Полный текст (2 201 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
الأحوال قد تغيرت في أيامنا. وأمريكا اليوم هي غير أمريكا بالمس. ولكن تيار المهاجرة لا يزال يقذف إليها في كل سنة مئات الألوف من المهاجرين.
وعهد مهاجرة السوريين قديم، يرتقي إلى أجدادهم الفينيقيين الذي رادوا البحار، وحملوا تجارتهم إلى أقصى الديار. أما مهاجرتهم إلى أمريكا فلم تبدأ إلا منذ نصف قرن تقريباً. وكان الباعث الأكبر عليها اختلال المجاري الاقتصادية في السلطنة العثمانية بفساد الحكومة الاستبدادية التي جرت على مذهب فرق تسد فتأصلت روح التعصب بين الجماعات والتشيع والطوائف حتى كادت توقع البلاد في حرب أهلية دائمة، وتضعضع الأمن، وسادت الفوضى، ودرس العلم، وثقلت المعيشة. وما بشر الناس بخيرات أمريكا حتى هرع الكثيرون إلى البواخر تحملهم إلى شواطئ العالم الجديد حيث أفلتوا من عقل التقاليد وانفكوا من قيود الفقر والمظالم، وتنفسوا الصعداء لأن حالة الفلاح العثماني كانت من أتعس الحالات.
وكان القرويون أول من شد الرحال إلى أصقاع أمريكا. وكان إثراؤهم السريع وحشدهم المال الكثير في الوقت القليل محرضاً كبيراً على إقبال إخوانهم على اللحاق بهم إلى أرض الحرية والإخاء والمساواة والغنى. وقد فتحت حكومات أمريكا باب المهاجرة لدخول المهاجرين لأنها كانت في حاجة إلى تعمير البلاد واستثمار الأراضي. وفتحت أيضاً الحكومة العثمانية الباب وسيعاً لخروجهم لأن معظمهم كان من النصارى، واهمة أنها بنزوحهم تخلص من مشاكلها مع الدول الأوروبية: على أن المسلم العثماني كان ومواطنه المسيحي سببين في احتمال المظالم وتكبد المغارم. فلحق به إلى
стр. 457
المهجر وهكذا لم تلبث
المهاجرة التي بدأ بها النصارى أن شملت سائر الطوائف والملل من المسلمين والدروز والمتاولة فاقتعدوا غارب الرحيل إلى العالم الجديد وكان تيارها في بداية الأمر موجهاً إلى البرازيل وما قاربها قبل أن اتجه إلى الولايات المتحدة.
وصل المهاجرون إلى بلاد سادت فيها الحرية، واستتب الأمن، وتوفرت مصادر الارتزاق، والكل فيها سواء، برعاية النظام والقانون، والاشتراك في إدارة شؤون البلاد. فنزلوا في ميدان الجهاد وأقبلوا على العمل بنشاط واجتهاد. فأثروا شيئاً فشيئاً وتخلقوا بأخلاق القوم الذين نزلوا بينهم وفتح الكثيرون منهم البيوت التجارية الكبيرة بعد أن كانت تجارتهم دائرة على الكشة والجزدان ومدوا يدهم إلى الصناعة والزراعة فأحرزوا نجاحاً يذكر.
ويقدر عددهم الآن بثلاثمائة ألف في الولايات المتحدة وحدها وقد أسسوا أيضاً جوالي كثيرة في الجمهورية الفضية والبير والبرازيل والمكسيك وهايتي وسائر أنحاء أمريكا وأصبحت لهم بين القوم منزلة سامية، وقد أجاد حافظ إبراهيم وأبدع في وصف المهاجر السوري إذ قال:
يمضي ولا حلية إلا عزيمته ... وينثني وحلاه المجد والذهب
ير صرف الليالي عنه منقلباً ... وعزمه ليس يدري كيف ينقلب
بأرض كولب أبطال غطارفة ... أسد جياع إذا ما ووثبوا وثبوا
أسطولهم أمل في البحر مرتحل ... وجيشهم عمل في البر مغترب
ما عابهم أنهم في الأرض قد نثروا ... فالشهب منثورة مذ كانت الشهب
стр. 458
رادوا المناهل في الدنيا ولو وجدوا ... إلى المجرة ركباً صاعداً ركبوا
سعوا إلى الكسب محموداً وما فتئت ... أم اللغات بذاك السعي تكتسب
وبالحقيقة فقد نشر المهاجرون لواء اللغة العربية في أقصى أنحاء المعمور وأصبحت جرائدهم ومجلاتهم في أمريكا تعد بالعشرات. وصحافتهم من أرقى الصحف العربية منها جرائد يومية تصدر بحجم أكبر جرائدنا اليومية وهي مشحونة بغرر المقالات ودرر الأشعار (وسنعود إلى كل ذلك في أبحاث آتية عن النهضة الأدبية في أمريكا).
* * *
هذا جل ما يقال عن تاريخ المهاجرة وأسبابها وحالة المهاجرين. وأمامنا الآن نقطتان: أولاً،
إيقاف تيار المهاجرة الذي كاد يفرغ البلاد من سكانها. وثانياً، الاهتمام بالذين هاجروا وحفظ روابطهم بوطنهم. وكلا المرين جدير بالبحث وإمعان النظر.
كتب الكثيرون من الأدباء عن الطريق الواجب اتخاذها لإقفال باب المهاجرة. ولكن النقطة الجوهرية راجعة إلى أمرين، مادي وأدبي. أي تسهيل الحكومة للأهالي تأسيس المشروعات الاقتصادية والأعمال العمومية بل مباشرتها بنفسها، وإنشاء سبل المواصلات واستثمارها ثروة البلاد حتى يجد الناس مرتزقاً. وضبط الأمن وإقامة العدل ونشر المساواة التامة دون محاباة. فإن ذلك لا يمنع الناس فقط عن المهاجرة بل يعيد إلى الأوطان العدد الأكبر من الذين نزحوا عنها. فينفعون بلادهم بما اكتسبوا في الخارج من الخبرة والمعارف والثروة.
стр. 459
وقد أحسن صاحب الكتاب الذي أشرنا إليه في صدر الكلام إذ قال: المهاجرة هي أمتن ذريعة تتذرع بها الأمة لدى أولي الأحكام، تنفيذاً لبغيتها من الإصلاح والنظام وهي كمقاطعة البضائع بين الدول حرب سياسية اقتصادية لابد لها أخيراً من الفوز والغلبة
أما النقطة الثانية فهي الاهتمام بالمهاجرين في مهجرهم وهم يبلغون مئات الألوف كما قدمنا وفيهم التاجر والمالي والطبيب والمحامي والصانع والمزارع والمؤلف والمخترع. فهم إذن قوة استعمارية عظيمة بالمعارف والعلوم والفنون والمال ونشر النفوذ ويحق لدولتهم أن تفاخر بهم ويجب عليها أن تحتفظ بهم فتحكم علائقها بهم ولو بعدت الديار وشط المزار، وذلك بالالتفات إليهم وتعيين قناصل ووكلاء سياسيين ينظرون في أحوالهم ويوثقون رابطتهم القومية وجامعتهم الوطنية، ويذودون عن حقوقهم ومرافقهم فلا يكونون عرضة للإهانة وطعمة لكل من تحدثه النفس بالتهجم عليهم وليس كل ما قدمنا بالأمر العسير على الحكومة الراقية التي تفهم واجباتها نحو أمتها.
بين جدران السجون
وكادت الغزالة تتوارى وراء حجاب الأفق فقفلنا معها عائدين من سراي الحكومة إذ استوقفنا عند الباب الغربي طرق مطرفة رددت صدى ضرباتها المتتابعة جدران ذلك المكان.
في الشبيبة، مهما تكاملت صفاتها، روح دفعتنا إلى سؤال أحد
стр. 460
الجنود الخفراء عن مصدر هذا الصوت، فأجاب: من سجن المغاور. وكان هنالك قوة دافعة أيقظت فينا الميل إلى الاطلاع على ما يجري في تلك القصور السفلية! فسرنا إلى حيث انبعث الصوت. وزادنا ميلاً اعتراض أحد أنفار الخفارة لنا بقوله بلهجة عسكرية مألوفة يا سق، فانتظرنا.
ولم يطل انتظارنا، حتى فتح باب قصير، خرج منه أحد ضباط الجندومة، يصحبه كهل حامل على منكبه مطرقة ثقيلة. وفي يده بعض الأدوات الحديدية، وتلاهما عدد من أنفار الجندومة لا يتجاوز العشرة.
اقتربنا من الضابط وسألناه زيارة السجن فأجاب بنصح:
- سرحوا أبصاركم في الأماكن المبهجة، وابتعدوا عن هذه الديار فهي مفعمة شقاء.
ولكن لما أظهرت له ميلي إلى درس أحوال سكانه. أطرق هنيهة، وأشار إلى أحد أنفاره باستئذان المدير الأعلى.
وكان النهار قد مال إلى الزوال، فعاد الرسول معلناً غياب المدير ففكر صاحبنا برهة وقال: هيوا بنا!
ولجنا الباب الذي كان لم يزل مفتوحاً ودخلنا إلى نفق مظلم يبلغ طوله العشرة أمتار تفصله عن مدخله شبكة خشبية ضخمة يشرف على فناء دار عالية وإلى جانبيه وحول جدران الدار أبواب صغيرة ملاصقة الحضيض ينزل منها إلى المغاور التي يقطنها المسجونون والتي اتخذ منها هذا المدفن اسمه الشريف.
