Полный текст (2 201 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
فيقول بعد كل بيت مدح: أستغفر الله وبعد كل بيت دعاء: إن شاء الله.
فأكرم بالملوك والأمراء الذين يعرفون قدر الأدب والأدباء. . .
الصحافة والصحافيون
كان حامل القلم كحامل السيف في يمين كليهما سلاح ماض. . . وأصبح حامل القلم، في العصر الحديث، كالقابض على الصولجان: كلاهما نافذ الكلمة، مرعي الجانب.
ولكن لا يتم ذلك للكاتب، إلا إذا فهم حقيقة مهمته، وأدرك شرف مهنته. فإذا لم يكن كل من هز الحسام بضارب فكذلك ليس كل من هز اليراع بكاتب وأبعد حملة الأقلام نفوذاً الآن هم الصحافيون، بفضل انتشار الصحف وإقبال الكبير والصغير عليها. وعليه يجب أن تكون الصحافة - كما قال احد كبار المفكرين - شجرة الحقيقة يغرد على فنانها الكتاب الصادقون وإنه ليسرنا أن ندون على صفحات الزهور كلمتين في هذا الموضوع: أحداهما لأمير شرقي كبير، والثانية لشريف غربي خطير.
١
قام دولة الأمير الجليل حسين باشا كامل عم سمو الجناب العالي الخديوي في إحدى جلسات مجلس شورى القوانين ووجه إلى رجال الصحافة كلمات قلما سمعنا مثلها في الشرق من كبرائنا، قال:
إن كل أمة متمدنة يجب عليها أن تحترم الصحافة، ونود أن تكون معها يداً في يد، لتتعلم منها وتستفيد مما ينشر من الفوائد. . . .
стр. 37
نتمنى أن يكون التعليم في مصر إجبارياً حتى يصبح الكل يطالعون الصحف ويستفيدون منها ويتنورون بما فيها. .
مكثت نحو الثمان سنوات تلميذاً في أوروبا، فرأيت أن تنور العامة جاء من مطالعة الصحف. .
الجرائد أكبر من أن تكون مهنة لتعيش أصحابها، بل هي أشرف من ذلك ولها فوائد عامة عديدة
إننا نعتبركم جزءاً منا حيث تحضرون جلساتنا ونقبل بارتياح أن تنتقدوا أعمالنا. . وأنتم جميعاً تعلمون مقدار احترامي لكم. .
٢
وعقد مؤخراً في إنكلترا مؤتمر الصحافة فألقى اللورد مورلاي خطاباً نقتطف منه الفقرات
الآتية:
الإنشاء هو تأليف المقالات أو الكتب الضارة والمفيدة. وهو كالتصوير اليدوي يأتي بالصور الجميلة والقبيحة.
مهنة الصحافة شريفة وشاقة. قال كارليل: الصحافي، سواء كان قائداً للرأي العام أم لم يكن، أليس هو واحداً من حكام العالم؟
ولا يفهم بالصحافي من يحسن اللغة جيداً ولا من هو كثير التأنق ولا من يرسل الكلام على عواهنه بل الصحافي الحقيقي المفيد هو الذي يحافظ على أدب الكتابة وآداب الاجتماع. ويكفي أن تجتمع في المنشئ، فضيلتان: معرفة الحقوق والبساطة، وجوهر الصحافة والإنشاء قائم في ثلاثة أشياء: حسن النية والخبرة والمقدرة.
стр. 38
الصحافة والإنشاء يحتاجان إلى روية أكثر من الخاطبة. لأن ما يقوله الخطيب ينسى حالاً. وأما ما يقوله الصحافي فيبقى مكتوباً ليطالع ويراجع وينتقد. وكمثله كلام المنشئ: وإنما الصحافي يحتاج إلى ذكاء متقد وإلى رزانة أعظم مما يحتاجه المنشئ لأن هذا يمكنه أن يراجع وأن يشاور. وأما الصحافي فليس له من الوقت ما يمكنه من المراجعة والمشاورة. والمنشئ ينشئ في موضوع أو فن واحد. وأما الصحافي فتعرض له كل المواضيع وكل الفنون. فيجب أن يكون راجح العقل، كثير الإدراك، سريع التحصيل ذا حنكة وحكمة ليحصل على رضى الجمهور. ويكون رأيه هو الأصح وحزبه هو الأقوى ويكون هو المحور الذي تدور حوله الآراء - وعلى الصحافي أن يكون فوق الطبيب والفقيه والصناعي والعالم والجندي والسياسي والملك وأن يكون بعيداً عن أغراض الجميع، ولا يتخذ إلا الحق له غرضاً.
الصحافي ليس خادماً في مكتب، بل هو مدير الأفكار بوجهٍ عام: وإذا خطر له مرة أن يفضل الجزئي على الكلي، والعرض على الجوهر، والغرض على الحقيقة، فليتصور أن أمامه الرأي العام يكذبه. وحينذاك تتضح له المسؤولية الكبرى الملقاة على عاتقه، ويفهم أهمية مركزه فيحافظ عليه.
الإنشاء كلام منزل كالناموس، إذا قيل مرة فلا يجوز بعد ذلك إزالة حرف منه. هكذا يجب أن تكون الصحافة لتكون مفيدة. والصحافي المفيد هو الذي يقرأ ويحسن الاستنتاج، ويفهم
معنى الاستقلال والمسؤولية.
стр. 39
وليس الانتقاد في شيء من الطعن. ولا يجب أن يخاطب المنتقد بلهجة العداء. والهجو هو ما يلجأ إليه الأعداء. وذلك محط من شان الصحافة.
والصحافة الحديثة تستدعي العناية بالتهذيب. والتهذيب هو عماد السلم والاتحاد والسياسة والاجتماع العصري. ولا يحافظ على الحقوق إلا المهذبون.
نكبة باريس
طغى نهر السين على مدينة باريس، فنشر في تلك الربوع الجميلة الدمار والخراب ولسنا في حاجة إلى إيراد تفصيل هذا الخطب الجسيم، فقد اطلع القراء على ذلك في الصحف اليومية. وإذا كانت عاصمة فرنسا مهبط الجمال وكل فنون الجمال، فيليق بالشعراء أن يسكبوا عليها في مصابها دمعة الأسف:
١
يا فرنسا لا عدمنا منناً ... لك عند العلم والفن جساما
لطف الله بباريس ولا ... لقيت إلا هناء وسلاما
روعت قلبي خطوب روعت ... ساهر الأحياء فيها والنياما
أنا لا أدعوا (سين) طغى ... إن (للسين) وإن جار ذماما
لست بالناسي عليه عيشة ... كانت الشهد وأحباباً كراما
شوقي
стр. 40
٢
باريس عاصمة ملك حذيت على غير منوال
إذا أطرى الواصفون بلدة قالوا: هيا لجنة، أنهارها جارية، وبناياتها شامخة، ورياضها يانعة، وأشجارها ثامرة، وأعوادها زاهرة. . . أوصاف ابتذلتها أقلام الكاتبين، ووقفت عندها بديهات الشعراء.
أما باريس فلا تتناولها هذه الأوصاف. كل شيء هو دون
стр. 41
ما وصف به، إلا باريس فهي فوق ما وصفت به.
قال أكثر الناس: الجمال غريب لا وطن له. . . كذبوا. باريس وطنه ومشرق شمسه.
الذين رأوا باريس عرفوا محاسنها وهم فيها. وأبناؤها عرفوا محاسنها وهم فيها. فلما فارقوها امحت صورها من أذهانهم إلا قليلاً بقي بها ما تحتملها العقول وانضوى ما لا تحتمله. هذه محاسن ترتع فيها النفوس والنواظر معاً. وفيها ما يدخل النفوس لا عن طريق الاستشعار، بل عن طريق الإدراك. وحين تزايل الأبصار أشكالها تزايل البصائر خيالاتها.
