Полный текст (2 201 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
إن فصل الخريف وافى إلينا ... يتهادى في حلية كالعروس
غيره كان للعيون ربيعاً ... وهو ما بيننا ربيع النفوس
ومن أمعن النظر في حياة الإنسان يراها كفصول السنة:
فصل ربيع مزهر مثمر، يطيب فيه الهواء ويروق أديم السماء. تشرق شمس الهناء، والإقبال فتبدد غياهب الكروب، ويسطع على الأفق بدر السعادة والآمال، فيضيء ظلمة القلوب، فتتفتح أزهار الصفاء، وتنضج أثمار الرجاء. . .
وفصل شتاء محزن تتلبد غيوم الشدائد في سماء مظلمة ناقمة؛ فتمطر ثلجاً تجمد له حركة القلوب الخافقة، وتسيل دموع الأعين الحارة. تعصف رياح الجزع فتتلاعب بأوراق الآمال الذابلة، وتقصف رعود المصائب فترمي القلب البشري بصاعقة اليأس القاتلة.
تلك هي حياة الإنسان: عسر ويسر، راحة وشقاء، شدة ورخاء، ورد وشوك، طلوع ونزول، شروق وأفول، حلاوة العسل ومرارة الحنظل، ابتسامة ثغر ونقطة دمع، ابتهاج الربيع وكآبة الخريف.
الكلمات الأجنبية والعامية في اللغة العربية
نشرنا في الجزء الرابع من الزهور ص ١٣٧ وفي العدد الخامس ص ٢١٥ الكلمات العربية التي باشر نادي دار العلوم وضعها لبعض اللكمات الأجنبية أو العامية وأبدينا ما عنّ لنا من الملاحظات بشأن هذه الأوضاع. واقترحنا
стр. 352
حينذاك على أعضاء النادي أن يفسحوا المجال لسائر أدباء الأقطار العربية حتى يتسنى لهم مشاركتهم في الرأي تعميماً للفائدة. وجعلنا مجلة الزهور المنتشرة في البلاد العربية واسطة لمبادلة الآراء في هذا الموضوع. فتناقلت الصحف والمجلات بحثنا هذا وذيلته بما عرض لها من الملاحظات. وقد جاءنا من أحد مراسلينا في بغداد كلام بهذا الشأن نعرضه على أعضاء نادي دار العلوم. وقد عرف القراء هذا الكاتب من مقالته الشائقة النهضة الأدبية في العراق ص ١٨٥ التي كان لها وقع عظيم في بلاد العرب. قال:
تلقى العلماء في بغداد أحسن التلقي ما أخذه نادي دار العلوم على نفسه من تتبع الألفاظ الأعجمية والعامية لوضع مقابل أو مرادف لها في العربية وأول شيء يعن لنا في هذا الصدد أنه يحسن بأعضاء النادي أن يشركوا سائر أهل الديار العربية في هذا العمل الخطير ليكون الجميع يداً واحدة في استحسان الموضوعات الحديثة أو دفعها وإلا وقع النزاع وانتفى الانتفاع.
لابد من أن تفسر الكلمة الإفرنجية أو العامية قبل أن يوضع لها مرادف في العربية. بل ويحسن أن يكتب مرادفها بالإفرنجية، وإذا كانت إفرنجية أن تكتب بأحرف تلك اللغة ليهتدى بها. وإلا فقد تكون اللفظة شائعة في ديار مصر ومجهولة في ما سواها. كما هو الأمر في الحروف الآتية: استمارة، وبولك نوت، وجول، وترسينة وغيرها فإننا لم نفهم المطلوب منها.
وأما (انفيتيانرو) فإن وجوده وجوداً طبيعياً في البلاد الصخرية أو الجبلية من بلاد اليمن والحجاز وديار مضر وربيعة وبكر مما حدا العرب إلى وضع حرف يؤدي معناه. وقد سموه جَديرَة واللفظة إلى اليوم معروفة
стр. 353
في بلاد اليمن وديار مضرو الجزائر هذا فضلاً عن أن اللفظة فصيحة في هذا المعنى فقد جاء في الصحاح ويقال للحظية من صَخْرٍ. جديرة ولا يمكنهم أن يعرفوها يومئذ أحسن من هذا التعريف. ومن مادة ج د ر اشتقوا الجدير وهو مكان قد بني حواليه جدار (الصحاح) والجدار هو الحائط. وكل درج من درج هذا الميدان
المدرَّج عبارة عن جدار لما قبله.
(بوية) المشهور في معنى البوية ما يقابله بالفرنسية وهو بالعربية الأدلم وقد استعملوا أيضاً في هذا المعنى الفارسية الأرَنْدَج وأما إذا أرادوا به ما تدهن به الحيطان وغيرها من آنية وأوعية فهو في الأول والثاني: الدهان ويقابله بالفرنسية ,
(خارطة) لم ترد الخريطة بمعنى الخارطة لهذا المخطط الأرضي. إلا أن يكون ذلك من باب المعرب الحديث. وإنما قالوا فيها تخطيط الأرض أو رسم الأرض أو مصور الأرض. ومن ذلك عناوين بعض الكتب في الجغرافية مع رسومها. إلا أن الخريطة قد وردت بمعنى أو في كلام المولّدين.
(طابور) ليست هذه الكلمة محرفة عن العربية تابور وإنما هذه هي نفس التركية طابور فحرّفها المحدثون بصورة تابور، والتركية من أصل بولوني فالكلمة إذاً لم تدخل في لسان آل عثمان إلا بعد سنة ١٥٦١ وأما في كتبا لعرب فلم ترد تابور إلا بعد شيوع اللفظة التركية بين العثمانيين والذي استزل أهل النادي للقول بعربية اللفظة وجودها في تاج العروس بل تنبيه على عجمتها. بيد أن صاحب التاج كثيراً ما يغفل عن
стр. 354
أصل اللفظة. وإلا فسائر أمهات اللغة ودواوينها القديمة لا تذكرها.
(دوسيه) المستعمل في العراق في هذا المعنى الإضبارة وقد جاءت بهذا المعنى في كتب العرب وأما ملف فلا تؤدي هذا المؤدى إلا ببعض تكلف.
هذا ما بدا لنا وهو فوق كل علم عليم.
(بغداد) ساتسنا
حالة آداب العرب
في عصر الجاهلية وعلى عهد الخلفاء
اقترحنا على الأدباء في الجزء الأول من الزهور كتابة نبذة عن الوسائل الواجب اتخاذها لترقية اللغة العربية بعد إيراد لمحة وجيزة فيما كانت عليه أيام الجاهلية وعلى عهد الخلفاء. فاستحن الموضوع كثيرون، ولكن الذين حاولوا الكتابة فيه كانوا قليلين، لأنه يقتضي بحثاً وتدقيقاً عظيمين. وكان المجلي في هذا الميدان حضرة الباحث المدقق عيسى أفندي إسكندر المعلوف، فأفاد فيما كتب، وأجاد فيما اقترح، وها إننا ننشر اليوم مقدمته عما كانت عليه آداب العرب في عصر الجاهلية وعلى عهد الخلفاء مرجئين القسم الثاني، وهو ما يجب اتخاذه من الوسائل لترقية تلك الآداب إلى العدد الآتي:
العرب من القبائل السامية التي انتشرت في شبه الجزيرة المنتسبة إليهم، وقد بقوا سحابة عصور طويلة بلا كتابة فحفظت آثارهم بأشعارهم ورواتهم، وعرفوا بفرعين عظيمين البائد والباقي: فالقبائل البائدة طمست آثارها كعاد وثمود وطسم وجديس ممن أقاموا في عمان والبحرين واليمامة
стр. 355
واشتهر منهم لقمان الحكيم صاحب الأمثال التي يقال أن أصلها من الشعر المقفى ولغتها حميرية. والقبائل الباقية هي بنو قحطان وبنو عدنان ويعرفون بالعرب العاربة وكانت كتابتهم الحميرية أو القلم المسند القديم انتشرت في اليمن فكانت لغة القبائل البادية وعرفت بلغة قحطان وقد وجدت آثارها في جبل الصفا في حوران وفي مأرب (اليمن) وحروفها منفصلة ولما اعتمد الإسلام على لغة قريش العدنانية تغلبت على اللغات الأخرى وأماتتها. واللغات السبع المشهورة بالفصاحة في العرب العرباء هي: لغة قريش وهذيل وهوزان واليمن وطي وثقيف وبني تميم. ومن القلم المحيري اشتق الكوفي ثم النسخي وفروعه إلى عهدنا.
وكانت نهضة العرب قبل الإسلام بنحو قرن أي في أثناء القرن السادس للميلاد ولقد رقاهم احتكاكهم بالحبشة والفرس والروم من مناوئيهم.
وكان الشعر في أول أمره عندهم مقاطيع وأرجازاً فقصده المهلهل، وأول من أطال الرجز وقصده الأغلب العجلي بزمن النبي ( ﷺ ) ثم العجاج. وسئل أبو عمرو بن العلاء: هل كانت العرب تطيل؟ فقال نعم ليسمع عنها. قيل وهل كانت توجز؟ فقال نعم ليحفظ عنها. .