стр. 461
إلى أحد جدران النفق كان فتى في ريعان الشباب مطرق الرأس كأنه في واد عميق من التفكر. وإلى يمينه قيد كبل يده برجله.
انتبه الفتى من غفلته عند دخولنا فحول نظره إلينا ثم إلى الأرض وخطا خطوة ليتوارى عن أبصارنا. ولكن خطوته هذه حركت السلسلة الرابطة رجلة بيده. فأحدثت حركته صليلاً اهتزت له أبداننا. وذكر صاحبنا بحالته المحزنة. فاستند مرة ثانية إلى الجدار وأطرق
مفكراً.
لو أتيح لنظرنا أن يخترق ستر الظلام. لرأى حمرة صبغت وجنتيه. ودمعتين تجولان في عينيه. هاتان العينان اللتان لم تخشيا الأهوال نكصتا أمام أعيننا. تانك الوجنتان اللتان شاهدتا الموت صافعاً بكفه محيا فريسته احمرتا خجلاً منا. تلك اليد التي هزت الخنجر بجرأة لارتكاب الجريمة ارتجفت عند موقفنا.
للمرء مهما تقلب على بساط الجرائم وتمرغ في حمأة الفحشاء. ساعة نور وضياء. ساعة تختلي فيها الروح بمناجاة المادة في معزل عن الكائنات. ساعة ينظر بها الإنسان إلى أعماله فيلعنها. ويحكم بنفسه على نفسه.
هاتوا لي طبيباً ماهراً، دعوه يعالج هذه النفس الشقية، لينزع عنها جراثيم الوباء! ليضمد جراحها ويصب عليها بلسماً يبرد النار التي تأكلها، وأن الضمين لكم بأن تعود إلى النفس حياتها. نعم. في الفتى نفس حية. أنت تصلح لأن تكون من أكبر النفوس. لو سعى أحد لتقويم أميالها. ولكن مسكينة هي. خانها حظها. فسقطت على معبر الطريق. وداستها الأرجل فدنستها. دون أن تلقي من يلتقطها ويعتني بشأنها. ولادتها
стр. 462
كانت سبب تعاستها. فعاشت حقيرة. وقد دفعتها الحاجة إلى الرذيلة فهوت لضعفها. وما سقطتها إلا نتيجة نظام سن لحياتها. فشبت بين الجرائم. وستموت أثيمة. دون أن يكون الذنب كل الذنب عليها.
هذه النفس خلقت لتكون عضواً عاملاً في المجتمع الإنساني فرذلها حتى أصبحت عبئاً عليه. ثم بترها بدل معالجتها فانسلخت عنه وفي قلبها نار. وفي جوفها علقم مما حل بها.
أمام هذا المنظر الرهيب. تحركت فيّ عاطفة الشفقة على هذا المسكين عدت إلى نفسي. فوجدتها قاصرة عن إعانته. فقلت لمن معي: كفانا ما شاهدنا فعودوا بنا.
ولما تحولنا عنه تقدم منا الضابط الذي كان دليلنا في رحلتنا وقال: - عندي من يستحق التفاتكم. وهو اللبناني قاتل ابن الخياط. وجارح الإيطالي في السجن منذ أسبوعين. فإن أحببتم فسأدعوه إليكم. ثم نادى: يا أبا فارس! هو ذا من يريد أن يراك. فاصعد من سجنك.
فأجابه صوت كأنه آت من وراء القبر قائلاً: ها أنا ذا وتلاه صليل سلاسل رددته أعماق تلك الحفرة. ثم وقع أقدام ثقيلة وظهر أمامنا رجل في الأربعين من عمره طويل القامة عريض الكتفين أسود اللحية كثيفها. وعيناه تقدحان في ظلام ذلك المكان شرراً وهو لابس
سروالاً ورداءً من الجوخ الأسود وعلى رأسه طربوش لف حوله منديل جيبه. نظر الرجل إلينا ثم حيانا وقال: ما تطلبون مني؟
زرنا هذا المكان ولما علمنا بوجودك قصدنا مشاهدتك في وحدتك
стр. 463
- أشكركم على هذه المنة. . . هي المرة الأولى التي زارني بها أحد مدة التسع السنين التي صرفتها في سجني.
وسألناه عن حاله فقال متنهداً: في التعاسة والشقاء. بين القتلة والمجرمين كما ترون. لقد قاسيت الأهوال وذقت أمر الشدائد. وإلى جنبي سلسلتي الثقيلة. لم يكن لي مؤنس في وحشتي سوى كتاب أرسله لي حضرة قنصل أمريكا منذ شهور لما بلغه أمري. وعلم أني صرفت ثلاث سنين في أمريكا.
- ولماذا تركت أمريكا وأتيت إلى هنا.
- أنا لبناني الأصل، ولدت من إحدى الأسر المعروفة في قرية. . . وقد قضيت سني حداثتي في المنزل الوالدي ثم أرسلني أبي إلى المدرسة حيث تلقيت العربية والإفرنسية والإنكليزية. ولما شببت سرت إلى أمريكا قصد المتجر. ولكن لم يكتب لي فيها التوفيق فعدت منها - ويا ليتي لم أعد - بعد ثلاث سنين إلى مسقط رأسي. ومنها إلى هذه المدينة حيث لاقيت ما لاقيت.
- ما هي قرابتك بالكاتب اللبناني المعروف. . .؟
- هو ابن عم أبي.
- أنت كريم الأصل. حسن التربية. فما الذي دفعك إلى ارتكاب الجريمة؟
- فتش عن المرأة. قال ذلك بالإفرنسية وسكت. فنظرت إليه وإشارات الأسف تلوح على وجهه وسكت أيضاً. خواطر مظلمة مرت
стр. 464
على مخيلتي. وأمور شتى تواردت على بالي. الكلمات التي قالها بطل أوسترليتز وفاغرام سجين القديسة هيلانة قطعت مسافة قرن من الزمان. وطرقت مسمعي من فم سجين المغاور أحد ضحايا المرأة.
تلك المخلوقة اللطيفة موضوع خيالي. من تسجد أمامها روحي وتحرق على مذبحها بخور أماني وآمالي. تلك التي اعترفت أن سعادة المرء منها. مثلت أمامي كشبح شقاء الجنس البشري وسبب تعاسته. شعرت بسلسلة آثام وجرائم. أولها إغواء حواء. وآخرها غواية
المسكين المنتصب أمامي.
الرجل. وما صار إليه من المدينة في القرن العشرين. هذا المخلوق الذي يزاحم بأعماله الألوهية. ويدرس سر الخلود. هذا الكائن مخضع الأرواح والعامل ما وراء الوجود. تصورته أسير جسم نحيف وقد نحيل، بل ألعوبة بين القلب والعين. بل فريسة نظرة وميل.
ولم يكن إلا لمحة بصر. حتى مرت أمام ناظري صور جميلة.
أمام النجاح الباهر في التقدم والعمران. وعلى أثر الانقلاب العظيم في البشرية والأكوان تذكرت كم لتلك اليد اللطيفة من التأثير في العمل وكم شددت من عزائم وأحيت من أمل؟ كم دفعت إلى الأمام. مسهلة الأمور. وكم رفعت من خافض محركة فيه الشعور؟ تذكرت - وما أحلى ذكرى لحاظ العيون السود. وسحر ورد الخدود. ولواجع قلب يخفق تحت رمان النهود - وقلت في نفسي: لله أفي تربية المرأة هذا السر المكنون والكنز المدفون.
ثم انتبهت إلى الواقف أمامي وقلت: هذا ما كان من الجريمة الأولى
стр. 465
فما دفعك إلى الثانية. وكيف أتيتها وأنت على ما أنت؟
فأجاب وقد قدحت عيناه ناراً: رجل أهان شرفي فانتقمت منه.
عدت خطوة إلى الوراء ونظرت إلى هذا الرجل العجيب فوجدت سيماء الأبهة والعظمة تلوح على محياه كأنه أتى أمراً تحمد عقباه. تأملته وقد دفعه نزقه وطيشه إلى عمل فظيع. فقتل عمداً شاباً في ربيع العمر توهم أنه حط من كرامته ثم استأنف قائلاً:
- حكم علي بالإعدام لارتكابي الجريمة الأولى. وقد استبدلت محكمة التمييز هذا الحكم بالسجن المؤبد. على أن الدستور حمل إلي عفواً فخفض مدة سجني إلى الخمس عشرة سنة. صرفت منها تسعاً في السجن. وبقي منها ست سأقضيها وأنطلق من هذه البلاد إلى حيث أستطيع الانتقام من الحكومة والإنسانية بنشر ما لاقيت في سجني من الحيف والظلم.
ما أشقى ما فطر عليه البشر! جريمتان تهتز لهما الأبدان. ارتكبهما هذا الشقي بخلق هامد. ودم بارد. دون أن يحرك قلبه الجلمودي عامل ندامة أو شفقة. وهو يعلل النفس بالخلاص. وينتظر ساعة يستطيع بها الانتقام من العدل والقانون. فما أتعس قلب الإنسان. رحمة طلبت فيه قلبي لهذا التعس لا عدلاً. وسلاماً تمنيت له لا انتقاماً. فما العدل والانتقام مما يغير فطرة غرستها فيه الطبيعة ورضي بها الإله. وعدنا بإعطائه بعض ما يخفف به من
تعاسته. فعمدت إلى قول الريحاني وقصدت أن يشترك القلب واللسان مع اليمين في الإحسان. فدنوت منه وقلت:
- أخي! ليس ما لاقيته من الحكومة إلا قصاصاً عادلاً عما جنته
стр. 466
يداك. فتذكر أن جهالتك أفقدت رجلاً مثلك حقه في الحياة وسلبته نصيبه من الدنيا. جريمتك عظيمة فاعمل على إصلاح مستقبلك ليكون كفارة عما جنيت.
