Полный текст (2 201 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.
стр. 981
هلال سعد نرجي منه بدر سناً ... يلوح في أفق باليمن مقرون
غالبت فن القريض المستطاب وقد ... غلبته بانتصار منك ميمون
منه لك الأمن والنصر المبين ولا ... بدع فأنت أمين ناصر الدين
ولم تزل الرقعة المكتوبة فيها هذه الأبيات محفوظة عندي وهي بخط الناظم ﵀.
وبعد أن تعلمت القراءة والخط درست مبادئ النحو والصرف والبيان والبديع والعروض على بعض الأساتذة ثم عكفت على المطالعة، واستظهرت من أقوال البلغاء، وخصوصاً الشعراء منهم ما يصح أن أقول إنه كثير.
وفي سنة ١٨٩٩ ميلادية أعدت نشر جريدة الصفاء وذلك أول عهدي بالصحافة فحررت فيها نحو أربعة أعوام مع تدريس اللغة العربية في مدرسة عبيه الداودية. ثم أسس والدي مدرسة المعارف في عام ١٩٠٥ فتسلمت إدارتها مع تدريس العربية فيها ولم أكن أنفك عن المطالعة.
وفي سنة ١٩٠٨ أعدت نشر جريدة الصفاء ولا أزال أكتب فيها إلى الآن.
* * *
هذه كلمة الشاعر عن نفسه. أما كلمتنا عنه فقد أغنانا عن قولها ما نشرناه لحضرته من القصائد الرائقة في ما مر، ونحن على يقين أن قراء الزهور قد قدروها قدرها، وأنزلوها المنزلة التي تستحقها بين جيد الشعر وأطايبه. وإن في النفثة التي نحن ناشروها له اليوم ما يصح أن يكون دليلاً ساطعاً على فضله وأدبه:
стр. 982
صدى اليأس
آثر الدهر أن أعيش كئيباً ... بين قومي وفي بلادي غريبا
تنتحي قلبي الهموم دراكاً ... وإلي الخطوب تزجي الخطوبا
حسب الدهر أنني من جماد ... فرماني بالنائبات ضروبا
غير أن الازدراء ما أفقدتني ... جلداً راسخاً وعوداً صليبا
* * *
ضاع رأيي في من رأى حين أمست ... ألسن الناس لا تطيع القلوبا
تارةً أحسب الحبيب بغيضاً ... وزماناً أرى البغيض حبيبا
كم رأيت ابتسامة فوق ثغرٍ ... ثم عادت من بعد ذاك قطوبا
ولكم بت راضياً عن أناس ... حين أصبحت غادروني غضوبا
ولكم قد وثقت بالبعض لكن ... قد أبى الخبر أن أكون مصيبا
ينتحيني الأنام من غير داع ... ومتى أدع لا ألاق مجيبا
يحسبون الجميل أسوأ صنعٍ ... والسجايا المكملات عيوبا
* * *
ود غيري دوام عصر شبابٍ ... بينما جئت استحث المشيبا
حبذا الشيب في دجى الشعر صبحاً ... منبئاً أن للحياة غروبا
لا تظنن أن في العيش طيباً ... ضل من ظن في الخبائث طيبا
وكفى بالشقاء طلق لسان ... عن خطوب الحياة قام خطيبا
* * *
أرقب النجم في الدياجي وما من=وله بت للنجوم رقيبا
غير أني أرى لهن خفوقاً ... كفؤاد يحيي الظلام طروبا
ويزيد النسيم قلبي حراً ... مثل نار بالريح زادت لهيبا
стр. 983
وإذا ما رأيت إشراق شمسٍ ... قلت يا ليته يعود مغيبا
إن ستر الظلام يحجب عني ... كل شيء أريده محجوبا
* * *
يا هزار الأراك إنك أوفى ... في الملذات من سواك نصيبا
أنت تشدو على الغصون سروراً ... وأنا أجعل القريض نحيبا
أنت تبغي البقاء في ظل دوحٍ ... وأنا أبتغي الفناء القريبا
لك في الطير أوفياء وأني ... لم أجد في الأنام إلا مريبا
يا هزار الأراك لو كنت مثلي ... لاستحال الصداح منك نعيبا
ليس من طبعي الكآبة لكن ... آثر الدهر أن أعيش كئيبا
أمين ناصر الدين
حقائق
سألتك يا رب بالأنبياء ... وبالمصطفين وبالأتقياء
وبالمنزلات وبالمعجزات ... وبالأرض والبحر ثم السماء
تمن علي بصبر جميل ... إذا المرء ضاق عليه الفضاء
فكم قد صبرت على ما ألاقي ... فلم يجدني الصبر غير العناء
تمنيت لو لم تلدني الولود ... جزاها المهيمن خير الجزاء
تمنيت لو ثكلتني رضيعاً ... فلم أتغذ بهذا الهواء
أرى نفساً كان خيراً لها ال ... قتل تعلو علواً رفيع البناء
وأخرى لها شيم المرسلين ... تضام وقد نال منها العياء
أرى جاهلاً يتخطى الرقاب ... أرى عالماً نال منه الشقاء
أرى الصدق في النزع والصادقين ... تولى عذابهمو الأدعياء
стр. 984
أرى الناس بعضاً لبعض عدواً ... نسوا أنهم خلقوا للفناء
تراه تظن الصديق الحميم ... وإن رحت فهو شديد العداء
وتلقاه يقسم بابن البتول ... ونسل الذبيح وحق الولاء
بأن عرى الود حبل متين ... غدائره من خيوط الإخاء
أدر شطر وجهك عنه قليلاً ... يقطع حبال الأخا والرجاء
تباركت يا رب هذي الذئاب ... أضر على الناس من وطأة الداء
عقارب تلدغ من يلتقيها ... أفاع تعض فكيف الشفاء
إذا كان يرضيك هذا فزدنا ... وإلا فعجل بمنح الدواء
فإني وحقك أقسم صدقاً ... بأن الفساد سرى في الدماء
وإنا نرى اللؤم رأي العيان ... ونلمس بالكف جسم الرياء
عطبره (السودان)
محمد فاضل
الشرق والغرب
أيه يا برق العدى كن خلباً ... أوشك المشرق يحكي المغربا
غلبته في قواه خدعة ... فاحذروا كيد قوي غلبا
يتسامى للعلا لا راهباً ... فإذا صادف موتاً ركبا
حولوا أن تحجب الشمس به ... ليتهم ما حاولوا أن تحجبا
كلما مدوا إليها طنبا ... قربوا للنار ذاك الطنبا
رب شعب أيقظته رقة ... فرأى الراحة كانت تعبا
در در الجهل والنوم معاً ... أعقبا بعدهما ما أعقبا
رب طير أسقطته ذروة ... فسما عنها فكانت سببا
يا نفوساً في ربى النيل رأت ... عزها في عز هاتيك الربى
стр. 985
رائحات كل يوم برضى ... غاديات كل يوم بنبا
كلما طار صدى ما بينها ... أهب الناس إليه موكبا
يا أوليها ذلل الله لكم ... من أساليب المنى ما صعبا
كلأ الله رجالاً كلأوا ... أرضهم حتى قضوا ما وجبا
سطروا ما أضمروا في صفحة ... أعجبوا فيها فكانت أعجبا
حاول الجبار أن يقرأها ... فرأى في كل حرف عقربا
فبكى كالطفل عيناً وفماً ... وطواها فضحكنا عجبا
ويك يا غرب اتق الشرق فلم ... تحتمل غيظ حليم غضبا
قوة كالنار لو جاوزها ... نفس المطفئ زادت لهبا
أو كأمواه ترامت من عل ... كلما صودرن زادت صببا
لا وأيم الله ما كانت وهت ... رب ذي بأس تواهى رغبا
كم قلوب يتمارضن هوى ... لتى من قد سلا ممن صبا
ضيعة كانت فولت فانثنت ... كم ضياع رد لما سلبا
في يمين الشرق تجري زبدا ... ويمين الغرب تجري ذهبا
فاتحات الخير باسم الله ما ... شاء لا يسأل عما وهبا
أخلق الناس بنعمى ربه ... مخلص لله فيما طلبا
* * *
يا رجالاً لفتوا الدهر لهم ... فمتى أملوا عليه كتبا
رب قول في دم المرء جرى ... وحسام في يد المرء نبا
لا سقى الغيث ثرى مصر إذا ... هو لم ينبت رجالاً نجبا
أنفساً طابوا وقروا أعينا ... وعلا زادوا وطالوا حسبا
عبد الحليم المصري
стр. 986
أين فؤاده
أهذا الذي جنب الحشا اسمه القلب ... أم القلب حيث الصب مهجته تصبو؟
وذاك الذي سماه أهل الهوى جوى ... أهذا الذي لا تستقر به جنب؟
وتلك السيوف الناقمات على الحشا ... أم المقبلة النجلاء أرهفها الهدب؟
إذا سئل الإنسان أين فؤاده ... فأي جواب للذي ما له قلب؟
رشيد نخلة
الفل
زانت الرأس بفل ... هو بالرأس تحلى
ما رأت قبلك عيني ... وردة تحمل فلا
خليل مطران
أصابح العاج
ليس أبيانو الذي باتت تكهربه ... يداك أطوع من قلبي وأفكاري
لمسته فتمشى السحر بي فكما ... تهتز أوتاره تهتز أوتاري
أصابع العاج هذي تلعبين بها ... أم تلعبين بأسماعٍ وأبصار
الدكتور نقولا فياض
دمعتان متشابهتان
رأيت كتابها فقرأت فيه ... شكايات ألذ من الثناء
فقلت فؤادها يحكي فؤادي ... لذاك بكاؤها يحي بكائي
ولي الدين يكن
стр. 987
حلب الشهباء
موقعها - قدمها - أصل اسمها
ما نحن من يصف قدرها الخطير ومحلها الأثير أو يطنب في بسيطها المشهور وما تجده النفس فيه من الانبساط والسرور ولا من يتغزل بظلها الضافي ومائها الصافي وسعدها الوافي وانوارها المشرقة وأزهارها المونقة وأشجارها المثمرة المورقة. ولا من يقف على أطلالها فيندب كبار رجالها ويبكي منازلها وديارها وينعي سكانها وعمارها. ولا بالنتيجة من يجدها من (الشام) الواسطة من العقد والقلب من الصدر والإنسان من العين. إلى ما أشبه هذه من ألفاظ مبتذلة وفواصل باردة وقفت عندها البدائه فلاكتها الألسن وتداولتها الأقلام دهراً طويلاً فما زادت هذه المدينة تعريفاً ولا أجدت في حقيقة حالها شيئاً مذكوراً.