الطرقات السوية، والقصور العالية، والمصابيح المتلألئة، والجسور الممتدة، والكنائس
المرتفعة، والدمى المنصوبة، والمصانع العاملة والندية الحافلة يتأود بينها برج ايفل، كأنه خطيب الحرية بين تلك العجائب، بل كأنه حارس القضاء موكل بسكان البانثيون.
سبحانك اللهم ما أكبر قدرتك، بل ما أفصحها وأبلغها من قدرة. .
البلدة الطيبة التي فرعت الحوادث مروتها، ثم ضحكت لها وجوهها، ربيبة العز على اختلاف أنواعه: عز الجمال، وعز العلم، وعز الدولة. اختلفت
стр. 42
فيها مواكب الأبهة. دخلها هنري الرابع فاتحاً. وعاودها بونابرت ظافراً ولكن تهادت فيها انطوانت إلى ميدان القصاص. وهي بعد ذلك رقت ودقت وحلت: فكانت الفاتنة يوم فرحها، وكانت الفاتنة يوم ترحها.
وإن مواقع الجياد، يوم دخلها غليوم الأول، لهي مواقع القبل من شفاه عشاقها. ذلك أديم تنبو عنه الشقوة، ويترقرق عليه النعيم.
لم يسعدني الزمان بزورة لها، وكم اشتقتها، وكم أشتاقها. .! وإنما عشقتها الروح، ولم ترها العين. وما كن عشقي لها على قدر ما نعتها به الناعتون فأقول: الأذن تعشق قبل العين أحياناً ولكن عشقي لها على قدر معرفتي بها.
بيني وبينها الفدافد والبحار. لم يستجل مرآتها ناظراي. غير أن نفسي حلقت بسمائها وخواطري جالت في أرجائها.
كلما أنشدت بيتاً لهوغو أو لموسه، خلتني أنشد شعرها وأترجم لذاتي عنها.
حين أبصر الباريسي الظريف في حديثه الطيب، وشمائله المليحة، أذكر باريس. . . وحين أشاهد الباريسية في شعرها الذهبي، وعينيها السماويتين، وحديثها العذب، أخال جزءاً من باريس يتكلم، بل أحسب روح باريس تمثلت لعيني لتوحي إلي معاني الشعر. ولترسل من أعماق روحي كوامن الإعجاز. . .
стр. 43
تتغير باريس ما بين غمضة عين وانتباهتها: هكذا ينبغي أن تكون. . . للجمال فيها كل آونة شأن جديد الجمال فها موضة فلو تأملوا إحدى فاتناتها، لألفوها صباحاً كالخوخة كللها الندى، وفاح لها شذا. ولرأوها ظهراً، وقد تمشت فيها حرارة الشمس حتى لتجانبها الشفاه إشفافاً، بعد إذ تطامنها لثماً. ولوجدوها مساءً وقد جمد نشرها وبدر، حتى لتنزل عنها الثنايا إذا حاولت لها عضاضاً.
الله في باريس وفي فتن باريس! عروس أوروبا الغالية، بنت التمدين، المثال الجمل لكل شيء: يتشبه الناس بأبنائها. يلبسون كملابسهم، ويأكلون كمآكلهم، ثم ينطقون بألسنتهم، ثم يتغتذون بعلمهم كذلك كانت باريس، وكذا ستكون.
* * *
تعالوا نبكي على باريس في أطلالها ورسومها، وفي أشلاء مواتها، وفي قصورها المتداعية. ابتدرتها سوابق عبرات السماء بمتصلة الثمآبيت، وانشق لها صدر الغمام عن كل متداني الهيدب غداة أقبل عليها السين في أواذيّه المتدافعة، وأزباده المترامية.
كم مقلة بالأمس يتكلم إنسانها عن الصبا، جاد غربها اليوم بواكفٍ هتان. وكم وجنة رق عليها ماء الشباب، خددتها مسبلات الدموع.
عبست تلك الوجوه الضاحكة، وخلت هاتيك المغاني الآهلة، وعطلت مصانع طالما أجادت تنميق المحاسن في كل البلاد، وباتت بلاد الله تندب حسناءها. . .
стр. 44
قال أحد أدباء الفرنسويين لكل امرئ وطنان: وطنه الأصلي ووطنه باريس فلبيك إذن على باريس كل الناس، فهي وطن كل الناس.
من حقها على من أكرمت وفادتهم ورحبت بهم منزلاً، ونثروا عليها التبر وهي حالية، أن يكرموها في مصابها، وأن ينثروا عليها التبر وهي عاطلة.
سأبكي باريس مستمداً دموع الغمائم، مستعيناً بعيون النيرات. فإن تنفد الدموع، فإن من الأسى ما يجدده الشوق، وينميه الغرام. سلام على باريس في مصابها. سلام عليها في جلبابها الأسود. وكأنها العذراء بعثت لتدعو العالم إلى السجود. . .
ولي الدين يكن
الغد
السيد مصطفى لطفي المنفلوطي أشهر من أن يعرف. فلقد نالت كتاباته الرائقة شهرة بعيدة وتناقلتها صحف القطرين. وهو مباشر الآن طبع كتاب تحت عنوان النظرات جمع فيه ما نشره على صفحات الجرائد والمجلات. وسيكون هذا الكتاب النفيس خير متحف جمع بين أسلوب الأقدمين وتفنن المحدثين. وسنعود إليه بالتفصيل بعد بروزه من عالم الطباعة إلى عالم المطالعة. ونحن واثقون بأن كل قارئ سيضمه في مكتبته إلى كتبه الثمينة. وقد تفضل صاحبه بان يترك لنا اختيار ما نريد من الملازم التي نجز طبعها لنحلي به العدد الأول من هذه المجلة. ولذلك أتيح لنا أن نتحف القراء بالمقالة الأولى من كتاب النظرات وهي تحت العنوان المتقدم:
عرفت أني فكرت ليلة الأمس فيما أكتب اليوم، وعرفت أني ممسك الساعة قلمي بين أصابعي، وأن بين يدي صحيفة بيضاء، تسودُّ
стр. 45
قليلاً قليلاً، كلما أجريت القلم فيها. ولكني لا أعلم هل يبلغ القلم مداه، أو يكبو دون غايته. وهل أستطيع أن أتمم رسالتي هذه أو يعترض عارض من عوارض الدهر في سبيلها. لأني لا أعرف من شؤون الغد شيئاً. ولأن المستقبل بيد الله.
عرفت أني لبست أثوابي في الصباح وأني لا أزال ألبسها حتى الآن. ولكني لا أعلم هل أخلعها بيدي، أو تخلعها يد الغاسل.
الغد شبح مبهم يتراءى للناظر من بعيد فربما كان ملكاً رحيماً. وربما كان شيطاناً رجيماً. بل ربما كان سحابة سوداء، إذا هبت عليها ريح باردة، حللت أجزاءها، وفرقت ذراتها، فأصبحت كأنما هي عدم من الأعدام التي لم يسبقها وجود.
الغد بحر خضم يعب عبابه، وتصطخب أمواجه، فما يدريك غن كان في جوفه الدر والجوهر، أو الموت الأحمر.
لقد غمض الغد عن العقول ودق شخصه عن الأنظار، حتى لو أن إنساناً رفع قدمه ليضعها لا يدري أيضعها على عتبة القصر، أو على حافة القبر.
الغد صدر مملوء بالأسرار الغزار تحوم حوله البصائر وتتسقطه العقول وتستدرجه الأنظار، فلا يبوح بسر من أسراره إلا إذا جادت الصخرة بالماء الزلال.
стр. 46
كأني بالغد وهو كامن في مكمنه، رابض في مجثمه متلفع بفضل إزاره، ينظر إلى آمالنا
وأمانينا نظرات الهزوء والسخرية، ويبتسم ابتسامات الاستخفاف والازدراء.
يقول في نفسه لو علم هذا الجامع أنه يجمع للوارث، وهذا الباني أنه يبني للخراب، وهذا الوالد أنه يلد للموت، ما جمع الجامع ولا بنى الباني ولا ولد الوالد.