ثم جمعنا شيئاً من الدراهم وأردنا أن ننقده إياها. فأبى وقال: لا حاجة بي إلى ذلك. ولا أرغب إلا في إحسان القلب إلى القلب فعدوني بالعودة إلي من حين إلى حين ليشرق نور الأمل في جو نفسي ويقشع عن صدري غياهب اليأس والقنوط.
فوعدنا وخرجنا وقد تمثل أمام أعيننا تقصير الإنسان في واجبه نحو أخوانه. فكم من النفوس تذهب ضحية الجهل لأنها لم تجد من يهذب أخلاقها ويقوم طباعها وهي إنما تنتقم من الإنسانية لأن الإنسانية أهملتها.
حلب
يوسف توتل
أزهار وأشواك
بين الرصافة والجسر
أتردد كثيراً إلى مكتب إدارة الزهور لأطالع الصحف والمجلات العربية الواردة من كل الأنحاء. فإن لي شغفاً في استطلاع أنباء أدباء العرب.
وقد تصفحت في زورتي الأخيرة جرائد بغداد، فرأيتها صاخبة ناقمة، وفيها الردود الطويلة العريضة على مقالة كتبها أديب بغدادي في الزهور عن النهضة الأدبية في العراق. قال ذاك الكاتب إن الصحف
стр. 467
هناك لا يزال بينها وبين الكمال مراحل شاسعة. فرأت تلك الصحف أن توسعه شتماً وسباباً لتدمغه بالحجة وتبرهن على رقيها وقربها من الكمال. وما كان أغناها عن ذلك البرهان! إن صحافة مصر وأمريكا العربية أرقى من صحافة العراق وصحافة الإفرنج أرقى من هذه وتلك ومع ذلك فإن الكتاب هنا وهناك لا يزالون يرمون الصحف بالتقصير دون أن يخطر على بال صحافي أن يفرغ جام غضبه على المنتقد. لأن الجميع يفهمون أن مهمة الصحافة كبيرة فالمطلوب منها كثير. ولكن الظاهر أن في العراق فريقاً من محرري الصحف ومنهم كتاب الرصافة سريعي الغضب قريبي التهيج وما عهد حملتهم على جميل الزهاوي ببعيد. ومن الأمور التي لا أجد لها وصفاً ولا نعتاً أن احد هؤلاء الصحافيين أغار على رواية أبطال الحرية تأليف منشئ هذه المجلة فطبعها وتاجر بها بين قومه - تجارة رابحة إن شاء الله. . . ١ ولكني أشكو هذه السرقة الشنعاء إلى زميلي الرقيب اليقظ الذي يكتب في الإخاء تحت عنوان الجرائم الأدبية. فليقل لي إذا كان يحق لمثل هؤلاء الصحافيين أن يغضبوا إذا قال قائل إن صحافتهم لا تزال في أدنى درجة من سلم الترقي؟
ألا حيا الله ربوع بغداد، وجادتها مزن العلم لتعود إلى ما كانت عليه من ازدهار المعارف والعمران على عهد الخلفاء، وإن ذلك لقريب بفضل أصحاب النهضة الحقيقية لا بفضل المدعين، وإن كل أديب عربي يتوقع هذه الأمنية كأن:
عيون المها بين الرصافة والجسر ... جلبن الهوى من حيث يدري ولا يدري
стр. 468
حول الأزياء أيضاً
كان لما كتبته عن سودة المقيدات في العدد الماضي وقع كبير بين قرائي وقارئاتي.
فاستحسنه القراء، وتلوه في الأندية والمجتمعات وعلى مسمع من بناتهم ونسائهم. واختلف رأي القارئات فيه، فمنهن من استصوبن مقالي وعدلن عن هذا الزي الغريب القبيح فحللن قيود أثوابهن، ومنهن من أبرقن وأرعدن علي وسددن سهام العتاب إلي لتعرضي لهذا الموضوع الحرج. وما كنت لأعود إليه اليوم لولا القصيدة التي جاءتني بواسطة منشئ المجلة من صاحب التوقيع. فها هي بنصها وعلى السيدات المقيدات أن يعرضن عنها:
لم تشف من داء الغرام عليلا ... صباً يردد أنة وعويلا
يهوى محاسنها ويرجو قربها ... فيرى حساماً دونها مسلولا
نبت الطبيعة بالبساطة لا كما ... شاء المشد نحافة ونحولا
يا حسنها أيام أرخت مرسلاً ... من شعرها لا يعرف التجديلا
ونضت نقاب الحسن عن وجناتها ... فكأنها شمس الغروب أصيلا
وثنت قواماً كالقضيب ليانةً ... يهتز أن هب النسيم بليلا
وقفت وقوف الريم يرمي لحظها ... نبلاً فيصمي عروة وجميلا
تلك التي بجمالها وجلالها ... وكمالها تدع الذليل جليلا
وتهز باليمنى سرير رضيعها ... وبكها اليسرى تجر قبيلا
قم بي أريك الآن كيف تغيرت ... تلك العهود وبدلت تبديلا
وتشوهت تلك الخدود وأصبحت ... تلك النهود بما حشين تلولا
قد ضيقت خصراً يذوب وعرضت ... كفلاً، بتنفير النفوس كفيلا
صقلت عوارضها فلا والله ما ... حد المهند مثلها مصقولا
стр. 469
من أبيض يقق وأصفر كالح ... أو أحمر لا يعرف التحليلا
وتتوجت بغمامة أو روضة ... حتى الحمام غدا بها إكليلا
فأعجب لها يا صاحبي إذ صيرت ... تاج الرؤوس غمائماً وبقولا
وتفننت في لبسها وأتت لنا ... ما لم يكن بحسابنا معقولا
ومشت مقيدة الخطى فكأنما ... ركب الكمي جواده مشكولا
وتثاقلت في خطوها تطأ الثرى ... فكأنها آسٍ يجس عليلا
وتكاد تسقط إن رنت وإذا مشت ... شمت الأسير مصفداً مغلولا
كيف الخلاص وقد أحلت نفسها ... في عقدة تدع العزيز ذليلا
ثمن الثياب غلا فأنت لذا ترى ... دينار قلب عقيلها مبذولا
وإذا تباخل كان ذلك ذنبها ... فلأجلها صار الكريم بخيلا
هيهات إصلاحاً ترجي بعدها ... يا شرق قد عاد الصعود نزولا
الإسكندرية
خليل شيبوب
أنا لم أورد هذه القصيدة لاستحساني لها فقط، بل لأحول إلى صاحبها بعض ما أصابني من غضب سيداتي المقيدات اللواتي يشبهن الفارس وقد ركب جواده مشكولا.
في كرمة ابن هاني
في كرمة ابن هاني، في مهبط الشعر وكعبة الأدباء، في منزل شوقي بالمطرية، بين متلألئ الأنوار، ومفتح الأزهار، على رنات العود والقانون، ونغمات المنشدين المطربين، تحت الخمائل الجميلة، والسرادقات الفخيمة، التقت جماعة من الوجهاء والأدباء مساء الخميس الماضي، ابتهاجاً بعودة سمو أمير مصر إلى عاصمته.
стр. 470
فالتقت الحلقات حول وزير جليل، أو شاعر أديب، أو منشد مبدع؛ والمضيف الكريم يتنقل بين هذه الحلقات، فكانت ليلة سمر وأنس وسماع فريدة، والزمان بمثلها ضنين. وفي الحديقة الغناء مدت الموائد المثقلة بألوان الطعام وأنواع الشراب. وكانت فترة أنشد خلالها أحد المنشدين بحضور رئيس النظار غزلية شوقي مضناك جفاه مرقده (وهي الأبيات التي نشرتها الزهور ص ٢١٣ وعارضها كبار شعرائنا) وقد زاد عليها الشاعر أبياً كثيرة، منها في الغزل:
الحسن حلفت بيوسفه والسورة أنك مفرده
بيني في الحب وبينك ما ... لا يقدر واش يفسده
ما بال العاذل يفتح لي ... باب السلوان وأوصده
ويقول تكاد تجن به ... فأقوال وأوشك أعبده. . .
قسماً بثنايا لؤلؤها ... قسم الياقوت منضده
ورضاب يوعد كوثره ... متقول العشق ومشهده
وبخال كاد يحج له ... لو كان يقبل أسوده
وقوام يروي الغصن له ... نسباً والرمح يفنده
ما خنت هواك ولا خطرت ... سلوى بالقلب تبرده
ومن الأبيات التي يمدح بها الأمير:
يا سيف الدولة عش أبداً ... للعصر يهزك أحمده
سعدت بقدومك مصر ضحى ... وتلاقى الأوج وفرقده
ثم ختمها بنشيد وطني منه:
يا مصر سماؤك جوهرة ... وثراك بحار عسجده
стр. 471
والنيل حياة دافقة ... ونعيم عذب مورده
والملك سعيد حاضره ... لك في الدنيا حر غده
والعصر إليك تقربه ... وإلى حاميك تودده
والشرق رقيك مظهره ... وحضارة جيلك سؤدده
لسريرك بين أسرته ... أعلى التاريخ وأمجده
بعلو الهمة نرجعه ... وبنشر العلم نجدده
وبعد أن انقضى هزيع من الليل أخذ القطار يقل المدعوين أفواجاً عائداً بهم إلى مصر.
