← Джавами‘

Джавами‘ · id 36534

مجلة «الزهور» المصرية

أنطون الجميل

Полный текст (2 201 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

حيث اللآلئ ونتفرج على الأواني الصينية البديعة الصنع. وإذا شئت واصلنا السير إلى اليابان فأمريكا فأستراليا، ولا ندع أرضاً وطئتها أقدام الرحل والسياح إلا دخلناها. فهل تسرين بذلك؟ فأجابت: حبذا الأسفار ففيها نزهة الأبصار والأفكار، ولكن ليس في ذلك ما يشبع رغبتي ويتم لذتي. فحرت في أمري وقلت لها هلمي إلى الحقول فنبذر البذور ونستغل الغلال ونشحن السفن ونتجر التجارات الواسعة ونعدن المعادن ونكثر من المعامل، فنربح الأرباح الطائلة ونجمع من الذهب القناطير المقنطرة، فنبني الدور ونشيد القصور ونكثر من الخدم والحشم وندعو بالمغنين والمطربين والراقصين ونأدب المآدب ونحتسي كؤوس الشراب مع الندماء والأحباب. فما تقولين في ذلك. أما تشتهين أن تسبحي في غنى الأرض وملاذها؟ فعبست وقالت: كلا!. . ليست في ذلك راحتي. فقلت: لعل الدرس يطيب لها. فسألتها: أتريدين الانصباب على الدرس لتكوني في مستقبل الحين عالمة في الطبيعيات والكيمياء والرياضيات والفلسفة والطب. فتكشفين سر الكهرباء وتوسعين حدود علم النجوم، وتظهرين أجساماً جديدة وتخترعين قواعد حسابية وتكشفين عن أدق أسرار النفس وتوجدين دواء لكل داء. أو تودين أن تكوني موسيقياً بارعاً يتسلط على النفس بأنغامه فيضحك الثكلى ويسيل أجمد العيون. أو تشتاقين أن يكون لك ريشة تحقر أبدع ما أتى به رافائيل وميكالنج، أو

стр. 492

قلم يصور أرق العواطف فيلقي في زوايا النسيان أولئك الشعراء المشاهير هوميروس وفيرجيل وامرؤ القيس وشكسبير ودانت وراسين. . . أو أن تكوني خطيباً مصقعاً يقتاد الشعوب، ويهز بقايا أثينا ورومة وطن أمراء الخطابة. أو نقاشاً يدهش أرواح اليونان في قبورها. أو قائداً يكسر على ركبته سيوف الإسكندر والقيصر ونابليون؟ وأخالك الآن لا ترفضين. فتوقفت ثم قالت: إن مجد العلوم والفنون لمما يفضل على جميع ما سواه. ولكن رغيبتي فوق كل ذلك. فوقفت وقفة المتحير وقد فرغت جعبة مسائلي فقتل: ويك أن في أمرك لعجباً: لقد عرضت عليك كل ما يتوق إليه المرء في هذه الدنيا وأنت عن كل ذلك ترغبين، فلقد والله أبرمتني وأسأمتني. . فإلى الدير!. ثم قفلت راجعاً إلى غرفتي مطرقاً مبلبل البال وقضيت النهار مفكراً. ولما كانت العشية خشيت أن يضيفني السهاد كما ضافني أمس. فصعدت إلى السطح قرب الساعة الكبيرة، وكانت الشمس في المغيب والدغش مقبل ليغشي الأرض فكانت المناظر تذهب تباعاً، وما هو إلا قليل حتى أرخى الليل سدوله وغيب البرية الظلام. فظهرت النجوم تتألف في الفضاء ببهاء يسحر العيون ويأخذ بمجامع القلوب. وكانت نفسي إذ ذاك كمصباح يحوم حوله ألوف من الفواش والهوام. وإنني لكذلك إذ لاح لي خاطر جديد فناجيت نفسي قائلاً يا نفس لقد رفضت كلما عرضته عليك من أمور هذه الدنيا، فم يبق إلا أن أسألك أمراً واحداً: أتريدين أن نركب طيارة تطير بنا إلى ذرى الفضاء فنكون

стр. 493

على مقربة من الكواكب والنجوم، فنراعي بهاءها ونعجب لاتساعها وكثرتها. ونسبح فيها لانهاية له من الفضاء ومن هنالك نشرف على الأرض وما فيها ونشاهد البحار والسهول والجبال فهلا ترضين!!!. . وهناك انتصبت عابساً شاخص العيون أنتظر ما تجيب. فرأيت أن نفسي قد انقبضت واجتمعت كعصفور يتحفز للطيران حتى حسبت أنها تقول. نعم! لكني ارتددت إلى الوراء إذ انتفضت وقالت بلهجة الموبخ: لا! كلا!!!. . فأخذ مني العجب مأخذه فالتفت إليها وقد ملئ فمي بكلمات اليأس والقنوط وقلت: يا نفسي! فقاطعتني الكلام وقالت: مهلاً!. لقد طلبت إلي أن أهجر الأرض، فلبيك ولكن اعلم أني لا أكتفي بالوقوف بين الأرض والسماء وإنما أشتهي وأرغب وأتوق أن اخترق الفضاء وأتغلغل بين الكواكب والنجوم فاجتازها حتى أصل إلى الذي خلق الكواكب والنجوم وأوجد المال والجمال، وأبدع العلوم والفنون، وبسط الأرض ورفع السماء حتى أصل إلى الله فهو خيري الأعظم وفيه محط رغائبي ومجتمع أشواقي. وبعد أن أطلعت على رغيبة نفسي رجعت إلى غرفتي مطمئناً ساكناً وقلت: اللهم اجعل هذا العام عام إقبال وفلاح، بمنك وكرمك يا أرحم الراحمين. بيروت الخوري مارون غصن

стр. 494

تمدن المرأة العصرية عودٌ على بدء كتبت في العدد الثامن من هذه المجلة الغراء عن المرأة العصرية وكيفية استعمالها التمدن الحديث، وما جلبته من الأضرار بسبب فهمها قشوره لا لبه. وقد أرسلت على ذلك حضرة الآنسة الأديبة ادما كيرلس رداً لطيفاً، ذكرت فيه أني رشقت بنات جنسي بأحد السهام إذ وصفت المرأة التي تقتل الوقت بالزينة، وأهملت ذكر التي تعمل لاكتساب الفضيلة والتحلي بها. وعليه أجيب: إن الذي حملني على وصف النساء المهملات لواجباتهن دون المتفانيات في سبيلها هو أن تلك التي تسعى في خدمة العائلة وتضحي الملاهي والمسرات لتحافظ على ترتيب داخليتها ومستقبل صغارها هي قليلة جداً بالنسبة إلى العدد الكبير من أخواتها الباقيات، يوجد منها تقريباً عشرة بالمئة. وهذا عدد زهيد لا يبنى عليه حكم، ولا يقوم بالشرط المطلوب لسد الثلمة الواسعة في صرح الترقي والعمران. وعليه فقد تكلمت بمقتضى الحالة العمومية التي هي المصدر الحقيقي لكل عامل إن تأخر وإن تقدم. غير أن أقوالي أصابت الحقيقة عينها، ولذا جاءت جارحة لبعض القلوب اللطيفة، ولكني لم أبح بهذه الأفكار، إلا لاعتقادي بوجودنا في عصر النور والمعارف، عصر الحرية، حيث لا يجوز حجب الأفكار عسى أن يستخرج من كل فكرة فائدة، فنصل بعد ذلك إلى الغاية المطلوبة من ازدياد المعارف وارتقاء المدارك.

