← Джавами‘

Джавами‘ · id 36534

مجلة «الزهور» المصرية

أنطون الجميل

Полный текст (2 201 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

هي شكلي وقوامي ولها عفة نفسي ... والنباهة قالت السوسنة البيضاء شفافاً سناها ... عن سماحه أنا والرحمة كالمرآة والوجه اشتباها ... وصباحه * * * بعد ذاك اجتمعت تلك المجيبات الحسان ... للهدية في نظام اكسبتهن به تلك البنان ... صوغ حليه حلية باليد زانتك بها مصر الفتاه ... رسم حال رسم أبهى ما به يحلى على الدهر القضاه ... من خلال خليل مطران

стр. 72

يا شعراء الشام يا طائر البان أثرت الغرام ... هل أنت مثلي مغرم يا حمام جددت بي دائي وغادرتني ... كأنني سقم بصدر السقام لو فرقوا ما بي على أمة ... عزريل لا يحسن فيها القيام جسم كظن المرء في ربه ... لا تدرك الناس له من نظام كأنني إن تعصف الربح في ... ركب ابن داوود وبردي لتام وغن ضعفي عز بأسيهما ... لا الغاز بي قام ولا الجن قام حظ كحظ البدر عند الضحى ... وعزمة جازت طباق الغمام وعزة قد أكبرت ربها ... عن صحبة الجيش وحمل الحسام وسيرة مثل افترار الحيا ... أو كابتسام البدر تحت الظلام لا كنت لي يا أدبي حرفة ... إن كان من يعليك قدراً يضام مصر بنا ضاقت فما حالكم ... في أرضكم يا شعراء الشام؟؟؟ لو أنصفتنا قومنا طأطأت ... - إن قيل راحوا أو غدوا - كل هام هل انتم في أرضكم مثلنا ... ترون سحب الجود تبدو جهام (لأولا بنيات كزغب القطا) ... ونسوة خطبي عليها جسام وحب أرضٍ طال عودي بها ... وبعض قوم في رباها كرام

стр. 73

لما وضعنا الدهر رحلاً بها ... ولا ضربنا في رباها خيام ولانتجعنا الشام حتى نرى ... نضارة العيش وطيب المقام - عبد الحليم المصري أرسل إلينا حضرة الشاعر الأديب هذه الأبيات وطلب جواباً عليها من شعراء سورية. ثم جاءنا منه كتاب يذكر فيه اجتماعه بصديقه محمد أفندي إمام العبد وتلاوة هذه القصيدة عليه قال:. . . فما وصلت إلى ذكر الشعراء في مصر حتى نال منه الوجدان واغرورقت عيناه وارتد حزنه لإلى فؤادي بعد أن ارتسم على أسارير الجبهة، فأخذ يقرأ هذه السطور الخيالية بلسان الشاعرية ويسابقه في النطق بها لسان الدمع. . . وقد نظم المصري في ذلك بيتين أضافهما إلى قصيدته وهما: أصبحت لا أصبحت في حالة ... وهكذا أمسى صديقي إمام إن كان هذا الحظ لا ينجلي ... يا دولة الشعر عليك السلام وموعدنا العدد القادم إن شاء الله في نشر جواب شعراء سورية ليطلعونا على ما هم عليه. . .

стр. 74

في حدائق العرب ننشر في هذا الباب صفحات مطوية لمشاهير الكتاب الغابرين. لأن في كتبهم ومخطوطاتهم التي نسجت عليها عناكب الأيام كنوزاً نحن في أشد الحاجة إليها. وها نحن نورد اليوم ملخص فصل كتبه فارس الشدياق منذ ٥٥ سنة عن الألقاب والمغالاة في الكتابة. وقلما قرأنا كاتباً عربياً فيه ملكة الملاحظة - التي يفاخر بها الإفرنج ويقولون إنها سر الإجادة في الإنشاء - أقوى مما هي في الشدياق ولا نتعرض لمبادئ الرجل وأطواره بل نورد شيئاً من قلمه لبيان أسلوبه الكتابي. وهو مأخوذ من كتابه الساق على الساق المطبوع في باريس على نفقة المرحوم رافائيل كحلا الدمشقي. وصل الفارياق - وهو اسم مستعار لنفس المؤلف - إلى مصر فهداه أحد الظرفاء إلى شاعر مصري له وجاهة ونباهة عند جميع الأعيان. وهنا نترك الكلام للمؤلف: الألقاب والمغالاة (قال الظريف) نصحي لك أن تكتب كتاباً إلى هذا العلامة وتلتمس منه فيما تطري به عليه مواجهته. وإذا تكرم بذلك فاذكر له حينئذ ما أنت تعاينه واستنجد به. فلا بد من أن يجيبك، فإنه رجل متصف بمكارم الأخلاق ويحب دغدغة الافتخار. ولاسيما أنه يرغب في مجالسة ذوي الأدب وتيسير أسباب معيشتهم. فتلطف إليه في المقال، وأنا ضامن لك أن تفوز منه بالآمال. فشكره الفارياق على نصحه ورجع إلى محله راضياً مستبشراً. فلما جن الليل أخذ القلم والقرطاس وكتب ما نصه:

стр. 75

أهدي سلاماً لو حمله النسيم لعطر الآفاق، ولو جعل للبدر هالة لما اعتراه المحاق، ولو مزجت به الصهباء لما أعقبت شربها صداعاً، ولو استفه مريض أو لعقه لما لقي برحاء أوجاعاً، ولو علق على شجر لزهت في الحال أوراقها ولو في الخريف، ولو سقيه الروض لأنبت من كل زهر بهيج طريف، ولو جعل على أوتار عود لأطربت دون عازف، ولو تغنى به في مجلس لأغنى عن المشموم والمعازف، ولو علق في الآذان لكان شنوفاً، ولو صقل به سيف كليل لجاء رهيفاً، ولو مثل لكان حدائق ورياضً، وسلسبيلاً ومحاضاً، ولو نيط بالعمائم لأغنى عن التمائم، ول تحتم به ولهان لا جزأه مجزأ السلوان، ولو كتب على رجام لألهى الثاكل عن النواح، أو على خصر هيفاء لقام لها مقام الوشاح، أو على أنف مزكوم لما أحوجه إلى السعوط، أو على ساق أعرج لكان له من قفزه سبق وفروط، أو على لسان أبكم لانحلت عقدته، أو على كف بخيل لهان عليه في البذل ذهبه وفضته. . . وتحيات فاخرة، ذكية عاطرة، أرق من النسيم، وأشهى من العافية على قلب السقيم، وأجلى للعين من الأثمد، وأغلى للناقد من العسجد، وأصفى من الماء الزلال، واعلق بالقلب من أمل الوصال. . . وأزهر من نور الصباح، وأزهى من نور الأقاح، وأثمن من الجوهر النفيس، وأعز عند البستي من التجنيس، وعند أبي العتاهية من الزهديات، وعند أبي نواس من الخمريات، وعند الفرزدق من الفخريات، وعند جرير من الغزليات، وعند أبي تمام من الحكم، وعند المتنبي من جزل الكلم تُهدى إلى الجناب المكرم، المقام المحترم، ملاذ الملهوفين، مستغاث

стр. 76

المضيعين، منهل القاصدين، مورد الطالبين. . . إلخ. (ثم ذكر حاجته إليه). . . قال الفارياق: فلما بلغت الرسالة إلى المذكور وطالع ما في شرح السلام من التشابيه المكلفة، لم يتمالك أن ضحك منها وقهقه، وقال لبعض جلسائه ممن ألم بالأدب: سبحان الله قد رأيت أكثر الكتاب يتهوسون في إهداء السلام والتحيات إلى المخاطب كأنما هم مهدون إليه عرش بلقيس أو خاتم سيدنا سليمان. فتراهم يشبهونه بما ليس يشبهه، ويغرقونه في الإغراق، ويغلونه في الغلو، حتى يأتي مبلولاً محروقاً. . . وما أدري ما الذي حسن لأرباب فن الإنشاء أن يضيعوا وقتهم بهذه الاستعارات والتشبيهات المبتذلة، وبنظم الفقر المتماثلة في المعنى. مع أن العالم يتأتى له أن يبدي علمه بعبارة واحدة إذا كانت رشيقة اللفظ بليغة المعنى. وهذه ألف ومئتا سنة قد مضت ومازلنا نرى زيداً يلوك ما لفظه عمرو، وعمراً يمضغ ما قاله زيد، وقد سرى هذا الداء في جميع الكتاب. (ثم استطرد الكاتب بعد كلام بمعنى ما تقدم إلى ذكر الألقاب بطريقة التهكمية المعتادة قال:) حد اللقب عند المشرقيين أنه هينة ناتئة، أو زنمة أو علاوة زائدة متدلدلة تناط بكونية الإنسان، وعليه قول صاحب القاموس العلاقي الألقاب لأنها تعلق على الناس. وعند الغربيين أي عند الإفرنج أنه جليدة تكوّر في الجسم. وشرح ذلك أن الهنة يمكن قطعها واستئصالها مع السهولة. وكذا الزنمة وكذا العلاوة يمكن ركسها وقلبها. فأما الجليدة فلا

