء لمنَّةٍ ... أوليتَها والبرُّ أفضلُ ما رُعي
أرهفتَ حدّي فهوَ غيرُ مفلّلٍ ... ورعيتَ عهدي فهوَ غيرُ مُضيّعِ
وبثقتَ لي من فَيضِ بحرِك جَدولاً ... غَمرَ البحارَ بسيلِهِ المتدفّعِ
عذِبَتْ مواردهُ فلو ألقت بهِ ... هِيَمُ السَّحابِ دلاَءها لم تَقلعِ
وزَهت فرائِدُهُ فصارت غرّة ... لجبينِ كلِّ متوّجٍ ومقنّعِ
هو ذلكَ النظمُ الذي شَهِدَت لهُ ... أهلُ البراعةِ بالمقالِ المُبدعِ
أبصرتُ منهُ أخا أيادٍ خاطباً ... وسمعتُ عنترةَ الفوارِس يدّعي
وحلمتُ أَنّي في خمائِلِ جَنَّةٍ ... ومِنَ العجائِبِ حالمٌ لم يهجَعِ
فضلٌ رفعتَ بهِ منارَ كرامةٍ ... صرفَ العيونَ عن المنارِ لتبَّعِ
فمتى أقومُ بشكرِ ما أوليتَني ... والنجمُ أقربُ غايةً من مَنزِعي
فاعذرْ إذا قصرَ الثناءُ , فإنني ... رزتُ المقالَ فلم أجِدْ من مقنِعِ
стр. 2193
لا زلتَ ترفُلُ في وشاءِ سعادةٍ ... وحبيرِ عافيةٍ , وعيشٍ أمرعِ
فأجابه الأمير:
أتُرى يَحلُّ هواكِ بين الأضلُعِ ... ويحلُّ لي بسواكِ ذَرْفُ الأَدمُعِ
وأبيتُ أُشركُ فيكِ في دين الهوى ... وأكونُ للتوحيدِ أَوَّلَ مدَّعِ
وتظلُّ تشردُ بي لغيرِكِ صبوةٌ ... هي من سجوِفكِ في المحلِّ الأمنَعِ
وأسيمُ في روضِ الحسانِ موزّعاً ... قلباً وَهَى بالحملِ غَيرَ موزَّعِ
قلبٌ عليكِ تختَّمت أبوابُهُ ... ما نحوَهُ لسواكِ طرقةُ مَطمعِ
إنّي طويتُ عن النَّسيمِ شغافهُ ... إِنْ جاَءني من غيرِ تلكَ الأَربُعِ
وحجبتُ عن كلِّ العواطِفِ حُجْبَهُ ... إلاَّ الحنينَ لبدر ذاك المطلِعِ
وأبحتُ إِلاَّ في الغَرامِ هوادةً ... ومنعتُ إِلاَّ أَنَّةَ المتوجّع
أَضَحتْ تُغايرُ في هواكِ جوارِحي ... حتَّى ليَغضبَ ناظري من مِسمَعي
وأغارُ مِن طرفي لغيركِ ناظراً ... لمحاً ولو شيمَ البروقِ اللمَّعِ
ولوِ استطعتُ الشمسَ ذدتُ لعابَها ... عن وجنتَيكِ ولو سَعَتْ في بُرقُعِ
ولقد أَغارُ لهاجسٍ من خاطرٍ ... من سرّ مهجةِ راهبٍ متورّعِ
يمشي إليكِ ولو بأعمقِ قلبهِ ... ويشيرُ بالأفكارِ لا بالإصبَعِ
دَرَّعتُ حسنكِ بالكمالِ , وفتيةٍ ... من حولِ خدرِك حاسرينَ ودُرَّعِ
في كلّةٍ تَذرُ الضراغمَ عندَها ... من ذِلَّةٍ أمثالَ عُفرِ الأَجرَعِ
ما للمطامِعِ في الوصالِ ودونَهْ ... خفرُ الشريعةِ والرّماحِ الشرَّعِ
نَفسي الفدا لمقنّعٍ هَجَرت لهُ ... أجفانُهنَّ شفارَ كل مقنَّعِ
تتهافتُ الأوهامُ عن حُجُراتهِ ... مني بمتنعِ الوجيبِ مشيَّعِ
ذاكَ الحمى إِلاَّ على من سِرَّ ضميرِهِ ... وحللتُ بالإقدامِ قلبَ المصنَع
هِيَ زَورةٌ تحتَ الظلامِ وَرَدتُها ... فرداً بلا عَضُدٍ. . . بلى قلبي معي!