ومن أقدم أشعارهم احتضار جدهم يعرب بن قحطان، ومنظومات الحارث بن مضاض الأصغر الجرهمي وشداد بن عاد، وعاد بن عوض وثمود بن عابر وزرقاء اليمامة وربيعة بن نزار والزباء وعامر بن حليس والمرقش الأصغر إلى أن نبغ أصحاب المعلقات والمجمهرات والمنتقيات والمذهبات والمرائي والمشوبات والملحمات فكانت المعلقات من الطبقة الأولى وما يليها من الثانية إلخ.
стр. 356
وكان شعرهم في الجاهلية طبيعياً، وصفوا فيه الظواهر الجوية، ومحاسن الأخلاق والعادات، ومنهم من أحب الروية ومنهم من فضل البداهة، وكان مذهبهم الشعري صحيحاً يتجنبون فيه السرقة والكذب. وقال الأصبهاني في الأغاني: إن موضع شعراء الجاهلية واحد من البلاغة إلا أنه غلب على ذي القروح (امرئ القيس) التجمل بالمعاني وبديع الوصف، وعلى النابغة الاسترسال في البراعة، وعلى زهير العناية بتقويم الألفاظ. وانفرد من هم دون طبقتهم بأشياء مثل أبي دؤاد بوصف الخيل، وعلقمة بوصف الوحش، وأوس بن حجر بوصف الخمر، إلى غير ذلك مما اكترث من أمثلته في كتابي (الطرف الأدبية في تاريخ اللغة العربية).
ومن خطبائهم المشهورين عبد شمس الملقب بسبا بن يشجب بن يعرب بن قحطان، وقس بن ساعدة الأيادي أسقف نجران، وسحبان وائل الباهلي، وكعب بن لؤي بن غالب، وعامر بن الظرب العدواني، وأكثم بن صيفي وعبد المطلب بن هاشم جد النبي ( ﷺ ) وغيرهم.
وعقدوا لهم أسواقاً لتناشد الأشعار وإلقاء الخطب والمباحثة والمماجدة أهمها سوق عكاظ. ولم يعرفوا من العلوم إلا نتفاً من النجامة ومن التاريخ ولاسيما الأنساب، ونبغ بينهم تراجمة عرفوا اللغات الأعجمية مثل زيد بن حماد المنتهي نسبه إلى زيد مناة الذي تقرب من الأكاسرة واقطعوه قطائع وولده عدي بن زيد وغيرهما.
ثم صارت الخلافة الإسلامية إلى الخلفاء الراشدين منهم فنبغ رأسهم النبي بالخطابة والقول الفصل وهكذا أخلافه وصحابته وعرفت الكتابة في
стр. 357
هذا العهد، وتحضرت العرب وكان الشعر على منوال الجاهلي ولكنه أدخلت فيه صناعة المديح والألفاظ الدينية فنبغ فيه الشعراء المخضرمون كعبد الله بن رواحة ومالك بن نويرة والعباس بن مرداس وكعب بن زهير وحسان بن ثابت الأنصاري والخنساء، ثم الشعراء المسلمون مثل عمرو بن معدي
كرب الزبيدي والنمر بن تولب التغلبي وأبي ذؤيب الهذليو النابعة الجعدي وغيرهم. وكان للخفاء أشعار وتواقيع وخطب ورسائل بليغة، ووضع أبو الأسود الدؤلي علم النحو بإشارة الإمام علي بن أبي طالب إلى غير ذلك.
ثم جاءت الخلافة الأموية فوضعت النقط والحركات. وكان الشعر عليه مسحة من صبغة الجاهلية ولكنه مال إلى الحضارة والتبسط بالمدح والإطراء فنبغ فيه القطامي النصراني وعبيد الراعي وذو الرمة والكميت بن زيد وابن خماعة وليلى الأخيلية وأشهرهم ثلاثة الفرزدق وجرير والأخطل النصراني. واشتهر من خطبائهم إياس بن معاوية وزياد ابن بيه وابن القرية الهلالي وخالد بن صفوان التميمي ونحوهم.
أما الكتابة فقد حولت في هذا العصر إلى العربية في الدواوين، بعد أن كانت بالأعجمية في الشام ومصر والعراق. وكبير كتاب هذا العصر عبد الحميد كاتب مروان الجعدي وإليه ينسب وضع آداب هذا الفن.
واشتهر عندهم علم الأنساب، ومن أكبر رواتهم حماد الطائي. وعرف الغناء عن الفرس. والفقه والطب وبنيت المستشفيات وعربت المصنفات الأعجمية من طبية وكيماوية إلى غير ذلك.
стр. 358
أما العصر الذهبي للعربية فهو عصر العباسيين من سنة ٧٥٠ م - ١٢٥٨ م وقد قسمته في كتابي (الطرف الأدبية) إلى نهضتين نهضة المشرق ونهضة المغرب. فأزهرت في المشرق بغداد والبصرة وبخارى ودمشق والقاهرة والإسكندرية بالعلوم والآداب واشتهر خلفاؤه بمعاضدة العلم ولاسيما هارون الرشيد وولده المأمون، حتى قال بعض المستشرقين: إن هارون كان يستصحب في سفراته مائة عالم. ولقب أوغسطين اللغة العربية حتى لقد أهدى القيصر نيقيفور إلى الرشيد كتباً كثيرة عربية. ولما كتب المأمون المعاهدة بينه وبين ميخائيل الثالث إمبراطور القسطنطينية على إثر الحرب المشهورة بينهما كان من جملة شروطها أن يرسل إليه الكتب النادرة الثمينة فأرسلها وعربت. وكان في بغداد ديوان الترجمة للتعريب وبيت الحكمة للمطالعة. وكان العلماء يتسابقون إلى خدمة الخلفاء ويرحلون في طلب العلم وقراءة الكتب على مؤلفيها أو طلبتهم ويأخذون إجازات بما اقتنوه منها. وأزهرت في المغرب قرطبة وإشبيلية وغرناطة وبلنسية وصقلية وفاس ومراكش
والقيروان ولاسيما بمعاضدة الخلفاء أخصهم عبد الرحمن الناصر وابنه الحكم المستنصر. وكانوا ينافسون المشرق بترقية المعارف حتى أن الحكم الثاني الأندلسي اشتهر باستنساخ الكتب، فأرسل ألف دينار إلى أبي الفرج الأصبهاني ثمن أول نسخة من الأغاني، ليظهره في الأندلس قبل ظهوره في المشرق فقرئ فيها قبله. وقد حمله مؤلفه إلى سيف الدولة بن حمدان قلم يعطه أكثر من ألف دينار فاستنزرها الصاحب بن عباد لأنه كان يكبر الكتاب.
стр. 359
وهكذا تبارت الدولتان الشرقية والغربية بتعريب الكتب العلمية وتعزيز المكاتب وتشييد المدارس وتقريب العلماء والمترجمين والشعراء وكان معظم الأطباء المعربين في المشرق من النساطرة المسيحيين وفي الأندلس من الإسرائيليين. وكانت المدرسة المستنصرية في بغداد وكلية قرطبة والقيروان مباءة للعلماء.
فوضع في المشرق فن العروض والقوافي، وضعه الخليل بن أحمد الفراهيدي. واشتهر سيبويه بالنحو والأصمعي بالرواية وإسحق الموصلي وولده إبراهيم بالغناء وأبو نواس وأبو العتاهية والمعري وديك الجن بالشعر. وأشهر شعراء هذا العصر ثلاثة المتنبي وأبو تمام والبحتري كما فصل ذلك ابن الأثير في مثله السائر.
ووضع في المغرب فن الموشحات المنسوب إلى مقدم بن معافر الغريري وأخذ عنه ابن عبد ربه صاحب العقد الفريد وغيره فاشتهر من شعراء المغرب ابن خفاجة وابن هانئ وابن حمديس وابن سهل وابن همار وابن هبون وابن صارة وابن رضوان وحفصة بنت حمدون والرميكية وابنتها بثينة وابن باجة وابن بقي وابن زهر وغيرهم.
وعلى الجملة فقد كان الأندلسيون نحو ثمانية قرون أساتذة للأوروبيين، ونبغ من أدباء ملوكهم المعتضد بالله العبادي وولده المعتمد وغيرهما ولهم شعر رائق.
ومن مشاهير كتاب المغرب ابن عبد البر وابن الأبار وابن رشيق وابن زيدون وابن زمرك وابن أبي رندقة الطرطوشي وعائشة بنت أحمد
стр. 360
وأسماء العامرية والشلبية وغيرهم.
ومن فلاسفة الشرقيين ابن سينا، والفارابي والرازي ومن الغربيين ابن رشد وابن الطفيل وغيرهما من كبار الأطباء ممن لا محل لاستيفاء تراجمهم الآن.
ولقد نالت العربية في عصر الدولتين الشرقية والغربية مجدها وامتدت آدابها مع غزوات أهلها في القارات الثلاث آسيا وأفريقية وأوروبا، ومعظم أوروبا التي بسط العرب عليها
جناح سطوتهم إسبانيا وصقلية وإيطاليا الجنوبية.
واقتبس الأوروبيون عن العرب العلوم مثل الباب سيلبسترس الثاني (جيربرت) وفريدريك الثاني إمبراطور ألمانيا وألبرت الكبير وغيرهم.
