Полный текст (2 201 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
أليست اللغة العربية هي التي أوحت إلى شاعرها أن يقول بلسانها:
كلامي عقار عتقت تم وروقت ... وبعض كلام العارفين عصير
إذا ظهرت يوماً بزاة خواطري ... فما لعصافير الطريق صفير
وهي التي وصفها الآخر بقوله:
ذكرت فصغرها العذول جهالة ... حتى بدت للناظرين فكبرا
٣ - المدارس - المدارس القديمة في العالم من زمن الفلاسفة اليونان، ومن أقدم ما قام عند العرب منها كلية القيروان في مدينة فاس عاصمة بلاد المغرب في أفريقية، أسست في القرن التاسع للميلاد ونشرت العلم في أوروبا، ثم الجامع الأزهر سنة ٣٥٩ هجري (٩٧٠م) والمدرسة المستنصرية في بغداد سنة ٦٣٠ هجري (١٢٣٣م)، فضلاً عن مدارس هارون الرشيد في بغداد والمدن الشرقية ومدارس الأندلس في قرطبة وغيرها من المغرب. ومدارسنا الحاضرة قلما تعتمد في تدريسها العلوم على اللغة العربية بل تدرسها بالإفرنجية وهذه ضربة قاضية بإماتة اللغة وتوقيف نموها والإجهاز عليها، لأن اللغة أشبه بشجرة، تقطع بعض فروعها، وتنبت عساليج جديدة وتؤبر (تطعم) ليتم خصبها. فالأولى بنا أن ننقل العلوم العصرية على اختلافها إلى لغتنا العربية فتتوسع اللغة ألفاظاً وتكثر الأوضاع فيها ويشتد أزرها. وإن قيل إن دون ذلك عقبات تعترضنا، فقل إن المرء من مهد العوائق وذلل المصاعب. فهذه كتب مطبعة بولاق في أول عهدها، وكتب المدرسة الكلية الأمريكية في بيروت في بدء نشأتها، شاهد على سهولة التعريب ووضع الألفاظ للمسميات الغربية في العلوم الطبية والرياضية
стр. 387
والطبيعة، يساعدنا على ذلك الاشتقاق والنحت في العربية وهما من أمتن دعائمها للمتأمل المحقق. وربما أعجزنا وضع كلمة عربية لمسمى إفرنجي فيكفي أن نبقيه على أصله بعد تقريبه من الصيغ العربية كما فعل المعربون في عهد الدولة العباسية وما بعدها، فأدخلوها ألفاظاً كثيرة أغنت اللغة.
٤ - الصحافة - ليست الصحافة بيننا بمتجاوزة أول القرن التاسع عشر الماضي وقد
أخذت على نفسي البحث في تاريخها (بمجلة النعمة) الأرثوذكسية في دمشق ونشرت الدور الأول منها من سنة ١٨٠٠ - ١٨٧٠ م وسأتابع البحث فيه والنظر في ما أفادتنا الصحافة في أدوارها. وقد قدرت أن ما أنشئ من الجرائد، - ميتة وحية - باللغة العربية حتى الآن زهاء ثمانمائة جريدة. ولكن الجرائد الحية لا تكاد تتجاوز المائتين بين مجلة وجريدة في جميع أطراف المعمور. فهل أفادتنا وتفيدنا الصحافة؟
قال العلامة مكولي الإنكليزي: إن كتاب الجرائد هم مشتركوها فإذا نظرنا إلى حالة المشتركين بصحائفنا، لا نستطيع أن نحكم بترقي الصحافة لقلة الرغبة في الجرائد ولعدم تمييز المفيد منها عن المضر. كيف لا ولئن يزال تهجم كتابنا على فن الصحافة وليس لديهم رأس مال علمي ولا مادي كاف هو السبب الأول في انحطاطها. وقلما اجتمع للصحافي المال والعلم معاً. فبانفراد أحدهما تتحول الجرائد إما إلى تجارية لتحصيل المال، وإما إلى اكتساب الشهرة للمتمول. وفي الأمرين الغرور بالنفس فلي إذن من أغراضها الأولية خدمة الشعب واللغة. فضلاً عن أن كثيراً منها تصرف جل اهتمامها إلى التحامل والتشيع وبث روح الشحناء
стр. 388
فتضيع الفائدة المنتظرة منها، وتقل ثقة الشعب بها. اللهم إلا بعض الجرائد التي اتخذت لها خطة معتدلة وتثبتت في رواية أخبارها ووضعت الصدق نصب أعينها. ولكنها قليلة لا تستطيع سد الثلم التي تخرقها تلك.
وأحسن دواء لذلك إنشاء مدارس للصحافة ومؤتمرات لها تبحث في أسباب ترقيها كما هو جار عند الأمم الراقية. فتكون الجرائد صادقة المبادئ ومنشئوها ومراسلوها يوافقون مبادئها. فلا ينشئ مجلة أو جريدة إلا من ترشح لهذا الفن ردحاً من الزمن وعرف أصوله. وحبذا لو عرب بعض أدبائنا اليوم كتاباً في فن الصحافة من كتب الإفرنج. وإن كنا نخسر فيه رواية غرامية تثير نقعاً وتمنع نفعاً. فيستلفت الأنظار إلى آداب الصحافة.
٥ - المطابع - الطباعة حديثة عندنا لا تتجاوز القرنين والعقد الأول من الثالث. أما الإفرنج فقد عرفوا الطباعة العربية على أثر اختراع المطبعة عندهم، وطبعوا كثيراً من المؤلفات التي لا تزال إلى اليوم نادرةً مرتبة مفيدة. ومعظم مطابعنا الآن أنشئت بعد النصف الثاني من القرن التاسع عشر الماضي وكثر عددها. ولكننا نرى معظمها تجارية، تطبع الكتب دون مقابلة على أصلها ولا تدقيق بإصلاحها، فتخرج مشحونة بالأغلاط غير
متقنة الطبع ولا الورق ولا الترتيب، مع غلاء في أثمانها فلا يقبل الناس على ابتياعها فيدعي واضعوها كساد بضاعة العلم.
فما أفضل الذرائع المتخذة لترخيص أثمان المطبوعات والاقتصاد بالحروف العربية، لتروج الطباعة والكتب ويقبل الأدباء على التأليف والناس على المطالعة. ومما أذكره بأسف أن المرحوم الشاعر الناثر رزق الله
стр. 389
حسون الحلبي الذي نشرت ترجمته في مقتطف هذه السنة، كتب مقالات ضافية، استنسخت إحداها وهي في الاقتصاد المطبعي باختصار بعض حروف ليقل عددها فيسهل العمل على المنضد (الصفيف) وترخص نفقات الطبع، فلم يلب دعوته أحد. ومثله فعل المرحوم العلامة الشيخ إبراهيم اليازجي في وضع الحروف الاقتصادية، قبل مغادرته سورية وانتقاله إلى مصر والحرف باقٍ في مطبعة خليل أفندي سركيس الأدبية لم ينضد منه إلا صورة إعلان في الجرائد على أثر وضعه، وشروح نجعة الرائد التي طبعت أولاً في تلك المطبعة وأعدمت عند حريقها.
ومما تؤاخذ عليه مطابعنا عدم وضع فهارس للكتب فيتشوش الطلب على المطالع وتنكمش نفسه وينقبض صدره. فضلاً عن أنها إذا طبعت كتاباً كان قد طبع في أوروبا وذيل بحواش وفهارس وملاحظات مفيدة، حذفت كل هذه الزوائد، زاعمةً أنها فضلات، مع أن لها المقام الأول في التأليف. وما ذلك إلا لأننا نقصد السرعة في العمل للكسب لا لخدمة اللغة. وأذكر أنني رأيت كشف الظنون طبع أوروبا وعليه تعاليق مفيدة وله فهارس تقرب على المطالع بعيد مطالبه. ثم رأيته مطبوعاً في مصر والأستانة وليس فيه غير فهرس المواضيع. وكذلك كتاب المعجب في تلخيص أخبار المغرب فإنه مطبوع في أوروبا بتعاليق وفهارس ومجدد طبعه في مصر منذ بضع سنوات وليس فيه إلا فهرس صغير جداً. وهكذا قل في رحلة ابن بطوطة وابن جبير وغيرهما وهذا مثلاً كتاب حياة الحيوان الكبرى للدميري المطبوع في مصر. لا يفهم منه المطالع شيئاً،
стр. 390
حتى يقرأه تباعاً صفحة صفحة. مع أنه لو كلف أحد بدرسه ووضع فهارس لما حواه من المباحث الكثيرة في أعلام الحيوانات والتراجم والأقاصيص والفكاهات والأشعار والأسجاع، لقربت الفائدة من مطالعته.