فنظرتُ من ذاك الهِلالِ لنيّرٍ ... وعلقتُ من ذاكَ الغزال بأتلعِ
وأسفتُ في نَهل الشفاهِ وعَلِها ... ما ليسَ يعذبُ بعدَهُ من مكرع
بتنا كأنَّا خَطرةٌ في خاطرٍ ... أو وَهلةٌ حلَّت فؤادَ مروَّعِ
نبَّهتُ بالأَغزالِ هاجِعَ حُبِّها ... وحُماتَها من غافلينَ وهُجَّعِ
وسقيتُها كأسَ الهوى دهَقاً ولم ... يحلُ الهوى إِلاَّ بكأسٍ مترعِ
متلّمييَنِ مِنَ العناقِ كأنَّنا ... قوسٌ خلا لزيادةٍ من منزَعِ
أروي غريبَ حديثِ أحوالِ الجوى ... والراحُ ليسَ يطيبُ غيرَ مشعشعِ
وصلٌ أَعادَ الشملَ أيَّ موصَّلِ ... لكن أعادَ القلبَ أيَّ مقطَّعِ
عاطيتُها صرفَ الهوى , وعفافُنا ... طولَ التلازم لم يُشَبْ منْ موضعِ
كانت مضاجعُنا تَنثُّ كما لَنا ... لو كانَ يوجدُ منطقٌ للمضجعِ
واللّيلُ يكتمُ ما ينمُّ بسرِّهِ ... أرَجُ النسيمِ سرَى بمسكٍ أضوَعِ
وترى المجرَّةَ في السماءِ كأنَّها ... درٌّ تَناثَرَ من سماءٍ مُضرعِ
حتى إذا شقَّ الدجنَّةَ شوقُها ... للقا ذكاَء وشابَ فُودُ الأَسفعِ
ورأيتُ أسرابَ النُّجومِ تتابعتْ ... بفرارِها مَصعَ النعامِ الأمزَع
ما كان أحوجَنا بذاك لآيةٍ ... تأتي لنا في عكسِ آيةِ يوشعِ
زحزحتُ عنها ساعدي وتركتُها ... دونَ الكرى من تحتِ عبءٍ مضلعِ
وطلعتُ أعثرُ بالسيوفِ ولو درى ... أهلُ السيوف مقامتي لم أفزَعِ
стр. 2194
أيغولُ مهجتيَ الكُماةُ وما لهم ... فخرٌ سواي إذا اغتدوا في مجمَعِ
وتُرى تخونُ الخيلُ فارسَها , وهل ... يُردى الحسينُ على يدَ المتشيّعِ؟
أو مَنْ لهم مثلي إذا عَبَسَ الوغى ... وتضاحكت أَنيابُ ثغرِ المصرَعِ
وتشاجرت سُمرُ القنا , وتجاذبت ... بذوائبٍ , والسيفُ شبهُ الأصلَعِ
ولقد بذذتُ السابقينَ فمَنْ لهم ... بوقوفِ سَيرٍ بالمكارمِ مُوضعِ
وبلغتُ من سامي الفخارِ وجاَءني ال ... تقريظُ من محمودِ سامي الأرفعِ
خنذيذَ هذا الدَّهرِ واحدِ أهلهِ ... مقدامِ حلبتهِ الأغرِّ الأبتَعِ
القائلِ الفُصحَ التي عن مثلِها ... يُثنى المقفَّعُ في بنانِ مقفَّعِ
لو جاَء في العصر القديمِ لما روى ... إلاَّ قصائِدَهُ لسانُ الأصمَعي
قد قادَ مملكة الكلامِ , وحازها ... أخذَ الأعزّةِ للذليلِ الأضرَعِ
أن يَعصِهِ قولٌ فلم يكُ لفتةٌ ... حتى يُذَلِّلَ مستقيمَ الأخدَعِ
سهلُ البيانِ عصيُّهُ للمحتذي ... فلأنتَ منهُ بين عاصٍ طيّعِ
خُلِقت له عليا اللغاتِ , فلو هفا ... نحو الركاكة جاَء كالمتصنّعِ
تغدو المعاني حُوَّماً حتى إذا ... سامَينَ فكرَتهُ هبطنَ بموقعِ
ما زال يُبدعُ قائِلاً حتى يَرى ... بِدَعاً على الأيامِ إِن لم يُبدعِ
إن أَجدبت أرضُ الخلائِقِ بالثنا ... فخِلالهُ للحمدِ أمجدُ مرتعِ
أو حارَ قومٌ في الشِّعابِ فإنهُ ... ربُّ المضيِّ على المضيءِ المهيَعِ
أضحى يطارِ حثني القريضَ , وهل تَرى ... مَن أصبَعٍ يوماً يقاسُ بأذرُعِ
أملي إليَّ قصيدةً فأذابَني ... خجَلاً وهيبةَ خاشعٍ متصدِّعِ
يا ابنَ الغطارفةِ الأُلى لم ينتموا ... إلاَّ بأزهرَ في النديِّ سُمَيذَعِ
لا غروَ أن يُرتجْ عليَّ بحضرةٍ ... إن قَابَلت شمسَ الضُّحى لم تَسطعِ
فلوَ أنَّ سحبانَ الفصاحةِ قائمٌ ... في بابِها ما قالَ غيرُ متعتعِ
فهناك ما بَهرَ الخواطرَ هيبةً ... وزري بعارضةِ الخطيبِ المصقعِ
كلُّ العقائلِ في حماكَ وصائِفٌ ... والمنشآتِ من الجواري الخضَّعِ
فاسلمْ رعاكَ اللهُ سابغَ نعمةٍ ... وأَعادَ عيشك للزمانِ الأمرَعِ
واعذرْ إذا قصّرتُ عن حقٍّ فلو ... أمليتُ أسودَ مقلتي لم أقنَعِ
بعلبك
زار المرحوم الشيخ إبراهيم اليازجي قلعة بعلبك فخفر على باب هيكل
باخوس بيتين من الشعر هما:
يا بَعْلَبكُّ فريدةَ ألأَزمانِ ... بالصنُّعِ والإِتقانِ والبُنيانِ
لم تُبقِكِ الأَيامُ في حَدَثانِها ... إِلاَّ لتُظهرَ قُدرةَ الرحمانِ
ثم زارها الشيخ اسكندر العازار فكتب على سبيل المعارضة:
يا مَعِقلاً فيهِ العقولُ تحيَّرت ... يا معبداً لمفرِّقِ الأَديانِ
لم تُبقِكَ الأيامُ في حَدَثانها ... إِلاَّ لتُظهرَ قدرةَ الإِنسانِ
ثم زارها الشيخ يوسف أبو صعب فكتب:
يا بَعلبكُّ عروسةَ الأَزمان ... ونديمةَ المرِّيخِ والميزانِ
لولا الذي في النفسِ منهُ بقيةٌ ... لأعدتُ فيكِ عبادةَ الأَوثانِ
بين حافظ وعمون
كتب حافظ بك إبراهيم في سنة ١٩٠٢ على صديقه داود بك عمون المصطاف يومئذ في جبل لبنان بالقصيدة التالية , قال:
شَجتنا مطالعُ أقمارِها ... فسالت نُفوسٌ لتذكارِها
وبتنا نحنُّ لتلك القُصورِ ... وأَهلِ القصورِ وزُوَّارِها
стр. 2195
قُصورٌ كأنَّ بُروجَ السماءِ ... خدورُ الغواني بأَدوارِها
ذكرنا حِماها , وبين الضُّلوعِ ... قلوبٌ تَلَظَّى على نارِها
فمرَّت بأرواحِنا هِزَّةٌ ... هيَ الكهرباءُ بتيَّارِها
وأرضٍ كَسَتها كِرامُ الشُّهورِ ... حَرائرَ من نَسْج آذارِها
إذا نقَّطتها أَكفُّ الغَمامِ ... أَرتكَ الدراري بأزهارِها
وإِنْ طالَعتها ذُكاءُ الصَّباحِ ... أَرتكَ اللُّجين بأنهارِها
وإِنْ دَبَّ فيها نَسيمُ الأصيلِ ... أتاكَ النَّسيمُ بأخبارها
وَخِلٍّ أقامَ بأرضِ الشامِ ... فباتت تُدلُّ على جارِها
وأضحت تَتيهُ بربِّ القريضِ ... كتِيهِ البوادي بأشعارِها
ولَلِنِّيلُ أولى بذاكَ الدَّلالِ ... ومصرُ أَحقُّ ببشَّارِها
فشَمِّرْ وعَجِّلْ إليها المآبَ ... وخَلِّ الشامَ لأقدارِها
فكيفَ لَعَمري أطقتَ المقامَ ... بأرضٍ تَضيقُ بأحرارِها
وأنتَ المشمِّرُ إِثرَ المظا ... لمِ تَسعى إلى مَحوِ آثارِها
ثأَرتَ الليالي وأَقعدْتَها ... بمصقولِ عَزمِك عن ثارِها
إذا ثُرتَ ماجت هضابُ الشامِ ... وباتتْ تَرامي بثُوَّارِها
ألستَ فَتاها ومُختارَها ... وشِبلَ فتاها ومختارِها؟
إذا قُلتَ أصغتْ مُلوكُ الكلامِ ... ومالت إِليكَ بأبصارِها
أداودُ , حَسبُكَ أَنَّ المعاليَ ... تحسَبُ دارَكَ في دارِها
وأَنَّ ضمائرَ هذا الوجودِ ... تَبوحُ إليكَ بأسرارِها
وأَنَّك إِمَّا حَلَتَ الشامِ ... رأيناكَ جذوَةَ أفكارِها
وإِن كنتَ في مصرَ نعمَ النصيرُ ... إذا ما أهابت بأنصارِها
فأجابهَ داود بك عمُّون:
أمِنْ ذكرِ سَلمى وتذكارِها ... نَثرتَ الدُّموعَ على دارِها
وعفتَ القصورَ لأجلِ الطلولِ ... تطالعُ طامِسَ آثارِها
وقفتُ بها ليلتي ناشِداً ... عساها تَبوحُ بأسرارِها
ولَلدارُ أنطقُ آياتِها ... منَ الراوياتِ وأخبارِها
تُعيدُ عليكَ ليالي الحِمى ... بأَنجمِها وبأَقمارِها
سلامٌ عليكَ زمانَ الشبَّابِ ... ربيعَ الحياةِ بآذارِها
لأنتَ مُخفِّفُ أحزانِها ... وأنتَ مُسوّغُ أَكدارِها
ولولا الشَّبابُ وذِكرى الشَّبابِ ... لعاشَ الفتى عُمرَهُ كارِها
قطفنا الحياةَ بهِ حلوةً ... وقد جاَء إِبَّانُ إِمرارِها
أُطوِّفْ في الشرقِ عَلّي أَرى ... بِلاداً تَطيبُ لأَحرارِها
فلم أرَ إِلاَّ أُموراً تَسوءُ ... وتَصدَعُ أكبادَ نُظَّارِها
فظلمٌ بتلكَ , وذُلٌّ بهذي , ... وجَهلٌ مُغَشٍّ لأبصارِها
تعقُّ مَراحِمَ رُعيانها ... وتَرعى اولاَء لجزَّارِها
إذا شاَء قاسمُ رفعَ الحجابِ ... تُسمّيهِ هاتِكَ أستارِها
فلا قَولَ إِلاَّ لجُهَّالِها ... ولا رأيَ إِلاَّ لأَغرارِها
يَدبُّ التراخي على تربْها ... ويجري الخُمولُ بأنهارِها
منالُ الترقّي بإِرغامها ... ومَرجى الفَلاحِ بإِجبارِها
أهذا الذي أورثتْ أهلَها ... بلادُ العلومِ وأنوارِها؟