стр. 77

يمكن فصلها عن الجسم إلا بإيصال الضرر إلى صاحبه. وحاشية ذلك، إذ الشرح لابد له من حاشية، إن الزنمة عند أهل الشرق غير موروثة، والجليدة عند الإفرنج متوارثة كابراً عن صاغر. مثال ذلك لقب الباشا والبيك والأفندي والآغا بل الملك إنما هو محصور في ذات الملقب به فلا ينطلق منه إلى ولده، فقد يمكن أن يكون ابن الوزير أو املك كاتباً أو نوتياً. أما عند الإفرنج فلا يصح أن يقال لابن المركيز إلا مركيز. . . واصل الزنمة والجليدة في الغالب أكال يحدث في ذوي الأمر والنهي، لهيجان الدم عليهم. فلا يمكن تسكين هذا الهيجان وحك ذلك الأكال إلا بإحداث الهنة أو الجليدة. والغرض من كل ذلك انفراد شخص عن غيره بصفة ما. . . . وأعلم أن الخواجا والمعلم والشيخ ليست ألقاباً معدودة في الهنات ولا في الجليدات. . . إنما هي خرقة تستر عورة الاسم الذي أطلق على المسمى، وهي غير مخيطة فيه ولا مكفوفة، ولا مسرجة ولا ملفوفة. بل هي كالبطاقة شدت إلى لابسها ليعرف بها سعره. إلا أنه كثيراً ما يقع الغلط في إلصاقها بمن ليس بينه وبينها من علاقة. . . فارس الشدياق

стр. 78

أول ممثل شرقي ونعني به جورج أفندي أبيض، أو كما تسميه جرائد أوروبا المسيو أبيض الممثل المصري الفنى. لا تدهش أيها القارئ لهذا العنوان، ولا تستغرب هذا الوصف إذا ما وصفنا به هذا الشاب مع كثرة الأجواق ووفرة الممثلين عندنا. فهو أول ممثل تخرج في المدارس العالية ودرس هذا الفن على أربابه في أوروبا شأن الممثلين في الغرب. أذاعت الجرائد المحلية خبر قدومه القريب إلى الإسكندرية ومصر مع جوق فرنسوي. ورحبت به تلك الصحف ترحيباً يستحقه، كما ودعته صحف باريس بأطيب كلمات الوداع، وأحر كلمات التنشيط، وما فتحت هذه الأيام جريدة فرنسوية حتى رأيت فيها رسم أبيض وقرأت فيها ثناء جماً على حسن استعداده. قالت الطان: أحرز الفن التمثيلي الفرنسوي نجاحاً جديداً بتخريج هذا الشاب الأجنبي الذي أعرب عن صفات بديعة. وقالت الماتان: سيسمع المصريون لأول مرة رواياتنا الجميلة على لسان ممثل مصري. وقالت الجورنال: فتى كان بالأمس مجهولاً وسيصبح غداً مشهوراً. وأفاضت هذه الجرائد وغيرها كالفيغارو والبتي جورنال وجريدة المراسح في الكلام عن ممثلنا الجديد.

стр. 79

شكري غانم فتح الملاعب الفرنسوية بروايته، وجورج أبيض استولى عليها بإلقائه. عرفت جورج أبيض منذ سنتين وقابلته طويلاً ثاني مرة منذ سنة قبل رجوعه إلى باريس لتأليف الجوق العائد إلينا به الآن. وقد سمعته يمثل قطعاً من أشهر الروايات في بعض المجالس الخصوصية. فرأيت منه ممثلاً بارعاً قادراً، ينشد الشعر بفخامة وجزالة في الصوت، ولطافة ورشاقة في الحركة، وحدة وبريق في العينين، فتتغلغل نبراته من السمع إلى القلب، وتستوقف حركاته النظر، وتنفذ نظراته في الفؤاد، حتى إذا ما ترك المرسح وعاد يحدثك، رأيت فيه شاباً لطيفاً طيب المعشر، بل تكاد تجد فيه شيئاً من البرودة والجمود. وقد خصته الطبيعة بصفات ثمينة للمثل، فهو عذب النطق فصيحه، عريض الصدر قويه، يتدفق صحة وعافية، يحب فنه الجديد حباً أشبه العبادة، وقد قرن كل ذلك بإرادة شديدة حملته على تذليل كل الصعاب للوصول إلى تحقيق أمنيته، ومضاهاة الغربيين في فن الإلقاء. وقف على المرسح لأول مرة في مدرسة الحكمة في بيروت حيث مثل وهو تلميذ صغير دوراً في رواية الدراهم الحمراء فسر وأعجب من سمعه. وجعل التمثيل منذ ذاك العهد نصب عينيه. كبر التلميذ وأنهى دروسه، ودخل العالم ذلك المرسح الكبير حيث تتمثل أمامنا كل يوم ألف رواية. . واتفق منذ خمس سنوات أنه لما كان رئيساً لمحطة سيدي جابر أقيمت

стр. 80

حفلة خيرية في الإسكندرية تحت رعاية سمو الجناب الخديوي، مثلت فيه رواية البرج الهائل وكان جورج أبيض يمثل فيها دور بوريدان. فسر سمو أمير مصر من حسن استعداد الشاب وما عرف عن ميله إلى مزاولة تشخيص الروايات. فأرسله إلى باريس، ليتقن هذا الفن، ويطلع على دقائق أسراره. ذهب الشاب إلى عاصمة الفن الكبرى وملء قلبه السرور وملء صدره النشاط. فقضى هناك خمس سنوات يدرس ويتمرن على أيدي الممثل الأشهر سلفان حتى أصبح الأستاذ مراراً كثيرة يعهد بأدواره إلى تلميذه. قال لي أبيض قبيل سفره الأخير: أنا ذاهب هذه المرة لأعود إليكم بجوق سأؤلفه هناك فأعرض على أبناء وطني نتيجة جدي وكدي فعسى أن يرضوا بها. وتلقيت منه رسالة في هذا الأسبوع يقول فيها: ها قد أنجزت وعدي، ووصلت إلى غايتي. في آخر الشهر تقابلني في الأوبرا الخديوية إن شاء الله وهنا سنقابله، وهناك سنصفق له إعجاباً، في روايات: بريتانيكوس وأدويب الملك والبورغراف وهوراس واندروماخ إلخ. . . ومهما أخلصنا له التهاني الآن، ومهما أسمعناه من كلمات الإطراء فهي لا تعادل ما سنقابله به يوم يبرز لنا في رواية عربية مع جوق وطني، فيومذاك فقط يكون قد قام بالخدمة المطلوبة.