وإنما نضرب عن ذلك كله لقلة فائدته إلى أن حلب مدينة عهيدة دالت بها الأحوال والدول بين العزة والذل والقوة والضعف والرفعة والانحطاط شأن سائر بدلا الله العديدة فكان لها في غالب الأحيان من الأسباب والوسائل ما تدرجت معه في مراقي العمران والحضارة وأصابت
стр. 988
من زمن بعيد من الخطورة والأهمية ما جعلها من أمهات البلاد السورية على ما هو مقرر بالإجماع.
وجل ما نذكره في هذه النبذة موقعها وقدمها وشعوبها ومشاهيرها ومرافقها وما يتصل بها من أحوالها مستندين فيها إلى أوثق المصادر وأثبت الآثار فعسى أن تصادف قبولاً عند القراء الكرام.
إن حلب واقعة في جوف بعيد الأكناف والأطراف في جهة سورية الشمالية وتبعد عن البحر المتوسط ٧٠ ميلاً أو ١٥٠ كيلومتراً وهي في درجة ٢٥ َ ١١ ٣٦ ْ من العرض و ٩ َ ٣٧ ْ من الطول الشرقي على ما قاله فانديك في مرآته الوضية.
تتوسد جوفها المطمئن إلى رياض وبساتين نضرة وسهول واسعة خصيبة يكتنفها ربى وتلال مجدبة قاحلة كما هو الغالب في جبال سورية ويجري إلى جانبها نهر قويق الذي دعاه كزينوفون (خالسن) ويعزى الآن إلى قويق آغا الذي أصلحه وكان يلقبه أهل الخلاعة (بأبي الحسن).
ولا تبدو حلب للمسافر إلا عن كثب فيراها متراصة مركومة بعضها فوق بعض. وأول ما يشاهده منها قلعتها المشهورة ومناور جوامعها ومآذن مساجدها وقباب كنائسها العظيمة
ومنازلها الكبيرة وبين شبهة أبنيتها وخضرة بساتينها وحمرة رباها مشاهد رائعة ومناظر فاتنة تدهش الأبصار وتأخذ بمجامع القلوب.
وكانت المدينة محاطة بالأسوار فلا يؤذن في البناء خارجاً عنها حتى ضاقت على أهلها في أواخر القرن الثالث عشر فشرعوا يشيدون من
стр. 989
حولها حارات بانقوسا والأكراد والهزازة والجديدة والمشارقة والكلاسة وما أشبه. وفي أواخر العصر الماضي اخذوا يبنون أيضاً أحياء الجميلية والعزيزية والتلل والسليمانية والنيال والحميدية وما يتصل بها حتى كاد البنيان الحديث يعادل القديم.
وأما حاراتها القديمة فحسنة على الجملة وأسواقها مرصوفة وأزقتها ضيقة وبيوتها مبنية من الحجر الأبيض وتشابه دور دمشق وأما أحياؤها الحديثة فبالغة حد الإتقان وأبنيتها متقنة الهندسة وشوارعها مرصوفة الجوانب على طرز المدن المستحدثة وأطول طرقها وأوسعها طريق الخندق الذي مده رئيف باشا من دار الحكومة إلى محلة الجميلية.
وشرب أهلها من آبار نابعة ومن صهاريج تجتمع فيها مياه الأمطار ومن قناتها التي تجري إليها من جيلان على مسافة ثلاث ساعات شمالاً وتتفرع في القني إلى الدور والمساجد والخانات والحمامات والقساطل ويقال إن هيلانة أم قسطنطين الكبير هي التي جرتها إلى الكنيسة العظمى فعرفت بها ولا ريب في أن ماء حلب عذب فرات.
وشتاؤها معتدل تشتد نوافحه في شهري كانون الأول والثاني وتكثر فيهما الأمطار والثلوج وأما صيفها فليست وغرته بمفرطة ولو تصاعد فيها إلى ال ٤٠ درجة من المقياس المئوي وذلك لنشف هوائها وهبوب الريح الغربية عليها في حمارة قيظها فتلطف أوارها وترطب هواءها في معظم ساعات النهار. ولهذا ترى حلب طيبة السكنى معتدلة الجو تصح به الأجسام.
стр. 990
ولكن لابد لأهلها دائماً وللغرباء نادراً من ظهور بثرة أو خراجة تسمى حبة حلب أو حبة السنة لا تبرأ قبل سنة من ظهورها وليس لها علاج خصوصي يعول عليه في معالجتها. وقيل إن سببها من الماء وقيل بل إنه من المناخ أو الهوام لأنها لا تظهر إلا في المحال المكشوفة من البدن كالوجه واليدين والرجلين وهي توجد أيضاً في عين تاب وعلى شطوط الفرات إلى بغداد.
وهي المدينة السورية الوحيدة التي حافظت على مزاياها الشرقية البحتة من حيث البناء والعيش وعادات السكان وجودة الطباع إلى أشباهها مما فقد من غالب البلاد السورية فلا عجب إن راقت هذه المدينة في أعين السياح لأنها تذكرهم في القرن العشرين بمزايا المدن الكبرى التي عمرها العرب.
قال كتبة العرب: إن اسم حلب عربي لاشك فيه وهو لقب لتل القلة. فكان إبراهيم (عم) إذا أشمل من الأرض المقدسة ينتهي إلى هذا التل. . . فكان يأمر الرعاة بحلب ما معهم طرفي النهار. . . يتصدق به على الضعفاء والمساكين فينادي الضعفاء: (إبراهيم حلب إبراهيم حلب) فيبادرون إليه. وغلبت هذه اللفظة لطول الزمان على التل كما غلب غيرها من الأسماء على ما هو مسمى به فصار علماً بالغلبة.
وأول من تنبه لهذا الوهم ياقوت الحموي فقال: وهذا فيه نظر
стр. 991
لأن إبراهيم (عم) وأهل الشام في أيامه لم يكونوا عرباً. إنما العربية في ولد ابنه إسماعيل (عم) وقحطان. . . فإن كان لهذه اللفظة أعني حلب أصل في العبرانية أو السريانية جاز ذلك لأن كثيراً من كلامهم يشبه كلام العرب لا يفارقه إلا بعجمة يسيرة كقولهم: (كهنم في جهنم).
والصواب أنها (حلبون) بتر العرب علامة الأعراب من ىخرها فصارت (حلب) كما فعلوا بإنجيل من أونجيليون وبطريق من بطريقيوس وبطرك من بطريركا أو فطريركيس وما أشبه. قال السيد يوسف داود إنها سريانية معنى (الخصوبة أو الصفوة) وأثبت الأب انستاس الكرملي أنها سامية الأصل بمقتضى الاشتقاق اللغوي ومعناها (المدينة الخصبة الأرض المكتنزة التراب الدسمته العلكته) وصار الأديب يوسف إليان سركيس إلى أن أصل اسمها آرامي ومعناه (اللبن أو البياض) وعندي أنه لا ينجلي أصل اسمها ومعناه إلا بعد الكشف عن كتابات الحيثيين وآثارهم.