حاصد
من كل حديقة زهرة
* سيتم عن قريب بناء دار البلدية في نيويورك وعلوها ٧٠ متراً وعمق أساسها ٤٤، وقد كلفت ٥٠ مليون فرنك.
* الرأي في أصل الأثمار التي نأكلها مختلف. على أن المعروف أن أصل المشمش من الصين، والفريز (الفراولة) من ولاية فرجينيا في أمريكا، وأصل البرتقال من الصين أيضاً، والليمون الحامض من الهند، والتين من سورية، واللوز من التركستان، والجوز من الهند، والسفرجل من القفقاس، والإجاص (الكومترى) من أرمينيا، والعنب من كل مكان، والتفاح من جنة عدن حيث أغوت حواء آدم بتفاحة.
* كان القاضي في إحدى محاكم النمسا يسأل في الشهر الماضي متهماً عما إذا كان له أخوة. فأجاب أن له أخاً توفي منذ ١٤٠ سنة. فده القاضي. فقال المتهم: تزوج أبي وله من العمر ١٩ سنة فرزق ولداً عاش
стр. 472
بضعة أيام ومات، ثم تزوج والدي بعد ذلك بخمسين سنة فولدت أنا ولي من العمر الآن ٨٥ سنة. وعليه فقد توفي أخوه منذ قرن ونصف تقريباً.
* كسدت تجارة الكتب في كندا فعمد أحد الكتبيين إلى طريقة مبتكرة للإعلان، فبدلاً من أن يملأ واجهة مكتبته بالكتب نصب سريراً تتمدد فيه فتاة جميلة وبيدها كتاب تطالعه. فكان الناس يتجمهرون أمام المكتبة وبالطبع يشترون الكتاب. نصيحة نقدمها للكتبيين عندنا.
* عادة من يجلسون في القهوات أن ينقدوا الخادم حلواناً أو بخشيشاً وقد أحصى أحدهم المبالغ التي تنفق من هذا الباب في باريس وحدها فإذا هي ٢٨٠. ٠٠٠ فرنك كل يوم أو ٨ ملايين و٤٠٠. ٠٠٠ فرنك في الشهر. ولمجموع فرنسا في السنة ٤٧٣ مليوناً. فكم يا ترى تنفق على الجرسونات في مصر من الملايين المؤلفة من القرش التعريفي ونحن أكثر الناس قعوداً في القهوات؟
* اكبر كتاب وأصغر كتاب موجودان في المتحف البريطاني في لندرا؛ والأول يبحث في جغرافية ألمانيا القديمة، أهدي إلى تشارلس الثاني سنة ١٦٦٠ وهو مجلد بالنحاس وزنه ٣٠٠ كيلو. أما الكتاب الثاني فلا يتجاوز حجمه ظفر الإصبع وهو نسخة من الإنجيل رسمها أحد المصورين في أوائل القرن السابع عشر.
* في الهند الإنكليزية في قبيلة ظارو تقوم المرأة بأعمال الرجل والرجل بأعمال المرة: فهي تطلبه للزواج وتشتغل لتسد حاجات المنزل وهو يبقى في البيت ويهتم بالأولاد.
стр. 473
* وفي آسيا عند قبيلة أكواكا المتوحشة يحرق الولد جسد والديه بعد موتهما وليسحق عظامهما ويسف الرماد حتى يمتزجا بجسمه وهكذا يفعلون بالأحباب والأصدقاء.
* أكثر الشعوب استعمالاً للتلفون الأمريكان وعندهم ٦. ٦٠٠. ٠٠٠ آلة تلفونية ويليهم الألمان وعندهم ٨٦٠. ٠٠٠ تلفون ثم الإنكليز ٥٩٠. ٠٠٠ والفرنسيون ١٩٧. ٠٠٠ والأسوجيون ١٦٧. ٠٠٠. ولكل ألف نفس في الولايات المتحدة ٨٢ تلفوناً وفي أسوج ٣١ وفي ألمانيا ١٤ وفي إنكلترا ١٣ وفي فرنسا ٥.
* لم يبدأ استثمار مناجم الفحم إلا في أوائل القرن الرابع عشر.
* يظهر أن الحيات لا تحب الثوم، فإن الوطنيين في بلاد أفريقيا حيث تكثر هذه الزحافات يدهنون جسمهم بعصير الثوم فتهرب الحيات من رائحته. وهكذا يأمن الأهالي لدغاتها السامة.
حديقة الأخبار
* عرفت مصر حضرة إدوارد أفندي مرقص كاتباً مدققاً وشاعراً بليغاً واشترك في وادي النيل في تحرير صحف كثيرة. وقد عاد الآن إلى وطنه اللاذقية حيث أصدر جريدة المنتخب وأخذ يودعها من نفثاته كل ما يلذ ويفيد. ولاشك في أن يكون لهذه الصحيفة مستقبل حسن فتخدم البلاد والأمة خير خدمة.
стр. 474
* كان أمين أفندي الغريب من أكبر خدمة الآداب العربية في بلاد أمريكا وكانت جريدته المهاجر من أرقى صحف العرب على الإطلاق. ولما أعلن الدستور في البلاد العثمانية عاد إلى بيروت وتولى رئاسة تحرير النصير مدة فأظهر إخلاصاً وبراعة في معالجة الأبحاث الوطنية. ثم رأى أن يؤسس صحيفةً جديدة فأنشأ جريدة الحارس وقد جاءتنا أعدادها الأولى طافحة بالفوائد والأخبار واللطائف الأدبية فكانت برهاناً جديداً على علو كعب الأمين في عالم الأدب.
* جريدة الاتحاد المصري من أقدم الصحف المصرية، مضى عليها ثلاثون سنة وهي عاملة على خدمة الوطن ونشر الآداب والمبادئ الطيبة، ويعز على محبي النهضة الأدبية أن يروا هذه الصحيفة اليوم لابسة ثوب السواد حداداً على فقد صاحبها ومؤسسها المأسوف عليه روفائيل مشاقه. وافه أجله في ٦ نوفمبر الماضي وهو في الخامسة والخمسين من عمره قضى معظمها في خدمة الصحافة. فمنذ سنة ١٨٨٠ دخل في جريدة الاجبت الفرنسوية ثم أنشأ جريدة لونيون ايجبسين باللغة الفرنسوية أيضاً وما لبث أن حولها إلى جريدة عربية هي جريدة الاتحاد المصري المعروفة. فإذا نحن أسفنا على فقد هذا الصحافي القديم فإننا نرجو لجريدته دوام الانتشار والازدهار بهمة نجله الأديب ادجار أفندي مشاقه وعناية محررها الكاتب البليغ نجيب أفندي غرغور.
* في مصر نهضة شريفة - ومصر مهد النهضات الشريفة في الشرق - ترمي إلى تحسين حالة المرأة والنظر في ترقيتها. وآخر مظاهر
стр. 475
هذه النهضة كان صدور جريدة العفاف التي أنشأها حضرة الفاضل سليمان أفندي مهران السليمي للدفاع عن حقوق المرأة وقد جعل شعارها العفاف تاج المرأة فإن زال دال ملكها وسبك أحد محرري الجريدة الأديب الشيخ محمود رمزي نظيم هذه الآية في أبيات قال في ختامها:
إن الفتاة ملك ... كل نعيم ملكها
ربانة الكون التي ... في السعد يجري فلكها
وتاجها عفافها ... إن زال دال ملكها
ومتى عرفت أن للسيد الفاضلة مدام بستاني مؤسسة نادي الأوبرا يداً في إدارة العفاف أيقنت أن مستقبل هذه الجريدة سيكون زاهراً.
* المكتبة العمومية في بيروت لصاحبها الأديب النشيط سليم أفندي إبراهيم صادر من أشهر وأقدم مكتبات الشرق والمطبعة العلمية الملحقة بها بإدارة حضرة الفاضل الهمام يوسف أفندي صادر من أكثر المطابع خدمة للمعارف وقد طالما عملت هذه وتلك على إتحاف عالم الأدب بخير المصنفات وأنفس الكتب. وآخر أثرٍ ظهر منهما كان الأنيس وهو اسم مجلة روائية تشتمل على سلسلة روايات أخلاقية تاريخية أدبية معربة بأسلوب جميل عن أشهر مؤلفي الغرب وستصدر مرتين في الشهر بنحو ١٠٠ صفحة كل مرة واشتراكها في البلاد العثمانية ٣٥ غرشاً صاغاً وفي الخارج ٩ فرنكات.
стр. 476
العدد ١٠ - بتاريخ: ١ - ١ - ١٩١١
بين الأعياد
كان الشهر المنصرم شهر أفراح وأعياد - عيد الأضحى الإسلامي فعيد الميلاد المسيحي - فتبادل الناس التهاني، وتزاور الأخوان والأصدقاء معيدين، وانقطع الجميع عن أعمال الحياة ومشاغلها، وأخلدوا بضعة أيام إلى الرحالة العقلية والجسدية. وما الأعياد إلا واحات جميلة خضراء في صحراء هذه الحياة المضنكة المقفرة. يصل إليها الإنسان منهوك القوى فينعش جسمه بنسمة هواء ينشقها، ويحيي فؤاده بجرعة ماء يرشفها، فيجدد ما خار من قواه، ويعاود السير جاداً بنشاط حتى يجتاز المرحلة الأخيرة، ويبلغ الغاية القصوى.