عَدِمتُ حياتي إذا لم أَقِفْ ... حياتي على نَفعِ أٌقطارِها
أحافظُ هذا مجالُ العُلى ... فَشمّْرْ لسبقٍ بمضمارِها
أِشوقي , أحافظُ طالَ السكوتُ ... وتَرْكُ الأمورِ لأقدارِها
فَصُوغا القوافيَ مصقولةً ... وشِقّا الجلودَ ببتَّارِها
عساها تُحرِّكُ أوطانَنا ... وتَنشرُ مَيِّتَ أفكارِها
стр. 2196
أقولُ , وأَعلمُ أني سأُرمى ... بأنّي مُحرِّكُ ثُوَّارِها
وأَنّي الدخيلُ , وأَنّي الغريبُ , ... وأنّي النصيرُ لقُهَّارِها
أُحبُّ بلادي على رُغمِها ... وإِنْ لم ينْلي سوى عارِها
ولستُ بأوَّلِ ذي همَّةٍ ... تَصدَّى الزمانُ لإنكارِها
النهود
جاء في اليتيمة قوله:
في صدرِها حُقَّانِ خِلتُهما ... كافورتَينِ عَلاهما نَدُّ
وقال الشيخ اسكندر العازار:
حِقاقٌ من العاجِ قد رُكّبت ... على صَحنِ صَدرٍ مِن المرمرِ
خشينَ السقوطَ فأثبتْنَها ... بشبهِ مساميرَ مِنْ عَنبرِ
وقال خليل مطران من قصيدة له عن فتاة متراجلة حاربت في صفوف الجنود:
فأَقصى الفتى عنهُ حُرَّاسهُ ... وشقَّ عن الصدرِ ما يرتدي
وأبرزَ نهدَي فتاةٍ كعابٍ ... بطرفٍ حييٍّ ووجهٍ ندي
كحقَّي لُجينٍ بقفْلي عقيقٍ ... وكنزَينِ في رَصَدٍ مُرصَدِ
فكبَّرَ ممَّا رآهُ الأميرُ ... وهلَّل كلٌّ من الشُهَّدِ
وراعهمُ ذانِكَ التوأمانِ ... وطوقاهُما مِن دَمِ الأكبُادِ
وَوثْبهُما عندما أطلِقا ... إلى ظاهر الدِّرِعِ والمحسَدِ
كوثبِ صغارِ المَها الظامِئاتِ ... نفرنَ خِفاقاً إلى مورِدِ
عيد الفداء
لما عفا سموّ الأمير يوم عيد جلوسه الميمون في سنة ١٩٠٨ عن مسجوني حادثة دنشواي الشهيرة نشر إسماعيل صبري باشا قصيدة يهنئ بها سموه بالعيد , ويذكر له بالشكر نعمة
ذلك العفو. فاستفزت هذا القصيدة شاعرية شوقي بك فنظم قصيدة في المعنى نفسه , وتلاهما بثالثة حافظ بك إبراهيم. وهذه هي القصائد الثلاث:
قصيدة صبري باشا
لو أَنَّ أَطلالَ المنازِل تَنطِقُ ... ما ارتدَّ حَرَّانَ الجوانحِ شَيِّقُ
هل عندَ ذاك السربِ أَنَّا بَعدَهُ ... في الحيِّ مِنْ آماقِنا نَتدفَّقُ
أو أنَّ أَضلُعَنا على ما استودِعَتْ ... يومَ الفراقِ مِنَ الجوى تَتحرَّقُ
أَمنازِلَ الأقمارِ , اهلُكِ أسرفُوا ... في النأيِ إِسرافَ الغنيِّ وأَغرقوا
لو أَنَّهم قد أنصفوكِ مَنازلاً ... ما حازَهم في الكونِ بَعدَكِ مَشرِقُ
عِيدَ الفداءِ , ألا سَعدتَ بسُدَّةٍ ... أَمسى يُحيطُ بها الجلالُ ويُحدِقُ
هلاَّ رأَيتَ بعابدينَ معَ الملا ... مَلِكاً خلائقُهُ تضوعُ وتَعبقُ
وجمعتَ من تلكَ الشمائل طاقةً ... تزدانُ أَيَّاماً بها وَتَخلّقُ
ورجعتَ من نور الأمير مزوَّداً ... حتَّى تعودَ وأنتَ زاهٍ مُشرِقُ
أَحرزتَ يا عبَّاسُ , كلَّ فَضيلةٍ ... وبلغتَ شأواً في العلا لا يُلحقُ
من ذا يجاري أخمَصَيكَ إلى مَدىً ... وهواكَ سبَّاقٌ , وعَزمُك أَسبَقُ
إن يُرتجلْ عرْفٌ فأنتَ إلى الذي ... لم يَرتجلْهُ المالكونَ موفَّقُ
سدّدْ سهامَ الرأي بالشُورى يَحطْ ... بكَ منهُ في ظُلَمِ الحوادِث فَيلقُ
واسبقْ بهِ , واضربْ بهِ , وافتحْ بهِ , ... ما شئتَ من بابٍ أمامَك يُغلقُ
عَوذّتُ مجدَكَ أن تَنامَ وفي الحمى ... أمَلٌ عقيمٌ , أو رَجاءٌ مُخفِقُ
ولربَّ محلٍ في النُهى متحكِّمٍ ... قد كادَ يخترمُ النفوسَ ويُوبِقُ
أرسلتَ فيهِ نظرةً ضَمنَ الحِجى ... والعلمُ نصرتَها , وقلبٌ مُشفِقُ
وأخذتَ رأيَ أُلي النهى مستوثِقاً ... مستوزراً , وكذا الحكيمُ يُدقِّقُ
стр. 2197
حتى اهتديتَ إلى الصواب ولم يَزلْ ... بينَ الصوابِ وبينَ رأيِك موثِقُ
وأهبتَ فابتكرَ النضارُ سحائباً ... تَهمي وتفتقدُ المحيلَ وتُغدِقُ
