← Джавами‘

Джавами‘ · id 36534

مجلة «الزهور» المصرية

أنطون الجميل

Полный текст (2 201 стр.). Показаны 2136–2175 · переход к 2141.

стр. 2136

ومبشِّرٍ بالصلحِ قُلتُ: لعلَّهُ ... خيرٌ , عسى أن تصدقَ الأحلامُ ترَكَ الفريقانِ القتالَ؛ وهذهِ ... سلمٌ أمرُّ من القتالِ عُقامُ ينعي إلينا المُلكَ ناعٍ لم يطأْ ... أرضاً ولا انتقلتْ بهِ أقدامُ برقٌ جوائُبهُ صواعِقُ كلُّها ... ومن البرّوقِ صواعِقٌ وغمامُ إن كانَ شرٌّ , زارَ غير مفارقٍ ... أو كان خيرٌ , فالمزارُ لمامُ بالأمسِ أفريقا تولَّت وانقضى ... مُلكٌ على جِيدِ الخضّمِ جُسامُ نَظَمَ الهِلالُ بهِ ممالِكَ أرَبعاً ... أصبحنَ ليسَ لعِقدِهنَّ نِظامُ من فتْحِ هاشِمَ أو أُميَّةَ لم يضَعْ ... أساسَها تَتَرٌ ولا أعجامُ واليومَ حُكْمُ اللهِ في مقدونيا ... لا نقضَ فيهِ لنا ول إِبرامُ كانت من الغربِ البقيةَ فانقضت ... فعلى بني عُثمانَ فيهِ سلامُ! أخذَ المدائنَ والقُرى بخناقِها ... جيشٌ من المتحالِفينَ لهامُ غطَّت بهِ الأرضُ الفضاءُ وجوهَها ... وكست مناكبهَا بهِ الآكامُ تَمشِي المناكِرُ بين أيدي خَيلهِ ... أنَّى مشَى , والبَغيُ والإِجرامُ ويحثُّهُ باسمِ الكتابِ أقسَّةٌ ... نشَطُوا لما هوَ في الكتابِ حَرامُ ومسيطرونَ على الممالكِ سُخِّرتْ ... لهم الشعوبُ كأنها أنعامُ من كلّ جزَّارٍ يرومُ الصدرَ في ... نادي الملوكِ وجَدَّهُ غنَّامُ سكّينهُ , ويمينُهُ , وحزامُهُ ... والصولجانُ , جميعُها آثامُ عيسَى سبيلُك رحمةٌ ومحبَّةٌ ... في العالمينَ وعصمةٌ وسلامُ ما كنتَ سفَّاكَ الدماءِ ولا امرأً ... هانَ الضعافُ عليهِ والأيتامُ يا حامِلَ الآلامِ عن هذا الورى ... كُثرتْ عليهِ باسمكَ الآلامُ أنتَ الذي جعلَ العبادَ جميعَهم ... رَحِماً , وباسمِكَ مرَّتين تُقامُ كم هاجَهُ صِيدُ الملوكِ وهاجَهم ... وتكافأَ الفرسانُ والأَعلامُ البغيُ في دينِ الجميعِ دنّيةٌ ... والسلِمُ عَهدٌ والقتِالُ ذِمامُ واليومَ يهتُفُ بالصليبِ عصائبٌ ... همُ للإلهِ ورُوحهِ ظُلاَّمُ خلطُوا صليبَكَ والخناجرَ والمُدى ... كلٌّ أداةٌ للأذى وحِمامُ أوَ ما تَراهم ذبَّحوا جيرانَهم ... بين البيوتِ كأنَّهم أغنامُ كم مُرضَعٍ في حجْرِ نعمتهِ غدا ... ولهُ على حدِّ السيوفِ فطامُ وصبيّةٍ هُتكتْ خميلَةُ طهرِها ... وتناثرتْ عن نَورِهِ الأَكمامُ وأخي ثمانينَ استُبيحَ وَقارُهُ ... لم يُغنِ عنهُ الضّعفُ والأعوامُ جِريحِ جربٍ ظامئٍ وأدُوهُ لم ... يعطفْهمُ جرحٌ دَمٍ وأوامُ ومهاجرينَ تنكَّرت أوطانُهم ... ضلّوا السبيلَ من الذهولِ وهاموا السيفُ , إِن ركبوا الفِرارَ , سبيلُهم ... والنطعُ , إِن طلبوا القرار , مقامُ يتلفَّتونَ مودِّعينَ ديارَهم ... واللحظُ ماءٌ , والديارُ ضرامُ يا أمَّةً بفروقَ فرَّقَ بينَهم ... قَدَرٌ تَطيشُ إذا أتى الأحلامُ فيما التخاذُلُ بينكم , ووراَءكم ... أممٌ تُضاعُ حقوقُها وتُضامُ الله يشهدُ لم أكن متحزِّباً ... في الرزءِ لا شِيَعٌ ولا أحزامُ وإذا دعوتُ إلى الوئامِ , فشاعِرٌ ... أقصى مناهُ محبَّةٌ ووئِامُ من تُضجرُ البلوى فغايةُ جُهْدِهِ ... رُجْعَى إلى الأقدارِ واستسلامُ لا يأخذَنَّ على العواقبِ بعضُكم ... بعضاً , فقِدْماً جارتِ الأحكامُ

стр. 2137

تقضي على المرء الليالي أو لهُ ... فالحمدُ من سُلطانِها والذَّامُ من عادةِ التأريخِ ملءُ قَضائِهِ ... عدلٌ , وملءُ كِنانتَيهِ سَهامُ ما ليسَ يدفعُهُ المهنَّدُ مُصلَتاً ... لا الكُتْبُ تدفعُهُ ولا الأقلامُ أنَّ الأُلى فتحوا الفُتوحَ جلائلاً ... دخلوا على الأسُدِ الغِاضَ وناموا هذا جناهُ عليكمُ آباؤُكم! ... صبراً وصفحاً , فالجُناةُ كرامُ رفعوا على السيفِ البناَء فلم يَدُمْ ... ما للبناءِ على السيوف دَوامُ أبقي الممالكِ ما المعارفُ أسُّهُ ... والعدلُ فيهِ حائطٌ ودعامْ فإذا جرى رشَداً ويُمناً أمرُكم ... فامشوا بنورِ العلمِ فهو زمامُ ودعوا التفاخرَ بالتُّراث وإن غلا ... فالمجد كَسْبٌ والزمانُ عصامُ إن الغرورَ إذا تملَّكَ أمَّةً ... كالزَّهرِ يُخفي الموتَ وهو زؤامُ لا يعدلنَّ المُلكَ في شهواتِكم ... عَرَضٌ من الدنيا بدا وحُطامُ ومناصبٌ في غيرِ موضعِها كما ... حلَّت محلَّ القدرةِ الأصنامُ الملكُ مرتبةٌ الشعوبَِ , فإنْ يفتْ ... عزَّ السيادةِ فالشعوبُ سوامُ ومن البهائِمِ مُشبَعٌ ومدلَّلٌ ... ومن الحريرِ شكيمةٌ ولجامُ وقف الزمانُ بُكم كموقفِ طارق ... اليأسُ خلفٌ والرجاءُ أمامُ الصبرُ والإِقدامُ فيهِ إذا هُما ... قَتَلاَ , فأقتلُ منهما الإِحجامُ يُحصي الذليلُ مَدى مَطالبِهِ ولا ... يُحصي مَدى المستقبَلِ المِقدامُ هذي البقيَّةُ , لو حرضتم , دولةٌ ... صالَ الرشيدُ بها , وطالَ هشامُ قِسمُ الأئمَّةِ والخلائفِ قبلَكم ... في الأرضِ لم تُعدَلْ بهِ الأقسامُ سرَتِ النبوَّةُ في طَهورِ فَضائهِ ... ومشى عليهِ الوحُي والإِلهامُ وتدفَّق النَّهرانِ فيهِ , وأزهرت ... بغدادُ تحت ظِلالهِ والشامُ أثرتْ سواحلُهُ , وطابت أرضُهُ ... فالدرُّ لجٌّ , والنُّضارُ رغامُ شَرَفاً أدِرْنَةُ! هكذا يقِفُ الحمى ... للغاضبينَ , وتثبيُ الأقدامُ وتردُّ بالدمِ بُقعةٌ أُخِذتْ بهِ ... ويموتُ دون عرينهِ الضَّرغامُ والمُلكُ يُؤخذُ أو يُرَدُّ ولم يزْل ... يرِثُ الحُسامَ على البلادِ حُسامُ عِرْضُ الخِلافةِ ذادَ عنهُ مجاهِدٌ ... في الله غازٍ , في الرسولِ هُمامُ تستعصِمُ الأوطانُ خلف ظُباتِه ... وتعزُّ حولَ قَناتهِ الأعلامُ عثمانُ في بردَيهِ يمنعُ جيَشهُ ... وابنُ الوليدِ على الحمى قوَّامُ عَلِمَ الزمانُ مكان شكري وانتهى ... شكرُ الزمانِ إليهِ والإِعظامُ صبراً أدِرْنَةُ! كلُّ مُلكٍ زائِلٌ ... يوماً ويبقى المالِكُ العلاَّمُ خفَتَ الآِذانُ فما عليكِ موحِّدٌ ... يسعى , ولا الجُمَع الحسانُ تُقامُ وخَبتْ مساجدُ كُنَّ نوراً جامِعاً ... تمشي إليهِ الأسْدُ والآرامُ يدرجنَ في؛ َرمِ الصلاةِ قوانتاً ... بيضَ الإزار كأنهنَّ حَمامُ وعفَت قبورُ الفاتحينَ , وفُضَّ عن ... حُفَرِ الخلائفِ جندلٌ ورجامُ نُبشت على قَعساءِ عزَّتها كما ... نُبشت على استعلائها الأَهرامُ في ذمَّةِ التأريخ خمسةُ أشهرٍ ... طالت عليكِ , فكلُّ يومٍ عامُ السيفُ عارٍِ , والوباءُ مسلَّطُ ... والسُبْلُ خوفٌ , والثلوجُ ركامُ والجوعُ فتَّاكٌ , وفيكِ صحابةٌ ... لو لم يجوعوا في الجهادِ لصاموا

стр. 2138

ضنُّوا بعرضِكِ أن يُباعَ ويُشتري ... عِرضُ الحرائر ليسَ فيهِ سوامُ ضاقَ الحصارُ كأنما حلقاتُهُ ... فلَكٌ , ومقذوفاتُها أجرامُ ورَمَى العدى , ورميتهم بجهنَّم ... مما يصُبُّ الهُ لا الأقوامُ بِعْتِ العدوَّ بكلِ شبرٍ مهجةً ... وكذا يباعُ المُلكُ حين يُرامُ ما زالَ بينَكِ في الحصارِ وبينهُ ... شُمُّ الحصونِ ومثلهنَّ عِظامُ حتَّى حواكِ مقابِراً وحويتِهِ ... جُثثاً , فلا غُبْنٌ ولا استذمامُ على قبري أقولُ لهم في ساعةِ الدَّفنِ خَفِّفُوا ... عليَّ ولا تُلقوا الصخورَ على قبري ألم يكفِ همٌّ في الحياةِ حملتُهُ ... فأحملَ بعدَ الموتِ صخراً على صخرِ كان سمو الأمير وشاعره يشارفان بعض الأعمال , ولم يكن لشوقي بك ما يتقي به حرّ الهاجرة فناوله سموّ الأمير مظلة في يده فقال على الفور: عبَّاسُ مولاي أهداني مظلَّتَهُ ... يظلِّلُ اللهُ عبَّاساً ويرعَاهُ ماَلي وللشمسِ أخشاها وأحذرُها! ... مَنْ كان في ظلِّهِ فالشمسُ تخشاهُ أيُّها المنتحي بأسوانَ جاراً ... كالثُريَّا تُريدُ أن تَنقضَّا اخلعِ النعلَ واخفضِ الطرفَ واخشعْ ... لا تحاولْ من آيةِ الدهرِ غَمضا قفْ بتلكَ القصورِ في اليمِّ غَرقي ... ممسِكاً بعضُها من الذُّعرِ بعضا كعَذارى اخفينَ في الماءِ بَضّاً ... سابحاتٍ بهِ , وأَبدينَ بَضَّا مُشرفاتٍ على الزَّوالِ , وكانت ... مُشرفاتٍ على الكواكب نَهضَا شابَ من حولها الزمانُ , وشابت ... وشبابُ الفنونِ ما زالَ غَضَّا رُبَّ نقشٍ كأنَّما نفضَ الصَّا ... نعُ منهُ اليدَينَ بالأمس نفضَا ودُهانٍ كلامعِ الزَّيتِ مرَّت ... أعصرٌ بالسراجِ والزَّيتُ وضَّا وخطوطٍ كأنَّها هدبُ ريمٍ ... حسنتْ صِنعةً وطولاً وعرضا وضحَايا تكادُ تَمشي وتَرعى ... لو أصابت من قدرةِ اللهِ نَبضا ومحاريب كالبروجِ بَنتها ... عَزَماتٌ من عزْمةِ الجنِّ أمضى شيَّدت بعضَها الفراعينُ زلفىً ... وبنى البعضَ أجَنبٌ يترضىً ومقاصيرَ أُبدِلتْ بفتاتِ ال ... مسكِ تِرباً , وباليواقيتِ قضَّا حظُّها اليوم هدَّةٌ , وقديماً ... صرفت في الحظوظ رفعاً وخفضا سقَتِ العالمينَ بالسعدِ والنح ... س إلى أن تعاطتِ النحسَ مَحضاً صنعةٌ تُدهِشُ العقولَ , وفَنٌّ ... كان إِتقانُهُ على القومِ فَرضا يا قصوراً نظرتُها وهي تقضِي ... فسكبتُ الدموعَ , والحقُّ يقضي أنتِ طُغرا , ومجد مصر كِتابٌ ... كيفَ سامَ البِلى كتابَكِ فَضَّا؟ وأنا المحتفي بتأريخِ مصرٍ ... من يصُنْ مَجَدَ قومِهِ صانَ عرِضا لم تُمتْ أمَّةٌ , ولا بادَ شعبٌ ... اقرضوا الذِكرَ والأحاديثَ قَرضا رُبَّ سرٍّ بجانبَيكِ مُزالٍ ... كان حتى على الفراعينِ غَمضا قُلْ لها في الدُّعاءِ لو كان يُجدي: ... يا سماَء الجَلالِ لا صرتِ أرضا حارَ فيكِ المهندسونُ عُقولاً ... وتولَّت عزائمُ العلمِ مَرضى أينَ ملْكٌ حيالَها , وفريدٌ ... من نظامِ النعيمِ أصبحَ فضَّا؟ أين فرعونُ في المواكبِ تَترى ... يُركضُ المالكينَ كالخيلِ ركضا؟ ساق للفتح في الممالِك عرضاً ... وجلا للفَخارِ في السلمِ عرضا أين إِيزيسُ تحتها النيلُ يجري ... حكمتْ فيهِ شَاطئَين وعرضا؟

стр. 2139

أسدلَ الطرفَ كاهِنٌ ومليكٌ ... في ثَراها , وأرسلَ الرأسَ خفضا يُعرَضُ المالكون أسرى عليها ... في قيود الهوان عانينَ جَرضى مالَها أصبحتْ بغير مُجيرٍ ... تشتكي من نوائبِ الدّهر عضَّا هيَ في الأسرِ بين صخرٍ وبحرٍ ... مَلْكةٌ في السجون فوقَ حضوضى أين هوروسُ بين سيفٍ ونطعٍ ... أبهذا في شرِعهم كان يُقضي؟ ليت شعري! قضى شهيدَ غرامٍ ... أم رماهُ الوشاةُ حِقداً وبُغضا؟ رُبَّ ضربٍ من سوطِ فرعونَ مضٍّ ... دونَ فعلِ الفراقِ بالنفسِ مَضَّا وهلاكٍ بسيفِهِ وهوَ قانٍ ... دونَ سيفٍ من اللواحظِ يُنضى قتلوهُ فهل لذاك حديثٌ؟ ... أين راوي الحديثِ نثراً وقرضا؟ شيمةُ النيل أن يفي , وعجيبٌ ... أحرجوهُ فضيَّعَ لعهدَ نقضا حاشَهُ الماءُ فهو صيدٌ كريمٌ ... ليتَ بالنيلِ يومَ يسقطُ غيضَا شيَّدوا المال , والعلومُ قليلٌ ... أنقذوهُ بالمال والعلمِ نقضا نكبة بيروت على أثر ضرب الأسطول الإيطالياني لمدينة بيروت تليت في الحفلة التي أقيمت في مصر برئاسة دولة الأمير محمد علي باشا شقيق الجناب الخديوي لمساعدة منكوبي تلك الحادثة: يا ربِّ أمرُكَ في الممالك نافذٌ ... والحُكمُ حكمُك في الدَّمِ المسفوكِ إِن شئتَ أهرقْهُ , وإِن شئتَ احمِهِ ... هوَ لم يكن لسواكَ بالمملوكِ واحكمُ بعدلك , إِنَّ عدلَك لم يكنْ ... بالممتَرَي فيهِ ولا المشكوكِ ألأِجْلِ آجالٍ دَنتْ وتهيَّأتْ ... قدَّرتَ ضربَ الشاطئِ المتروكِ ما كان يَحميهِ ولا يُحمي بهِ ... فُلُكانِ أنعمُ من بواخرِ كوكِ هذي بجانبها الكسيرِ غريقةٌ ... تهوي , وتلكَ برُكنها المدكوكِ بيروتُ , مات الأُسدُ حتفَ أُنوفهم ... لم يَشهروا سيفاً ولم يحموكِ سبعون ليثاً أُحرقوا أو أُغرقوا ... يا ليتهم قُتلوا على طبروكِ كلٌّ يصيدُ الليثَ وهو مقيَّدٌ ... ويعزُّ صيدُ الضيغمِ المفكوكِ يا مَضرِبَ الخيَم المنيفةِ للقرى ... ما أنصفَ العُجْمُ الألى ضرَبوكِ ما كُنتِ يوماً للقنابلِ موضعاً ... ولوَ أنَّها من عسجدٍ مسبوكِ بيروتُ , يا راحَ النزيلِ وأُنسَهُ ... يمضي الزمانُ عليَّ لا أسلوكِ الحسنُ لفظٌ في المدائنِ كلِّها ... ووجدتُهُ لفظاً ومعنىً فيكِ نادمتُ يوماً في ظلالِك فتيةً ... وسموا الملائكَ في جلالِ ملوكِ يُنسون حَسَّاناً عصابةَ جُلَّقٍ ... حتى يكادَ بجلّقٍ يفديكِ تاللهِ ما أحدَثتِ شرّاً أو أذىً ... حتَّى تُراعي أو يُراعَ بنوكِ أنتِ التي يحمي ويَمنعُ عِرضَها ... سيفُ الشريفِ وخنجرُ الصعلوكِ أن يجهلوكِ فإن أُمّكِ سورِيَا ... والأبلقَ الفردَ الأشمَّ أبوكِ والسابقينَ إلى المفاخر والعُلى ... بَلْهَ المكارمَ والنَّدَى أهلوكِ سالت دماءٌ فيكِ حولَ مساجدٍ ... وكنائسٍ ومدارسٍ وبُنوكِ كنَّا نُؤمِّلُ أن يُمَدَّ بقاؤُها ... حتى تبلَّ صدى القنا المشبوكِ لكِ في رُبى النيل المبارَكِ جيرةٌ ... لو يقدرون بدمعِهم غَسَلوكِ يكفيكِ بُرءاً للجراحِ ومرهماً ... أنَّ الأمير محمَّداً يأسوكِ لو يستطيعُ كرامُ مصرَ كرامةً ... لمحمَّدٍ بقلوبهم ضمدوكِ هو في ابتناءِ المجد صورةُ جَدّهِ ... أذكرتِ إبراهيم في ناديكِ؟

стр. 2140

العصر والعصفور نظمت في خلال أسبوع الطيران الذي أقيم في مصر الجديدة من ٦ - ١٣ فبراير شباط سنة ١٩١٠ قُمْ سُليمانُ , بِساطُ الرّيحِ قامَا ... مَلَكَ القومُ من الجوِّ الزمَانا حينَ ضاقَ البَرُّ والبحرُ بهم ... أسرَجُوا الريحَ وسامُوها اللّجاما صارَ ما كان لكم مُعجزةً ... آيةً للعِلمِ آتاها الأناما قدرةٌ كنتَ بها منفرِداً ... أصبَحتْ حصَّةَ من جَدَّ اعتزِاما عينُ شمسٍ قامَ فيها مارِدٌ ... من عفاريتكَ يُدعى لتهاما يَملأُ الجوّ عَزيفاً كلَّما ... ضَربَ الريحَ بسوطٍ والغَماما ملَك الجوّ تليهِ عصبةٌ ... جَمعتْ شَهماً وندباً وهُماما فاستووا فوقَ مناطيدِهمِ ... ما يُبالونَ حياةً أم حِماما وقبوراً في السَّمواتِ العُلى ... نزلوا , أم حُفُراتٍ ورغَاما مطمئنّين نفوساً كلَّما ... عبستْ كارثةٌ زادوا ابتساما صهوةَ العزِّ اعتلوا تحسبَهُم ... جَمْعَ أملاكٍ على الخيلِ تَسَامى رفعُوا لولبَها فاندَفَعتْ ... هل رأيتَ الطيرَ قد رَفَّ وحاما شالَ بالأذنابِ كلٌّ , ورَمى ... بجناحَيهِ كما رُعتَ النّعاما ذهبتْ تسمو فكانت أعقُباً ... فنسوراً , فصُقوراً , فَحماما تنبري في زرَقِ الأفْقِ كما ... سبَحَ الحوتُ بدأ ماَء وعَاما بعضُها في طلَبِ البعضِ كما ... طارَدَ النسْرُ على الجوّ القطاما ويراها عالَمٌ في زُحَلٍ ... أُرسِلتْ من جانبِ الأرضِ سَهاما أو نجوماً ذاتَ أذنابٍ بدت ... تُنذرُ الناسَ نُشوراً وقياما اجعلوها رُسلَكم أهلَ الهوى ... تنقلُ الأشواقَ عنكم والغَراما واستعيروها جَناحاً طالما ... شغفَ الصبَّ , وشاقَ المستهاما يَحملُ المضني إلى أرضِ الهوى ... يَمنَاً حلَّ هواهُ أم شاما أركَبُ اللّيثَ ولا اركبُها ... وأرى ليثَ الشَّرى أوفى ذِماما غدرَت جيرونَ لم تحفَلْ بهِ ... وبما قرصِ من فوزٍ وراما وقعتْ ناحيةً فاحترقتْ ... مثلَ قرصِ الشمسِ بالأفْقِ اضطراما راضَها باليُمنِ من طلعِتَهِ ... خيرُ مَن حَجَّ ومَن صلَّى وصاما كخليلِ اللهٍ في حضرتِهِ ... خرَّتِ النَّارُ خشُوعاً واحتِراما ما لروجه صاعِداً ما ينتهي ... أتُراهُ آثرَ الجوَّ فراما؟ كلَّما دارَ بهِ دورتَهُ ... أبدتِ الريحُ امتثالاً وارتساما أنا لو نُلتُ الذي قدْ نالَهُ ... ما هبطتُ الأرضَ أرضاهَا وخُصاما؟ هل ترَى في الأرضِ إِلاَّ حَسَداً ... ورياءً ونزِاعاً وخُصاما؟ مُلْكُ هذا الجوِّ في مِنعَتِهِ ... طالما للنَّجمِ والطيرِ استقاما حَسَدَ الإنسانُ ربّيهِ بما ... أوتيا في ذروةِ العزّ اعِتصاما دخَلَ العِشَّ على أنسُرِهِ ... أتُرى يَغشى من النَّجمِ السَّناما أيُّها الشرقُ , انتبْه من غفلةٍ ... ماتَ مَنْ في طُرُقاتٍ السَّيل ناما لا تقولنَّ عظاميٌّ أنا ... في زمانِ كان للناسِ عصاما شاقتِ العلياءُ فيهِ خَلَفاً ... ليس يألوها طلاباً واغتناما كلَّ حينٍ منهمُ نابغةٌ ... يفضلُ البدرَ بهاءً وتماما خالِقَ العصفور , حيَّرتَ بهِ ... أُمماً بادُوا وما نالُوا المراما أفنوا النقدينِ في تقليدهِ ... وهوَ كالدرهمِ ريشاً وعِظاما أتَرى القوَّةَ في جُؤجؤِهِ ... وهو بالجؤْجؤِ ماضٍ يترامى