ولقد سمي هذا العصر بالعباسي تغليباً مع أن دولاً كثيرة نشأت في أثنائه مثل دولة بني حمدان في حلب، وبني بويه في فارس، وبني ساسان في ما وراء النهر، والفاطمية في مصر، والأموية في الأندلس. وقامت في تلك الأثناء الدولة السلجوقية فشيدت المدرسة النظامية في بغداد، وأقامت المستشفيات والمراصد. وشيد الفاطميون بمصر دار الحكمة للعلوم ومكتبة كبيرة. ثم جاءت الدولة الأيوبية على عقب الفاطمية فشيدت المدارس في بغداد وحلب والمستشفيات في مصر والمراصد في دمشق وغيرها وكانت رغبات الشعب في العلم ومساعدات الحكومة هي الباعث الأكبر على النجاح.
ثم غلبت الأمة العربية على الملك في القرون المتأخرة فكثرت غزوات الصليبيين والترك والتتر حتى تأخرت لغتهم بمزاحمة لغة الفاتحين لها وذلك من سنة ١٢٥٨م إلى أوائل القرن التاسع عشر. ومع ذلك فقد نبغ في هذا
стр. 361
العصر المتأخر شعراء من أشهرهم ابن العفيف التلمساني وصفي الدين الحلي وابن الوردي وابن نباتة وابن النحاس وان معتوق والنابلسي والشيخ أحمد البربير ومن المسيحيين المطران سليمان الغزي والمطران جرمانوس فرحات والخوري نقولا الصائغ وغيرهم.
ومن الكتاب ابن خلدون المغربي وابن جزي الغرناطي. ومن المؤلفين كثير لا محل لاستيفاءهم وحسبنا أن نشير إليهم ففي العلوم اللسانية ابن مالك الأندلسي صاحب الألفية وابن عقيل والاشموني شارحاها والصبان محشيها. وفي العلوم البيانية واللغوية جلال الدين السيوطي الذي ألف في جميع الفنون العربية، والخفاجي صاحب طراز المجالس وشفاء الغليل وشرح درة الغواص. وابن منظور صاحب لسان العرب والفيروز بادي صاحب القاموس والزبيدي صاحب تاج العروس.
وفي التاريخ والجغرافية والرحلة أبو الفداء وابن جبير وابن بطوطة والحسن القرطبي المعروف بالأسد الأفريقي. وياقوت صاحب معجم البلدان والمقريزي والمسعودي ومن النصارى ابن العبري وابن الفضل الإنطاكي والسمعاني والدويهي والبطريرك مكاريوس
الحلبي المعروف بابن الزعيم وولده الأرشد ياكون بولس وغيرهم. وفي الرياضيات ابن الهائم وأبو بكر الجمال المصري وغيرهم. ومما امتاز به هذا العصر اختراع المطبعة فكان للعربية نصيب منها في أوروبا فطبعت بحروفها كتب كثيرة في إيطاليا وفرنسا وإنكلترا والأستانة وحلب ولبنان ومالطة إلخ.
ولما تنفس القرن التاسع عشر انتشرت بيننا الطباعة فاعتزت بها
стр. 362
آداب العربية ونبغ كثير من المؤلفين والعلماء والمعربين فنشروا لنا من المؤلفات ما هو جدير بالمطالعة وإن كانت لا تزال قاصرة عن حاجاتنا فإن فيها دليلاً على نهضتنا وكفى بجرائد المهجر في أمريكا الشمالية والجنوبية ومطابعه ومؤلفاته شاهداً عدلاً على أن العربية جددت شبابها واستعادت نهضتها. فماذا يجب اتخاذه لترقية آداب هذه اللغة؟ (هذا ما نراه في الجزء الثاني).
عيسى إسكندر المعلوف
في جنائن الغرب
العزلة
طالما كنت أجلس في الجبل تحت ظل شجرةٍ من بلوط، وقد خيم الحزن على صدري، فكنت أسرح الناظر في السهول التي نشرت أمامي أحاسن محاسنها يتلو بعضها البعض وقد أخذت زخرفها وأزينت وأنبتت من كل زوج بهيج، وقد آذنت ذكاء بالغروب مرتدية حلتها الصفراء تعلوها الكآبة. ولا أدري إن كان ما ألم بها توجعاً ورحمة لي، أو من ألم البين والفراق.
أمامي النهر يزمجر بأمواجه الزاخرة المزبدة، وينساب كالأفعى وسط الرياض، وهناك البحيرة الساكنة كالمرآة الصقيلة. وقد ارتسم كوكب المساء على صفحات الماء. وكانت الجبال التي تحوطني متوجة بغابات قاتمة رمى عليها الشفق أشعته الأخيرة.
стр. 363
لم تك هذه المناظر الجميلة لتروقني أو تنفحني ببعض سرور ينعش القلب، بل كنت أشاهد الأرض كظل متنقل، كما أن شمس الأحياء لا تدفئ الأموات.
كنت أنقل الناظر من أكمة لأكمة ومن الشمال إلى الجنوب، ومن الشرق إلى الغرب فلم أظفر بهناء يخفف ما بي من ألم الكآبة والوحشة.
ماذا تفيدني هذه الوديان والقصور والأكواخ التي لا أعبأ بها إذ لا أجد بها ضالتي المنشودة، وما كانت لتشرح صدري هذه الأنهار والصخور والغابات مع ما أنا فيه من الانفراد والعزلة. وإن غاب عن عيني عزيز واحد فالدنيا بأجمعها تكون أمامي قفرة موحشة.
لا أحفل بشمس تتبعها عيني في مسيرها من الشرق إلى الغرب جارية في سماء صافية أو مكفهرة إذ لا أنتظر شيئاً من الأيام.
ولو استطعت أن أتبعها في مجراها لكنت أشرف على الجو والصحاري ولكنني لا أرغب في شيء من جميع ما تنيره ولا أطلب أمراً من هذا العالم العظيم.
ولكن ربما كان بعد هذا الكون عالم آخر تضيئه الشمس وتظله سماء أخرى، ولو تسنى لي أن اترك جثماني في الأرض وأصعد بروحي إلى السماء لأنظر بعيني ما أراه في الأماني والأحلام، فهناك أتنشي من رحيق المنبع الذي آمله وأجد ما أتطلبه من الأمل والحب، وهذا غاية ما تشتهيه الأنفس، وليس له اسم في المقام الدنيوي. فلم بعد ذاك أمكث في الدنيا دار
النفي إذ لا علاقة لي بها ولا شأن لي فيها.
стр. 364
مثلي كمثل الورق الذابل حينما يتساقط في المروج فتحمله الريح إلى الوديان فاحمليني مثلها أيها الشمال العاتية.
(تعريف محمد كامل حجاج)
لامارتين
الوصايا الصحية
تحمل إلينا التلغرافات يومياً أنباء مزعجة عن فتكات الكوليرا في أنحاء أوروبا. وقد بات الوباء على الأبواب يتهددنا. فيجب علينا إتقاء لشره ورداً لغاراته، أن نتدرع بقانون الصحة فيكون لنا حرزاً حريزاً. وقد زودنا حضرة الفاضل صاحب الإمضاء في تقويم البشير بخير الوصايا، فعلينا أن نعمل بها، قال:
العلم يقول والعمل والاختبار يؤيدان قوله: احفظ وصاياي لتحفظ لك صحتك فتعيش طويلاً معافى سعيداً ويكثر نسلك ويقوى وطنك وهاك هذه الوصايا:
- ١ -
الأمراض المعدية - إن أكثر الأمراض، بل كافة الأمراض المعدية والأوبئة، إنما سببها ميكروبات أي كائنات حية وضعها العلماء في عالم النبات (إلا بعضها القريب من عالم الحيوان) في طائفة الطحلب. أما صغرها فمتناهٍ كشرها. وهي تتكاثر بسرعة عجيبة هائلة إذا وجدت غذاء مناسباً وشروطاً موافقة من الرطوبة وبعض الحرارة وغيرهما. ولكل مرض معدٍ ميكروب خاص به يفرز سماً أين منه غالباً سم الأفعى. ولكن اعلم ولا تنس قط أن الأسلحة التي نحارب بها الميكروبات، وبها نمنع انتشار الأوبئة، كما تمنع أوروبا الراقية انتشار الكوليرا والطاعون والجدري، هي:
стр. 365
١ - سلامة البنية بالمحافظة على القوى الطبيعية الموروثة والمكتسبة، ذلك بالمعيشة المرتبة والمأكل الوافي والنوم الكافي، مع تجنب الأتعاب الشاقة عقلية كانت أو جسدية، والابتعاد عن الشهوات والمنكرات، لأنها تضعف ما وضعته فينا الطبيعة من قوة الدفاع لمقاومة الأمراض. الشره السكير الفاسق الفاسد السيرة والسريرة الزاني هو ذاك الرجل الذي عناه سنكا الفيلسوف بقوله: الإنسان لا يموت بل يقتل ذاته.
٢ - النظافة التي هي ركن القانون الصحي. وفضل النظافة على التنظيف كفضل الوقاية على المعالجة، أو علم حفظ الصحة (الهيجين) على الطب. نظافة مدينة أو شارع أو مكان أو ثوب أو مياه هي مقياسها الصحي.
٣ - التطعيم وتجديده لبعض الأمراض لاسيما الجدري لأنه الواقي العجيب من هذا الداء الوبيل. وقد اتضح أن اللقاح المضاد للدفتيريا والطاعون جزيل الفوائد إبان الأوبئة كواقٍ
من هذين المرضين. ونحن بانتظار اكتشاف لقاح لباقي الأمراض المعدية لاسيما السل والتيفوئيدية.