وحلب قديمة العهد رقاها مؤرخو العرب إلى زمن ارتحال إبراهيم من أرد وحران إلى أرض كنعان على ما يظهر من الرواية السابق ذكرها وذهب كثير من المؤرخين إلى انها حلبون التي ذكرها حزقيال وكالبون الذي ذكرها استرابون وبتولماي. وقال بعض أهل التحقيق والسياحة بل هذه حلبون إحدى قرى دمشق المشهورة بخمرها وزعم
стр. 992
ابن العربي أن بانيها بتحوس ملك آشور ووهم قوم أن بانيها نمرود أول ملوك بابل وكل هذا يقتضي له
من إعمال النظر وما لا يسعه صدر هذه المقالة.
وما لا شبهة فيه إن حلب كانت مدينة عامرة في المئة الرابعة عشرة قبل الميلاد كما يظهر من كتابة مصرية ترتقي إلى عهد رعمسيس الثاني من الدولة التاسعة عشرة وصف فيها عامل مصري رحلته إلى شمالي سورية وذكر في أثنائها (خلبو) أي حلب مرات. وقد نظر هذه الرحلة شباس العالم معلقاً عليها بعض الشروح.
ولا يمتري أحد الآن فيما يرجحه الأكثرون من أن بناة حلب هم الحثيون الشماليون وقد كانوا شعباً قوياً نشيطاً نزلوا على سورية الشمالية فعمروها وتغلغلوا في أطرافها في هد فتوحات ملوك مصر الفراعنة التي توالت على سورية من القرن السابع عشر إلى الرابع عشر قبل المسيح وما تركه هؤلاء الحثيون من الكتابات والآثار والرسوم في نواحي حلب وحمص وحماه أسطع دليل على ذلك الترجيح.
ولما غشى رعمسيس الثاني سورية بجحافله الجرارة لقتال موتنار ملك الحثيين بسبب نقضه شروط المحالفة التي عقدها مع سلفه ساتي الأول كان ملك خلبو (حلب) إلى جانب موتنار وتحت قيادته ثمانية عشر ألف جندي فجرت واقعة هائلة على أسوار قادس دارت فيها الدوائر على الحثيين فتفرقت صفوفهم طرائق وهرب موتنار وغرق ملك حلب في جملة من غرقوا في نهر العاصي وفي صورة هذه الواقعة المنقوشة على هيكل الأقصر
стр. 993
يرى ملك حلب مستخرجاً من النهر ومعلقاً برجليه يتدفق من فيه ما كان يظن أنه ابتلعه من الماء.
القس جرجس منش
المعلوم والمجهول
صدر منذ عامين الجزء الأول من هذا الكتاب لمؤلفه الكاتب والشاعر الشهير ولي الدين بك يكن، فكان له رواج كبير بين القراء. ثم فرغ حضرته الآن من وضع الجزء الثاني من هذا المؤلف وهو صادر بعد بضعة أيام من مطبعة المعارف. وتيسر لنا أن نطالعه فنقدم لقراء الزهور شيئاً منه قبل سواهم فاقتطفنا منه وداع المؤلف للأستانة وذكر سفره منها يوم نفي إلى سيواس:
يممت فروق مدعواً ونزحت عنها مجفواً. فلا الدعوة أبطرتني ولا الجفوة كفرتني. ومازلت من لدن وطئت مهادها وعللت أنهارها وشممت طيبها ورعيت كواكبها صادق الود. مخلصاً في السر والجهر. وما فروق إلا وطن ميلادي استهلت فيها حياتي ونما في أرضها عودي. بذلت لها روحي ولا أمن بها ومنحتها آمالي ولا أدل بها. وكانت شقوة فغلبت على أمري، ونزعت عنها نزوع الصب عن موطن صبابته. . .
على ظهر قصر سابح. في لجج البسفور. بي شطي أوروبا وآسيا. من الوطن المحبب إلى غاية مجهولة. فراق أهل وولد. من غير توديع ولا تسليم. كل ذلك تحت ليل كأنه ظل الشقاء وسماء كخاطر الواله. في حيث تتراءى تفاريق نور على البيوت كبسمات أرواح المظلومين من وراء حجب الوجود. لقد كنت شاعراً في ظلمك يا عبد الحميد. . .
стр. 994
وإذا نحن نسير بين منظرين ما تفتحت الأعين على أحسن منهما. شطي آسيا وأوروبا. يتناغيان بالمصابيح. عاشقان عليهما الأقدار بالتلاقي. مرننا بهما أم مرّا بنا. لا أعلم. صحائف أجاد الحسن فيها منمقة. نشرت فانطوت. زلت عنها الأبصار وضاقت عنها الفهوم. فرائيها متخيل وعارفها متوهم. ما شك ناظر إلى السماء وإليها أن تلك كواكب سقطت عليها. عهدي بها في حاليتها. بينا هي عرين إذا بها كناس. يخالط فيها كل زئير ليث عندليب. تتجاور بها مسارح آرام ومصارع كرام. تسقى من ماء معين ومن دم مهراق. تطالعها وجوه ضاحكة وأخرى مجهشة. تقسمتها مواسم الصبا فهي تارة مشتى وآونة مصيف وحيناً مربع. جنة يحرسها حارس جهنم. فتنتني يوم لقائها وتوشك أن تفضحني يوم فراقها. فروق يا ظلوم. خذي روحي فما هبطت علي إلا فيك واسترجعي من أنحاء الفضاء متفرقات أنفاسي. أنت أولى بحسراتي منه. استبقي لي خاطراً أحييك به وشعراً أنوح به عند فراقك يا نعيمي الماضي وشقائي الحاضر. ألا يضطرب ماء هذا
الخليج مجاراة لجوانحي. وددت لو أن ارتطم عبابه وترامت أمواجه وأغرقتنا قبل أن نجتاز ربوعك. كان بك مهدي. وأريد أن يكون بك لحدي. هنيئاً يومئذ لحوتك ونونك ما أبقت الأيام من لحم على وضم. ولتتصرف رياحك بأخريات أنفاسي ولترن في أرجائك نوحاتي. الوداع الوداع يا فروق. وسلام الله عليك وعلى بنيك كلهم. هذا طريد جديد. مظلوم يلحق بمظلومين. يخرجونني منك ليلاً لأراك في ثوب حدادك.
стр. 995
أمن أجلي كل هذا. كلا. بل حدادك على أختك الغزالة. أنا أضيع فيك من دمعة على خد مهجور. أنا أهون على الدهر من ذرة من ذراتك ضلت بين ثنيات الأثير. . .