إن أمرَعت تلكَ المواتُ وأَورقت ... فيها الرياضُ فإنَّما لك تُورِقُ
وأقلتَ عثرةَ قريةٍ حكَم الهوَى ... في أهلِها وقَضى قَضاءٌ أَخرَقُ
إِن أنَّ فيها بائِسٌ مما بهِ ... وأرنَّ , جاوبَهُ هناكَ مُطَّوقُ
وارحمتا لجناتِهم! ماذا جَنَوا؟ ... وقضاتِهم ما عاقَهم إن يتَّقوا؟
ما زال يقذي كلَّ عينٍ ما رأَوا ... فيها ويؤْذي كلَّ سمعٍ ما لقوا
حتَّى حكمتَ فجاَء حكمُكَ آيةً ... للناسِ طيَّ صحيفةٍ تتأَلقُ
نزلت تُرفرِفُ حول كاتبِ نَصِّها ... زُمَراً ملائِكةُ الرِّضي وتُحلِّقُ
شَكرتك مصرُ على سلامةِ بعضِها ... شُكراً يُغرِّبُ في الورى ويُشرِّقُ
ذَكَرَت لك الصفحَ الجميلَ ولم تزلْ ... تَرمي إلى أمرٍ أجلَّ وترمقُ
قانونُ دنشاوايَ ذاك صحيفةٌ ... تُتلى فترتاعُ القلوبُ وتَخفقُ
هل يُرتجى صَفوٌ , ويهدأُ خاطرٌ ... والموتُ بين نصوصِها يترقرقُ؟
ومضاجعُ القومِ النيامِ أواهلٌ ... بمعذّبٍ يُردَى وآخرَ يُرهقُ؟
لن تبلغَ الجرحى شفاءً كامِلاً ... ما دامَ جارحُها المهنَّد يبرقُ
فاحكمْ بغيرِ العنفِ , واكسرْ سيفَهُ؛ ... فالحلمُ أجملُ , والمكارمُ أليقُ
لك مصرُ ماشيها وحاضرُها معاً ... ولك الغَدُ المتحتِّمُ المتحقّقُ
والله عونُك إِن ركبتَ إلى العلا ... طُرقاً تضلُّ بها الهُداةُ وتَفْرَقُ
والأَمرُ أمرُكَ لا يُشابُ بربيةٍ ... والحكمُ حكمُك والإلهُ مصدِّقُ
قصيدة شوقي بك
أمَّا العتابُ فبالأَحبَّةِ أخلَقُ ... والحبُّ يَصلحُ بالعتابِ ويَصدُقُ
يا مَنْ أُحبُّ ومن أُجلُّ , وحسبُهُ ... في الغيدِ منزلةً يُجَلُّ ويُعشَقُ
البعدُ أدناني إليكَ فهل ترى ... تَقسو وتنفرُ؟ أمْ تَلينُ وترفقُ؟
في جاهِ حُسنِكَ ذِلَّتي وضَراعَتي ... فاعطفْ فذاكَ بجاهِ حُسنِكَ أَليَقُ
خَلُقَ الشَّبابُ ولا أزالُ أصونُهُ ... وأنا الوفيُّ مودَّتي لا تَخَلقُ
صاحبتُهُ عشرينَ غيرَ ذميمةٍ؛ ... حالي بهِ حالٍ , وعَيشيَ مُونِقُ
قلبي , ادّكرتَ اليومَ غيرَ موفَّقٍ ... أَيَّامَ أنتَ مع الشَّبابِ مُوفَّقُ
فخفقتَ من ذكرى الشباب وعهدِهِ ... لهفي عليكَ! لكلِّ ذكرى تَخفقُ
كم ذبتَ من حُرقِ الجوى واليومَ من ... أسَفٍ عليهِ وحسرةٍ تتحرَّقُ
كنتَ الشِباكَ وكان صيداً للصِّبي ... ما تَسترقُّ من الظباءِ وتَعتقُ
خَدَعتْ حبائلُكَ الملاحَ هُنيهةً ... واليومَ كلُّ حبالةٍ لا تَعلقُ
هل دونَ أيَّامِ الشَّبيبةِ للفتى ... صَفوٌ يُحيطُ بهِ وأُنسٌ يحدقُ؟
عبَّاسُ حكمُكَ في الرّقابِ مقيّدٌ ... سمحٌ , فأمَّا في القلوبِ فمطلقُ
أنَّي اتجهتَ توجَّهتْ مشغوفةً ... هذا الجلالُ زمامُها والرَّونقُ
ألعيدُ من رُسُلِ العنايةِ فاغتبطْ ... بصنوفِ ما حَملَ الرسولُ الشيِّقُ
الناسُ تنحرُ , والصَّلاةُ مُقامةٌ , ... وعداكَ يُنحَرُ جمعُهم ويُمزَّقُ
بكرَ الأَذانُ مُحيّياً ومهنِِّئاً ... ودَعا لك الناقوسُ فيما يَنِطقُ
أثنى الخطيبُ عليك قبلَ صَلاتِهِ ... وأَجلَّ ذكرَكَ في الصَّلاةِ البَطرقُ
стр. 2198
تُزجي الفيالقَ , والقلوبُ خوافقٌ ... فوق الجنودِ , فكلُّ قلبٍ فَيلقُ
في موكبٍ لفتَ الزمانَ جلالُهُ ... يزهو بلألاءِ العزيزِ ويُشرقُ
الأرضُ حاليةُ الوجوهِ بنورهِ ... والشمسُ غَيري تجتليهِ وتَرمقُ
والرُّوحُ يكلأُ , والملائكُ حُرَّسٌ ... وعِنايةُ اللهِ الحفيظِ تُحلِّقُ
حتى حَللتَ بعابدينَ فحلَّها ... سَعدُ الدّيارِ وبدرُها المتألِّقُ
في كلِّ إِيوانٍ وكلِّ خَميلةٍ ... ساحٌ ميمَّمةٌ , وبابٌ يُطرَقُ
خَلْقٌ على قَدْمٍ المهابةِ مائلٌ ... في سدّةِ العزِّ المنيعةِ مُطرِقُ
حتى إذا رُفعَ الحجابُ تدفَّقوا ... يتشرَّفونَ براحةٍ تتدفَّقُ