ومع ذلك فقد رأيت قليلاً من الكتب المطبوعة في مصر قد أبقيت فهارسها مثل (طبقات الأطباء) لابن أبي أصيبعة وغيره.
ولا يجب أن ننسى عناية كثير من المطابع المصرية والبيروتية في الإتقان والترتيب والنظافة. ولكن نحب أن يعم هذا السعي المحمود بيننا ترغيباً للمطالعين وتقريباً للاستفادات. وأهم ما نستلفت إليه المطابع إصلاح الأغلاط والتدقيق.
٦ - التأليف - نريد بالتأليف ما يشمل وضع الكتب وتلخيصها أو تعريبها. ونحن في أشد حاجة ماسة إلى وضع كتب مدرسة على نظام موحد، وكتب تهذيبية ومعجمات غنية بالأوضاع والاصطلاحات والحدود العلمية، معرضة عن الألفاظ المائتة والبذيئة. وإلى مؤلفات في العلوم الطبيعية كالفلك والجيولوجيا والتاريخ الطبيعي والكيمياء والفلسفة الطبيعية والطب والجراحة والصيدلة والنبات إلخ. وإلى مؤلفات في العلوم الأدبية كالاقتصاد السياسي وعلم الأخلاق والتربية والعمران وآداب السلوك والتاريخ وفلسفته والآثار القديمة وتدبير المنزل وتاريخ الاكتشافات والاختراعات.
ومن أهم ما يجب التأليف فيه تاريخ آداب العربية فإن للإفرنج
стр. 391
كتباً كثيرة في هذا الفن. وليس بني أيدينا كتاب واف يبحث عن لغتنا وترقيها وانحطاطها.
ومن أمثل ما يعلل عن تأخرنا في التأليف، عدم إقبالنا على غير القصص والروايات. فهذه نجعة الرائد وضعها مؤلفها منذ عشرات من السنين، ولم يباشر طبعها حتى آنس بعض الإقبال عليها والمساعدة في نشرها، فمات قبل إتمام طبعها، وطوي الجزء الثالث منها إلى أجل غير مسمى. ومثلها كتاب تنوير الأذهان في علم الحيوان لزميله الدكتور بشارة زلزل الذي مات قبل أن يتم بعض كراريس منه. ولو كان طبعه منذ أعوام لأنجزه بحياته، واستفدنا من أوضاعه العلمية وفي هذين الكتابين غنى للغة.
ومما أذكره من هذا القبيل أنني وضعت منذ عشر سنوات ونيف كتاباً في تاريخ آداب اللغة العربية سميته الطرف الأدبية وأنفقت وقتاً طويلاً لجمعه من تضاعيف أسفار إفرنجية وعربية، وهو إلى الآن مطوي أمره وربما بقي هكذا إلى يوم النشور.
٧ - المجامع العلمية - عرفت هذه الاجتماعات باسم الأكاديميات نسبة إلى أكاديميوس أول من انتبه إلى البحث في الاجتماعات. وأول من أسس مجمعاً علمياً أفلاطون في القرن الخامس قبل الميلاد. وعقد العرب سوق عكاظ ومربد البصرة لهذه الغاية. وعرفت الأكاديميات في أوروبا في النصف الأول من القرن السابع عشر بعناية الكردينال ريشيليو،
وزير لويس الثالث عشر ملك فرنسا. ومن اللجان العربية اللجنة العلمية
стр. 392
المصرية أسسها نابليون سنة ١٧٩٨ ولن تزال إلى عهدنا. وأنشأ الأمريكان في بيروت مع بضع المواطنين الجمعية السورية سنة ١٨٤٧ م فبقيت بضع سنوات وعطلت. وبعد سنة ١٨٨٠ أعيدت باسم المجمع العلمي الشرقي وعطلت أيضاً. ثم أنشئت الدائرة العلمية في مدرسة الحكمة المارونية وعطلت. وسنة ١٨٩٣ أنشأ المصريون مجمعاً لغوياً علمياً للبحث في الأوضاع العربية فقرروا فيه بعض ألفاظ وتعطل. وإلى الآن لم يقم مجتمع علمي يسعى في الأوضاع والتعريب وحاجات اللغة. ولعل أدباءنا يسعون اليوم بسد هذه الثلمة إذا اجتمعت كلمتهم وتوحدت مبادئهم وانتخبوا أعضاءه من كل ملة ومشرب وموطن وإلا فلا مجتمع عربي يذكره التاريخ في آدابنا العربية.
٨ - المكاتب - المكاتب قديمة في العالم كثيرة النفع للغات. وقد اعتنى العرب بتأسيس كثير منها في أيام نهضتهم، كمكتبة قرطبة، ومكاتب بغداد ودمشق والقاهرة، ويذكر المؤرخون أنه كان في صدر القرن الخامس للهجرة نحو سبعين مكتبة في الأندلس. ولقد أعدمت النكبات مكاتبنا، وما بقي من نفائس المؤلفات حمله الإفرنج إلى بلادهم فأغنوا مكاتبهم بآثارنا. ولولا وجود المكتبة الخديوية بمصر وبعض مكاتب الأستانة ودمشق وفاس وبغداد وحلب وبيروت وطور سيناء، لكانت المكاتب عندنا أثراً بلا عين. على أننا في حاجةٍ شديدة إلى إنشاء مكتبة عامة في إحدى مدننا الكبرى تضم شتات المؤلفات الشرقية بقية الدارجين من قومنا، فنستنسخها من مظانها ونجمع شملها، فنحفظ كثيراً
стр. 393
من الكتب التي لا توجد إلا نسخة منها في إحدى المكاتب فإذا نكبت خسر العمل خسارة كبيرة. ويجب تنظيم جمعية لطبع الكتب النفيسة والتدقيق بمعارضة نسخها ومقابلتها كما فعلت شركة طبع الكتب المصرية في طبع المخصص لابن سيده في ١٧ مجلداً وفتوح البلدان للبلاذري وغيرهما.
هذه السلم المثمنة الدرجات التي يمكن أن نصعد عليها إلى قمة مجد اللغة وفي اعتقادنا أن المرتقي عليها لا يجب أن يترك درجة إلا ويمر بها، لأن الطفرة محال. والله يتولى من أمورنا السداد، ويفتح لنا أبواب النجاح خدمة للغة التي تفتخر بأننا ننطق بضادها، بمنه وكرمه.
لبنان
عيسى إسكندر المعلوف
الحرية
زرت صاحباً لي منذ أيام، فألفيت لديه بلبلاً سجيناً في قفص، يغرد نشيداً محزناً كأنه من قلب مزقه ألم الفراق، ويضرب أسلاك سجنه بجناحيه آملاً أن يرى له مخرجاً من ذلك المضيق. ولم يزل يغرد شاكياً ويصيح باكياً، ويتنقل في قفصه بسأم، ويضرب الأسلاك بألم، حتى أخذ منه التعب مأخذه فأنساه طريف التعب تليد الأسر.
وقد زرت صاحبي هذا اليوم. فوجدت القفص خالياً من الفريد. فسألته عنه، فأنبأني أنه قد انتحر.
стр. 394
تذكرت هذه الحادثة حينما أمسكت بيدي القلم للكتابة في الحرية. فما تمالكت عن ذكرها عبرة للذين يصبرون على الضيم، ويرضون بالاستعباد، وقد خلقهم الله أحراراً.
ذلك البلبل تعود أن ينتقل من غصن إلى غصن، ويطير من فنن إلى فنن يغرد أينما شاء، وحيثما أراد. فلما انتقل من هذا الجو الفسيح الذي لا يستنشق فيه سوى نسيم الحرية البليل، وهوائها العليل، إلى ذلك القفص الذي يضيق به، بذل جهده في أن يتخلص منه. فلم يمكنه. وعز عليه أن يعيش سجيناً فانتحر. ويا ما أبلغ قول مصطفى كامل لا معنى للحياة مع اليأس ولا معنى لليأس مع الحياة.
إن هذا درس مفيد للإنسان. إذ هو أحرى بأن يتمثل بقول عنترة العبسي:
لا تسقني كأس الحياة بذلة ... بل فاسقني بالعز كأس الحنظل
إن الحياة بذلة كجهنم ... وجهنم بالعز أحسن منزل
عند ذلك تذكرت قول أحد الأدباء لو عرف الإنسان قيمة حريته المسلوبة منه، وأدرك حقيقة ما يحيط بجسمه وعقله من السلاسل والقيود لانتحر كما ينتحر البلبل إذا حبسه الصياد في القفص وكان خيراً له من حياة لا يرى فيها شعاعاً من أشعة الحرية ولا تهب عليه نسمة من نسماتها.