стр. 2141

أم تَراها في الخوافي خَفِيَتْ ... أم مقرِّ الحولِ في بعضِ القُدامى؟ أم ذناباهُ إذا حرَّكَهُ ... يَزِنُ الجسمَ هبُوطاً وقِياما؟ أم بعينَيهِ إذا مَا جالتَا ... تكشفانِ الجوّ غيثاً أم جهاما؟ أم بأظفارٍ إذا شبَّكَها ... نفذت في الريحِ دفعاً واستلاما؟ أم أمدَّتهُ برُوحٍ أُمُّهُ ... يومَ ألقتْهُ وما جازَ الفطاما؟ فَتلقَّاهُ أبٌ كم من أبٍ ... دونهُ في الناسِ بالوُلْدِ اهتماما فَلَكيٌّ هُوَ إِلاَّ أنَّهُ ... لم يَنَلْ فهماً , ولم يُعطَ الكلاما طِلْبةٌ قد رامَها آباؤُنا ... وابتغاها من رأَى الدّهرَ غُلاما أسقَطَت ايكارَ في تجربةٍ ... وابنَ فرناسَ فما اسطاعا قياما في سبيلِ المجدِ أودى نَفَرٌ ... شهداَء العلم أعلاهم مقاما خلفاءُ الرُسْلِ في الأرضِ همُ ... يبعثُ اللهُ بهم عاماً فعاما فطرةٌ من دَمِهم في مُلْكِهِ ... تملأُ المُلْكَ جَمالاً ونِظاما رَبِّ , إنْ كانت لخيرٍ جُعِلتْ ... فاجعَلِ الخيرَ بناديها لزاما وإِنِ اعتزَّ بها الشرُّ غداً ... فتعالت تُمطِرُ الموتَ الزؤاما فأملأِ الجوَّ عليها رَجَماً ... رحمةً منكَ وعَدلاً وانتقاما يا فرنسا لا عدِمنا مِنَناً ... لكِ عندَ العلمِ والفنِّ جُساما لطفَ اللهُ بباريسٍ ولاَ ... لَقِيتْ إلاَّ هناءً وسَلاما روَّعت قلبي خُطوبٌ روَّعتْ ... سامِرَ الأحياءِ فيها والنِّياما أنا لا أدعُوا على سَينٍ طغى ... إن للسّينِ وإِن جارَ ذِماما لستُ بالناسي عليهِ عيشةً ... كانتِ الشهدَ , وأحباباً كراما آية العصر في سماء مصر نظمت على أثر قدوم فدرين وبونيه طائرين من باريس على مصر سنة ١٩١٤ يا فرنسا نلتِ أسبابِ السماءِ ... وتملَّكتِ مقاليدَ الجواءِ غُلبَ النَّسرُ على دولتهِ ... وتنحَّى لكِ عن عرشِ الهواءِ وأتتكِ الريحُ تمشي أمَةً ... لكِ يا بلقيسُ , من أوفى الإماءِ رُضتَ بعد جَماحٍ , وجَرت ... طوعَ سلطانَينِ: علمٍ وذكاءِ لكِ خيلٌ بجناحٍ أشَبهت ... خَيلَ جبريلَ لنصرِ الأنبياءِ وبريدٌ يسحبُ الذيلَ على ... برُدٍ في البرِّ والبحرِ بِطاءِ تطلعُ الشمسُ فيجري دونَها ... فوقَ عُنْقِ الريحِ أو مَتنِ العماءِ رِحلةُ المشرقِ والمغربِ ما ... لبثت غيرَ صباحٍ ومساءِ بسلاءُ الأنسِ والجنِّ فِدىً ... لفريقٍ من بنيكِ البُسَلاءِ ضاقتِ الأرضُ بهم فاتَّخذوا ... في السَّمَواتِ قبورَ الشُهداءِ فتيةٌ يمسون جيرانَ السُّها ... سُمراَء النجمِ في أوجِ العَلاءِ حُوَّماً فوق جبالٍ لم تكن ... للرياحِ الهوجِ يوماً بوطاءِ لسليمانَ بساطٌ واحدٌ ... ولهم ألفُ بساطٍ في الفضاءِ يركبونَ الشُّهْبَ والسُّحْبَ إلى ... رفعةِ الذكرِ وعلياءِ الثناءِ يا نسوراً هبطُوا الوادي على ... سالفِ الحبّ , ومأثورِ الولاءِ دارُكم مصرُ , وفيه قومُكم ... مرحباً بالأقرَبينَ الكرَماءِ طرتمُ فيها فطارت فَرَحاً ... بأعزّ الضيفِ خيرِ النُّزلاءِ هل شجاكم في ثَرى أهرامِها ... ما أرقُتم من دموعِ ودِماءِ أين نسرٌ قد تلقَّى قبلَكم ... عَِظِةَ الأجيالِ من أعلى بناءِ لو شهدتم عَصرَهُ أضحى لهُ ... عالَمُ الأفلاكِ معقودَ اللِّواء

стр. 2142

جَرَحَ الأهرامَ في عزَّتِها ... فمشَى للقبر مجروحَ الإباءِ أخذت تاجاً بتاجٍ ثأرَها ... وجزت من صلَفٍ بالكُبرَياءِ وتمنَّت لو حوَت أعظَمهُ ... بين أبناء الشموسِ العُظماءِ جلّ شأنُ الله هادي خَلْقِهِ ... بهُدي العلم ونُورِ العُلمَاءِ زَفّ من آياتِهِ الكبرى لنا ... طِلبةً طالَ بها عهدُ الرَّجاءِ مركبٌ لو سلَفَ الدَّهرُ بهِ ... كان إحدى مُعجزاتِ القُدماءِ نِصفُهُ طيرٌ , ونصفٌ بشرٌ! ... يا لها إحدى أعاجيبِ القضاءِ! رائعٌ , مرتفعاً أو واقعاً , ... أنفُسَ الشُّجعانِ قبلَ الجُبناءِ مُسرَجٌ في كلِ حينٍ مُلَجمٌ ... كاملُ العدَّةِ , مرموقُ الرواءِ كبساطِ الريحِ في القدوةِ أو ... هُدهُدِ السيرةِ في صدق البلاءِ أو كحوتٍ يرتمي الموجُ بهِ ... سابحٍ بينَ ظهورٍ وخَفاءِ راكبٍ ما شاَء مِن أطرافهِ ... لا يرى من مركبٍ ذي عدَواءِ ملأَ الجوَّ فِعالاً , وغدا ... عجبُ الغُربانِ فيهِ والحِدَاء وترى السُّحبَ بهِ راعدةً ... من حديدٍ جُمعت لا من رواءِ حَملَ الفولاذَ ريشاً , وجَرى ... في عِنانَينَ لهُ: نارٍ وماءِ وجناحٍ غيرِ ذي قادمةٍ ... كجناحِ النَّحلِ مصقولٍ سواءِ وذُنابي كلّ ريحٍ مسهَّا ... مسَّهُ صاعقةٌ من كهرباءٍ يتراَءى كوكباً ذا ذنبٍ ... فإذا جدَّ فسَهَما ذا مَضاءِ فإذا جازَ الثريَّا للثرى ... جَرَّ كالطاووسِ دَيلَ الخَيَلاءِ يملا الآفاقِ صوتاً وصدىً ... كعزيفِ الجنِّ في الأرضِ العَراءِ أرسلْتهُ الأرضُ عنها خَبراً ... طَنَّ في آذانِ سُكَّانِ السماء يا شبابَ الغدِ , وابنايَ الفدى ... لكمُ , أكرمْ وأَعززْ بالفِداءِ! هل يمدُّ اللهُ لي العيشَ , عَسى ... أن أراكم في الفريقِ السُّعداءِ وأرى تاجكمُ فوقَ السُّهى ... وأرى عرشكمُ فوقَ ذُكاءِ من رآكم قالَ مصرُ استرجعتْ ... عزَّها في عهدِ خوفو ومناءِ أُمَّةٌ للخلدِ ما تَبني , إِذا ... ما بَنى الناسُ جميعاً للعَفاءِ تعَصمُ الأجسامَ من عادِي البِلى ... وتقي الآثارَ من عادِي الفناءِ إِنْ أسأنا لكُمُ أو لم نُسِئْ ... نَحنُ هلكى فلكُم طولُ البَقاءِ إنما مصرُ إليكم وبكم ... وحقوقُ البِّرِ أوى بالقضاءِ عصرُكم حُرٌّ ومستقبلَكُم ... في يمينِ اللهِ خيرِ الأُمنَاءِ لا تقولوا حطَّنا الدَّهرُ , فما ... هوَ إِلاَّ من خيالِ الشُّعراءِ هل علمتم أُمَّةً في جهلِها ... ظهرت في المجدِ حَسناَء الرداءِ باطنُ الأمَّةِ من ظاهرِها ... إِنَّما السائِلُ من لونِ الإِناءِ فخذوا العلمَ على أعلامِهِ ... واطلبوا الحكمَة عند الحكماءِ واقرأوا تاريخكم واحتفظوا ... بفصيحٍ جاَءكم من فُصَحاءِ أنزلَ اللهُ على ألسنِهم ... وَحْيَهُ في أعصُرِ الوحيِ الوضاءِ واحكموا الدنيا بسلطانٍ فما ... خلقتْ نُضرتُها للضعفاءِ واطلبوا المجدَ على الأرضِ , فإن ... هيَ ضاقت فاطلبوهُ في السماءِ

стр. 2143

كرمة ابن هاني لشاعر أمير مصر ولع بشعر ابن هاني شاعر هارون الرشيد. وقد أطلق على منزله في المطريه اسم كرمة ابن هاني وكان هذا المنزل مزداناً بأبهج الزينات ليلة عودة سمو الخديوي من الحج فاتفق أن سموه مرَّ تلك الليلة أمام كرمة ابن هاني فألفى شاعره واقفاً على الباب فقال له: يا شوقي أعجبتني قصيدتك كما أعجبتني زينتك مشيراً بذلك إلى قصيدة شاعره في معارضة البوصيري وهي التي سماها طراز البردة فارتجل شوقي بك الأبيات الآتية كحاشية لطراز البردة المذكورة: زَينُ الملوكِ الصِيدِ مرَّ بزينتي ... كَرَماً , وبابُ اللهِ طافَ ببابي يا ليلةَ القدْرِ التي بُلّغتُها ... ما فيكِ بعدَ اليومِ من مُرتابِ ما كُنتُ أَهلاً للنَوالِ , وإِنما ... نفحاتُ احمدُ فوقَ كلِّ حسابِ لمَّا بلغتُ السؤلَ ليلةَ مدحِهِ ... بعثَ الملوكَ يُعظّمون جنابي بَدرانِ: بدرٌ في السماءِ مُنوّرٌ ... وأَخوهُ فوقَ الأرض نورُ رِحابي هذا ابن هاني نال ما قد نلت من ... حَسبٍ نُدِلُّ بهِ على الأحسابِ قد كان يسعى للرشيدِ وبابهِ ... فسعى الرشيدُ إليهِ وهو ببابي الرق والحرية نظمت في سياق خطاب لكنار محبوس في قفص على أثر المقالات التي نشرتها باحثة في البادية في المرأة والحجاب صَدَّاحُ , يا مَلِكَ الكنا ... رِ ويا أميرَ البُلبُلِ قد فُزتُ منكَ بمعبَدٍ ... ورُزقتُ قربَ الموصِلي وأُتيحَ لي داودُ مِز ... ماراً وحُسْنَ ترتّلِ فوقَ الأسرَّةِ والمنا ... برِ قطُّ لم تَتَرجَّلِ تهتزُّ كالدنيارِ في ... مُرتجِّ لحظِ الأحوَلِ وإذا خطرتَ على الملا ... عِبِ لم تَدَعْ لممثّلِ ولكَ ابتداَءاتُ الفَرَزْ ... دَقِ في مقاطعِ جروَلِ ولقد تَخذتَ من الضُّحى ... صُفْرَ الغلائِلِ والحُلي ورويتَ في بيضِ القلا ... نِسِ عن عَذاري الهيكلِ يا ليتَ شِعرِيَ! يا أَسيرُ ... شَجٍ فؤادُكَ أم خَلِي وحليفُ سهدٍ أم تَنا ... مُ الليلَ حتى يَنجلي بالرُّغمِ منّي ما تُعا ... لِجُ في النّحاسِ المُقفَلِ حِرْصي عليكَ هوىً ومَنْ ... يُحرِزْ ثميناً يَبخُلِ والشِحُّ تُحدِثُهُ الضرو ... رةُ في الجَوادِ المُجزِل أنا إن جعلتُك في نُضا ... رٍ بالحريرِ مُجلَّلِ ولففتُهُ في سُوسَنٍ ... وحففتُهُ بقرُنفْلِ وحَرقتُ أزكى العودِ حَو ... لَيهِ , وأغلى الصندَلِ وحملتُهُ فوقَ العيو ... نِ وفوقَ رأسِ الجدوَلِ ودعوتُ كلَّ أغرَّ في ... مُلْكِ الطيورِ محجَّلِ فأتتكَ بينَ مُطارحٍ ... ومحبِّذٍ ومدلّلِ وأمرتُ بابني فالتقا ... كَ بوجهِهِ المتلِّلِ بيمينِهِ فالوذّجٌ ... لم يُهدَ للمتوكّلِ وزجاجةٌ من فضّةٍ ... مملوَءةٌ من سَلسَلِ ما كنتُ يا صدَّاح عن ... دَك بالكريم المفضلِ شُهْدُ الحياةِ مشوبةً ... بالرِّقّ مثلُ الحنظلِ والقيدُ , لو كان الجما ... نَ منظَّماً , لم يُحَملِ يا طَيرُ , لولا أنْ يقو ... لوا جُنَّ قلتُ تَعقَّلِ اسمعْ فرُبَّ مفصِّلٍ ... لك لم يُفدْكَ كمُجمِلِ صَبراً لما تشقي بهَ! ... أو ما بدَا لكَ فافَعلِ أنتَ ابنُ رأيٍ للطبيـ ... عِة فيكَ غيرِ مبدَّلِ أبداً مَرُعٌ بالإسا ... رِ مهدَّدٌ بالمقتَلِ إِنْ طِرتَ عن كَنَفِي وقعـ ... تَ على النُّسورِ الجُهَّلِ يا طَيرُ , والأمثالُ تُضـ ... رَبُ للبَّيبِ الأمثَلِ دُنياكَ مِن عادانِها ... أن لا تكونَ لأعزَلِ أو للغبيّ , وإِن تعلَّ ... لَ بالزمانِ المُقبِلِ جُعِلَتْ لحرٍّ يُبتَلي ... في ذي الحياةِ ويبتلي

стр. 2144

يَرمي ويُرمى في جها ... د العيشِ غيرَ مُغَفَّل مُستجمِعٍ كاللّيثِ ما ... يُجهَلْ عليهِ يَجَهَلِ أسَمِعت بالحكَين في ال ... إٍسلامِ يومَ الجندل في الفتنةِ الكُبرى , ولو ... لا حكمةٌ لم تُشَعلِ رِضيَ الصحابة يوم ذ ... لكَ بالكتابِ المنزَلِ وهُمُ المصابيحُ الرُّوا ... ةُ عن النبيِّ المرسَلِ قالوا الكتابُ , وقا ... م كلُّ مفسِّرٍ ومؤوِّلِ حتى إذا وَسعتْ معا ... ويةً وضاقَ بها علي رجعوا لظلمٍ كالطبا ... ئعِ في النفوس مؤَصَّلِ نزلوا على حُكْمِ القو ... يِّ وعند رأيِ الأحيَلِ صَدَّاحُ , حقٌّ ما أقو ... لُ حفلتَ أم لم تَحفلِ جاورتَ أندي روضةٍ ... ولَلتَ أكرمَ منزِلِ بين الحفاوةِ من حُسَي ... نٍ والرّعايةِ من علي وحنانِ آمنةٍ كلمّ ... كَ في صبِاك الأوَّلِ صحْ بالصبَّاحِ وبَشّرٍ ... الأبناَء بالمُستقبَلِ واسألْ لمصرَ عِنايةً ... تأتي وتهبطُ من عَلِ قلْ: ربَّنا افتح رَحمةً ... والخيرَ منكَ فأرسلِ أدْرِكْ كنانَتك الكري ... مةَ ربَّنا وتَقبَّلِ فأجابه بعضهم ولعله حفني بك ناصف عن باحثة في البادية يشير إلى حجاب المرأة قال: سمَّيتَني مَلِكَ الكَنا ... رِ وأنتَ ربُّ المنزلِ وجعلتَني رَهْناً لأقفا ... اصِ الحديدِ المُقفَلِ وظننتَ صيحةَ لوعتي ... في الأسرِ صَدْحَ البُلبُلِ قد كنتُ صدَّاحاً ول ... كن في الزمانِ الأوَّلِ فوقَ الغصونِ الناعما ... تِ على ضفافِ الجدولِ بين الرياضِ المزهرا ... تِ بنرجسٍ وقُرُنفلِ والطيرُ أصدحُ ما يكو ... نُ على الغديرِ السَلسلِ حيثُ الرياحُ مزاهرٌ ... لغنائِهِ المسترسلِ أنا باغمٌ لا صادحٌ ... مذ صرتُ رَهْنَ المعقلِ عجباً! أتطربُ من نيا ... حٍ من شَجيٍّ مُعوِلِ علَّلَتني وسجنَتني ... خَوفَ اصطيادِ الأجدَلِ وزعمتَ أنَّكَ مانعي ... من باشِقٍ أو أخيَلِ إِن لم تكنْ لي حارِساً ... من كلِّ عادٍ مُقبِلِ وتذودُ عنّي بالقنا ... وتُصيبُ ذاتَ المقتَلِ فالحصنُ والبيداءُ يس ... تويانِ عند الاعزَلِ والقفلُ ليس بمانعٍ ... من كلّ لصٍ أحوًلِ كم من رسائلَ أُرسلتْ ... طيَّ النسيمِ المرسَلِ كم من ذئابٍ قد عدَتْ ... دون الرّتاجِ المقفلِ كم من نِعاجٍ قد عُقر ... نَ بعقرِ دارٍ من عَلِ أنتَ القوي ملكتَني ... وأراكَ لستَ بمرسِلي وأراكَ تقتلُني بحجَّ ... ةِ حبِّكَ المتمحَّلِ لو كان حبُّك صادقاً ... لفككتَني من معقِلي

стр. 2145

خليل مطران نشأ تحت سماء سوريا , بين أوديتها الخضراء وجبالها البيضاء , أمام بحرها الصافي وأمواجه الزرقاء , فجاء شعره رقيقاً لطيفاً. وترعرع وشبَّ في وادي النيل بين آثار المدنية القديمة وصروحها العظيمة , فكان أنشاؤه فخماً عظيماً. عاش تارةً في القرى والجبال , فتشرَّب حب الفضيلة والطبيعة , فأسمعنا الشعر زاهراً طاهراً. وعاش طوراً في المدن , فراعه ما فيها من التعس والشقاء , فألقى علينا إنشاؤه مبكياً زاجراً. شعره مجمع الصور وملعب الخيال , ونفسه كالصحيفة الحساسة ينطبع عليها كل ما يمر بها , بل الغصن الرطب يميل به كل نسيم , بل وجه البحيرة الصافي تحركه كل ريح , فالخليل شاعر الشعور والخيال , وشاعر بعلبك والأهرام. أما من حيث المبنى فقد عرف أن يستفيد من لغات الأجانب دون تقليد , وينهج نهج قدماء العرب دون تقييد. فاحترس بصبغة العرب في التعبير , وأدخل أساليب الإفرنج في التأليف والتفكير. تحية الشام لمصر تليت في الحفلة التي أقيمت في مصر برئاسة دولة الأمير محمد علي باشا الجناب الخديوي لمساعدة منكوبي تلك الحادثة: إلى مصرٍ أزفُّ عن الشامِ ... تحيَّاتِ الكرامِ إلى الكرامِ تحيَّاتٍ يَفضّ الحمدُ منها ... فَمَ النَّسَماتِ عن عَبَقِ الخُزامِ نُدبتُ لها وجرَّأني اعتددِي ... بأَقدارِ الدُّعاةِ على القيامِ إذا ما كان معروفٌ وشكرٌ ... مبادَلةَ التَّصافي والوئِامِ فحُبّاً أيُّها الوَطَنانِ! إِني ... وسيطُ العقدِ في هذا النظامِ وسيطُ العقدِ. . . لا عن زَهوِ نفسٍ ... أقَلُّ الرأيِ يُلزمني مَقامي ولكن عن ولاءٍ بي أكيدٍ ... وعن رَعيٍ وثيقٍ للذِّمامِ أعِزْني ثغرَ بيروتَ ابتساماً ... أَصُغْ فَرْضَ الجميلِ من ابتسامِ ويا بحراً هناكَ أعِزْ ثنائي ... نفيسَ الدرِّ يُنظَمُ في الكلامِ ويا غاباتِ لبنانَ المفدَّى ... مِنَ الدَّوحِ المجدَّدِ والقُدامِ أراكِ على الكِنانةِ عاطِفاتٍ ... وقد ذُكِرت. أمَيلُكِ مِنْ غَرامِ؟ أمدّيني بأرواحٍ زواكٍ ... لأقرئَها الزكيَّ من السلامِ بلادي , لا يَزالُ هواكِ منّي ... كما كانَ الهوى قبلَ الفِطامِ أُقبِّلُ منكِ حيثُ رَمى الأعادِي ... رُغاماً طاهراً دونَ الرَغامِ وأَفدي كلَّ جُلمودٍ فَتيتٍِ ... وَهي بقنابِلِ القومِ اللئامِ فكيفَ الشبلُ مختبطاً صريعاً ... على الغبراءِ , مهشومَ العظامِ؟ لَعَمرُ المُنصفينَ! أبعدَ هذا ... يُلامُ المستشيطُ على المَلامِ؟ لحى اللهُ المطامِعَ حيثُ حَلّتْ ... فتلكَ أشدُّ آفاتِ السَّلامِ تَشوبُ الماَء وهو أغرُّ صافٍ ... وتَمشي في المشارِبِ بالسّقامِ أيُقتلُ آمِنٌ , ويقال رَفِّهْ ... عليكَ فما حِمامُكَ بالحِمامِ؟ ستَسعدُ بالذي يُشقيكَ حالاً ... وتنعمُ بعدَ خسفٍ بالمقامِ فإِمَّا أن تعيشَ وأنتَ حُرٌّ ... فذاك من التَّغالي في المُرامِ وإِمَّا أنْ تُساهِمَ في المعالي ... فَطائشةٌ بَمِرماكَ المرامي مضى عهدٌ يُجارُ الجارُ فيهِ ... ويُؤْخذُ للحلالِ من الحرَامِ وهذا العهدُ مَيدانُ التباري ... بلا حَدٍّ إلى كسبِ الحُطامِ مُباحٌ ما تشاءُ فَخّذْهُ إِمَّا ... بحقِّ الرأيِ أو حَقِّ الحُسامِ