وتعارضتْ فيكَ القرائحُ وانبرى ... لأبي نواسَ البحتريُّ المفلقُ
عَلَمانِ في يدِك الكريمةِ منهما ... وَيَدي أبيك أبي المكارمِ المطلَقُ
لمَّا عفوتَ , وكان ذلك شيمةً , ... طَرِبا وهَزَّهما السَّجين ُالمطلّقُ
في ذمةِ اللهِ الكريمِ وحفظِهِ ... أمَلٌ بعرشِكَ للبلادِ مُعلَّقُ
قصيدة حافظ بك إبراهيم
سَكَنَ الظَّلامُ وباتَ قلبُكَ يَخفقُ ... وسطا على جنبيكَ هَمٌّ مُقلِقُ
حارَ الفِراشُ وحرتَ فيهِ , فأَنتما ... تحتَ الظلامِ معذَّبٌ ومؤرَّقُ
دَرجَ الزمانُ وأنتَ مفتونُ المُنى ... ومَضَى الشَّبابُ وأنتَ ساهٍ مُطرِقُ
عجباً يَلذُّ لكَ السكوتُ مع الهوى ... وسواكَ يبعثُهُ الغَرامُ فَينطِقُ
خُلِقَ الغَرامُ لأصغَريك , وطالما ... ظَنُّوا الظنونَ بأصغرَيكَ وأَغرقوا
ورَموك بالسلوى ولو شَهِدُوا الذي ... تَطويهِ في تلكَ الضلوعِ لأَشفقوا
أخفيتَ أسرارَ الفؤادِ وإِنَّما ... سرُّ الفؤاد من النواظرِ يُسرَقُ
نَفِّسْ بربّكَ عن فؤادِك كربَهُ ... وارحمْ حشاكَ فإِنَّها تتمزَّقُ
واذكرْ لنا عهدَ الذين بنأيهم ... جمعوا عليكَ همومَهم وتفرَّقوا
ما للقوافي أنكرتكَ , ولم تكنْ ... لكسادِها في غيرِ سوقِك تنفقُ
ما للبيانِ بغيرِ بابك واقفاً ... يَبكي ويعجلهُ البُكاءُ فيشرِقُ
إني كهمِّكَ في الصبَّابةِ لم أَزلْ ... أَلهو وأرتجلُ القريضَ وأَعشَقُ
نفسي برُغمِ الحادثاتِ فتيَّةٌ ... عُودي على رُغمِ الكوارث مُورِقُ
إِنَّ الذي أغرى السهادَ بمقلتي ... مُتعنِّتٌ قلبي بهِ متعلِّقُ
واثقتُهُ ألاَّ أبوحَ وإِنَّما ... يومَ الحسابِ يُحَلُّ ذاك الموثِقُ
وشقيتُ منهُ بقربِهِ وبعادِهِ ... وأخو الشقاءِ إلى الشقاءِ مُوفَّقُ
صاحبتُ أسبابَ الرِّضي لركوبهِ ... متنَ الخلافِ لما بهِ أَتخلَّقُ
وصبرتُ منهُ على الذي يعيَى بهِ ... حلمُ الحليمِ ويتَّقيهِ الأحمَقُ
أصبحتُ كالدهريِّ أعبدُ شَعَرهُ ... وجبينَهُ وأنا الشريفُ المعرقُ
وغدوتُ أنظمُ من ثنايا ثغرِهِ ... دُرَراً أقلِّدُها المهَى وأُطوِّقُ
صبري استثرت دفائِني وهززتَني ... وأَريتَني الإِبداعَ كيفَ يُنسَّقُ
فأبحتَ لي شكوى الهوى وسبقتَني ... في مدح عبَّاسٍ ومثلُك يَسبقُ
قال الرئيسُ فما لقولٍ بعدَهُ ... باعٌ تطولُ ولا لمدحٍ روَنقُ
شَوقي نسبتَ فما ملكتُ مدامعي ... من أن يسيلَ بها النسيبُ الشيِّقُ
أعجزتَ أطواقَ الأَنامِ بمدحةٍ ... سجدَ البيانُ لربِّها والمَنطِقُ
стр. 2199
لم تتركا لي في المدائحِ فَضلةً ... يجري بها قَلمي الضَّعيفُ ويَلحقُ
نفسي على شوقٍ لمدحِ أميرِها ... ويَراعتي بينَ الأنامل أشوَقُ
ماذا أقولُ وأنتما في مدحهِ ... بحرانِ باتَ كِلاهما يَتدفَّقُ
العجزُ أقعَدني وإِنَّ عزائمي ... لولا كما فوقَ السماكِ تُحلِّقُ
فليُهنئَ العبَّاسَ أنَّ بكفِّهِ ... عَلَمين هزَّهما الولاءُ المُطلَقُ
وليبقَ ذُخراً للبلادِ وأهِلها ... يعفو ويرحمُ من يَشاءُ ويَعتِقُ
عبَّاسُ والعيدُ الكبيرُ كلاهما ... متأَلقٌ بإزائهِ متأَلِقُ
هذا له تجري الدِماءُ وذا لهُ ... تجري القرائِحُ بالمديحِ وتعنقُ
صدَقَ الذي قد قال فيهِ , وحسبُهُ ... أنَّ الزمانَ لما يقولُ مُصدِّقُ:
لكَ مصرُ ماضيها وحاضِرُها معاً ... ولكَ الغدُ المتحتِّمُ المتحقِّقُ
يا ليل الصب
ضمّ مجلس طرب سعادة شاعر الأمير أحمد شوقي بك وطائفةً من الأدباء فغناهم مغنيهم
القصيدة الشهيرة التي مطلعها يا ليل الصبّ فطرب لها الحاضرون وسألوا شوقي بك أن يعارضها ففعل ونشرت مجلة الزهور معارضته مقترحة على الشعراء أن يحذوا حذوه فنظم في ذلك إسماعيل صبري باشا ثم وليّ الدين بك يكن ثمّ الأمير نسيب أرسلان.