стр. 495

وقد قالت حضرة الكاتبة عاذرة، بنوع ما، التي تتبع المودة ناسبة هذا لمهارة يديها بعد أن تكون حافظت على نظافة الملابس، فتمكنت من قلبها حسب الذوق الدارج، وقد أتت عبارتها هذه في محلها من الحق والعدل. على أنه يقال في هذا ما قيل في تلك، أعني إن المرأة البارعة التي تتزين بفضل مهاراتها وتفننها، ولا تتبع المودة إلا بعد أن تكون حافظت على إتمام واجباتها هي من العدد القليل، وليس لإصلاحها تأثير يذكر في بابا لخراب الواسع. وكم من زهرة ضاعت بين أشواك فخنقت، وكم من نجمة سترت تحت غيوم السماء فحجبت نورها عن الأبصار. فلم يظهر للناظر إلا الظلام الحالك وهكذا نحن لا يمكننا إلا أن نرمي في مقالنا إلى العدد الكبير أي إلى اللواتي يصرفن الغالي والرخيص في اتباع ما تختلقه ربات الأزياء، وهذا أمر أصبح أشهر من نار على علم. فكم من رجل يئن لبذخ امرأته. وعدم مراعاتها أحواله، وكم من أولاد أشرفوا على التهور في دركات الهلاك، ووالدتهم بشاغل عنهم في إعداد الزينة والتفنن بها. وكم من أب أحنت ظهره متاعب الأيام، وبيضت شعره أهوال الزمان، غير أنه يبكي الآن لما يشاهده من اعوجاج الأزياء، وترك البساطة القديمة وعدم اللياقة في الأثواب، فأصبح ينظر لابنته المتقلدة نظرة المهيب الموبخ وإذا لم تعبأ بنظرته يئس وقال: حبذا يوم أرى فيه مماتي جاهلتي هذه تبذل النفس والنفيس لتتمثل بالعاقلة، وتتحلى نظيرها بحلى العلم والفضيلة، التي لا تشوبها شائبة ولا تؤثر فيها الأهواء والأزياء: وإننا نرى مثل هذا الأب آباء يبذلون كل ما في وسعهم ليبثوا روح البساطة وسلامة الذوق في

стр. 496

قلوب النساء، وما تقرأ في الجرائد من الانتقاد علينا وعلى أزيائنا يؤيد صحة قولي. فعليه يكون أتباعنا للتقاليد المضرة على رضى تام منا أما لمطابقتها لأذواقنا ودرجة معارفنا، وإما لمراعاتنا أصوات الجهلاء. وعلى كل فإن لم يزد عدد المصلحات فينا على عدد المخربات، فلا أمل بالنجاح، وعبثاُ ننادي بالإصلاح دون الشرط المتقدم. أما ما كان من نزوعنا عن لغتنا العربية إلى اللغات الإفرنجية فليس من ذنب على الرجال في هذا الباب، كما زعمت حضرة الكاتبة الأديبة، بل هم يعذرون إذا اعتبروا من أتقنت اللغات الغربية دون سواها، لأن معرفة اللغات الأجنبية تدل على زيادة علم وارتقاء، فضلاً عن أنها لغة الاختراعات والمعارف، ومن لم يتقنها حتى ن الرجال لا يمكنه أن يكون عاملاً مفيداً في الهيئة الاجتماعية. على أن هذا لا يمنع أن نحفظ للغتنا المركز الأول خصوصاً وفيها ما لا يقل فائدة عن آداب بقية اللغات، وإذا قلنا بوجوب تعلمها لا نعني الاقتصار عليها فقط، كلا، بل المراد من ذلك جعلها اللغة الأصلية التي لا يجوز إهمالها مطلقاً، لأنه من الضروري أن يعرف ابن كل أمة آداب لغته، وما فطر عليه أجداده، وكيف كانت أحوال بلاده. فلنا نحن الشرقيين في هذا ما تفاخر به، ولو ثابرنا نحن أيضاً معشر النساء على درس اللغة العربية، وأتقناها كما يجب نظير بقية اللغات، إذ لم أقل أكثر، لحملنا الرجال على احترامها واعتبارها فيا بتكريمهم من أتقنت العربية أكثر من سواها ولكن من أين لنا هذا ونحن نرى أن أم العائلة

стр. 497

إذا أرادت مناغاة ولدها ناغته بلغة أجنبية، ومتى كبرت ابنتها وأسمعتها نصائحها سمعتها الابنة بلسان أجنبي. وعليه تشب هذه الصغيرة وعندها الميل الأكثر إلى ما تعودت سماعه فتظن أن اللغة الأجنبية تغنيها عن لغة قومها وهكذا تغفل وتكون على جهل تام من العربية وتاريخها، وقد رأينا كثيرات من اللواتي يتجاهلن لغتهن ظناً منهن أن في ذلك مفخرة لهن، أو بالأحرى تفرنجاً. فانظرن، يا صاحبات الرأي الصائب فينا، إلى هذه الأفكار التي سرت في عقول أكثر فتياتنا. أليس هذه دليلاً واضحاً على تأخرنا؟ وهل يرجى تعميم اللغة العربية وارتفاع شأنها عند الجنس اللطيف وفيه من يحتقرن ويجهلن لهذه الدرجة لغة أجدادهن؟ لعمري إن لم نسع لاستئصال هذه الأوهام من عقول هؤلاء الأخوات يخشى علينا من زيادة التهور. ولا يجب ن نلقى من هذا القبيل كل اتكالنا على الرجال إذ نحن صاحبات التأثير الأكثر مفعولاً في استمالة الرغائب والأميال لكل غاية نقصدها، فعسى أن ينصرف هذا المقصد إلى ما فيه هدايتنا ونهضتنا. وإني بكل شكر وسرور أبسط يدي من هذا الوادي لمصافحة اليد التي بسطتها لي أديبة بيروت، بل أضع يدي بيدها للسير في الدفاع عن بنات جنسنا كل واحدة على طريقتها. كما أنني أرجو من سائر أخواتنا أن يطرقن هذه المواضيع التي تدور على شؤوننا الخاصة لأن بها العامل الأكبر على ترقينا ونهوضنا عسانا نصادف في الزهور الطريق المؤدية إلى ما فيه خيرنا وفلاحنا. - مصر هدى إسكندر كيورك

стр. 498

في رياض الشعر كتب حضرة الألمعي مدير الجريدة مقالة جميلة عن تولستوي، فأرسل إليه سعادة أحمد شوقي بك قصيدة في ذلك الموضوع رأى أن يجمع فيها بين حكيم هذا العصر، الكونت تولستوي، وبين حكيم الدهر، فخر الضاد، أبي العلاء المعري وقد طرق الموضوع نفسه حضرة حافظ أفندي إبراهيم فرأينا أن نتحف القراء بدرر القصيدتين: حكيم العصر وحكيم الدهر (تولستوي) تجري آية العلم دمعها ... عليك ويبكي بائس وفقير

стр. 499

وشعب ضعيف الركن زال نصيره ... وما كل يوم للضعيف نصير ويندب فلاحون أنت منارهم ... وأنت سراج غيبوه منير يعانون في الأكواخ ظلماً وظلمة ... ولا يملكون البث وهو يسير تطوف كعيسى بالحنان والرضى ... عليهم وتغشى دورهم وتزور ويأسى عليك الدين إذ لك لبه ... وللخادميه الناقمين قشور أيكفر بالإنجيل من تلك كتبه ... أناجيل منها منذر وبشير وتبكيك إلف فوق (ليلى) ندامةً ... غداة مشى (بالعامري) سرير تناول ناعيك البلاد كأنه ... يراع له في راحتيك صرير وقيل تولى الشيخ في الأرض هائماً ... وقيل بدير الرهبات أسير وقيل قضى لم يغن عنه طبيبه ... وللطب من بطش القضاء عذير إذا أنت جاورت (المعري) في الثرى ... وجاور (رضوى) في التراب (ثبير) وأقبل جمع الخالدين عليكما ... وغالى بمقدار النظير نظير جماجم تحت الأرض عطرنها شذى ... جناهن مسك فوقها وعبير بهن تباهى بطن حواء واحتوى ... عليهن بطن الأرض فهو فخور فقل يا حكيم الدهر حدث عن البلى ... فأنت عليم بالأمور خبير أحطت من الموتى قديماً وحادثاً ... بما لم يحصل منكر ونكير طوانا الذي يطوي السموات في غد ... وينشر بعد الطي وهو قدير تقادم عهدانا على الموت واستوى ... طويل زمان في البلى وقصير كأن لم تضق بالأمس عني كنيسة ... ولم يؤوني دير هناك طهور أرى راحة بين الجنادل والحصى ... وكل فراش قد أراح وثير

стр. 500

نظرنا بنور الموت كل حقيقة ... وكنا كلانا في الحياة ضرير إليك اعترافي لا لقس وكاهن ... ونجواي بعد الله وهو غفور فزهدك لم ينكره في الأرض عارف ... ولا متعال في السماء كبير بيان يشم الوحي من نفحاته ... وعلم كعلم الأنبياء غزير سلكت سبيل المترفين ولذني ... بنون ومال والحياة غرور أداة شتائي الدف في ظل شاهق ... وعدة صيفي جنة وغدير ومتعت بالدنيا ثمانين حجة ... ونضر أيامي غنى وحبور وذكر كضوء الشمس في كل بلدة ... ولاحظ مثل الشمس حين تسير فما راعني إلا عذارى أجرنني ... ورب ضعيف تحتمي فيجير أردت جوار الله والعمر منقض ... وجاورته في العمر وهو نضير صباً ونعيم بين أهل وموطن ... ولذات دنيا كل ذاك نذور بهن وما يدرين ما الذنب خشية ... ومن عجب تخشى الخطيئة حور أو أنس في داج من الدير موحش ... ولله أنس في القلوب ونور وأشبه طهر في النساء بمريم ... فتاة على نهج المسيح تسير تسائلين هل غير الناس ما بهم ... وهل حدثت غير الأمور أمور وهل آثر الإحسان والرفق عالم ... دواعي الأذى والشر فيه كثير وهل سلكوا سبل المحبة بينهم ... كما يتصافى أسرة وعشير وهل آن من أهل الكتاب تسامح ... خليق بآداب الكتاب جدير وهل عالج الأحياء بؤساً وشقوة ... وقل فساد بينهم وشرور