стр. 2146

ولا تُكرِثْكَ نَوحاتُ الثَّكالي ... ولا شكوى ضميرِك في الظَّلامِ أساتِذةَ المطامِعِ ما ذكرتم ... هُوَ الناموسُ يَقدُمُ وهو نامِ فلا يَضعَفْ ضعيفٌ , أو نراهُ ... لنابِ اللَّيثِ يَصلحُ في الطَّعامِ فهمنا مأَخْذَ الجاني علينا ... وأَعذارَ السواسيةِ العظامِ وأنَّ بَديلَ عصرٍ كانَ فيهِ ... عجافُ القومِ مُلْكاً للضِّخامِ زمانٌ سادَ شعبٌ فيهِ شعباً ... وأنزلَهَ بمنزلةِ السَّوامِ فَقومٌ مِن ملوكٍ كيفَ كانت ... مراتبِهُم , وقَومٌ م طغامِ وبين العُنصرَينِ خِلافُ نوعٍ ... على كونِ الجميعِ من الأنامِ أقولُ , وقد أفاقَ الشرقُ ذُعْراً ... مِنَ الحالِ الشبيهةِ بالمنامِ على صَخَبِ الرواعدِ في حماهُ ... ورَقصِ الموتِ بين طلىً وهامُ أقولُ بصوتهِ لحُماةِ دارٍ ... رماها من بُغاةِ الغربِ رامِ أُباةَ الضَّيمِ من عَرَبٍ وترَكٍ ... نسورَ الشمّ , آسادَ الموامي قرومَ العصرِ فُرساناً ورَجْلاً ... نُجومَ الكرِّ من خلفِ اللِّثامِ بنا مَرَضُ النعيمِ فنَسِّمُونا ... وغىً يَشفي من الصفوِ العٌقامِ بنا بَردُ المكوثِ فأدفُئوِنا ... بحُمَّى الوثْبِ حيثُ الخطبُ حامِ بنا عطلُ السَماعِ فشنّفونا ... بقعقَعةِ الحديدِ لدى الصُّدامِ لقد جئتم ببرهانٍ عظيمٍ ... على أنَّا نعودُ إلى التمامِ وأنَّا إِن جَهلْنا أو غَلِطْنا ... أنِفنأ أنْ نُعاتَبُ باحتكامِ وأنَّا حيثُ فاتحَنا كذوبٌ ... بميعادٍ فَطِّنا للختامِ فإن زينَت لنا الأقوالُ عفنا ... تعاطِيهَا كما كرِةِ المُدامِ على هذا الرجاءِ , ونحنُ فيهِ ... نَسيرُ موفّقينَ إلى الأمامِ مثولي رافعاً إِجلالَ قومي ... إلى عباسٍ المَلِكِ الهُمامِ إلى مَلكِ التضامنِ والتآخي ... عميدِ الشرقِ من بعدِ الإِمامِ وجَهري , جُهدَ ما تسَعُ المعاني , ... بمدحِ شقيقهِ السنَّمِ المقامِ متمِّ إِمارةِ الأصلِ المعلَّى ... بفضلٍ باذِخٍ كالأصلِ سامِ وأدعو أن يُعزَّ اللهُ مِصراً ... ويوليَها السعودَ على الدَّوامِ الأسد الباكي دعوتُكَ أَستشفي إِليكَ , فوافِني ... على غيرِ علمٍ منك أَنَّكَ لي آسي فإِنْ ترَني , والحزنُ ملءُ جوانحي ... أُداريهِ , فليَغررْكَ بِشري وإيناسي وكم في فؤادي من جراحٍ ثخينةٍ ... يُحجِّبُها بُردايَ عن أعيُنِ الناسِ تخذتُ لهمّي عينَ شمسٍ مباَءةً ... فثمَّتَ إِضحائي فريداً وإِغلاسي يخالون أَني في مَتاعٍ حيالَها ... وبئس متاعُ الحيّ جيرة ديماسِ أرى روضةً لكنَّها روضةُ الرَّدى ... وأُصغي وما في مِسمعي غيرُ وسواسِ وأنظرُ من حولي مُشاةً ورُكَّباً ... على مُزجَيَاتٍ من دُخانِ وأفراسِ وما عينُ شمسٍ غيرُ ما ارتجلَ النُّهى ... بقفرٍ جديبٍ من مَبانٍ وأغراسِ بنوها فأَعلوها , وما هوَ غيرُ أن ... جرَتْ أحرفٌ مرسومةٌ فوقَ قرطاسِ بَدَتْ إِرَمٌ ذاتُ العمادِ كأنَّها ... من القاعِ شَاَّتها النجومُ بأمراسِ كفَتها ليالٍ نَزرةٌ فتجدَّدتْ ... ثوابتَ أَركانٍ رواسخَ آساسِ وغالَطَ فيها البعثَ ما خَالَطَ الحلى ... بها من ضروبٍ مُحدَثاتٍ وأجناسِ هناكَ أُبيحُ الشجوَ نفساً منيعةً ... على الضيم مهما يَفللِ من باسي

стр. 2147

يمرُّ بيَ الأخوانُ في خَطَراتَهم ... أُولئك عُوَّادي وليسوا بجلاَّسي أهشُّ إليهم ما أهشُّ تلطُّفاً ... وفي النفسِ ما فيها من الحزن والياس ذرونيَ وانجوا من شظايا تُصيُبكم ... إِذا لم أُطِقْ صبراً فأطلقتُ أنفاسي فإِنّي على ما نالني من مَساَءةٍ ... لأرحمُ صَحبْي أن يثلمَّ بهم باسي ذرونيَ لا يملكْ وجيفي قلوبكم ... إِذا مرَّ ذاك الطيفُ وادَّكَر الناسي فتا للهِ! لولا ذلك الطيفُ والهوى ... لهُ مُسعِدٌ , لم يملكِ الدهرُ إِتعاسي ذرونيَ أحْسُ الخمرَ غيرَ مُنفَّرٍ ... عن الوردِ منها نِفرةَ الطائر الحاسي فرُبَّتَ كأسٍ عن شفاهي رددتُها ... وقد قتلَ الدمعُ السُلافةَ في الكاس ذرونيَ أُنكِّسْ هامتي غيرَ مُتَّقٍ ... ملامةَ رُوَّادٍ وشُبهةَ جُوَّاسِ فبي حرَّةٌ بكرٌ ضلوعي سياجُها ... أراش عليها سهمَهُ معتدٍ قاسِ أُعيدُ إليها كلَّ حينٍ نواظري ... وأخفضُ من عطفٍ على جرحها راسي يكادُ يبثُّ المجدُ ما لا أَبثُّهُ ... من السقَمَ العَوَّادِ والسأَمِ الراسي أنا الألمُ الساجي لبُعدِ مزافري ... أنا الأملُ الداجي ولم يخْبُ نبراسي أنا الأسَدُ الباكي , أنا جبلُ الأسى ... أنا الرمسُ يمشي دامياً فوق أرماسِ فيا منتهى حُبّي إلى منتهى المنى ... ونعمةَ فكري فوقَ شقوة إِحساسي دعوتُك أستشفي إليكَ , فوافِني ... على غير علمٍ منكَ أَنَّكَ لي آسي إقرار ومناب أو تذكارات الطفولة هَلْ تذكُرِين , ونحنُ طِفْلانِ , ... عَهْداً بزحلةَ ذكرُهُ غُنْمُ إِذْ يلتَقي في الكَرْمِ ظِلاَّنِ ... يَتضاحَكانِ وتأنسُ الكرمُ؟ هل تذكُرِينَ بلاَءنا الحَسنَا ... حينَ اقتطافِ أطايبِ العِنَبَ نُعطي ابتسَاماتٍ بَها ثَمنَا ... وبنا كنَشوتِها من الطَّرَب؟ هل تذكرِينَ غداةَ نَخطُرُ عُنْ ... مَلكَيَنِ حُفَّا بالمسَرَّاتِ بينَ السَّماواتِ النَّواضرِ منْ ... عُليا ودُنيا والثُريَّاتِ؟ والنَّهرُ. . . هلْ هُوَ لا يزالُ كما ... كُنَّا لذاكَ العَهدِ نألفُهُ يَسقي الغِياضَ زُلالَهُ الشبَّما ... ويَزيدُ بهجَتها تعطُّفُهُ يَنصبُّ مُصطَخباً على الصّخرِ ... ويَسيرُ مُعَتدِلاً ومُنعرِجَا يَطغي حيالَ السدِّ , أو يجري ... مُتضايِقاً آناً , ومنفَرِجَا متُخلِلاً خُضْرَ البَساتِينِ ... مُتهلِّلاً لتحيَّةِ الشَّجرِ متُضاحِكاً ضَحِكَ المجانينِ ... لملاعبِ النَّسماتِ والزَّهَرِ واهاً لذاكَ النّهر! خلَّفَ لي ... عطَشاً مُذِيباً بعدَ مصدَرِهِ يا طالَما أوردتُهُ أمَلي ... وسَقيتُ وهمي من تصوّرِهِ تَمتدُّ أيَّامُ الفِراقِ , وبي ... ظمأى لذاكَ المنهلِ الشَّافي وبِمسمَعي لهديرِهِ اللَّجِبِ ... وبناظري لجمالهِ الصافي تلكَ المعاهدُ بُدِّلتْ خَطَلاً ... بمعاهدٍ مدنيَّةِ الزِّيَنِ كانت غوانيَ فاغتدتْ بحليً ... ألقتْ عليهَا شُبهةَ الزَّمنِ الدَّهرُ أغلَبُ , وهوَ غَيَّرها ... وكذاك كانت شيمةُ الدّهرِ لو أدرَك الجنَّاتِ صيَّرها ... من حسنِ فطرتِها إلى نُكرِ ما أَنسَ لا أنسَ العقيقَ وقد ... جزناهُ بعدَ السَّيلِ نفترِجُ كان الرَّبيعُ وكان يومُ أحد ... ومسيرُنا متمعِّجٌ زَلِجُ

стр. 2148

ونَبيهةُ الكبرى ترافِقُنا ... مجهودةً ضجَّتْ من التَّعَبِ ولها صُويحبةٌ توافِقُننا ... حسناءُ كلَّ الحسنِ في أدَبِ ضَحَّاكةٌ كالنَّورِ في الزَّهَرِ ... رقَّاصةٌ كالغُصْنِ في الوادِي كرَّارةٌ كنَسيمةِ السَّحَرِ ... ثرثارةٌ كالطائِرِ الشادِي صنَعتْ بقلبي صُنعَها فإِذا ... هو يُنكرُ القرُبى ويجحدُها تَركَ الهوى الأهليَّ واتَّخذا ... تلكَ الغريبةَ عنهُ يعبدُها وكذاكَ قلبُ الطّفلِ يلتَفِتُ ... إِنْ يُلفِ حُبّاً غيرَ ما ألِفا كالطائر البَيتيِّ ينفَلِتُ ... تَبعاً لسانحةٍ بهَا شُغِفَا حُسْنٌ تملَّكني فأدَّبني ... ما شاَء في قولي وفي فِعلي وبمثلِ لَمْحِ الطَرْفِ اكسبَني ... خُلُقاً , وعلَّمني على جَهلي أوحى إليَّ دَداً أُجرّبُهُ ... في آيةِ من فطنةٍ وَدَدِ فجمعتُ صلصالاً أركِّبُهُ ... وصنعتُ تمثالاً لها بيَدي صوَّرتُ شبِهَ الفَرخُ في وكرِ ... من غَيرِ سَبقٍ لي بتَصويرِ فأتى على ما شاَءهُ فِكرْي ... ورضيتُ عن خَلقِي وتقديري ما كانَ ذاكَ الفرخُ مُعجزةً ... فتَّانةً الإِتقانِ والحُسْنِ كلاَّ! ولم أجعلْهُ معجزةً ... لكفاَءةِ الحذَّاقِ في الفنِّ فلَرُبَّ عينٍ فيهِ لم تَكُنِ ... في الحقِّ غيرَ مظنَّةِ العَينِ ومظلَّةٍ للزغبِ لم تبنِ ... حتى ولا ريشُ الجناحَينِ ولعلَّ ذاكَ العِشَّ لم تَفِرِ ... فيهِ شروطُ الوضْعِ والنقشِ لكنْ على حلمٍ من النَّظَر ... تُستامُ فيهِ معالمُ العِشِّ رسمٌ على تلكَ العُيوبِ بدا ... لحبيبتي من أعجَبِ العجَبِ فتناولتْهُ برقَّةٍ وغَدا ... بين الصواحبِ أنفسَ اللِّعَبِ أمُحيِّري الأحلامِ بالهرَمِ ... وبُناةَ بابلَ فتنةِ الحقُبِ ومهندسي اليونانِ من قِدَمِ ... والفُرْسِ والرُّومان والعرَبِ ومشيِّدي بَغدادَ والجسْرِ ... وممصِّري الأمصارِ للبدوِ ومزخرِفي الحمراءِ والقَصْرِ ... حيثُ انتهىَ بهِمِ مَدى الغزوِ إِي رافئيلُ , المبدعَ الصُّورا ... أي ميِكَلنجُ , الناقشَ الباني أي كلَّ فإنٍ تاركٍ أَثَرا ... من طابعِ التخليدِ في فانِ لا تستعزَّ بكم روائِعُكم ... ممدوحةً في الشرقِ والغربِ أتَرونَ كم صَغُرَتْ صنائِعُكم ... في جَنْبِ ما صَنَعَتْ يدا حُبّي بدليل أنَّ حبيبتي فرِحتْ ... بهدَّيتي وقَضَتْ لها عَجَبا ومضتْ تُداعِبُها وما اقترحتْ ... شيئاً يُتمّ لها بها أرَبا يومٌ تقضَّى , والفراقُ تلا ... سرعانَ ما وافى وما انصرما بهوىً تولَّدَ فيهِ واكتهلا ... في ساعتَيهِ وشاخَ وانعدما ولَّى , وأبقي في دُجى الماضي ... شفَقاً بعيداً واضحَ الأثَرِ كم أَجتليه وراَء أَنقاضِ ... وأقولُ: يا أَسفي على سَحَرِي! هذي حكايةُ حالةٍ عَبَرتْ ... واستُغرِقَتْ في لُجَّةِ المِحَنِ ما زلتُ أُنقذُ كلَّما ذُكِرَتْ ... قِطَعاً طَفتْ منها على الزَمَنِ فإذا صفاءُ النفسِ عاوَدَني ... وأقرَّني فوقَ التباريحِ دَالَ الهوى الأهليُّ من حَزَنْي ... وبقيتُما رَيحانَتي رُوحي إلى أبنائنا رجال الغد يا سِبْطَ يَحيى , وسَليلَ العُلى ... حيَّى الرِّضي طالِعَكَ المجتَلي وسَلَّمَ اللهُ الوليدَ الذي ... هلَّ , فمَا أبهى وما أجملا!

стр. 2149

كأنَّ ذّوبَ العاجِ صلصَا لُهُ ... وأنَّ معنى الحبِّ ما مَثَّلا ناهيك بالعينَينِ من قوَّتَيْ ... ذِهنٍ , ومن نُورَيْ حِجيً أُرسِلا كحسنهِ الحسنُ إذا ما غَفا ... وذِيدَتِ الأعيُنُ أن تغفَلا مُحرِّكاً في نومهِ تغَرَهُ ... كأن في الرُّؤيا رضاعاً حَلا لا الحلَلُ الغرَّاءُ من هَمِّهِ ... ولا يُبالي باهراتِ الحلي جَذلانُ من نَشوةِ أحلامهِ ... وأينَ منها نَشَواتُ الطِلي تَراهُ قُرباً , وكأنَّ الكرى ... يحملُهُ فوقَ السُهى محمَلا كطائرٍ يظهرُ تحليقُهُ ... بمظهرِ الترجيحِ ممَّا عَلا فإِنْ صحَا فالدَّهرُ عَبدٌ لهُ ... يُرضيهِ مطواعاً , وإِلاَّ فَلا وكلُّ حَيٍّ فمنوطٌ بأنْ ... يفهمَ ما يَهوى وأن يَفعلا سِيَّانِ في اللطف وفي الظرفِ ما ... أَساَء من أمرٍ ومَا أجَملا لهُ , ولا الناسِ عِلْمُ الذي ... يَرى ويستحسنُ أن يُعمَلا وحَولُهُ الحَولُ , فإن يفتَتِنْ ... فسِحرُهُ السّحرُ ولَنْ يُبطلا أنِلْهُ ما شِئتَ فكيفَ اشتهى ... تحويلَهُ من فَورهِ حُوّلا فليَكُنِ المفتاحُ ثَدياً جَرى ... بالكوثرِ العذْبِ كما أمَّلا ولتَكُنِ السَّاعةُ جِنّيَّةُ ... تُديرُ في داخِلِها مِقوَلا وليكُنِ الكرسيُّ إِن حَثَّهُ ... قطارَهُ ينساقُ مستعجِلا وكلُّ ما شكَّلَهُ فليكُنْ ... مَهما عَصى الطبعَ كما شكّلا يا وَلداهُ أسعد , وعِش , واغتنْمْ ... مِنَ السُّرورِ المغنَمَ الأجزَلا لكنَّ دَهراً جئتَ فيهِ أبى ... عليكَ أَن تركَبَ مُستسهلا أدبرَ بالشَّرقِ , ولا يبتغي ... إلاَّ بأمثالِكَ أن يُقبلا اليومَ لا تعقلُ , لكنْ غَداً ... تكونُ ممَّن سَلفُوا أَعقَلا ما اليومُ , ما القابلُ؟ هذا مضى ... بِنا ولم نَشعرْ , وهَذا تلا اسْمَعْ شكاتي فهي أن لم تُفِدْ ... حالاً ففيها النَّفعُ مستقبَلا كان لنا مَجدٌ نزلنا بهِ ... مِن السَّماواتِ العُلى منزلا لا يُنكَرُ منَّا إِذا ... قُلنا غّداةَ الفَخرِ: نحنُ الأُلى! وكانَ منَّا كلُّ ذي مِرَّةٍ ... إِن صالَ فرداً كسَرَ الجحفلا وكانَ منَّا كلُّ ذي فطنةٍ ... يكاشِفُ الوحيَ , ويَهدي المَلا وكانَ منَّا كلُّ حامي حِمىً ... لا تطرُقُ العُصْمُ لهُ مَعِقلا وكانَ مُلكُ الأرضِ مُلْكاً لنا ... وحُكْمُنَا في الأُمَمِ الفيصَلا لكنَّهُ عِزٌّ مضى وانقضى ... يذَنبِ مَن خانَ ومن أَهمَلا تراكمتْ أغلاطُنا آخذاً ... بعضٌ ببعضٍ فانتهينا إلى. . ولا أُسَمّي مُنتهانا , فقد ... يؤثَرُ بعضُ الشيء أن يُغْفَلاَ واحربا! بتنا وما شائِنا ... إلاَّ اعتذارٌ يُشْمِتُ العُذَّلاَ وما تبقَّى غيرُ أبنائِنا ... تعزيةً للنفسِ أو مأملا عساهُمُ أن يُصِلِحوا بعدَنا ... ما أفسدَ الظُلاَّمُ منَّا. . ألا. . . أي نلَ يحيى , أن يجئْ عهدكم ... ردُّوا على الأوطانِ عِزّاً خلاَ أنَّا نُرَجّي جيلَكُم كلَّهُ ... أن يَتِرَ المجدَ ول يخملاَ فَمَنْ دعا يومئذٍ , واجدٌ ... فينا عديدَ الخيرِ مُستكمَلا الراجلَ الجَلْدَ الذي لا يضهي ... عَزْمٌ لهُ , والفارِسَ الأبسلا والعالِمَ المثمرَ تعليمُهُ ... أجْملَ ما علَّمَ أو فصَّلا والوالدَ البَرَّ بأَبنائهِ ... يُرخِصُ في تأديبهم ما غلا

стр. 2150

والحُرَّةَ الهيفاَء لا تنثني ... عن عَوَجِ الأغراسِ أو تعدِلا والصانعَ البارعَ في صنُعهِ ... يُتقنُ مفتنّاً ومسترسلاَ والزارعَ الحاذقَ في شأنهِ ... يَعافُ أن يجمَدَ أو يكسلا بمثلِ هذا الجمعِ مِن وُلْدِهِ ... تَشفى جِرَاحُ الوطنِ المُبتلي أي نجلَ يحيى , كُنْ إذا حقَّقوا ... آمالَنا نَدَبهمُ المفضلا بالعلمِ والحزمِ اعتضدْ واعتدِدْ ... لِتغدوَ الأرشدَ والأمثَلاَ إِنَّا مُعِدُّوكَ ليومٍ بهِ ... تكونُ ذاكَ السيّدَ الموئِلاَ في ذلكَ العهدِ وقد صِرْتَ في ... أترابِكَ الأمكنَ والأرَجلاَ تذكَّرِ الطفلَ الذي كُنتَهُ ... وحاش ذاكَ الخُلْقَ أن يُبْدلاَ إذ كنتَ في مهدِكَ لا تَتّقي ... لو أنَّ طوداً راسخاً زُلزلا ولا تُرَاعِي طاغياً قادِراً ... ولا تُحابي بَطلاً مبُطلا ولا تَني بالسُؤْلِ حتَّى تَرى ... مُحقَّقاً ما عزَّ أن يُسأَلا وتجهلُ الأثمَ بأنواعِهِ ... كما تَرى العفَّةَ أن تجهلا عظائِم الدُّنيا تُحِبُّ الفَتى ... في أكثَرِ الأخلاقِ مُستطفلا تلك مُنانا يا بَنينا , فإِنْ ... تمَّتْ محوتُم ذنبَنا المخجلا هيَّا أعيدُوا المجدَ فينا إلى ... ما كانَ من سيرتهِ أوَّلا قطرة دم لقي الشاعر سيدة في إصبعها خاتم فصه من الياقوت فقال لصاحب كان معه: حذارِ لقلبك من لحظِها ... فما فيهِ من رحمةٍ للمحبِّ ألم ترَ في يدها خاتَماً ... بهِ قطرةُ الدمِ في شكلِ قلبِ؟ الفلّ زانت الرأسَ بفلٍّ ... هو بالرأسِ تحلَّى ما رأتْ قبلكِ عيني ... وردةً تحملُ فلاّ في قينة تنشر يا مَنْ بكى الرَّبعَ أفنى في معَاهِدهِ ... شبابَهُ , وبَكى الأيَّامَ والسَّكنَا تعالَ أُسْمِعْكَ شَدْواً يستعيدُ بهِ ... فؤَادُك الرَّبعَ والأحبابَ والزَمنا دموع الحبيب دموعُكَ صُنْها , أو فغالِ بمثلها ... من الدُرِّ إِلاَّ عن صوانٍ من الحبِّ فإِن تَغلبِ الأشجانُ قلبكَ مرَّةً ... على أمرهِ فاذرفْ دموعك في قلبي إلى سابا باشا تعزية بفقد ولدهِ ما في الأسى من تفتُّتِ الكبدِ ... مِثلُ أسى والدٍ على ولَدِ كم بطلٍ عاشَ وهو ذو صَيَدٍ ... فردَّهُ الثكلُ غيرَ ذي صَيَدِ أَهوَنُ من رزئهِ عليهِ أذىً ... كفاحُ جيشٍ أو مُلتقى أَسدِ سابا , لك اللهُ وهو ألطفُ مَنْ ... يأسو جريحاً , وأنتَ ذو رَشَدِ إِنَّ قلوباً مُحيطةٌ بكَ من ... كرامةٍ ساهمتكَ في الكمَدِ لهفي على ذلك الحبيبِ ذوى ... مُنهَصِرَ الغصنِ لم يُنلْ بيدِ مادَ نسيمٌ بهِ فماتَ وفي ... معطفهِ رِقَّةٌ من الميَدِ مات كنُضْرِ الفرُوعِ يلزمُها ... بعدَ الردى حسنُها إلى أمَدِ في جاهِ أوراقِهِ وبينَ حُلي ... أزهارهِ من مبشِّرِ ونَدي في عزِّ مُلك الصِّبي وحاشيةٍ ... من غُرِّ آمالهِ بلا عددِ في منتهى مجدِهِ وصولتِهِ ... إِذا يقتلُ السعدَ لاهياً ويَدِي ويصدُمُ المكرَ غير ملتفِتٍ ... ويقحمُ الدهرَ غيرَ مُرتَعِدِ ويتركُ اللومَ حائراً وَجِلا ... منعقداً في لسن منتقِدِ يا راحلاً في الغداة عن نِعَمٍ ... تترى وعن بسطةٍ وعن رَغَدِ وتاركاً رسمَهُ لفاقِدِهِ ... مصوَّراً بالجراحِ في الخلَدِ لا أنكرَتْ روحُك التي أمِنَتْ ... ما فارقت من مخاوفِ الجسَدِ