٤ - عزل المصاب بمرض معد عن السلماء، لأن أغلب الأمراض، إن لم تنتقل بواسطة البعوض أو الذباب أو الماء كالوبالة (الملاريا) والهواء الأصفر، فهي تسري إلى السليم باللمس والمخالطة كعدوى الخناق (الدفتيريا) والجدري والتعفنات الجراحية والشهقة والحصبة. ويعين لخدمة المصاب بالجدري ونحوه من الأمراض التي لا تصيب الإنسان عادة إلا مرة واحدة من أصيب قبلاً بذلك المرض فاكتسب بذلك مناعة أو معافة.
٥ - التطهير أي ملاشاة الجرثومة في مصدرها وينبوعها إما بالنار لإحراق
стр. 366
ما هو قليل الثمن أو بالغليان أو بالمستحضرات التي تقتل الميكروبات كمحلول السليماني أو حامض الفينيك أو الفرمول أو سولفات النحاس مثلاً لغسل الناقهين من بعض الأمراض المعدية كالجدري أو لبصاق المصدورين، وكحليب الكلس لجدران الغرف وخاصة لبرازات المصابين بالتفيفوئيدية أو الكوليرا أو الدوسنطاريا. أو بالمطاهر والمخانق البخارية أو بالهواء السخن الذي يطهر الثياب والفرش والأثاث بقوة الحرارة.
فمن فعل ذلك بات آمناً ونظر إلى الأوبئة نظره إلى ذئب ضمن قفص، وفهم كيف أن الأوبئة التي كانت قديماً تجرف، حيث تدخل، ربع أو نصف الخليقة، أصبحت الآن إصاباتها تعد على الأصابع وكيف أن التجارة والاتصالات تخلصت من المحاجر (الكورتنتينات).
٢
الأرض - أما الأرض التي على سطحها نقضي حياتنا فيشترط فيها الابتعاد عن التربة الكثيرة التشرب للرطوبة، لأن الأماكن الرطبة هي منابت التعفن كالتربة الدلغانية التي تكثر فيها المياه الآسنة والمستنقعات. فهناك تتفشى الحميات الدورية والخبيثة والتسمم الملاري، فتئول في أماكن كثيرة إلى انحطاط البنية وانقراض السكان. وقد تعلمنا آخراً أن الجرثومة المسببة كل ذلك كجرثومة الحمى الصفراوية تنتقل إلى الإنسان بلدغ البعوض. ومناخ أراض كهذه يصلح بملاشاة المستنقعات وتخديد التربة وفتح قنوات لصرف ما يأسن من الماء ولتجفيفه وبالاختصار بالزراعة لاشِ البعوض برش قليل من البترول على سطح
حياض الماء (جرام عن
стр. 367
كل متر مربع من سطح حوض ماء) وتلافه بإسدال شباك ضيقة الثقوب على النوافذ وباستعمال الكلل (الناموسيات) عند النوم إلى غير ذلك من الوسائل المعلومة.
٣
الهواء - بلا هواء من يمكنه أن يعيش دقيقة، على أنه إن كان الهواء لازماً فمن اللازم أيضاً أن يكون الهواء نقياً. أهرب من الهواء الفاسد والمحبوس كما تهرب من الحية لأنه هو أيضاً سام. . . واسعَ وراء الهواء المطلق الصافي لأنه من أهم الشروط الصحية للمريض والسليم بل هو من السل الذي ترتعد منه فرائصك أحسن واقٍ وأنجع شاف. وقد لقح بعضهم حيوانات بباشلس السل، ثم أطلق بعضها في الفلاء وحبس البعض الآخر، فالأولى سلمت والثانية أصيبت بالداء. فاختر إذن الأماكن القليلة الازدحام وتجنب الغبار، لأنه يحمل كثيراً من الميكروبات، تنزه أوقات الفراغ في البرية أو على شاطئ البحر وفي غابات الصنوبر وأحراج الإيكالبتوس لأن الأشجار تمتص الرطوبة وتنقي التربة بجذورها وتصفي الهواء بأوراقها، إنما لا يجوز أن تسد غضاضة الأشجار النوافذ. الهواء الحار مزعج للفكر والجسم، والمناخ الحار مضعف تكثر فيه التعفنات والحشرات المؤذية كالبعوض والبق والذباب والبراغيث وله أمراض خاصة تكوّن قسماً من الباتولوجيا هاماً. الاستدفاء على المنقل أضر كثيرين لأنه يصدر من الاشتعال غاز سام هو أكسيد الكربون (الحامض الفحمي) وهو يسبب سنوياً موت أناس عديدين.
стр. 368
٤
المشرب والمأكل - الماء تحتاج إليه في كل حين أي لمشربك وطبخك ولتنظيف بيتك ولصناعتك وبستانك. الماء ضروري لحمامك ولصحتك. والماء البارد ينشط ويدفئ شتاء ويخفض الحرارة صيفاً والماء السخن ينظف ويسكن. ولكي يكون الماء كافياً، يجب أن يكون وافراً، وعلى كل حال يجب أن يكون نقياً سليماً من كل ميكروب منذ خروجه من ينبوعه. ولابد لهذا الينبوع من حرم ووسائل كافية تقيه من ارتشاح أقذار ما يجاوره من التربة حين سقوط الأمطار. ولتوزع المياه منقولة ضمن أنابيب حديدية محكمة لا تتحلب إليها الأوساخ لاسيما برازات الإنسان. وإذا لم يكن الماء نقياً وعند الاضطرار ولأقل ريب
رشحه بمرشحة شمبرلان أو بالأحرى إغله فتسلم من الكوليرا والدوسنطاريا والتيفوئيدية وبعض الديدان التي هي مائية الأصل. على أنا نبشر القراء بأن العلم اكتشف اكتشافاً عظيماً خطيراً وهو أن بواسطة مرور أشعة مصباح كهربائي زئبقي على الماء يمكنك أن تطهره بالحال وتقتل ميكروباته بدون أن تفقد ذلك الماء شيئاً من ذلته وفوائده لأن أشعة الطيف التي هي ما وراء البنفسجي المعروفة جيداً لدى من درس الطبيعيات، هي ذات قوة عجيبة لقتل الميكروبات. وهذا الاكتشاف هو الآن موضوع مباحث عديدة ذات نتائج سامية.
ليتك لا تأخذ مشروباً إلا الماء لأن المسكرات سموم. والسم لا يخرج من خزانة الصيدلي إلا بأمر الطبيب. كيف لا وهي تضر الجسم
стр. 369
ضررها العقل والدين والآداب والاقتصاد وتضعف أكثر الأعضاء، وتؤثر في لابنين وتسم الدم: أسكر بعضهم ديكاً فتحول لون عرفه من أحمر جميل إلى أزرق أسود أي لون تسمم الدم. وبالاختصار إن شرب المسكر هو الطريق الرحب المؤدي إلى الخمارة والقهوة وملعب القمار والمستشفى أو المأوى والمارستان فالمقبرة.
وليكن طعامك صالحاً من حيث الكمية والتحضير تغلب فيه المواد النباتية على اللحوم (اصطلحوا أن يضعوا الحليب والألبان والبيض بمصاف المواد النباتية وهي من أنسب المآكل من كل الوجوه). اللحوم سريعة الفساد خصوصاً في بلادنا الحارة وتتوفر فيها الجراثيم لاسيما لحم الخنزير. الحبوب بالإجمال تغذي جيداً وهي سهلة الهضم إذا هرست ناعماً ونضج طبخها. وأما الخضر والثمار فتشتمل على مواد مغذية غير وفيرة، ومعظم تركيبها من الماء، إلا أنها لذيذة وموافقة جداً. احذر المهيجات كالبهارات والمسكرات والخردل فهي تجعل المعدة بليدة فمريضة. ولا يدفعنك إلى الطعام شره أو شرب عرق بل شهوة طبيعية نسميها القابلية أوجدتها العناية لتعويض ما يفقدنا إياه العمل. وما تأكله برغبة تهضمه بسهولة. المعدة مثل كل أعضائنا تتعب مما تكره والسخرة تزعجها. وليكن الطعام ملائماً للعمل والظروف كحليب الأم وحده للرضيع. والأطعمة اللينة لمن فقد أضراسه وصعب مضغه. امضغ جيداً، لأن الباري تعالى لم يضع الأضراس إلا لوظيفة لها هامة. قليلون ينالهم الأذى لقلة طعامهم وأما كثيرون فيتخمون ويمرضون لشراهتهم. وما ملأ
الإنسان وعاء شراً من بطنه. لا
стр. 370
تدخل الطعام على الطعام. خفف عشاءك تحمد منامك.