ينشر هذا الجزء من الزهور من تحت الطبع مع حلول عيد جديد وهو بزوغ سنة ١٩٩١ ميلادية مع أول يناير (كانون الثاني) وابتداء السنة الهجرية ١٣٢٩ في ٢ منه الموافق غرة محرم. فإدارة هذه المجلة تتقدم لقرائها وأنصارها وكتابها وكل العاملين فيها بتهاني العيد سائلة لهم العافية والسلامة والهناء والتوفيق.
стр. 477
١٩١١ م=١٣٢٩ هـ
كل سنة تسافر سفرة كبيرة تدوم ٣٦٥ يوماً و٦ ساعات و٩ دقائق و١١ ثانية: سفينتنا الأرض، وبحرنا الفضاء، وملاحنا الطبيعة، مصدرنا الحياة، ومقصدنا الأبدية. . . سلسلة أسفار حلقتها الأولى في المهد، وحلقتها الأخيرة في اللحد. وقد سافر بعضنا هذه السفرة عشرين مرة، وبعضنا ثلاثين، وآخرون خمسين أو أقل أو أكثر. . . منا من يتأثر لكل عارض يطرأ عليه أثناء السفر، فيأخذه الدواخ، ويقع متلاشياً، ومنا من يبقى ثابتاً حازماً تأبت عليه الطبيعة، وثارت العناصر، وهاجت الأنواء. . .
سفرة من سفراتنا هذه انقضت وقد بدأناها في أول يناير سنة ١٩١٠ وأنهيناها عند منتصف الليل البارح. وما كدنا ندخل المرفأ، حتى أقلعت السفينة بنا للحال، وخرجنا لرحلة جديدة حول الشمس وهي السفرة العاشرة بعد المئة والسبعة آلاف للخليقة حسب الترجمة السبعينية. فيجدر بنا أن نذكر شيئاً عما يعرض لنا أثناء هذه الأسفار المتواصلة:
تقطع في كل ساعة ١٠٦. ٧٠٠ كيلومتر حول الشمس أعني في كل دقيقة ١٨١١ كيلومتراً ونصف تقريباً. وفي أشهر السنة الاثني عشر تكون الأرض قد قطعت ٩٦٣ مليوناً من الكيلومترات. فما أسرع سيرنا في بحار اللانهاية.
أما سفينتنا فهي عظيمة الطول والعرض يبلغ نطاقها الأربعين مليون
стр. 478
متر، ومساحتها ٥١٠. ٠٨٢. ٠٠٠ كيلومتر مربع وحجمها ٨٣. ٢٦٠. ٠٠٠. ٠٠٠ كيلومتر مكعب. أما وزنها فلا ينقص عن ٥. ٩٥٧. ٩٣٠. ٠٠٠. ٠٠٠. ٠٠٠ مليون كيلوغرام وهو ثقل لا يدركه العقل البشري. وقد أراد أحد علماء الفلك أن يقربه إلى الفهم فقال: وزن الأرض يعادل ٧٨ مرة وزن القمر أو ٩٦٦ مرة وزن فرنسا، أو ٥٢ مرة ونصف وزن أوروبا. أو ١١ مرة ونصف وزن آسيا أو ١٣ مرة وزن أمريكا. أو ١٣ مرة ونصف وزن أفريقيا. (فتكون آسيا أثقل الأقطار في كفة الميزان). وكل هذه الأرقام باهظة يصعب تقديرها في الواقع فنقتطف عن تقارير العلماء بعض تشابيه يسهل فهمها:
سكان الأرض مليار ونصف مليار، فلو عد كل واحد منهم في كل دقيقة مائة طن من وزن الأرض وابتدأ بذلك منذ خليقة العالم لاقتضى لهم ٧٦. ٨٠٠ سنة تقريباً حتى يعدوا كم في الأرض طناً (والطن ألف كيلوغرام).
أو لو شئنا أن ننقل الأرض إلى الشمس، لاقتضى لذلك مليون من الخطوط الحديدية يسير عليها مليون من القطارات يقطر كل واحد منها عشرة آلاف عربية وتبتدئ بالشحن سنة ٢٧١٠ قبل المسيح حتى تفرغ من عملها في عامنا الحالي. ونقل الأرض إلى الشمس لا يؤثر في هذه الأخيرة أكثر من نقطة ماء تقع في البحر. وهذا هو كبر الأرض التي لا يعتد بها بالنسبة إلى بقية الأجرام السماوية. والإنسان الذي هو بمثابة ذرة على سطحها يعد سيد كل هذه الكائنات بفضل عقله وإدراكه.
стр. 479
وفي أثناء سفرتنا على ظهر هذه السفينة الضخمة نشاهد أيام صحو وصفاء، وأيام عواصف وشتاء. وما ذلك إلا ما نسميه فصول السنة الأربعة وهي فصل الربيع ومدته ٩٢ يوماً و٢١ ساعة. وفصل الصيف ومدته ٩٣ يوماً و١٤ ساعة. وفصل الخريف ومدته ٨٩ يوماً و١٩ ساعة. وفصل الشتاء ومدته ٨٩ يوماً.
والسنة في كل الحسابات مؤلفة من اثني عشر شهراً. وأسماء الأشهر مختلفة ومدتها تتراوح بين ٢٩ و٣١ يوماً. وفي الأسبوع سبعة أيام يعبر عنها بالأعداد السبعة الأولى: فالأحد=١ وهو يوم بطالة عند النصارى، والاثنين=٢ وكان يوم بطالة عند قدماء اليونان، والثلاثاء=٣ وكان يوم بطالة عند الفرس، والأربعاء=٤ وكان يوم بطالة عند الآشوريين، والخميس=٥
وكان يوم بطالة عند قدماء المصريين، والجمعة=٦ وهو يوم بطالة عند المسلمين، والسبت=٧ وهو يوم بطالة عند الإسرائيليين.
وإذا شئت أن تعرف أي الأشهر ٣١ وأيها ٣٠ فأطبق كف يدك وعد أسماء الأشهر على عقد الأصابع والفواصل مبتدئاً من يناير فإذا انتهى العدد فأعده مرة ثانية فالشهر الذي يقع على العقدة يكون ٣١ يوماً والذي يقع على الفاصلة (أي بين العقدتين) يكون ٣٠: وفي شهر فبراير (شباط) ٢٨ يوماً وفي السنين الكبيسية ٢٩. وتعرف السنة الكبيسية بقسمة العدد على ٤، فإذا لم يبق شيء فهي كبيسية، وإلا فليست كبيسية مثلاً: ١٩١١: ٤ يبقى ٣ فهذه السنة ليست كبيسية. وسنة ١٩١٢: ٤ لا يبقى شيء فالسنة القادمة كبيسية.
стр. 480
ولقد لجأ الإنسان منذ بداية تاريخه إلى الظواهر الفلكية لتدوين أيامه. وأهم التواريخ التي شاعت بين البشر الحساب الشمسي والحساب القمري لأن مراقبة الشمس والقمر أسهل من مراقبة غيرهما من الأجرام الفلكية.
وكان بعض الأقدمين قد اختاروا للدلالة على السنة المدة التي تقتضيها الشمس منذ انتقالها من نقطة الاعتدال الربيعي إلى وقت رجوعها إلى هذه النقطة نفسها.
وكان المصريون يحسبون سنتهم ٣٦٠ يوماً منقسمة إلى ١٢ شهراً يؤلف كل واحد ٣٠ يوماً. ومن ثم كان الاعتدال الربيعي يتأخر خمسة أيام وربع في كل سنة، حتى أنه بعد مرور ١٨ سنة أخذ الربيع مكان الصيف. فأصلحوا هذا الخطأ بأن حسبوا السنة مؤلفة من ٣٦٥ يوماً على أن ذلك لم يخل أيضاً من الغلط لأن السنة الشمسية على الصحيح مؤلفة من ٣٦٥ يوماً وربع يوم تقريباً. وكثر الفرق مع توالي السنين حتى أصلحه سوسيجنيس بزيادة يوم كل أربع سنوات وسمي هذا الحساب الحساب اليولي لأنه تم على عهد يوليس قيصر. وهو لا يزال متبعاً حتى الآن في الكنيسة الشرقية.
لكن حساب سوسيجنيس لم يكن خالياً من الغلط، لأن السنة مركبة في الأصح من ٣٦٥ يوماً و٦ ساعات إلا ١١ دقيقة و١٠ ثوان. فصار يحصل عن إهمال هذه الدقائق والثواني فرق يوم كامل كل ١٢٩ سنة وهذا هو غلط الحساب اليولي وبلغ هذا الفرق عشرة أيام على عهد البابا غريغوريوس الثالث عشر فأصلحه هذا البابا بأن أسقط عشرة أيام وجعل
стр. 481
اليوم الخامس من أكتوبر (تشرين الأول) سنة ١٥٨٢ اليوم الخامس عشر منه وأمر بأن
تكون السنة ٣٦٦ يوماً كل أربع سنوات مع حذف يوم كل ١٢٩ سنة وذلك تفادياً من الغلط في المستقبل. وهو الحساب الذي تعول عليه اليوم كل أوروبا ما عدا روسيا واليونان. وبات الفرق بين الحسابين ١٣ يوماً.