فالحرية هي معنى الحياة. ودليل الرقي، وعنوان المجد، ودعامة السعادة. ورائد الآمال. وروح الاستقلال.
الحرية هي سر الوجود، سر القوة سر الثبات في العمل، سر نجاح الأمم، سر تقدم الشعوب، سر نظام الحكومات.
стр. 395
الحرية كما قال حافظ إبراهيم هي معنى الوجود، ففي فقدها سجن النفوس، وعقال العقول
وقيد الأفكار.
الحرية كما قال المنفلوطي: هي شمس يجب أن تشرق في كل نفس، فمن عاش محروماً منها عاش في ظلمة حالكة يتصل أولها بظلمة الرحم وآخرها بظلمة القبر. هي الحياة ولولاها لكانت حياة الإنسان أشبه شيء بحياة التماثيل المتحركة في أيدي الأطفال بحركة صناعية.
الحرية كما قال مصطفى كامل: هي بنت الحقيقة، وما انتشرت الحقيقة في أمة إلا وارتفعت كلمتها وعلا شأنها. هي نو ساطع إذا انتشر اختفى الظلم وانتش العدل.
هذه هي الحرية. لا مثلما يتوهمها البعض من أنها لا تكون إلا مع الغنى والجاه. ولو انقشعت سحابة الجهل عن عيون هؤلاء الأغبياء، ورفع حجاب الوهم عن أبصارهم وبصائرهم لتمثلوا بقول الشاعر:
أنا إن عشت لست أعدم قوتاً ... وإذا مت لست أعدم قبراً
همتي همة الملوك ونفسي ... نفس حر ترى المذلة كفرا
وعدو الحرية الوحيد هو الجبن، لأنه يفقد الإنسان قيمته في نظر الناس، ويمحو ثقته في نفسه، ويجعله يحتمل أثقال الأسر بلا تأفف أو نزوع إلى التخلص من قيوده.
بلى هو الذي يسدل على الأنظار ستاراً فلا ترى من خلاله تمثال الحرية ويضرب على الأسماع، فلا تصغي إلى نداء الداعين إليها.
الجبن كما قال فيلسوف الشرق الشيخ محمد عبده هو الذي أوهى
стр. 396
دعائم الممالك فهدم بناءها، وقطع روابط الأمم فحل نظامها. هو الذي يغلق أبواب الخير في وجوه الطالبين. وبطمس معالم الهداية عن أنظار السائرين يسهل على النفوس احتمال المذلة ويخفف عليها المسكنة ويهون حمل نير العبودية.
فلابد لطالب الحرية من خلع رداء الجبن كما قال ابن قلاقس:
ظهر ذات الحجول إن طلب المج ... د وإلا فبطن ذات الحجال
عز سفح به الأسود ودلت ... قنة ما بها سوى الأوعال
فيجب أن يكون منا ذلك الأسد الرئبال الذي يزود عن حوضه، لا ذلك الوعل الذي يقع فريسة في يد أول صياد.
ولا نصبح أمام الأمم آساداً، إلا إذا كنا أحراراً.
اتبره (السودان)
عز الدين صالح
مصطلحات علم الحيوان
عني كثير من الكتاب والأدباء في هذا العصر بتعريف كتب الإفرنج، لما وصله إليه هؤلاء من العلوم والفنون والاختراعات والاكتشافات، حتى دانت لهم الطبيعة وعناصرها على اختلاف أنواعها، بينما بقينا نحن متأخرين عنهم بمراحل لا تقاس، لاهين بأمور ليست من العلم بشيء. فوجب علينا الآن أن ندركهم ونستدرك ما فات منا، سائرين سيراً حثيثاً بل طائرين طيراناً، وأن لا نبقى ناكصين على أعقابنا في الميدان الذي جرى فيه أجدادنا في سابق العهد لئلا يسبقنا الأقوام في كل يوم
стр. 397
ونحن نتأخر عنهم كل يوم. ومن ثم تحتم علينا أن نأخذ عنهم العلم إلى حيثما أوصلوه كما أخذوه عنا إلى حيثما كنا قد أوصلناه.
ومن جملة العلوم التي نأخذها اليوم عنهم علم الحيوان. فقد أوصلوه اليوم إلى درجة لا غنى لنا عنها. لكن لما أخذ كتابنا بتعريب كتبهم، تصرفوا بها كأن أجدادنا لم يعنوا بهذا العلم أبداً، ولهذا نقلوا عنهم ألفاظاً اصطلاحية بألفاظها الفرنجية كأن من سبقنا لم يضع لها ما يراد منها في العربية. ومن ثم وجب العمل على إعادتها بدون أن تقبل أبداً إدخال الغريب الأعجمي في لغتنا، كما انه يجب علينا أن نأخذ عن الأقدمين الألفاظ الاصطلاحية التي وضعوها في هذا المعنى، وان لا نصطلح شيئاً جديداً هو دونه في التأدية والمراد. ولهذا أحببنا أن نورد شيئاً في هذا الباب ليكون بمنزلة المثال يقاس عليه. من ذلك:
إن المحدثين سموا الطيور التي تتردد إلى المياه بالطيور المائية وهي من الإفرنجية وسماها الأقدمون من الناطقين بالضاد: بنات الماء والمفرد ابن الماء، قال في المرصع: ابن الماء. . . يطلق على كل ما يألف الماء من أجناس الطير
وسموا الطيور الطويلة الساق التي تخوض في الماء الضحضاح الطيور الشاطئية أو الخوائض أو الساحلية أو الطويلة الساق وهي بالفرنسوية وسماها الأقدمون الشاهمزك او الشاهمرج والجمع شاهمر كات أو شاهمر جات وقد وردت مراراً قي كتبهم من ذلك في المخصص لابن سيدة قال: وطير الماء أكثر من مائتي لون زعموا. والعرب لا تعرف
стр. 398
أكثرها. قال صاحب العين: وأسماؤها عندنا بالنبطية لأنها في البطائح في بلاد النبط. والشاهمرجات أيضاً ضروب ألوان. آه. والكلمة فارسية مركبة من شاه أي ملك أو كبير أو طويل ومرغ أي طائر ومعناه الطائر الطويل أو الملكي أي الطويل الساق. وقد وردت مراراً لا تحصى في كتاب الحيوان للجاحظ.
وسموا الطيور التي تشبه البط والوز والتم الكفية اليد معربين بذلك كلمة والعرب سموها السوابح.
وسموا الطيور التي تقتات الحبوب أي أكلة الحبوب وسماها العرب بهائم الطير قال الجاحظ: والبهيمة (من الطير) ما أكلت الحب خالصاً (كتاب الحيوان ١: ١٥).
وسموا الطيور التي تقتات الحب واللحم معاً آكلات الكل ويقابلها بالفرنسية وسمتها العرب المشترِك قال الجاحظ (١: ١٥): المشترك عندهم كالعصفور فإنه ليس بذي مخلب معقف ولا منسر وهو يلقط الحب وهو مع هذا يصيد النحل إذا طار ويصيد الجراد ويأكل اللحم ولا يزق فراخه كما تزق الحمام بل يلقهما كما تلقم السباع من الطير فراخها، وأشباه العصافير من المشترك كثيراً. اه
وسموا الطيور التي تقتات اللحم أكلة اللحم أي وسماها العرب سباع الطير قال الجاحظ (١: ١٥): والسبع من الطير ما أكل اللحم خالصاً. اه.
وسموا الطيور التي يصطاد بها طير الصيد وهي من الإفرنجية
стр. 399
وسماها العرب العتاق والأحرار والجوارح (عن الجاحظ ١: ١٤).
وسموا ما يطير من الحشرات حشرات طائرة ويريدون بذلك اللفظ الإفرنجي وسماها العرب الهمج قال الجاحظ (١: ١٤): الهمج ليس من الطير ولكنه مما يطير والهمج فيما يطير كالحشرات فيما يمشي. اه.
وسموا الحيوانات التي تقتات الروث والرجيع والأوساخ أكلة الرجيع وهم يعربون لفظة وسماها العرب الجلالات وقد ذكرها الجاحظ في عدة مواطن من كتابه.
هذا كله من قبيل الاصطلاحات العامة ونحن لم نذكر إلا برضاً من عد. وأما من جهة الألفاظ الخاصة بأسماء الحيوان والطير فإن المحدثين قد ذهبوا فيها مذاهب. فمنها ما أخطأوا في تعربيها كقولهم في بجع والأصح هو اللقلق. والبجع ونحن أول ما نبه العلماء على هذا الوهم الفظيع في مجلة الصفاء وكقولهم في عقاب وفي نسر والأصح أن يعكس الوضع، أي أن يقال في نسر وفي عقاب. وكذلك كنا نحن أول من نبه على هذا الغلط في مجلة بيروتية ومثل هذا الوهم كثير قد وقع لبعضهم وقد نبهنا عليه في المجلات ومنه ما هو باقٍ في كتبهم يحتاج إلى تنبيه.