- ٥ -
المسكن - لسكناك نتفق محلاً رفيعاً معتزلاً بعيداً عن كل مكان وسخ خطر وإن أمكن في وسط حديقة واجعل جدرانه من حجر أو قرميد وارفع حضيضه، وافصله عن رطوبة التربة القائم عليها بطبقة عديمة الامتصاص كالحجرية. والرطوبة منبت العفونة والعفونة مرض وبالأحرى المرض عفن. وسع غرفه وقلل سكانها، ولكن الشبابيك عديدة عالية وسيعة أشبه بأبواب منها بشبابيك، وافتحها وسيعاً وكثيراً وطويلاً ومتقابلة ما استطعت سبيلاً. . . كيف تنشئ نوافذ فتسدها بالبردايات؟ ألا تعلم المثل الشهير: البيت الذي تدخله الشمس لا يدخله الطبيب. الميكروبات مثل كل محبي الأذى ترغب في الظلام. فالشمس هي المطهر الأقوى والأعم والأرخص. أقول للعامة لأفهمها فوائد الشمس. افتحوا نوافذكم لدخول الشمس كما لو كان لدخول ليرات إنكليزية. لا تستكثر من الأثاث لغير لزوم فإنه قد يصبح مأوى للغبار وعشاً للميكروبات. والقانون الصحي قد قضى عليها كما قضى عليها قانون الاقتصاد إذ قال: من يشتري الفضولي لا يلبث أن يبيع الضروري كرس ثمنها للأشياء المفيدة الصحية. النور الاصطناعي يزاحمك على الهواء النقي المحيي فنم إذا في الظلام. تعود إبقاء نافذة مفتوحة في غرفة المنام. ونم ضمن كلة (ناموسية) تقيك البعوض. ضع المستراح خارجاً أو منفصلاً عن البيت وليكن فيه النور والهواء وافرين وليكن حضيضه وجدرانه صقيلة تلاقياً للأوساخ. بادر
стр. 371
وضع لبيتك فاصلاً مائياً أي أنبوباً معرجاً كحرف؟؟ العربي أو؟؟ الفرنساوية النائمين. لأنه عجيب الفائدة إذ يمنع الغازات الفاسدة وكل رائحة وكم هي غزيرة في بلادنا الحارة! وبواسطته ترى الآن المستراحات لا تفترق من هذا القبيل عن قاعات الاستقبال أو لتنزل البرازات إلى صناديق حديدية محكمة أو فلترسل مع كل الأقذار إلى الأسراب لتتطهر أخيراً بتسميدها البساتين والأراضي المزروعة.
٦
الثياب - لا تلبس للزخرف بل للاحتشام واتقاء البرد والعناصر الخارجية. البرد أشد وطأة والتبرد أكبر أذى لشديدي التحفظ وكثيري التلفف من غيرهم، فهم أقل تصلباً تجاه تقلبات
الطقس.
احذر الأربطة والملابس الضيقة التي تعوق دورة الدم ونمو الأعضاء. احذري أيتها السيدة المشد (الكورسه) فهو قفص يحبس الأعضاء الرئيسية، وهو عثرة في سبيل قيامها بوظائفها ولأنه يزيح بعضها عن مكانه ويعوق نمو جميعها. لا تكنسي بثيابك الطويلة الأوحال والغبار حيث جراثيم الأمراض وبصاق المسلولين، بل اسهري على ثوبك أن يكون نظيفاً أكثر منه أن يكون على آخر موضة. الحذاء الضيق يضايق الرجل ويشوهها ويسبب المسامير بل انزعاجاً في الجسم.
٧
الأخلاق والعادات - تجنب البطالة كتجنبك الأشغال الشاقة جسدية كانت أو عقلية، فالجسدية تفقدك النشاط وتضاد نمو الأعضاء بينما
стр. 372
هي أم الرذائل والهموم، والكسل هدام القوى العقلية والجسدية. والعقلية تنهك قواك وتجعلك معداً للأمراض وتضعف الأعصاب، العمر ينفد والشغل لا يفرغ. اشتغل باعتدال لأن الشغل يسلي ويقوي الأعضاء وينشط ويضاد السمن والنقرس والحصى التي تجلبها الحياة الساكنة الحياة الجلسوية. استرح في كل أسبوع يوماً تاماً طبقاً للوصية ونم واشتغل واسترح ثمان ساعات من كل يوم. لا تحول ليلك إلى نهار لتقضي سهراتك بما يحرمه الدين أو القانون الصحي كلعب القمار. أرح بالك وأشغل جسمك تلك نصيحة أراني باحتياج إلى إعطائها كل يوم مراراً. اسع وراء اكتساب الخصال الحميدة والمبادئ الشريفة. تعود العادات الحسنة وعودها خاصة لبنيك، فالعلم في الصغر كالنقش في الحجر. عود أولادك النشاط وقلة التنعم. . . صلبوهم تدريجياً. ربوهم يا شرقيون على الرجولية الحقيقية: الفسق والغضب وكل ما يخل بالآداب ينخر العافية ويذهب بالهناء ويأتي بالشيخوخة قبل الأوان، كما قال ابن سيراخ منذ القدم. الزنى يدهورك في لجة الأمراض المخيفة ويلبسك ثوب العار كمرض الزهري الذي ينتقل إلى النسل، فالآباء يأكلون الحصرم والأبناء يضرسون. ولذلك لا عجب إذا اعتبرنا الزواج فرضاً مقدساً على المرء تجاه نفسه ووطنه وتجاه الإنسانية. فالمرأة حياة الرضيع وملجأ الصغير ومسرة الشاب وشريكة الكهل وعضد الشيخ. ونكرر التحذير من السكر والأشربة الكحولية. خف من أخذ أول كأس عرق أو كونياك كما يجب أن تخاف من إمضاء أول كمبيالة أو
أول كفالة. التدخين يضر غالباً ولا يفيد.
стр. 373
ضع نصب عينيك النظافة والاعتدال في كل الأحوال: نظافة التربة نظافة الماء نظافة المسكن والملبس نظافة الشارع نظافة الجسم نظافة. . . اعتدال في العمل اعتدال في المأكل والمشرب اعتدال في. . . نظافة واعتدال هاك تكراراً مختصر قانون الصحة.
ونحن نعتقد أن المحافظة على الصحة فرض واجب وأن تعريض الذات أو القريب للأمراض المعدية جريمة أو جناية. . .
علمت فاعمل. لأن العمل بلا عمل، كجسم بلا روح، أو كشجرة بلا ثمر.
الدكتور أمين الجميل
في حدائق العرب
صفة المحبة
قال أبو بكر الوراق: سأل المأمون عبد الله بن طاهر ذا الرياستين عن الحب ما هو. فقال: يا أمير المؤمنين إذا تقادحت جواه النفوس المتقاطعة بوصل المشاكلة، انبعثت منها لمحة نور تستضيء بها بواطن الأعضاء، وتتحرك لأشرافها طبائع الحياة، فيصور من ذلك خلق حاصر للنفس متصل بخواطرها يسمى الحب.
وسئل حماد الراوية عن الحب ما هو. فقال: الحب شجرة أصلها الفكر، وعروقها الذكر، وأغصانها السهر، وأوراقها الأسقام، وثمرتها المنية.
وقال معاذ بن سهل: الحب أصعب ما ركب، وأسكر ما شرب،
стр. 374
وأفظع ما لقي، وأحلى ما اشتهى، وأوجع ما بطن، وأشهى ما أعلن، وهو كما قال الشاعر:
وللحب آفات إذا هي صرحت ... تبدت علامات لها غر صفر
فباطنه سقم وظاهره جوى ... وأوله ذكر وآخره فكر
وقالوا: لا يكن حبك كلفاً، ولا بغضك سرفاً
من كل حديقة زهرة
* لم ينقرض أكلة البشر عن وجه الأرض: ذهب مبشران إلى جزائر هيبريد الجديدة، وقالا للسكان: أحبوا بعضكم بعضاً فأجابوهما نحن نحب بعضنا بعضاً ونحب خصوصاً البيض وأكلوهما. وفي الكونغو قبض الوطنيون المتوحشون على ضابطين بلجيكيين وأكلوهما. وأكل أهالي النيجر طبيباً إنكليزياً ذهب ليدرس أمراض تلك البلاد فأحله القوم في معدهم. وفي جزائر الأميروته ذهب خمسة من الألمان فريسة الأهالي.
* دخل التلغراف اللاسلكي في طور الاختراعات العلمية التي يستخدمها الإنسان في حاجاته. وأصبحت المراكب في عرض البحار تخاطب البر وتتلقى أخباره على مسافة مئات من الكيلومترات. ومن أعلى برج إيفل يتخاطب الفرنسيون مع إخوانهم في مراكش وقد انتفعوا بذلك كثيراً في الحملة المراكشية الأخيرة. وفي العام الماضي كان اثنان من الأمريكان مسافرين كل في مركب بعيد عن الثاني فتكمنا بواسطة التلغراف اللاسلكي أو تلغراف مركوني من لعب الشطرنج.
стр. 375
* أخذ الأمريكان يصطنعون السيكار من ورق الكتابة. فينقعون الورقة مدة في عصير التبغ، ثم يضعونها في مكابس خصوصية لقطعها وتضليعها حتى تخدع العين بمرآها وتلف على شكل السيكار المعروف، وبقول ذوو الخبرة في التدخين أن هذا التبغ الاصطناعي لذيذ الطعم، زكي الرائحة.
* في أوروبا اليوم ١٦٠ مدينة يزيد عدد سكانها الواحدة على مئة ألف. منها ٢٥ مدينة تضم الواحدة أكثر من نصف مليون نسمة. و٧ يزيد سكان الواحدة منها على المليون وهي لندرا وباريس وبرلين وفيينا وبطرسبورج وموسكو والأستانة.
* يلزم ١٢٠ كيلو من البارود لحشو المدفع الجديد الذي من قياس ٣٠٥ مليمترات.
* سوق الزواج في المكسيك كاسدة أكثر منها في كل بلاد. فإن عدد المتزوجين كل سنة يبلغ ٨٩ فقط عن كل عشرة آلاف ساكن ونسبة المتزوجين في فرنسا إلى هذا العدد ١٦٠.