أما السنة الهجرية فهي قمرية مؤلفة من اثني عشر شهراً: ستة منها تتركب من ٣٠ يوماً وستة من ٢٩ يوماً لأن دوران القمر يتم في ٢٩ يوماً ونصف تقريباً وكانت بداية تاريخ الهجرة سنة ٦٢٢ من تاريخ المسيح في الخامس عشر من شهر تموز (يوليو) عند تولد الهلال.
وليست السنة القبطية إلا السنة المصرية القديمة فهي مؤلفة من ١٢ شهراً عدد أيام كل منها ٣٠ يوماً يضاف إليها ٥ أيام في آخر السنة لتكون ٣٦٥ يوماً وفي السنين الكبيسية تكون الزيادة ٦ أيام. ويبتدئ التاريخ القبطي من سنة ٢٨٤ بعد المسيح وهو تاريخ الشهداء الذين استشهدوا في مصر على عهد ديوكليسيانس.
أما تاريخ الإسرائيليين فيعد ابتداؤه منذ خلق العالم. والسنة الإسرائيلية مؤلفة من ١٢ شهراً في السنين البسيطة ومن ١٣ شهراً في السنين التي يمسونها امبوليسمية أو إضافية وهي تعود ٧ مرات في مدة ١٩ سنة يزيدون فيها من بعد شهر آذار شهراً آخر مؤلفاً من ٢٩ يوماً يسمونه راذار أي آذار الثاني. وذلك لتقريب السنة القمرية من السنة الشمسية.
وفي الدولة العثمانية يوجد أيضاً حساب السنة المالية وكان ابتداء هذا
стр. 482
التاريخ سنة ١٢٠٥ هجرية موافقاً لأول آذار ١٧٨٩ حساباً شرقياً. وكان ذلك في عهد السلطان سليم الثالث الذي أصدر أمره إلى الدفتردار مورالي عثماني بأن ينظم الشؤون المالية في الدولة اعتباراً من ذلك اليوم. وظل بدء السنة المالية أول آذار الشرقي، وحسبا الأشهر فيها كحساب الأشهر في السنة الشرقية.
هذا جل ما يتسع المجال لإيراده عن الحسابات المختلفة التي يتبعها البشر لتدوين تاريخهم، وهذا ملخص ما يقال عن رحلتهم السنوية حول الشمس، عسى أن تكون سفرة هذا العام سفرة خير وإقبال إن شاء الله.
الانتخابات الإنكليزية
باتت الخواطر متجهة في هذه الأيام إلى الانتخابات الجارية في إنكلترا، فرأينا أن نطلع القراء على بعض تعليمات عما يدور حول هذه الانتخابات لأن في ذلك شيئاً من الفكاهة والفائدة.
حل مجلس البرلمان الإنكليزي بعد حياةٍ قصيرة لا تتجاوز الأحد عشر شهراً لأن الانتخابات الأخيرة تمت في شهر يناير من السنة الماضية. فكان هذا المجلس أقصر المجالس عمراً بعد مجلس سنة ١٨٨٦ الذي عاش خمسة أشهر ونصفاً.
وليس تجديد الانتخابات العمومية بالأمر الذي يستهان به. فإن انتخابات ١٩٠٦ قد كلفت بريطانيا مليوناً و١٦٧ ألف جنيه، وانتخابات ٩١٠ التي جرت في يناير الماضي كلفتها مليوناً و٢٩٧ ألف جنيه، ولاشك
стр. 483
في أن الانتخابات الجارية الآن ستكلفها مثل هذا المبلغ على الأقل.
وليست هذه الأرقام إلا التي يعترف بها المنتخبون رسمياً والتي يجيزها القانون. ويقول العارفون أن حقيقة ما ينفق إبان الانتخابات يبلغ ضعفي هذا المبلغ، أي أن كل تجديد انتخاب يكلف البلاد ٥٠ مليون فرنك تقريباً. ولذلك ترى المنتخِبين والمنتخَبين لا يميلون كثيراً إلى تجديد الانتخابات العمومية، ناهيك بما يلحق بالتجارة والصناعة من وقوف الحال. فإن المرشحين يقتصدون في نفقاتهم تأهباً لمصروف الانتخاب، فتهجر المسارح والفنادق والمتنزهات وكل المحلات العمومية، لأن زبائنها ينتشرون في كل أطراف البلاد للاهتمام بشؤون الانتخابات التي تستمر مدة أربعة أسابيع تقريباً.
وفي السلطنة الإنكليزية ٧ ملايين وستمئة ألف منتخِب ويؤخذ من كتابٍ خاص نشر في هذا الموضوع أن كل صوت يكلف بالتعديل ٣ شلنات و١٠ بنسات (٤ فرنكات و٧٥ سنتيماً) وأغلى ثمن للأصوات هو في ايكوسيا حيث يكلف الصوت ٥ فرنكات و٥٠ سنتيماً، وأرخص الأصوات في ارلندا، حيث يبلغ ثمن الصوت ٣ فرنكات و٦٠ سنتيماً، وكلف مستر اسكويث انتخابه في المرة الأخيرة ٢٠ ألف فرنك، ومستر بلفور ٤٠ ألفاً والسرجون بثل ١١٠ آلاف وهو أكبر مبلغ أنفق في هذه الغاية.
ولا يحق الانتخاب في إنكلترا إلا للذي يدفع أجرة منزل على الأقل عشرة جنيهات في السنة. وإجراء الانتخابات في أوائل السنة لا يوافق الأحرار لأن العامل الإنكليزي في تلك
المدة يكون متغيباً عن منزله، ومن
стр. 484
الصعب الاهتداء إليه وجمله على إعطاء صوته. وهذه المهمة منوطة برجال خصوصيين من أصدقاء المرشحين يطوفون المنازل والأحياء بقائمة الانتخاب، وهم مدربون خصيصاً للقيام بهذه المهمة. فيهيئون أدلة الإقناع، ويتوددون للناخبين، ويستميلون النساء والأولاد، ويقصدون العامل في معمله، ويترقبون ساعات الفراغ ليحملوه في الأتومبيل إلى محل الانتخاب لإعطاء صوته لمن يريدون. ويحظر عليهم القانون استئجار المركبات لهذه الغاية فلا يسعهم إلا استعمال المركبات الخصوصية أو التي يقدمها أنصارهم. وهذا مما يوافق المحافظين أكثر من سواهم لأنهم عادة من الأغنياء أصحاب السيارات والمركبات. وهذا السعي وراء الناخب لاصطياده يدلك على ضعف العقيدة السياسية.
وقد أصبح التصويت الآن في إنكلترا سرياً لكنه كان علنياً حتى سنة ١٨٧٢ فكان المنتخِبون يحضرون إلى المحل العمومي ويعلنون جهاراً إذا كانوا ينتخبون جونس أو سميث مثلاً. فيعلو الصياح ويشتد النزاع. لأن أنصار هذا المرشح أو ذاك كانوا يسكرون الناخبين لاكتساب أصواتهم. وهكذا كانت الأصوات تباع وتشرى علناً. وكان وكلاء المرشحين يقضون نهارهم وليلهم في الحانات، يعاقرون الخمرة مع الناخبين الذين كانوا كثيراً ما يقضون شهرهم بين هذا الوكيل وذاك ويقبضون الدراهم من كلا الاثنين وهم لا يهمهم نجح الأول أو الثاني.
وقد تغيرت الحال منذ ٢٥ سنة فأصبح القانون يعاقب بالحبس مدة سنة وبغرامة قد تبلغ خمسمئة فرنك كل من يدعو الناخب إلى الشرب أو
стр. 485
الأكل أو يحاول التأثير عليه بالوعد أو الوعيد.
وبالرغم عن كل هذه التشديدات لا يزال هناك من يخرق القانون. فإن الناخب يتلقى يوم الانتخاب ضمن ظرف خصوصي تذكرة للسفر مجاناً في السكة الحديدية إلى دائرة الانتخاب دون أن يعلم مصدرها. وهناك حيل كثيرة تستعمل لتعدي ما يجيزه القانون. ولكن لما كانت جميع الأحزاب تعول عليها لم يقم من يشكو أو يداعي. وعليه فإن للدراهم الكلمة الأولى في الانتخابات في إنكلترا كما في غيرها، والحزب الذي لديه ثروة كبيرة في دائرة من الدوائر الانتخابية يمكنه أن يضمن النصر لأشياعه.
على أن الانتخابات الإنكليزية ليست معرضة للضغط الإداري كما هو جارٍ في باقي البلاد. فليس هناك من مأمورين إداريين يأتمرون بأمر ناظر الداخلية فيجرون الانتخابات على هواه.
وبالإجمال فإن لدى الإنكليز كما لدى غيرهم ألف طريقة وطريقة للتأثير على أصحاب الأصوات ولكن تحقيق ذلك من الأمور الصعبة بل المستحيلة. ولما كانت هذه الطريق توافق تارة هذا الحزب وتارة تؤيد ذاك، فليس من يريد أن يتحمل مسؤولية تعديلها أو مقاومتها. وهكذا تظل الأمور جارية مجراها المعتاد ما دامت النفس البشرية ذات مطامع وأميال.
стр. 486
هواجس النفس بين العامين
ضافني السهاد ليلة أمس فسامرته حتى سئمت، فعفته ورحت استدعي النوم الساعة والساعتين، فبقي شارداً، فقلت: لا حول ولا. . . ثم أشعلت المصباح أدفع به وحشة الظلام.