стр. 2151

وبينما كان الشاعر ينظم هذه الأبيات الرقيقة إذ استوقفت قلمه ألحان محزنة تصدح بها موسيقي كانت سائرة في الطريق , فإذا هو بجنازة تسير خلف طبل وبوق. فسأل عنها فقيل إنها جنازة شابّ مات في العشرين من عمره. فأثر هذا الموكب الكئيب السائر على النغمات المفجعة في نفس الشاعر وهو لا يعرف ذلك الفتى المتوفي فقال: وهذا يأخذ حصته في الطريق وكتب فيه الأبيات التالية: مشهدٌ سُيّرَ في طبلٍ وبوقِ ... عِظةٌ جُنَّتْ فغنَّتْ في الطريقِ عِظَةُ الموتِ وما عهدي بها ... أن تزفَّ النعشَ في تدليلِ سوقِ لا ولا عهدي بها خاطبةً ... عن ثغورٍ من نحاسٍ وحلوقِ ويحُ تلكَ القِطَعِ الصفراءِ في ... صوِتها حِسُّ جراحٍ وحُروقِ مَن تُرى علَّمها ما مَزَجت ... من وَجيفٍ وعويلٍ ونَعيقِ ألقتِ الفجعْةَ , فاستولت على ... كلِّ سمعٍ , وأَجفَّتْ كلَّ ريقِ تلك شكوىً عن فؤادٍ ثاكلٍ ... صاخبِ الآلامِ , رنّانِ الخُفوقِ يا أباً يبكي ابنهُ ملتَمِساً ... ذلكَ التنبيهَ للحسِّ الصَّعيقِ واضحٌ عذْرُكَ مَهما تفتنِنْ ... للعدوِّ الصُّلبِ والخدنِ الرفيقِ آهِ مِن نارِ الجوى! فَهْيَ التي ... تفجرُ البُركانَ من قلبٍ رقيقِ آه من صدْعِ النَّوى! فهو الذي ... يُرسِلُ الأحزانَ كالسَّيلِ الدفوقِ أن تُذيبوا هكذا أكبادنا ... يا بَنينا , فالرَّدى أقسى العقوقِ هل للهموم قلوب ألقى الجمالُ عليكَ آيةَ سحرهِ ... فغدوتَ ما شاَء الجمالُ حبيبا حتى الهمومُ سَمتْ إِليك بودِّها ... من كان يحسبُ للهموم قلوبا الزهرات الثلاثاء نظمت في وداع أحد القضاة صبَّح الأزهار طيفٌ مَلَكيٌّ يبهرُ ... بالزهورِ يا لها بكراً كحور الخلدِ هبَّتْ تخطرُ ... في البكورِ قلَّدت جبهتَها في نَسقٍ زاهي البياضِ ... تاجَ عهنِ وأعارَتْ ثوبها من خيرِ ألوانِ الرياضِ ... كلَّ حسنِ أملٌ بادٍ وسعدٌ مستعيرٌ شخصَ نورِ ... للعيونِ وبهاءٌ في حياءٍ مستعيرٌ شخصَ تورِ ... للعيونِ نجم صبحٍ كلُّ آنٍ يجتلي فيهِ سناه ... فهو فجرُ مَنءْ تكونين , حماكِ اللهُ يا هذي الفتاة؟ ... أنا مصرُ دَرَتِ الأزهارُ ما جاَءتْ له تلك العروسْ ... من مرامِ إِنَّ للأزهارِ أبصاراً تَرى سرَّ النفوسْ ... من لمامِ فأحسّتْ ذاك منهنَّ وقالت قولَ فكرِ ... لا لسانْ أفمنكنَّ ثلاثٌ يتقدمنَ لأجرِ ... يا حسانْ؟ قالت الوردةُ: ما للعدل مثلي من مثالِ ... فاجتليني في بياضي واحمراري آيتا الحكم الحلالِ ... فاجتنيني قالتِ الزنبقةُ الغراءُ: إِني رسمُ حسِّ ... للنزاهة هي شكلي وقوامي ولها عفَّةُ نفسي ... والنباهة قالتِ السوسنةُ البيضاءُ شفَّافاً سناها ... عن سماحه أنا والرحمةُ كالمرآةِ والوجهِ اشتباها ... وصباحه بعد ذاك اجتمعتْ تلك المجيباتُ الحسانُ ... للهديَّة في نظامٍ أكسبتهنَّ بهِ تلك البنانُ ... صوغَ حليه حليةٌ باليدِ زانتْكَ بها مصرُ الفتاة ... رسم حالِ رسم أبهى ما بهِ يَحْلي على الدهرِ القضاة ... من خلالِ

стр. 2152

وليّ الدين بك يكن شاعر ملء روحه الشاعرية , وملء قلمه الفصاحة. يستهوي النفس بسلاسة ألفاظه ومتانة قوافيه وعذوبة أسلوبه , ويملكها برقة معانيه التي يصورها تصويراً كله سلامة في الذوق ونزاهة في الفن , فتراه يسترضي القارئ ساعة يرضي حتى ليملأ قلبه سرواً وصفاء , ويستبكيه حين يبكي حتى ليجعله يلمس دموعه لمس اليد , ويحسّ بناره تتأجج من خلال ألفاظه. وقد مازجت الشاعرية , وهي سجية فيه , نفساً عزيزة حساسة , وقلباً طاهراً رقيقاً , فهو إذا تأثرت نفسه وخفق فؤاده قال الشعر فأرسله عفو الخاطر دون إعنات فكر , أو جهاد قريحة لو أعطي امرؤ قوة تصوير النفوس من اهي صوَّر نفس ولي الدين بك يكن بأقرب إلى حقيقتها مما صوَّرها به صاحبها في شعره. شكوى المنفي قالها يوم نفي إلى سيواس وتخلي عنه أصحابه حيَّا ربوعَكِ قَطرُ ... يا مصرُ! لله مصرُ ما لي إليك سبيلٌ ... هذا خلاءٌ وبحرُ غرَّ الأعادي انكساري ... والانكسارُ يَغرُّ وسرَّهم طولُ نفيي ... ومثلُ نفيي يَسرُّ هم حسبِونيَ أقضي ... عنهم وما ليَ ذكرُ هيهاتِ! بعدي رجالٌ ... والفجرُ يتلوهُ فجرُ عينٌ بكت قبلَ هذا ... وسوفَ يبسمُ ثغرُ اِرتجعي يا أَماني ... بالوصلِ قد طالَ هجرُ إِنَّا عهدناكِ أوفى ... عَهداً إذا خانَ دهرُ فبينما أنتِ زُهرٌ ... إذا بكِ اليومَ غُبرُ فليسَ يرفعُ جِدٌّ ... وليس يَخفضُ هذرُ مرَّتْ عِذابُ الليالي ... وكلُّ عَذْبٍ يمرُّ أَلتزمُ الصبرَ كُرهاً ... وليس للحُرِّ صبرُ وأسلِكُ الحلمَ نفسي ... ومسلِكُ الحلمِ وعرُ لَبَّيكَ يا مجدَ قومي ... لَبَّي نِداَءك حرُّ دافعتُ دونَ فروقٍ ... قوماً رحلتُ وقرُّوا سادُوا بها , فلكلٍّ ... نهيٌ عليها وأمرُ ما كُنتُ أُغلَبٌ لولا ... قومٌ ثَبتُّ وفروُّا ضاقَ المجالُ عليهِم ... ضيقاً , ولم يُغنِ كرُّ وفي العيونِ ازوِرارٌ ... وفي الجوانحِ ذُعرُ فبتُّ تِلقاءِ ليثٍ ... كأنَّما هو قَسْرُ لهُ شَباةٌ وظِفرٌ ... ولي شَباةٌ وظفرُ يعدو إِليَّ فأَعدو ... إليهِ؛ زَأرٌ فزأرُ فَرِيعَ في البيدِ ذئبٌ ... وريعَ في الجوِّ نَسرُ وظلَّتِ الحربُ بيني ... وبينهُ تستمِرُّ فاضطُّرَّ للصُلح رُغماً ... ومَنْ بغي يُضطَّرُّ واغتالني بعدُ غدراً ... وشيمةُ النذلِ غَدرُ لا يَقصدوني بعُذرِ ... فما على الجبّنِ عُذرُ بيني وبين الأعادي ... يومٌ , إذا طالَ عُمرُ إِن عشتُ أَدركتُ وِتْري ... أو متُّ , فالوِتْرُ وِترُ حتَّامَ أخفضُ قدري ... وما تَعالاهُ قدْرُ إِن أُمسِ فيهم أَسيرتً ... قد يعتري الحرَّ أسرُ رضيتُ سيواس داراً ... وما بسيواسَ شرُّ جنَوا عليها , فأمستْ ... قد أَقفرتْ فهي قفرُ فلا بها الروضُ خَصْبٌ ... ولا بِها الزَّهرُ نَضرُ إِندَرسَت مُطرِباتي ... وأصبحت وهيَ دُثرُ فليسَ لي ثمَّ نظمٌ ... وليسَ لي ثمَّ نثرُ وكم بمصرَ أديبٌ ... يشدو فترقصُ مصرُ لَهْفي على سانحاتٍ ... كأنَّما هيَ سحرُ يقولُها قائلوها ... فيعتري الناسَ سكرُ لؤلؤ الدمع لا تذكريني , فإنَّ الذِكر يُرجعُ لي ... عاداتِ وجديَ في أياميَ الأُولِ وعالجيني بيأسٍ منكِ ينفعُني ... أَلبرءُ باليأسِ يُنسي السُقمَ بالأَملِ

стр. 2153

طابَ التجافي فلا تأساكِ قسمتُهُ ... إذا مللتِ فما يُشكيكِ من مللي لسائمِ الودِّ إِمَّا يَنصرمْ بدَلٌ ... منهُ , وليسَ لراعي الودِّ من بدَلِ دعي لياليَّ , أوطاني تطالبُني ... بها فلا تشغلي نفسي بلا شُغُلِ وكفكفي الدمعَ , هذا الدمعُ يفتنُني ... أشجى الشِكايات عندي أدمعُ المقَلِ هي اللآلئُ تطفو في المحاجر لا ... تختارُ للسبحِ إِلاَّ موضعَ الكَحَلِ لو لم أكنْ شاعراً أصبحتُ حاسدَها ... فلؤلؤُ الدمعِ منهُ لؤلؤُ الغزَلِ وعشنا على بؤس . . . لياليَّ , أبلي من هُمومي وجدّدِي ... لكِ الأمرُ , لا تَقوى على ردِّهِ يَدِي فما أرتجي , والأربعونَ تَصرَّمت ... ولا عيشَ إِلاَّ ينتهي حيثُ يبتدي سكَتُّ سكوتاً لا يَرِبْكِ امتدادُهُ ... فلا خاطري باقٍ ولا الشعِرُ مُسعدي ولا فيَّ من رُوحِ الشَّبابِ بقيَّةٌ ... ولستُ بمشتاقٍ ولستُ بموجَدِ حزنتُ على الماضي ضلالاً؛ ومنْ يَعشْ ... كما عشتُ لم يحزَنْ ولم يتجلَّدِ وما ليَ منهُ خاطِرٌ , غيرَ أنني ... عدلتُ فلم أفتكْ ولم أتعبَّدِ سقى الله داراتِ القرافةِ ديمةً ... ترفُّ على قومٍ هنالكَ هُجَّدِ تعوَّدَ كلٌّ بؤسَها ونعيمَها ... وعشنا على بؤسٍ ولم نتعوََدِ أحنُّ إلى تلك المراقدِ في الثرى ... ولو أَستطيعُ اليومَ لاخترتُ مرقدي فأنزلتُ جسمي منزِلاً لا يملُّهُ ... يكونُ بعيداً عن أعادٍ وحُسَّدِ وما يتمنّى الحرُّ في ظلّ عيشةٍ ... تمرُّ لأحرارٍ , وتحلو لأعبُدِ لقد أتعبتني , والمتاعبُ جمَّةٌ ... مسيرةُ يومي بين أمسيَ والغدِ ألمَّا يئنْ أن يستريحَ مجاهدٌ ... ألمَّا يئنْ أن يبلغَ المنهلَ الصَّدِي تزهَّدتُ في وصلِ المعالي جميعِها ... ومن يَطَّلبِهْا كأطّلابيَ يزهدِ وبتُّ , تساوت في فؤادي مناهِجٌ ... تُؤدّي لخفضٍ , أو تؤدّي لسؤدُدِ وإِنيَ في بيتٍ صغيرٍ مهدَّمٍ ... كأنيَ في قصرٍ كبيرٍ مشيَّدِ عفا اللهُ عن قومٍ أتانيَ غَدْرُهم ... فربُّ مُسيءٍ عن تعمُّدِ وكم من نُفوسٍ يستطيلُ ضلالُها ... ولكن مَتى ما تُبصرِ النورَ تهتدِ فزعتُ من الآمالِ باليأسِ عائِذاً ... فإِن تُدْنني منها اللُّباناتُ أبعُدِ فلا ترتعي منّي بقلبٍ معذَّبٍ ... ولا تنجلي مني لطرفٍ مسهَّدِ فياريحُ إِن يعصف بي الشجوُ سكّني ... ويا غيثُ إِن يُضرمْنيَ الوجدُ أخمدِ ويا ساكناتِ الطيرِ في دولةِ الدُّجى ... أرى , إِن دعاكِ الصبحُ , أن لا تغرّدي لديَّ شِكاياتٌ , وأنتِ شجيَّةٌ ... فإِن تستطيبيها لشجوِكِ أنشدي ولا تحسبي التقليدَ يُذْهِبُ حسنَها ... فكم حسناتٍ قد أتت من مقلِّدِ تركتُ الغنى لا عَاجزاً عن طِلابهِ ... وأنزلتُ نفسي من منازلِ محتدي وهذي بحمدِ الله منّي براَءةٌ ... فيا أُفْقُ سجّلْها ويا أنجمُ اشهدي ما كان تنأى فتُدنيكَ آمالٌ مكذّبةٌ ... لم تُبقِ ذكراً ولا هيأتَ سلوانا قد كان ما كان من قلبي ومن نظري ... يا ليتَ ما كان قبلَ اليوم ما كانا الشاعر والليل والطيف اللهَ في وجدٍ وفي مأملِ ... مَنْ لي بعَودِ الزمَنِ الأَوَّلِ قد كنتُ أشكو عُذَّلي في الهوى ... فصرتُ مشتاقاً إلى عُذَّلي ملِلتُ عذبَ اللومِ جهلاً بهِ ... لو كنتُ أدري الحُبَّ لم أمللِ

стр. 2154

ما أولعَ القلبَ بما يجتني ... وأفتنَ العَينَ بما تجتلي أهفو لسُهدي , ليتَ لي مثلَهُ ... وليتني في لَيليَ الأَلْيَلِ إِذْ أترثكُ الأَنجُمَ في أُفْقِها ... شوقاً إلى نبِراسيَ المُشعَلِ وأُحكِمُ الكوَّةَ دونَ الصبّا ... وأُوصِدُ البابَ على الشَمألِ وأعتلي كرسيَّ مستكبراً ... كالمَلْكِ فوقَ العرش إِذ يعتلي سيجارتي مشعَلةٌ في فمي ... والطرسُ محمولٌ على أنْمُلي وقهوتي إِبريقُها مُتْرَعٌ ... إذا أنا أفرغتُهُ يمتلي في حُجرةٍ كالقلبِ في ضيِقها ... لو حُمّلتْ غيريَ لم تحملِ تَسمعُ منّي في سكونِ الدُّجى ... ما يَسمعُ الروضُ من البُلبلِ لهُ يَطيبُ اللّبْثُ في عشّهِ ... ولي يطيبُ اللَّبثُ في منزِلي إِنَّا اقتسمنا الليلَ ما بيننا ... لهُ الكرى في الليلِ والسهدُ لي كُتْبي تُناجيني فتمشي بها ... عينايَ من شكلٍ إلى مشكلِ ما بين أوراقٍ بها غَضَّةٍ ... وبينَ أوراقٍ بها ذُبَّلِ يا خَلَواتِ الوحيِ في تيهِهِ ... ملأتِ قلبَ الشاعرِ المختلي سوانحي منكِ وفيكِ انجلت ... فأنزِلي الآياتِ لي أنزِلي يا طَيفَها , لا ترتجعْ معجَلاً ... لا تُقْنعُ الزّورةُ من مُعجَلِ إِنيَ وحدي , حُجرتي مأمنٌ ... فا أْنَسْ إلى صّبَكَ , لا تُجفلِ أُدنُ قليلاً , قد أطلتَ النوى ... جُدْ مرَّةً , باللهِ لا تبخُلِ لو لم تكن تشتاقُني نفسُها ... يا طيفَها ما كُنتَ بالمُقبلِ عيناكَ عيناها , كذا كانَتا ... والوجهُ ذاك الوجهُ , لم يُبدَلِ أعرفُ لحظَيها برُغمِ النوى ... فكَمْ أصابا قبلَ ذا مقتلي جسّي بهذا الكفِّ صدري ترَيْ ... ما فيهِ من نارِ جوىً موغلِ أظلَّني همٌّ فلم أنتبهْ ... إلاَّ وقد أوغلتُ في المجهلِ إِن كان هذا ما دعوهُ الهوى ... فمثلُ هذا الليلِ لا ينجلي يا مهجتي , يا جَلَدِي , يا صبي ... إِن لم أمُتْ وجداً فلا بُدَّ لي نظرة نظرتُ إِليها نظرةً فتأثَّرتْ ... وبانَ على الخدَّين من نظرتي أثَرْ ولمَّا تراَءى الوجدُ بيني وبينها ... مددتُ له ستراً من الرأيِ فاستترْ وقد كِدتُ أنسى كَبرتي فادَّ كرتُها ... وراجعتُ نفسي أن يُراجِعَها الصِّغَرْ تضنُّ بها النُعمى , وتبذلُها المُنى ... وتنأى بها السلوى , وتدنو بها الفِكَرْ فيجذبُني وجدي , وتدفعني النُّهى ... ويُنهضُني شوقي , ويُقعدُني الكِبَرْ أرى في دياراتِ الأحبَّةِ أوجُهاً ... فأطلبُ إِغضاءً , فيسبقُني النظرْ ويُلمُّ بها يَشتارُ منها محاسناً ... كذا النحلُ يشتارُ العسولَ من الزَّهَرْ وكم ليَ في الألحاظِ سرّاً مُكتَّماً ... ينمُّ عليهِ اثنانِ: شِعريَ والحوَرْ مضى زمنُ اللهوِ الذي لستُ ساخطاً ... على ما مضى منهُ , وذا زمنُ الِعبَرْ فأسكتَني ما أسكت الوُرقَ في الدُّجى ... وأنطقَني ما أنطقَ الوُرْقَ في السحَرْ كِلانا لهُ , إِن ردَّد النوحَ , سامعٌ ... فتسمُعني كُتْبي ويسمعُها الشجَرْ تمنَّت قلوبٌ أن أكونَ دخلتُها ... ولا غروَ , لكنْ آفةُ الوِرْدِ في الصَدَرْ أنتِ والدَّهرُ أسيَدتي , لا الدَّهرُ يُسعِفُ مطلبي ... ولا أنتِ , إِنّي حِرْتُ بينكما جدّاً إِذا رمتُ شيئاً , جئْتماني بضدِّهِ ... لقد صِرْتِ لي ضِدّاً وقد صار لي ضدَّا

стр. 2155

سألْتُكِ ودّاً فاسْتطبتِ ليَ الجفا ... وأمَّلْتُ قُرباً , فارتضى الدَّهرُ لي البُعدا تشابهتُما جَوْراً وغدراً وقوَّةً ... فصيّرتهِ نِدّاً , ولم تقبلي نِدَّا فلا تحرماني لَذَّةً من تألّمٍ ... ولا تسلباني الوجدَ , لن أسلوَ الوجدا خذا جسدي والروحَ فاقتسماهما ... ولكنْ دعالي وحدَهُ ذلك الكبْدا حفظتُ بهِ عهداً وأَخشى ضياعَهُ ... وإنّي لأُبقي الكبدَ كي أُبقيَ العهدا نفسٌ مكرَّمة ونفس تزوري غيّرتِ عهدَكِ في الهوى فتَغيَّرا ... ملَكَ الهوى قلبي وقلبُكِ ما درى كُوني كما أنا في الغَرامِ وفيَّةً ... لا تهجريني , ما خُلقِتُ لأُهجَرا أَصبحتُ فيكِ من الوُلوعِ بغايةٍ ... إِن زدتِ حسناً لا أزيدُ تحيُّرَا بلَغَ المدَى بي كلَّ شيءٍ في الهوى ... فإذا أردتُ زيادةً لن أقدرَا يسمو بكِ الحسنُ المُدِلُّ إلى السَّما ... ويَمُتُّ بي الجِدُّ المذلُّ إلى الثرى مَاذا التخالُفُ في المحبَّةِ بيننا ... نفسٌ مكرَّمةٌ ونفسٌ تُزدرى ينفكُّ عمري في الهوى متقدِّماً ... ويظلُّ سَبقي في الهوى متأخِرا وأكادُ أحسَبُ في غَرامِكِ شقوتي ... لو كان يُسعَدُ عاشقٌ بين الورى عندي حديثٌ إِن أردتِ ذكرتُهُ ... مَنْ لي بأن تُصغي إليَّ وأذكُرَا عصفت بهِ ريحُ الملامةِ موهناً ... فجرى على وجهِ العذولِ وغَيَّرَا لا تُنكري نَظَراتِ عيني خلْسةً ... اللهُ قد خلقَ العيونَ لتنظرا وقفَتْ عليكِ فما انثنت عن منظرٍ ... فُتنتْ بهِ إِلاَّ لتطلبَ منظَرا أرسلتِ طيفَكِ في المنامِ يزورُني ... فدَنا وولَّى وهو يعثُرُ بالكرى لم يُبقِ من أثرٍ سوى تبسامةٍ ... خطرُتْ على نفسِ الهوى فتأثَّرا أتبعتُهُ أملي فأقصرَ دونَهُ ... ولوِ استمدَّ بلفتةٍ ما أقصَرا لا يعذلوني في غَرامِكِ ضِلَّةً ... من هامَ فيكِ فحقُّهُ أن يُعذَرا رقَّتْ حواشي الرَّوعِ فيكِ صبابةً ... ونَهى النُهى عنكِ الفؤادَ فأعذَرا قلبي يحسُّ وهذهِ عيني تَرى ... مَا حِيلتي في مَا يحسُّ ومَا يرى إِن تصبري عنّي فقلبُكِ هكذا ... أمَّا أنا فأخافُ أن لا أصبِرا شاعرة تهاجرُ شاعراً تمسين ناسيةً , وأُمسي ذاكرا , ... عجباً! أشاعِرةٌ تُهاجِرُ شاعرا فهل الملائكُ كالحسانِ هواجرٌ؟ ... إِنَّ الملائكَ لا تكونُ هواجرا إِن كنتُ لا أسعى لدارِكِ زائراً ... فلكم سعى فكري لدارِكِ زائرا وأخو الوفاءِ يَصونُ منهُ غائباً ... أضعافَ ما قد صانَ منهُ حاضِرا يُصيبكِ طيرُ الروضِ في ترجيعهِ ... يا ليتني في الروضِ أُصبحُ طائراً ويهزُّ منكِ الزَّهرُ في زَفَراتهِ ... نفساً تظلُّ لها النفوسُ زوافرا قد عشتِ دهرَكِ بالمحاسنِ سبه ... وقضيتُ دهريَ بالمحاسنِ حائرا إِنَّا اقتسمنا السحرَ فيما بيننا ... للهِ ساحرةٌ تُساجِلُ ساحرا لابدَّ في هذي الحياةِ من الهوى ... إِنَّ الهوى يهبُ الحياةَ نواظرا ولقد تهبُّ عليهِ يوماً سلوةٌ ... فتُنيمُ ساهرةً وتتركُ ساهِرا يا ويحَ ذي قلبٍ يُناجي مثلَهُ ... يدعوهُ مُؤنسَهُ فيبقى نافرا قلبانِ: ذو صبرٍ يُعاني هاجِراً ... أو هاجرٌ ظلماً يُعَذِّبُ صابرا متوافقانِ على الشِكايةِ في الهوى ... كم جائرٍ في الحبّ يشكو جائرا