* باريس أكثر المدن قهوات وخمارات وبارات ومعدل عددها ١١ لكل ألف نسمة ويليها سان فرنسيسكو وفيها ٩ قهوات أو خمارات لكل ألف نسمة وبرلين ٨ ونيويورك ٤ ولندرا ٢. وفي بطرسبورج قهوة لكل ألفي نسمة. فهل للحكومة أن تحصي قهوات مصر لنرى نسبتها إلى الأهالي؟
* في نيويورك ١٩. ٢٤٣ فابريقة أو معملاً تشتغل ب ٣٥٠ صناعة مختلفة وقد بلغ دخلها في السنة الماضية ١١ مليار فرنك.
* دل الإحصاء الأخير في روسيا على أن عدد سكانها ١٦٠ مليوناً
стр. 376
وقد زاد الروس ٢٥ مليوناً في الثلاث عشرة سنة المنقضية.
* يصح أن يطلق على سنة ١٩١٠ اسم سنة المذنبات. فلا يزال القراء يذكرون مذنب هالي وما ألقاه من الرعب في النفوس. وسيظهر لنا قبل انقضاء السنة ٦ مذنبات ولكنها كلها أصغر من الذي تقدم.
بين هنا وهناك
اجتمع صاحب الزهور ببعض أدباء بيروت، فدار الحديث على الأدب هنا وهناك، ولما كان ملاحظ جريدة البرق البيروتية قد وفى هذا الاجتماع حقه من الوصف، فقد رأينا نقل ما كتب:
وكانت شمس الأربعاء على جناح الشفق يوم اجتمع في مكتب البرق عصابة من الأدباء:
أنطون الجميل وأمين تقي الدين وأمين الغريب وإلياس فياض ويوسف ثابت وشكري السودا وبشارة الخوري وهلم جرا - هؤلاء كانوا من أركان العصابة.
وصاح بهم صائح: هلموا فقد ضاق صدر الغرفة، وبعد دقائق كنا في روضة جمعت الطيبات الصوالح وسمحت بثلاثة أصحاب هم نصر الله الحداد وشكري أرقش وداود مجاعص فقلنا، وكأنا كنا على ميعاد:
- هات يا فياض هجاءك في سركيس
- سمعاً وطاعة
стр. 377
الذي علق في ذهني أنشره احتراماً لذكر المقدوح فيه وهو من اقترح الهجاء لنفسه ودفع جائزة عليه.
دونكم هذه الأبيات القلائل:
عجباً تحاول أن تنال هجاء ... أتراك قبل اليوم نلت ثناء
أين المشير وأين أيام مضت ... أصليت فيها الخافقين عداء
أنسيت تلك الحرب حين أثرتها ... وحملت تلك الحملة الشعواء
إذ تستعد من الجياد يراعة ... ومن السلاح وقاحة وبذاء
وإذا الورى يتجنبونك مثلما ... يتجنبون العنزة الجرباء
إلى أن يقول لا فض فوه
يا ويح ذا الأدب الذي أعطيته ... لو كنت قد أعطيت معه حياء
تالله ما والاك إلا خائف ... من ذا اللسان الطعن والإيذاء
والود إن تكن المخافة أسه ... فالعنكبوت أشد منه ولاء
لا تغترر بعريض شهرتك التي ... ملأت بك الأقطار والأرجاء
فالشر أسرع ما يكون تفشياً ... والخير يمشي مشية عرجاء
هذا هجاؤك يا سليم وإنه ... ليسوءني أني أقول هجاء
ما كنت أنحو نحوه لو لم تكن ... عينت جائزة له غراء
وكما علمت فإننا في أزمة ... لم تبق بيضاء ولا صفراء
فعساك تقترح المديح لكي ترى ... مني مديحاً كالصباح ضياء
لكنني لا أتجيد لك الثنا ... إلا إذا ضاعفت لي الإعطاء
فهجاء مثلك ليس فيه تكلف ... وأرى مديحك كلفة وعناء
وتناول بعد ذلك بلبل رياض الطرب عوده وأنشد يا ليل الصب متى غده وأنشد وقفةً أيها القمر
стр. 378
لا أرى تقريظاً لعود السودا ألطف من كلمة قالها فيه الريحاني. منها ما تقرأ:
ما بين أناملك والأوتار، سحر يسحر حتى السحار
ما بين أناملك والأوتار، عرائس ألحان وأبكار
تلبسهن من يديك الورد سربالاً، وتكللهن بالجلنار
ويرحهن النزر من خمر أنفاسك، ويذيبهن الإكثار
ما بين أناملك والأوتار، أغصان أنغام وأوتار
ولدى اهتزاز الغصن تنور الليالي وتزهو الأسحار
وتجتمع حول العود أرواح المحبين من شاسع الأمصار
فإن سلك عودك لكسلك البرق يزيل المسافة بين الأقطار
وإن لفي وقتك الموسيقي العجيب زمان نعيم مضى وليالي وصل طوال قصار.
فقد جئتنا والله في فنك بآيات ومعجزات كبار
وقد خيل لي وأنت تداعب تلك الأسلاك وتطايبها بأن مرسح الأوبرا على صدرك يدار
فتراءت لي الغواني والراقصات كأنهن لهيب من نار.
وكان الجميل صلة مجسمة بين أدباء القطرين المصري والسوري بما كان يسمعنا من أشعارهم ويطرفنا من مأثورهم حتى سكرنا بالخمرتين.
- ملاحظ
стр. 379
من وإلى القراء
كان للعدد الكبير الذي أصدرناه مخصصاً بموضوع مصر وسورية أحسن وقع لدى عموم المشتركين وقد جاءتنا كتب كثيرة من أنحاء مختلفة وكلها تطري الفكرة التي حملتنا على نهج هذه الخطة والعمل على التقريب بين القطرين الشقيقين. ونحن نرى بمزيد من السرور انتشار هذه الروح بين قراء الزهور ونشكرهم على مؤازرتهم لتحقيق هذه الأمنية كما أننا نشكر الصحف العربية في مصر وسورية وأمريكا على ما خطته بهذه المناسبة من كلمات الثناء فإنما هذه الأفكار تحيا وتعيش بتداولها بين الأدباء والعقلاء.
* تأخر هذا العدد عن موعد صدوره لأسباب خصوصية دعت صاحب المجلة إلى خارج مصر، فرأينا أن نضمه إلى العدد الذي بعده ونرسلهما إلى المشتركين في آن واحد.
* احتفل الأخوان المسلمون في هذا الشهر بعيد الفطر السعيد أعاده الله بالهناء واليمن والبركات.
* بإمضاء الزهرة الذابلة تلقينا كتاباً جميلاً أملاه قلب حساس وخطته يد لطيفة أثنت فيه على الزهور ومنشئها وكتابها، وتمنت لها حياة طويلة ليظل عشاق الأدب يزينون بها مكاتبهم كما تزين العروس رأسها بزهر الليمون. . . سلمت أيتها الزهرة المستترة من الذبول، وأجادك الندى بقطراته المنعشة، ولكن أين الذبول من الزهرة التي تفوح بمثل شذاك العطر.
стр. 380
العدد ٨ - بتاريخ: ١ - ١١ - ١٩١٠
العمال والحكومات
العمال هم العدد الأوفر في الأمم، والعامل الأكبر على رقي الشعوب، عليهم مدار قيام الكون، وبهم تقدم بني الإنسان في معارج العمران.
هم معدن ثروة البلاد وغناها، ومنهم مصدر نفوذها وسلطتها، وينبوع مجدها وعلاها، بل هم أعصاب البشرية ومجموع حياتها وقواها.
هم الذين بعملهم الدائم وجهادهم المتتابع وسعيهم المتواصل يسيرون بسفينة بلادهم سيراً حثيثاً أميناً في بحر تنازع البقاء المتلاطم غير هيابين ولا فخوري. فلا تقعد بهمهم العواصف العاصفة، ولا تثبط عزيمتهم الرياح الثائرة والأمواج الهائجة، بل يواصلون الجد بثبات وحزم. . . ولا يفاخرون بعملهم ولا يباهون بخدماتهم شأن كبار القوم.
هم لا تصيبهم مزن الألقاب والرتب وعلامات الشرف المصطلح عليها، هم لا يؤبد رسمهم بالتماثيل النحاسية والأنصبة المرمرية، لكنهم يصبونها من قلوبهم ومهجهم ليمجد بها غيرهم. هم لا يخلد اسمهم في التاريخ بل يكتبون صفحاته بدماء أفئدتهم ليعظم فيها سواهم. هم لا يكللون
стр. 381
بأكاليل الغار بل يغرسونها بعرق الجبين ويجنونها بكد اليمين ليزينوا بها جبهة رؤسائهم.
أما هم فجل ما إليه يتوقون هو ما يسدون به رمقهم ويسترون عورتهم، فلا يتقاضون الإنسانية جزاء تفانيهم الدائم واستهلاكهم المستمر إلا ما يعولون به عيالهم.
العملة هم الأحرف الصغيرة التي تنضد منها قصيدة البشرية، وتتألف منها أنشودة الكون. وما الكبار والحكام والمتمولون سوى أحرف العنوان الكبيرة التي تستلفت الأبصار وتستوقف القارئ ولا معنى ولا مداول لها إلا بما يليها من صغير الحروف.
بل قل إن العملة هم أشبه بأولئك البحارة الذين يشتغلون في داخل الباخرة. يوقدون ويديرون ويحركون. ولا يرى أحد لهم عملاً حتى أنهم أنفسهم لا يرون نتيجة عملهم إذ هم في قعر المركب مدفونون.