ومن أسماء الطير والحيوان ما وضع له المحدثون ألفاظاً جديدة لا عهد للعرب بها، مع أن الغرب عرفوا تلك الطيور أو تلك الحيوانات بأسماء أخرى
стр. 400
شائعة في كتبهم. كتسميتهم للمكاء وهو بالفرنسية باسم ماص المعز مع أن العرب عفوه بأسماء متعددة منها المكاء والخرج وخاطف الرياح. - ومن هذا القبيل تسمية المحدثين للحيوان المعروف عند الإفرنج باسم لنكس كأن العرب لم يعرفوا هذا الحيوان. والحال أنهم عرفوه باسم وشق ولنا كلام طويل في هذا البحث أي بخصوص كون هذه الكلمة تعني اللفظة الإفرنجية
هذا ونحن نقف عند هذا الحد لأن الموضوع واسع الأكناف رحب الساحة، وقد اكتفينا بالإشارة تنبيهاً للغافل وتذكيراً للعاقل إذ قد قيل: وذكر فإن الذكرى تنفع كما قد قيل: واسمع غير مسمع.
بغداد
ساتسنا
في رياض الشعر
بكاء صديق
فقدت مصر في هذا الصيف قاضياً من خير قضاتها بوفاة المرحوم إسماعيل بك ماهر القاضي في المحكمة المختلطة بالإسكندرية. فبكاه سعادة إسماعيل صبري باشا بأبيات رقيقة - وكان رفيقه في المدرسة وعشير صباه - قال:
أناعي ما هر لم تدر ماذا ... أثرت من الشجون الكامنات
نعيت إلي أياماً تقضت ... بإسماعيل غراً صافيات
ألا من للضعيف إذا تقاضى ... ولم ير شخصه بين القضاة
ومن للعدل إن رفعت بناة ... دعائمه ولم يك في البناة
стр. 401
أماهر أن وعد الله حق ... وما جزعي عليك من التقاة
فما لي والأناة ملاك نفسي ... هلعت ولم تجملني أناتي
وما لي إن أمرت ببعض صبرٍ ... رأيت الصبر إحدى المعجزات
أماهر كنت فيما مر أنسي ... فمن لي في الليالي الباقيات
وكنت إذا شكوت تبيت وجداً ... تردد ما يريبك من شكاتي
وتسأل ساري النسمات عني ... حنواً والبروق الوامضات
ومن يفقد شبيهك يبك دنيا ... تولت بالمودة والمقات
كذبتك لو صدقتك بعض ودي ... لهد جوانبي صوت النعاة
ولاستقت حيال النعش عيني ... وراءك راحلاً همم البكاة
برغمي أن تقلص منك ظل ... وقاني حقبة لفح الحياة
وأن نضبت خلال كنت منها ... أعب لديك في عذب فرات
وأن صفرت يميني من ودادٍ ... غنيت به ليالي خاليات
أخي ما حيلتي إلا سلام ... يزورك في المساء وفي الغداة
وإلا الدمع أنثره عقيقاً ... على ذكرى حلاك الغائبات
قضيت فكنت أسرعنا مسيراً ... إلى غرف الحنان العاليات
شكوى الميتم
عاد سمو أمير مصر من الأستانة، فرحب به شعراؤنا بقصائد جميلة حلوا بها جيد الصحف. وجادت قريحة نابغة مصر بيتيمة من شعره المعروف، افتتحها بأبيات غزلية، وهي:
كم تحت أذيال الظلام متيم ... دامي الفؤاد وليله لا يعلم
стр. 402
ما أنت في دنياك أول عاشقٍ ... راميه لا يحنو ولا يترحم
أهرمتني يا ليل في شرخ الصبا ... كم فيك ساعات تشيب وتهرم
لا أنت تقصر لي ولا أنا مقصر ... أتعبتني وتعبت هل من يحكم
لله موقفنا وقد ناجيتها ... بعظيم ما يخفي الفؤاد ويكتم
* * *
قالت من الشاكي - تسائل سربها ... عني - ومن هذا الذي يتظلم
فأجبنها وعجبن كيف تجاهلت ... هو ذلك المتوجع المتألم
أنا من عرفت ومن جهلت ومن له ... لولا عيونك حجة لا تقحم
أسلمت نفسي للهوى وأظنها ... مما يجشمها الهوى لا تسلم
وأتيت يحدو بي الرجاء ومن أتى ... متحرماً بفنائكم لا يحرم
أشكو لذات الخال ما صنعت بنا ... تلك العيون وما جناه المعصم
لا السهم يرفق بالجريح ولا الهوى ... يبقي عليه ولا الصبابة ترحم
لو تنظرين إليه في جوف الدجى ... متململاً من هول ما يتجشم
يمشي إلى كنف الفراش محاذراً ... وجلاً يؤخر رجله ويقدم
يرمي الفراش بناظريه وينثني ... جزعاً ويقدم بعد ذاك ويحجم
فكأنه واليأس ينسف نفسه ... للقتل فوق فراشه يتقدم
رشقت به في كل جنب مدية ... وأنساب فيه بكل ركن أرقم
فكأنه في هوله وسعيره ... واد قد أطلعت عليه جهنم
هذا وحقك بعض ما كابدته ... من ناظريك وما كتمتك أعظم
قالت أهذا أنت ويحك فاتئد ... حتى م تنجد في الغرام وتتهم
стр. 403
كم نفثةٍ لك تستثير بها الهوى ... هاروت في أثنائها يتكلم
إنا سمعنا عنك ما قد رابنا ... وأطال فيك وفي هواك اللوم
فاذهب بسحرك قد عرفتك واقتصد ... فيما تزين للحسان وتوهم
أصغت إلى قول الوشاة فأسرفت ... في هجرها وجنت علي وأجرموا
حتى إذا يئس الطبيب وجاءها ... أني تلفت تندمت وتندموا
وأتت تعود مريضها لا بل أتت ... مني تشيع راحلاً لو تعلم
حافظ إبراهيم
على ضريح فتاة
يا تراب الحبيب فيك فتاة ... كل أرواحنا تحن إليها
هي كانت عليك ألطف ظل ... أيها الترب لا تثقل عليها
إسكندر العازار
على ضريح فتى
شقيقك غيب في لحده ... وتطلع يا بدر من بعده
فهلا خسفت فكان الخسوف ... لباس الحداد على فقده
لأحد شعراء العرب
стр. 404
سقوط عرش
جلس الملك الفتى على عرش صبغ أرجوانه بالدماء، وتكلل بتاج غاصت جواهره بالدموع. ولا سند له ولا عضد سوى حنان والدة يحوم فؤادها حوله، كما تحوم الدجاجة حول فراخها وقد هددها العقاب الكاسر. ولكن أتى لحنان الأم - مع كل ما فيه من القوة - أن يسند تاجاً هاوياً، أو يدعم عرشاً متداعياً، وقد تحول نحوهما تيار الشعب الجارف.
стр. 405
ثقل التاج على هامة الملك الضعيف فأحناها، وتدحرج بين يديه فكاد يكون لهما قيداً. وثقل الملك على العرش الذي نخرته الدسائس والمكايد فهبط به هبوطاً كاد يودي بحياته.
سقط الملك مانويل الثاني وسقطت معه أسرة براغنس التي ملكت في البرتغال منذ سنة ١٦٤٠ وقامت الجمهورية على أطلال الملكية. كما أن هذه كانت قد بنت صرحها على خرائب ما تقدمها من الحكومات. فإن الفينيقيين هم أول من استعمر تلك البلاد المعروفة في القدم باسم لوزيتانيا نسبة إلى اللوزيتاني الذي كان يسكنها، ثم دالت دولة أبناء فينيقيا وقامت دولة القرطجنيين فظلوا أسياد البلاد حتى برز النسر الروماني فظل فيها نافذ الأمر سبعة قرون اثنين منها قبل المسيح، وخمسة بعده، ولما لفظت الإمبراطورية الرومانية الغربية نفسها الأخير، تقاسمت الشعوب ميراثها العظيم، فكانت البرتغال من نصيب الغوطيين، حتى نازعهم الإرث طارق بن زياد وأقام في البلاد دولة عربية زهت على عهدها المعارف والفنون والصنائع. . . ثم انجلى العرب عن تلك الربوع وظلت البرتغال في حروب مع جارتها إسبانيا حتى ثبت استقلالها في أواسط القرن السابع عشر، وعظمت ثروتها، وقويت شوكتها، بعد أن راد أبناؤها البحار واكتشفوا بلاداً جديدة في أفريقيا وأمريكا.