أما الأبيات الأصلية فهي لأبي الحسن الحصري الضرير المولود في القيروان والمتوفي في الأندلس سنة ٤٨٨ هـ. وهي هذه:
يا ليلُ الصبِّ متى غَدُهُ ... أقيامُ الساعةِ موعِدُهُ
رَقَدَ السُمَّارُ وأرَّقَهُ ... أسَفٌ للبَين يُردِّدُهُ
فبكاهُ النجمُ ورقَّ لهُ ... ممَّا يَرعَاهُ ويرصدُهُ
نَصبَتْ عيناي لهُ شَرَكاً ... في النَومِ فعزَّ تصيُّدُهُ
صاحٍ والخمرُ جني فَمِه ... سكرانُ اللحظ مُعربدُهُ
يا مَنْ سفكتْ عيناهُ دَمي ... وعلى خَدَّيهِ تورُّدُهُ
خدَّاكَ قدِ اعترفا بدَمي ... فعلامَ جفونُكَ تجحدُهُ
باللهِ هَبِ المشتاقَ كرىً ... فلعلَّ خيالَك يُسعدُهُ
لم يُبقِ هواكَ بهِ رَمَقاً ... فلْيَبكِ عليهِ عُوَّدُهُ
وغداً يقضي أو بعدَ غدٍ ... هَلْ من نظرٍ يَتزوَّدُهُ
أبيات شوقي بك
مضناكَ جَفاهُ مرقدُهُ ... وَبكاهُ ورَحَّمَ عُوَّدُهُ
حَيرانُ القلبِ معذَّبُهُ ... مقروحُ الجفنِ مُسهَّدُهُ
أودى حَرَقاً إِلاَّ رَمَقاً ... يُبقيهِ عليكَ وتُنفِدُهُ
يستهوي الوُرْقَ تأوُّهُهُ ... ويُذيبُ الصخرَ تَنهُّدُهُ
ويُناجي النجمَ ويَتبعُهُ ... ويُقيمُ اللّيلَ ويُقعدُهُ
ويُعلِّمُ كلَّ مُطوَّقةٍ ... شَجَناً في الدَّوحِ تُردّدُهُ
كم مدَّ لطيفِكَ من شَركٍ ... وتأَدَّبَ لا يتصيَّدُهُ
فعساك بغمضٍ مُسعفُهُ ... ولعلَّ خيالك مُسعدُهُ
الحسنُ حلفتْ بيوسُفِهِ ... والسورةِ أنَّكَ مفردُهُ
قد ودَّ جمالَكَ أو قبَساً ... حوراءُ الخلدِ وأمرَدُهُ
وتمنَّت كلُّ مقطّعةٍ ... يدَها لو تُبعَث تشهدُهُ
جَحدَتْ عَيناكَ زكيَّ دَمي ... أَكذّلِكَ خَدُّكَ يَجحدُهُ
قد عزَّ شُهوديَ إذ رَمَتا ... فأَشرتُ لخدِّكَ أُشهدُهُ
وهمَمَتُ بجِيدِكَ أُشرِكهُ ... فأَبى واستكبَرَ أصيدُهُ
وهَززتُ قَوامَكَ أعطِفُهُ ... فنَبا وتَمنَّع أملدُهُ
سَبَبٌ لرضاكَ أُعطِفُهُ ... ما بالُ الخَصرِ يُعقِّدُهُ
بَيني في الحبِّ وبينَكَ ما ... لا يَقدرُ واشٍ يُفسدُهُ
стр. 2200
ما بالُ العاذلِ يَفتحُ لي ... بابَ السُلوانِ وأُوصدُهُ
ويقولُ تكادُ تجنُّ بهِ ... فأقولُ وأُوشِكُ أعبدُهُ. . .