بيد أن سير السفينة الماخرة في عباب الماء، تحت زرقة السماء، نحو الأرض البعيدة، هو معول شغلهم، والفضل فيه راجع إليهم. . . .
نحن لا ننكر أن أولئك البحارة لا يصلحون بلا القبطان، كما أن الجنود لا يقوون بلا القائد لكنه قد يفوت الكثيرين فينسون أو يتناسون أنه لولا البحارة لما وجد القبطان، ولولا
العساكر لما كان القائد. كما أنه لولا حروف الكتابة الصغيرة، لما وجدت حروف العنوان الكبيرة. وهذه سنة الخلاق في خلقه.
تنبهت الحكومات الراقية إلى هذه الطبقة الأكثر عدداً الأقل حظاً،
стр. 382
وفهمت أي فراغ تملأ في الكون؟ وأية دعامة هي للثروة الحقيقية والتقدم الصحيح فوجهت إليها عناية خاصة، وسنت لها قوانين ونظامات حافظة. ونعم ما هي فاعلة.
على أن العمال لم يلفتوا الحكومات إليهم إلا بفضل ما أظهروه من التضامن والتعاضد والتكاثف، فألفوا النقابات والجمعيات، وأسسوا صناديق التوفير والتأمين، حتى أصبحوا هيئة منظمة ذات حول وطول. إذا داعوا سمعت دعواهم. وإن طالبوا أجيبت مطالبهم.
ساءت حالهم، ونكبوا بالضيق والعسر وباتوا في أنحاء المعمور أجمع عرضة للهلاك شقاءً وبؤساً وليس من يمد لهم يد المساعدة إلا الأفراد القليلون. فهبوا هبة واحدة، وعملوا على تنظيم شؤونهم المادية والاجتماعية، فنالوا المنزلة التي يستحقونها في المجتمع الإنساني. وما أشرف منزلة العامل من منزلة. . . .!
ولكن القوة تولد البطر، والسطوة تنتج الاستبداد، ويد الغايات تمتد إلى كل مجموع. اعتصب العمال فنالوا مطالبهم الحقة أحياناً، ورأى بعض الزعماء فيهم قوة تدك العروش، وتهز التيجان على الرؤوس، فاتخذوهم آلة لنيل مآربهم الملتوية. فرأينا الاعتصاب تلو الاعتصاب بحق وبغير حق وتلك الحركة التضامنية - الجميلة في بدايتها - تتحول أحياناً إلى ثورة فوضوية لا رادع لها ولا وازع. فتعرقل التجارة، وتقطع المواصلة، وتضر بالزراعة، وتوقف دولاب الصناعة، وتقوم عقبة كؤوداً، في وجه سير العمران. وكثيراً ما صار هذا التضامن تضامناً إجبارياً أدهى وأضر
стр. 383
من التخاذل. وهذا الاعتصاب المتكرر في فرنسا وإنكلترا وألمانيا والولايات المتحدة قد سبب هذه السنة من الأضرار ما لا يقدر.
على أن هذه الحركة لم تبد إلا في تلك الدول التي تعد في طليعة الأمم الراقية، حيث تنبه الشعب وأدرك ما له من الحقوق - وإن نسي أحياناً ما عليه من الواجبات. ولما كانت الحكومة صورة الشعب رأينا تلك الحكومات - وإن هالها هياج العمال - تسعى إلى تحسين حالهم وصيانة مصالحهم وصد أصحاب رؤوس المال عن اهتضام حقوقهم. فلئن تعدى العمال أحياناً حدودهم مدفوعين بيد تعمل في الخفاء، فإن طول الحيف الذي كثيراً ما يلحق
بهم يشفع لهم ويجعلهم دائماً جديرين بكل اهتمام.
ولذلك رأينا مجلس نواب ألمانيا يقرر المباشرة حالاً بكثير من الأشغال العمومية المنوي إنشاؤها في المستقبل، وذلك لتشغيل الذين لا يجدون شغلاً.
وسمعنا مناقشات مجلس العموم في إنكلترا تتناول أمر العملة ومسألة إعالتهم في شيخوختهم ووفاتهم.
وقرأنا منشورات الرئيس روزفلت المنددة بالشركات والنقابات المدافعة عن حقوق العمال والفعلة المهضومة. فقامت لها أمريكا وقعدت.
وشاهدنا حكومة فرنسا لدى تشكيلها وزارتها الأخيرة قد أوجدت نظارة خاصة دعتها نظارة العمل للنظر في شؤون العمال والذود عن مرافقهم ومصالحهم والسعي في ترقية أحوالهم المتوقف عليها رقي البلاد. .
لعمري إننا سائرون حسب سنة الارتقاء إلى زمن - عساه أن يكون قريباً - تصبح فيه نظارات العمل أرفع شأناً وأكثر خطارة من نظارات
стр. 384
الحربية والبحرية. . .
فهلا تنظر حكوماتنا الشرقية، وهلا يرى قادة الأفكار منا الحاجة إلى ترقية حال عمالنا والسهر على مصالحهم، والذود عن حقوقهم فلا يبقوا في أيد أصحاب العمل آلة مسيرة، حتى إذا ما أدت الخدمة المطلوبة أو تعطل سيرها طرحت خارجاً.
وسنأتي في العدد القادم على بعض ما يتعلق بالاعتصابات.
كيف ترتقي
اللغة العربية
نشرنا في الجزء السابق ص ٣٤٣ القسم الأول من مقالة حضرة صاحب الإمضاء وفيه لمحة عن حالة الآداب العربية في أيام الجاهلية وعلى عصر الخلفاء. وهذا هو القسم الثاني وفيه بحث عن الوسائل الواجب اتخاذها لترقية هذه اللغة:
إن ارتقاء آداب اللغة العربية يجب أن يتم بسلم ذات ثماني درجات، لا غنى للواحدة عن الأخرى فيها ولا يمكن الوصل إلى قمة نجاحها بغيرها وهي: الدولة والأمة والمدارس والصحافة والتأليف والمجتمعات العلمية والمكاتب. وإليك الكلام على كل منها باختصار.
١ - الدولة - لا خفاء أن اللغة ترتقي بارتقاء الدولة فهي التي تذود عن حوضها وتحمي ذمارها. ومن يجهل نهضة العباسيين في الشرق، والأمويين في الأندلس، والفاطميين في القاهرة، والأيوبيين في بلاد العرب. بل من يجهل نهضة الغربيين بحكوماتهم، وتعزيزهم للغاتهم
стр. 385
باستخراج دفائن الكتب ومن الخزائن القديمة ونقلها إلى لغاتهم، وتقريب العلماء وإجراء الرزق عليهم، وإرسال النساخ إلى كل إقليم ينسخون ما فاتهم من المؤلفات حتى ملأوا المكاتب ورقوا آداب اللغة وعقدوا لذلك مجامع من علماء استقدموهم من أطراف مملكتهم. فهكذا ترقي الدولة آداب لغتها وترفع منار آدابها، وتنشرها بين ظهراني الناطقين بها، فتساعد المؤلفين وتمنحهم امتيازات لحفظ حقوق مؤلفاتهم استثماراً لها. فتكثر الرغبات في وضع المؤلفات العائدة على العربية بالنفع والمرقية لآدابها والناشرة للعلوم العصرية فيها. وطالما نرى عندنا أن زيداً يؤلف كتاباً فيغير بعض عباراته وعمرو يطبعه. أو انه ينسج على منواله مستعيناً بأسلوبه ويزاحمه فيه. فعلى آداب العربية السلام وعلى اللغة العفاء. بل طالما نرى المدارس والمؤلفات لا نظام يوحد مبادئها فلا أمل في إحياء اللغة بيننا على هذه الخطة.
٢ - الأمة - يجب أن تكون حريصة على لغتها شديدة الغيرة عليها. ومن سوء الحظ أن معظم المتعلمين عندنا والمعلمين ينظرون إلى لغتهم شزراً. فكيف ينتظرون من الحكومة أن تساعدهم؟ وإذا لم يعتقد كل عربي أنه من المعيب أن يتعلم الإنسان اللغات الأعجمية وهو يجهل لغته، فلا أمل في الإصلاح. ولرب معترض يقول وما النفع من لغتنا العربية مع
كساد بضاعتها؟ فأقول لمثل هذا المعترض أن الناطق باللغة العربية لا يستغني، مهما تيسرت له الذرائع خارج موطنه، عن العودة إليه. فبأي لغة يخاطب قومه ويكاتبهم ويخطب فيهم ويفاوضهم؟ وإذا شاء كتابة شيء في موضوع وأراد تعريبه فأي لباس يلبسه وبأي قالب يسكبه.