ذلل الإنسان كل عقبة في هذا العالم، فاتخذ نفقاً في الأرض، وصعد بسلم إلى السماء، وعقد ما بين المشرق والمغرب بأسباب من حديد وخيوط من نحاس.
انتقل بعقله إلى العالم العلوي فعاش في كواكبه، وعرف أغوارها وأنجادها وسهولها وبطاحها وعامرها وغامرها ورطبها ويابسها.
وضع المقاييس لمعرفة أبعاد النجوم ومسافات الأشعة، والموازين لوزن كرة الأرض مجموعة ومتفرقة.
غاص في البحار فعرف أعماقها وفحص تربتها وأزعج سكانها ونبش دفائنها وسلبها كنوزها وغلبها على لآلئها وجواهرها.
نفذ من بين الأحجار والآكام إلى القرون الخالية فرأى أصحابها
стр. 47
وعرف كيف يعيشون، وأين يسكنون، وماذا يأكلون ويشربون.
تسرب من منافذ الحواس الظاهرة إلى الحواس الباطنة فعرف النفوس وطبائعها. والعقول ومذاهبها. والمدارك ومراكزها. حتى كاد يسمه حديث النفس ودبيب المنى.
اخترق بذكائه كل حجاب، وفتح كل باب، ولكنه سقط أمام باب الغد عاجزاً مقهوراً لا يجرؤ على فتحه، بل لا يجسر على قرعه، لأنه باب الله. والله لا يطلع على غيبه أحداً.
أيها الشبح الملثم بلثام الغيب. هل لك أن ترفع عن وجهك هذا اللثام قليلاً لنرى لمحة واحدة من لمحات وجهك، أو لا، فاقترب منا علنا نستطيع أن نستشف خيالك من وراء هذا اللثام المسدول فقد طارت قلوبنا شوقاً إليك، وذابت أكبادنا وجداً عليك.
أيها الغد. إن لنا آمالاً كباراً وصغاراً، وأماني حساناً وغير حسان. فحدثنا عن آمالنا أين مكانها منك. وخبرنا عن أمانينا ماذا صنعت بها. أأذلتها وأهنتها، أم كنت لها من المكرمين.
لا لا. صن سرك في صدرك، وابق لثامك على وجهك، ولا تحدثنا حديثاً واحداً عن آمالنا وأمانينا حتى لا تفجعنا فيها، فتفجعنا في أرواحنا ونفوسنا فإنما نحن أحياء بالآمال وإن كانت باطلة. وسعداء بالأماني وإن كانت كاذبة.
وليست حياة المرء إلا أمانيا ... إذا هي ضاعت فالحياة على الأثر
مصطفى لطفي المنفلوطي
стр. 48
ساعة الوداع
لسعادة إسماعيل باشا صبري
أترى أنت خاذلي ساعة التو ... ديع يا قلب في غد أم نصيري
ويك قل لي متى أراك بجنبي ... راضياً عن مكانك المهجور
ساعة البين قطعة أنت قدّت ... للمحبين من عذاب السعير
لا تحيني روحي الفداء لماحي ... ك غداً من صحيفة المقدور
أزهار وأشواك
حول الزهور
رغبت إلي إدارة هذه المجلة في تحرير هذا الباب، وغاية هذه المجلة شريفة، فاضطررت إلى إجابة هذا الطلب. على أني أحجمت كثيراً قبلما أقدمت. لأني إذا كنت سأجني أزهاراً طيبة يروقني ويروق قرائي شذاها ومرآها، فلقد أجني أيضاً كثيراً من الأشواك، فيؤلمني وخزها ويؤلمهم، ولربما يدميني ويدميهم. ولكن القراء الكرام سيرضون عني كما أنا راضٍ الآن بهذه المهمة الشاقة.
سأجني من أنوار الرياض شهداً وبلسماً وعنبراً فيه لذة للذوق، ومداواة للجرح، وطيب للناس. وما هذا وذاك وذلك إلا من جني الزهور، فقد جاء في تاج العروس في مادة عنبر أنه شمع عسل ببلاد الهند مرعى نحله من الزهور الطيبة يكتسب طيبه منها.
стр. 49
فسأسكب عنبراً وبلسماً، إذا رأيت في الحوادث والأعمال زهوراً طيبة وإلا كان جنيي صاباً وعلقماً.
وجاء في لسان العرب إن الزهور تلألؤ السراج الزاهر. فعسى أن يقطر ما أجنيه زيتاً صافياً يزيد تلألؤ هذه المجلة الزاهرة، لا سائلاً عكراً يبعث دخاناً تدمع له العيون، وتشمئز منه الأنوف. وعلى كل فجل رغائبي أن تتوثق عرى الصداقة شيئاً فشيئاً بيني وبين قرائي الأحياء. فنتبادل ما نشاء من الأفكار بين الأزهار والأشواك. فنبتسم معاً ونتألم معاً. متذكرين أن لا ورد بلا شوك. وأن أشواكاً كثيرة بلا ورد.
إدمون روستان وحافظ إبراهيم
إدمون روستان هو أحد كبار شعراء فرنسا في هذه الأيام. ذكره طبق الآفاق، ورواياته مثلت على أكثر مراسح العالم، فصفقوا لها في كل عواصم أوروبا، وهتفوا لمؤلفها في أمريكا وآسيا وأفريقيا. ألف فاشتهر، وصنف فاغتنى، فما أحسن حظه وما أسعد نجمه. .! جمع من رواية الايجلون أو فرخ النسر ومن رواية سيرانوده برجراك ما يقدر بالملايين من الفرنكات. وها قد أنجز الآن رواية شانتكلير وهي رواية غريبة الشكل والوضع، لأن كل أشخاصها من الحيوانات. . . غير الناطقة. لكن بلاغة مؤلفها أنطقتها بما تكاد تعجز عنه الحيوانات الناطقة. بيد أني لا انظر الآن إلى هذا الأمر. بل أريد أن يعرف القراء أن مدير مجلة الالوستراسيون قد اشترى حق نشر هذه الرواية في مجلته بمبلغ. . . .
стр. 50
زهيد لا
يتجاوز المليون فرنك: أربعة فصول: لا يتجاوز الفصل ٥٠٠ شعر - بمليون فرنك. فيكون ثمن الشعر الواحد من أشعار روستان يباع بخمسمئة فرنك أي بعشرين جنيهاً وثمن الكلمة إذا قدرنا عشر كلمات في كل بيت جنيهان فضلاً عما ينال المؤلف من تمثيل روايته. وإذا عرفت أنها ستمثل كأسلافها ألوفاً من المرات تعرف أن روستان يقبض ثمن الحرف الواحد من أشعاره مالاً جزيلاً قد لا يناله كتابنا من الصفحات الطويلة فحرفه إذن يساوي مجلداً من كتبنا. . . الرائجة.
يعد روستان عندهم بمثابة حافظ إبراهيم عندنا. فهل يا ترى تعود قصيدة من حافظ بل ديوانه برمته بما يعود بيت من روستان على صاحبه.؟ مسكين حافظ تنقده مجلاتنا وجرائدنا كلمات النابغة، وشاعر مصر ثمن قصائده وتنقد روستان مجلة واحدة مليون فرنك ثمن رواية واحدة. . . هناك يدفعون لروستان درراً وجواهر، وهنا نكتفي بان نجد الدرر والجواهر في نفثات شعرائنا. فشعراؤنا إذن أغنياء، فنأخذ منهم، وشعراؤهم فقراء، فيعطونهم. فيا ليتني كنت شاعراً إفرنجياً تجود علي الجرائد والمجلات بالدرر لا شاعراً عربياً تجد الجرائد والمجلات تلك الدرر في أشعاري. .!
* * *
النادي العائلي
اسمه لطيف ذلك النادي الذي أسسه في بيروت فريق من الأفاضل والأدباء. وأول عمل عرفناه عنه ألطف. . . جعل جائزة قدرها خمسمئة فرنك للكاتب الذي يؤلف خير رواية تمثيلية في موضوع وطني.