ولي الدين يكن
أزهار وأشواك
إقرار ومتاب
هذا هو عنوان القصيدة التي أشرت إليها في العدد الماضي أثناء ما رويته عن الحفلة الجميلة التي أقيمت في منزل صديقي سليم سركيس إكراماً لصديقته السيدة نجلا صباغ. فزت بها لأتحف قرائي بعذوبة نظمها وأطربهم ببديع معانيها، وقد شاء خليل مطران منضد دررها أن يخصني بها وهي خير ما أقدمه لقراء الزهور في هذا الشهر. قال خليل متذكراً وما أجمل تذكاراته:
هل تذكرين ونحن طفلان ... عهداً بزحلة ذكره غنم
إذ يلتقي في الكرم ظلان ... يتضاحكان وتأنس الكرم؟
هل تذكرين بلاءنا الحسنا ... حين اقتطاف أطايب العنب
نعطي ابتساماتٍ بها ثمنا ... وبنا كنشوتها من الطرب؟
عنب زحلة يساوي كثيراً على أن الشاعر لم يدفع به ثمناً بخساً
هل تذكرين غداة نخطر عن ... ملكين حفّا بالمسرات
بين السماوات النواضر من ... عليا ودنيا والثريات؟
стр. 996
والنهر. . . هل هو لا يزال كما ... كنا لذاك العهد نألفه
يسقي الغياض زلاله الشيما ... ويزيد بهجتها تعطفه
ينصب مصطخباً على الصخر ... ويسير معتدلاً ومنعرجا
يطغي حيال السد أو يجري ... متضايقاً آناً ومنفرجا
متخللاً خضر البساتين ... متهللاً لتحية الشجر
متضاحكاص ضحك المجانين ... لملاعب النسمات والزهر
واهاً لذاك النهر خلّف لي ... عطشاً مذيباً بعد مصدره
يا طالما أوردته أملي ... وسقيت وهمي من تصوره
بورك في هذا النهر الذي ينفخ هذه الروح في وارد مياهه العذبة ولا عجب فهو البردوني الشهير
تمتد أيام الفراق وبي ... ظمائي لذاك المنهل الشافي
وبمسمعي لهديره اللجب=وبناظري لجماله الصافي
تلك المعاهد بدلت خطلا ... بمعاهد مدنية الزين
كانت غواني فاغتدت بحلى ... القت عليها شبهة الزمن
الدهر أغلب وهو غيرها ... وكذاك كانت شيمة الدهر
لو أدرك الجنات صيرها ... من حسن فطرتها إلى نكر
ما أنس لا أنس العقيق وقد ... جزناه بعد السيل نفترج
كان الربيع وكان يوم أحد ... ومسيرنا متمعج زلج
ونبيهة الكبرى ترافقنا ... مجهودة ضجت من التعب
ولها صويحبة توافقنا ... حسناء كل الحسن في أدب
стр. 997
ضحاكة كالنور في الزهر ... رقاصة كالغصن في الوادي
كرارة كنسيمة السحر ... ثرثارة كالطائرة الشادي
لا أعرف شدواً أحسن من شدو خليل حينما تضرب الذكرى على أوتار قلبه
صنعت بقلبي صنعها فإذا ... هو ينكر القربى ويجحدها
ترك الهوى الأهلي واتخذا ... تلك الغريبة عنه يعبدها
وكذاك قلب الطفل يلتفت ... إن يلف حباً غير ما ألفا
كالطائر البيتي ينفلت ... تبعاً لسانحة بها شغفا
حسن تملكني فأدبني ... ما شاء في قولي وفي فعلي
وبمثل لمح الطرف أكسبني ... خلقاً وعلمني على جهلي
أكرم بالجمال إذا كان يكسب مثل هذا الأدب
أوحى إلي دَداً أجربه ... في آية فطنة وَدَدِ
فجمعت صلصالاً أركبه ... وصنعت تمثالاً لها بيدي
قلم خليل في الوصف يفوق قلم أبرع المصورين فلا بدع إذا جاء هذا التمثال الرامز إلى الحب آية في الجمال.
صورت شبه الفرخ في وكر ... من غير سبق لي بتصوير
فأتى على ما شاءه فكري ... ورضيت عن خلقي وتقديري
ما كان ذاك الفرخ معجزة ... فتانة الإتقان والحسن
كلا ولم أجعله معجزة ... لكفاءة الحذاق في الفن
فلرب عين فيه لم تكن ... في الحق غير مظنة العين
ومظلة للزغب لم تبن ... حتى ولا ريش الجناحين
стр. 998
ولعل ذاك العش لم تفر ... فيه شروط الوضع والنقش
لكن على حلم من النظر ... تستام فيه معالم العش
رسم على تلك العيوب بدا ... لحبيبتي من أعجب العجب
فتناولته برقةٍ وغدا ... بين الصواحب أنفس اللعب
أمحيري الأحلام بالهرم ... وبناة بابل فتنة الحقب
ومهندسي اليونان من قدم ... والفرس والرومان والعرب
ومشيدي بغداد والجسر ... وممصري الأمصار للبدو
ومزخرفي الحمراء والقصر ... حيث انتهى بهم مدى الغزو
أي رافئيل المبدع الصورا ... أي ميكلنج الناقش الباني
أي كل فانٍ تاركٍ أثراً ... من طابع التخليد في فان
لا تستعز بكم روائعكم ... ممدوحة في الشرق والغرب
أترون كم صغرت صنائعكم ... في جنب ما صنعت يدا حبي
بدليل أن حبيبتي فرحت ... بهديتي وقضت لها عجباً
ومضت تداعبها وما اقترحت ... شيئاً يتم لها بها إربا
يوم تقضّى والفراق تلا ... سرعان ما وافى وما انصرما
بهوى تولد فيه واكتهلا ... في ساعتيه وشاخ وانعدما
ولى وأبقى في دجى الماضي ... شفقاً بعيداً واضح الأثر
كم اجتليه وراء أنقاض ... وأقول يا أسفي على سحر
هذه حكاية حالة عبرت ... واستغرقت في لجة المحن
ما زلت أنقذ كل ما ذكرت ... قطعاً طفت منها على الزمن
стр. 999
فإذا صفاء النفس عاودني ... وأقرني فوق التباريح
دال الهوى الأهلي من حزني ... وبقيتما ريحانتي روحي
لا مجال اليوم للأشواك مع هذه الزهرة الزهراء، فإلى العدد القادم.
حاصد
سمو الأمير ضياء الدين افندي أكبر أنجال جلالة السلطان وقد قدم إلى القطر المصري لتحية جلالة ملك وملكة الأنكليز في سفرهما إلى الهند
стр. 1000
رواية الشهر
القطار الضائع
في اليوم الثالث من شهر يونيو (حزيران) سنة ١٨٩٠، وقف رجل في محطة سكة حديد لندن والنواحي الغربية الوسطى في ليفربول، وطلب أن يرى مستر جايمس بلاند ناظر تلك المحطة. وكان هذا الرجل كهلاً أسمر اللون، قصير القامة، محدودب الظهر، كأن في عموده الفقري تقوساً أصلياً. وكان يرافقه رجل مهيب تدل ملامحه على أنه إسباني الجنس، أو أمريكي من اهالي أمريكا الجنوبية. وهو متأبط محفظة صغيرة من الجلد الأسود مشدودة إلى يده اليسرى بسيرٍ قد انطبقت عليه قبضته بحرصٍ شديد.
ولما مثل الأقوس بحضرة مستر بلاند تسمى قائلاً: أنا لويس كاراتال. وقد وصلت الساعة آتياً من أحد ثغور أمريكا الوسطى، وقاصداً إلى باريس حيث تستدعيني أشغال عظيمة الأهمية جداً. ولقد ساءني كثيراً أنني لم أدرك قطا الإكسبريس الذي سافر منذ هنيهةٍ إلى لندن. وليس في طاقتي أن أتربص ريثما يسافر القطار الآخر لأن كل ساعة أقضيها بعيداً عن باريس تكون بمثابة قضاءٍ مبرم على أعمال وآمالي. لهذا أود السفر في قطارٍ خاص بي وحدي غير مكترث للمال الذي يجب علي بذله في هذا السبيل.
فأمر مستر بلاند بأن تعد قاطرة خصوصية، وبأن تربط بها عربة للفحم، وعربتان، إحداهما تحتوي على قس معد للجلوس فيه، وقسم يعرف بغرفة التدخين والأخرى لا معنى لها سوى تخفيف ارتجاج العربة الأولى. فدخل لويس كاراتال ورفيقه الذي لم يعرف أحد اسمه إلى الأولى وبقيت الثانية خالية خاوية.
ولم يكد يعود مستر بلاند إلى مكتبه حتى وقف بين يديه رجل يدعى مستر
стр. 1001
هوراس مور وطلب منه بإلحاح ما طلبه وفاز به من قبل مسيو لويس كاراتال ورفيقه. قال أن مرضاً فجائياً أصاب زوجته في لندن، وأنه يخشى عليها كثيراً. فسفره لازم لازب لأن أموراً عائلية متوقفة على أن يدرك زوجته قبل وفاتها فإن هي ماتت قبل أن يراها جرت معها إلى القبر مستقبل عائلةٍ بأسرها.
فقال مستر بلاند إن القانون يحظر عليه أن يسير قطاري خصوصين على خطٍّ واحد في زمان واحد. على أنه لا يرى مانعاً من السعي مع مسيو كاراتال فلعله يسمح بأن يشرك
آخر معه في قطاره الخاص. وفيل لمسيو كاراتال في ذلك فأبى كل الإباء. وحاول بعضهم أن يقنعه ولكنه أصر على الرفض متشبثاً بكونه قد دفع أجرة القطار وحده فهو والحالة هذه الآمر الناهي. فأسقط في يد مستر هوراس مور حين غلب جفاء الأمريكي الأقوس على لينه وإلحاحه، فاضطر إلى انتظار القطار العادي الذي كان مزمعاً أن يسافر في مساء ذلك النهار.
ومشى القطار الخاص المقل لويس كاراتال ورفيقه في الساعة الرابعة والنصف تماماً. وكان الخط الحديدي ببن ليفربول ومنشستر خالياً، فلم يكن من الواجب أن يقف في محطةٍ ما قبل بلوغه إلى منشستر إذ يصلها حوالي الساعة السادسة.