стр. 501

قم أنظر وأنت المالئ الأرض حكمة ... أأجدى نظيم أم أفاد نثير أناس كما تدري ودنيا بحالها ... ودهر رخي تارة وعسير وأحوال خلق غابر متجدد ... تشابه فيها أول وأخير تمر تباعاً في الحياة كأنها ... ملاعب لا ترخى لهن ستور وحرص على الدنيا وميل مع الهوى ... وغش وإفك في الحياة وزور وقام مقام الفرد في كل أمة ... على الحكم جم يستبد غفير وأضحى قول الناس مولى وعبده ... إلى قولهم مستأجر وأجير وأضحى نفاذ المال لا أمر في الورى ... ولا نهي إلا ما يرى ويشير تساس حكومات به وممالك ... ويذعن أقيال له وصدور وعصر بنوه في السلاح وحرصه ... على السلم يجري ذكرها ويدير ومن عجب في ظلها وهو وارف ... يصادف شعباً آمناً فيغير ويأخذ من قوت الفقير وكسبه ... ويؤوي جيوشاً كالحصى ويمير ولما استقل البر والبحر مذهباً ... تعلق أسباب السماء يطير شوقي * * * رثاك أمير الشعر في الشرق وانبرى ... لمدحك من كتاب مصر كبير ولست أبالي حين أرثيك بعده ... إذا قيل عني قد رثاه صغير فقد كنت عوناً للضعيف وإنني ... ضعيف وما لي في الحياة نصير ولست أبالي حين أبكيك للورى ... حوتك جنان أو حواك سعير فإني أحب النابغين لعلمهم ... وأعشق روض الفكر وهو نضير

стр. 502

دعوت إلى عيسى فضجت كنائس ... وهز لها عرش وماد سرير وقال أناس إنه قول ملحد ... وقال أناس إنه لبشير ولولا حطام رد عنك كيادهم ... لضقت به ذرعاً وساء مصير ولكن حماك العلم والرأي والحجى ... ومال إذا جد النزال وفير إذا زرت رهن المحبسين بحفرة ... بها الزهد ثاوٍ والذكاء ستير وأبصرت أنس الزهد في وحشة البلى ... وشاهدت وجه الشيخ وهو منير وأيقنت أن الدين لله وحده ... وإن قبور الزاهدين قصور فقف ثم سلم واحتشم إن شيخنا ... مهيب على رغم الفناء وقور وسائله عما غاب عنك فإنه ... عليم بأسرار الحياة بصير يخبرك الأعمى وإن كنت مبصراً ... بما لم تخبر أحرف وسطور كأني بسمع الغيب أسمع كلماً ... يجيب به استاذنا ويحير يناديك أهلاً بالذي عاش عيشنا ... ومات ولم يدرج إليه غرور قضيت حياة ملؤها البر والتقى ... فأنت بأجر المتقين جدير وسموك فيهم فيلسوفاً وأمسكوا ... وما أنت إلا محسن ومجير وما أنت إلا زاهد صاح صيحةً ... يرن صداها ساعة ويطير سلوت عن الدنيا ولكنهم صبوا ... إليها بما تعطيهم وتمير حياة الورى حرب وأنت تديرها ... سلاماً وأسباب الكفاح كثير أبت سنة العمران إلا تناحراً ... وكدحاً ولو أن البقاء يسير تحاول رفع الشر والشر واقع ... وتطلب محض الخير وهو عسير

стр. 503

ولولا امتزاج الشر بالخير لم يقم ... دليل على أن الإله قدير ولم يبعث الله النبيين للهدى ... ولم يتطلع للسرير أمير ولم يعشق العلياء حر ولم يسد ... كريم ولم يرج الثراء فقير ولو كان فينا الخير محضاً لما دعا ... إلى الله داع أن تبلج نور ولا قيل هذا فيلسوف موفق ... ولا قيل هذا عالم وخبير فكم في طريق الشر خير ونعمة ... وكم في طريق الطيبات شرور ألم تر أني قمت قبلك داعياً ... إلى الزهد لا يأوي إلي ظهير أطاعوا أبيكيرا وسقراط قبله ... وخولفت فيما أرتئي وأشير ومت وما ماتت مطامع طامع ... عليها ولا ألقى القياد ضمير إذا هدمت للظلم دور تشيدت ... له فوق أكتاف الكواكب دور أفاض كلانا في النصيحة جاهداً ... ومات كلانا والقلوب صخور فكم قيل عن كهف المساكين باطل ... وكم قيل عن شيخ المعرة زور وما صد عن فعل الأذى قول مرسل ... ولا راع مفتون الحياة نذير حافظ وقد طرق هذا الموضوع أيضاً حضرة الأديبين أحمد أفندي نسيم وبعد الحليم أفندي المصري. وأطلعنا على قصيدتيهما بعد نشر ما تقدم فلم ينفسح المجال لنشرهما.

стр. 504

يا ليل الصب متى غده نشرنا المعارضة التي جاءتنا من شوقي بك لهذه القصيدة، ثم عارضها بعده على صفحات الزهور أيضاً أعلام شعرائنا كصبري باشا والأمير نسيب أرسلان ووليا لدين بك يكن. ولا يزال البريد يحمل إلينا من أنحاء مختلفة معارضات كثيرة يحول دون نشرها ضيق المجال. منها واحدة لحضرة الأديب محمود أفندي الناظر من أم دومه قال فيها: أهوى رشأ لولاه لما ... قد حارب جسمي مرقده. . قد ضاع الوصل فيا أملي ... بحياة الدل تؤيده فالوجه سباني أبيضه ... والشعر سباني أسوده وقال أيضاً حضرة الفاضل الشيخ محمود رمزي نظيم من قصيدة العيش تولى أرغده ... فعسى بالوصل تجدده إن تنكر حبي أو ولهي ... فلسان الدمع يؤيده. . مولاي ومثلك لا يجفو ... صباً يهواه ويعبده إن راح اليوم على أمل ... من وصلك أيأسه غده كم جمع من أمل بلقا ... ئك والهجران يبدده وجاءنا أيضاً شيء بهذا المعنى من حضرة كاظم أفندي الدجيلي من بغداد. وقد تراكمت علينا المواد الشعرية ومعظمها من فطاحل شعرائنا في أجمل الموضوعات سننشرها تباعاً في حينها. فترجو من أصحابها صبراً وعذراً. ومن الطرف التي سنتحف بها قراءنا في العدد القادم مراسلات شعرية دارت بين سعادة الأمير شكيب أرسلان اللبناني والمرحوم محمود سامي باشا البارودي أيام كان هذا منفياً في جزيرة سيلان ولم يسبق نشرها قبل الآن. وقد مكنتنا الصدف من تقديمها إلى قراء الزهور قبل سواهم.