стр. 51
النادي يشترط أن تكون الرواية مؤلفة لا معربة. ورواياتنا المؤلفة تعد على أصابع اليد الواحدة لا اليدين والجائزة التي وضعها النادي زهيدة لا تعادل المليون الذي يقبضه روستان عن روايته. ولكنه خطا خطوة حسنة يستحق عليها كلمة برافو وها نحن نقولها لرئيسه الفاضل وسكرتيره الأديب وأعضائه الكرام. ونهنئ سلفاً الكاتب الذي سينال نصب السبق كما كان يقول العرب. ويا ليتني أعرف كيف تنسق المشاهد والفصول لأنزل إلى هذا الميدان. ومثل هذا الثناء جدير ببلدية الإسكندرية، فقد منحت جوق سليم أفندي عطا الله مئة جنيه مساعدة له: عطاء. . . البلدية قليل بجانب عطاء. . . الله. ولكنها باكورة تنشيط
البلديات والحكومات الشرقية للأجواق العربية وكل باكورة لذيذة. . .
جنون الطبيعة
الطبيعة تجن كالأفراد، وترتكب مثلهم في حالة الجنون جرائم وفظائع. وجنونها هائل في هذه المدة، ثارت العناصر الواحد تلو الثاني على بني البشر: زلزلت الأرض فانجابت بمن فيها، وتفجرت نيرانها فأودت بمن عليها، وزمجرت العواصف فأهلكت وأغرقت، وأرغت المياه وأزبدت فجرفت واقتلعت، فكأن داء الهيستيريا قد هز المادة فتمردت على العقل المتسلط عليها، المستبد بها. فيا لله من جنون الطبيعة. . .! ويا لله مت تمردها. . .
حاصد
стр. 52
حديقة الأخبار
- وافقت الدول على تمديد أجل المحاكم المختلطة في مصر إلى خمس سنوات ابتداءً من غرة فبراير المنصرم.
- في التاسع من الشهر الغابر افتتحت الجمعية العمومية المعقودة للنظر في مسألة إطالة امتياز قناة السويس.
- قرر سعادة زغلول باشا ناظر المعارف تعليم اختزال الخط. وكانت الحلقة الأخيرة في سلسلة مآثره في نظارة المعارف المصرية قبل أن يغادرها.
- ظهر في مصر حزب سياسي جديد الحزب الدستوري وزعيمه عطوفة إدريس بك راغب.
- اجتمع فريق من كريمات السيدات في سراي صاحبة الدولة الأميرة عين الحياة هانم أفندي وألفن جمعية باسم محمد علي جد العائلة الخديوية العلوية لحماية الأطفال والأمهات فأكرم بالإحسان حلية للحسان.
- جرى في عين شمس أسبوع الطيران. فرأينا النسور البشرية تحلق في الجو. فتذكرنا قول شوقي عن البشر:
حين ضاق البر والبحر بهم ... أسرجوا الجو وساموه اللجاما
وقول الرصافي:
طائرُ في الفضاء طولاً وعرضاً ... بجناح من القوى غير باد
- في ٢٠ الماضي أطلق إبراهيم ناصف الورداني على رئيس النظارة
стр. 53
بطرس باشا غالي خمس رصاصات، وثاني يوم توفي الرئيس ﵀. وتألف الوزارة الجديدة كما يأتي: محمد باشا سعيد للرئاسة والداخلية. سعد باشا زغلول للحقانية. رشدي باشا للخارجية حشمت باشا للمالية. يوسف سابا باشا للمالية. وسري باشا للأشغال والحربية والبحرية - سعيد أصغر النظار سناً صار رئيسهم. فحق قول الشاعر بنتاؤور الذي هنأه يوم توليه نظارة الداخلية بقوله:
أهلاً سعيداً وسهلاً ... أنت الكبير الصغير
دعنا نقل عن قريب ... أنت الكبير الكبير
- استقال دولة البرنس حسين باشا كامل من رئاسة مجلس الشورى والجمعية العمومية.
أيها القارئ العزيز
أرسلنا إليك هذا العدد الأول من مجلة الزهور لاعتقادنا بغيرتك على النهضة الأدبية ورغبتك في الاطلاع على سيرها في القطار العربية. فإذا وجدت في خطة هذه المجلة ما يحقق رغائبك فتفضل بتوقيع الطلب الواصل طيه وإرساله مع قيمة الاشتراك الموضحة فيه أو التعهد بدفعها إلى وكيل المجلة في أول فرصة. والسلام.
إدارة مجلة الزهور بشارع الفجالة نمرة ١ بمصر
стр. 54
العدد ٢ - بتاريخ: ١ - ٤ - ١٩١٠
نظرة إلى ما فوقنا
مذنب هاللي
مالت الشمس إلى المغيب، وكاد قرصها الذهبي يتوارى وراء خط الأفق المحمر، فانعكست أشعتها الصفراء، في مياه البحار الزرقاء، حتى خيل إلى الناظر أن تلك البحار مرآة صافية مرصعة بالزمرد والفيروز، وأن أمواجها تدحرج في طياتها المائعة فضة وذهباً فتتكسر على الشاطئ العابس لفراق عروس النهار، وابنة الأنوار، التي كانت تملأ القلوب بهجةً وأملاً. ولا يلبث أن يشوب هذا المنظر كدرة تتحول شيئاً فشيئاً إلى سواد قاتم لأن الليل قد مد رواقه على نصف الكرة الأرضية. . . وإذ ذاك يظهر البدر من المشرق بظلمته البهية، تخفره الزهرة ونجمة المساء ونجمة الراعي وسائر الأجرام السماوية، وهو يخطر بينها دلالاً، ويميس اختيالاً. وتأخذ السماء تزهر زهوراً بكواكب لامعة، ونجوم ساطعة، طالما تغزل بمحاسنها الشعراء فعشقوها، وبحث في كنه أسرارها العلماء وما فقهوها: حياة جديدة تبدو في العلى فتدعو النفس إلى الطيران إليها. . .
стр. 55
تستحب الجواهر والحجارة الكريمة في جيد النساء، لكنك تجدها أبهى وأسنى في صدر السماء، فأين بهاء الجواهر، من بهاء الكواكب؟
وكان أجرام النجوم لوامعاً ... درر نثرن على بساط أزرق
صاغها الخالق ونثرها في الفضاء، وهي لا تزال من ذاك الحين إلى ما شاء الله تسير على خطة وضعت لها. . .
لمعت فوق رؤوس أفراد أعلام، وشعوبٍ عظام، اتخذوها سميراً فنفت عنهم الأكدار، واستنطقوها فأوحت إليهم رائع الحكم ورقيق الأشعار. . . درست تلك الشعوب ودفنت تحت أطلال مدنيتها المندثرة، والكواكب لا تزال تسطع وتضيء محدثة بعظمة الحي الباقي. . .
فيا أيها الليل الرهيب، الساطع بأنوار لا تعد. . . قد كتب في طياتك السوداء بحروف الكواكب سر عجيب. . لولاك لما كانت أعيننا تشاهد سكان السماء، بل كنا على كرتنا الصغيرة نجهل ما يحدق بنا.
أيها الليل المقدس إن كنت تحجب عنا النور، فأنت تبدي لنا الحقيقة بأجلى مظاهرها،
وتسكب على قلوبنا التعبة بلسم الراحة والسلوان، تنسينا ما ينتابنا على هذه الأرض من الأكدار والكروب وما يدهمنا من الدواهي والخطوب. تنسينا ما يحدق بنا من الشقاء والفساد.
نحن نحبك أيها الليل لأنك صادق لا تخدعنا. نحبك لأنك تصلنا بعالمٍ خفي يبين لنا أن نتصوره أحسن من عالمنا. نحبك لأنك تشعل في أفئدتنا نور الأمل وتجعلنا من سكان اللانهاية ونحن في هذه البقعة المحدودة. . .
стр. 56
فأي كتاب تلذ مطالعته أكثر من كتاب السماء. وأية قصيدة تروق معانيها أكثر من القصيدة المسطرة بحروف الكواكب الزهراء على لوح القبة الزرقاء.