стр. 2156

إِن كان قلبيَ في التصبُّرِ مذنباً ... فليُمسِ قلبُكِ في التصبُّرِ عاذِرا سيعودُ ذاك الودُّ أبيضَ ناصعاً ... ويصيرُ هذا العهدُ أخضرَ ناضرا إذا ذهب الربيع أطلتِ تدلُّلاً وأطلتُ صبراً ... كِلانا باذِلٌ ما يستطيعُ لقد أودعتِ قلبَكِ ما بقلبي ... فضاعَ وكنتُ أحسَبُ لا يَضيعُ رددتِ تضرُّعي ورددتِ دمعي ... فليسَ يُجابُ عندَكِ لي شفيعُ فيا ويلاهُ من قلبٍ عَصيٍّ ... يذوبُ بحبّهِ قلبٌ مُطيعُ ويا لَهفي على أمَلِ مُباحٍ ... يدافِعُ دونَهُ يأسٌ منيعُ ويا حَزني على هذي الأغاني ... أردِّدُها وليسَ لها سميعُ أَسيّدتي الرفيعةَ , إِنَّ روحي ... يقرّبُها إِليكِ هوىً رفيعُ وأيَّامُ الصفاءِ وإِن توانت ... يُطارِدُ ركبَها نأيٌ سريعُ إذا ذَهبَ الربيعُ ولم أُمتَّعْ ... بنُضرَتِه فلا عادَ الربيعُ الفتاة العمياء أنشدتها فتاة عمياء في حفلة مدرسة الحياة الجديدة للبنات الكفيفات في مصر سادتي , إِنَّ في الوجودِ نفوساً ... ظلَمتْها الأقدارُ ظُلماً شديدا هيَ تشقي من غيرِ ذنبٍ جَنَتْهُ ... ولَكم مذنبٍ يعيشُ سعيدَا رحِمَ اللهُ أعيُناً لم تشاهِدْ ... منذُ كانت إِلاَّ لياليَ سُودَا تتمنَّى لو فُتِّحتْ فَتَملَّتْ ... من جمالِ الوجودِ هذا الشُهودَا تَتناجي حمائِمُ الروضِ صُبحاً ... لا نراها , ونَسمعُ التغريدا ويكونُ الربيعُ منَّا قريباً ... فنظنُّ الربيعَ منَّا بعيدَا حينَ ترنو إلى الوُرودِ عيونٌ ... ليت شعري كم تستطيبُ الورودا أبويَّ اللَّذينِ أوجدتماني ... أتُريدانِ شقوتي؟ لن تُريدا عشتما في ظلالِ شملٍ جميعٍ ... أنا وحدي وجدتُ شملي بديدا وإذا كنتُ قد وُلدتُ فقيداً ... ليتني كنتُ قد فُقدتُ وليدا سادتي , إِنَّنا صَبرنا امتثالاً ... ما ضجرنا ولا شكونا الجدُودا فانظروا نَظرةَ الكرامِ إلينا ... وارحمُوا أدمعاً تخذُّ الخدُودا الملك المظلوم مكانكَ الأفقُ فما أنزَلَكْ ... بُدّلتَ عنهُ الأرضَ أمْ بَدَّلكْ؟ يا مَلَكَ اللهِ أيرضي المَلَكْ ... مُلكَ الثرى من بَعد مُلكِ الفَلكْ؟ كلاَّ! فَلنْ تألَفَ هذا الأنامْ ... خُلِقتَ من نورٍ وهُمْ مِن ظلامْ أينَ جِناحاكَ؟ متى فارقاكْ؟ ... قد سَقَطا في الأرض أم في السِّماكْ؟ لو صَدَقاكَ الوِدَّ ما زايلاكْ ... بل صَعدا للأُفْقِ واستصحباكْ إِنكَ لَلأَوْلى بذاكَ المَقامْ ... مِثلُكَ لا يهنأُ فوقَ الرُّغامْ مَنْ عَندنا يفهمْ هذا الجَمال؟ ... أيُّ امريءٍ يهوى صفاتِ الكمال؟ أنتَ خيالُ الحُبِّ نِعمَ الخيالْ! ... حَذَارِ! لا تدخلْ قلوبَ الرّجالْ تِلكَ قلوبٌ دَهرَها في اضطرامْ ... كأنَّها مُوقَدَةٌ بالأثامْ إِنْ تُؤْتَ خيراً بينهم يحسدوكْ ... وإِن تَجُدْ بالفضلِ لا يَحمَدُوكْ دانَيْتَهم لكنَّهم أبعدُوكْ ... لوْ صرتَ رَبَّ القوْمِ لم يَعبَدُوكْ أُفٍّ لِخلْقٍ ليسَ فيهِ كِرامْ ... هلْ كرَمٌ يسكنُ هذي العِظامْ تَبقى لياليكَ , وتفنى المنى ... بين الهمومِ الكُثْرِ , بينَ الضنى وَيلي! فكم تحملُ هذا العنا ... كَمْ تشتكي أنتَ وأبكي أنا! قدْ نَفّدَ الدَّمعُ فهلْ للغَمامْ ... كمدمعي إِن زادَ فيهِ الهيامْ؟

стр. 2157

تَفتِنُ لكنْ لستَ تدْري الفِتَنْ ... كذاكَ يُؤْذي كلُّ شيءٍ حَسنْ بهذهِ الروحِ وهذا البدَنْ ... تَلقي مِنَ الناسِ سِهامَ الضَّغنْ لله ما أظلمَ تِلك السهامْ! ... ألم تُصِبْ غيرَ فؤادِ الغرامْ؟ تغفرُ جُرْمَ الناسِ إِنْ أجرَموا ... وتحملُ الظُّلمَ ولا تظْلمُ قد غنِموا منكَ , ولا تغنَمُ ... منهم , ولو تَعْلَمُ ما أعْلَم خاصمَتهم عَذلاً , وإِنَّ الخُصامْ ... أعْدَلُ ما يحبو الكرامُ اللئامْ أبكيكَ أمْ أَرثيكَ؟ هلْ نافعُ ... دَمعٌ ونَوْحٌ والقَضا واقعُ؟ هذا شقاءٌ ما لهُ دافِعُ ... اسمعْ فإِنَّ اللهَ لي سامعُ قُلْ: أيُّها الأرضُ عليكِ السَّلامُ ... تحيَّةٌ بالدَّمعِ لا بالكلامْ حافظ بك إبراهيم يقول الشعر , في كل مكان يتفق له فيه أن يخلو بنفسه , ومن عادته دخول حديقة الأزبكية بعد الظهر طلبا لتلك الخلوة , ولا يختلط عليه الفكر خلال الضجيج المحيط به. يتعب في قرض قريضه تعب النحات الماهر في استخراج مثال جميل من حجره يؤثر الجزالة على الرقة وله فيها آت يطرق الموضوع في الغالب من جوهره وربما نظم أكثر الأبيات قبل المطلع شأن الصانع القدير الذي يبدأ بأصعب مت بين يديه آمنا أن تهن عزيمته دون الإجادة بعد ذلك عالماً أن الكلام لابدّ أن تأتيه في أي مقام طيعاً ولو بعد حين. حاضر المحفوظ من أفصح أساليب العرب ينسج على منوالها ويتخير نفائس مفرداتها وأعلاق حلالها. إذا صبّ البيت في قالب من العروض أعاده نغماً على سمعه مستشيراً بذلك ذوقه عن طريق إذنه وطالما صدقته الآذن بنصيحتها. أما تغنيه فبدوي أخذه عن الشيخ عبد المحسن الكاظمي وطريقته أن ينطق بالكلمات ملحنة تلحيناً ساذجاً من إطالة في الحروف المعتلة ووجفة في القرار كرة أربعة أنفاس وتقتضب. له غرام باللفظ لا يقل عن الغرام بالمعنى. وفي أقصى ضميره يؤثر البيت المجاد لفظاً على المجاد معنى. فإذا فاته الابتكار حيناً في القصور لم يفته الابتكار حيناً في التصوير. أولع بالاجتماعيات فقال فيها وأجاد ما شاء. كبير الآمال عاثر الجد تجد على أكثر منظومه أثراً من ألم النفس أو مسحة من الشكوى وتحمل بعض حروفه من بثه ما يلذع لذع النار الكامنة في غير متقد. فهو على الجملة أحد الثلاثة الذين هم نجوم الأدب العربي في مصر لهذا العصر ولكل من تلك النجوم منزلته وإضاءته وأثره الخالد. أما شعره فشعر البيان وإن من البيان لسحراً خليل مطران الأم مدرسة كم ذا يُكابدُ عاشقٌ ويُلاقي ... في حبِّ مصرَ كثيرةِ العشَّاقِ إِني لأحملُ في هواكِ صبابةً ... يا مصرُ , قد خرجت عن الأطواقِ لهفي عليكِ! متى أراكِ طليقةً ... يحمي كريمَ حماكِ شعبٌ راقِ كلِفٌ بمحمودِ الخِلالِ , متيَّمٌ ... بالبذلِ بين يديكِ والإِنفاقِ إِني لتُطربني الخِلالُ كريمةً ... طرَبَ الغريبِ بأوبةٍ وتلاقِ ويهزُّني ذكرُ المروَءةِ والندى ... بين الشمائلِ هزَّةَ المشتاقِ ما البابليَّةُ في صفاءِ مزاجها ... والشربُ بين تنافسٍ وسباقِ والشمسُ تبدو في الكؤوسِ وتختفي ... والبدرُ يشرقُ من جبين الساقي بألذَّ من خُلُقٍ كريمٍ طاهرٍ ... قد مازجتهُ سلامةُ الأذواقِ

стр. 2158

فإذا رُزِقتَ خليفةً محمودةً ... فقدِ اصطفاكَ مُقسّمُ الأرزاقِ فالناسُ هذا حظُّهُ مالٌ , وذا ... علمٌ , وذاك مكارمُ الأخلاقِ والمالُ , إِن لم تَدَّخِرْهُ محصنَّاً ... بالعلم , كان نهاية الإِملاقِ والعلمُ , إن لم تكتنفْهُ شمائلٌ ... تُعليهِ كان مطيَّةَ الإِخفاقِ لا تحسبنَّ العلمَ ينفعُ وحدَهُ ... ما لم يتوَّجْ ربُّهُ بخلاقِ كم عالمٍ مدَّ العلومَ حبائلاً ... لوقيعةٍ وقطيعةٍ وفراقِ وفقيهِ قومٍ ظلَّ يرصدُ فقهَهُ ... لمكيدةٍ أو مستَحلِّ طلاقِ يمشي , وقد نُصبتْ عليهِ عمامةٌ ... كالبرج لكن فوق تلِّ نفاقِ يدعونهُ عند الشقاقِ , ومادَرَوا ... أنَّ الذي يدعونَ حلفُ شقاقِ وطبيبِ قومٍ قد أحلَّ لطبّهِ ... ما لا تُحِلُّ شريعةُ الخلاّقِ قتلُ الأَجنَّةِ في البطونِ , وتارةً ... جمعُ الدوانقِ من دمٍ مهراقِ أغلى وأثمنُ من تجاربِ علمهِ ... يومَ الفخارِ تجاربُ الحلاقِ ومهندسٍ للنيل باتَ بكفِّهِ ... مفتاحُ رزق العامل المطراقِ متعنّتٍ تندى وتيبسُ كفُّهُ ... بالماءِ طوعَ الأصفر البرَّاقِ لا شيَء يلوي عن هواهُ , فحدُّهُ ... في السلب حدُّ الخائن السرَّاقِ وأديبِ قومٍ تستحقُّ يمينهُ ... قطعَ الأناملِ أو لظى الإِحراقِ يلهو ويلعبُ بالعقولِ بيانُهُ ... فكأَنَّهُ في السحر رقيةُ راقِ في كفّهِ قلمٌ يمجُّ لعابهُ ... سُمّاً وينفثُهُ على الأوراقِ يَرِدُ الحقائقَ وهي بيضٌ نُصَّعٌ ... قدسيةٌ علويَّةُ الإِشراقِ فَيردُّها سوداً على جنَبَاتها ... من ظلمةِ التمويهِ إِلفَ نطاقِ عَرِيتْ عن الخلق المطهَّرِ نفسُهُ ... فحياتهُ ثقلٌ على الأعناقِ مَنْ لي بتربية النساءِ فإِنَّها ... في الشرق علَّةُ ذلك الإِخفاقِ الأُمُّ مدرسةٌ إذا أعددتَها ... أَعددتَ شعباً طيّبَ الأعراقِ الأُمَّ روضٍ , إِن تعهَّدَهُ الحيا ... بالريّ , أورقَ أيَّما إِيراقِ الأُمَّ أُستاذُ الأساتذةِ الأُلى ... شغلت مآثرهم مدى الآفاقِ أنا لا أقولُ: دعوا النساءِ سوافراً ... بين الرجالِ يجُلنَ في الأسواقِ يدرُجْنَ حيث أردنَ , لا مِن وازعٍ ... يحذرنَ رقبتَهُ , ولا من واقِ يفعلنَ أفعالَ الرجالِ لواهياً ... عن واجباتِ نواعسِ الأحداقِ في دُورِهنّ شؤونُهنَّ كثيرةٌ ... كشؤون ربّ السيفِ والمزراقِ كلاَّ , ولا أدعوكُم أن تُسرِفوا ... في الحُجْبِ والتضييق والإِرهاقِ ليستْ نساؤُكُمُ حليً وجواهراً ... خَوف الضياع تُصانُ في الأحقاقِ ليستْ نساؤُكُمُ أثاثاً يُقتنى ... في الدُّورِ بين مخادعٍ وطباقِ تتشكَّلُ الأزمانُ في أدوارِها ... دُوَلاً , وهنَّ على الجمود بواقِ فتوسَّطوا في الحالتَين , وأَنصفوا ... فالشرُّ في التقييد والإِطلاقِ ربُّوا البناتِ على الفضيلةِ , إِنَّها ... في الموقفَين لهنَّ خيرُ وثاقِ وعليكمُ أن تستبينَ بناتُكم ... نورَ الهدى وعلى الحياءِ الباقي خيبة الأمل وخَيَّبَ آمالي وُقوفُك دونَها ... وأنَّكَ عندَ الظالمينَ مكينُ يسرُّكَ أني نائمُ الجدِّ عاثرٌ ... ويُرضيكَ أنّي للخطوبِ ألينُ لِيَهْنِكَ ما بي من أسىً وخصاصةٍ ... وتقليبيَ الكفَّيْنِ حيثُ أكونُ

стр. 2159

شكوى المتيم كم تحتَ أذيالِ الظَّلامِ مُتَيَّمُ ... دامي الفؤادِ وليلُهُ لا يَعلَمُ ما أنتَ في دُنياكَ أوَّلُ عاشقٍ ... راميهِ لا يحنو ولا يَترحَّمُ أهْرمتَني يا لَيلُ في شرخِ الصِّبي ... كم فيكَ ساعاتٌ تُشيبُ وتُهرِمُ لا أنتَ تُقصِرُ لي ولا أنا مُقصِرٌ ... أتعبتَني وتعبتَ , هل من يحكمُ؟ لله موِقفُنا وقد ناجيتُها ... بعظيم ما يخفي الفؤادُ ويكتمُ قالت مَنِ الشاكي؟ تسائلُ سِرْبَها ... عنّي - ومَن هذا الذي يتظلَّمُ؟ فأجبنها وعجبنَ كيفَ تجاهلتْ ... هوَ ذلكَ المتوجّعُ المتألِّمُ أنا مَن عَرفتِ ومَن جهلتِ ومَن لهُ ... لولا عيونُكِ حُجَّةٌ لا تُفحَمُ أسلمتُ نفسي للهوى وأظنَّها ... ممَّا يُجشِّمُها الهوى لا تَسلَمُ وأتيتُ يحدو بي الرجاءُ ومَن أتى ... متحرِّماً بفنائِكم لا يُحرَمُ أشكو لذاتِ الخالِ ما صنعت بنا ... تلك العيونُ وما جناهُ المِعصَمُ لا السهم يرفُقُ بالجريحِ , ولا الهوى ... يُبقي عليهِ , ولا الصبَابةُ تَرحَمُ لو تَنظُرينَ إليهِ في جَوفِ الدُّجى ... مُتملمِلاً من هولِ ما يتجشَّمُ يَمشي إلى كنفِ الفراش محاذراً ... وَجلاً يؤخّر رجلَهُ ويقدِّمُ يَرمي الفراشَ بناظرَيهِ , ويَنثني ... جَزَعاً , ويُقدمُ بعدَ ذاك ويُحجمُ فكأَنَّهُ واليأسُ ينسفُ نفسَهُ ... للقتلِ فوقَ فراشِه يَتقدَّمُ رُشفت بهِ في كلّ جَنبٍ مديةٌ ... وانسابَ فيهِ بكلِّ رُكنٍ أرقَمُ فكأَنَّهُ في هَولهِ وسَعيرهِ ... وادٍ قَدِ اطَّلعَتْ عليه جهنَّمُ هذا وَحقِّكِ بعضْ ما كابدتُهُ ... من ناظرَيكِ , وما كتمتُكِ أعظمُ قالت: أهذا أنتَ؟ ويُحكَ فاتَّئِذ ... حتى مَ تُنجِدُ في الغَرامِ وتُتِهمُ كم نَفثةٍ لك تَستَثيرُ بها الهوى ... هاروتُ في أُثنائِها يَتكلَّمُ إِنَّا سَمعنَا عنكَ ما قد رابنَا ... وأطالَ فيكَ وفي هواكَ اللُّوَّمُ فاذهبْ بسحرِك قد عرفتُكَ واقنصِدْ ... فيما تُزيِّنُ للحسانِ وتُوهمُ أصغت إلى قولِ الوشاةِ فأسرَفت ... في هجرها , وجنَت عليَّ , وأجرموا حتَّى إذا يَئِس الطبيبُ وجاَءها ... أنّي تَلِفتُ تَندَّمتْ وتندَّموا وأتت تعودُ مريضَها لا بل أتت ... منّي تُشيِّعُ راحلاً لو تَعلمُ لوعة وأنين أنا في يأسٍ وهمٍّ وأسىٍ ... حاضرُ اللَّوعةِ موصولُ الأَنينْ مُشتهينٌ بالذي لاقيتُهُ ... وهو لا يدري بماذا يَستهينْ سُوَرٌ عندي لهُ مكتوبةٌ ... وَدَّ لو يسري بها الرُّوحُ الأَمينْ إِنني لا آمنُ الرُّسلَ , ولا ... آمنُ الكُتْبَ على ما يحتوينْ لا فتى إلاَّ على رثاء المرحوم علي باشا أبو الفتوح وكيل نظارة المعارف جَلَّ الأسى فتجمَّلي ... وإذا أبَيْتِ فأَجْمِلي يا مصرُ قد أودى فتا ... كِ ولا فتىً إِلاَّ علي قد مات نابغةُ القضا ... ءِ وغابَ بدرُ المحفلِ وعدا القضاءُ على القضا ... ءِ فصابَهُ في المقتلِ حلاَّلُ عقدِ المعضلا ... تِ قَضَى بداءٍ مُعضِلِ ويحَ الكنانةِ ما لها ... في غمرةٍ لا تنجلي باتت وكارثةٌ تم ... رُّ بها وكارثةٌ تلي يا زَهرةَ الماضي ويا ... ريحانةَ المستقبَلِ كنَّا نُعِدُّك للشدا ... ئدِ في الزمانِ المُقبلِ يا لابسَ الخُلق الكري ... م المطمئنّ الأمثلِ

стр. 2160

فارقتنا في حينِ حا ... جتِنا ولم تتمهَّلِ يا رامياً صدرَ الصع ... ابِ رماك رامي ألجدلِ يا حافظاً غَيبَ الصدي ... قِ ويا كريمَ المِقوَلِ أيُّ المحامِدِ غَضَّةً ... بحلاكَ لم تتجمَّلِ تلهو لداتُكَ بالصِّبي ... لهواً وأنت بمعزلِ تسعى وراَء الباقيا ... تِ الصالحاتِ وتغتلي بين المحابرِ والدفا ... ترِ دائباً لا تأتلي أدركتَ علم الاخري ... ن وحزْتَ فضلَ الأوَّلِ أدنى مرامك همَّةٌ ... فوقَ السماكِ الأعزلِ وأجلُّ قصدكِ أن ترى ... مصراً تسودُ وتعتلي دَرَجَ الأحبَّة بعد ما ... تركوا الأسى والحزنَ لي لم يحلُ لي من بعدهم ... عيشٌ ولم أتعلَّلِ لي كلَّ عام وقفةٌ ... حرَّى على مترحِّلِ أبكي بكاَء الثاكلا ... تِ وأصطلي ما أصطلي لم يبقَ في يوم الفقي ... دِ عزيمةٌ لم تفللِ يومٌ عبوسٌ قد مضى ... بفتىً أغرَّ محجَّلِ من لم يشاهدْ هولَهُ ... عند القضاءِ المنزَلِ لم يدرِ ما قَصْمُ الظهو ... رِ ولا انخذالُ المِفصلِ يا قبرُ ويحك ما صنع ... تَ بوجهِهِ المتهلّلِ عبَّسْتَ منهُ نضارةً ... كانتْ رياضَ المجتلي وعبثتَ منهُ بطرَّةٍ ... سوداَء لمَّا تنصُلِ يا قبرُ هل لَعِبَ البِلى ... بلطافِ تلك الأنمُلِ لهفي عليها في الطرو ... س تسيلُ سيلَ الجدولِ لهفي عليها في الجدا ... لِ تحلُّ عقدَ المشكل لهفي عليها للرحا ... ءِ وللعُفاةِ السؤلِ يا قبرُ ضيفُك بيننا ... قد كانَ خيرَ مؤمَّلِ لم ينقبضْ كبراً بنا ... ديهِ ولم يتبذَّلِ إني حللتُ رحابَهُ ... فنزلت أكرمَ منزلِ ونهلتُ من أخلاقِهِ ... فوردتُ أعذبَ منهلِ فؤاد حافظ يا خَافِقاً قُلْ لي متَى تسكُنُ؟ ... للهِ! ما تُخفي ومَا تُعلِنُ يا ليتَ شعري عنكَ في أضلُعِي ... ماذا تُقاسي أيُّها المُثْخَنُ؟ وما الذي أبقاهُ مِنْ مهجتي ... ومِنْ يأتي داؤكَ المُزمِنُ يا ثَغرَهُ , من ذا الذي يحتسي ... بَردَ ثناياكَ ولا يُؤْمِنُ يا قَدَّهُ , هذي قلوبُ الورى ... معروضةٌ , طوبى لمن تَطْعَنُ يا لحظَهُ مُرْنا بما تَشتهي ... كلُّ مُحالٍ في الهوى مُمكنُ داود بك همون شاعر مقلّ , ولكنّ قليله رفعه إلى منزلة قصر عنها كثيرون من المكثرين ويمتاز نظمه بمتانة السبك وفخامته , وسمو المعني وجدته , ويدل دلالة واضحة على توقد ذهن وشدة عارضة وعزة نفس , أما نفَسه فجاهلي عصري معاً. الملك والشعب عَذيرِي مِن خُلُقٍ باسِلِِ ... أحدَّ وأَمضى منَ الذَّابِلِ صَليبٍ على القسرِ , لا يلتوي ... إِذَا غَمزتْهُ يَدُ الناقِلِ إِذا شاقَني الأمرُ صعبُ المنالِ ... مَضيتُ ولو أَنهُ قاتلي وإِن حالَ مِن دونِه حائِلٌ ... مَشَتْ أخمَصايَ على الحائِلِ حَديدُ قُوى النفسِ , ذو همَّةٍ ... تَضايَقُ في جَسَدِ ناحِلِ وأَورَثَنيها فتىً أَمثلُ ... وأُورِثُها لفتىً ماثِلِ بلوتُ الزّمانِ وأهلَ الزَّمانِ ... فَخُذ رأي مختَبِرٍ عاقِلِ رأَيتُ الملوكَ إذا أُطلِقُوا ... أضرَّ منَ الجارِفِ الغائِلِ نُفوسُ الرعايا , وأعراضُها ... وأرزاقُها , أَكلةُ الآكِلِ وُعودُهمُ بَرقُها خُلَّبٌ ... وأقسامُهم ضحْكَةُ الهازلِ ولو عَقلُوا قيَّدُوا نفسَهم ... ومَنْ لكَ بالمطلَقِ العاقِلِ