стр. 505

إحياء الآداب العربية أرسلت إلينا الحكومة المصرية نص المذكرة التي رفعها إلى مجلس النظار عطوفة رئيسه محمد سعيد باشا والتقرير الذي وضعه سعادة ناظر المعارف أحمد حشمت باشا بشأن إحياء الآداب العربية، وذلك بمباشرة نشر الكتب النفيسة التي جمعها حضرة العالم أحمد زكي بك من مكتبات الأستانة وأوروبا. وقد طالعنا كل ذلك بمزيد من الارتياح. بعد أن كانت الزهور قد اقترحت في أعدادها الأولى البحث في الوسائل الواجب اتخاذها لإيجاد هذه النهضة. وقد قال لنا زكي بك أنه كان يرى بمزيد السرور اهتمام مجلتنا بهذا الموضوع بينما كان هو يعد معدات مشروعه الجليل. ولسنا في مقام تعريف قرائنا بزكي بك. . فإن أبحاثه النفيسة قد نشرت اسمه بين علماء الشرق والغرب، ولكنه لا يسعنا إلا أن نشكره ونشكر الحكومة المصرية على هذه الخدمة الجلى. ولا عجب فإن مصر كانت ولا تزال مبعث النهضة العربية وركنها الكبير. ونحن ننشر اليوم المذكرة التي وضعها عطوفة رئيس النظار بهذا الشأن. وسننشر في العدد القادم تقرير سعادة ناظر المعارف. كان ن دأب الحكومات التي تناوبت الحكم على وادي النيل منذ الزمان القديم طلب المباراة في ميادين السبق لرفع منار العلوم ونشر رايات العرفان سعياً وراء الفخر المخلد والمجد المؤبد. وكان من همها على الأخص توجيه عنايتها إلى إعلاء شأن اللغة العربية وآدابها بما كانت تبذله من الرغائب لانبعاث الهمم من رقدتها، وانعقاد العزائم على خدمتها، وتعضيد أهل العلم وذوي الفضل على دوام البحث والاستنباط. غير أن نوب الزمان وطوارئ الحدثان تناولت هذه العناية فيما تناولته، فأخمدت نارها وحجبت أنوارها، فانجلت العزائم وتلاشت الهمم، وكادت

стр. 506

محنة الدهر تقضي على ملكة الاختراع والابتكار بين أهل هذه الديار، وتفقدهم ميل النفس إلى التصنيف والتأليف. ثم تفرع على ذلك اندثار دور الكتب واندراس آثارها بيننا، بعد أن كانت قائمة على الدهر تشهد للأمة المصرية بعلو كعبها وجميل أثرها في هذا الباب. ومازالت يد الزمن تعبث وتدمر، حتى سخر الله لهذه البلاد محيي مواتها وباعث رفاتها ذلك الرجل العظيم محمد علي الكبير رأس هذه الأسرة المالكة. فزواج بين ترقية الأمة المصرية مادياً وأدبياً، ومزج بين إصلاحها معاشاً ومعاداً، حتى منحه التاريخ لقباً ينطبق عليه بكل حق وعدل وهو محيي مصر. ثم كانت سيرة خلفائه الفخام من بعده على نحو ما رسم وقدر، فكان من حسنات المغفور له إسماعيل باشا أن جمع من هنا وهناك ما أبقته عوادي الأيام من حطام تلك الدور النفيسة دور الكتب القيمة فتلقف شواردها وضم أشتاتها وأسس دار الكتب الخديوية القائمة الآن وأفاض عليها هو وابنه الخديوي توفيق على الأخص ما يضمن طول بقائها ودوام الانتفاع بها، فكانت غلة العقار المحبوس عليها كفيلة بتقدم هذا المعهد وارتقائه. ولكننا لا نزال نرى إلى اليوم أن دار الكتب هذه لم تتجاوز في مهمتها المطلوبة منها وهي نشر العلوم والمعارف حد الاستعداد والتأهب للعمل وقد آن الوقت الذي يحب أن تخطو فيه خطوتها الواسعة في هذا السبيل، وتبرز للملأ من جليل الأعمال ما فيه سرعة ارتقاء الآداب والعلوم. وأمامنا اليوم فرصة حاضرة، حانت لنا بالنظر في المفكرة التي وضعها حضرة أحمد بك زكي، الكاتب الثاني لأسرار مجلس النظار، وضمنها ما

стр. 507

عنّ له من وجود الإصلاح وضروب الوسائل التي من شأنها إحياء الآداب العربية بديار مصر. وقد ذيلهما بنبذ قصيرة عن عدة كتب ومصنفات بخط اليد، توصل إلى نقل صورها بطريقة التصوير الشمسي في القسطنطينية والبلاد الأجنبية. وقد مضى على واضع هذه المفكرة زهاء عشرين سنة وهو يوالي البحث والتنقيب عن أنواع الطرق الموصلة إلى تعميم المعارف واستنهاض الهمم لاجتياز باب العمل في فنون الإصلاح المطلوب لإحياء العلوم والآداب العربية. ولذلك قابل أصحاب الحل والعقد ما شرحه من سديد الآراء ومحكم الوسائل بعين الرضا والقبول. وعهدت الحكومة الخديوية إلى صاحب السعادة أحمد حشمت باشا ناظر المعارف العمومية أن ينظر في الأمر، ويقرر فيه ما يرشدها إلى الطريق القويم في هذا الباب. ولست أرى وسيلة لشرح ما رآه سعادته في هذه الموضوع أفضل من الفات مجلس النظار إلى نص التقرير الجليل الذي يشير فيه إلى وجوب العمل على حسب الخطة التي رسمها صاحب المفكرة مع بيان الوسائل الفعالة لإبراز هذا المشروع إلى حيز الوجود. ولقد بادرت بإبلاغ هذا التقرير إلى نظارة المالية مشفوعاً برأيي في الموافقة عليه من جميع الوجوه مع تأييد كل ما أشار به سعادته من الاقتراحات النافعة لتجديد الآداب العربية. ولما درس سعادة سابا باشا ناظر المالية هذا المشروع كتب إلي كتاباً تاريخه ١٨ أكتوبر سنة ١٩١٠ قال فيه: إن نظارة المالية تشاهد بمزيد الرضا ونهاية الامتنان تلك المجهودات التي مازال يبذلها أحمد بك زكي

стр. 508

وإنها توافق بتمام الارتياح على الغاية التي يسعى وراءها في تجديد الآداب العربية وختم سعادته كتابه بأن نظارة المالية مستعدة لأن تخصص لهذا الغرض مبلغ الألف جنيه المربوط في الميزانية لتشجيع الأعمال الأدبية. فهذه الأريحية الكريمة تدعونا إلى البحث في الأسباب التي يكون من شأنها استمرار هذه الحركة المباركة بما يضمن ظهور آثارها بدون انقطاع. وبما أنه من الضروري النظر في تدبير الوسائل التي تكفل لهذا العمل ما يقتضيه من البقاء والاستمرار. وبما أن المصنفات التي نقلها أحمد زكي بالفوتوغرافية هي ذات قيمة عظيمة من الوجهة العلمية والتاريخية والأدبية. وبما أن معظم هذه المصنفات التي أشار إليها هي من وضع المؤلفين المصريين ولا نكاد نرى لها أثر في البلاد التي تولد فيها وظهرت بها. فلهذه الأسباب أقترح على مجلس النظار تكليف نظارة المعارف العمومية بما يأتي: أولاً - المبادرة بدون تأخير في تدبير الوسائل التي تضمن إحياء الآداب العربية حسب البيانات التي أوضحها سعاد احمد حشمت باشا في تقريره المؤرخ في ١١ رمضان سنة ١٣٢٨ (١٥ سبتمبر سنة ١٩١٠). ثانياً - تخصيص المبلغ الاحتياطي المتكوّن بدار الكتب الخديوية لهذا الغرض. ثالثاً - الابتداء في إحياء الآداب العربية بطبع ونشر الموسوعتين الكبريين المعروفتين باسم نهاية الأرب في فنون الأدب لشهاب الدين

стр. 509

النويري ومسالك الأبصار في ممالك الأمصار لابن فضل الله العمري. رابعاً - الاستمرار على موالاة هذه النهضة التجديدية بطبع ونشر بقية الكتب التي أشار إليها حضرة أحمد زكي ك حسب الكشف المرفق بهذه المذكرة ثم سائر المخطوطات العربية الأخرى الكثيرة الندرة العظيمة الفائدة. هذا وإنني أرى من جهة أخرى أن ضمان النجاح لهذه الحركة الخصيبة يوجب على مجلس النظار أن يسهل على نظارة المعارف العمومية القيام بمهمتها بالفلاح الذي نبتغيه لهذا الإصلاح فلذلك يحسن بحكومة الجناب الخديوي المعظم أن تكلف نظارة المالية بأمرين اثنين أيضاً وهما: أولاً - جعل مبلغ الألف جنيه تحت تصرف نظارة المعارف المعمومية بصفة عامة إعانة خصوصية لطبع الموسوعتين المذكورتين قبل. ثانياً - إصدار الأوامر اللازمة إلى مطبعة بولاق الأهلية للإسراع في إنجاز أعمال الطبع بكل ما في الإمكان. وأملي وطيد في أن المجلس يتكرم بالموافقة على ما أبديته من الاقتراحات ليجري العمل بانتظام وفق المرغوب، فإن إنجاز هذا المشروع على أجمل حال مما يجمل بحسنات هذا العصر، ويكون غرة في جبين الدهر، تشهد بارتقاء العلوم والآداب بيمن مولانا الخديوي ناشر رايات العدل ورافع أعلام العلم والفضل. محمد سعيد رئيس مجلس النظار وقد وافق مجلس النظار المنعقد برئاسة الحضرة الفخيمة الخديوية على ما جاء في هذه المذكرة وفي تقرير ناظر المعارف الذي سيجده القراء في العدد القادم.