وهذا الكتاب سنطالعه أيها القارئ العزيز من حين إلى حين، ونقلب صفحاته المرة بعد المرة. فيكون لنا خير سلوى. وسترى أن التمتع بأسرار هذه الكواكب لا يقل لذة عن التمتع بمرآها.
وأول ما نبدأ به اليوم إيراد شيء عن مذنب هاللي لأن قرب ظهوره يتطلب منا تقديم هذا البحث على سواه.
* * *
ريع سكان الأرض من نباء ظهور مذنب هاللي واصطدامه القريب بكرتنا. وأخذ الكثيرون ينذرونا بخراب العالم في ذاك اليوم المشؤوم وقد أطلق على ذلك المذنب اسم الفلكي الإنكليزي الذي ضبط حساب ظهوره. وسيظهر هذه السنة تماماً في ١٨ مايو (أيار) الساعة الرابعة عشرة من الوقت الفلكي الذي يبتدئ عند الظهر أعني الساعة الثانية من صباح ١٩ مايو ويجتاز في ساعة من الزمن الكرة الشمسية التي يبلغ قطرها ١٠٨ مرات قطر كرتنا وتدل الحسابات الفلكية على أن المذنب سيكون على مسافة ١٢٨ مليون كيلومتر من الشمس أعني على مسافة ٢٣ كيلومتراً من كرتنا الأرضية. فإذا كان ذنبه يبلغ هذا الطول فإنه يمسنا في طريقه وهذا ليس من المحال. فمن المذنبات ما يبلغ طول ذنبها ٤٠ أو ٥٠ أو مئة مليون كيلومتر. على أن مذنب هاللي ليس من هذا النوع فهو من
стр. 57
المذنبات المتوسطة. لكن قد لوحظ أن ذنبه يختلف طولاً كل مرة يظهر فيها. ولم يتمكن العلماء حتى الآن من تقرير ذلك.
وهذا المذنب يظهر مرة كل ٧٥ سنة بعد أن يكون قد اجتاز في الفضاء خمسة مليارات من الكيلومترات وقد ظهر منذ سنة ٤٦٧ قبل المسيح ثلاثين مرة.
وإذا قدرنا أن ذنب هاللي يبلغ طولاً كافياً ليمسنا في طريقه فما سوف تكون نتيجة ذلك؟
الجواب متوقف على معرفة الغاز المتركب منه هذا الذنب. فقد يكون من الغازات السامة كالسيانوجين (المركب من الآزوت والكربون) فيقضي على سكان نصف الكرة الأرضية خنقاً. وتحدث صدمته بنا هياجاً في العناصر فيتأثر منها سكان النصف الثاني من كرتنا، فتثور البحار، وتخسف الجبال إلى غير ذلك من النكبات التي تنشأ عن كل تبلبل يطرأ على نواميس الطبيعة. على أن العلامة فلاماريون قد نفى ذلك وسكن الخواطر القلقة، مستنداً إلى الأدلة الآتية:
أولاً: إنه ليس من المقرر أن يبلغ طول الذنب أرضنا هذه.
ثانياً: إن أذناب المذنبات على غاية الدقة حتى أنها لا تزال شفافة ولو بلغ ثخنها عدة ملايين من الكيلومترات فنظل قادرين على رؤية النجوم من خلالها.
ثالثاً: أنه لم يتقرر إذا كان السيانوجين الموجود في قلب المذنب ممتداً إلى ذنبه.
стр. 58
رابعاً: تسير كرتنا بسرعة ١٠٦ آلاف كيلومتر في الساعة ويسير المذنب سيراً معاكساً لسيرنا سرعته ١٧٠ ألف كيلومتر. فيكون مرور الكرة الأرضية في ذلك الذنب أشبه بمرور قنبلة المدفع في الغيمة. فلا يتأثر الهواء الذي ننشقه من الغازات السامة إلى درجة تجعل حياتنا في خطر.
وعليه فيرى القارئ أن انتهاء العالم الذي تنبأوا عنه لم يحن حينه ولم تأت ساعته - حتى في ١٨ مايو القادم. . .
عجائب غرائب
نقرأ في كتاب ألف ليلة وليلة من عجائب الحوادث، وغرائب الأوصاف، ما لا نصدق احتمال وجوده أو وقوعه، وننسب هذه الأمور المدهشة إلى مخيلة الكاتب التي غالت فوصفت ما لا وجود له إلا في عالم الخيال. وقد نكون في ذلك واهمين، وقد تكون هذه الأمور واقعية. وكل ما في الأمر أن المنشئ قد عول في وصفه على عبارة قوية، أو على استعارة تمثل دقائق الأمور، فبهرنا أسلوبه الكتابي، وأثر فينا تعبيره المجازي. ولول وصفنا على هذا النمط منزلاً من منازلنا الحاضرة وما فيه مما نعده من لوازم المعيشة، أو لو روينا على هذا الأسلوب حادثة من حوادثنا اليومية وذكرنا علاقة التلغراف أو التلفون بها مثلاً لما رأى الفلاح والقروي الساذج بينها وبين مرويات ألف ليلة وليلة من فرق عظيم. على أننا ألفنا هذه المناظر وتلك الحوادث، فلم يبق لها فينا من تأثير شديد. ولكن من لم
стр. 59
يرها ولم يتعودها يلاحظ في وصفها ما لا نلاحظه ويبهره من دقائقها ما لا نلتفت إليه. يشهد بذلك الكتاب الذي وضعه أحد الصينيين وجاء فيه على تفاصيل سفره إلى باريس. ويرى فيه القارئ من الغرائب والعجائب ما يحمله على التصور انه يطالع فصلاً من كتاب ألف ليلة وليلة أو أسفار السندبان البحري.
عاد الرحالة الفرنسوي المسيو جاك باكو من رحلة قام بها في الصين، واستصحب معه إلى باريس رجلاً من التيبت كان دليله في أسفاره في الأصقاع الصينية. فكتب الرجل بلغته ما تم له في سفره إلى أوروبا، وعلق ملاحظاته على ما رأى وسمع. وترجم الكتاب إلى الفرنسوية فأحببنا أن نقتطف عنه بعض الشيء.
عنوان الكتاب: رحلة المدعو اجروب غمبو من باتونغ مع الرجل الفرنسوي العظيم (با) وفيه تفصيل ما جرى لي من الحوادث
ثم يبدأ بسرد هذه الحوادث بأسلوب ساذج وكما ترتسم على لوح مخيلته. . .
. . . وصلنا إلى تخوم الهند. فوجدت أن شكل الناس هناك غير شكلنا، ولغتهم وأشغالهم غير لغتنا وعاداتنا. فتذكرت أخي وبكيت، وعزمت على الرجوع من حيث أتيت. ولكنت فعلت لولا أننا كنا نسافر بلا تعب ونحن جالسون على مقاعد حريرية متلذذون بأطيب المآكل. . .
. . . وفي اليوم الخامس عشر من القمر الخامس نزلنا في بيت كبير يسير في البحر نهاراً
وليلاً لأنه يستضيء بنور الكواكب في سراه.
стр. 60
وعند وصولهم إلى مرسيليا نزلوا في فندق من فنادق المدينة وصفه الصيني قال:
في هذا البيت مسافرون كثيرون، وكل واحد منهم في غرفة له. وفي هذه الغرف نصبت أسرة مغطاة بأقمشة من حرير وإلى جانبها طاولات مزخرفة وعليها أشياء جميلة. وكنا نجلس للأكل على مائدة كبيرة. فنتناول صباحاً شيئاً من اللبن والقهوة المحلاة بالسكر ونأكل في الظهر وفي المساء لحوماً وأسماكاً وأثماراً وحلويات. ويجب على كل واحد قبل الأكل أن ينفض الغبار عنه ويغسل يديه. ولاشك في أن أبناء وطني سيتهموني بالكذب ويسمونني كلباً دنساً، عندما سأروي لهم هذه الأمور الغريبة، ويضعون أصابعهم في آذانهم لئلا يسمعوا هذه الخرافات. . .