стр. 81

في جنائن الغرب ننشر تباعاً تحت هذا العنوان خير ما يؤخذ عن آداب الغربيين قديماً وحديثاً. لأن ذلك يكسب لغتنا ثروة طائلة من المعاني والأفكار الجديدة، ويطلعنا على مجرى الحركة الأدبية عند الأمم. رواية شانتكلير ومن لم يسمع برواية شانتكلير؟ فإن ذكر مؤلفها - ادمون روستان - قد طبق الآفاق. وحديثها قد شغل الصحف والأندية والمجتمعات الأدبية لما فيها من الجمال الفتان والتفنن الغريب. ١ - حول الرواية قضى روستان عدة سنين في تنسيق مشاهد هذه الرواية وصياغة أشعارها والعالم الأدبي ينتظر بذاهب الصبر شقيقة روايتي الايجلون وسيرانو ده برجراك إلى أن كان الشهر الماضي فبرزت رواية شانتكلير على ملعب بورت سان مارتن فقوبلت بهاتف إعجاب لم تصادفه رواية قبلها وتردد صداها من باريس إلى شمالي أوروبا وجنوبا، وإلى شرقا وغربها، بل تجاوز البحار وبلغ أربعة أنحاء المعمور. عمد المؤلف إلى الحيوانات وجعلها أشخاصاً ناطقة في روايته بما بهر الأبصار وخلب الألباب من رونق المناظر وجزالة الشعر. وقد عرف القراء أن مدير مجلة الالوستراسيون قد حفظ لنفسه حق نشر هذه الرواية في مجلته مقابل مبلغ مليون من الفرنكات. وأفادنا روتر

стр. 82

أن الريش الذي لزم لملابس الممثلين كلف خمسين ألف فرنك وكلفت الأسلاك والأقمشة أربعين ألف. وبلغ وزن الريش تسعمائة كيلو وبلغت ألوانه المختلفة اثنين وثلاثين لوناً. وقد وضع منه على رأس مدام سيمون (ممثلة دور الدجاجة) ما يساوي خمسمئة فرنك. وكلف ريس الديك (بطل الرواية) ألفاً ومئتي فرنك. أما الستارات فهي أبدع ما شوهد على ملعب تمثيل فما قول الشيخ سلامة وإسكندر أفندي فرج؟. . وفي الرواية من الحيوانات الممثلة مئة وثلاثون حيواناً من ذوات الأجنحة وذوات الأربع منها: ثمانية وأربعون نوعاً من الديوك والدجاج وعشرون بومة وثمانية أرانب ومثلها من الضفادع وثلاث حمامات وكلبان وثلاثة وطاويط وفأر وخلد وفراشة ونحل إلخ. . . وقد اشتغل بالملابس اللازمة ثلاثون عاملاً مدة أربعة أشهر تسع ساعات في اليوم أعني ٣٢ ألفاً و٤٠٠ ساعة. واشترك في معداتها أرباب ثماني عشرة حرفة من خياطين ونساجين ونجارين وحفارين ونقاشين ومزينين إلخ. . . ومن عرف كل ذلك يفهم معنى قول مدير المرسح عند رفع الستار لتمثل الرواية لأول مرة: - إن ستمئة ألف فرنك معلقة بهذا الستار. . . . وقد بلغت نفقات التلغرافات التي تبودلت بشأن ترجمة شانتكلير وتمثيلها في عواصم أوروبا عشرين ألف فرنك. وستترجم إلى تسع عشرة لغة بعد دفع رسوم الترجمة. ومثلت خلال شهر واحد في أماكن مختلفة

стр. 83

بين جبل طارق وبطرسبورج أربعمئة مرة أعني أكثر من ثلاث عشرة مرة في كل ليلة. والمفهوم أننا سنراها قريباً في مصر. فأهلاً ومرحباً. . . وبلغ دخل المرسح في الليلة الأولى خمسة وثلاثين ألف فرنك. ويقدرون أن ادمون روستان سيربح من تمثيلها ونشرها بالطبع عشرة ملايين فرنك. . فما رأي المؤلفين وأصحاب المطابع في مصر وسورية. .؟ وكان المسيو جيتري ممثل دور الديك قد أبى تمثيل دوره دون إشارات بيديه. وكان هذا موضوع خلاف بينه وبين المؤلف. فاتفق ذات يوم أن زار الممثل أحد أصدقائه وكان المسيو جيتري في الحمام ينشد تحية الشمس من دوره على خرير الماء فسمعه صديقه فشاقته تلك النبرات الخالبة فباغته في غرفة الحمام فوجده ضاماً يديه إلى فخذيه رافع الرأس شاخص العينين يتلو دوره على أفخم أسلوب. فصاح به: ما أبدعك هكذا. . .! فاقتنع الممثل ورضي بإخفاء يديه تحت الجناحين. ٢ - الموضوع أقام أصحاب الحق بنشر رواية شانتكلير قضية على بعض المجلات والصحف يتقاضونها مبلغاً وافراً من المال لأنها نشرت قبل التمثيل موضوع هذه الرواية وبعض فقرات تمكنت من الحصول عليها. أما وقد برزت الرواية الآن على الملاعب ونشرتها المجلة صاحبة الحق بنشرها، فلا خوف علينا من القضايا إذا نحن لخصنا موضوعا للقراء وترجمنا لهم بعض مقاطيع منها.

стр. 84

الفصل الأول: يمثل المرسح حوش الدجاج في إحدى المزارع. وتبتدئ الرواية بمؤامرة الطيور الداجنة على الديك (شانتكلير) لأنه قد استبد بسلطته وهو فوق ذلك يدعي أن الشمس لا تشرق في كل صباح إلا بفضل صياحه. وبينما ذوات الأجنحة على هذه الحال، إذا بطلقات نارية قد دوت في الفضاء، ووقعت في الحوش دجاجة برية. فأسرع الديك إلى استقبالها وما لبث أن وقع في جبال هواها. وبينما هو يطارحها أحاديث الغرام، تأخذ هي تصف للطيور الداجنة أفضيلة عيشة الطيور في الغابات والأحراج، وتشرح أجمل شرح معنى الحرية. الفصل الثاني: يمثل المرسح جانباً من الغابة في الليل، وطيور الظلام تتواطئ على الإيقاع بالديك، لأن صياحه في كل صباح ينذرها بطلوع الشمس التي لا تتحملها عيون طيور الليل. وبينما طائر البوم يخطب في الجماعة محرضاً على الفتك بشانتكلير يسمع صياح الديك معناً إقبال كتائب النور واندحار جيوش الظلام. وكان الديك قد غادر حوش الدجاج في المزرعة، ولحق بالدجاجة البرية في الغابة. ولما كان قضى ليلته بعيداً عن رفيقاته الداجنات، متتبعاً إثر عشيقته الجديدة، أحب أن يستطلع طلع أخبارهن، فعمد إلى زهرة هناك ليكلمهن بالتلفون؟ فعرف ما أصابهن من الغم والهم أثناء غيابه عن مملكته، فزاده ذلك إعجاباً بنفسه. وبينما هو على هذه الحالة أقبلت عليه الدجاجة البرية، وأخذت تعاتبه عتاب الأحباب على انشغاله بغيرها عنها. فعاد يبثها ما بين جناحيه من لواعج الهيام. . .

стр. 85

الفصل الثالث: لا تزال في الغابة بين أشجار السنديان والصنوبر وشانتكلير والدجاجة البرية في شهرهما العسلي. وهي لا تزال تغريه بالحرية وتفند قوله بأن شروق الشمس متوقف على صياحه. على انه يبقى متشبثاً برأيه ومعتقداً بأن مبعث النور من حلقه. وكانت جماعة الضفادع قد عرفت بمجيئه وفضلت صياحه على تغريد البلبل سلطان الغابة فقصدته لتعرض عليه إقامته مقام البلبل الغرد. فوعدها الديك خيراً. وقصد البلبل، وكان هذا واقفاً على غصن شجرة قريبة، وبينما هو يحادثه أطلقت بندقية فأصاب طلقها البلبل، ووقع على الحضيض وظهر كلب الصياد حارس المزرعة ليأخذ الطريدة، فوجد شانتكلير صديقه، فعرض عليه الرجوع معه إلى المزرعة فأبى الديك لأن الحرية والحب قد أسرا فؤاده على ما فيهما من المخاطر. فعاد الكلب حزيناً، والديك يصفق بجناحيه ويصيح منشداً نشيد الغابة. الفصل الرابع: وفيه حل عقدة الرواية على أجمل أسلوب فإن الدجاجة البرية - وقد صور فيها المؤلف الأنثى من الحيوانات الناطقة وغير الناطقة - أسكرت الديك بحبها وقضت الليل تغازله حتى أنه استغرق في النوم صباحاً، وأشرقت الشمس وهو لا يعي. ولما أفاق من سباته العميق، وجد كوكب النهار قد اعتلى في الأفق على عادته دون الحاجة إلى صياحه. فحزن واكتأب واضمحلت أحلامه واشتد به اليأس حتى قضي عليه. . .