هذا هو ماضي البلاد التي ودع مانويل عرشها على غير ملتقى، وطلق تاجها على غير رضى. على أنه لم يأت ما يجوز معه الاستشهاد بقول من قال:
стр. 406
أعطيت ملكاً فلم تحسن سياسته ... وكل من لا يسوس الملك يخلعه
فإنه ذاق حنظلاً عصره غيره، وجنى شوكاً زرعه سواه. أجلسته الحوادث على عرش مضرج بدم أبيه وأخيه، ووضعت على رأسه تاجاً لم يكن ليحلم به وها أن نفس هذه الحوادث قد أخرجته من وطنه طريداً وأقصته عن بلده شريداً.
كان مانويل على عهد أبيه كارلوس الأول لا يكترث للملك وسياسة الناس بل كان مولعاً
بالفنون الجميلة لأن ولاية العهد كانت لشقيقه لويس فيليب ده براغنس، ويروى عنه قوله عندما أنعم الملك إدوارد على أخيه بوسام ربطة الساق: إن أخي فرح مسرور بهذا الشرف الذي حازه ويحق له ذلك لأن له مطامع سياسية أما أنا ففرحي الكبير سيكون يوم أتمكن من إدارة جوقة موسيقية. وقد حمله ولعه بالفنون على زيارة البلاد القديمة فجاء اليونان ومصر وفلسطين. وبينما هو في مثل هذه الأحلام الجميلة باغتته ثورة فبراير (شباط) ١٩٠٨ فأودت بحياة أبيه وأخيه وأجلسته على العرش. فحاول أن يسد الثلم التي أحدثها أسلافه. ولكن هيهات لابن عشرين أن يرمم أطلال مملكة بالية ويوقف معاول الزمان التي تدكها، وقنابل الأيام التي تنسفها.
لما ضعفت شوكة العرب في الأندلس، تغلب الإفرنج على أحد ملوكها ففر هارباً، وقبل مغادرته بلاده نظر إلى قاعدة ملكه وبكى. وكانت أمه معه فقالت: ابك بكاء النساء على ملك لم تعرف أن تدافع عنه دفاع الرجال.
стр. 407
فهل قدرت الملكة آمليا أن تقول مثل هذا القول لولدها مانويل عندما ودع بلاده باكياً.
أرملة كارلوس الأول ملك البرتغال المتوفي ووالدة الملك مانويل الثاني, وهي بنت الكونت ده باريس وشقيقة الدوق دورليان, ولدت في ٢٨ سبتمبر سنة ١٨٦٥ وتزوجت في ٢٢ مايو سنة ١٨٨٦, فولد لها ولدان لويس فيليب الذي قتل مع أبيه في غرة فبراير سنة ١٩٠٨, والملك مانويل الذي هرب معها الآن إلى إنكلترا
стр. 408
في حدائق العرب
الأندلس
إن الحوادث الجارية في إسبانيا، والثورة التي قامت في البرتغال فقلبت الملكية وأحلت محلها الجمهورية، لفتت الأبصار إلى تلك الأنحاء فأحببنا أن نخصص هذا الباب من المجلة بتلك البلاد وهي معروفة عند العرب بالأندلس، وقد سادوا فيها مدة طويلة وذكرها يملأ كتبهم.
قال أبو عبيد البكري في وصفها:
الأندلس شامية في طيبها وهوائها، يمانية في اعتدالها واستوائها، هندية في عطرها وزكائها، أهوازية في عظم جبالها، صينية في جواهر معادنها، عدنية في منافع سهولها.
وقال أحد الشعراء:
يا أهل أندلس لله دركم ... ماء وظل وأشجار وأنهار
ما جنة الخلد إلا في دياركم ... ولو تخيرت هذا كنت أختار
لا تختشوا أن تروا من بعدها سقراً ... فليس تدخل بعد الجنة النار
وقد فتح العرب الأندلس على يد طارق وطريف ومولاهما الأمير موسى بن نصير وكان ذلك سنة ٧١١م.
وإلى طارق ينسب جبل طارق الذي يعرفه العامة بجبل الفتح في قبلة الجزيرة الخضراء. . . واحتل طارق بالجبل المنسوب إليه يوم الاثنين لخمس خلون من رجب سنة اثنين وتسعين في ١٢ ألفاً. . . وخرج من
стр. 409
الجبل واقتحم بسيط البلد شاناً للغارة، وأصاب عجوزاً من الجزيرة فقالت له في بعض قولها أنه كان لها زوج عالم بالحدثان، فكان يحدثهم عن أمير سيدخل إلى بلدهم هذا، فيغلب عليه. ويصف من نعته أنه ضخم الهامة - وأنت كذلك - ومنها أن في كتفه شامة عليها شعر، فإن كانت فيك فأنت هو. . . فكشف ثوبه فإذا بالشامة في كتفه على ما ذكرت، فاستبشر بذلك ومن معه. . .
وقد دونت العرب في كتبها الخطبة التي ألقاها طارق بن زياد لما بلغه دنو ردوريغ - أو لذريق كما يسميه العرب - وهي من أبلغ ما خطب به قائد أمام جنوده، قال وكان على ما يروى قد أحرق المراكب التي أقلت عساكره لئلا تحدثهم النفس بالعودة إلى الأوطان:
أيها الناس، أين المفر؟ البحر من ورائكم، والعدو من أمامكم، وليس لكم والله إلا الصدق والصبر. واعلموا أنكم في هذه الجزيرة أضيع من الأيتام في مأدبة اللئام. وقد استقبلكم عدوكم بجيشه. وأسلحته وأقواته موفورة، وأنتم لا وزر لكم إلا سيوفكم، ولا أقوات إلا ما تستخلصونه من أيدي عدوكم، وإن امتدت بكم الأيام على افتقاركم ول تنجزوا لكم أمراً، ذهب ريحكم وتعوضت القلوب من رعبها منكم الجرأة عليكم. فادفعوا عن أنفسكم خذلان هذه العاقبة من أمركم بمناجزة هذه الطاغية. فقد ألقت به إليكم مدينته الحصينة وإن انتهاز الفرصة فيه لممكن إن سمحتم لأنفسكم بالموت. وإني لم أحذركم أمراً أنا عنه بنجوة، ولا حملتكم على خطة أرخص
стр. 410
متاع فيها النفوس. ابدأ بنفسي. واعلموا أنكم إن صبرتم على الأشق قليلاً، استمتعتم بالأرفه الألذ طويلاً، فلا ترغبوا بأنفسكم عن نفسي عما حظكم فيه بأوفر من حظي. وقد بلغكم ما أنشأت هذه الجزيرة من الخيرات العميمة. . . وقد انتخبكم الوليد بن عبد الملك أمير المؤمنين من الأبطال عرباناً ورضيكم لملوك هذه الجزيرة أصهاراً وأختاناً، ثقة منه بارتياحكم للطعان، واستماحكم بمجالدة الأبطال والفرسان. . . والله تعالى ولي أنجادكم على ما يكون لكم ذكراً في الدارين. . . واعلموا أني أول مجيب إلى ما دعوتكم إليه، وإني عند ملتقى الجمعين حامل بنفسي على طاغية القوم لذريق فقاتله إن شاء الله. . . فاحملوا معي، فإن هلكت بعده فقد كفيتم أمره وإن هلكت قبل وصولي إليه فاخلفوني في عظيمتي هذه واحملوا بأنفسكم عليه، واكتفوا الهم من فتح هذه الجزيرة بقتله. . .