ويوم الأحد بعد وصولنا قال لي سيدي الفرنسوي: - نحن قد بلغنا هذه المدينة بسلامة، وبالقرب من كنيسة يصلي فيها القسيس فلنذهب إليها.
فذهبت معه بفرح عظيم، ورأيت في الكنيسة قديسين وعذارى، فجثوت على ركبتي وصليت قائلاً: أيها الإله القدير الموجود في كل مكان، أنا أجثو أمامك يا من خلق هذا العالم وأشكرك لأنك حميتني، إذ أنا الآن أمامك بكل عافية وسلامة وليس بي من ألم. اطلب منك أن تنظر إلي دائماً لتحميني
ثم زار المدينة فكتب: النساء هنا جميلات كالرجال، وملابس الجميع نظيفة. ولم أر في هذه البلاد حبوباً لأن الناس لا يأكلون إلا لحماً
стр. 61
وخضاراً وحلويات. وعدد السكان يزيد عن عدد سكان ثلاث مقاطعات في التيبت وكلهم أغنياء، وليس بينهم فقير. ولا أحد يضر أحداً. ولولا أخي وأختي لقضيت أيامي هنا.
ثم ذكر سفره إلى باريس في السكة الحديدية فقال: لو سافرنا على الطريقة الصينية، لقضينا عشرين يوماً. لكن يوماً واحداً يكفي على الطريقة الفرنسوية. وقد جلسنا في بيوت صغيرة مرتفعة على عجلات من حديد، وسمعنا صفيراً حاداً وأخذت النار تحرك العجلات والبيوت الصغيرة تجري كالريح على طريق من حديد، مخترقة الجبال والوديان والأحراج، بل كانت تدخل في الأرض وتخرج (يشير إلى النفق=تونل).
وعلى هذه الطريقة وصل اجروب إلى منزل سيده في باريس. فاسمع كيف يصفه، وقابل
بينه وبين قصور الجان والمردة التي نقرأ وصفها في كتاب ألف ليلة وليلة.
. . . المنزل مركب من تسعة طوابق قائمة فوق بعضها بعض إلى علو شاهق، وفيها أكثر من مئة غرفة، وأرضها من الخشب الجميل اللامع، وقد فرشت فوقه الطنافس البديعة. ولا يسمح بالدخول إلى هذا القصر إلا لمن كان نظيف الثياب. وهناك علبة كبيرة تسع ثلاثة أنفار تحركها قوة غريبة فتصعد بك إلى حيث تشاء (يشير إلى المصعد: أسانسور) وفي الجدران أزرار صغيرة، تضغط عليها بإصبعك، فتبعث نوراً أو ماء أو حرارة. والغريب أن ليس هنالك نار ولا زيت ولا عين ماء. فيا لله من هذه العجائب التي تحير العقول. . .!.
стр. 62
هذا تأثير مدينتنا الحديثة على ابن التيبت الساذج. ولا مجال هنا لإيراد كل ملاحظاته على ما رأى وشاهد. وله آراء وأفكار في حالتنا الاجتماعية لا تخلو من دقة النظر. وقد ذكر عرضاً علائق الرجال بالنساء فقال:
. . . وفي هذه البلاد يجلس الرجال والنساء معاً حول مائدة. ويقدم الرجل ذراعه للمرأة، فيتأبط ذراعها ويدخلان بهذه الصورة إلى غرفة الطعام. وحب الرجال للنساء شديد، فهم يحنون ظهورهم لمخاطبتهن بأعذب الأصوات، والابتسامة على ثغورهم. وإذا زنت عندهم امرأة متزوجة فلا يقتلها زوجها كما يفعل الرجل الشريف في بلادنا أو في الصين، بل هو يكاد لا يكترث للأمر. لكن الناس يضحكون كلما مر ويقولون أن جبينه يشبه جبين الثور.!! ولم أفهم المقصود من ذلك. . .؟
فالذي يطالع هذا الوصف مع ما فيه من الحقيقة، ولم تسبق له معرفة بأسرار الكهرباء والبخار، يتصور أنه يطالع سفراً من الأسفار التي نسميها خرافات.
عنترة وعلبة
يغزوان باريس
طالعت صحف باريس وما فيها عن رواية عنتر التي مثلت في ملعب إمارة مونتي كارلو وملعب الأديون - وعنتر رواية نظمها بالشعر الفرنساوي العالي شكري أفندي غانم - فما أطربني نجاح صديقي المؤلف في نظمها كما أطربني تخيل عنترة بطل البوادي والقفار، ونزيل
стр. 63
المضارب والخيام، آكل الجشب، ولابس الخشن، في ثوبٍ من الخز يهز بكلامه قلب باريس، بل قلب أوروبا، كما يهز قلب العرب في شطر آسيا وشطر أفريقيا، ببيت من الشعر قد لا يناظره بمثله فيكتور هوغو، ولا يلاحقه شكسبير، ولا يدانيه دانتي.
أجل إنه ليطربني اليوم من بطل البادية، وربيب القفر، وفوقه في أم الحضارة، ناظراً إلى خليلته عبلة، وغانم يضع في فيه بلغة باريس، قوله بلغة بني عبس:
ولقد ذكرتك والرماح نواهل ... مني وبيض الهند تقطر من دمي
فوددت تقبيل السيوف لأنها ... لمعت كبارق ثغرك المبتسم
فيملي بهذا الشعر على أبطال الغرب كيف تكون الأبطال، ويملي على عشاقهم كيف تكون رجولة العشاق، بل يملي على كتابهم كيف يحلق الكاتب في سماء الخيال، حتى تكاد تتقطع دون الوصول إليه البصائر والأبصار.
وإذا أنشد قوله أغشى الوغى وأعف عن المغنم تمثل لعيني السامع إقدام الشجاع، ونزاهة الكريم، ومرؤة الجواد، وشهامة الغطريف. فلا تأنف باريس أن تعشق البدوي الأسود لفضائله، والفضيلة ملك الإنسانية كلها، فهي ليست بدوية ولا حضرية فأينما وجدت ملكت وسادت، وأينما أذيعت أكرمت وأجلت. وكرم الخلال وكرامة النفوس في أمة، تظهر وتبدو في لغتها وآدابها، وفي أناشيدها وأشعارها. فلا تعيبها نبرات لهجة، ولا مخارج حروف، مادامت الألفاظ وعاء للمعاني،
стр. 64
ومادامت المعاني في ألفاظ اللغات كالدرر في الصدف. ولا تكون قيمتها بقائلها بل بنفسها. وإذا دلت على شيء فعلى فضل الأمة الذائعة فيها، والمأثورة عنها. وما قول عنترة العرب إلا حجة:
تعيرني العدا بسواد جلدي ... وبيض شمائلي تمحو السوادا
فتلك الشمائل البدوية لا تنكرها الفضائل الحضرية، ولا العلوم الفلسفية، مادامت حكمة الأمم
مستمدة من أخلاقها لتهذيب أخلاقها، ودام قدر الأمم مرفوعاً بفضائلها، كما يرفع قدر العرب إعلان فضائلهم بين من جهلهم.
وإني موقن بأن ناظماً كغانم، في بطل كعنترة، يستوحي روح ابن شداد بالفرنساوية، لا يعجزه أن يفتح للعربية باريس، وأن يغزو بحمالها أوروبا، إذا صال وجال، وهو يردد وينشد مع العبسي:
حصاني كان دلال المنايا ... فخاض غبارها وشرى وباعا
وسيفي كان في الهيجا طبيباً ... يداوي رأس من يشكو الصداعا
أنا البطل الذي خبرت عنه ... وقد عاينتني فدع السماعا
فأي قلب يجمد، وأي كبد تقسو لمثل هذا الكلام؟ بل أي أريج يفوق أريج زهرياته، إذا وصف الربيع الواصفون، وغناه المغنون وابن شداد هو القائل:
زار الربيع رياضنا وزها بها ... فنباتها جليت بأنواع الحلي
فالروض بين تألف وتهفهف ... وتعطف وتصرف وتململ
بل ما أجمل الباريسية يلبسها غانم دثار البدوية، ويطلق لسانها
стр. 65
بشعر له نوطة في القلب، وعلوق بالنفس، بود درك للحاجة، يدق معناه، ويلطف مبناه، وتعطف حواشيه، وتنير معانيه. كأنه إشراك القلوب، إذا بسط لها ترتمي عليه ولا تنفلت منه. . .