стр. 386
أليست اللغة العربية هي التي أوحت إلى شاعرها أن يقول بلسانها:
كلامي عقار عتقت تم وروقت ... وبعض كلام العارفين عصير
إذا ظهرت يوماً بزاة خواطري ... فما لعصافير الطريق صفير
وهي التي وصفها الآخر بقوله:
ذكرت فصغرها العذول جهالة ... حتى بدت للناظرين فكبرا
٣ - المدارس - المدارس القديمة في العالم من زمن الفلاسفة اليونان، ومن أقدم ما قام عند العرب منها كلية القيروان في مدينة فاس عاصمة بلاد المغرب في أفريقية، أسست في القرن التاسع للميلاد ونشرت العلم في أوروبا، ثم الجامع الأزهر سنة ٣٥٩ هجري (٩٧٠م) والمدرسة المستنصرية في بغداد سنة ٦٣٠ هجري (١٢٣٣م)، فضلاً عن مدارس هارون الرشيد في بغداد والمدن الشرقية ومدارس الأندلس في قرطبة وغيرها من المغرب. ومدارسنا الحاضرة قلما تعتمد في تدريسها العلوم على اللغة العربية بل تدرسها بالإفرنجية وهذه ضربة قاضية بإماتة اللغة وتوقيف نموها والإجهاز عليها، لأن اللغة أشبه بشجرة، تقطع بعض فروعها، وتنبت عساليج جديدة وتؤبر (تطعم) ليتم خصبها. فالأولى بنا أن ننقل العلوم العصرية على اختلافها إلى لغتنا العربية فتتوسع اللغة ألفاظاً وتكثر الأوضاع فيها ويشتد أزرها. وإن قيل إن دون ذلك عقبات تعترضنا، فقل إن المرء من مهد العوائق وذلل المصاعب. فهذه كتب مطبعة بولاق في أول عهدها، وكتب المدرسة الكلية الأمريكية في بيروت في بدء نشأتها، شاهد على سهولة التعريب ووضع الألفاظ للمسميات الغربية في العلوم الطبية والرياضية
стр. 387
والطبيعة، يساعدنا على ذلك الاشتقاق والنحت في العربية وهما من أمتن دعائمها للمتأمل المحقق. وربما أعجزنا وضع كلمة عربية لمسمى إفرنجي فيكفي أن نبقيه على أصله بعد تقريبه من الصيغ العربية كما فعل المعربون في عهد الدولة العباسية وما بعدها، فأدخلوها ألفاظاً كثيرة أغنت اللغة.
٤ - الصحافة - ليست الصحافة بيننا بمتجاوزة أول القرن التاسع عشر الماضي وقد
أخذت على نفسي البحث في تاريخها (بمجلة النعمة) الأرثوذكسية في دمشق ونشرت الدور الأول منها من سنة ١٨٠٠ - ١٨٧٠ م وسأتابع البحث فيه والنظر في ما أفادتنا الصحافة في أدوارها. وقد قدرت أن ما أنشئ من الجرائد، - ميتة وحية - باللغة العربية حتى الآن زهاء ثمانمائة جريدة. ولكن الجرائد الحية لا تكاد تتجاوز المائتين بين مجلة وجريدة في جميع أطراف المعمور. فهل أفادتنا وتفيدنا الصحافة؟
قال العلامة مكولي الإنكليزي: إن كتاب الجرائد هم مشتركوها فإذا نظرنا إلى حالة المشتركين بصحائفنا، لا نستطيع أن نحكم بترقي الصحافة لقلة الرغبة في الجرائد ولعدم تمييز المفيد منها عن المضر. كيف لا ولئن يزال تهجم كتابنا على فن الصحافة وليس لديهم رأس مال علمي ولا مادي كاف هو السبب الأول في انحطاطها. وقلما اجتمع للصحافي المال والعلم معاً. فبانفراد أحدهما تتحول الجرائد إما إلى تجارية لتحصيل المال، وإما إلى اكتساب الشهرة للمتمول. وفي الأمرين الغرور بالنفس فلي إذن من أغراضها الأولية خدمة الشعب واللغة. فضلاً عن أن كثيراً منها تصرف جل اهتمامها إلى التحامل والتشيع وبث روح الشحناء
стр. 388
فتضيع الفائدة المنتظرة منها، وتقل ثقة الشعب بها. اللهم إلا بعض الجرائد التي اتخذت لها خطة معتدلة وتثبتت في رواية أخبارها ووضعت الصدق نصب أعينها. ولكنها قليلة لا تستطيع سد الثلم التي تخرقها تلك.
وأحسن دواء لذلك إنشاء مدارس للصحافة ومؤتمرات لها تبحث في أسباب ترقيها كما هو جار عند الأمم الراقية. فتكون الجرائد صادقة المبادئ ومنشئوها ومراسلوها يوافقون مبادئها. فلا ينشئ مجلة أو جريدة إلا من ترشح لهذا الفن ردحاً من الزمن وعرف أصوله. وحبذا لو عرب بعض أدبائنا اليوم كتاباً في فن الصحافة من كتب الإفرنج. وإن كنا نخسر فيه رواية غرامية تثير نقعاً وتمنع نفعاً. فيستلفت الأنظار إلى آداب الصحافة.
٥ - المطابع - الطباعة حديثة عندنا لا تتجاوز القرنين والعقد الأول من الثالث. أما الإفرنج فقد عرفوا الطباعة العربية على أثر اختراع المطبعة عندهم، وطبعوا كثيراً من المؤلفات التي لا تزال إلى اليوم نادرةً مرتبة مفيدة. ومعظم مطابعنا الآن أنشئت بعد النصف الثاني من القرن التاسع عشر الماضي وكثر عددها. ولكننا نرى معظمها تجارية، تطبع الكتب دون مقابلة على أصلها ولا تدقيق بإصلاحها، فتخرج مشحونة بالأغلاط غير
متقنة الطبع ولا الورق ولا الترتيب، مع غلاء في أثمانها فلا يقبل الناس على ابتياعها فيدعي واضعوها كساد بضاعة العلم.
فما أفضل الذرائع المتخذة لترخيص أثمان المطبوعات والاقتصاد بالحروف العربية، لتروج الطباعة والكتب ويقبل الأدباء على التأليف والناس على المطالعة. ومما أذكره بأسف أن المرحوم الشاعر الناثر رزق الله
стр. 389
حسون الحلبي الذي نشرت ترجمته في مقتطف هذه السنة، كتب مقالات ضافية، استنسخت إحداها وهي في الاقتصاد المطبعي باختصار بعض حروف ليقل عددها فيسهل العمل على المنضد (الصفيف) وترخص نفقات الطبع، فلم يلب دعوته أحد. ومثله فعل المرحوم العلامة الشيخ إبراهيم اليازجي في وضع الحروف الاقتصادية، قبل مغادرته سورية وانتقاله إلى مصر والحرف باقٍ في مطبعة خليل أفندي سركيس الأدبية لم ينضد منه إلا صورة إعلان في الجرائد على أثر وضعه، وشروح نجعة الرائد التي طبعت أولاً في تلك المطبعة وأعدمت عند حريقها.
ومما تؤاخذ عليه مطابعنا عدم وضع فهارس للكتب فيتشوش الطلب على المطالع وتنكمش نفسه وينقبض صدره. فضلاً عن أنها إذا طبعت كتاباً كان قد طبع في أوروبا وذيل بحواش وفهارس وملاحظات مفيدة، حذفت كل هذه الزوائد، زاعمةً أنها فضلات، مع أن لها المقام الأول في التأليف. وما ذلك إلا لأننا نقصد السرعة في العمل للكسب لا لخدمة اللغة. وأذكر أنني رأيت كشف الظنون طبع أوروبا وعليه تعاليق مفيدة وله فهارس تقرب على المطالع بعيد مطالبه. ثم رأيته مطبوعاً في مصر والأستانة وليس فيه غير فهرس المواضيع. وكذلك كتاب المعجب في تلخيص أخبار المغرب فإنه مطبوع في أوروبا بتعاليق وفهارس ومجدد طبعه في مصر منذ بضع سنوات وليس فيه إلا فهرس صغير جداً. وهكذا قل في رحلة ابن بطوطة وابن جبير وغيرهما وهذا مثلاً كتاب حياة الحيوان الكبرى للدميري المطبوع في مصر. لا يفهم منه المطالع شيئاً،
стр. 390
حتى يقرأه تباعاً صفحة صفحة. مع أنه لو كلف أحد بدرسه ووضع فهارس لما حواه من المباحث الكثيرة في أعلام الحيوانات والتراجم والأقاصيص والفكاهات والأشعار والأسجاع، لقربت الفائدة من مطالعته.
ومع ذلك فقد رأيت قليلاً من الكتب المطبوعة في مصر قد أبقيت فهارسها مثل (طبقات الأطباء) لابن أبي أصيبعة وغيره.
ولا يجب أن ننسى عناية كثير من المطابع المصرية والبيروتية في الإتقان والترتيب والنظافة. ولكن نحب أن يعم هذا السعي المحمود بيننا ترغيباً للمطالعين وتقريباً للاستفادات. وأهم ما نستلفت إليه المطابع إصلاح الأغلاط والتدقيق.
٦ - التأليف - نريد بالتأليف ما يشمل وضع الكتب وتلخيصها أو تعريبها. ونحن في أشد حاجة ماسة إلى وضع كتب مدرسة على نظام موحد، وكتب تهذيبية ومعجمات غنية بالأوضاع والاصطلاحات والحدود العلمية، معرضة عن الألفاظ المائتة والبذيئة. وإلى مؤلفات في العلوم الطبيعية كالفلك والجيولوجيا والتاريخ الطبيعي والكيمياء والفلسفة الطبيعية والطب والجراحة والصيدلة والنبات إلخ. وإلى مؤلفات في العلوم الأدبية كالاقتصاد السياسي وعلم الأخلاق والتربية والعمران وآداب السلوك والتاريخ وفلسفته والآثار القديمة وتدبير المنزل وتاريخ الاكتشافات والاختراعات.
ومن أهم ما يجب التأليف فيه تاريخ آداب العربية فإن للإفرنج
следующие страницы →