وكان قد نام سكان الدير، وسكتت الحركة، فلم أعد أسمع إلا دقات ساعتي، كأنها تقول: الزمان يزول. . . فشعرت بوجيب قلب وخشوع، فقلت لنفسي: يا نفس لك من هذا السهاد فرصة ثمينة فاغتنميها، وتأملي قليلاً في شأنك، فعما قليل تصيرين إلى موقف بين عامين، مودع ومسلم، وتلك وقفة قل من استفاد منها. راجعي كتاب الماضي، وافتحي كتاب المستقبل، لكن الأمس قد عرفته، فتطلعي إذن إلى الغد. جولي في فضاء الخيال ثم لقني قلمي ما يمر بك من الهواجس، وأملي عليه ما به تشعرين!
فشعرت أن نفسي قد توقفن هنيهة كأنها رازحة تحت أحمال الانفعال والتأثر. هذا وحفيف الأوراق يزيد في وحشتي، وعقرب الساعة لا يزال يسير، فنظرت فإذا العام قد دخل في النزاع وأوشك أن ينقضي أجله.
فانقبضت إذ ذاك نفسي واندفعت تقول:
إلى أين أيها العام أنت مهرول في هذا الليل الدامس؟ وفي إحدى يديك مشعل يكاد ضوءه ينطفئ، وفي الثانية منجل مفلل. . . وعلى مَ أخذت معاجيل الطرق وعلى ظهرك أحمال الأيام تنوء بها؟. . . رويدك
стр. 487
رويدك فإن طريق الماضي وعرة متحدرة، والظلام مدلهم وأنت شيخ مسن.
فالتفت إلي فإذا وجه جعدته الهواجس، وشعر متلبد شعثته الوساوس، وكتفان تقوستا من قراع النوائب، وقال وهو مسرع: دعني لا تلهني، فإن الأعوام رفقائي قد تقدمتني إلى محطة الأبدية. . . ولم يكد ضياء مشعله يتوارى في ظلام الزمان، حتى قرع أذني صوت الساعة الكبيرة فكان نصف الليل!!!. . .
* * *
فالتفت إذ ذاك استقبل تباشير العام الجديد، فرأيته وقد أقبل على مركبة ملكية لابساً حلة الشباب البهية، فتفرست في تلك المركبة الكبيرة، فإذا فيها من الذخائر العجيبة ما يكاد القلم يقصر عن وصفه.
رأيت فيها أشواك الشقاء وقد اشتبكت بأزهار الهناء، ومن ورائهما برفير الملوك وأطمار رثة تبين من خلالها يد المتسول مفتوحة للاستعطاء. وسرير يبدو منه رأس الطفل الصغير ونعوش أغنياء وتوابيت فقراء، وسمعت ضحكاً وبكاء، ورأيت عدلاً رافعاً لواء الحق، وظلماً ناشراً راية البطل، وفضائل بصورة راهبة قد جثت أما سرير المنازع، ورذائل شنعاء بهيئة السكارى، ورأيت النميمة تدب عقاربها، والرصانة كالأسطوانة الراسخة، والشراهة كأنها حوت على مائدة، والقناعة وقد نبتت حواليها أعشاب النساك والزهاد، إلى أشياء أخرى كثيرة من بندقية قانص الطائر، وشبكة صائد السابح. وسكة الفلاح، وعكاز الأعرج وسرير المقعد، وشبابة الراعي، وريشة المصور وقلم الكاتب، وكتاب الزاهد، ولجج فاغرة فاها، وأوبئة
стр. 488
تنتشر جراثيمها، ونيران يتصاعد لهيبها، ورياح تعصف، ورعود تقصف، وسكون وسلام، وحروب ودماء.
فهبت أمام هذا المشهد الهائل، ثم قلت: يا نفس لقد رأيت ما رأيت فقولي لي الآن ما تشتهين في رأي هذا العام وإلى م تتوقين؟ ثم قلت: مهلاً فإني قبل أن تختاري أود أن أريك بعين الحقيقة ما قد رأيته بعين الفكر.
* * *
لما تنفس الصبح كنت على ظهور الأشرفية حيث يبدو للناظر بقعة خضراء بسقت فيها الأشجار، تطرد تحتها مياه النهر، وهي تنساب متسابقة إلى البحر فتغور في اللجج، فجلست على صخر وقد حان وقت بزوغ الشمس، وسكن نسيم الصبح، فراحت العصافير تتنقل على الأشجار وأخذت الطبيعة تنهض من سبات النون، والحياة تتجدد في الأعشاب، والدخان يتصاعد من فوق البيوت حيث تسمع قلقلة المفاتيح والأقفال وصرير الأبواب وعويل الأطفال. ثم أخذت المناظر تتضح شيئاً فشيئاً وما هي إلا بضع دقائق حتى بزغت الشمس من وراء الأفق ترسل حرير شعاعها يمسح دموع الأزهار. وكانت بارتفاعها تشرف على الغيوم المنتثرة فتفر هذه مسرعة أمام ملكة الطبيعة. وصارت فقاقيع مياه النهر تتألف لامعة كأنها تفتح وتغمض. والتلال تيقظ السهول لترتدي أردية الجلاء.
فقلت يا نفس أمامك من الطبيعة مشهد طالما شبب به الشعراء،
стр. 489
فتطلعي وابتهجي وقولي لي، أتريدين أن أنصب لك على هذه التلال خيمة منها تملكين هذه البرية الجميلة؟. . .
فآنست من نفسي انعطافاً كأنه يقول: أجل إن المشهد لباهر ولكن ليس هنالك كل رغائبي.
فقلت لها: ارفعي النظر قليلاً، وانظري إلى لبنان العزيز، وطن الأسود وأرض الأولياء. هاك صنين وقد جلس على القنة شيخاً جليلاً فصبحيه مع الشمس في رأس العام، وتمني له شيخوخة صالحة واطلبي لبنيه أن لا يقلقوا راحة أبيهم الشيخ، وقد شيبت رأسه الأعوام وحدبت ظهره الأيام. تلذذي بما يحمله إليك النسيم من منعطفات الوديان واستنشقي شذا الأرز ونفحات الرياحين. نقلي النظر في هاتيك القرى المنتثرة هنا وهناك، وانظري القرويين وقد هبوا لأشغالهم. خذي النظارة وانظري الرعيان على هاتيك الروابي وقد سرحت قطعانهم ترعى في المراعي الخصيبة، هاك الشبابات في أيديهم، ولو كنا على مقربة منهم لسمعنا ألحانهم الرقيقة. وها إن المكارين أيضاً ينزلون في معاجيل الطرق وهم يترنمون على ظهور دوابهم ويتغنون بالميجانيا والعتابا. آه ما أجمل الجلوس في ظلال تلك الأشجار الوارفة وما أحيلى المقام في هذا الجبل المقدس. فقولي لي الآن أتريدين أن تكوني أميرة على لبنان فتحيي فيه الشهامة والمروءة وترجعي إليه ما مات من الفضائل إلى الحيوة، وتقلعي ما يزرع فيه من زروع الفساد فتخفق فوق روابيه رايات الأمن والسلام؟
فتململت ثم قالت: ذلك من أفضل الأمور ولكن ليست لذتي في التسلط على الشعوب فعجبت لأمرها وذهبت بها إلى شاطئ البحر
стр. 490
وهنالك الحصى البيضاء منتثرة فوق الرمال كأنها اللآلئ على بساط من حرير. وعلى الشاطئ صياد مشمر الساقين وقد غاصت قدماه في زبد الأمواج، وألقى الشص في الماء ووقف ينتظر النصيب. فأسرعت الأمواج إلينا كأنها تريد السلام فكانت تحني الرؤوس وتعود إلى اللجج. وهنالك قوارب نشرت الشراع فهب فيها نسيم التوفيق، فمخرت تشق المياه تاركة من ورائها خطوطاً طويلة لا تلبث أن تغمرها المياه.
ثم صفرت باخرة ومرت ترشق الفضاء بدخان يحموم، وعلى ظهرها المسافرون يلوحون بمناديلهم وداعاً لمن يشيعونهم بالعيون والقلوب. فقلت لنفسي: أتشائين السفر إلى الأصقاع البعيدة فنسيح ونتنزه في جنات الأندلس ونرى ما ترك العرب فيها من آثار العظمة ثم ننتقل إلى فرنسا ربة البدائع. ثم نيمم إيطاليا فنفكه السمع بالأنغام الموسيقية وذلك مما يطيب لك جداً ونشخص إلى رومة مقام السيادة المسيحية ونزور الدياميس حيث رفات
الشهداء، ومن هنالك نتوجه إلى ألمانيا فنتوغل في غاباتها. ونرتحل إلى روسيا لنرى قبابها العالية ونرسل النظر في هاتيك السهول الواسعة. ثم نرجع إلى بحر الروم فنصعد من يافا إلى الأرض المقدسة فنزور المغارة التي بزغ منها نور الخلاص وجرى ماء الحيوة، وبستان الزيتون والجلجلة التي تتبرك الشفاه بلثم ترابها. ثم نجتاز مضيق السويس إلى البحر الذي عبره بنو إسرائيل بالأقدام، ومن هناك يمتد نظرنا إلى بادية العرب أرض الشعراء، وإلى أفريقيا فنجتازها من أهرام الفراعنة، إلى أرض الترنسفال التي حشا الله جوفها بالألماس ونمر بشواطئ الهند
стр. 491
حيث اللآلئ ونتفرج على الأواني الصينية البديعة الصنع. وإذا شئت واصلنا السير إلى اليابان فأمريكا فأستراليا، ولا ندع أرضاً وطئتها أقدام الرحل والسياح إلا دخلناها. فهل تسرين بذلك؟
فأجابت: حبذا الأسفار ففيها نزهة الأبصار والأفكار، ولكن ليس في ذلك ما يشبع رغبتي ويتم لذتي.