ألا أن لنا من كنوز آبائنا العرب الغطاريف حلياً أو لبسناها خالصة من الصدأ لبهرت لها عيون المتمدنين؛ وسلاحاً لو جردناه مشحوذ الغرار، لاستسلم له كل عاتٍ عنيد. ولكنا قصرنا وعجزنا حقبة من الدهر عن أن نزدان أمام العالم المتمدن بذياك الحلي الباهر. فقال الجاهلون مزدرين: عرب هؤلاء وما هي قيمة العرب؟ ولغة هي العربية؛ وأين هي من سامي اللغات ورقيقها؟؟
ولكنا قد أفقنا اليوم من السبات، وعرفنا قيمة ما بقي من تراثنا ولم تلعب به يد الشتات، فأبرز مردروس ألف ليلة وليلة للعالم الأوروبي بوشاح إفرنجي، فغض الروائيون أبصارهم حياء لسناها وبهائها. وأبرز آخر شعر حسن بن الخيام بثوب إنكليزي فتعشقه بعضهم حتى العبادة. وألبس الريحاني رباعيات أبي العلاء رداء سكسونياً، فكبروا له وهللوا، وسبحوا وحمدلوا، واليوم أنزل غانم إلى باريس عنترة البطل المغوار وعبلة الحسناء. فجاءتنا
صحفهم تري بطل العرب بل آداب العرب وتقاليدهم.
فالريحاني ومردروس وغانم وأضرابهم وأمثالهم هم اليوم أبطال العرب، يفتحون بعقول أجدادهم بلاد الغرب للشرق. ويعلون مقام أمتهم في العالم المتمدن. فإذا كثر عديد هؤلاء الأبطال. رد إلى العرب شرفهم الذي ابتذل بالضعف والضياع. ومجدهم الذي دفن مع ملكهم وألحد مع
стр. 66
زهوهم حتى استنكروا على العارفين. وكادوا يخفون عن عيون المنقبين الباحثين، وصات كلمة عربي في أوروبا وأمريكا سباباً للعرب والمستعربين.
وقد قرأت في الصحف أن الذين شهدوا عنترة وعبلة كانوا آلافاً جنوا بهما سروراً وفرحاً. فلم تبق في نفسي ريبة بأن أولئك الألوف الذين سمعوا كلام عنترة قد عرفوا مجد العرب وفضائلهم فلا يجسر واحد منهم - أو هو يدعو على لسانه بالقطع - أن يعيب الغربي أجداده ونسبه بعدما عرف شيئاً عن مجد أولئك الأجداد ونسبهم.
فمن مصر إذن بل من الشرق العربي أمد مع كل أدب يدي إلى مصافحة غانم وشكره والثناء عليه. فليس الغزاة من يفتحون البلاد بالمدفع والحسام فقط، بل أجل منهم وأنبل من يفتحون القلوب باليراعة ويملكونها بخالب الفصاحة - وغانم منهم.
داود بركات
(الزهور) إنا نسدي شكري أفندي غانم خالص التهاني على فوزه الباهر ولا نمدحه إلا بما أطراه به الأجانب أنفسهم فقد كتبت مجلة الالوستراسيون في عدد ١٩ فبراير الفائت ما يأتي: في ملعب الأديون رواية جديدة تستحق أن تنجح - وقد نجحت نجاحاً ساطعاً - فهي ترضي العين والأذن والعقل، مؤلفها عربي باريسي وهو رئيس الغرفة التجارية العثمانية في باريس. . . . وقد أحيا شكري غانم بأشعار لطيفة صافية منسجمة انسجام الماء ذكر عنترة البطل العربي الشاعر العاشق ومثل ذلك قالت الطان والفيغارو والجورنال وغيرها من أمهات الصحف.
стр. 67
وقد حادث أحد الصحافيين السيد علياً سلطان جزائر القمور عن رحلته في فرنسا وسأله عما راقه مما رأى وسمع في عاصمة التمدن والجمال فقال: إن رواية عنتر هي خير ما رأيت وسمعت. . .
فمع ابن باريس ومع ابن القمور نحيي الغانم ناشر أمجاد العرب. . . .
بذور للزراعيين
لتكن غايتك أكبر من مقدرتك، فيصبح عملك اليوم أحسن من عملك البارح، وعمل الغد أحسن من عملا ليوم.
الفضيلة الكبرى في الأعمال هي أن يكون كل عمل بذاته الغاية والواسطة. وان تكون لذته فيه لا في نتيجته.
الناس أشباح تحركها الأغراض والأهواء. وتتقاذفها في بحار الحب والبغض الرياح والأنواء.
النفوس أدوية يشترك في مزجها الله والإنسان. فمنها المرة، ومنها الحلوة، ومنها الحامضة، ومنها - وهذه اكره من كل الأدوية - ما لا طعم ولا لون لها.
إن من يكتفي بمسحة من العلم والحكمة كمن يكتفي بغسل وجهه إذا دخل الحمام. وليس بالأمر الصعب على مثل هذا أن يفوز بقصب السبق إما في الثقالة وإما في الرعونة. وإذا ركب إلى غرضه فرس سيبويه يعود وفي يده القصبتان، فنقرأ إذ نراه التعويذتين.
- أمين ريحاني
стр. 68
في رياض الشعر
دمعة
سكبها كبير شعرائنا سعادة إسماعيل باشا صبري يوم مقتل المرحوم بطرس باشا غالي، فجاءت دراً مسبوكاً في أبيات غراء تفضل سعاته بإرسالها إلى المجلة وكان العدد الأول قيد الطبع. ونحن ننشرها الآن موقنين إن مثل هذه الأقوال تكون خير بلسم على كل قلب ملكوم وأشد رابط للسلام. وما أحسن السلام. . .