стр. 86

٣ - مقاطيع من الرواية وها نحن نترجم بعض فقر من هذه الرواية الشائقة لتكون أنموذجاً. يعرف القارئ منه بعض ما فيها من رقيق الشعور وسامي التصورات. ومن طالع الأصل يجد هذه الترجمة خيالاً ضئيلاً له لأنه يشق على المترجم أن يؤدي في ترجمته تلاعب روستان في الكلام والمعاني تلاعباً يستحيل أحياناً نقله إلى لغة غير اللغة التي كتب فيها. نشيد الشمس وهي قصيدة ينشدها الديك في الفصل الأول ليحيي الشمس عند بزوغها: أنا أعبدك أيتها الشمس، أنت التي تنشف دموع أدق النباتات، وتحول الزهرة الذابلة إلى فراشة حية عندما يتلاعب هواء جبال البيرينه بزهر اللوز في وادي روسيليون بعد أن ينثره كما ينثر حظوظ البشر. . . أعبدك يا من تدخل أشعتها في كل زهرة وفي كل كوخ وتبارك كل جبهة وتنضج كل خلية فهي تتجزأ ولكنها تبقى كاملة كحب الأم. أنا أتغنى بك ويمكنك أن تقبليني عابداً لك يا من تنعكس على فقاقيع الدنان الزرقاء، وتختار عند مغيبها زجاج نافذة حقيرة لترسل وداعها الأخير. أنت تديرين زهرة دوار الشمس وتضيئين شقيقي الذهبي في أعلى القبة. وعند ما تمرين من خلال أغصان الزيزفون تعكسين

стр. 87

وتحركين على الأرض دائرات ساطعة يستوقف جمالها الماشي فلا يجرأ أن يدوسها. تحولين طلاء الآنية إلى ترصيع بديع كما تحولين الخرقة إلى لواء خفاق. فالمجد لك في الحقول، ولك المجد في الكروم. ولتكوني مباركة بين العشب وعلى رتاج القصور، في عين الضب وعلى جناح الإوز اللامع. . . أنت تشقين لكل مخلوق شقيقاً يمتد وراءه فأوجدت لكل شيء ظلاً كثيراً ما يكون أبهى منه وهكذا جعلت كل ما يبهجنا مزدوجاً. أعبك يا شمس: أنت تنثرين ورداً في الهواء، وتنيرين شعاعاً في الماء، وتضعين إلهاً في الأدغال. فتؤلهين الشجرة الشاحبة. فلولاك أيتها الشمس لبقيت الأشياء على ماهيتها. معنى صياح الديك في الفصل الثاني تحاول الدجاجة البرية أن تعرف من الديك سر صياحه. فيتمنع عن أن يبوح به، ثم يتغلب عليه الحب فيأخذ يشرح ذلك بأبيات بديعة كأنه الشاعر يصف مهمته في هذه الدنيا: الديك: لاحظيني وأنا بذاهب الصبر ومنتهى العجب أجرح الأرض بأظفاري كأنني أفتش دائماً في الأرض عن شيء ما. . . الدجاجة البرية: تكون على ما أعرف تفتش حينذاك عن شيء من الحبوب.

стр. 88

الديك: لا ليس ذلك ما أبحث عنه. وإذا وجدت عرضاً في حين من الأحيان شيئاً من الحب فإني أدعه لدجاجاتي. الدجاجة: وعم تفتش إذن وأنت تبحث في الأرض. .؟ الديك: أفتش عن مكان أنشب فيه لأصيح، ولا أصيح إلا متى تمكنت أظافري في الأرض بعد تقليه العشب وإبعاد الحصى. وعند ما تخالط نفسي الأرض الطيبة أغني وأنشد. وهذا بعض سر صياحي. وهو لا يشبه الغاني التي تنشد بعد التفتيش عنها ولكنه يصعد من الأرض إلي كما تصعد المادة الحيوية إلى الشجرة. ويكون ذلك خصوصاً عندما يقف الفجر متردداً على طرف السماء القاتمة فتتكلم الأرض فيّ ولا أبقى في تلك الساعة طائراً أياً كان. بل أصير النفير الذي ينطلق منه صوت الأرض إلى السماء. وهذا الصراخ الذي ينبعث من الأرض هو صراخ الشوق إلى النور، هو هتاف الحب الشديد الهائل نحو ذاك الكائن الذهبي الذي نسميه للنهار وهو ما تتوق إليه كل الكائنات. وهو هتاف الرجاء الذي يبعثه الحقل لمبتل طالباً قوس قزح لكل بقعة خضراء، والغابة راجيةً نوراً لكل منعطف مظلم فيها. هذا الهتاف الذي يمر بي ليصعد إلى السماء الزرقاء هو هتاف كل ما يشعر أنه في هاوية وقد غضبت عليه الشمس دون أن يعرف السبب. هو هتاف الوردة الواجفة وحدها في الظلام، هو هتاف الهشيم الذي يريد أن ينشف لينقل إلى الرحى، هو هتاف الأدوات وقد تركها الحاصد في الخلاء

стр. 89

فباتت تخشى الصدأ، هو هتاف كل أبيض ناصع ليكون لامعاً ساطعاً. هو هتاف كل الحيوانات الطاهرة التي لا تود ستر أعمالها، هو هتاف النهر الذي يريد أن تصل عين الناظر إلى قمره، هو هتاف الوحل الذي يريد أن ينشف ليعود تربة خصبة، هو هتاف فخيم ينطلق من المزارع التي تريد أن تشعر بالنبات يتحرك في جوفها، هو هتاف الشجرة التي تريد أن تزيد على زهرها زهراً، هو هتاف عنقود العنب الأخضر الذي يريد أن يحمرّ جانبه، هو هتاف الجسر الذي يتشوف إلى خفقان الأقدام عليه، وإلى تلاعب ظل العصافير بين ظل الأغصان فوقه، هو هتاف كل من يريد الإنشاد وخلع ثياب الحداد، والعودة إلى الحياة. . . هو هتاف إلى النور ينطلق من كل جمال وكل عافية، ومن كل من يريدان يعمل عمله في النور فيرى ذلك العمل ويراه الغير. . . . وعندما يتصاعد في هذا النداء للنهار أكبر نفسي لتكون أكثر اتساعاً وبالتالي أكثر رنيناً. وقبل أن أطلق هذا النداء أردده في صدري بخشوع ثم ينبعث صياحي واضحاً قاطعاً فخيماً حتى أن الأفق الخافق احمراراً يطيع ندائي هذا. وعبثاً يحاول الليل أن يرضيني بنور الغلس الضئيل فإني لا أزال أصيح حتى أجل الشمس تتلألأ.

стр. 90

روزفلت في وادي النيل مر مستر روزفلت رئيس الولايات المتحدة سابقاً بوادي النيل أثناء عودته من الصيد والقنص في أواسط أفريقيا فقال لنا أشياء كثيرة في الخطب والمحاضرات التي ألقاها وأعربنا له عن أشياء كثيرة على صفحات جرائدنا السيارة. وها نحن نثبت شيئاً من كل ذلك. ١ - ما قال لنا * من خطبة ألقاها في الخرطوم في ١٦ مارس لا أريد أن أرى كلية من كليات الإرسالية جاعلة غايتها الرئيسية من التعليم مجرد تخريج طلبة لإحراز الوظائف في مناصب الحكومة. بل أريد أن أرى المتخرج مستعداً للعمل باستقلال وبدون اهتمام بأية مساعدة ينالها من راتب يتقاضاه من الحكومة. فإن أفضل الوطنيين شأناً هو من برع في الهندسة أو الزراعة أو الصناعة. ومن سوء الحظ أن يسري في الأذهان سواء في أمريكا وأوروبا وأفريقيا فكرة مآلها أن الرجل المتعلم يجب أن يجعل غايته الأولى التوظف في الحكومة. من كلام قاله في الوليمة التي أعدها له حضرة الوجيه جورج بك ويصا على النيل إذا لم أستطع أن أزور إلا بلاداً واحدة فإني أزور مصر وأفضلها على كل بلاد أخرى، وإذا أردت أن أرسل ابني لتكميل دروسه بالسياحة والمشاهدة فإني أرسله إلى القطر المصري ليرى آثاره ويقابل بين درجات ماضيه وحاضره. (وتكلم عن أجداد المصريين والسوريين فقال) أنتم