стр. 510

في جنان الغرب نأخذ ما يلي من كتاب السعادة والسلام الذي وضعه اللورد افبري وعربه حضرة الأديب وديع أفندي البستاني وسيجزئ الكلام عنه بعد. ١ الشاعر والسماء ما فرغ الآلهة من شأن الخليقة حتى أعلنوا للبشر أن سيقتسموا الأرض فيما بينهم، وضربوا لهم موعداً لذلك. وما آن الموعد المضروب، حتى وضع أهل الزراعة أيديهم على الحقول الممرعة، وأخذ التجار يمهدون القفار ويسلكون البحار، واحتل الرهبان منحدرات الجبال الصالحة لغرس الكروم، وخصص الأشراف وأبناء الترف الأحراج والغابات لأجل الاصطياد والتنزه، واستولت الملوك على الجسور والمضايق والخلجان لأجل وضع المكوس والضرائب عليها: أما الشاعر فما نجا من حيث كان غريق التأملات العميقة، حتى هب يسعى، ووصل فوجد كلاً قد فاز بنصيبه فراح يبكي بخته ويطالب بحقه. ولكن ما الحيلة ولم يبق في يد الآلهة شيء يعطى. فقالوا له: هيا تعال اسكن معنا في صفاء السماء الأبدي. تعال إلينا كلما شئت فالباب أبداً مفتوح لك. فقنع الشاعر بما أصابه. إلا أنه غني عن تكلف مشقة الصعود إلى طبقات الجو وطياق السماء فهو إذا شاء خلا باله وسكن بلباله، ففكره يستنزل السماء إلى الأرض.

стр. 511

٢ وصف الحية وكم من حيوان نظل لا نعرف له شأناً حتى يقوم كاتب كرسكن يصفه لنا. . . وهاك وصفه للحية: ذلك الجدول الفضي الأملس - أفكرت في جريه وسعيه؟ الحية لا تمشي بل تسعى وتجري. وكأنها الزورق في البحر، إلا أن التراب ماؤها وقشرها مجذافها ورأسها دفتها. بل هي النهر تنساب في السهل انسياباً. تتموج ولا ريح تتلاعب بأمواجها. تجري ولا شلال يقطع مجراها. كل جسمها يتحرك معاً - إلا أن بعضه ذات اليمين وبعضه ذات اليسار وقسم منه إلى الأمام والآخر إلى الوراء، تمر بك ولا تسمعك صوتاً، وتفوتك وتترك لك أثراً فحواه: إن آثارنا تدل علينا ... فانظروا بعدنا إلى الآثار. فاجئها بصرخة وإذا بالجدول المنساب قد استحال سهماً مسدداً وموجة السم استقامت رمحاً مقوماً يخترق الأعشاب وينفذ منها ولا طعنة الفارس من صدر العدو. لها رئة ولا تكاد تتنشق الهواء أو تتنفس الصعداء. سواء عندها الشمس والظل فهي باردة حارة، جامدة إلا أنها تتسلق ولا القرد، وتسبح ولا السمكة، وتثب ولا الغزال، وتصارع وأين منها ابن حواء وتسحق وأين منها النمر. هي قوة شيطانية مجسمة على الأرض. وكما أن العصفور هو قوة الهواء مكسية ريشاً فكذلك الحية إنها قوة التراب لابسة مسوحاً وجلداً. وكما أن العصفور هو رمز للروح والحياة، فالحية رمز لقضي الموت على الحياة وقبضته على الروح. افبري

стр. 512

الكلمات الأجنبية والعامية في اللغة العربية لما ألف نادي دار العلوم لجنة علمية من أعضائه لمباشرة وضع كلمات عربية للكلمات الأجنبية والعامية، قابلنا عمله هذا بكلمات الثناء والإطراء، وكنا أسبق المجلات والصحف إلى نشر الكلمات التي أقرها مع إبداء ما عنّ لنا من الملاحظات عليها. وتناقلت بحثنا هذا صحف كثيرة في سوريا وأمريكا، وجاءتنا ملاحظات كثيرة من مراسلينا في بيروت وبغداد نشرنا معظمها في حينه، مما دل على ارتياح العرب قاطبة إلى هذا المشروع الجليل. وكان يليق بلجنة النادي أن تعير تلك الملاحظات جانباً من الالتفات، تعميماً للفائدة، لأنه يجب أن يشترك في مثل هذا المبحث أدباء الأقطار العربية كافة، فقد يكون بلد مصطلحاً على كلمة مجهولة في غيره كما ظهر ذلك مما سبق لنا نشره. والذي يسوءنا تواني اللجنة في متابعة عملها. فقد مر عليها أشهر من الزمان، دون أن تتحفنا بشيء جديد في هذا الموضوع، سوى مفردات قليلة قررتها في شهر سبتمبر. ولم نكد نجد لها تعليلاً لما اختارته من الكلمات كما كانت تفعل من قبل. فأسفنا وأيم الحق لظهور آثار هذا الخمول الذي ألفناه بعد التحمس في كل ما نشرعه من المشروعات. لأننا كنا نعلق آمالاً كبيرة على أعضاء دار العلوم من حيث كفاءتهم واجتماعهم عدداً كبيراً للسعي وراء غاية واحدة، بخلاف سائر اللغويين الذين ليس

стр. 513

بينهم من رابطة. ومع ذلك يبقى لنا الأمل بتجدد الهمم وانبعاث العزائم بعد انقضاء فصل الصيف حتى تعود اللجنة إلى سابق عملها الذي يطالبنا الكثيرون به. * * * وإليك الكلمات الأخيرة التي أقرتها اللجنة: (أتومبيل) - استعمل الكتاب في هذا المعنى كلمة (سيارة) وتعارفها الناس فوافقت اللجنة على استعمالها. (اكسبرس) - ترى اللجنة استعمال (قطار سريع) ثم يستغنى عن الموصوف ويكتفى بالصفة فيقال (السريع) كالمعتاد. . . ومن رأي رشيد أفندي عطية صاحب كتاب العامي والدخيل الذي أشرنا إليه في الجزء الخامس من الزهور (ص ٢١٨) استعمال كلمة (عاجلة) والتاء للمبالغة كالتاء في راوية. (بودره) - اختارت اللجنة لفظة (غُمنة) والغمنة في القاموس الاسفيداج، والغمرة تطلي به المرأة وجهها. (بزرميط) - اختارت اللجنة (هجين) لمن أبوه خير من أمه و (مقرف) لمن أمه خير من أبيه و (مخلَّط) إذا لم تلاحظ الخيرية في إحدى الجهتين. (بنطلون) - وفصيحها (سروالة) معرب شلوار بالفارسية - وفي سورية يقولون (شروال) وبنطلون لفظة إيطالية الأصل وهي منسوبة إلى القديس بنطلوني الإيطالي أول من استعمل هذا اللباس.

стр. 514

(ترتوار) - قالت اللجنة (طوار) وطوار الدار (بكسر الطاء وفتحها) ما كان ممتداً معها وهذا ممتد مع الشارع. - على أن لفظة (﴿صيف) قد استعملها المولدون وتعارفها الناس. (تملي) - وفصيحها (دائمي). (روماتزم) - استحسنت اللجنة كلمة (رثية) وهي في القاموس وجع المفاصل واليدين والرجلين. (زنبلك أو زنبرك) - جاء في القاموس: يقال لكل ما لم يتحرك ولم يدر دوارة وفوارة بفتح الدال والفاء. فإذا تحرك ودار فهو دوارة وفوارة بالضم. والزنبلك متحرك، فرأت اللجنة أن كلمة (دوارة) أقرب الكلمات العربية إلى هذا المعنى. (صالون) - استعمل الكتاب كلمة (بهو) وهي تؤدي المطلوب. (قشلاق) - ويقولون في سورية (قشله) وفصيحها الثكنة وهي في القاموس مركز الأجناد ومجتمعهم على لواء صاحبهم وإن لم يكن هناك لواء ولا علم. جمعه ثُكَن. أما تمرجي (وفصيحها ممرض) ودونانمة (وفصيحها أسطول) ويمكخانة (وفصيحها مطعم) فهي مستعملة فقط في بعض الأنحاء وما يقابلها في اللغة الفصحى أشهر منها وأعم استعمالاً.