فحرت في أمري وقلت لها هلمي إلى الحقول فنبذر البذور ونستغل الغلال ونشحن السفن ونتجر التجارات الواسعة ونعدن المعادن ونكثر من المعامل، فنربح الأرباح الطائلة ونجمع من الذهب القناطير المقنطرة، فنبني الدور ونشيد القصور ونكثر من الخدم والحشم وندعو بالمغنين والمطربين والراقصين ونأدب المآدب ونحتسي كؤوس الشراب مع الندماء والأحباب. فما تقولين في ذلك. أما تشتهين أن تسبحي في غنى الأرض وملاذها؟
فعبست وقالت: كلا!. . ليست في ذلك راحتي.
فقلت: لعل الدرس يطيب لها. فسألتها: أتريدين الانصباب على الدرس لتكوني في مستقبل الحين عالمة في الطبيعيات والكيمياء والرياضيات والفلسفة والطب. فتكشفين سر الكهرباء وتوسعين حدود علم النجوم، وتظهرين أجساماً جديدة وتخترعين قواعد حسابية وتكشفين عن أدق أسرار النفس وتوجدين دواء لكل داء. أو تودين أن تكوني موسيقياً بارعاً يتسلط على النفس بأنغامه فيضحك الثكلى ويسيل أجمد العيون. أو تشتاقين أن يكون لك ريشة تحقر أبدع ما أتى به رافائيل وميكالنج، أو
стр. 492
قلم يصور أرق العواطف فيلقي في زوايا النسيان أولئك الشعراء المشاهير هوميروس وفيرجيل وامرؤ القيس وشكسبير ودانت وراسين. . . أو أن تكوني خطيباً مصقعاً يقتاد الشعوب، ويهز بقايا أثينا ورومة وطن
أمراء الخطابة. أو نقاشاً يدهش أرواح اليونان في قبورها. أو قائداً يكسر على ركبته سيوف الإسكندر والقيصر ونابليون؟ وأخالك الآن لا ترفضين. فتوقفت ثم قالت: إن مجد العلوم والفنون لمما يفضل على جميع ما سواه. ولكن رغيبتي فوق كل ذلك.
فوقفت وقفة المتحير وقد فرغت جعبة مسائلي فقتل: ويك أن في أمرك لعجباً: لقد عرضت عليك كل ما يتوق إليه المرء في هذه الدنيا وأنت عن كل ذلك ترغبين، فلقد والله أبرمتني وأسأمتني. . فإلى الدير!.
ثم قفلت راجعاً إلى غرفتي مطرقاً مبلبل البال وقضيت النهار مفكراً.
ولما كانت العشية خشيت أن يضيفني السهاد كما ضافني أمس. فصعدت إلى السطح قرب الساعة الكبيرة، وكانت الشمس في المغيب والدغش مقبل ليغشي الأرض فكانت المناظر تذهب تباعاً، وما هو إلا قليل حتى أرخى الليل سدوله وغيب البرية الظلام. فظهرت النجوم تتألف في الفضاء ببهاء يسحر العيون ويأخذ بمجامع القلوب.
وكانت نفسي إذ ذاك كمصباح يحوم حوله ألوف من الفواش والهوام. وإنني لكذلك إذ لاح لي خاطر جديد فناجيت نفسي قائلاً يا نفس لقد رفضت كلما عرضته عليك من أمور هذه الدنيا، فم يبق إلا أن أسألك أمراً واحداً: أتريدين أن نركب طيارة تطير بنا إلى ذرى الفضاء فنكون
стр. 493
على مقربة من الكواكب والنجوم، فنراعي بهاءها ونعجب لاتساعها وكثرتها. ونسبح فيها لانهاية له من الفضاء ومن هنالك نشرف على الأرض وما فيها ونشاهد البحار والسهول والجبال فهلا ترضين!!!. .
وهناك انتصبت عابساً شاخص العيون أنتظر ما تجيب.
فرأيت أن نفسي قد انقبضت واجتمعت كعصفور يتحفز للطيران حتى حسبت أنها تقول. نعم! لكني ارتددت إلى الوراء إذ انتفضت وقالت بلهجة الموبخ: لا! كلا!!!. .
فأخذ مني العجب مأخذه فالتفت إليها وقد ملئ فمي بكلمات اليأس والقنوط وقلت: يا نفسي! فقاطعتني الكلام وقالت: مهلاً!. لقد طلبت إلي أن أهجر الأرض، فلبيك ولكن اعلم أني لا أكتفي بالوقوف بين الأرض والسماء وإنما أشتهي وأرغب وأتوق أن اخترق الفضاء وأتغلغل بين الكواكب والنجوم فاجتازها حتى أصل إلى الذي خلق الكواكب والنجوم وأوجد المال والجمال، وأبدع العلوم والفنون، وبسط الأرض ورفع السماء حتى أصل إلى الله فهو
خيري الأعظم وفيه محط رغائبي ومجتمع أشواقي. وبعد أن أطلعت على رغيبة نفسي رجعت إلى غرفتي مطمئناً ساكناً وقلت: اللهم اجعل هذا العام عام إقبال وفلاح، بمنك وكرمك يا أرحم الراحمين.
بيروت
الخوري مارون غصن
стр. 494
تمدن المرأة العصرية
عودٌ على بدء
كتبت في العدد الثامن من هذه المجلة الغراء عن المرأة العصرية وكيفية استعمالها التمدن الحديث، وما جلبته من الأضرار بسبب فهمها قشوره لا لبه. وقد أرسلت على ذلك حضرة الآنسة الأديبة ادما كيرلس رداً لطيفاً، ذكرت فيه أني رشقت بنات جنسي بأحد السهام إذ وصفت المرأة التي تقتل الوقت بالزينة، وأهملت ذكر التي تعمل لاكتساب الفضيلة والتحلي بها. وعليه أجيب: إن الذي حملني على وصف النساء المهملات لواجباتهن دون المتفانيات في سبيلها هو أن تلك التي تسعى في خدمة العائلة وتضحي الملاهي والمسرات لتحافظ على ترتيب داخليتها ومستقبل صغارها هي قليلة جداً بالنسبة إلى العدد الكبير من أخواتها الباقيات، يوجد منها تقريباً عشرة بالمئة. وهذا عدد زهيد لا يبنى عليه حكم، ولا يقوم بالشرط المطلوب لسد الثلمة الواسعة في صرح الترقي والعمران. وعليه فقد تكلمت بمقتضى الحالة العمومية التي هي المصدر الحقيقي لكل عامل إن تأخر وإن تقدم. غير أن أقوالي أصابت الحقيقة عينها، ولذا جاءت جارحة لبعض القلوب اللطيفة، ولكني لم أبح بهذه الأفكار، إلا لاعتقادي بوجودنا في عصر النور والمعارف، عصر الحرية، حيث لا يجوز حجب الأفكار عسى أن يستخرج من كل فكرة فائدة، فنصل بعد ذلك إلى الغاية المطلوبة من ازدياد المعارف وارتقاء المدارك.
стр. 495
وقد قالت حضرة الكاتبة عاذرة، بنوع ما، التي تتبع المودة ناسبة هذا لمهارة يديها بعد أن تكون حافظت على نظافة الملابس، فتمكنت من قلبها حسب الذوق الدارج، وقد أتت عبارتها هذه في محلها من الحق والعدل. على أنه يقال في هذا ما قيل في تلك، أعني إن المرأة البارعة التي تتزين بفضل مهاراتها وتفننها، ولا تتبع المودة إلا بعد أن تكون حافظت على إتمام واجباتها هي من العدد القليل، وليس لإصلاحها تأثير يذكر في بابا لخراب الواسع. وكم من زهرة ضاعت بين أشواك فخنقت، وكم من نجمة سترت تحت غيوم السماء فحجبت نورها عن الأبصار. فلم يظهر للناظر إلا الظلام الحالك وهكذا نحن لا يمكننا إلا أن نرمي في مقالنا إلى العدد الكبير أي إلى اللواتي يصرفن الغالي والرخيص في اتباع ما تختلقه ربات الأزياء، وهذا أمر أصبح أشهر من نار على علم. فكم من رجل
يئن لبذخ امرأته. وعدم مراعاتها أحواله، وكم من أولاد أشرفوا على التهور في دركات الهلاك، ووالدتهم بشاغل عنهم في إعداد الزينة والتفنن بها. وكم من أب أحنت ظهره متاعب الأيام، وبيضت شعره أهوال الزمان، غير أنه يبكي الآن لما يشاهده من اعوجاج الأزياء، وترك البساطة القديمة وعدم اللياقة في الأثواب، فأصبح ينظر لابنته المتقلدة نظرة المهيب الموبخ وإذا لم تعبأ بنظرته يئس وقال: حبذا يوم أرى فيه مماتي جاهلتي هذه تبذل النفس والنفيس لتتمثل بالعاقلة، وتتحلى نظيرها بحلى العلم والفضيلة، التي لا تشوبها شائبة ولا تؤثر فيها الأهواء والأزياء: وإننا نرى مثل هذا الأب آباء يبذلون كل ما في وسعهم ليبثوا روح البساطة وسلامة الذوق في
следующие страницы →