стр. 91

أعرق في العمران منا، فإنه لما كان أسلافكم المصريون والفينيقيون يبنون المدن ويجوبون البحار كان أسلافنا يعيشون في غيابات الجهل وغابات التوحش. * من كلام وجهه إلى ممثلي الصحافة المصرية لما زاروه في فندق شبرد في ٢٧ مارس إن كانت عندي كلمة نصح للمصري فهي أن يعامل المسلم المسيحي بتمام العدل كما يعامل المسيحي المسلم. إني انصح بهذا هنا، وحيثما كان لي نفوذ ألح في عمله. ولما كانت القوة في يدي لم أكن أسمح للمسيحي بأن يظلم مسلماً ولا لمسلم بأن يظلم مسيحياً وما دام لي شيء من النفوذ لا أسمح بشيء من ذلك. . . إن في أيدي رجالي الصحافة سلاحاً من أمضى السلاح في العصر الحديث فيجب أن يستعملوه إلا لمقاصد حسنة، فإن محرر الجريدة أو مراسلها في هذا الزمان إنما هو خادم عمومي. * من المحاضرة التي ألقاها في الجامعة المصرية في ٢٨ مارس تجنبوا الادعاء الفارغ كما تتجنبون التعصب الديني والجنسي والسياسي. وأهم من تجنب النقص العلمي أن تتجنبوا النقص الأدبي. وعل الذين يذهبون إلى أوروبا أن يشعروا أن هناك أموراً كثيرة يجب أن يتعلموها وأموراً كثيرة يجب أن يتجنبوها، فليأتوا إلى بلادهم بالحسنات ولينبذوا ظهرياً السيئات واذكروا أن الأخلاق أهم من الصفات، ولا يفوتنكم أن الأمر الخطير هو أن تتم الأعمال بأمانة وكفاءة بقطع النظر عن مركز الرجل العامل سواء في ذلك الرفيع أو الوضيع مادام عمله للمجموع

стр. 92

٢ - ما قلناه له * من خطاب مفتوح لسعاد الشيخ علي يوسف مدير سياسة المؤيد أيها الضيف العظيم: إنك الآن تخترق وادي النيل وترى النيل تكتنفه المزارع وأزهار الربيع من جانبه وترى الجو رائقاً والهواء صافياً والسكينة تملأ ربوع البلاد، فلا تظن أن هذه منحة اللورد كرومر التي منحها البلاد في ربع القرن الذي أقامه. * من قصيدة لشوقي بك قف بتلك (القصور) في اليم غرقى ... ممسكاً بعضها من الذعر بعضا كعذارى أخفين في الماء بضا ... سابحات به وأبدين بضا مشرفات على الزوال وكانت ... مشرفات على الكواكب نهضا صنعة تدهش العقول وفن ... كان إتقانه على القوم فرضا وأنا المحتفي بتاريخ مصر ... من يصن مجد قومه صان عرضا لم تمت أمة ولا باد شعب ... أقرضوا الذكر والأحاديث قرضا قل لها في الدعاء لو كان يجدي ... يا سماء الجلال لا صرت أرضا يا إمام الشعوب بالأمس واليو ... م ستعطى من الثناء فترضى مصر بالنازلين من ساح (معن) ... وحمى الجود (حاتم) الجود أفضى كن ظهيراً لأهلها ونصيراً ... وأبذل النصح بعد ذلك محضا قل لقوم على (الولايات) أيقا ... ظ إذا ذاقت البرية غمضا شيمة النيل أن يفي وعجيب ... أحرجوه فضيع العهد نقضا

стр. 93

* من قصيدة لحافظ أفندي إبراهيم قف غداً أيها الرئيس وعلم ... أهل مصر حرية التعبير وأخبر الناس كيف سدتم على النا ... س وجئتم بمعجزات الدهور وملكتم أعنة الريح والما ... ء ودستم على رقاب العصور قف وعدد مآثر العلم واذكر ... نعم الله ذكر عبد شكور وإذا ما ذكرت أنسه الكبرى فلا تنس نعمة الدستور إنما النيل والميسيسيبي صنوا ... ن هما حليتان للمعمور وعجيب يفوز هذا باطلا ... ق وهذا في ذلة المأسور * الدكتور شبلي شميل أحيي فيك مروض الوحوش - وحوش المال في أمريكا ووحوش الحيوان في أفريقيا - وقد لا تكون مصيباً في هذه، ولكنك مصيب في تلك، فأهلاً وسهلاً بقاتل الوحشين. النظرات والريحانيات أبرز عالم الطباعة إلى عالم القراءة في هذا الشهر كتابين نفيسين، بل

стр. 94

سفرين جليلين. جادت علينا بالأولو ادي النيل ونفحتنا بالثاني جبال لبنان. بعد أن أقحطت هذه وتلك مدة من الزمن، وبخلت علينا سماؤهما بما يشفي الغليل من المزن. المنفلوطي صاحب النظرات الصائبات عرفته

стр. 95

مصر وتنافلت نفثاته صحف الأقطار فعرفته البلاد العربية، والريحاني صاحب الريحانيات الزهرات عرفته سورية وأمريكا ومصر كاتباً عربيةً كما عرفه الأنكلوساكسون كاتباً إنكليزياً، ولكلا الكاتبين مقام رفيع في قومه، ومنزلة سامية عند قرائه. وهما يتشابهان بأشياء ويختلفان بأشياء. عرفت الاثنين فعرفت فيهما نفسين منزهتين وإن اختلفا في المبدأ والنظر إلى الأمور. يدافع كل منهما عن رأيه وفكره دون أن يغضبك في رأيك وفكرك، رائدهما الوئام، وغايتهما السلام، يقول لك المنفلوطي: ورضا البعض فيه للبعض سخط ... ورضا الكل غاية لا تنال ويقول الريحاني لقارئه: في كل حالٍ لا أنسى انك أكلت من جفنتي وشربت من إبريقي ونمت في خيمتي فأنت إذن أخي وإن كنت خصمي، فإن افترقنا فكما ترافقنا متحابين لا متخاصمين. فقد تجد بعد هذا في آراء الكاتبين وأحكامهما في العالم الكتابي أو الاجتماعي ما لا يوافق رأيك أو حكمك ولكنك لا تغضب ولو رأيت منهما ما يؤلم. قال أحد المؤرخين: يختلف الحكم على الثورة الفرنسوية باختلاف المكان الذي نظر الناس إليها منه. فمنهم من رآها وهو في الشارع، ومنهم من رآها من شرفات بيته، ومنهم من رآها من أعلى آلة الإعدام، وكل يحكم حسب ما رأى. نظر المنفلوطي والريحاني إلى المجتمع الإنساني، فحكم عليه كل منهما حسب المكان الذي وقف فيه لينظر: لم يعرف الأول من بلاد الله إلا مصر ولكن مصر مجتمع قارات ثلاث فكأنه عرف بلاداً كثيرة إذ

стр. 96

عرفها. . . وزار الثاني آسيا وأفريقيا وأوروبا وأمريكا فعلاً. وبعد هذه السياحة عاد الاثنان إلى عيشة الانفراد والخلاء وأخذا ينظران إلى الإنسان ومدنيته من خلال نظارات الطبيعة الصافية فهزأ الريحاني من سخافات الإنسان وضحك ورأى في زخارف المدينة المعبودة، مئة مصيبة منقودة وأنَّ المنفلوطي منها وشكا. فكأن قلمه ما وصفه به: فتراه ورقاء تندب شجواً ... وتراه رقطاء تنفث نارا ولكن الاثنين، هذا في تألمه وذاك في تهكمه، قد أحبا الإنسانية