مولايَ , ورُوحي في يَدِهِ ... قد ضَيَّعها سَلِمَتْ يَدُهُ
ناقوسُ القلبِ يَدقُّ لهُ ... وحَنايا الأضلعِ مَعبدُهُ
حُسَّادي فيهِ أعذرُهم ... وأحَقُّ بعذريَ حُسَّدُهُ
قَسماً بثنايا لؤلؤها ... قَسمَ الياقوتَ مُنضِّدُهُ
ورضابٍ يُوعَدُ كوثرَهُ ... مقتولُ العشقِ ومشهدُهُ
وبخالٍ كادَ يُحَجُّ لهُ ... لو كانَ يثقبَّلُ أسودُهُ
وقَوامٍ يروي الغصن ُلهُ ... نَسباً والرمحُ يُفنِّدُهُ
وبخصرٍ أوهنَ من جَلَدِي ... وعَوادي الهجرِ تبدّدُهُ
ما خنتُ هواكَ ولا خَطَرت ... سلوىً بالقلبِ تُبرِّدُهُ
أبيات صبري باشا
أقريبٌ مِن دَنِفٍ غدُهُ ... فاللّيلُ تَمرَّدَ أسودُهُ
والتفّتْ تحتَ عجاجَتِهِ ... بيضٌ في الحيِّ تُؤَيَدُهُ
حَرْبٌ عندي لمُسعِّرِها ... شَوقٌ ما زلتُ أُردِّدُهُ
هل من راقٍ لصريعِ هوىً؟ ... هل من آسٍ يَتعهَّدُهُ؟
حتى مَ يُساوِرُهُ كَمدٌ ... يُبلي الأَحشاَء تجدُّدُهُ
وإلى مَ يُصارِعهُ ألمٌ ... إِن همَّ يَقومُ ويُقعدُهُ
في القصرِ غَزالٌ تُكبرهُ ... غِزلانُ الرَّملِ وتَحسدُهُ
صِفَرِت كفّي منهُ ومَضى ... وقَدِ امتلأَت منّي يَدُهُ
كم صُغت التبرَ لهُ شَرَكاً ... وقَضيتُ اللَّيلَ أُنضِّدُهُ
وأُشاوِرُ شوقي بل أدبي ... هل أقصرُ أم أتصيّدُهُ؟
مولايَ , أُعيذُكَ من ضَرَمٍ ... لا يَرحمُ قلباً مُوقِدُهُ
أدركْ بحياتِكَ مِن رَمَقي ... ما باتَ هواكَ يُهدّدُهُ
قد بان الحُبُّ لذي عَيَنَ ... ينِ وهذا الشَّوقُ يؤكِّدُهُ
شوقي جَوِّدْ في الشعرِ وقُلْ ... آمنتُ بأنَّكَ أوحدُهُ
أبيات ولي الدين بك يكن
الحسنُ مكانُكِ معبدُهُ ... واللَّحظُ فؤاديَ مَغمدُهُ
يا سيَّدتي , هذا حُرٌّ ... لم يُعرَفْ قبلَكِ سيّدُهُ
اللّيلُ , وطيفُكِ يعرفهُ ... إِن كانَ فؤَادُكِ يجحدُهُ
كم يوحي طرفُكِ لي غَزلاً ... وأنا في شِعريَ أُنشدُهُ
وتُساجلُني الأطيارُ هوىً ... في الدَّوحِ أبيتُ أُردِّدُهُ
للّصبح سناؤُكِ أبيضُهُ ... للَّيل غَراميَ أسودُهُ
أحببتُ قلاكِ فمطلقُهُ ... عندي عَذبٌ ومُقيّدُهُ
إِن ضلَّ حنانكِ عن قلبي ... فأن بولوعيَ أرشدُهُ
قد بات دلالكِ يَخذلهُ ... وجمالَكِ كانَ يؤيّدُهُ
زِيدي تيهاً أزدَدْ كَلَفاً ... كَلفي إِن رَثَّ أجدّدُهُ
شوقي إن بنتِ يضاعِفهُ ... صبري إن جرتِ يؤكدُهُ
خِلاَّنِ هُما شمسا فَلَكٍ ... طَرفي مع طرفِكِ يرصدهُ
فَصِلي باللهِ ولو حُلُماً ... مضناكِ جَفاهُ مرقدُهُ
وعِديهِ اليومَ ولو كَذِباً ... الصبُّ يماطِلُه غَدُهُ
أبيات الأمير نسيب أرسلان
مَضناكَ عصاهُ تجلُّدُهُ ... هل أنتَ بعطفِك مُنجدُهُ؟
منهوك الجسمِ بهِ كعَدٌ ... أحناءُ الأَضلعِ موقدهُ
ترجيعُ الوُرقِ يُهيّجهُ ... ووميضُ البرقِ يسهّدُهُ
ولهُ نفَسٌ , لو ما خفَفت ... أحشاهُ , لعزَّ تردُّدُهُ
إِن تَهجرْهُ فعزاَءك في ... دنِفٍ يتهامَسُ عُوَّدُهُ
لا يسري طيفُكَ في غَلَسٍ ... قد زوّرَ نورَك فرقدُهُ
ما حالُ فؤاديَ في شغَفي ... يستبكي الصخرَ تَوجُّدُهُ
стр. 2201
أفدي مولايَ فكلُّ فتىً ... يُشقيهِ الحبُ ويُسعدُهُ
كم فزتُ بمرآي طلعتِهِ ... فوزاً يتقطَّع حُسَّدُهُ
وسكرتُ براحِ شمائِلهِ ... سكراً ما فاهَ مُعَربدُهُ
غْصُنٌ أغرتني رقتَّهُ ... أتُرى شكوايَ تؤوِّدُهُ
والشعرُ صداحٌ في وَلهٍ ... يهوى الأغصانَ مغرّدُهُ