стр. 2161

فتلكَ القيودُ ضمانُ العُروشِ ... تُوطِّدُها في المَدَى القابِلِ حقوقُ الملوك بتقديسها ... دعاوى على الحقِّ للباطِلِ همُ الأُجَراءُ وإن تُوِّجُوا ... عليهم لنَا عَمَلُ العامِلِ وما ميَّزَ اللهُ أشخاصَهم ... بشيءٍ ولكن رضَي الخامِلِ بني الشَّرقِ , هبُّوا فقد طَالما ... زحفتُمُ في الدَّرَكِ السافِلِ إلى مَ تنامُونَ عن حقِّكم ... وتعبثُ فيكم يَدُ العامِلِ ويظلُمكُمُ رَجُلٌ واحِدٌ ... = وأنتم عِدَادُ الدُّبي النازِلِ فدونَكُم العلمَ فهوَ المحرِّ ... رٌ , والرِّقُ لازمَةُ الجاهِلِ وخَلُّوا الدِّياناتِ طيِّ القلوب ... وكونوا عن الخُلْفِ في شاغِلِ ألم تَنظروها غدَتْ آلةً ... لتفريقِ جمعِكُمُ الحافلِ ولا تَرهبُوا الموتَ , فالموتُ لا ... يُؤَخّرُهُ وَجَلُ الواجلِ حنين إلى لبنان هَاجَ أشواقي إِلى الدِّمَنِ ... طائِرٌ غنَّى على فَنَنِ إِيهِ يا قُمريُّ , إِنَّ بِنَا ... فوقَ ما يُبكيكَ من شَجَنِ ولَوَ أنَّ الدمعَ مُنطَلِقٌ ... لهمَى كالعارِضِ الهَتِنِ إِنَّما بالرُّغمِ أحبسُهُ ... خشيةَ التَلوامِ واللَّسنِ حبَّذا المصطافُ في جَبلٍ ... ينطَحُ الجوزاَء بالقنَنِ موئلِ الأحرارِ من قِدَمٍ ... وأُباةِ الضيمِ من زَمَنِ ليسَ لبنانٌ لمكتَسحٍ ... بضعيفِ العزمِ مُمتَهنِ سَلْ ملوكَ الرُّومِ كيفَ غداً ... عرشُهم مستوهنَ الرُّكُنِ علَّمَ الأهلونَ جيشَهمُ ... فنَّ نظمِ النحرِ باللدِنِ فبنُو لبنانَ أُسْدُ وَغىً ... أُطلِقَتْ فيهم يَدُ المِحَنِ واختلافُ الدّينِ أورَثَهم ... عِلَلَ الأَحقادِ والإِحَنِ ليتَ ذا عَزمٍ يضمُّهمُ ... ضّمَّةَ الأعضاءِ في البَدَنِ فيُعيِدُوا السَّابقاتِ مِنَ المج ... دِ والعلياءِ للوطنِ يا بني أُمّي , إذا حَضرَت ... ساعتي والطبُّ أَسلمَني إِجعلوا في الأرزِ مقبرَتي ... وخّذوا من ثلجِهِ كفَني يوم فلادمير نظمت إبان الحرب الروسية اليابانية لا تلوموا تلك السّيوفَ الدَّوامي ... جَلَتِ الشكَّ عن عُقولِ الأنامِ علَّمْتَهُم أن لا حياةَ لشعبٍ ... رازحٍ تحتَ مطلَقِ الأحكامِ أيُّ نصفٍ ترجون من حاكمٍ يح ... سبُ هذي الرقابَ كالأَنعامِ وَرِثَ المُلكَ بالرّجالِ , وبالما ... ل , كأنَّ الرجالَ بغضُ الحطامِ فإِذا اهتمَّ مِنَّةً بالرعايا ... فاهتمامُ الجزَّارِ بالأغنامِ قَيصرُ الروسِ قامَ بينَ البرايا ... ناشراً دَعوةَ الهُدَى والسلامِ ذاكِراً أنَّنا بَنُو رجُلٍ فَر ... دٍ خُلِقْنا للحُبِّ لا للخصامِ مُوعِزاً بانعقادِ مُؤتَمَرِ التح ... كيمِ يقضي في المعضِلاَتِ الجِسام ضَحِكَ الضاكحونَ منها وعدُّو ... ها أمانيَّ نَيْلُها بالمنامِ رُبَّ أمرٍ صعبِ المنالِ بعيدٍ ... صَيَّرَتْهُ العقولُ سهلَ المرامِ هَبْهُ حلماً فالسعيُ فيهِ جَميلٌ ... وجَمالُ الحياةِ بالأحلامِ هذهِ الأرضُ ترتجيكَ فحقّقْ ... ظنَّها فيكَ يا سليلَ الكرامِ لكَ في منحِها السلامَ أيادٍ ... خالداتٌ غُرٌّ مَدَى الأيَّامِ ولبثنا عيونُنا شاخِصاتٌ ... ناظرينَ انجلاَء ذاكَ الغمامِ فإذا بالسَّلامِ حَربٌ عَوانٌ ... كلَّ يومٍ نيرانُها في اضطرامِ

стр. 2162

قيصرَ الروسِ , لا تُضيّقْ على الصُّف ... رِ مَدَاهمو فالصّفْرُ أهلُ انتقامِ لكَ مُلكٌ رَحَبُ الفضاءِ فَسيحٌ ... فَتَعَهَّدْ أجزاَءهُ بالنّظامِ أَفَمهما أَوجستَ من شعبكَ المو ... تورِ خوفاً دفعتَهُ للصّدَامِ؟ لا رَعاكِ الإِلهُ يا أرضَ منشو ... را , ولا بَلَلَتْ ثراكِ الهَوامي ما لعُقبانِكِ اتُّخمِنَ , وغُدرا ... نكِ أصبحنَ بالدماءِ طوامِ كم خميسٍ وافاكِ يمرَحُ زهواً ... ثمَّ لم يبقَ منهُ غيرُ العظامِ شَهَرَ الحربَ شاهروها , وباتوا ... في أمانٍ والقتلُ في الأقوامِ سَئِمَ الرُّوسُ فتكَها , بئستِ العي ... شةُ من ذِلَّةٍ لموتٍ زُؤامِ! قالَ مقدامُهمُ: هلمُّوا إلى الوا ... لدِ نشكو مظالِمَ الحُكَّامِ ومَشوا للمليكِ عُزلاً , ومُدلي ... نَ إليهِ بِحُرْمةٍ وذمامِ فتلقتَّهُمُ جنودُ أبيهم ... بِرَشاشِ الرَّدى وحدِّ الحُسامِ ملأتْ منهمُ الشوارعَ أشلا ... ءُ كراديسُ فهيَ كالآكامِ َقيصرَ الروس , إِنَّ شعبَك أولا ... دُكَ فاربأْ وأشفقْ على الأرحامِ أفهذا الحقُّ الإِلهي أن يُقت ... لَ شعبٌ أتاكَ لاسترحامِ زالَ ما كُنتَ تدّعيهِ من الحقِّ ... بما سالَ مِن دماءٍ حرامِ أحمد محرَّم أحمد محرم في شعره نسيج وحده هو أقرب الشعراء المعاصرين ديباجة من شعراء العرب. وما زال يعاني ذلك في أول أمره معاناة حتى ملكه اليوم وصار ملكة في طبعه. وليس في طباع الشعراء طبع أدلّ من طبعه ومن طبع حافظ إبراهيم على جودة الألفاظ. وكما أن خليل مطران فاق النظراء بل فاق كثيراً من القدماء في معانيه. فكذلك أحمد محرم وحافظ فاقا النظراء بل فاقا كثيراً من القدماء في ألفاظهم وتراكيبهما. وأقرب وصف في هذا الباب أن يقال أن خليلا أبلغ شعراء زماننا , وأن محرماً وحافظاً أفصحهم. ولي الدين يكن أبو العلاء المعري ثقةَ الدُّهورِ , وحُجَّةَ الأزمانِ ... خذْ من بيانِكَ ذِمَّةً لبياني أُعيي القريضَ فإنْ بلغتُكَ خانَني ... قلَمي , وعيَّ عن المقالِ لساني رُعْت القياصرَ والملوكَ , وراعَني ... ما فيكَ وحدَك من جَلالِ الشانِ لكَ في الملوكِ الخالدينَ على البلى ... أسمى العروشِ وأثمنُ التيجانِ تهوي الأَسرَّةُ , والممالكُ تنقضي , ... وسريرُ مُلكِكَ راسِخُ الأركانِ مُلْكٌ عليهِ من الخُلودِ سُرادقٌ ... فخمٌ يهابُ جلالَهُ الملَوانِ تهوي جبابرةُ الخُطوب حِيالَهُ ... صرعى مُنكِّسةً على الأذقانِ وترى الدُّهور إذا مررنَ بساحهِ ... فوضى الخُطى يَعثُرنَ بالحَدَثانِ يدلفُنَ من كبرٍ وفرطِ كهولةٍ ... وشبابُ مجدِكَ دائمُ الرَّيَعانِ تبني العُقولُ , وترفعُ الأيدي , وما ... يسطيعُ شأوَكَ رافعٌ أوبانِ صدَعَ الزلازلَ ما بنيتَ وهَدَّها ... ما للزلازلِ بالبروجِ يَدانِ أدركتَ أسراَ الوجودِ وجُزتها ... ترتادُ أَسرارَ الوجودِ الثاني تدنو فتبعدُ , والمخاوف جمَّةٌ ... والحُجْبُ شَتَّى , والحتوفُ دوانِ تهتاجُ ومَضت , فإن هيَ أمسكتْ ... زادتكَ أَشجاناً على أشجان صانعتَ شاردَها فقُلنا عاشِقٌ ... طرِبٌ يصانِعُ شاردَ الغُزلانِ وشكوتَ هاجرَها فقالوا كاشِحٌ ... ظلموكَ! تلكَ سجيَّةُ الولهانِ

стр. 2163

جهلوا مُرادَك , والعقولُ مراتبٌ ... والناسُ بالأَلبابِ والأَذهانِ أكبرت رزَء العقلِ حينَ رأيتهُ ... رهنَ العمى , وغضبت للإنسانِ تجري الأُمورُ وليسَ يُعلمُ كنهُها ... وهو المرادُ بهذهِ الأَكوانِ ويُقادُ أعمى في الحياةِ وبَعَدها , ... والدَِينُ والدُنيا لهُ عَينانِ كلٌّ لهُ ذِكرى , وكلٌّ عِبرةٌ ... تجلو اليقينَ وصادقَ الإيمانِ فلئن حُجبتَ عن الغيوبِ فإِنَّها ... لله ذي الجَبروتِ والسُلطانِ أعلى لكَ الغرُفاتِ يومَ لقيتَهُ ... وحَباكَ ما تبغي من الرّضوانِ فرأيتَ منزِلةَ العليم وأجرَهُ ... وحمدتَ عُقبي العلمِ والعرفانِ شُغفتْ بكَ الدنيا تُريدُك وامقاً ... وشُغِفتَ بالإِعراضِ والهُجرانِ تجلو زخارفَها فتُغمضُ دونَها ... عينَ الحكيم , وتنثني بأمانِ فتنت محاسِنُها العقولَ , ولم تزلْ ... في حيَرةٍ من عقلِكَ الفتَّانِ صارمَتها وكشفتَ عن سوائِها ... ليُفيقَ مختَبلٌ ويُقصرَ عانِ وصددتَ عن صلفِ الملوكِ وكبرِهم ... متعالياً عن ذِلَّةٍ وهَوانِ أغناكَ عن آلائِهم وهباتِهم ... انَفُ الشّريفِ وعِفَّةُ المتغاني ورضيتَ بيتَك هازئاً بقصورهم ... وجليلِ ما رفعوا من البُنيانِ بيتٌ أنافَ على الكواكبِ رِفعةً ... فدنا يمسِّحُ رُكنَهُ القَمرانِ لم يحكهِ كيوانُ في عَليائهِ! ... بيتُ الحكيم أجلُّ من كيوانِ لو رُدَّ كسرى , أَو تأَخرَ عصرهُ , ... فأذنتَ , حجّ إليكَ بالإِيوانِ لو كنتما منّي بحيثُ أراكما ... لَلَثمتُ تربكما إِذاً فشفاني فحمَدتما في الطائفين ضَراعتي ... ورفعتما في الخالدينَ مكاني خيرُ المناسِكِ حلَّ حيثُ حللتُما ... للناسكينَ وأنتُما الحرَمانِ أُوتيتَ من أخلاقِ ربِّك رَحمةً ... لم يُؤتَها بشرٌ , وفرطَ حنانِ أشفقتَ من وطءِ التراب على الأُلى ... غالَ التُّرابُ , وكلُّ حيٍ فإنِ يمشي الفتى يختالُ فوقَ رفاتِهم ... جذلانَ فعلَ الشاربِ النشوانِ الجوُّ أرواحٌ تَفيضُ وأنفسٌ ... والأرضُ من رممٍ ومن أكفانِ عفتَ الأذى ونَهيتَ عن مكروهِهِ ... وأَمرتَ بالمعروفِ والإِحسانِ ورحِمتَ حتَّى الوحشَ في فَلَواتِها ... وحميتَ حتَّى الطيرَ في الأوكانِ ورثيتَ للشاكينَ من بلوائِهم ... فحملتَ ما حملُوا من الأحزانِ ومسحتَ دَمعَ النائحاتِ معزّياً ... فكففنَ عن نوحٍ وعن إِرنانِ ونسينَ من هَول الفجائع ما مَضى ... وسلَونَ بعد تعذُّر السُلوانِ شَرعٌ بُعثتَ بهِ , ودينٌ لم تَقمْ ... فيهِ لغير الواحدِ الديَّانِ بُوركتَ في دين المسيحِ وأَحمدٍ ... ومُدِحتَ في الإِنجيلِ والقُرآنِ الشرقُ معتزٌّ بفضلِكَ معجَبٌ ... والغربُ مُغتبِطُ بذكرِكَ هاني أملأ بحكمتِكَ المسامِعَ والنُهى ... واحكمْ فما شيءٌ سوى الإِذعانِ ما زلتَ من قبلِ المماتِ وبعدِهِ ... شيخَ النُهى وحكيمَ كلِّ زمانِ الأرضُ حافِلةُ كعهدِكَ بالأذى , ... والناسُ فَوضى , والحياةُ أماني الشباب والمشيب آثارُ عِينِكِ في الفُؤَادِ كُلومُ ... ترمي فَينفذُ سهمُها المسمومُ لا أنتِ ظالمةٌ , ولا بكِ قسوةٌ ... أنا في معارضةِ النبالِ مَلومُ ما لي أُخاطِرُ , والمنيَّةُ مثقلةٌ ... نجلاءُ أو كشحٌ أقبُّ هضيمُ

стр. 2164

أرمي فأخطئها وَيقرعُ سهمُها ... قلباً تشكُّ سوادَهُ فَيهيمُ باتت مغاضِبةً , وبثُّ كأننَّي ... من طول ما أَهذي بها محمومُ نامت , ولي عَيْنٌ تساقَطَ هدبُها ... سُهداً , وأُخرى دمعُها مسجومُ نَظرت فأغضبَهَا المشيبُ , وإِنَّهُ ... ذّنبٌ إلى البيضِ الحسانِ عَظيمُ إني , وإن ودّعتُ عهدَ شبيبتي , ... لأُسامُ حاجاتِ الصِّبي وأسومُ لي في الهوى كِبدٌ تذوبُ , ومهجةٌ ... حَرَّى , وقلبٌ مُوجَعٌ مكلومُ وسمُ المشيبِ بعارضَيَّ ظَلامةٌ ... شنَعاءُ سُنَّ لمثلِها التحكيمُ نَفذَ السنينَ عليَّ , وهيَ منيعةٌ ... كُثرٌ تظاهرَ سردُها الملمومُ ما زلتُ أدَّرعُ الحياةَ وأحتمي ... حتَّى استُبيحَ شَبابيَ المَظلومُ مُلْكٌ أحاطَ بهِ المشيبُ , فتاجُهُ ... رثُّ الجَلالِ , وعرشُهُ مَهدومُ تلهو الحياةُ بنا , ونلهو بالمُنى ... ومُنى النفوسِ وسَاوسٌ وهُمومٌ هيَ دولتانِ: فللشبيبةِ دَولةٌ ... تهوي , وأُخرى للمشيبِ تقومُ كلٌّ على حينٍ , وكلٌّ زائِلٌ ... إِنَّ الفناَء مواشِكٌ محتومُ بَيني وبينَ الأَربعينَ مَفازةٌ ... فيها لناجيةِ السنينِ رَسيمُ تهوِي بمخترقِ الدُّهورِ يحثُّها ... حادٍ بأسرارِ الدُّهورِ عليمُ حَمَلت إليّ من الغُيوبِ رِسالةً ... يُعيي المنجّمَ سِرُّها المكتومُ كَذِبَ المنجّمُ ليسَ يعلمُ ما طوت ... حُجُبُ الغيوبِ كواكبٌ ونُجومُ فَلئِن حَييتُ لأَعَلمنَّ خَفيَّها ... ولئِن قضَيتُ فنَّني لزعيمُ هزَمَ السلوُّ هوَى التي لم أَسلُها ... يومَ استقلَّ المهزومُ ناشدتُها أيَّامَ تَسمحُ لي ضُحىً ... فتكونُ صَيدي والظلامُ بَهيمُ أسمو لها والنجمُ في فَلَكِ الدُّجى ... حيرانُ يَغرقُ مرَّةً ويَعُومُ وأَشقُّ عنها الخِدرَ يهدرُ دونَه ... عَجِلٌ إلى حَدِّ الحُسامِ غَشومُ إِن تُنكري وَضَحَ المَشيبِ بلمَّتي ... فلقد تكون ولَونُها يَحمومُ أو تُعرِضي عنّي الغداةَ , فربَّما ... أعرضتُ عنكِ ومفرِقي ملثومُ بِيني كما بانَ الشَّبابُ , كلا كما ... شَجَنٌ لنفسي في الحياةِ مُقيمُ يا ساقِييَّ , وما قَرعتُ كؤوسَها ... إِلاَّ ليُقلِعَ همّيَ المركومُ مَا لي أُتابُعها , وقلبيَ ثائرٌ ... هيَمانُ تلفحهُ جوانحُ قيِمُ هل تعلَمانِ لما أُعالجُ شافياً؟ ... فلقد عَبيتُ , وإِنني لحكيمُ وشكيَّتي سَفَهُ الزَّمانِ , وأنَّهُ ... وغْدُ الحوادثِ والصروفِ لئيمُ أشكوهُ ما قصرَت يدايَ وفاتَني ... ما أبتغي من حاجتي وأرومُ ما لي سوى الإِصلاح من أربٍ , وما ... في شرعتي أَن يُحمدَ المذمومُ ألحقُّ حقٌّ لا سبيلَ لردِّهِ ... ولوَ أنَّ أفلاكَ السماءِ خُصومُ والناسُ عندَ خِلالِهم وفعالِهم ... ألوغدُ وغدٌ , والكريمُ كريمُ النفس الأبية ذكرتُ الهوى أيامَ يصفو فنَحتسي ... ويضفو الصّبَي عن جانبيَهِ فنكتسي نُقَضّي مُنانا مِن رياضٍ وأوجُهٍ ... ونَشفي صَدَانا من شِفاهٍ وأكؤُسِ لذاذاتُ عيشٍ صالحٍ كنَّ أنعُماً ... فأُعقبنَ من حدْثانِ دهرٍ بأبؤُسِ طَوينا بقاياها ففضت من الأسى ... بقايا قلوبٍ جازعاتٍ وأنْفُسِ خَلَتْ أربُعُ الأهواءِ إلاَّ من البِلي ... يُعفّي بها آثارَ مَلْهىً ومَجلسِ

стр. 2165

تَعوَّضتُ عنها بالياً بعد مونقٍ ... وبُدّلتُ منها مُوحشاً بعد مؤنِسِ ألا هلْ لأَيَّامِ الشبيبةِ رجعةٌ ... فأطمعَ في ماضٍ من العَيشِ مؤنِسِ تَمَتَّعْتُ من دَهري بظبيٍ مربّبٍ ... فقد عادَ يرميني بسِيْدٍ عَمَلَّسِ أقولُ لنفسي , والأسى يستثيريُها: ... مكانَكِ إِنَّ النفسَ بالنفسِ تأتسي ألم تَعلمي أنَّ الزمانَ بأهلهِ ... يدورُ , وأن الصَّفْوَ نغبةُ محتسِ؟ متى تطلبي ما ليسَ للجَّهر شيمةٌ ... تُعاقي عن الأمرِ المَرومِ وتُحبسي أجدَّكِ هل تقضين كلَّ لبُانةٍ ... بطول التمنّي , أو بطولِ التلمُّسِ؟ إذا الحاجُ لم تُقْدَرْ فليسَ بنافعٍ ... تقحُّمُ إِصليتٍ وإِقدامُ مُدْعسِ صرفتُ رجائي عن مطالبَ جمَّةٍ ... وليسَ الذي يرجو المحالَ بكيّسِ وعفتُ الدَّنايا , فاحتفظتُ بمنصبي ... وأبقيتُ عِرْضي طاهراً لم يُدَنَّسِ سجيَّةُ حُرِّ النفس لا متعرّضٍ ... لعوراَء يَبغيها ولا متمرّسِ كريمٍ متى ما يَعْدُ كَفَّيهِ مُنفسٌ ... يُدِلَّ بأغلى منهُ قدراً وأَنفَسِ وما فاتني غثنمٌ إذا عَفَّ مطمعي ... وعُرذيَ من سوءِ الأحاديثِ مَلبسي إذا ضرَّسَ اللؤمُ الوُجوهَ فشانَها ... بقيتُ ووجهي وافرق لم يُضَرَّسِ وما راعني إلاَّ حسودٌ يَعيبُني ... على ما يرى من طيبِ عُودي ومَغرسي لقد عجمَتني الحادثاتُ , فلم يَلِنْ ... مَجسّي على بُؤْس الحياة وملمسي أخوض الخطوبَ السودَ غير منكّبٍ ... وألقى المنايا الحمرَ غيرَ معبّسِ وأسمو إلى العاني أُفرّجُ هَمَّهُ ... إذ ما عَنتهُ كُربةٌ لم تُنَفَّسِ ولم تُخزِني في مشهدٍ ألمعيَّتي ... ولا خانني رأيي وصدقُ تفرُّسي ولستُ كساعٍ بالأَباطيل والرُّقى ... إلى الناس يُزجيها بِضاعةَ مُفلِسِ متى ما أقلْ قولاً فلسْتُ بكاذبٍ ... أًصادي بهِ نفعاً , ولا بِمُدلِّسِ تعوَّدَ مني الدهرُ شيمةَ فاضلٍ ... وما اعتدتُ منهُ غيرَ شيمةِ مومسِ كلانا على ما استنَّ جارٍ , ومن يُقَدْ ... إلى الشيمةِ العسراءِ يُعْصَ ويُشمسِ وأعلمُ أنّي ما حييتُ مُقَلّبٌ ... فؤادي وعيني في ضياءٍ وحَندسِ حفني بك ناصف هو من شعراء هذا العصر المجيدين , ولعله أكثر الأدباء إطلاعاً على تاريخ أدبيات اللغة. تولى القضاء زمناً فعرفه الناس عالماً متشرّعاً كما عرفوه شاعراً قديراً. على أنه يميل في غالب شعره إلى المباسطة فيوردها بقالب جيد منمق. على البحيرة سَلِ المَها بين إِفيانٍ ولُو زانِ ... ماذا فعلنَ بقلبِ المُغرمِ العاني؟ إِذْ كُنَّ في الفُلْكِ كالأقمارِ في فَلَكٍ ... يُشْرِفنَ فيهِ على ألعابِ نيرانِ فكم من الأرضِ سهمٌ للسماءِ , وكم ... سهمٌ تسدَّدَ لي من تحتِ أجفانِ يعلو البُحيرةَ من نيرانِها شَرَرٌ ... كزفرتي حين يجري مَدْمَعي القاني يذهبنَ بالفُلْكِ أيماناً ومَيسرةً ... فيها , ويَطرَبنَ من توقيعِ ألحانِ سِرْبٌ يُغنّينَ بالأفواهِ مُطربةً ... وَثُلَّةٌ بِرَباباتٍ وعيدانِ والوُرْقُ في الشاطئ الأدنى تجاوِبُها ... تُبدي أفانينَ شَدْوٍ بينَ أفنانِ عيون وعيون أرجِعُوا لي يا غِيدَ ماريمباد ... مُهجتي قبلَ عَوْدتي لبلادي إِنني قد شَدَدتُ رحلي وأهلي ... في انتظاري , فأطِلقُوا لي فؤادي