وظلت الأندلس تحت سيادة العرب ثمانية قرون (٧١١ إلى ١٤٩٢) فتغلب عليهم الملك فردينان. ولما خرجت الأندلس من يد العرب قال أبو البقاء صالح بن شريف الرندي قصيدته المشهورة، منها:
لكل شيء إذا ما تم نقصان ... فلا يغر بطيب العيش إنسان
دهى الجزيرة أمر لا عزاء له ... هوى له أحد وانهد ثهلان
فاسأل بلنسية ما شأن مرسية ... وأين شاطبة أم أين جيان
وأين قرطبة دار العلوم فكم ... من عالم قد سما فيها له شان
وأين حمص وما تحويه من نزه ... ونهرها العذب فياض وملآن
تلك المصيبة أنست ما تقدمها ... وما لها مع طول الدهر نسيان
стр. 411
يا راكبين عتاق الخيل ضامرة ... كأنها في مجال السبق عقبان
وراتعين وراء البحر في دعة ... لهم بأوطانهم عز وسلطان
أعندكم نبأ عن أهل أندلس ... فقد سرى بحديث القوم ركبان
رئيس الجمهورية البرتغالية
كان من أساتذة الفلسفة وعلم الإجتماع, وله في هذه المواضيع تآليف كثيرة وهو الآن في الثامنة والستين من عمره. ومن أعز أماني براغا ضم إسبانيا والبرتغال تحت راية الجمهورية
стр. 412
أملي
في هزيع ليل من ليالي الخريف وقد نبا بي مضجعي، تحاملت متماسكاً متمالكاً إلى نافذة من مخدعي، أرسل صعداء أحرجت صدري، وأعالج نجية هم أسهرتني. وكانت الليلة قمراء والهواء بليلاً بطيء الإسراء، والسكوت سائداً مالئ العمار والخلاء، لا داب يمرح ولا طائر يسيح، وقد هجع الناس آمنين في أسرابهم، ونام الخليون ملء أجفانهم، فلا يسمع غير حفيف الأشجار، ووقع الأوراق تتساقط من على الأغصان تساقط دمع حزين جازع أو عاشق ضارع تساقطاً له رجع لطيف عذب شجي اضطرب له الوجدان فتحركت الأشجان، كأنما يد الحنان طرقت أبواب الفؤاد، أو أن أنامل الصبابة تمشت على أوتار الجنان. فشعرت من نفسي استئناساً بتلك الوحشة، وارتياحاً إلى تلك العزلة، كأن بينهما حديثاً يتساقطانه أو نجوى يستسرانها ولكنها نجوى ليست من لغة يراع أو إنشاد شاد، إنما هي ذات لغة طلية عذبة حلوة لا تدركها غير مشاعري ولا يفهمها سوى فؤادي.
فلبثت أنتقل ببصري إلى ما حوت الأرض من كائنات مرئية، والسماء من أجرام فلكية ولكل منها مع النفس نجوى تطربها، وسمر لطيف يشجيها. حتى قضى بي التجوال إلى البدر، وقد برز من خبائه بعد طول الصبر. وأقبل سابحاً في فضاء السماء، جائلاً بين بدائع الأفلاك بعزة وخيلاء تحيط به النجوم احتراماً وإجلالاً، وتتمشى الكواكب بخدمته
стр. 413
إدباراً وإقبالاً، متدججاً بسلاح نوره يروش سهام أشعته، ممزقاً بها حجاب الظلام مظهراً ما خفي وراءه من سهول وأعلام.
رويدك يا شبه الحبيبة فالجوى ... أضاع رشادي إذ رأيتك سارياً
رويدك قد حركت ساكن لوعتي ... وأرسلت دمعاً فوق خدي جارياً
رويدك في تعجيل طلعتك التي ... جعلت فداها الروح مني وماليا
رويدك دعني أملأ العين من بها ... سناك لعلي لا أذم اللياليا
نظرت إليه نظراً ملياً وتصفحته تصفحاً جلياً كأنه أدنى عائنة إلى ناظري، وأقرب الكائنات لمساً من يدي، فالفيت شأنه شأني وقد ألفت نظره أمري فتلاقت العيون بالعيون وراحت الأحداق هائمة في الأحداق تخترق أهداب الجفون. . . حتى أسفر وجهه الصبيح عن ابتسامة خفق لها الفؤاد منبسط الجوارح، ونزعت إليها الروح من بني الجوانح.
مضى حين وأنا منصت إليه وهو منصت إلي؛ أستمع لنجواه ويستمع لنجواي وإذا بغيمة
سوداء هاجمته وهو في غفلة عنها، وحالت بين وبينه مكتنفة إياه بجناحيها، فكئبت لذلك كآبة من أصيب بفراق نسيبه أو فجع بفقد حبيبه، ولا نسب بيننا غير ائتلاف العواطف ولا حب سوى أن بهاءه أشبه بهاء من أنا شاغف، وإن لم تكن عواطفه على شيء من السحر، أو أن بهاءه من بهاء بدري. فتطلعت إليه أتشوقه في مجراه، وأتبين بعد الاختفاء ما اعتراه، فلمحته حيران هائجاً، وهو مع الغيمة في عراك، ومنها في أحبولة وشراك، وكان ذلك الشراك على صدري الحرج نسيجاً من خيوط الأوهام، أو ستراً لبسته فتخرمته نصال السهام.
стр. 414
لبثت طويلاً متصبراً، وربما كان لبوثي قصيراً وأنا لم أدر، حتى تلعلعت السماط وبان البدر وهو بعدوته يزري، ونظر إلي فألفاني كما عهدي مشوقاً متشوفاً إليه، ورأيته كما عرفته يتألق ضوء البشر من بين عارضيه.
عاد البدر إلى ما كان عليه وعدت. وسار في سمره وسرت.
وإني لأرتشف خمر السرور صراحاً من يد ذلك الموقف، وقد أطلقت للعواطف والشعور سراحاً، إذ بغيمة أشد من الأولى حقداً وأعظم منها سواداً دنت منه تناصبه العداء وتكلفه الجلاد.
هذا ومازالت جيوش الغيوم تارةً تتشتت تحت سهامه فتنخزل أمامه أو تجانبه، وطوراً تتألب عليه ثائرة متضامنة تواثبه، وهو يتنفس جيناً فيظهر للعيان في مظهر التعب الخاثر ثم ينساب في العجاج متوارياً وراء الغبار المتطاير وكلما ظن أنه ناجٍ أدركته غيمة رجعت به إلى الميدان قسراً فيعود إلى المدافعة عن نفسه مكرهاً مضطراً.
هكذا شاء القدر أن أتجرع الكأس بعد أن ترشفتها، وأكره النفس على الصبر بعد أن أطعمتها، حتى كان عبس الليل وقد غاب البدر تحت غيوم انحدرت عليه انحدار السيل، فلم ير غير فضاء داج ظلامه، وعمار موحشة أعلامه، انكفأت إلى مضجعي حزيناً كئيباً اسمع زفزفة الأوراق تتساقط من على الأشجار فكان لها هزة في النفس ورجفة في الفؤاد أطبقت عيني تحت ثقل اليأس وستر الانكسار. . .
أملي هو البدر والغيوم هي كوارث الدهر وظلمة الليل هي ظلمة القب. . .
لا لا أملي يا ناس!
فيليب مخلوف
стр. 415
في جنائن الغرب
بمناسبة الثورة البرتغالية حصصنا باب حدائق العرب بشيء عن عهد الدولة العربية في تلك البلاد، وأحببنا الآن أن نطلع القراء في هذا الباب عن شيء من آداب البرتغاليين:
أشهر أدباء البرتغال على الإطلاق هو لويس ده كاموانس عاش في القرن السادس عشر. وقد وضعه كتابه لوزيادة في مصاف كبار شعراء العالم. وهو نشيد من نوع الياذة هوميروس، موضوعه رحلات البرتغاليين واكتشافاتهم في العالم الجديد، وبطل هذه المنظومة البديعة فاسكو ده غاما الذي اكتشف طريقاً جديدة إلى الهند وهي طريق رأس العواصف الذي أطلق عليه فيما بعد اسم رأس الرجاء الصالح
أما فيلسوفهم الكبير فو باروخ سبينوزا.
ولد سنة ١٦٣٢ في أمستردام (هولندا) من عائلة برتغالية إسرائيلية. وله في الفلسفة تآليف عديدة. لا يمكن التسليم بكل ما فيها من الآراء. وقد اقتطفنا لقراء الزهور فصلاً كتب فيه عن العواصف والأهواء وهذا ملخصه:
العواصف والأهواء
كل التقلبات التي تطرأ على النفس ترجع إلى اثنين: الانتقال إلى كمال اكبر أو الانتقال إلى كمال أنقص. وعواطف النفس ترجع أيضاً إلى نوعين: عواطف لذيذة وعواطف غير لذيذة. أي الفرح والحزن. وعليه فالفرح هو الشعور بالانتقال إلى كمال اكبر والحزن هو الشعور بالانتقال إلى كمال أنقص. لأنه يستحيل أن تقبل النفس بلا مقاومة فكرة انحطاطها ويستحيل أن لا تحب كيانها وأن لا تفرح بتحسن وجودها. ولما كنا نفهم
стр. 416
أن الفرخ والحزن لا ينتجان عن إرادتنا بل عن تغييرات الجسد وعن تصور هذه التغييرات، وجب أن يكون الفرح علامة الكمال، والحزن علامة النقص، بل أن الفرح هو نفس الانتقال إلى كمال أكبر، والحزن هو نفس الانتقال إلى النقص، لأن العاطفة لا تفصل عن النفس بل هي النفس مكيفة بإحدى الكيفيات.