стр. 97

حباً جماً ولعل هذا معنى الابتسامة التي لا تفارق ثغر الاثنين: ابتسامة عطف ورحمة بعض أحلام المنفلوطي حقائق، وبعض حقائق الريحاني أحلام، ولقد تؤلمنا هذه وتلك أحياناً. . . ويكاد يصح فيهما مع بعض الاستدراك ما قيل قدماً عن راسين وكورنيل: يصفنا الأول كما نحن، ويصورنا الثاني كما يجب أن نكون. فلهذا نعجب بالأول لأنه عرفنا حق المعرفة، ونحب الثاني لأنه يحسن الظن بنا. . . وقلم هذا وذاك. هو جسر تمشي القلوب عليه ... لتلاقي بين القلوب قرارا * * * ألبس المنفلوطي معانيه حلة قشيبة فاختالت فيها تيهاً وفخراً، وباهت بها الحاليات من معاني الأقدمين والمحدثين نثراً وشعراً، وكسا الريحاني أفكاره ثوباً بسيطاً ساذجاً نسجه من خيوط الشمس ولونه بألوان الحقول بكل دقة واعتناء، فرات العين في الحلة المنفلوطية ما يبهجها، وشامت في الثوب الريحاني ما يؤنسها. ومن القرويات من تضاهي الأميرات حسناً وجمالاً. . . درس صاحب الريحانيات لغات الأجانب وعرف كيف يستمد منها ما يناجي به النفس، واكتفى صاحب النظرات بلغة أجداده فتمكن أن يستخرج من أسرارها ما يناغي به الروح ولو بالهمس. لقيت السيد المنفلوطي منذ بضعة أيام وفي يدي الريحانيات فقال: ما بيدك؟ - فقلت: شقيقة النظرات ودفعت إليه الكتاب فأعاده إلي ثاني يوم وقد كتب في أول صفحة منه:

стр. 98

نظرت في هذا الكتاب كتاب الريحانيات الذي أعارنيه صديقي. . . انطون أفندي الجميل فلم أجد فيه من اللغة العربية إلا حروفها دائماً، ومفرداتها غالباً، وجملها نادراً. فلم أحفل بذلك كثيراً لأني وجدت فيه من سمو الخيال الشعري، ودقة الملك النظري، ما استوقفني ساعتين كاملتين، وهي المرة الثانية التي وقفت بها هذه المدة أمام كتاب عصري منذ أعوام بعد كتاب روح الاجتماع. . . . وبالحقيقة إن في النظرات والريحانيات ما يستوقف القارئ ساعات. فيحفظ الكتابين في مكتبته ويعود إليهما من حين إلى حين. . . * * * ديوان المصري - وهو شباب شعر عبد الحليم أفندي المصري وشعر شبابه زفه إلى قراء العربية وهو خير هدية يهديها شاب إلى أمته: باكورة سعيه واجتهاده. . . ي شعر المصري كل صفات الشباب: نخوة وإباء وهمة وإعجاب وحياة تتدفق كالماء الصافي من الصخرة البيضاء. وفي شعره أيضاً عيوب الشباب - إن كان للشباب عيوب - وأي سن بلا عيب. بل ربما كان جمال كل سن في ما يعد عيوباً. جرد الشاب من اندفاعه وهوسه وعدم مبالاته بالعواقب فترى أمامك ما يمجه الذوق كالثمرة الناضجة قبل أوانها. وإذا آخذنا المصري بشيء فنؤاخذه بمحاولته الخروج في بعض قصائده من رياض الشباب إلى كهف الشيخوخة.

стр. 99

فتبدو في شعره آثار التصنع. ولكن إن هي إلا سحابة صيف تنقشع أمام شمس الطبيعة الساطعة. ولسنا نغلط في حكمنا إذا وضعنا المصري في طليعة شعراء الطور الجديد وقد أحله ديوان هذا المحل وأكسبه منزلة هو جدير بها. ونحن ندعو له بان يمتد حبل عمره، ويشتد أزر شعره، لنرى الفرق بين شعر الطفولة وشعر الكهولة. (ونرجئ الكلام في سائر ما لدينا من المطبوعات إلى العدد القادم) أشواك وأزهار العرَج والفرَج الجنون فنون: ماتت في برشلونة عاصمة البلاد البرتغالية امرأة عرجاء - والعرج والجنون لا ينفيان الغنى ماتت عن ثروة طائلة وأوصت بمبلغ خمسمئة فرنك لكل أعرج يمشي في جنازتها. فكم من أعرج في ذاك اليوم عد نفسه سعيداً وشكر للطبيعة تقصيرها لإحدى قائمتيه، وكم من سالم تمنى لو بلي بالعرج، وكم من محتال تظاهر بالعرج، فسار في الجنازة وهو يردد قول بطل مقامات بديع الزمان: تعارجت لا رغبة في العرج ... ولكن لأقرع باب الفرَج نيشان الافتخار قرأت في صحف البريد أن الحكومة العثمانية تنوي إنشاء فرع لنيشان الافتخار تسميه نيشان الاستحقاق ويكون أشبه بوسام

стр. 100

اللجيون دونور الفرنسوي. . . ما أكثر الأوسمة والنياشين والمداليات عندنا. هي أكثر من الذين يستحقونها. بل نحن نوجدها قبل إيجاد صدور تحتها قلوب شريفة، لنضع فوقها علامة الشرف. سألني سائل: هل تحمل وساماً؟ فلم أعرف بما أجيب: إن قلت لا فقد يستحقرني لعدم نيلي ما يناله الجميع بسهولة اعتقاداً منه بعجزي. أو قلت نعم فقد يستصغرني على خفتي ظناً منه أنني سعيت وراء هذا الشرف الموهوم الذي تساوى به كل الناس. وعليه فإنه من العار أن تتحلى بوسام كما انه من العار أن تكون عاطلاً منه. . . وما غاية الحكومة من تجديد نيشان الافتخار وقد كاد يزين كل الصدور: أما لو أنه شيء جديد ... لقلنا حبذاك الافتخار ولكن مثله فينا قديماً ... كثير لا يباع ولا يعار أول أفريل أو كذبة نيسان: شهر أفريل من أجمل شهور السنة، واسمه مشتق من فعل لاتيني معناه تفتّح إشارة إلى تفتح الزهر في الرياض والحقول. على أن البشر قد شوهوا طلعته وسودوا سمعته بما سموه كذبة نيسان أو سمكة أفريل. ويرجع عهد هذه الكذبة إلى أواسط القرن السادس عشر حيث أصدر شارل التاسع ملك فرنسا سنة ١٥٦٤ منشوراً قرر فيه أن يكون ابتداء العام في غرة يناير بدلاً من أول أفريل. فأصبحت التهاني والهدايا التي تتبادل في غرة هذا الشهر كاذبة. وقد ذكروا لهذه العادة المألوفة عادة الكذب الحلال في هذا اليوم أسباباً غير ما قدمنا لا مجال

стр. 101

لعدها الآن. على أن شيوع هذه العادة عند جميع الشعوب تقريباً لمما يدل على ميل غريزي في البشرية إلى الكذب. فأقمنا له هذا العيد الرسمي. وأجمعنا على الاحتفال به على اختلاف مذاهبنا. ومن أشهر الكذبات كذبة جريدة إنكليزية نشرت في ٣١ مارس سنة ١٨٤٦ أن سيقام معرض عام للحمير ثاني يوم (أول أفريل) في نقطة معينة من لندرا. فاجتمع جمهور كبير للفرجة وإذ ذاك قهقهة أحد الحاضرين وقال تم المعرض. . . وكم من الناس يعدون كل يوم أول أفريل. حاصد من الإدارة ١ - نذكر الأدباء أن آخر الشهر الجاري هو آخر موعد للسباق الشاعري ومنتصف الشهر القادم آخر موعد للسباق النثري (راجع موضوع السباقين وشروطهما في ص ٩ و١٠ من الجزء الأول). ٢ - نرجو الذين لم يفيدونا عن رغبتهم في الاشتراك أن يفعلوا بعد وصول هذا العدد. ٣ - كتب إلينا أحد الأدباء يقول نلتمس أن لا تعتمدوا على نوابغ الكتاب فقط فإن ذلك يحول دون ظهور الباقين. فكم من زهرة غراء ذبلت بين رمال الصحراء، وكم من درة حسناء ضاعت بين كهوف البحار وتدافع الأمواج. . . وكتب إلينا كثيرون بهذا المعنى ونحن قد وضعنا هذه الغاية نصب أعيننا منذ إنشاء المجلة قلنا: إن عندنا فريقاً من الكتاب في حاجة إلى التنشيط والتمرين تحت إدارة أساتذة الكتابة وأيمة الكلام (راجع المقدمة ص ٤). ٤ - وفي الختام لابد من كلمة شكر حميم نسديها لكل الصحف والمجلات في جميع الأقطار العربية لما صاغته من كلمات الترحيب والاستئناس بهذه المجلة. حقق الله الظن بنا. - الإدارة