стр. 2166

ليتَني لم أزُرْ حِماكُم , فإِني ... في هواكم أضعتُ كلَّ رَشادي وبَراني الضَّنا , فصارتْ ثيابي ... فوق جسمي كمضربٍ ذي عِمادِ وأتاني السَّقامُ من حيثُ أبغي ... صحَّةً , وانهزمتُ قبلَ الجِلادِ حَدَّثوا أنَّ في حِماكم عُيوناً ... تَذرُ الناسَ ضامري الأجسادِ صَدَقوا , إِنّها عيونٌ ولكن ... كُحِلتْ منذُ خَلْقِها بسوادِ جنِّبوني ذكرَ العيونِ فقلبي ... في ارتعاشٍ من فعلِها وارتعادِ فهيَ كالكهرباءِ تُومي بلحظٍ ... فتدقُّ الأجراسَ في الأكبادِ إلى إسماعيل باشا صبري يوم تقلد وظيفة النائب العمومي لم يَنَلْها سواكَ من أهلِ مصرِ ... والمعالي بالخاطِبِ الكُفءِ تدري طَمَحَتْ أنفُسٌ إليها فصانت ... حُسنَها عنهمُ صيانةَ بِكرِ راوَدوها عن نفسِها فاستخفَّتْ ... بنُهاهُم , وقابلَتهم بهجرِ وابتغت كُفأَها فكنتَ رِضاها ... فهيَ شمسٌ جَرَتْ إلى مستقَرِّ أمضِ فينا القانونِ لا فرقَ فيهِ ... بين زيدٍ من الرعايا وعمرِو وانْصُرِ الحقَّ ما استطعتَ وأصلحْ ... أمرَهُ , إِنَّ نصرَهُ خيرُ نصرِ لا تكُنْ ليّناً فتُرمى بضُعفٍ ... لا ولا جافياً فتُرمى بكسرِ بين هذا وذاك نَهجٌ حميدٌ ... آمنٌ مَنْ يجوزُهُ كلَّ شرِّ مرآة القلب ودَّعتُ باريسَ وقلبي بها ... عند فتاةٍ حُسنها يفتنُ ترنو بمغناطيسِ أحداقه ... فتُجْذَبُ الأرواحُ والأعينُ الدرُّ من مَبْسِمها يستحي ... وإِن تثنَّتْ تَخجَلُ الأغصنُ الشيخ يغدو في هواها فتىً ... وفي حلاها يفصحُ الألْكَنُ يروقني في طبعها أنَّها ... صريحةٌ تُظهرُ ما تُبطنُ مرآةُ ما في قلبها وجهُها ... فكلُّ شيءٍ عندها مُعْلَنَ صورتُها تنطِقُ أنَّ الذي ... صوَّرها في صُنعهِ مُتِقنُ وصف قنا أرسلها إلى وزير الحقانية يشكره على ترقيته إلى وكالة محكمة قنا رَقَّيتَني حِسّاً ومعنى ... فَلِصُنْعِكَ الشكرُ المثنَّى وجعلتَ رأسَ الحاسدي ... نَ بمصرَ من قدميَّ أدنى أسكنتَني في بقعةٍ ... فيها غدوتُ أعزَّ شأنا أرِدُ المشارعَ سابقاً ... والسبقُ عند الوردِ أهنأ بَلَدٌ إذا حلَّتْ بهِ ... قدَماكَ قلتَ حللتُ حصنا جبلُ المقطَّمِ حولهُ ... متعطّفٌ كالنون حُسنا فخَّارهُ لَهَجَ الأنا ... مُ بمدحهِ يُسرى ويمنى يكفي لترويجِ الأوا ... ني أن يقال قِنا فتُقنى الدُّومُ فيهِ دائمٌ ... يَفني الزمانُ وليسَ يفنى والسدرُ كالرّمانِ , والجُمَي ... زُ كالبَيض المحنَّى قالوا شخصتَ إلى قِنا ... يا مرحباً بقِنا وإِسنا قالوا قِنا حرٌّ فقل ... تُ وهل يردّ الحُرَّ قِنَّا سرُّ الحياةِ حرارةٌ ... لولاهُ ما طيرٌ تغنَّى كلاّ! ولا زَهرٌ تبسَّ ... م لا ولا غُصُنٌ تثنَّى ها قد أمنتُ البردَ وال ... بُرَدَاَء , والقلبُ اطمأنَّا ووُقيتُ أمراضَ الرطو ... بة واستراقَ الريح وَهنا وأنامُ غيرَ مدثّرٍ ... شيئاً إِذا ما الليلُ جنَّا قد خفَّتِ النفقاتُ إذ ... لا أشتري صوفاً وقطنا وفَّرْتُ من ثمن الوقو ... دِ النصفَ أو نصفاً وثُمنا فإِذا بدتْ ليَ حاجةٌ ... في الغسلِ ألقى الماَء سخنا أو رُمتُ طبخاً أو علا - جَ الخبز ألقى الجوَّ فرنا عشْ في القُرَى رأساً ولا ... تسكنْ مع الأذنابِ مُدْنا

стр. 2167

واربأْ بنفسك أن تثرى ... مستمرئاً في العيش جبنا ودعِ الجزيرةَ والمها ... والجسرَ والظبيَ الأَغنَّا واسلُ الأغاني والغوا ... ني واسألِ الرحمانَ عَوْنا أبناء الحكماء أتقضي معي , إِن حانَ حَيني , تجاربي ... وَما نلتُها إِلاَّ بطُولِ عناء ويُحزِنني أَنْ لا أرى ليَ حيلةً ... لإعطائِها مَن يَستحقُّ عَطائي إذا ورَّثَ المثرونَ أبناَءهم غِنىً ... وجَاهاً , فما أَشقي بني الحُكماءِ! أمين بك ناصر الدين هو من أشهر شعراء سورية. مطبوع على الشاعرية , جواد القريحة ضليع من اللغة , متمكن من تاريخ الآداب. أما أسلوبه فمتين رشيق , بعي عن التصنع والتعقيد. يتفنن به حسب المواضيع التي يطرقها , ومواضيعه شتى. وأما معانيه فيتحدى فيها على الغالب معاني الشعراء الأقدمين ولكنه يلبسها حلةً جديدة شائقة. صدى اليأس آثرَ الدَّهرُ أن أعيشَ كئيبا ... بينَ قومي , وفي بلادي غريبا تنتحي قلبيَ الهمومُ دراكاً ... وإِليَّ الخطوبُ تُزْجي الخُطوبا حَسِبَ الدَّهرُ أنني مِن جَمَادٍ ... فرماني بالنائباتِ ضُروبا غيرَ أنَّ الأرزاَء ما أفقدَتني ... جَلَداً راسخاً وَعُوداً صليبا ضاعَ رأيي في مَنْ أرى حين أمست ... ألْسُنُ الناسِ لا تُطيعُ القلوبا تارةً أحسَبُ الحبيبَ بغيضاً ... وزَماناً أرى البَغيضَ حبيبا كم رأيتُ ابتسامةً فوقَ ثغرٍ ... ثمَّ عادت مِن بعدِ ذاكَ قُطوبا ولكَم بتُّ راضياً عن أُناسٍ ... حين أصبحتُ غادَروني غَضوبا ولكم قد وثقتُ بالبعضِ , لكن ... قد أبى الخُبْرُ أن أكونَ مُصيبا ينتحيني الأنامُ من غيرِ داعٍ ... ومتى أذعُ لا أُلاقِ مُجيبا يحسَبون الجميلَ أسوأَ صُنْعٍ ... والسجايا المُكَمِلاتِ عُيربا وَدَّ غيري دوامَ عصرِ شبابٍ ... بينما جئتُ أستحِثُّ المَشيبا حَبَّذَ الشَّيْبُ في دُجَى الشَّعْرِ صُبْحاً ... مُنبئاً أنَّ للحياةِ غُروبا لا تظُننَّ أنَّ في العيشِ طِيباً ... ضَلَّ مَنْ ظَنَّ في الخبائثِ طيبا وكفى بالشقاءِ طَلْقُ لسانٍ ... عن خطوبِ الحياةِ قامَ خطيبا أرقبُ النجمَ في الدياجي , وما مِن ... وَلهٍ بِتُّ للنُّجومِ رَقيبا غيرَ أني أرى لهنَّ خُفوقاً ... كفؤادٍِ يُحيي الظلامَ طَروبا ويَزيدُ النَّسيمُ قلبيَ حَرّاً ... مثلَ نارٍ بالرّيحِ زادت لهيبا وإذا ما رأيتُ إِشراقَ شمسٍ ... قلتُ يا ليتَهُ يعودُ مَغيبا إِنَّ سَتر الظلامِ يحجُبُ عنّي ... كلَّ شيءٍ أريدُهُ محجوبا يا هَزارَ الأراكِ إِنَّكَ أَوفى ... في الملذَّاتِ من سِواكَ نصيبا أنتَ تشدو على الغصونِ سروراً ... وأنا أجعلُ القريضَ نحيبا أنتَ تبغي البقاءِ في ظلِّ دَوْخٍ ... وأنا أبتغي الفناءِ القريبا لكَ في الطيرِ أوفياءُ , وإِني ... لم أجِدْ في الأنامِ إِلاَّ مُريبا يا هَزارَ الأراك لو كنتَ مثلي ... لاستحالَ الصُّداحُ منكَ نَعيبا ليسَ من طبعيَ الكآبةُ , لكن ... آثرَ الدهرُ أن أعيشَ كئيبا النحو في الشعر سأَلَتني عنِ التنازُع يوماً ... غادَةٌ بالجمالِ تَسبي وتُصبي قُلتُ إِنْ كان للتنازُعِ معنىً ... فَهْوَ ما بَينَ ناظرَيْكِ وقَلبي

стр. 2168

مناجاة صورة أراكَ يا رسمُ , لا تَنفكُّ مبتَسِمَا ... أذاكَ شأنُكَ أم ذَوقُ الذي رَسَما؟ تَستقبلُ الصُّبحَ جَذلاناً بلا سبَبٍ ... ولا يسؤُكَ أن تَستقبِلَ الظُّلَما سِيَّانِ عندَكَ: يومٌ كلُّهُ طرَبٌ ... وآخرٌ بسِماتِ الهمِّ قد وُسِما ولا يروعُكَ سيفُ الموتِ منصَلِتاً ... والخطبُ مندَفِعاً , والدَّهرُ مُنتَقِما كفاك يا رسمُ , فخراً أنَّ مثلَك لم ... يَنقُلْ لحاجتِهِ فوقَ الثَرى قَدَما كفاكَ عزّةَ نفسٍ أن تدومَ , ولا ... تأتيك مِنَّةُ إِنسانٍ قدِ احتكما لا ينطوي لكَ قلبٌ ما بقيتَ , عل ... حقدٍ , ولا يتعدَّى طبعُكَ الكَرما وأنتَ خيرُ نديمٍ للذينَ رأوا ... تجنُّبَ الناسِ أمراً يَدفعُ السأَما تَرعى لراسِمكَ العهدَ المتينَ , ولا ... أرى من الناسِ إِلاَّ مُخفِراً ذِمماً والحيُّ يَسقَمُ أحياناً , وأنتَ على ... أتمّ عافيةٍ لا تَعرفُ السَّقَما ويُدرِكُ الهَرمُ الإِنسانَ بَعدَ مدىً ... وأنتَ غضُّ شبابٍ آمِنٌ هَرَما وتهزُمُ الناسَ أرزاءٌ تروعُهمُ ... في حينٍ يرجِعُ عنكَ الرزءُ مُنهَزِما أراكَ تُفصِحُ عمَّا فيكَ من طربٍ ... وإِن عدِمتَ لِساناً ناطِقاً وفما سَلِمتَ يا رسمُ , من همٍّ ومن كدرٍ , ... وما على الأرض حَيٌّ منهما سَلِما يا ساهراً لم يَذُقْ ليلاً غرارَ كرىً ... وراقِداً لم يؤرَّقْ مُنذُ مَا رُسِما تُضاحِكُ الشمسُ منك الوجهَ مشرقةً ... ويلثمُ البدرُ ثغراً منكَ قد بَسما لكَ الطبيعةُ صفوَ العيشِ قد قَسَمَت , ... وضِدُّهُ وجزيلُ اليأسِ لي قُسِما كُنْ موضِعي وَلأْكُنْ رسماً , فذلك لي ... خيرٌ , وخُذْ فِكرتي والطِرسَ والقَلَما الابتسام عاشِقانِ التَقَيا فابتسَما ... وأذاعا للورى ما انكتما فتلا الناسُ على وجهَيهما ... ما احتوى القلبانِ من سِّرهما ظَهَرَتْ أسطرُهُ واضحةً ... حين لم يُمْسِكْ بَنانٌ قَلَمَا وأتى الشَّاعرُ , والشَّاعرُ لو ... راقَهُ منظرُ شيءٍ نَظَمَا واتسامُ الحبّ حلوٌ فانثنى ... واصفاً إيَّاهُ وصفاً مُحكَمَا هو في القلبِ سرورٌ عكَست ... فوقهُ العينُ شعاعاً فَنَمَا وعليها وعلى الثغرِ بدا ... مُعرِباً من شَغَفٍ ما أعجَمَا بل هو المرآةُ تبدو للفتى ... في مُحَيَّا مَنْ كَسَتْهُ السَّقَمَا فإذا ما وجهُهُ قابَلَها ... عادَ منها بضياءٍ مُفْعَمَا هوَ نورٌ ساطعٌ لكنَّهُ ... بين قلبيَ عاشقَين انقسمَا فإذا ما العينُ بالعينِ التقت ... حلوَلَ الجزآنِ أن يَلْتَئِمَا وإذا الوجهانِ ضاَءا فرَحاً ... تمَّ للجزئَينِ أن ينتظمَا هو في قلبِ المعنَّى ماسَةٌ ... رَخُصَ الدرُّ لديها قِيَمَا ولها أسني شعاعٍ كلمَّا ... جَذَبتْهُ نظرةً زانَ الفَمَا ينجلي مزدَهِراً , حتى إذا ... غضَّتِ الأبصارُ عنهُ أظلمَا كشعاعِ البدرِان إن حَدَّقَتِ ال ... عينُ فيهِ بالجفونِ التحما وإذا العينُ انقضى تحديقُها ... أبصرتْ ذاك الشّعاعَ انفصما هوَ برقٌ لامعٌ إن ملأَتْ ... كهرباءُ الحُبّ قلباً تُيِمَا زهرةٌ تبدو على الثغرِ ولم ... تكُ ضمنَ القلب إلاَّ بُرعما وقلبُ المغرمِ الصبّ على ... شفَتيهِ بالهوى قد رُسِمَا وضميرُ الغادةِ الحسناءِ في ... وجهها ساعةَ تَلقي المغرَما

стр. 2169

بل هو الحبُّ الذي قد ضمَّهُ ... كلُّ قلبٍ بالغَرامِ اضطرَما فتراهُ العينُ في العينِ إذا عاشقانِ التقيا فابتَسما نقولا رزق الله شاعر بالطبع , متصرف في فنون الشعر , جيد الحبك , رائق الحبك , رائق الأسلوب , مليح الديباجة , يرمي في شعره على اختلاف مواضيعه إلى حكمة بالغة أو عبرة اجتماعية. ينظم في كل وقت بين ترجمة رواية أو إنشاءِ مقالة أو إدارة عمل , فيكاد لا يجفّ لقلمه حبر , وهو مع ذلك لا يشكو مللاً ولا يبالي تعباً. الشعر والشعراء هل عَرفتُم لعَاشِقٍ ... عَشِقَ الأرضَ قلبُهُ والسماَء تقطَعُ البَرَّ منهُ لحظةُ عَينٍ ... حينَ يجتازُ فكرُهُ الجوزاَء يُصلحُ الحسنُ عندَهُ كلَّ خُلقٍ ... فيُسوّي الأَحياَء والأشياَء شَبَّ مُذْ شَبَّ عاشِقاً لا يُبالي ... حِكمةً كانَ عِشقُهُ أم خَطاَء عَشِقَ الرَّوضَ والغياضَ وأزها ... رَ الرَّوابي والأغصُنَ الخضراَء وصِغارَ النجومِ تَبدُو وتخفي ... والدَّراري والقبَّةَ الزَّرقاَء وفضاَء البحارِ , والسُّحبَ تحكي ... سُفناً تحتها تشقُّ الماَء وسكون الدُّجى كأَنَّ الكرى ألْ ... قى عليهِ معَ الظلامِ غطاَء هامَ بالغابِ زانَها الشَّجرُ العا ... لي وَزانَ الفضاَء والصَّحراَء يسمعُ الوحشَ والطيورَ فيهوي ... كلَّ صوتٍ كأنَّ فيهِ غِناَء أيُّ تاجٍ يُتوِّجُ الغابَ في ك ... لِّ صباحٍ يُزالُ عنها مَساَء دررٌ من أِشعَّة الشَّمس صِغتْ ... ملأَتها مَهابةً وبَهاَء وإِذا الشمسُ بالحِجابِ توارتْ ... تكتسي الغَابُ حلَّلةً سوداَء تحتَها تَنضوي الطيورُ فتُمسي ... دُونَها كلُّ جَنَّةٍ غنَّاَء إِنَّ في الغابِ للقَوافي عَروساً ... جَمَّةَ الحُسنِ تفتُنُ الشُّعراَء تَتراَءى فلا يَراها سِواهم ... وَهيَ ليست لغيرِهم تتراَءى ولذا يَرتجي مِنَ الزَّمَنِ الشَّا ... عِرُ لو أنهُ يُجيبُ رَجاَء عيشةً في الخلاءِ لا عيبَ فيها ... غيرَ أنْ ليسَ يسمعُ الضوضاَء حيثُ لا خُبثَ في الهواءِ ولا في ال ... تربِ والماءِ يجلبُ الأدواَء حيثُ لا رزقَ كلمَّا رَكَضَ المر ... ءُ مُجدّاً وراَءهُ يتناَءى فهْوَ ما بينَ خوفِ سَبقٍ وكدٍّ ... كغريقٍ يُصارِعُ الأنواَء لا تَطيبُ الحياةُ إِلاَّ لمن يه ... ربُ منها ويهجُرُ الأَحياَء ليتَ شِعري متى أرى شُعَراَء ال ... شرقِ يوماً بفضلِهِم أَغنياَء ورثوا مَن تقدَّموهم فنالوا ... شرَّ إِرثٍ مَذلَّةً وشَقاَء بين هجوٍ كالسبِّ أو هوَ أدنى ... ومديٍ تَعدُّهُ استجداَء عُوِّدوا الذُّلَّ فالكبيرُ كبيرٌ ... فيهمِ حينَ يَسأَلُ الكُبراَء ليسَ كالمالِ للقرائحِ سُمٌّ ... حينَ يلهو بَيعاً بها وشراَء إِنَّما الشعرُ للنفوس غذاءٌ ... أَفَسَدُوهُ فصيَّروهُ هذاَء يتبعُ الشِعرُ أهلَهُ فامتهاناً ... وابتذالاً أوْ عِزَّةً وإِباَء أيها الشَّاعِرُ , اتَّقِ اللهَ واذكُرْ ... أَنَّ للشِعرِ حِكمةً عَلياء كُنْ دليلاً إلى سبيلٍ سويٍّ ... ومَناراً يُبدِّدُ الظَلماَء ثمَّ لا تَنْسَ موطِناً كان يوماً ... لكَ كالأُمِّ نِسبةً ونَماَء فاحترمْ عهدَهُ وعهدَ بينهِ ... ثمَّ عَلّمْهمُ كذاك الوَفاَء

стр. 2170

عَلّمِ الشعبَ أنَّ للشعبِ ديناً ... يَمنَحُ النفسَ قُوَّةً ورَجاَء قُلْ لهُ إِنَّهُ كذلك حُرٌّ ... يعبدُ اللهَ مُطلقاً كيفَ شاَء خُلِقَ الدّينُ رَحمةً؛ غيرَ أنَّ ال ... ناسَ كانوا لبعضِهم أَعداَء هَدَموهُ سِرّاً , وشادوهُ جَهراً ... وأقاموا منهم لهُ رُؤَساَء فانبرى بعضُهم عَدوّاً لبعضٍ ... يخدعونَ الجُهَّالَ والبُسَطاَء عمرَك اللهَ ليس أعجَبُ أمراً ... من رُؤوسٍ تُهشِّمُ الأعضاَء ليسَ هذا القريضُ إلاَّ حديثَ ال ... رُوحِ أوحتْ بنظمِهِ إِيحاَء فَتملَّكْ بهِ العواطِفَ , وأملأ ... كلَّ نفسٍ فَضيلةً وعَلاَء واتَّخذْهُ إلى القلوبِ سبيلاً ... وتَلطَّفْ تصَطدْ بهِ العَنقاَء لا تُهاجِمْ بهِ عَفافَ العذَارى , ... لا تُضِلَّ الأحداثَ والضُعَفاَء لُذْ برأيِ الجمهورِ في كلِّ صَعبٍ ... وَصُنِ العدلَ وارحمِ البُؤَساَء لا تَصفْ أيَّ حالةٍ قبلَ أن تد ... رسَ منها الأَفعالَ والأسماَء لا تُقلِّد فيهِ ولا تتكلَّفْ ... في لمعاني مَشقَّةً وعَناَء قُلْ سَلامٌ على القديمِ , ودَعْهُ ... فكفانا نُقلِّدُّ القّدَماَء وتعلَّمْ إذا رأيتَ دَعِيّاً ... كيفَ تَعمى عن أن تَرى أدِعياَء وتَجلَّدْ لصنعةٍ مَنَح اللَّ ... هُ ذَويها تجلُّداً وعَزاَء لهوىً في نفوسِهمْ زاوَلوها ... وكذا اللهُ يخلقُ الأهواَء عَشِقُوها فأسكَرتْهم زماناً ... ثمَّ ماتوا من سُكرِهم فُقراَء فهمُ كالشّموعِ نفَنى احتراقاً ... وهُمُ كالشُّموعِ تُلقي ضِياَء رحِمَ اللهُ مَن مَضى , ولنُفاخِرْ ... أنَّ للعلمِ عندنا شُهَداَء كرامة المرأة يا رَبَّنا أجِرِ العذارى ... مِنْ كَيْدِ مَنْ خَلَعَ العِذَارا أجِرِ الحسَانَ السَّاذجا ... تِ ونجِّ الأحداثّ الصِّغَارا من كلِّ فَظٍّ في السما ... جةِ والوقاحةِ لا يُبارَي سكرانَ سكرَ جهالةٍ ... ولربَّما شَرِبَ العقارا ألِفَ القبيحَ , فما يُبا ... لي أن يجرَّ عليهِ عارا يمشي ويَثنى عطفَهُ ... وكأنَّ في عينيهِ نارا أو يغتدي متقلَِّدا ... خُلُقاً ووجهاً مُستعارا وإِذا رأى منهنَّ وا ... حدةً تبسَّمَ أو أشارا أو راحَ يتبعُها ويأ ... ملُ أن يزورَ وأن تُزارا حتَّى يطوفَ ببيِتها ... ليلاً , ويرصدَهُ نهارا ما أوفرَ العثّراتِ لل ... غاداتِ , وُقِّيَت الِعثارا من كلِّ سافرةٍ تودُّ ... لوَ أنها اتخذتْ سِتارا كي لا ترى ثقلاَء ين ... بو عنهمُ الطرفُ احتقارا وخريدةٍ , لولا الخما ... رُ , حياؤُها كان الخمارا تمضي لحاجتِها , ولا ... ترنو يميناً أو يَسارا لا سَمْعَ تُلقيهِ إلى ... ما قيلَ سِرّاً أو جِهارا هيَ واللواتي مثلها ... يفعلنَ ذاك ولا فَخارا يحَسبْنَ تطرئةَ الوجو ... هِ على محاسنها شنارا أُولاءِ ربَّاتُ الفضا ... ئلِ قد رفعنَ لها منارا لكنْ مِنَ الغاداتِ مَن ... لا اسماً يَصُنَّ ولا إِزارا أُولِعنَ بالأسواق فه ... ي لهنَّ ما بَرِحَتْ مَزارا يمشينَ فيها , لا حيا ... َء , ولا احتشامَ , ولا وقارا متأوِّداتٍ كالقنا ... مترنِحاتٍ كالسُّكارى يُبرزنَ أجياداً كأَج ... ياد الظباءِ ولا نفارا وترائباً لَصِقَ المش ... دُّ بجانبَيها واستدارا