стр. 515

ثمرات المطابع السعادة والسلام - تكلمنا عن كتاب معنى الحياة في الجزء الرابع ص ١٧٣. وقلنا كلمتنا في مبادئ فلاسفة المؤلف ومتى عرفت أن لورد أفبري هو أيضاً واضع السعادة والسلام وأن معربه هو أيضاً وديع أفندي البستاني الذي ملك عنان اللغتين الإنكليزية والعربية، حتى بات يؤدي كل معاني اللغة الأولى في أجمل عبارة من اللغة الثانية، عرفت قدر الكتاب الذي نحن بصدده الآن. تطالع المئتين والخمسين صفحة التي يتألف منها الكتاب دون أن يستولي عليك شيء من الملل الذي يصاحب عادة مطالعة الكتب الفلسفية. وذلك لأن مؤلفه لم يطرق الفلسفة الناشفة والاستنتاجات المعلة، بل عمد إلى النفس البشرية وما حولها من مظاهر الطبيعة، فقابل بين مؤثرات هذه وانفعالات تلك، بأسلوب قريب لذيذ يرتاح إليه الفؤاد ويتغذى منه الجنان. ولما كانت السعادة والسلام أمنية الجميع فيجدر بالجميع أن يقبلوا على هذا المؤلف النفيس. أما التعريف فهو على جانب عظيم من البلاغة والطلاوة. وقد عمد المعرب إلى ما في الكتاب من المقاطع الشعرية فسكبها في قالب شعري جميل، فنجح في النظم نجاحه في الشعر. والكتاب مهدى إلى الناشئين المصرية والسورية ويجب على الناشئة العربية عموماً أن تستفيد منه، لأنها في طور حاجتها

стр. 516

فيه شديدة إلى مثل هذه المبادئ النافعة، وإذا نحن أثنينا الثناء الجم على فرع الدوحة البستانية الذي قدم لأخوانه هذه الهدية الثمينة، فنحن نثني باسم الكثيرين الذين ذاقوا بعد مطالعة كتابه سعادةً وسلاماً. * * * الجاذبية وتعليلها - هو عنوان رسالة وضعها شاعر مدينة السلام وأديبها الكبير جميل أفندي صدقي الزهاوي، ضمنها ملاحظات كثيرة على الجاذبية وأنواعها ونواميسها، مصرحاً بأنه اعتمد في ما كتب على ما علمه بنفسه عن المادة وقواها، طالباً من القارئ أن لا يحتقر الرأي لصاحبه إذا هو لم يحترم صاحب الرأي لرأيه والزهاوي من الذين يحترمون لآرائهم، كما أن آراءهم تحترم أيضاً لصاحبها. * * * مراثي وديوان المرحوم إلياس صالح اللاذقي - من الأدباء الذين اشتهرت كتاباتهم في أواسط القرن الغابر، وكان لهم نصيب وافر في نهضة الآداب العربية، الشاعر البليغ المرحوم إلياس صالح. الذي ولد في اللاذقية سنة ١٨٣٩ ونبغ في صناعة الكتابة واللغات. وقد تقلب في مناصب الحكومة وعرف بالنزاهة والإخلاص. وزار مصر ونظم فيها قصائد جميلة في مدح خديويها أو آنذاك المغفور له إسماعيل باشا وبعض وزرائها ووجهائها. وكان يخشى على آثاره الكتابية من أن تلعب بها يد الضياع

стр. 517

لولا همة ولده النجيب البارع رفيق أفندي صالح الأجزاجي في المصلحة الطبية السودانية. فإنه باشر جمعها ونشرها بالطبع. وأول ما أتحفنا به ديوان المرحوم والده وما قاله الشعراء والكتاب في رثائه فجاء هذا الأثر الجميل خير مرآة لما كانت عليه الحركة الفكرية في الشرق في ذلك العصر. * * * الرحلة الحجازية - كان حج الجناب العالي الخديوي في مثل هذه الأيام من العام الماضي موضوعاً تبارت فيه قرائح الشعراء، فدونا بعض ذلك في العدد الأول من الزهور، وبتنا ننتظر صدور كتاب جغرافي تاريخي يتضمن تفاصيل تلك الرحلة ووصف الربوع الحجازية إلى أن جاءنا كتاب الرحلة الحجازية لواضعه عزتلو المفضال الأديب محمد بك لبيب البتنوني الذي رافق الجناب الخديوي في هذه الرحلة. وقد ضمنه تاريخ تلك البلاد وآثارها وقبائلها وعاداتها وإحصائياتها، وحلى كل ذلك بما يناهز الأربعين رسماً وخريطة عن الحرمين ومصر والشام وأطراف بلاد العرب حتى يعرف تلك الأنحاء فإنها غير معروفة للآن كما يجب لذوي البصيرة والعرفان، مع أنه يقصدها سنوياً أكثر من مئتي ألف نفس من المسلمين وعليه فقد استحق المؤلف ثناء المسلمين لما دفعه من الترهات التي ألحقتها بالمشاعر الدينية مبالغة الوهم أو مغالبة الغرض وثناء العلماء عموماً لمما قرره في رحلته من الحقائق الجغرافية والتاريخية، والملاحظات الدقيقة الفلسفية. ولا نشك في أن الإقبال على هذا المؤلف

стр. 518

سيكون عظيماً سيما وقد جاء في أيام باتت النفوس فيها متعطشة إلى كل ما يتعلق ببلاد العرب. * * * تقويم البشير - هو التقويم الذي تصدره جريدة البشير منذ ٣٤ عاماً. وضعه حضرة مديرها الفاضل الأب لويس معلوف فجمع فيه أهم الفوائد عن الحسابات المختلفة للسنين والأشهر والأيام، والأعياد عند عموم الطوائف، مع ذكر المناصب الروحية والمدنية وأسماء أربابها، والتقسيم الإداري في الدولة العثمانية إلى غير ذلك من الفوائد التي تتضمنها عادة أتقن التقاويم الإفرنجية. وهناك أيضاً شيء من المقالات المفيدة منها مقالة طبية للدكتور أمين الجميل، وسماد الأرض للأب طوران. وأهم تواريخ العلوم، وفوائد بيتية، والمشروبات الكحولية لصاحب هذه المجلة. إلخ. . . كل ذلك مرتب على أحسن ذوق. مفكرة المعارف - وهي المفكرة التي أصبحت في جيب كل أصحاب الأشغال لأنهم لا يستغنون عنها. تصدرها سنوياً مطبعة المعارف الشهيرة في عالم الطباعة. وهي تتضمن الحسابات الغربية والهجرية والقبطية مع مفكرة إجمالية لكل شهر. وفيها جداول للعملة والمقاييس والموازين المصرية مع مقابلتها بقيمتها في سورية وأمريكا وفرنسا وإنكلترا. وقد جلدت تجليداً لطيفاً مذهباً وثمنها أربعة غروش صاغ. وأصدرت المطبعة المذكورة أيضاً نتيجة أو روزنامة جميلة الشكل ملصوقة على لوحة كبيرة تعلق بالحائط

стр. 519

وعليها رسم أوروبا مع شارة كل دولة من الدول بألوان زاهية. وهي على نوعين: نوع بعشرة غروش ونوع بستة وهي والمفكرة تطلبان من مكتبة المعارف بأول شارع الفجالة لصاحبها نجيب أفندي متري. أزهار وأشواك أماني وتمنيات العيد قابلته صباح العيد، وكان قد مر علي أربع سنوات دون أن أراه. وقعت عيني عليه فلم أكد أعرفه. رأيت بدل ذاك القوام الرشيق والقد النحيل والوجه الأصفر جسماً ممتلئاً صحة وعافية ومحيا يكاد الدم ينفر منه. صافحته طويلاً وقلت: وما الذي اعتراك يا صاح؟ فأجاب وعلى ثغره ابتسامة السرور: هي الأزمة يا أخي لم تبق ولم تذر - والعشرون ألف جنيه ريع أطيانك وأموالك؟ - ذهبت غير مأسوف عليها. . . قال هذا وقد تحولت ابتسامته إلى قهقهة عالية. فبقيت حائراً فيما أرى وأسمع وتمتمت: أتمنى لك في رأس السنة الصحة والسلامة ورجوع الثروة. . . فقاطعني قائلاً: حسبي القسم الأول من هذه التمنيات. فإننا دائماً في حاجة إلى الصحة، أما الثروة فأنا بغنى عنها، وقد رضيت بالسعادة بديلاً. . . اسمع لي، يذهب ما بك من العجب. كنت غنياً كما تعرف ولم أك سعيداً وأنا الآن قد جمعت بين الفقر والهناء. كنت وامرأتي نسكن قصراً شاهقاً يملأه الخدم والحشم، وتخطر المركبات في باحته، فكنت أقضي ليلي