стр. 102

العدد ٣ - بتاريخ: ١ - ٥ - ١٩١٠ نطاق العالم البحري السويس وبناما هي العقول السامية المدارك ترينا في عالم الاختراعات ما تزدهي به البلاد ويستفيد منه العباد، فترقى بالحضارة والهيئة الاجتماعية في مراقي التقدم والفلاح. . . وقد تجلت تلك العقول البعيدة المرامي في أفراد جاؤوا الوجود في أحقاب مختلفة وخصوا ما أتاهم الله من ثقوب الفهم ومضاء الفكر بالتنقيب عن أسرار الطبيعة واستخدام قواها، وتوصلوا بثباتهم إلى ما عاد على المجتمع الإنساني بالخير الجزيل. من أعظم ما حققه الإنسان في الأزمنة الحديثة توسيع نطاق فن البحارة وتمهيد سبل النجارة في وجه أربابها. فاقتصد الوقت الثمين وقرب الأمكنة البعيدة: شاد المرافئ، ترغم أنف الماء الثائر، ورفع المنائر تهدي حائرات المراكب. فكم من برزخ نفضه، وخليج سده، وغدير أيبسه. ولم يكن ما في ذلك من المصاعب ليثبط منه العزائم. فهذه قناة السويس

стр. 103

تكفل لفردينان ده لسبس ما كفلت أهرام مصر لمن بناها: اسماً ماجداً وذكراً خالداً. وهذه ترعة بناما التي يتم فتحها في القريب من الزمن سيكون لها شأن يذكر في تقريب المسافات وتسهيل الموصلات. السويس وبناما بابا أربعة بحور عظام وهما كمنطقة تحدق بالكرة الأرضية عن طريقهما تمر تجارة المعمور وإليهما ومنهما مصيرها ومنفذها. وسوف يبقيان الطريق الكبرى اللاحبة بين آسيا وأوروبا مادام العالم السياسي على ما هو وبقيت الأرض على شكلها. عرف القراء مجمل ما يتعلق بقناة السويس بعد تمحيص هذه المسألة في الجمعية العمومية وقيام مصر من شرقها إلى غربها ومن جنوبها إلى شمالها للدفاع عن استقلال قناتها، وإننا لذاكرون هنا فقط شيئاً عن ترعة بناما فنقول: بناما عبارة عن برزخ يعترض ني الأوقيانوسين الاتلانتكي والباسفيكي، واقع بني كولومبيا وكوستاريكا، جامع بين أمريكا الشمالية وأمريكا الجنوبية، وقف عقبة في وجه التجارة ويبلغ عرضه ستة وخمسين كيلومتراً بين مدينة كولون ومدينة بناما. والأولى في ٢٢ َ و٩ عرضاً و١٥َ و٨٢ْ طولاً والثانية في ٥٦َ و٨ْ عرضاً و٣٠َ و٧٩ْ طولاً. وفتح هذا البرزخ - أي فصل العالم الجديد إلى شطرين - مشروع خطير جليل الفوائد. ولقد عنّ هذا الفكر لعلماء أعلام وحكام عظام وخطر لعقول نيرة ومدارك سامية أن يبرزوه إلى حيز العمل. فنشرته الأقلام والألسنة فكبّر سامعوه وقالوا: هذا من باب المستحيل. . .

стр. 104

ومنذ القرن السادس عشر دار في خلد أحد البحارة نقض هذا البرزخ فاقترح ذلك على الحكومة الإسبانية. وفي هاتيك المدة أيضاً حدث الهمة بالسيد فرنندو كورتز فاتح البلاد المكسيكية إلى القيام بهذا الأمر الخطير فألف لجنة من المهندسين وعهد إليهم تخطيط رسم ترعة تجمع بين الأوقيانوسين. وضع الرسوم على صفحات القرطاس ولم يلاق في ذاك العهد من يقوم بها فيضعها قيد الفعل. فتصرم قرنان كاملان وفتح هذه في عالم الرسوم، حتى أواخر القرن الثامن عشر إذ أوفد الملك كارلس الثالث لجنة ترود تلك لأماكن وتنظر في الأمر، فتضاربت الآراء وتفرقت الكلمة ولم ينجم عن ذلك نتيجة تذكر. وبعد سنين قلائل عهد ذلك المشروع إلى مسيو ده همبلدت فلم يصب نجاحاً. وفي السنة الخامسة والعشرين بعد الثمانمئة والألف نال البارون تييري من بوليفار محرر جمهورية كولومبيا امتيازاً يخوله حفر ترعة بناما، فعمل ولم يفلح ومن مشاهير الرجال الذين بحثوا في هذا المشروع الإمبراطور نابليون الثالث. قيل أنه كان يقضي ساعات طوالاً وهو في قلعة هام، يعمل النظر، ويشغل الفكر في التنقيب عن هذه القضية. ومما تقدم يرى القارئ أن هذا المشروع قد بدا لعقول كثيرة، على أن المتمولين أصحاب الذهب لم يكونوا يعدون تحقيقه إلا من باب الأوهام وخطرات البال. ولذلك لم تؤلف قط شركة لهذا الغرض، ولم تقم عصابة مالية للأخذ بناصر هؤلاء العلماء وبسط يد المساعدة لهم وكان الأمريكان أنفسهم، أصحاب الجد والنشاط، لا ينظرون إلى هذا المسعى إلا بعين الهزء

стр. 105

والسخرية، حتى رأوا النجاح مكللاً أتعاب ذاك الهمام المقدام فاتح قناة السويس، فعقدوا حينذاك لجنة من حذاق المهندسين لينظروا في الأمر ولكنهم فشلوا في مسعاهم ولم يفوزوا بالمرام. وقام ده لسبس يحاول أن يحقق في بناما ما حققه في السويس، فأرسل العالمين أرمان ركلو ولوسيان ويز سنة ١٨٧٩، فتفقدا تلك الحزون والبطاح ووضعا الرسوم اللازمة، ونالا الامتياز من جمهورية كولومبيا، وألف هو الشركة المالية بعد أن قدر المبالغ اللازمة ب ٦٥٨ مليون فرنك. فتلاعبت الأيدي بالمال وكانت هذه الحادثة من أهم المسائل السياسية التي هزت فرنسا في النصف الأخير من القرن الغابر. وجل ما نتج عن كل هذه الأبحاث مد خط حديدي بين كولون وبناما في سنة ١٨٥٥. ومن أكبر الأسباب التي حالت دون فتح ترعة بناما، ميل الأمريكان إلى ترعة أخرى مارة ببحيرة نيكاراغوا ونهر سان جوان، وذلك لقتل المشروع الفرنسوي في مهده، سيما وقد توهم القوم بادئ بدء أن حفر هذه الترعة أقل صعوبة من نقض برزخ بناما. وظل الأمريكان على هذا الزعم حتى سنة ١٩٠٣، حيث عادوا إلى الفكرة الأولى بفضل مساعي العالم فيليب بونوفيلا ومستر مرقس حنا أحد النواب، فظهر للجميع عدم صلاحية نيكاراغوا لجمع الأوقيانوسين نظراً لقوة النهر وعلو الأراضي عن سطح البحر وكثرة المواد البركانية في تلك النواحي. فوضع الأمريكان يدهم على هذا المشروع وأخذوا على أنفسهم تحقيقه بعد التسويف والتأجيل