وترى النفس أحياناً تفهم، أو تظن أنها تفهم، سبب فرحها أو حزنها، وأحياناً تكتفي بالتأثر من الفرح والحزن تأثرها من شيء واقعي مع بعض الشعور بأن مصدرهما الجسد. وفي هذه الحالة يسمى الفرح سروراً إذا تناول كل مجموع الجسم، وملذة إذا تناول عضواً معيناً
في الجسم. ويسمى الحزن كآبة إذا تناول المجموع وألماً إذا تناول أحد الأعضاء.
وعندما نقرن الفرح بصورة كائن خارجي، نحاول أن نملك ونحفظ هذا الشيء المقرون بفرحنا، ونقول حينذاك إننا نحب هذا الشيء. . . فالحب إذن هو الفرح المقرون بصورة سبب خارجي، والبغض هو الحزن المقرون بصورة سبب آخر.
هذا وإن أفراحنا - كأحزاننا - مرتبطة بعضها ببعض بطرق متنوعة فإذا شعرت النفس بعاطفتين في آن واحد فلا يمكنها فيما بعد أن تشعر بواحدة دون الأخرى، وقد تكون الأشياء الأقل أهمية في نظرنا سبب فرحٍ أو حزنٍ وبالتالي موضوع رغبة. ويكفي لذلك أن تقرن هذه الأشياء في مخيلتنا بشيء كان لنا سبب فرح أو سبب حزن فمجرد تفكرنا في شيء في حالة فرحنا أو حزننا يكفي لحملنا على حب هذا الشيء
стр. 417
أو على بغضه. بل يكفي أن يكون بعض الشبه بينه وبين موضوع حبنا، حتى نحب هذا الشيء، أو بعض الشبه بينه وبين موضوع بغضنا حتى نبغضه. وهكذا نحب أشياء ونبغض أشياء، دون أن نعرف لذلك من سبب مقرر فنسمي ذلك ميلاً أو نفوراً.
وقد ظهر لك كيف نعلق فرحنا أو حزننا على أشياء عديدة، فنكون أسرى الحوادث والظروف.
ونحن نشعر تجاه أشياء ماضية أو مستقبلة بنفس العواطف التي نشهر بها تجاه أشياء حاضرة، لأن صورة الشيء، ماضياً كان أو مستقبلاً، هي دائماً في حيز الحاضر عندما نفتكر بهذا الشيء. ولا نسميه ماضياً أو حاضراً إلا عندما نقرنه بفكر وزمان مضى أو سيأتي. وصورة الشيء في نفسها هي دائماً ذاتها سواء غاب هذا الشيء أو حضر. وعاطفتا الفرح والحزن عندما تقرنان بصورة شيء آت تسميان الأمل والخوف. وعندما تقرنان بصورة شيء مضى تسميان الارتياح والندم.
سبينوزا
ثمرات المطابع
فصل الصيف عادة فصل كساد في عالم المطبوعات، وجمود في قرائح الكتاب والمنشئين. على أن البريد حمل إلينا في هذين الشهرين مطبوعات جمة ومؤلفات عديدة، كنا نود أن نفيها حقها من الدرس والتقريظ، لولا كثرتها وضيق المقام. وها نحن نمر بك سريعاً أيها القارئ على أهم ما أهدي إلى هذه الإدارة من الكتب التي يكون منها لك فائدة:
стр. 418
* الصحائف السود - ولي الدين يكن، كاتب بليغ وشاعر رقيق، يطير في العالم العلوي بجناحي الخيال والشعور، وينظم الابتسامات والدموع في سلك بيانه درراً أين منها الجواهر التي تزين النحور. عرف أبناء جنسه الترك مكانته من الأدب. وحلت نفثاته أحسن محل عند إخوانه العرب. حتى أحرزت شهرة بعيدة في عالم الكتابة. فلا يكاد يدبج مقالة أو يحبر قصيدة حتى تراها متناقلة في صحف سورية والعراق والمغرب وأمريكا. وقد عرفه قراء الزهور من فئة كبار الأدباء الموالين لمجلتهم. وإذا هم اليوم أقبلوا على الصحائف السود يجدون ولي الدين فيها غير الذي عرفوه منشداً مؤثراً أو متغزلاً مطرباً، وإن كان هو هو في بلاغته وتفننه في إيراد معانيه. فهو في هذه الصحائف التي وسمها بالسواد يئن بل يتألم مما يشاهد من الظلم والحيف والجهالة المخيمة على العقول، لكن في أنينه دوي التهديد، وفي شكواه رعد الوعيد، وفي ألمه قضاء على ما يتألم منه فكأنه المغلوب الغالب، والمقهور القاهر. وكأني به وقد ألبس صحائفه هذه ثوب الحداد يضحك من الأيام التي يعاركها وتعاركه. وإذا طلبنا إليه اليوم بعض صحائف بيضاء، نكون قد أعربنا عن رغبة العدد الكبير من القراء.
стр. 419
* المهاجر السوري - كتاب كثير الفوائد جم المنافع يتضمن إفادات وإرشادات يهم المهاجرين أو الذين ينوون المهاجرة إلى العالم الجديد أن يطلعوا عليها. وضعه رجل خبير بهذا الموضوع وهو حضرة جميل أفندي بطرس حلوه، أحد التراجمة في إدارة المهاجرة في الولايات المتحدة الأمريكية. وقد عرفنا المؤلف قبل اليوم شاعراً متفنناً من القصائد التي ينشرها في جريدة الهدى الشهيرة، وإذا به في هذا الكتاب ملاحظ دقيق وبحاث اجتماعي. تناول في كتابه تاريخ المهاجرة إلى أمريكا وحالة المهاجرين الأدبية والاجتماعية والتجارية والاقتصادية وشيئاً كثيراً من قوانين ونظامات تلك البلاد ودستورها وعاداتها وصناعتها وزراعتها. ومتى عرفت أن المهاجرين من العرب إلى أمريكا يعدون بمئات الألوف وأن
الذين يتأهبون للنزوح إليها أكثر من الكثير، لا يسعك إلا الثناء على واضع هذا الكتاب المفيد وعلى إدارة جريدة الهدى المعتبرة التي عهدت إليه هذه المهمة. كما انك لا تتمالك عن الإعجاب بهؤلاء المهاجرين الأذكياء الذين هاجروا إلى أرض كولومبوس، فجاروا أشد الأقوام في ميدان تنازع البقاء، فأحرزوا لهم مقاماً رفيعاً في التجارة والثروة والصحافة والأدب، ونشروا لواء اللغة العربية في تلك الأقطار النازحة، وإنا لنغتنم هذه الفرصة لإعلان فضلهم كما أننا نثني أجمل الثناء على صاحب الكتاب الذي نحن في صدده وعلى حضرة صاحب الهدى الكاتب القدير نعوم أفندي
стр. 420
مكرزل. ولما كان هذا الموضوع من الأهمية في مكان عظيم رأينا أن نعود إليه في العدد القادم فنذكر بعض ما تجدر معرفته عن المهاجرين في مهجرهم.
* منطق المشرقيين - الفلسفة القديمة - تمكنت المكتبة السفلية لصاحبيها الفاضلين محب الدين أفندي الخطيب وعبد الفتاح أفندي القتلان على حداثة عهدها من إبراز عدد كبير من الكتب المفيدة والأسفار النفيسة ونشرها بالطبع بأرخص الأثمان وآخر ما أتحفتنا به هذان المؤلفان الجليلان. والأول منطق المشرقيين هو من تصنيف الشيخ الرئيس أبي علي بن سينا الفيلسوف الشهير مع قصيدته المزدوجة في المنطق التي وضعها باسم الرئيس أبي الحسن السهلي، وفي مقدمة الكتاب بحث في حياة ابن سينا وفلسفته مقتبس عن ابن أبي أصيبعة وابن خلكان وعن دائرة المعارف الإنكليزية. أما الكتاب الثاني وهو مبادئ الفلسفة القديمة فقد جمعت فيه رسالة ما ينبغي أن يقدم قبل تعلم فلسفة أرسطو ورسالة عيون المسائل في المنطق ومبادئ الفلسفة وكلاهما من تصنيف الفيلسوف أبي نصر الفارابي. ويبتدئ الكتاب بترجمة حياة المؤلف وفيها إفادات كثيرة ن نسبه وسفره إلى العراق وغيرها من بلاد الشرق، وصلته بمتى بن يونس مع شيء من آراء الأوروبيين في فلسفته. وفي الرسالة الأولى شرح مطول عن كتب أرسطو والذين ترجموها إلى العربية، وعن مذاهب
стр. 421
اليونان في الفلسفة مع تراجم مشاهير فلاسفة العرب واليونان. وفي الرسالة الثانية فصول مختصرة في أهم مباحث الفلسفة، كمبحث النسبة بين واجب الوجود والموجودات، وتكوّن الكائنات، ولوازم الجسم، وتجزء المادة، والروح والجسد، والخير والشر إلخ. . . وقد بذلت المكتبة السفلية عناية كبرى في طبع هذين الكتابين على أجمل شكل وتصحيحهما وتعليق
الحواشي حتى جاء يفيدان العقل ويسران النظر.