стр. 2171

أو يرتدينَ ملابساً ... شفَّافةً عمَّا توارى ويُجِلنَ في مَن حولَه ... نَّ لواحظاً ترنو حَيارى خلاَّبةً في قلب عا ... شِقِهنَّ يُضرِمنَ الأُوارا ولقد يكنَّ عقائِلاً ... يُولينَ ذا الجهلِ اغترارا أشكالهنَّ المصْيبا ... تُ تُثيرث في لنفسِ المثارا تُغري بهنَّ المستها ... مَ فؤادُهُ والمُستطارا يا من تليقُ بها الكرا ... مةُ حاذِري ذاكَ الصَّغارا صوني جمالاً طالما ... أولاكِ تيهاً وافتخارا لا كان حُسنٌ فيكِ لم ... يكثنِ العفافُ لهث شعارا أنتِ وهنَّ أنا أُسعدتُ مرَّةً في حياتي ... بالهوى , وادَّعيتُهُ مرَّاتِ كانَ قلبي كطائرٍ يتغنَّى ... هائماً في مسارح الجنَّاتِ خاطراً بين أغصُنٍ وقدودٍ ... طائراً بين أنفُسٍ طائراتِ ثَملاً كأسُهُ من الوَرَق الأخ ... ضرِ ملأَى من الندى قَطَراتِ يجتلي ما يروقُ من زَهَرِ غضٍّ ... ويَجني ما طابَ من ثمراتِ كان في قلبي رُوحاً يرفُّ على الما ... ءِ ويَسري كألطفِ النَّسماتِ فيُجاري على هواهُ الجواري ... ويُناجي بِحُبّهِ السابحاتِ سابحاً يرتمي ببحرٍِ أجاجٍ ... لاهياً يرتوي بعذبٍ فُراتِ ذاكراً فيهِ قولَ مَن قالَ: إِنَّ ... الحُبَّ كالماءِ كان أصلَ الحياةِ إِنَّ قلبي الصغيرَ يكبرُ إِن هبَّ ... تْ عليهِ عواصفُ النَّكَباتِ ريشةُ الطائرِ المحلّقِ في الج ... وّ ومَرْسى شوامخِ الرَّاسياتِ كان حُرّاً يجولُ ما بين أسرى ... بشباكٍ لمثلهِ قابضاتِ هازئاً بالقلوب يُورثها الذُلَّ ... هوىً صائدٌ بلحظِ مَهاةِ حامَ حومَ الفَراش حول لظى ... الحبّ ولكن لم يُكوَ بالجمَراتِ مستضيئاً بالنارِ يعشو إليها ... وَهْيَ نارٌ تُضيءُ كالمشكاةِ أيها القلبُ كنتَ بالعشق تلهو ... كنتَ تلهو بسيّد الكائناتِ كدتَ تحكي الجمادَ لولا دمٌ كال ... قِدْرِ يَغلي على مدى الأوقاتِ كدت تُلقي السلاحَ شأن كميٍّ ... لم يَجِدْ قَطُّ مثلهُ في الكُماةِ لَستَ يا قلبُ في الندامى إذا دا ... رت كؤوسُ الهوى ولا في السُّقاةِ غير كأسٍ رمتكَ بين السكارى ... وازَنَتْ سكرةٌ بها سكَراتِ من لحاظٍ تفيضُ في النفس نوراً ... كشعاعٍ يمرُّ في ظُلُماتِ أيُّ سرٍّ ناجى بهِ الطرفُ قلبي ... كتمتهُ نواهبُ اللَّحَظاتِ بين ألحاظِها وبين فؤادي ... خافياتٌ مكتومةٌ عن ذاتي أَلقِ دِرعاً لبسته فهو لا يم ... نعُ سهماً ترميهِ عينُ فتاةِ حينما يخلَعُ الجمالُ عليها ... حللاً من محاسنٍ فاتناتِ حين يبدو فجرُ الشباب وتغدو ... بنتُ حوَّاَء آيةَ الآياتِ فتريكَ الجمالَ والطهرَ في أب ... دعِ ما صَوَّرَت يدُ النحَّاتِ في قَوامٍ مهفهفٍ ومحيّاً ... كامِل الحسنِ كاملِ الحسَناتِ يتجلَّى فيهِ العَفافُ ضياءً ... ساطعاً ضمنَ هالةٍ من حياةِ طالما نازعتْ عليهِ قلوبٌ ... أعيُناً من جمالهِ ناهباتِ رَبِّ , إِن الجمالَ نُورٌ ونارٌ ... لحياةٍ قدَّرتَهُ ومَماتِ أنتَ سلَّطتَهُ علينا فقامت ... فِتَنٌ للعيونِ والمُهجاتِ ربِّ , هذي قلوبُنا تتشاكى ... فأجِرْها من الجمالِ العاتي فَتَنَتْنِي سمراءُ كالفجر لولا ... أنها تنجلي بلا ميقاتِ لَوْنُها مثلُ لَوْنِه حينما تن ... جابُ عنهُ غياهبُ الظلُماتِ

стр. 2172

وتقومُ الأَطيارُ تخطبُ في الرو ... ضِ على منبرٍ مِنَ الشجَراتِ وتظلُّ الأَطيار ترنو إليها ... مبصراتِ الأحداقِ أو مُصغياتِ زهَّدَتني في البيضِ والسُّمرِ عينا ... ها وما فيهما من العاطفاتِ قالتا لي , فكان ما قالتاهُ ... لغةَ الحبّ , وهيَ أمُّ اللغاتِ هيَ حلَّتْ قَيداً لفكري وعقداً ... من لساني , وأَطلقت كلماتي خامَرَ الحبُّ قلبَها مثلما خا ... مرَ قلبي , فأنصَتَتْ لشكاتي عنّفتني على التغزُّل والتش ... بيب في غيرِها من الغاداتِ ذكَّرتني قصائدي في الغواني ... وَمُناجاتهنَّ في أبياتي ثم قالت: مَنْ هندُ تلك التي تخ ... لو بها في مكامنِ الغاباتِ؟ أو تُؤَدي إليك منها رسالا ... تِ الهوى خَطْرةٌ من النَسماتِ واللواتي علقنَ طرفَكَ بالنجمِ ... فأمسيتَ ترصدُ النيّراتِ؟ كلَّ يومٍ يوحي إليك جمالُ ... بسلامٍ عليهِ أو بصلاةِ قلتُ: لا عذرَ لي سوى أنني الشا ... عرُ يُوحِى إليهِ بالآياتِ هِمْتُ في عالم الخيال إلى أن ... أرشدتني إلى الهوى خَطَواتي بتُّ أهواكِ بعد ما عَجَمَ الده ... رُ زماناً عُودي وهزَّ قناتي إنَّ هنداً عروسُ شعري وبنتٌ ... ليراعي وخاطري ودواتي هيَ دلَّتْ عليكِ قلبي كما دلَّ ... على الزهرِ عاطرُ النفَحاتِ واللواتي شاغلنَني , رُحنَ منّي ... يائساتٍ , فلا تقولي اللواتي ما عشقتُ الجمالَ حين تجلَّى ... فيكِ لكن عشقُ حسنَ الصفاتِ ما أرتكِ المرآةُ وجهَكِ إلاَّ ... وأراني النعيمَ في مِرآةِ نحن رُوحانِ بالغَرامِ اتَّحدنا ... لا قضى الدهرُ بيننا بشتاتِ ليتَ من حظنا الخلودَ لتبقى ... آيةُ الحبِّ آيةً للحياةِ إلياس فياض شاعر يتدفق شعره طبعاً وسلالة , لطيف التخيل , واضح المنهج , شائق اللفظ , ليس في نظمه تعسف ولا تعمل ولا غموض , كأنما استعمار شعره ونقاوة ألفاظه من صفا باله , ونقاوة قلبه. نظم في أكثر مواضيع الشعر فأجاد , وترجم جملة حسنة من الروايات فكان نثره كشعره من السهل الممتنع. النسيم العاشق هذه قِصَّةٌ جَرَتْ لنسيمِ ال ... روضِ فيما مضى مِن الأزمانِ وَرَدَتْ في كتابِ سِخرٍ قديمٍ ... خطَّهُ فكرُ ساحرٍ شيطانِ لم يكنْ قادِراً على فَهمِ معنا ... هُ سوى شاعرٍ لَعوبِ المعاني وُجِدَ الشعرُ حينما وُجدَ السِحْ ... رُ شقيقَينِ ليس يَفترِقانِ قيل إِنَّ النسيمَ قد كان يوماً ... يتمشَّى على رُبى لُبنانِ كتمشي المُصطافِ لا شغلَ يدعو ... هُ سوى حُسنِ منظرِ الوديانِ هائماً لا يَقرُّ منهُ قرارٌ ... من مكانٍ يميلُ نحو مكانِ تارةً يلثمُ الزُّهورَ , وطوراً ... يرتمي في معاطِفِ الأغصانِ إذ أتى منزلاً عظيماً لشيخٍ ... من شيوخ القُرى رفيعِ الشانِ فانبرى داخلاً إليهِ من الكوَّ ... ةِ وثباً من غيرِ ما استئذانِ ثّمَّ بنتٌ للشيخ تغزلُ صوفاً ... وهي في مأمنٍ من الحَدَثانِ تَغزلُ الصوفَ كفُّها , ولها جف ... نانِ بالسحرِ والهوى غَزِلانِ عبَثَ الزائرُ الجسورُ بشَعرٍ ... ناعمٍ فوقَ رأسِها الفتَّانِ فتدلَّتْ أطرافُهُ الشُّقْرُ مِن فو ... قِ عيونٍ سُودٍ وخَدٍّ قانِ ورأَى صاحبي النسيمُ جمالاً ... ما رآه من قبلُ في إِنسانِ

стр. 2173

فغدا شاخِصاً إِليها , مُديماً ... نحوَها نظرةَ الفتى الحَيرانِ ذلك الأَهوَجُ الخفيفُ المُرائي ... ألقليلُ الثباتِ في كل شانِ فاضحُ العاشِقينَ , ناشرُ أسرا ... رِ الهوى بينَ كلّ قاصٍ ودانِ أصبحَ الآنَ بابنةِ الشيَّخ صَبّاً ... مُستهاماً بحُبِّها مُتفاني عاشِقٌ لا يُرى , ويكفيهِ منها ... أن يَراها في كلّ حالٍ وآنِ حيُث كانت يكونُ: في البيتِ أو في ال ... رَّوِ , بين النسرِينِ والريحانِ كلُّ شيءٍ منها يراهُ , فما تخ ... جلُ منهُ وليس بالخجلانِ همُّهُ كلُّ همِّه أن يراها ... في سرورٍ وغبطةٍ وأمانِ جاعلاً نفسَهُ كما تشتهي بَرْ ... داً فحرّاً على اختلاف الزمانِ فإذا اللَّيلُ كانَ ليلَ شتاءٍ ... يَخزُ البرْدُ فيهِ وَخْزَ السِّنانِ صار حالاً إلى هواءٍ لطيفٍ ... فاترٍ وفْقَ نسبةِ الميزانِ وإذا اليومُ كان يوماُ شديداً ... يَلذَعُ الحرُّ فيهِ كالنيرانِ جاَءها كم ذُرى الجبالِ بنفحٍ ... مُنعشِ الرُّوحِ , منعشِ الجثمانِ وإِذا استَشْعَرَ انقباضاً بها يو ... ماً مضى مُسرعاً إلى البستانِ وأتاها من الطيورِ الشوادي ... بأرقِّ الأنغامٍ والألحانِ وإذا الفصلُ كان فصلَ خريفٍ ... وغدا الرَّوضُ مثلَ وجهِ العاني وخلا خِدْرُها من الزَّهرِ: من ور ... دٍ ومن نرجسٍ ومن أُقحوانِ سارَ خلفَ الفراشِ في الحقلِ يَجني ... هِ , كما تُجتَنَى زهورُ الجِنانِ وأتاها منهُ بباقاتٍ حُسنٍ ... مُدهشاتٍ من سائرِ الألوانِ من عقيقٍ ولا زَوَردٍ وياقو ... تٍ وتبرٍ وأبيضٍ كالجُمانِ تتجارى في خِدرِها طائراتٍ ... لامعاتٍ الجناحِ كالعقيانِ وإِذا كان في يدَيها كتابٌ ... دَرْسُهُ مُحوجٌ إِلى الإِمعانِ وانتهت من تلاوة الوجهِ منهُ ... ثمَّ همَّتْ بدرسِ وجهٍ ثانِ فتراهُ بنفخةٍ قَلَبَ الوجهَ فلي ... سَتْ تحتاجُ مدَّ البنانِ ولكم وقفةٌ لهُ ليس تُنسَى ... عندَ ذاك السريرِ ذي الأركانِ وقدِ استحوَذّ النعاسُ عليها ... وتولَّى الكَرى على الأَجفانِ يجتلي حُسنَ معصمَينِ أضاءا ... فوقَ مَلمومِ صدرِها الملآنِ ولكم زَحزَحَ الستارَ , وأدنى ... ثغرَهُ فوقَ ثغرِها الظمآنِ فرواها كما ارتوى , دون أن تخ ... جَلَ منهُ وليس بالخجلانِ هكذا عاشَ في هواها زماناً ... ناعمَ البالِ خاليَ الأَشجانِ حاسباً أنَّ للصفاءِ دواماً ... هل دوامُ الصفاءِ بالإِمكانِ؟ وَدّعِ الحبَّ يا نسيمُ , فقد جا ... َءك خصمٌ أقوى إلى الميدانِ جاء مَنْ يَخطبُ الفتاةَ فتىً في ... عصرِهِ كانَ أبسطَ الفتيانِ ما لهُ ميزةٌ على من سواهُ ... غيرُ مالٍ يَفيض كالغدرانِ غرَّها كثرةُ الحلي , فمالت , ... وقديماً تهوى الحليَّ الغواني رضِيَتْهُ بعلاً , فيا خيبةَ الآ ... مالِ م ذلك المحبِّ العاني آهِ! مهما يكُ النسيمُ لطيفاً ... طَيِّبَ النَّشرِ عاطرَ الأردان كيفَ يَسطيعُ صدَّ مالٍ وجاهٍ ... وحُليٍّ بهيَّةِ اللَّمَعانِ لَهْفَ قلبي عليهِ! بعد مزيد ال ... عزّ يُمسي في ذلَّةٍ وهوانِ واقفاً خلفَ كوَّةِ البيتِ يشكو ... بأنينٍٍ كأنَّةِ الثكلانِ ولهُ كالحَمامِ طوراً هديلٌ ... وفحيحٌ آناً كما الثُّعبانِ

стр. 2174

ولكَم حدَّثَتهُ بالشّرِ نفسٌ ... ما لها بالشُّرورِ قبلُ يدانِ فابتغى أن يصيرَ عاصِفَ ريحٍ ... هادِماً بيتَها على السكَّانِ ولَدُنْ وافتِ الكنيسةَ بالمو ... كبِ تبغي إِتمامَ عقدِ القرانِ عيلَ صبراً , فثارَ ثورةَ ليثٍ ... وأَثارَ الغُبارَ ملَء العيانِ وانبرى للشموعِ يُطفِئُها غي ... ظاً ولم يحترمْ جلالَ المكانِ زادَ حِقداً , فرامَ تجفيفَ ما في ال ... كأس حتى تبقى بلا قربانِ ومُديرُ الناقوسِ ممَّا اعتراهُ ... أسمعَ الناسَ دقَّةَ الأحزانِ كلُّ هذا لم يُجدِ نفعاً , وتمَّ ال ... عرسُ رغماً عن ذلك الهَيجانِ فمضى هائماً على وجههِ وال ... صدرُ يغلي بالحقدِ كالبُركانِ ساحَ في الأرض , مثستغيثاً ملوك ال ... ريحِ من كلّ صادقٍ مِعوانِ بين هيفٍ وزعزعٍ ودَروجٍ ... وسمومٍ وعاصِفٍ مِرنانِ ثمَّ وافى من بعدِ عامَينِ في جي ... شٍ خضمٍّ يموجُ كالطَّوَفانِ خارِباً في طريقِهِ كلَّ ما م ... رَّ عليهِ من عامرِ البلدانِ وصلَ البيتَ , وهو يحسبُ أن يَذ ... ريَهُ في الهواءِ مثلَ الدُّخانِ إِذ رأى في جوانب الدارِ مَهداً ... فيهِ طفلٌ يبكي بغيرِ بيانِ ولدى الطفلِ أُمُّهُ , وهي من خو ... فٍ عليهِ شديدةُ الخفَقانِ فتلاشَتْ قواهُ , وانتصر الح ... بُّ عليهِ والحبُّ ذو سلطانِ فجثا قُربَ طفلها , آخذاً عن ... ها يهزُّ السريرَ كالغلمانِ صدَّ عني صدَّ عني ولا عَجَبْ ... كلُّ شيءٍ لهُ سَببْ ذهبتْ ساعةُ الرّضي ... وأتتْ ساعةُ الغضبْ مستبدٌّ بحُكمهِ ... فأنا مثلُ ما أَحبّْ تارةً صاحبُ المُنَى ... تارةً صاحبُ الكُرَبْ فَلِقاءٌ بهِ الهنا ... وَفِراقٌ بهِ التَّعبْ كلُّ ذنبي لأنَّ لي ... فيهِ صدراً قد التهبْ ولأني عشقتهُ ... باردَ القلبِ والشَّنَبْ ليالي الصيف في مصر أذاعَ في مصرَ رسولُ البِشْرِ ... أنَّ ذُكاَء غَرِقَتْ في البحرِ فَطَلَعَ البدرُ ضَحُوكَ الثغرِ ... وأقبلَ النسيمُ لطفاً يسري وصَفَّقَتْ فَوْزاً مياهُ النهرِ وبلغَ الرياضَ ذاكَ الخَبَرُ ... فاهتزَّ إِعجاباً وماسَ الشَّجرُ وابتهجَ النّورُ بها والثَّمرُ ... والزُّهرُ من فوقُ إليها تنظرُ ترى خيالَ ذاتِها في الزَّهرِ ومن عجيبٍ أن تَرَى الطبيةْ ... تُظهِرُ ذي الشماتةَ الفظيعةْ بالشمسِ وهي أُمُّها البديهةْ ... وَرَبَّةُ الكَلِمةِ المسموعةْ تُطيعها في نهيها والأَمرِ لكن بمصرِ ليسَ بالعجيبِ ... وقوعُ هذا الخطأِ المعيبِ فكم بها من حادثٍ غريبِ ... والشمسُ فيها أحدُ الخطوبِ في الصيفِ فهي أصلُ ذاك الحّرِّ أُنظرْ فَبَيْنا الدُّورُ والقصورُ ... ليسَ بها حسٌّ ولا شعورُ صامتةٌ كأنها قبورُ ... قدِ انبرَت بأهلِها تَمُورُ وانْفَرَجَتْ عِقْدَةُ ذاكَ الحَصْرِ أطلَّتِ الغِيدُ من الخدورِ ... كأنها الأقمارُ في سفورِ يخطونَ في الدِّمَقْسِ والحريرِ ... مِن كلّ ظبيٍ أغَيدٍ غريرِ مُهتضمِ الكشحِ دقيقِ الخصرِ وخرجَ الناسُ إلى الساحاتِ ... يغتنمونَ فُرَصَ اللذَّاتِ وارتفعت طَقطقةُ الساحاتِ ... من جعةٍ تُحسي ومن جلاَتِ مبرّداتٍ مُنعِساتِ الصَّدرِ تَنَفَّسَ الحيُّ ومنذُ حينِ ... كان يُعاني غًصَصَ المَنونِ

стр. 2175

مُنطرِحاً في ذلك الأتونِ ... فلم يكن يا ليلُ من مُعينِ سِواكَ للخلاص من ذا الأَسرِ يا أيها العبدُ الجميلُ الأسودُ ... أنتَ لنا المولى ونحنُ الأَعبُدُ بل أنتَ في مصرَ إِلهٌ يُعْبَدُ ... ففيكَ طابت مُهَجٌ وأكبُدُ أوْدى بها لولاكَ صيْفُ مصرِ لأجلِ هذا قد تغنَّى المنشِدُ ... باسمكَ كلَّ ساعةٍ يُرَدّدُ يا ليلُ! ليتَ الصبحَ ليسَ يُولَدُ ... وليتَ كلَّ أبيضٍ يا أسودُ فداءُ هاتيكَ الثنايا الغُرِّ يا صاحِ , فاسْلُ هذهِ النَّوادي ... حافلةَ القاعاتِ بالقُصَّادِ إن رُمْتَ تَشفي غِلَّة الفؤادِ ... فاقصدْ معي ضِفافَ ذاك الوادي حيثُ أبو الخيراتِ ظلَّ يجري يا حبَّذا النّيلُ على ضوءِ القَمَرْ ... وحبَّذا الغبوقُ فيهِ والسَّحَرْ ركبتُهُ كأنني على سَفَرْ ... في ليلةٍ ما عابَها غيرُ القِصَرْ كذلك الصفوُ قصيرُ العمرِ مَعَ غزالٍ من بني الإِفرنجِ ... مُهفهفِ القدِّ كثيرِ الغُنْجِ ينظرُ عن سودٍ صِحاحٍ دُعجِ ... وجدتُ فيها كلَّما أُرَجّي من روضةٍ وخمرةٍ وشعِرِ والريحُ تسري حولَنا بليلا ... تبلُّ من صدورِنا الغليلا كأنها آسٍ أتى عليلا ... وقدِ أبحناها اللَّمى تقبيلا فما اكتفت بل عَيَثَتْ بالشَّعْرِ والنّيِلُ يجري تحتَنا غزيرا ... تهزُّنا موْجاتُهُ سرورا كما تهزُّ غادةٌ سَريرا ... قد نامَ فيهِ طفلُها قريرا في مأمنٍ من عادياتِ الدَّهرِ والبدرُ تلقى وجههُ في الماءِ ... سبائكاً من فضَةٍ بيضاءِ تلمعُ إِذ تموجُ بالهواءِ ... كأنها السيوفُ في الهيجاءِ ما بين كرٍّ دائمٍ وفَرّ والأُفقُ زاهٍ بالنجومِ الغُرِّ ... كأنها لآليءٌ في نحرِ جاريةٍ من الجواري السُّمرِ ... أو ياسمينٌ لاحَ في مخضرِّ رَوضٍ تَرَوَّى من جُموعِ الفجرِ وللنَّخيلِ منظرٍ مهيبٌ ... تُراعُ في جَمالهِ القلوبُ فوقَ الضفافِ ظلُّها رهيبُ ... صفّاً بصفٍّ زانَها الترتيبُ مِن كلِّ جبارٍ عظيمِ القَدَرِ تحسَبها مَرَدَةً طوالا ... تحتَ مظلاَّتٍ زَهَتْ جَمالا في النيل جاءت تبتغي اغتسالا ... سَحَرَها النيلُ فلن تَزَالا واقفةً هنا بفعلِ السِحرِ والذهبيَّاتُ بهِ جوارِ ... بين صُعودٍ فيهِ وانحدارِ تبدو لنا زاهيةَ الأنوارِ ... كأنها لوامعُ الدَّراري سابحةً فوقَ عبابِ الغَمرِ وللشواطئِ لنا تردُّدُ ... فتارةً ندنو وطوراً نبعدُ وللمياهِ حولَنا تنهُّدُ ... وزَفَرَاتٌ نحوَنا تُصَعَّدُ والرّيحُ في الشّراعِ ذاتُ نَقْرِ فلا نملُّ الضمَّ والتقبيلا ... وقد رَجونا الليل هذا ونحنُ نتبعُ الأُصولا ... في الحبّ لا نبغي بها بديلا فحبَّذا لو دامَ طولَ الدهرِ وكانتِ الأكوانُ في هُجوعِ ... من حوِلنا باديةَ الخشوعِ والزُّهرُ في السماءِ كالشُّموعِ ... قد أُوقدت لعرسِنا البديعِ والليلُ قسّيساً لعقدِ السرِّ فبينما نحنُ كذا سُكارى ... وقد خلعنا في الهوى العِذَارا إذِ الصباحُ قد نضى البتَّارا ... وضَرَب الليلَ بهِ فدارا وانسكبت دماؤُهُ كالخمرِ فراغنا مشهدُ ذا القتيلِ ... وامتنعَ الحبُّ عن التقبيلِ تهيُّباً للحادثِ الجليلِ ... فعدتُ مَعهُ لا أرى سبيلي غيظاً على الصباحِ ربِّ الغدرِ
следующие страницы →