стр. 520

ونهاري في الملاهي بين خلاني، وامرأتي من جهتها تفعل ذلك مع صديقاتها فلا أراها ولا تراني. أما الآن فنحن نسكن منزلاً صغيراً، ونذوق فيه أفراح المعيشة العائلية، ونملأه بالحب والسلام. فزوجتي لي بكليتها وأنا لها بكليتي، ولاكنا لأولادنا وهم لنا، فلا ندع أحداً يستولي على ذرة من فؤادنا. كان المرض ضيفنا المعتاد أما الآن فلا نعرف ضيفاً إلى الصحة بفضل ترتيب حياتنا كان خوفنا من الفقر شديداً، والآن لا نخاف شيئاً لأن الفقر نزل بنا فوجدناه خير نزيل. كنت في مثل هذا العيد أقضي نهاري راكضاً من بيت إلى بيت لمعادية من نسميهم أصدقاء، وأقضي شطراً من ليلي في كتابة بطاقات الزيارات والرد عليها، والشطر الآخر في المقامرة، أما الآن فأنا أحيي عيدي ليله ونهاره بين أولادي وزوجتي. فيا ما أسعد حالتي. فبالله عليك ادع لي وعلي بما تشاء ولكن لا تتمن لي رجوع الثروة والجاه، لئلا أرجع إلى ما كنت عليه من الشقاء والعناء. وأنا لا يسعني إلا أن أدعو لك بان تصير إلى ما صرت إليه. . . قال وودعني عند منعطف الشارع وهو يردد: يا صفا الأزمان. . . الحصان والمودة أنصح للكاتب الذي تخمد نار قريحته، وتنضب مياه مادته. أن يطرق الموضوعات النسائية وما يتعلق بربات الحجال من الأزياء والتفنن في مظاهر الجمال، فيفتح عليه، وتتوارد الأفكار إلى دماغه، بدليل أن شعراء العرب الأقدمين كانوا يستهلون كل القصائد من مدح ورثاء وفخر ووصف بالغزل لأن الغزل كما يقولون يشحذ القريحة. على أني لم

стр. 521

أكتب لأتغزل بل لأنتقد ولكني استفدت من القاعدة المطردة. انتقدت الأزياء فقام الشعراء في العدد الماضي يؤيدون انتقادي، وها أن الحيوانات نفسها تعطيني حجة جديدة هذه المرة ادمغ بها بنات حواء. وكم لنا من عظة على ألسنة الحيوانات. فلتسمع سيدتي الرواية الآتية وإذا شكت في صحتها أعود فأعين لها الزمان والمكان والأشخاص: سيدة من كرائم السيدات كانت في مركبة جميلة يجرها جوادان من الخيول الكريمة. وكان على رأس السيدة قبعة من تلك القبعات الطويلة العريضة خضراء اللون وقد زانتها كل أنواع الزهور والرياحين. وكان على جانب الطريق حمار ينظر إلى المارين والمارات نظرة الفيلسوف - وكم في نظر الحمير من البلاغة! - فلما وقع نظره على المركبة ومن فيها نهق نهيق الفرح، وضرب الأرض بقوائمه الأربع وأخذ يعدوا بسرعة حتى وصل إلى العربة وانتشل القبعة عن رأس صاحبتنا بما فيها من الدبابيس والشعر المستعار ظناً منه أن هناك. . . ربطة برسيم!. . . مغزاه: ادع ذلك لربات المودة. . . . حاصد بين هنا وهناك حل مصر ضيفاً كريماً في الشهر الماضي حضرة الشاعر العصري شبلي بك ملاط مؤسس جريدة (الوطن) البيروتية رباشكاتب القلم العربي في متصرفية جبل لبنان. وحضرته من الكتاب المعروفين والشعراء الذين يشار إليهم بالبنان في بر الشام. وقد اجتمعنا به مراراً عديدة في حلقة من الأدباء وسمعنا شيئاً كثيراً من شعره الرقيق سنتحف به القراء من حين إلى حين. ولما كان شعراؤنا في هذه

стр. 522

المدة ينشرون على صفحات الجرائد أبياناً للغناء أحببنا أن ننشر للملاط شيئاً من ذلك وهي أبيات عارض بها الجندي القائل: ألحاظه قد أرسلا ... والقد هز الأسلا يا معشر العشاق لا ... تلقوا بأيديكم إلى. . . مهفهف حلو اللمى ... وليس يروي لي ظما يمر بي مبتسماً ... وكلما مر حلا إلخ وقال شبلي ملاط: بليلٍ حظي اكتحلا ... ظبي بقلبي نزلا ما كاد يحيي الملا ... حتى أمات الأملا نشوان من غير حبب ... ريان من ماء الأرب مهفهف من الذهب ... لا من تراب جبلا حكمته فاحتكما ... بالقلب حتى ظلما يا مالك الروح لما ... أشمت بي من عذلا فمر بي يبتسم ... وقال لسنا نرحم ما الحسن إلا صنم ... وكم قتيل قتلا فرحت والقلب اضطرم ... أرثي لعباد الصنم وكان عهد وانصرم ... وكان قلب وسلا

стр. 523

من كل حديقة زهرة * أدى التلغراف اللاسلكي خدمات لا تحصى فعم استعماله. وفي العالم الآن ١٢٨ محطة لهذا النوع من التلغراف على الشواطئ، و٥٧٩ محطة عائمة في عرض البحار، و٣٦٥ محطة من البوارج الحربية، و٢١٤ على السفن التجارية. وقد حتمت الحكومات الآن على البواخر الكبرى التي تسافر في الأوقيانوس أن تكون مصحوبة بآلة للمخابرة بالتلغراف من دون سلك. * في ألمانيا ٥ آلاف مجلة وجريدة منها ٨٠٠ يومية، وفي إنكلترا ٣ آلاف منها ٩٠٩ يومية، وفي فرنسا مثل هذا العدد تقريباً وفي بلجيكا ألف و٩٠٠ منها مئة يومية، وفي إيطاليا ألف و٤٠٠، وفي كل من النمسا وإسبانيا وروسيا واليونان وسويسرا بين ٤٠٠ و٥٠٠ ومجموع صحف أوروبا ٢٠ ألفاً تقريباً. أما في آسيا فيصدر فقط ٣ آلاف مجلة وجريدة معظمها في اليابان والهند. لأن اليابان وحدها تصدر ١٠٠. وفي أمريكا عدد كبير من الصحف منها ١٢ ألفاً و٥٠٠ في الولايات المتحدة وحدها وأكثر من ألف من هذه الصحف يومية ومنها ١٢٠ يحررها ويديرها ويطبعها الزنوج وفي أفريقيا ٢٠٠ صحيفة تنشر خصوصاً في مصر والمستعمرات الأوروبية. * يؤخذ من الإحصاء الأخير أن معدل ما يدخنه كل واحد من سكان فرنسا من التبغ في السنة ألف و٢٤ غراماً.

стр. 524

العدد ١١ - بتاريخ: ١ - ٢ - ١٩١١ المتاجرة بالرقيق الأبيض عقد المؤتمر الدولي الرابع لمقاومة انتشار البغاء والمتاجرة بالرقيق البيض، في عاصمة إسبانيا في أول الشهر المنصرم. فاشترك فيه عدد كبير من كل المذاهب والطوائف والجنسيات، من مؤمنين وملحدين، وكلهم متضامن في وجوب محاربة هذه الآفة الاجتماعية التي لا تعد ضحاياها ولا تحصى: وقد أحببنا إطلاع القراء على بعض ما جرى وحدث في جلسات المؤتمر لما في ذلك من العظة والعبرة ولشدة حاجتنا نحن أيضاً إلى ملافاة ما ينجم عن انتشار البغاء من البلايا والرزايا، فإن محليات صحفنا مشحونة بالتفاصيل المحزنة عن متاجرة بعض ساقطي الأخلاق بالفتيات المسكينات، مما تتألم له الإنسانية وتستر منه الهيأة الاجتماعية وجهها خجلاً وحياءً. انقسم أعضاء المؤتمر في الطرق المؤدية إلى ملافاة هذا الداء إلى قسمين، وإن كانوا متفقين في الجوهر: فرأى الفريق الأول أنه ليس بالإمكان استئصال شأفة هذا الداء فيجب حصره في المحلات المعروفة