* ديوان الخطيب - لا نغالي إذا قلنا إن هذا الديوان هو أنفس ديوان شعري أبرزته المطابع في هذا العام. فقد جمعت قصائده العصماء بين سمو المواضيع وكبر المعاني وبلاغة الديباجة. ومتى قام الشعر على هذه الدعائم فقل إنه من أجود الشعر وأشده وقعاً في النفوس. وفؤاد أفندي الخطيب عربي صميم. فهو شديد الولع بأدب العرب، فلا يترك شاردة عن كتابهم وشعرائهم إلا ويعيها، ولا مجموعة لهم مطبوعة أو مخطوطة إلا ويقتنيها. كما أنه شديد الغيرة على مجد العرب وشرفهم وآثارهم الغراء، فلا يدع متجهماً ينتقص قدرهم إلا ويحمل عليه الحملة الشعواء، ترى دليلاً على ذلك إذا راجعت في ديوانه هذا آمال وآلام وأيها العرب وصاحب إقدام إلخ فترى أنه يحق له أن يقول عن شعره:
أذود به عن حوض قومي فكلما ... بدا غرض أطلقت سهماً مسددا
على أن هذه الغيرة لا تغمض عين الخطيب عن عيوب قومه، فهو شديد التقريع والتأنيب، متوجع الفؤاد في الشكوى فاسمعه ينشد متألماً:
стр. 422
لك الله من دمع تحدر صيبا ... فلم يزد الأحشاء إلا تلهبا
وما هو إلا النفس سالت من الأسى ... على أمة لم ترض إلا التحزبا
إذا زال في الدين التعصب عندها ... أناب اختلاف الجنس عنه تعصبا
وهو ينادي بالتضامن والإصلاح، بلهجة يتجسم فيها الإخلاص:
بشروني في القبر إن كنت ميتاً ... عندما ننهج السراط السويا
وقد طرق الخطيب في ديوانه الشعر القصصي في حلم الهوى والعجوز اليابانية فأجاد ما أراد، وأنشد الغزل والغرام في حسناء الشرق ولوعة والقمر وغصن الأراك واللقاء والوداع فأطرب وأبدع في الإنشاد. ولو راجعت ما قاله فيه صبري وحافظ إبراهيم وولي الدين والكاظمي وغيرهم من أعلام الأدباء، لوجدتنا دونهم في التقريظ والثناء.
* الرشيد والبرامكة - ما أجل ذلك العصر وأعظم حوادثه، وما أفخم الرجال الذين زانوه كالرشيد والمأمون ويحيى وجعفر والفضل، وما أشد نكبة البرامكة الكرام تأثيراً في النفوس. ولقد قصر كتابنا الروائيون في إهمالهم حتى اليوم مثل هذا الموضوع الجميل وإبرازهم على ملاعبنا العربية. إلى أن سد هذا النقص حضرة الفاضل المطلع الأب أنطون رباط
اليسوعي، فسكب هذه الحادثة الكبيرة في قالب رواية تمثيلية، فصادفت استحساناً كثيراً حيثما مثلت. وقد بذل حضرة المؤلف عناية عظيمة في جمع ودرس كل ما قالته العرب عن نكبة البرامكة، فطالع العشرات من
стр. 423
المؤلفات في هذا الباب كما ترى، ذلك من الحواشي والأسانيد التاريخية التي يوردها. على أن غزارة المادة وإفاضة الكتاب في هذه الحادثة أخلنا في وحدة موضوع الرواية وتنسيق مشاهدها فجاء بعضها متقلقلاً لا رابط يجمعه، بل أن حذفه خير من إثباته. وهناك شيء من التعابير الدارجة على ألسنة العامة في عصرنا لا ندري كيف اندس في بعض نثرها حتى وشعرها القديم، كختام الأبيات المثبتة في مطلع الفصل الخامس مثلاً. على أن هذا لا يمنع رواية الرشيد والبرامكة من أن تكون من أكثر رواياتنا المؤلفة انطباقاً على قواعد الفن وقد استحق مؤلفها كل شكر.
* الكواكب - السر الثمين - كتابان نشرهما شاب لم يتم العقد الثاني من عمره وهو الأديب علي أفندي عنايت نجل عزتلو محمود بك عنايت باشمهندس ري مديرية الجيزة. والكتاب الأول كناية عن مجموعة روايات وفكاهات اقتطفها من مطالعاته وعربها بعبارة طلية منسجمة وأردفها بشيء من الأدبيات مما اختاره من كتاب العصر فجاءت مجموعة صغيرة كثيرة المادة. والكتاب الثاني هو تعريب رواية أدبية غرامية فكاهية عن اللغة الإنكليزية. وفي الكتابين دليل على نشاط هذا الفتى النجيب وشغفه بالأدبيات فهو جدير بكل ثناء وتنشيط.
* ولدينا أيضاً مطبوعات كثيرة منها؟ زهرة النسرين وهي من
стр. 424
منظومات الأديب أمين أفندي فتح الله صباغ والجزء الثاني من الريحانيات وقد أفضنا في الكلام عنها ص ٨٠ من الزهور والجزء الثاني من دروس التاريخ الإسلامي تأليف الشيخ محيي الدين الخياط وقد تكلمنا عن هذه الدروس أيضاً ص ٢٢٥ عند صدور الجزء الأول منها. وموضوع هذا الجزء مجمل تاريخ الخلفاء الراشدين.
أزهار وأشواك
العود أحمد
السلام عليك أيها القارئ ورحمة الله. .! طال عهد الفراق بيني وبينك على غير وداع، وها نحن نلتقي اليوم على خير وسلام. ولم يجد صاحب الزهور متسعاً لأشواكي ولا مجالاً لأزهاري في عدده الكبير عن مصر وسورية فحرمني من التفكه بمحادثتك الشهرية، حتى خفت أن تنساني، وإن كنت لا أنساك. . . أنت لاشك قضيت صيفك خارج العاصمة بعيداً عن حرها وغبارها وضوضائها، فطلبت بليل الهواء في الإسكندرية، أو عيشة الخلاء في رأس البر، أو النزهة في ربوع أوروبا، أو الراحة في ربى لبنان. وإذا لم يكن قد تم لك شيء من ذلك، فأنا مشفق عليك راثٍ لحالك، وناقم معك على رئيسك وأشغالك. أما أنا
стр. 425
فلما بدت طلائع الصيف حملت منجلي وأخذت حبلي وذهبت إلى حقلي للحصاد، فكان موسمي مقبلاً. ورجعت الآن مثقلاً بأحمال كثيرة سأهدي إليك منها الشيء الكثير، منتظراً منك هدية حملتها لي من مصيفك. ومهما كانت الهدية فأنا أهنئك وأهنئ نفسي بسلامة العودة، وأقول لك كما كان يقول العرب عدنا والعود أحمد.
المقيدات
لما أخذت على نفسي كتابة هذا الباب من الزهور جعلت من مواد بر وغرامي ألا أتعرض لسيداتي بنات الجنس اللطيف. احتراماً لهن وخوفاً منهن. فإن غضب السماء والأرض والإنس والجن لأهون علي من غضبهن. ويسوءني وأيم الحق أن أقدم لهن لأول مرة أحادثهن أشواكاً بدلاً من باقة أزهار. ولكن على نفسها جنت براقش وأنا لست الملوم. . . تفننت يا سيدتي في أزيائك وبرزت لنا في كل فصل بل في كل شهر في زي جديد، ففتنت وسبيت وفتكت: فمن قبعة أشبه بحديقة لما عليها من أنواع الأزهار، إلى قبعة أشبه بغابة لما عليها من الأطيار، فقلنا: ذلك لك فأنت زهرة هذه الحياة العطرة وبلبلها الغرد. . . وأغرقت في تنويع ملبوسك لوناً وشكلاً، فرضينا بكل أنواع دلالك ومظاهر جمالك. ولكن كيف نرضى لك بزيك الأخير وقد قيدت مشيتك وضيقت خطوتك حتى أطلق على تابعات زيك الغريب اسم المقيدات فأصبحن يرسفن رسف المكيل بعد ما كن يكرجن كرج الحجل.
следующие страницы →