ثم كانت الساعة السادسة وربعاً ولم يبلغ القطار محطة منشستر. وأبرقت هذه المحطة في ذلك إلى أختها في ليفربول فقلقت هذه، وساورتها المخاوف، وأبرقت في دورها إلى محطة سنت هيلنس الواقعة على نحو ثلثي الخط الحديدي بين ليفربول ومنشستر وسألتها عن ذلك القطار فورد منها الجواب التالي:
مر القطار المخصوص في الساعة ٤ والدقيقة ٥٢
دوسر
سنت هيلنس
وكان ورود هذا النبأ على ليفربول في الساعة ٦ والدقيقة ٤٠. وفي الساعة ٦ والدقيقة ٥٠ وصل نبأ برقي آخر من منشستر يقول: لا عين ولا أثر للقطار المخصوص. ثم انقضت عشر دقائق أخرى فوردت البرقية التالية: تحققوا جيداً من الموعد الذي مشى فيه القطار المخصوص، فإن قطار سنت هيلنس المحلي الذي كان يجب أن يصل بعده قد دخل محطتنا بدون أن يرى له أثراً أو شبه أثر.
منشستر
стр. 1002
فقامت محطة ليفربول وقعدت لهذا النبأ، ولكنها اطمأنت قليلاً إذ عرفت أن قطار سنت هيلنس لم ير أثراً للقطار المخصوص. فانتفى بذلك كل خوف داخلها من حدوث أمر ذي بال للقاطرة، وترجح عندها أن إحدى المحطات حجزت القطار المخصوص ريثما يمر القطار العادي. على أنها رأت أن تتيقن الأمر فأبرقت في ذلك إلى جميع المحطات بين
ليفربول ومنشستر فوردت عليها الأجوبة التالية:
مر القطار المخصوص في الساعة ٥ - محطة كولنس كرين
مر القطار المخصوص في الساعة ٥ والدقيقة ٦ - محطة إرلستون
مر القطار المخصوص في الساعة ٥ والدقيق ١٠ - محطة بنيوتون
مر القطار المخصوص في الساعة ٥ والدقيقة ٢٠ - محطة كنيون تجنكشون
لم يمر القطار المخصوص قط من هنا - محطة بارتون موس
فالتفت حينئذ مستر بلاند إلى مدير الخطوط الحديدية لفتة دهش وانذهال وقال: مر علي حتى اليوم زهاء ثلاثين سنة في خدمة مصلحة السكة الحديدية ولكنني لم أتذكر أبداً انه مر بي مثل هذا الحادث الغريب من قبل!
فقال المدير: حقاً إن هذا لمن الغرائب التي تحير العقول، وإني لأعتقد أن هناك مصاباً أصاب هذا القطار بين محطتي كنيون تجنكشون وبارتون موس.
- وفي رأيي إن القطار قد حاد عن الخط فشرد فتدهور في وادٍ ما.
- إذا ما كان ذلك كذلك فيكف مر قطار الساعة الرابعة والدقيقة الخمسين على الخط بدون أن يرى له أثراً أو يعثر على شبه أثر؟
- لست أدري شيئاً يا مستر هود، ولكن الواجب يقضي علينا بأن نأمر بفحص الخط بين كنيون تجنكشون وبارتون موس.
ثم ما لبث أن ورد على ليفربول النبأ التالي من محطة منشستر:
ما برحنا جاهلين كل شيء بشأن القطار المخصوص. أما الخط بين كنيون تجنكشون، وبارتون موس، فسليم كالعادة وليس فيه أثر لحادث ما.
وعلى أثر هذا النبأ وردت البرقية التالية من ناظر محطة كنيون تجنكشون:
стр. 1003
كل الآثار تدل على مرور القطار المخصوص من هنا، ولكن من اليقين عندنا أنه لم يصل إلى بارتون موس. فحصت بنفسي الخط الحديدي فوجدته سليماً كالعادة وليس فيه أثر لحادث ما.
ونزل هذا النبآن نزول الصاعقة على مستر بلاند فأخذ ينتف شعره، ويحرق أسنانه من القطر والتأثر الشديدين، وهو يقول: إن أكاد أجن يا مستر هود. أمن الممكن أن يتحول
قطار حديدي إلى بخار يتطاير ثم يتلاشى في الفضاء؟
وفيما كان مستر بلاند ورفيقه مستر هود تتنازعهما الريب والشكوك، وتساورهما الأوهام والمخاوف إذ ورد عليهما من محطة كنيون تجنكشون هذا النبأ:
وجدنا الساعة جثة المسكين جون سلندر المهندس الميكانيكي للقطار المخصوص مطروحة في منحدر مثلَّم على ميلين ونصف ميل من المحطة.
واتفق يومئذ أن صحف إنكلترا لم تهتم لهذا الحادث الغريب لأنها كانت مشغولة عنه بحادثة أخرى أعظم أهمية، وأشد تأثيراً في النفوس. ذلك أنها كانت مشاركة باريس في اضطرابها لفضيحة سياسية كبرى كانت تتهدد الحكومة الفرنساوية، وفريقاً من عظماء القوم في ذلك العهد. فلما ذكرت حادثة القطار المخصوص لم تنظر إليها إلا نظرها إلى الحوادث الجنائية التي لا يعلق عليها شأن ما.
أما مستر بلاند فاستصحب المفتش كولنس مدير بوليس السكة الحديدية، وقصد إلى كنيون تجنكشون للبحث والتدقيق في أمر القطار الضائع. وكانت على جانبي الخط الحديدي بين تلك المحطة ومحطة بارتون موس، مناجم فحم عظيمة، ومعامل حديدية كبرى، مربوطة بخطوط حديدية مفردة تصل بينها وبين الخط العام المزدوج. على أن بعض تلك المناجم كان قد أهمله أصحابه بعد أن استثمروه واستنفدوا فحمه، فتركوه أشبه شيء بهوّات عظيمة فاغرة أفواهها، ومظلمة كأن لا قرار لها. وخيل إلى مدير البوليس لأول وهلة أن القطار المخصوص شرد إلى أحد تلك الخطوط الصغيرة التي لم تحول إبرتها عند نقطة الاتصال بالخط العام. ولكنه عاد فتذكر أن القطار الذي تلا في سيره القطار المخصوص مر من هنالك ولم
стр. 1004
يشرد. فقال في نفسه إنه لا يبعد أن يكون هناك يد أثيمة جرت القطار المخصوص إلى كمين من اللصوص كان يتربص له في إحدى الغابات المجاورة.
وشد ما كان انذهال مستر بلاند ورفيقه حين رأيا أن معظم الخطوط الصغيرة كان غير متصل بالخط العام لن أصحاب المناجم المهملة كانوا قد اقتلعوا بضعة أمتار من الحديد عند نقطة الاتصال لعدم حاجتهم بها، ودفعاً لما قد ينجم عنها من المصاعب للقطر السائرة إذا أهملتها أيدي العملة. ومع ذلك فلم تفتر عزيمة هذين الرجلين عن التدقيق والتفتيش بل ماشياً جميع الخطوط إلى غاياتها، ولكنهما لم يقفا على أثرٍ للقطار الذي كانا يفتشان عنه،
ولا تبينا شبهة ما. وكان أشد ما لاقياه من الذهول حين وقفا في المكان الذي وجدت فيه جثة المهندس سلندر على قيد أمتار قليلة من الخط العام إلى جانب أحد الخطوط الصغيرة المقتلع حديدها قديماً عند نقطة اتصالها بالخط الكبير. وقد حيرهما أمرها فلم يفهما سبب وجودها هنالك على حين كان تهشمها دليل حدوث الوفاة فور السقوط من القطار أثناء سيره السريع.
وعادت الصحف إلى هذه الحادثة فذكرتها بعد أيام متهمة مستر كولنس بالعجز والتقصير. وحملت عليه حملةً اضطرته إلى اعتزال وظيفته حاقداً جازعاً.
وفي اليوم الخامس من شهر يوليو (تموز) سنة ١٨٩٠ نشرت الصحف الرسالة التالية وقد كتبها مك فرسن الذي كان يقود القطار المخصوص وأرسلها إلى زوجته من نيويورك فدفعتها زوجته إلى الجرائد فنشرتها هذه وهي:
زوجتي المحبوبة
تذكرتك في غربتي وتذكرت شقيقتي العزيزة لويزا فهاجت الذكرى أشواقي إليكما. وتفكرت ملياً في حالنا الحاضرة فوجدت أن المروءة تقضي علي بألا أترككما وحيدتين في لندن لا تجدان نصيراً ولا تلقيان سلوى. فلهذا أنا باعث إليك أيتها الحبيبة بمبلغ عشرين جنيهاً تبذلينها نفقة لكما في سفركما إلى هذه البلاد. فتعالي إذن تواً إلى نيويورك واقصدي إلى بيت جونستون فيها حيث تجدين أني قد تركت لك الإشارات اللازمة لمعرفة المكان الذي سنتلاقى فيه. أما حالي فهي
стр. 1005
قلقة جداً في الأثناء الحاضرة ولكن قلها يجب أن لا يكون عقبة في سبيل اجتماعنا.