لهف الرياسات على راحل ... قد كان ملء العين والمسمع
لهف العلى قد عطلت من سنا ... بدر هوى من اوجها الأرفع
تبكي المرؤات على بطرس ... ذاك الهمام الماجد الأروع
فتشت - لما لم أجد مقلتي ... كفوءاً - عن الفضل ليبكي معي
فقيل لي قد سار في إثره ... يوم دفناه ولم يرجع
يا مجرياً دمع الملا أبحراً ... أدركهمو يا مرقئ الأدمع
يا نازلاً بين وفود البلى ... آنستهم يا موحش الأربع
عيني فيك اليوم قبطية ... تروي الأسى عن مسلم موجع
يهيم من وجد ومن لوعة ... في الجانب الأيسر من أضلعي
ويحفظ العهد كما شاءه ... أحمد سمحاً واسع المشرع
يا من سقاني الجم من وده ... هذا ودادي كله فاكرع
يا حاملا لقلب الكبير الذي ... لم ينقض الميثاق قم واسمع
إسماعيل صبري
стр. 69
الزهرات الثلاث
أنشدها ناظمها الشاعر المصري في حفلة عقدت لتوديع عزتلو القاضي النزيه الفاضل عبد الهادي بك الجندي بمناسبة انتقاله من المحلة إلى طنطا. وقد صاغها الشاعر من بحر جديد الشطر الأول فيه أربع فاعلاتن والشطر الثاني فاعلاتن واحدة. وتفضل بإهداء هذه الزهرات النضرة إلى مجلة الزهور:
صبح الأزهار طيف ملكي يبهر ... بالزهور
يا لها بكراً كحور الخلد هبت تخطر ... في البكور
قلدت جبهتها في نسق زاهي البياض ... تاج عهن
وأعارت ثوبها من خير ألوان الرياض ... كل حسن
أمل باد وسعد مستعير شخص نور ... للعيون
وبهاء في حياء مستعير للظهور ... بالظنون
نجم صبح كل آن يجتلي فيه سناه ... فهو فجر
стр. 70
من تكونين حماك الله يا هذه الفتاه؟ ... - أنا مصر
* * *
درت الأزهار ما جاءت له تلك العروس ... من مرام
غن للأزهار أبصاراً ترى سر النفوس ... من لمام
فأحست ذاك منهن وقالت قول فكر ... لا لسان
أفمنكن ثلاث يتقدمن لأجر ... يا حسان؟
* * *
قالت الوردة: ما للعدل مثلي من مثال ... فاجتليني
في بياضي واحمراري آيتا الحكم الحلال ... فاجتنيني
قالت الزنبقة الغراء: إني رسم حس ... للنزاهة
стр. 71
هي شكلي وقوامي ولها عفة نفسي ... والنباهة
قالت السوسنة البيضاء شفافاً سناها ... عن سماحه
أنا والرحمة كالمرآة والوجه اشتباها ... وصباحه
* * *
بعد ذاك اجتمعت تلك المجيبات الحسان ... للهدية
في نظام اكسبتهن به تلك البنان ... صوغ حليه
حلية باليد زانتك بها مصر الفتاه ... رسم حال
رسم أبهى ما به يحلى على الدهر القضاه ... من خلال
خليل مطران
стр. 72
يا شعراء الشام
يا طائر البان أثرت الغرام ... هل أنت مثلي مغرم يا حمام
جددت بي دائي وغادرتني ... كأنني سقم بصدر السقام
لو فرقوا ما بي على أمة ... عزريل لا يحسن فيها القيام
جسم كظن المرء في ربه ... لا تدرك الناس له من نظام
كأنني إن تعصف الربح في ... ركب ابن داوود وبردي لتام
وغن ضعفي عز بأسيهما ... لا الغاز بي قام ولا الجن قام
حظ كحظ البدر عند الضحى ... وعزمة جازت طباق الغمام
وعزة قد أكبرت ربها ... عن صحبة الجيش وحمل الحسام
وسيرة مثل افترار الحيا ... أو كابتسام البدر تحت الظلام
لا كنت لي يا أدبي حرفة ... إن كان من يعليك قدراً يضام
مصر بنا ضاقت فما حالكم ... في أرضكم يا شعراء الشام؟؟؟
لو أنصفتنا قومنا طأطأت ... - إن قيل راحوا أو غدوا - كل هام
هل انتم في أرضكم مثلنا ... ترون سحب الجود تبدو جهام
(لأولا بنيات كزغب القطا) ... ونسوة خطبي عليها جسام
وحب أرضٍ طال عودي بها ... وبعض قوم في رباها كرام
стр. 73
لما وضعنا الدهر رحلاً بها ... ولا ضربنا في رباها خيام
ولانتجعنا الشام حتى نرى ... نضارة العيش وطيب المقام
- عبد الحليم المصري
أرسل إلينا حضرة الشاعر الأديب هذه الأبيات وطلب جواباً عليها من شعراء سورية. ثم جاءنا منه كتاب يذكر فيه اجتماعه بصديقه محمد أفندي إمام العبد وتلاوة هذه القصيدة عليه قال:. . . فما وصلت إلى ذكر الشعراء في مصر حتى نال منه الوجدان واغرورقت عيناه وارتد حزنه لإلى فؤادي بعد أن ارتسم على أسارير الجبهة، فأخذ يقرأ هذه السطور الخيالية بلسان الشاعرية ويسابقه في النطق بها لسان الدمع. . .
وقد نظم المصري في ذلك بيتين أضافهما إلى قصيدته وهما:
أصبحت لا أصبحت في حالة ... وهكذا أمسى صديقي إمام
إن كان هذا الحظ لا ينجلي ... يا دولة الشعر عليك السلام
وموعدنا العدد القادم إن شاء الله في نشر جواب شعراء سورية ليطلعونا على ما هم عليه. . .
стр. 74
في حدائق العرب
ننشر في هذا الباب صفحات مطوية لمشاهير الكتاب الغابرين. لأن في كتبهم ومخطوطاتهم التي نسجت عليها عناكب الأيام كنوزاً نحن في أشد الحاجة إليها. وها نحن نورد اليوم ملخص فصل كتبه فارس الشدياق منذ ٥٥ سنة عن الألقاب والمغالاة في الكتابة. وقلما قرأنا كاتباً عربياً فيه ملكة الملاحظة - التي يفاخر بها الإفرنج ويقولون إنها سر الإجادة في الإنشاء - أقوى مما هي في الشدياق ولا نتعرض لمبادئ الرجل وأطواره بل نورد شيئاً من قلمه لبيان أسلوبه الكتابي. وهو مأخوذ من كتابه الساق على الساق المطبوع في باريس على نفقة المرحوم رافائيل كحلا الدمشقي.
وصل الفارياق - وهو اسم مستعار لنفس المؤلف - إلى مصر فهداه أحد الظرفاء إلى شاعر مصري له وجاهة ونباهة عند جميع الأعيان. وهنا نترك الكلام للمؤلف:
الألقاب والمغالاة
(قال الظريف) نصحي لك أن تكتب كتاباً إلى هذا العلامة وتلتمس منه فيما تطري به عليه مواجهته. وإذا تكرم بذلك فاذكر له حينئذ ما أنت تعاينه واستنجد به. فلا بد من أن يجيبك، فإنه رجل متصف بمكارم الأخلاق ويحب دغدغة الافتخار. ولاسيما أنه يرغب في مجالسة ذوي الأدب وتيسير أسباب معيشتهم. فتلطف إليه في المقال، وأنا ضامن لك أن تفوز منه بالآمال. فشكره الفارياق على نصحه ورجع إلى محله راضياً مستبشراً. فلما جن الليل أخذ القلم والقرطاس وكتب ما نصه:
стр. 75
أهدي سلاماً لو حمله النسيم لعطر الآفاق، ولو جعل للبدر هالة لما اعتراه المحاق، ولو مزجت به الصهباء لما أعقبت شربها صداعاً، ولو استفه مريض أو لعقه لما لقي برحاء أوجاعاً، ولو علق على شجر لزهت في الحال أوراقها ولو في الخريف، ولو سقيه الروض لأنبت من كل زهر بهيج طريف، ولو جعل على أوتار عود لأطربت دون عازف، ولو تغنى به في مجلس لأغنى عن المشموم والمعازف، ولو علق في الآذان لكان شنوفاً، ولو صقل به سيف كليل لجاء رهيفاً، ولو مثل لكان حدائق ورياضً، وسلسبيلاً ومحاضاً، ولو نيط بالعمائم لأغنى عن التمائم، ول تحتم به ولهان لا جزأه مجزأ السلوان، ولو كتب على رجام لألهى الثاكل عن النواح، أو على خصر هيفاء لقام لها مقام الوشاح، أو على أنف
مزكوم لما أحوجه إلى السعوط، أو على ساق أعرج لكان له من قفزه سبق وفروط، أو على لسان أبكم لانحلت عقدته، أو على كف بخيل لهان عليه في البذل ذهبه وفضته. . . وتحيات فاخرة، ذكية عاطرة، أرق من النسيم، وأشهى من العافية على قلب السقيم، وأجلى للعين من الأثمد، وأغلى للناقد من العسجد، وأصفى من الماء الزلال، واعلق بالقلب من أمل الوصال. . . وأزهر من نور الصباح، وأزهى من نور الأقاح، وأثمن من الجوهر النفيس، وأعز عند البستي من التجنيس، وعند أبي العتاهية من الزهديات، وعند أبي نواس من الخمريات، وعند الفرزدق من الفخريات، وعند جرير من الغزليات، وعند أبي تمام من الحكم، وعند المتنبي من جزل الكلم تُهدى إلى الجناب المكرم، المقام المحترم، ملاذ الملهوفين، مستغاث
следующие страницы →