стр. 525

تحت مراقبة الحكومة الشديدة، وتقييده ضمن نطاق قانون خاص، لئلا يزيد تفشيه. ويرى الفريق الثاني أن في سن قانون للبغاء تسليماً به وشبه مساعدة له ولذلك لا بد من إقفال هذه المحلات ومصادرتها. وقد تناقش الأعضاء في ذينك المبدأين وكان السواد الأعظم مؤيداً للثاني منهما وكانت الحكومة الإسبانية في جانب هذا الفريق، إذ أصدر ناظر داخليتها قراراً بإغلاق المحلات المسموح بها. أما القائلون بوجوب وضع النظام الخاص فإنهم يسلمون بأن مقاومة تلك المحلات قد قلل عددها، ولكن قد حل محلها الخمارات والحانات التي تخدم فيها النساء، وخصوصاً في الثغور والمدن التي يكثر فيها رجال الجيش. وأول ما طرح على المؤتمر تحديد معنى المتاجرة بالرقيق الأبيض فأجمع الأعضاء على استبدال هذا الاسم باسم المتاجرة بالنساء لئلا ينحصر الأمر بالبيضاء دون سواها من النساء. ثم بحث المجتمعون في القوانين المتعلقة بالرقيق وأنواع العقوبات التي يعاقب بها من يتاجر بهذه التجارة الدنيئة، فأجمعوا على وجوب طلب العقوبة على طريقة واحدة سواء كانت المتجر بها أو بالغة سن الرشد أو لا، خلافاً لما هو متبع في أكثر البلاد. وقد رأوا أيضاً أن المهاجرة من أكبر المصادر التي تتلقى منها محلات الفجور فرائسها. ولذلك يجب سد هذا الباب باتفاق الحكومات على منع الفتيات اللواتي لم يبلغن سن الرشد عن المهاجرة، وإنشاء لجنة تفتيشية لهذا الغرض ولإعادة النسوة اللائي أغراهن مغرٍ على الفحشاء إلى أوطانهن، وقد اقترحت جمعية صديقات الفتاة الاهتمام بمكاتب التخديم وإدارات

стр. 526

الملاعب والثغور والمحطات لمراقبة الفتيات. هذا مجمل ما جرى في هذا المؤتمر من الأبحاث التي دارت كلها حول وجوب حماية المرأة، وخصوصاً الفتاة القاصرة، من الأخطار التي تتهددها، والمرغبات التي تحدق بها حتى تقودها إلى مواخير الفساد، فلا تجد بعد ذلك يداً شفيقة تكسر قيود الفحشاء إلي تغل يديها، وتبقيها راسفة في أدنى دركات الانحطاط الإنساني، فتتاجر - أو يتاجر الغير - بجسمها وقلبها، وهي دامية الفؤاد، دامعة العين. . . * * * وقد رأينا الحكومة المصرية تبذل بعض المساعي في هذا الشأن على أن التدابير التي اتخذت حتى الآن لا تعد كافية لمحاربة هذه الآفة الاجتماعية التي تفتك بفتيات ساذجات لا سلاح لهن يتقين به سهام الأهواء الفاسدة والعواطف الملتوية. وإننا نرى بمزيد الأسف أن أكثر محلات التخديم عندنا قد أصبحت واسطة لمعاونة الرذيلة على الفضيلة، بل محلات سمسرة للمضاربة في بورصة الأعراض، تعرض فيها البنات في سوق الأهواء لينتقي المخدوم له خادمة تخدم بيته وأمياله الفاسدة، فتقتضي عنده القليل من الزمن، ثم تخرج من منزله الذي أضاعت فيه عرضها لتدخل المحل الذي تضيع فيه بقية الحياة والشرف الباقية. وهذه هي حكاية أكثر تاجرات الهوى، حكاية قليلة الفصول، هائلة المغزى. أما بشأن مراقبة المحطات والثغور، فإنك تجد في البلاد الراقية جمعيات من أفاضل الرجال وفضليات النساء توفد بعض أعضائها إلى المحطة

стр. 527

أو إلى الميناء، عند وصول كل قطار أو باخرة، لمراقبة القادمين، حتى إذا ما وجدوا بينهم فتاة قاصرة غريبة وحدها، بحثوا عن سبب هجرتها من بلادها، فأعادوها إلى أهلها، أو تولوا أمرها بإيجاد عمل لها تكتسب منه رزقها دون بذل ماء وجهها. فما أجدرنا بتأليف مثل هذه الجمعيات العاملة، وبلادنا الشرقية، كما لا يخفى، محط لرحال الأجانب من كل أقطار المعمور، يقذف إليها تيار المهاجرة في كل أسبوع أناساً مختلفي الأخلاق والطبقات، بل الأحرى أن تؤلف كل جالية من الجوالي - وخصوصاً في مصر - مثل هذه الجمعية، أو تجعل في جمعياتها الخيرية لجنة تهتم بهذه الشؤون وتتولى مراقبة البنات القاصرات اللواتي لا يجدن لهن في بلاد الغربة معيناً ولا مرشداً. وما قلناه عن محلات التخديم والمحطات والمواني، يقال أيضاً عن المسارح والحانات وعن بائعات الزهر والموسيقيات والمغنيات الصغيرات في الشوارع حيث نشاهد منهن جيشاً جراراً يطوف القهوات، والواحدة منهن، على صغر سنها، تسعى في تقليد الكبيرات بحركاتها وغمزاتها ومداعبة الجالسين وتتعود منذ نعومة أظفارها سماع بذيء الكلام والمغازلة السمجة. فإلى كل هذه الأمور نلفت أنظار الحكومة وجمعيات الطوائف المختلفة. فإن صيانة كيان الأمة وأخلاقها وقوتها لفي صيانة آدابها. وكما إننا اتخذنا التحوطات الشديدة ضد الهواء الأصفر، فلنتخذ تحوطات أشد وأعم ضد هواء المفاسد، فإن هذا الوباء أهول فتكاً وأسوأ عاقبة من ذاك.

стр. 528

الشيخ صالح التميمي ١ ً - تمهيد - شعراء العراق في عهد داود باشا كثيرون. ومع كثرتهم لا يعرفهم إلا القليل. وهذا القليل أيضاً هم من أهل بغداد لا غير. فكأنك قلت أو تقول: لا يعرهم أحد. وعليه فالتنويه بأسماء أولئك الأدباء الأفاضل ضربة لازبٍ على كل من عرف شيئاً من أمر فضلهم أو أدبهم أو علمهم. ولما كنت قد جمعت من الكتب ما يندر وجودها عند الغير لكونها أعز من الغراب الأعصم، أو أعز من الأبلق العقوق. جئت بهذه الترجمة لأنادي بفضل هذا النابغة الذي لا تروى له ترجمة في الكتب التي تروي ترجمة من هو دونه قدراً ومرتبة. ٢ ً - ولادته وصوبته - ولد صالح التميمي في قصبة الكاظمية سنة ١١٨٠ هجري (= ١٧٦٦م) وما كاد يراهق إلا وتوفي والده. فلما أصبح التميمي يتيماً ورأى نفسه من الميل إلى الشعر وقرضه ما لا يقوى على دفعه، رحل إلى النجف ليتلقى أصول الأدب واللغة على الشيوخ الأجلاء

стр. 529

أعلام العلم الموجودين في تلك البلدة. وكان في أثناء تحصيله العلم ينظم أغاني تزري بحسن الغواني، ويتناقلها أهل الصقع من لسان إلى لسان حتى طبقت شهرته ديار العراق كلها جمعاء. ولقد وقعنا على تلك الأغاني من الأنواع المشهورة يومئذ في هذه البلاد حتى لا يكاد يصدق أن ناظم بردتها وموشي حبرتها ذاك اليافع النابغ. فقد قال بعد رحلته من الكاظمية إلى النجف ذاكراً أحد أقرانه وقرنائه: يا غائباً غاب السرور لأجله ... ما لذي لي عيش وأنت بعيد إني رأيتك في المنام معانقي ... وأظن أني في المنام سعيد لما انتبهت وجدت روحي وحدها ... الدار قفر والمزار بعيد وقال من الموال وهو في النجف: عصر الصبا فات ما له من رجوع أو عود ... هيهات أسلى بنغمات الأوتار أو عود من لامني لو همت وأضحيت شبه العود ... وأبات بهموم ما تحصى همومي بعد ألماً تناله بالصبوة ما تناله بعد ... يبين شبيك وتبقى بالجهالة عود

стр. 530

وقال من باب العتابة: تخطرت جنها بكرة بلوني ... هذولاً بمحبتهم بلوني ويوم أوافيهم بين بلوني ... صار ما نفع بي الدوا وقال من باب الزهيري: من يوم ساروا فلا جرح القلوب يطيب ... حيث زروع الهنا بفراقهم ما حلا هيهات من بعدم يوم أشوفه إبطيب ... يا محسن للصبر وين الشقي الما حلى من عقب عطر الخدود إيسرني أي طيب ... والله إن الشهد من بعدهم ما حلا هل كيف مر الصبر لي بالفراق إيطيب
следующие страницы →