السلام عليك وعلى الحبيبة لويزا
من زوجك
جايمس مك فرسن
ثم سافرت هاتان المرأتان إلى نيويورك تحت مراقبة البوليس السري. وأقامتا برهةً في بيت جونستون ولكن على غير جدوى فعادتا إلى لندن خائبتين. ومرت الأيام على هذه الحوادث فنسيها الناس، وأهملتها الجرائد فكأنها لم تكن.
* * *
في سنة ١٩٠٨ أي بعد انقضاء زهاء ثماني عشرة سنة على ضياع القطار المخصوص بين ليفربول ومنشستر، نشرت جرائد مرسيليا في صباح أحد الأيام الرواية التالية، وهي خلاصة ما اعترف به رجل يدعى هربرت دي لرناك الجاني المحكوم عليه بالإعدام عقباً لقتله تاجراً يسمى بونفالو. قال:
متى قرأ اعترافي هذا فريق من كبار القوم، وعظماء السياسة في باريس، فليعلموا أني انتظر في سجني على مثل جمر الغضا تدخلهم في أمري وتوسطهم في سبيل العفو عني. وإلا فإن حديثي الخالي من الأسماء اليوم، يتحول غداً إلى إفشاء أسرار هائلة قد طوتها الأيام منذ سنة ١٨٩٠، فإن العالم ما برح يجهل حتى الساعة حقيقة حكاية القطار المخصوص الذي حمل لويس كاراتال ورفيقه من ليفربول في اليوم الثالث من شهر يونيو (حزيران) سنة ١٨٩٠ ثم تبخر بين محطتي كنيون تجنكشون وبارتون موس فتلاشى في الهواء. فحديثي اليوم حديث بطل تلك الرواية الذي كان يعمل بأمرة أولئك الرجال العظام الذين وعدت بكتم أسمائهم طمعاً بان يستصدروا العفو عني ويخرجوني من هذا السجن الذي دفعت كرهاً إليه.
في سنة ١٨٩٠ قامت باريس وقعدت لتلك الفضيحة السياسية المالية الهائلة التي كادت تميت موتاً أديباً لا حياة بعده عدداً كبيراً من ساسة فرنسا وعظماء رجالها. إن أولئك القوم كانوا أشبه بشيء بهذه القطع الخشبية المهندمة الواقفة عالية الرأس في اللعبة المعروفة بعلبة الكيل وكان المرحوم لويس كاراتال أشبه شيء أيضاً بتلك
стр. 1006
الكتلة الخشبية الثقيلة التي يدحرجها اللاعبون بقوة نحو تلك الأخشاب. . . لطمة إثر لطمة، وصدمة تلو صدمة! وإذا بتلك القطع الواقفة قد وقعت جميعها إلى الأرض، الواحدة تلو الأخرى في مثل طرفة عين. ذا عرفت هذا عرفت أي خطر كان يتهدد أولئك الرجال في قدوم كاراتال إلى باريس وهو المعتمد السياسي الخبير والمثري العظيم. وعليه فقد تألفت في باريس في ذلك العهد، لجنة عهد إليها القيام بكل عمل للفتك بهذا الرجل قبل وصوله إلى العاصمة الفرنساوية، وكان يعوز هذه اللجنة رجل داهية يكون يداً لها فاختارتني لذلك، وأمدتني بالمال والنفوذ.
وكان أول أعمالي أني بعثت إلى أمريكا رجلاً من أتباعي كنت أعتمد عليه كثيراً واثق بإخلاصه، وأمرته بان يتبع كاراتال كظله، ويوقفني على حركاته وسكناته. ولكن رسولي
بلغ إلى أمريكا فور سفر كاراتال منها، ولولا ذلك ما وصل عدونا إلى ليفربول ولا رست سفينته قط إلا في مقر الحيتان!
ولم يكن شخص كاراتال وحده جل قصدنا بل كان من أقصى أمانينا أيضاً إخفاء اوراقه وإتلافها والقضاء على رفيقه قضاءً مبرماً.
وأقمت في ليفربول أنتظر وصول السفينة وقد أعددت عدتي. ورسمت الخطة التي أزمعت أن أعمل بحسبها. واشتريت فئة من نبهاء الإنكليز لمساعدتي على إتمام قصدي. فما وقفت السفينة في الميناء حتى كنا على تمام الأهبة والاستعداد.
ولما نزل كاراتال إلى البر كان معه رجل أمريكي كبير الجثة، مهيب الطلعة، في عينه شرر يتقد دائماً اتقاد الكهرباء. وقد عرفناه بما سمعناه عنه من قبل. وكان اسمه غوميز وهو شجاع باسل يحب سيده ويتفانى في خدمته. ومما يجمل بي أن أتباهى به الآن أني عرفت أنه كان لابد لكاراتال أن يسافر تواً إلى لندن ليتمكن من الوصول إلى باريس في وقت سريع. فلم أشك قط أنه سيستأجر قطاراً مخصوصاً يحمله ورفيقه إلى العاصمة إذ يكون قطار الإكسبريس قد سافر قبل أن يدركه في محطة ليفربول. وكنت قد علمت أن السائق الذي سيعهد إليه بقيادة ذلك القطار يرجح أن يكون المسمى مك فرسن فاشتريت هذا الرجل في عداد الذين
стр. 1007
اشتريتهم. ثم كان ما توقعته. فإن كاراتال جاء مستر بلاند وطلب منه بإلحاح قطاراً مخصوصاً دفع أجرته فوراً واستقل به. حينئذ تقدم أحد أتباعي ووقف بحرة مستر بلاند متسمياً باسم هوراس مور، وطلب بدعوى اختلقها ما طلبه مسيو لويس كاراتال ونحن عالمون أن القانون يحظر تسيير قطارين مخصوصين في وقت واحد إلى وجهة واحدة. ولكننا طمعنا بأن كاراتال يسمح بأن يشاركه في قطاره سواه. غير أن هذا الرجل كان خائفاً وجلاً فأبى وأصر على إبائه رغم إلحاح هورسا مور الظاهري. أما أنا فكنت واقفاً على تلة مشرفة على منجم الذين كانوا معي، وحولنا الطريق إلى هذا الخط الصغير بحيث مر القطار المخصوص شارداً عن طريقه إلى طريق المنجم بل إلى طريق الهاوية اللاقرار لها. وكان رفيقنا سميث الوقاد في قطار كاراتال، قد اخذ على نفسه تنويم مستر سلندر المهندس لكيلا يشعر هذا بتحول القطار عن خطه في المكان المختار. ولكنه قام بمهمته بطريقة فظة كان من جرائها أن سلندر وقع من القطار ومات. على أن قتل المهندس على
تلك الصورة كان في عملنا المرسوم أشبه شيء ببقعة سوداء في رسم جميل!
ولما أشرف القطار على الهاوية من أعلى التل خفف مك فرسن سيره حتى تمكن سميث من القفز إلى الأرض ثم عاد فأدار اللولب فجأة وقفز هو أيضاً قبل أن يفوته الوقت. ومشى القطار وحده بسرعة فائقة.
وكنت أراقب من موقفي كل ذلك فرأيت كاراتال قد أوجس خيفة من تمهل القطار وسرعته الفجائية فأطال من النافذة وأبصر الخطر المحدق به، ثم رآنا واقفين ننظر إليه، فاستجار بنا، وأشار لنا مستغيثاً. واطل غوميز من النافذة نفسها وهو يصرخ ويستغيث أيضاً ولكن على غير جدوى.
كنت أرى ذلك المشهد المخيف وأنا طلق المحيا، باسم الثغر لأني كنت أشعر في نفسي بأني أتيت حينئذ عملاً متقناً كل الإتقان، وقمت بمهمتي أحسن قيام. ولقد خامرتني حينئذ فكرة التباهي والزهو ففتلت شاربي كبراً وإعجاباً وقلت لمن كان
стр. 1008
حولي: إن لجنة باريس عرفت من اختارت لهذا العمل العظيم. وشعرت كأن قلبي قدَّ من فولاذ لنني لم أتأثر قط، ولم أكترث لذينك الرجلين البريئين.
وكأنما قنط غوميز من النجاة فأشار لنا بيده، ورمى محفظة الجلد السوداء فالتقطتها وأنا لا أعلم قصده من وضعها بين أيدينا.
وسمعنا بعد هنيهة قرقعة عظيمة منها أن القطار المخصوص قد وقع في الهوة. وحدث على أثر سقوطه انفجار هائل سمع له دوي شديد وتكاثف الدخان في الجو، فقلنا إن ذلك إنما كان من انفجار مرجل القطار. . . ثم ساد على تلك النواحي سكون عميق!!!