стр. 106

وهو ناجز عن قريب فيشطر أمريكا إلى شطرين، هذا وكل يعرف أن أكثر رواج التجارة بين آسيا مهد التمدن القديم وأوروبا مهد التمدن الحديث، ومن هنا تتأتى أهمية الطرق الجامعة بين القارتين. ولبيان أهمية ترعة بناما لابد لنا من إلقاء نظرة إلى الطريق القديمة والمقابلة بينها وبين طريق الغد فتتضح لنا فوائدها التجارية والسياسية معاً لأن التجارة أصبحت اليوم محور السياسة وأساس المعاهدات والمحالفات. قال أحد كبار السياسيين: لا تحارب الدول ولا تسالم بعضها بعضاً إلا في سبيل التجارة، فالتجارة سلطانه الدنيا. ١ - الطريق عن البرزخ الأفريقي: أقدم طريق من أوروبا إلى آسيا طريق البرزخ (الأفريقي) أعني مصر فالنيل فالبحر الأحمر فالأوقيانس الهندي، وهذا ما رفع شأن الإسكندرية ووفر غناها وجعل فيما بعد للبندقية أيضاً نصيباً عظيماً من الثروة. وجد بين أوراق كتبها نابوليون بين سنة ١٧٨٦ و١٧٩٣ ما يلي تعريبه: إن مركز التجارة وسوق رواجها غنما هي الإسكندرية التي شاهدها الإسكندر على النيل وهكذا عمرت مصر على عهد البطالة فقامت مدينة برنيقه على شواطئ البحر الأحمر، وكانت تجارة بلاد فارس والهند مع إيطاليا وأوروبا عن طريق البحر الأحمر فالنيل. . بيد أن هذه الطريق كانت من الصعوبة على جانب عظيم، سيما وأنها بحرية وبرية، فكانت تستغرق وقتاً طويلاً ومصروفاً جزيلاً، لنقل البضائع من البحر إلى البر ومن البر إلى البحر. ٢ - الطريق عن رأس الرجاء الصالح: وفي سنة ١٤٩٨ جاز فسكو

стр. 107

ده غاما رأس الرجاء الصالح واختط طريقاً بحرية محضة إلى الموانئ الآسيوية فتبعته السفن التجارية وهجرت طريق البحر المتوسط فتأخرت أحوال الإسكندرية والبندقية. قال فولتير في معرض كلامه عن الآداب: إن رحلة فسكو ده غاما إلى مملكة كالكوتا في الهند عن طريق رأس الرجاء الصالح قد غيرت تجارة العالم القديم تغييراً تاماً. وكانت الإسكندرية محور التجارة ورابطة الأمم على عهد البطالة والرومان والعرب بل كانت البلاد المصرية المستودع الوحيد بين الأصقاع الأوروبية والأمصار الآسيوية ومنها كانت البندقية تستجلب محاصيل الحبوب لأوروبا فاغتنت وازدهى فيها العمران ولولا اكتشاف طريق رأس الرجاء الصالح لكانت البندقية الآن من أعظم الدول. ٣ - الطريق عن ترعة السويس: بيد أنه في أواسط القرن التاسع عشر عادت الطريق إلى الهند من حيث كانت، وذلك بنقض البرزخ الأفريقي وجمع البحر المتوسط والبحر الأحمر. . تلك أمنية طالما سعى وراءها الفراعنة والبطالسة وأشار إليها بونابرت فحققها ده لسبس، وأعاد إلى مصر مجدها الغابر وبهاءها السابق إذ عادت كذي قبل الطريق بين آسيا وأوروبا. ٤ - الطريق عن البرزخ الأمريكي (بناما): هذا وفي سنة ١٤٩٢ دعت ناهضة النشاط بكرستوف كولمب إلى السير إلى الهند عن طريق جديدة. وكان قد ظن - ونعم الظن - أنه نظراً لكروية الأرض لابد من أن يصل إلى الهند عن طريق ثانية مواجهة للطريق الأولى فبدلاً عن السفر في البحر المتوسط والأوقيانوس الهندي حاول أن يسافر في

стр. 108

ما ندعوه اليوم الأوقيانوس الباسيفيكي. ولما بدت له أرض عن بعيد، ظن أنه وصل إلى الهند، وهكذا اكتشف أمريكا. قال أحد المؤرخين: أمريكا جزيرة عظيمة معلقة بالقطب تشطر الأوقيانوس إلى شطرين، فكان إذن كولمب قد أخطأ بظنه ولكن يا حبذا الخطأ وما أعظم ما ناله بخطأه وقد اكتشف بالوقت نفسه طريقاً جديدة إلى آسيا على غير علم منه وذلك بنقض البرزخ الجامع بين أمريكا الجنوبية وأمريكا الشمالية وهذا ما سنراه عن قريب فتتصل مياه الأتلنتيكي بمياه الباسيفيكي وتزداد المتاجرة بين أوروبا وشعوب الشرق الأقصى. وعليه فإن السويس وبناما قد جمعا بين البحار وجعلا للكرة الأرضية نطاقاً بحرياً يحيط بها. وهل يخفى على أحد ما في ذلك من الأهمية والفوائد الخطيرة. . .؟ نبوكدنصر الشحاذ ولم تنبح الكلاب، من ذا الذي في الباب؟ إن في الباب مليكاً دوخه الزمان، إن في الباب شبحاً محنياً نحن وفاضه متكئاً على هراوته، يمد يده باكياً، ويهينم شاكياً، شبح مخيف يرتعد كالمحموم، لا يعرف أمن البشر هو أم مما فوق أو تحت طبقات البشر

стр. 109

طيف من أطياف العياء والمذلة، نهب داء وفاقة، يطوف البلاد كفارة عما اقترفه من الآثام سواه، تصرخ فيه معدة ظالمة، فتذل فيه صورة الصمد المتعال، تصفر في رأسه الرياح فتصرعه، فيردد صداها شبح الوساوس والأيام، يهذي فيتساقط اللعاب من فيه، أسير أسقام وأوهام، يدق صدره مستعطفاً فيرتجف هيكله الهشيم ارتجاف قصبة في الرياح، إن في الباب شحاذاً يستنبح الكلاب، إن في الباب مليكاً دوخه الزمان، * * * وإليك بخبره من فيه - أنا نبوكدنصر من بين النهرين - نبوكدنصر الشحاذ. الملك. ملك بابل وآشور - الله سبحانه يطوف بي في العالم مثقلاً بما ترونه من ذلة وفقر ومرض وصرع وجوع وأوجاع. . . اعطوني الله يعطيكم ولله من ملك تخرق عيناه اللقمة قبل أن تدخل اللقمة فمه، لله من ملك طي هذه الأطمار في هذا الهيكل الهشيم المخيف، على كتفيه وفاضه، وعلى ذراعيه مواعينه، وفي يده هراوة يستعين بها على الدهر والكلاب، لله من ملك على رجليه من آثار المفاوز أشواكها، وفي ساقيه جروحها، وقد ركمت عليها الأسفار غبارها، لله من ملك يتساقط الدم من أنفه، والدمع من عينيه، فيتجمد هذا على

стр. 110

لحيته، وذاك على صدره، يورد الصرع خديه، فتلتهب الأحلام في محجريه، هنالك شيء من الهول ألبسه الدهر قميصاً حاكتها شياطينه، بل هناك غور غدور من ظلمات الزمان، ونبأ من عصور عقم فيها الهيكل والصولجان، وفي ناظريه ساعة الصرع غيظ يحتدم - ولا غيط من علو العروش مجداً، في ناظريه يتجسم الويل وقد ذاب عظماً وعزاً ووجداً، * * * ها هو أمامك مغمي عليه قد ذبل الورد في وجهه، واضطرم الوهم في ناظريه، قد ذهب التلجلج من فيه والرجف من يديه، فهو لا يهينم الآن شاكياً ولا يمد يده باكياً، هو يرغي ويزبد لا كالصريع، بل كالمليك المنيع، وقد شخص إلى الفضاء يصب عليه لظى تغيظه، كأن في الفضاء ملكه، وكأن هنالك نصب عرشه، - أنا نبوكدنصر ملك بابل وآشور - تاجي. صولجاني. وزرائي. موعدكم غداً - إلي بآلة الصيد - لا - لا - أشعلوا الأنوار. أين الإماء الحسان - حركوا الأوتار - تعالي. . . تعالي إلي - ليس الآن وقت العبيد - سوقوهم إلى السجن - إلى النار - الخائنة - الفاسقة - إلى النار - آه علي آه عليك. آه علي أو آه على ملكي. .
следующие страницы →