حينئذ تحولنا إلى محو كل أثر يدل على ارتكاب هذه الجريمة. فاقتلعنا الخطوط الحديدية التي كنا قد وصلنا بها خط المنجم بالخط العام، وأعدناها بذلك إلى ما كانت عليه من قبل ثم تفرقنا فذهب كل منا في سبيله.
أما محفظة الجلد فقد احتفظت بها لنفسي لأن الحكمة تقضي بأن لا يجرد المرء نفسه من السلاح لاسيما متى كان كثير الصلات بمثل أولئك الرجال العظام الذين أريد منهم اليوم أن يستصدروا العفو عني. وإنهم فاعلون ذلك ولا ريب، لأنهم يعلمون أن أوراق المرحوم لويس كاراتال هي في محفظة الجلد السوداء.
حاشية: راجعت ما كتبته الساعة فوجدت أني نسيت أن أقول كلمة عن مك فرسن الذي كتب إلى زوجته يستقدمها إليه في نيويورك. لقد كان من شأن تلك الرسالة أن توقع ذلك الغبي في شبكة البوليس. فكان من المحتم علينا والحالة هذه، أن نفصل بين هذا الرجل وامرأته ففعلنا. واني أشير على هذه المرأة أن تتزوج إذا شاءت فقد أزلنا من طريق زواجها كل عقبة.
كاتبه هربت دي لرناك
المقيم في سجن مرسيليا
стр. 1009
العدد ٢٠ - بتاريخ: ١ - ١ - ١٩١٢
حول السنة الجديدة
في أول الشهر الجاري ابتدأت السنة الثانية عشرة بعد التسعمئة والألف للميلاد، وقبل ذلك التاريخ بتسعة أيام كان مطلع السنة الثلاثين بعد الثلاثمئة والألف للهجرة: مرحلة جديدة من مراحل أيامنا تأهبنا لاجتيازها، وحلقة جديدة من حلقات العمر هممنا بإضافتها إلى سلسلة الحياة. فإذا كانت توافق السنة العشرين أو الأربعين أو الستين من عمرنا فهي توافق سنة ٧١١١ للخليفة أو ٥٩٧٢ للحساب الإسرائيلي و٣٩٢٧ لإبراهيم الخليل و٢٦٦٥ لتأسيس رومة و١٦٢٨ للحساب القبطي.
وللسنة حسابات مختلفة ذكرناها في مثل هذا العدد من العام الماضي (ص ٤٦٦) على أنها في كل هذه الحسابات مقسومة إلى اثني عشر شهراً: وأسماء الأشهر تختلف باختلاف الحساب: فهي في الحسابين الغربي والشرقي: يناير (كانون الثاني)، وفبراير (شباط)، ومارس (آذار)، وأبريل (نيسان)، ومايو (أيار)، ويونيو (حزيران)، ويوليو (تموز)،
стр. 1010
وأغسطس (آب)، وسبتمبر (أيلول)، وأكتوبر (تشرين الأول)، ونوفمبر (تشرين الثاني)، وديسمبر (كانون الأول).
وفي السنة الهجرية: محرم، وصفر، وربيع الأول، وربيع الآخر، وجمادى الأولى، وجمادى الآخرة، ورجب، وشعبان، ورمضان، وشوال، وذو القعدة، وذو الحجة.
وفي السنة القبطية: توت، وبابه، وهاتور، وكيهك، وطوبه، وامشيرن وبرمهات، وبردوده، وبشنس، وبونه، وابيب، ومسري، والنسي.
وفي السنة الإسرائيلية: تشري، وحشوان، وكسليفن وطيبت، وشباط، وآذار، ونيسان، وأيار، وسبوان، وتموز، وآب وأيلول.
ومدات الأشهر تتراوح في كل الحسابات بين ٢٩ و٣١ يوماً.
ولما كنا في مطلع العام الماضي قد ذكرنا كل ما تجدر معرفته عن السنة وحساباتها وتقسيماتها فلم نر حاجة إلى إعادة ذلك، بل اكتفينا في مناسبة العام الجديد بذكر شيء عن اليوم النجمي واليوم الشمس لأنه قاعدة الحساب السنوي وقد اعتمدنا فيما يأتي على تقويم البشير المعروف بدقته وضبطه:
للنجوم الثابتة في الرقيع حركة ظاهرة منتظمة لا تخفى على المراقب. فإذا رصدت نجماً من النجوم يمر في وقت معين على هاجرة مدينة ما وأعدت المراقبة في الليلة التالية وفي
الثالثة إلخ ترى أن النجم الذي راقبته يعود إلى الهاجرة في الوقت نفسه في مدات متساوية تماماً. فتلك المدات
стр. 1011
هي عبارة عن دوران الأرض على محورها دورات تامة. فمدة رجوع النجم إلى الهاجرة يسميها الفلكيون اليوم لتنجمي وهو غاية في الدقة والضبط حتى أنه لا يختلف يوم نجمي عن آخر ولا جزءً واحداً من مائة جزء من الثانية بعد مرور ألفي سنة.
ومع ذلك لم يتخذ الناس اليوم النجمي قاعدة لحسابهم لصعوبة مراقبة النجوم فيرجعون في أشغالهم إلى حساب اليوم الشمسي لسهولة مراقبته ومعرفته.
واليوم الشمسي هو أطول من اليوم النجمي. لأنك إذا رصدت الشمس تأكدت أنها لا تعود إلى الهاجرة في نفس المدة التي يعود النجم إليها بل تتأخر قليلاً. لأن الأرض في مدة دورانها على محورها تنتقل كل يوم قليلاً في فلكها حول الشمس فبعد أن تدور دورة واحدة على محورها كل يوم يبقى عليها أن تدور مقدار ما تقدمت في فلكها حتى تلحق الشمس الهاجرة ويقتضي ذلك أربع دقائق. فيكون اليوم الشمس أطول من النجمي بنحو أربع دقائق.
ثم أنه ليس لليوم الشمسي طول مقرر ثابت. فالأيام الشمسية غير متساوية فتكون أحياناً أقصر وأحياناً أطول، أي أن زمن دوران الأرض من ظهر إلى ظهر أو من غياب إلى غياب يتغير فيكون أحياناً أكثر من ٢٤ ساعة وأحياناً أقل. وأطول ما يكون اليوم الشمسي نحو ٢٣ كانون الأول (ديسمبر) وأقصر ما يكون نحو ١٦ أيلول (سبتمبر). وسبب هذا الاختلاف هو أن الأرض تسير حول الشمس بسرعة غير متساوية وفي
стр. 1012
فلك إهليلجي أي في دائرة البروج المائلة على دائرة الاعتدال. فهذان الأمران يسببان اختلافاً في طول اليوم الشمسي.
فلاستدراك الخلل الناتج عن اختلاف طول اليوم الشمسي افترض العلماء شمساً وهمية تسير بسرعة متساوية في خط الاعتدال بينما الشمس الحقيقي تسير (بحركتها الظاهرة) في دائرة البروج المائلة على خط الاعتدال وبسرعة غير متساوية. ويسمون يوماً شمسياً أوسط مدة دوران الشمس الوهمية من الهاجرة إلى أن ترجع إليها فعندما تمر الشمس الحقيقية على خط الهاجرة يكون الظهر الحقيقي. فليس اليوم الشمسي المتوسط إلا معدل الأيام الشمسية في مدار السنة. والفرق بين الظهر الحقيقي والظهر المتوسط يسمونه مساواة أو معادلة
الوقت لمعرفة الظهر الأوسط. وتكون المعادلة ناقصة إذا مرت الشمس الحقيقية على الهاجرة قبل الشمس الوهمية وتكون المعادلة زائدة إذا مرت بعدها. ويتفق الظهر الحقيقي والأوسط أربع مرات في السنة نحو ١٥ نيسان (أبريل) و١٥ حزيران (يونيو) وأول أيلول (سبتمبر) و٢٥ كانون الأول (ديسمبر). والظهر الأوسط يسبق الظهر الحقيقي من ٢٤ كانون الأول إلى ١٥ نيسان ومن ١٤ حزيران إلى أول أيلول. أما في سائر أوقات السنة فالظهر الوسط يتأخر عن الظهر الحقيقي. وقد يبلغ الفرق بين الظهر الأوسط والظهر الحقيقي نحو ربع ساعة لكنه لا يبلغ أبداً ١٧ دقيقة ويكون معظم الفرق نحو اليوم الرابع من تشرين الثاني (نوفمبر) والثاني عشر من شباط (فبراير).
стр. 1013
والساعات إنما تسير بموجب الوقت الأوسط وتدل عليه لا على الوقت الحقيقي. فإذا كانت ساعتك مضبوطة ودلت على الظهر فليس من الضرورة أن تكون الشمس في الهاجرة وأن يكون إذ ذاك الظهر الحقيقي بل قد يتقدم الظهر الأوسط على الحقيقي وقد يتأخر عنه، مثلاً في أول كانون الثاني إذ تكون الشمس الحقيقية في الهاجرة أي وقت الظهر الحقيقي تدل الساعات المضبوطة على الساعة ١٢ والدقيقة ٣ والثانية ١٠ فيكون الظهر الأوسط قد مضى منذ ٣ دقائق و١٠ ثانيات. وفي أول تشرين الثاني وقت الظهر الحقيقي تدل الساعات المضبوطة على الساعة ١١ والدقيقة ٤٣ والثانية ٣٩ فيبقى للظهر الأوسط ١٦ دقيقة و٢١ ثانية.
ثم اعلم أن الزمن المتوسط يتغير بالانتقال من بلد إلى آخر فزمن القاهرة المتوسط مثلاً لا يطابق زمن باريس المتوسط أو غيرها من المدن.
البرد والصحة
ذكرنا في الجزء الماضي من الزهور نبذة عن المطر وماهيته ومصدره ومظاهره المختلفة، ونرى الآن أن نذكر شيئاً عن البرد وتأثيره في الصحة لأننا دخلنا في فصل الشتاء، فنقول:
إذا نظرنا إلى الإنسان من حيث تركيبه الطبيعي نجد أن الحر يؤثر فيه أكثر من البرد. فإنه يحتمل بصعوبة وبضنك شديد درجة الحرارة إذا بلغت الأربعين (في ميزان سنتغراد)، مع أنها درجة تقارب
стр. 1014
درجة حرارة الجسم في حالته الطبيعية وهي ٣٧ ْ، فيكون الفرق ثلاث درجات فقط. على أن الإنسان يحتمل البرد بسهولة حتى الدرجة ١٠ ْ و١٥ ْ تحت الصفر مع أن الفرق بينها وبين حرارة جسمه تكون ٤٧ ْ أو ٥٢ ْ درجة. ومن ذلك البيان يظهر بأجلى برهان انه أقدر على احتمال البرد من احتماله الحر.
نعم قد تسلم الحياة في بعض الأنحاء حيث تبلغ الحرارة ٥٠ أو ٥٣ درجة كما في السنغال أو غيرها من الأصقاع الأفريقية. لكن الاستيطان في مثل هذه الأماكن يصعب جداً على أهالي البلاد المعتدلة، وإذا ولد لهم أولاد تراهم مهازيل الجسم نحفاء البنية.
وبعكس ذلك نرى الجسم يتعود شيئاً فشيئاً احتمال البرد ولو شديداً، وقد قران أن الذي قصدوا القطب الشمالي قد وصلوا إلى أصقاع لا يقل بردها عن ٤٠ أو ٤٥ تحت الصفر.
غير أن هذه الأرقام مما لا يسوغ تعميمه على كل الأحوال. فهناك مسألة العمر وطريقة المعيشة وغير ذلك من الأمور والبواعث يكون لها أكبر تأثير في احتمال البرد. فالرجل الهرم، وقد قل غذاؤه، يحتاج إلى الحرارة أكثر من سواه. أما الولد فهو أسرع تأثراً من البرد، على أن أنسجته تحتمل فقد الحرارة إلى درجة مدهشة فتقوى على احتمال ما لو أصاب الشاب لفتك به.
ويمكن القول بالإجمال أن فصل الشتاء هو أفضل فصول السنة لصحة السواد الأعظم من الناس لولا تسرب إلى أحوال معيشتنا من
стр. 1015
العادة المضرة كالمبالغة في تدفئة المنازل والإقبال على الأشربة الكحولية فإنه عندما كان الناس يصطلون على نار الحطب - وهي طريقة الفلاحين حتى الآن - لم تكن حرارة المسكن تزيد على الدرجة ١٥. أما اليوم فمع ما توفر لدينا من الاختراعات العصرية كاستعمال الكهربائية وغيرها لتوليد الحرارة واتقاء البرد، فقد تبلغ حرارة الغرفة ٣٥ درجة أو أكثر. ولا يخفى ما يعقب ذلك من الضرر العظيم عند الانتقال إلى الهواء الطلق، فيكون تأثير البرد شديداً ومضراً بالصحة لأنه يجب
السير بالتدرج في ذلك كما غيره من الأمور. وقد بين ذلك أحد العلماء باختبار أجراه من هذا القبيل، فأخذ أسماكاً ووضعها في ماء درجة حرارته ٢٨، ثم نقلها بغتة إلى ماء درجته ١٢، فماتت الأسماء للحال.
وإذا كان الإنسان يبالغ في اتخاذ الأردية وتوفير الملابس لوقاية جسمه من البرد، فإنه يجعل نفسه عرضة للسعال والنزلات الصدرية وغير ذلك من الأمراض عند أقل إهمال يبدر منه من هذا القبيل فتكون العاقبة غير محمودة.
وعليه فمن أفيد الأمور أن تدع نافذة غرفتك مفتوحة عندما لا تكون الحرارة دون الدرجة العاشرة. وهي طريقة ظهرت الآن فوائدها ومنافعها، وإذا اعتادها الإنسان كان له فيها أحسن واقٍ لما يتأتى عن ذلك من تجديد الهواء وتصلب الجسم. وفي كل الأحوال لا يجب أن تتجاوز حرارة غرفتك الدرجة ٢٠ أو ٢٥.
أما شاربو الكحول فإن البرد يؤثر فيهم أكثر مما في سواهم. لأن
стр. 1016
الأشربة الكحولية إذا كانت تولد بعض الحرارة في جسم متناولها، فهي لا تلبث أن تحدث رد فعل فتنخفض حرارة الجسم درجة أو درجتين عما كانت عليه قبل تناول المشروب. وقد لوحظ ذلك خصوصاً في بلاد روسيا حيث يكثر الفعلة أيام الشتاء من تناول المشروبات. فإن كثيرين منهم يموتون بدراً حين خروجهم من حانات الشرب.
هذه ملاحظات إجمالية يجدر التذكير بها في هذه الأيام.
وصف غرق
وهو فصل من رواية يترجمها بعضهم وينشئها السيد مصطفى لطفي أفندي المنفلوطي الكاتب المشهور.
من سوزان إلى ماجدولين
كنا على وشك أن نزورك يا ماجدولين أنا وأبوي فحدث حادث حال بيننا وبين ذلك. فقد دعانا أحد الأصدقاء منذ أيام إلى زيارته في
стр. 1017
بلدته، وهي على بعد ثلاثة فراسخ منا ولا تبعد عنك إلا قليلاً، فذهبنا إليه صبيحة يوم وقضينا فيم نزله برهة، حتى إذا زلقت الشمس عن كبد السماء خرج القوم إلى الخلاء للتنزه في غاباته ومزدرعاته. وأنت تعليم فيما تعلمين من أمري أنني فتاة لا أحب الغابات والمزدرعات، ولا الأدغال والأجمات، ولا أطرب لخرير الماء ودوي الريح وهزيم الرعد، ولا اغتبط بحرارة الشمس ووعث الطريق وخشونة الأرض واقتحام الصخور والتعثر بين أغوار الفلوات وأنجادها، ولا أستطيع أن أجد في نفسي تلك اللذة التي يجدها الشعراء المتخيلون في جمال الطبيعة وروائها، ومحاسن الأحراش وبهجتها. ولكنني لم أر بداً من الكون معهم والإصحاب لهم فمشيت صامتة ومشوا يتحدثون بجمال الحياة القروية وعيش العزلة بين سكون الطبيعة وهدوءها وجمال الكائنات وجلالها. والله يعلم أن أحداً منهم لا يعلم من نفسه أنه صادق فيما يقول أو من يتمنى لنفسه ذلك الشقاء الذي يحسد عليه الأشقياء. فكان مثلهم في ذلك كمثل أولئك الكاتبين الذين يكتبون الفصول الطوال في مدح الفلاح والتنويه بذكره والثناء على يده البيضاء في خدمة المجتمع الإنساني، حتى إذا مر ذلك المسكين بأحدهم وأراد أن يمد يده لمصافحته تراجع وكفكف يده ضناً بها أن تلوثها بأقذارها تلك اليد السوداء.
ومازلنا كذلك حتى بلغنا شاطئ النهر فراعنا أنا رأينا هنالك جمعاً عظيماً من الناس يتدفع فوق الشاطئ الآخر تدفع الموج المتراكب ويشير إلى الماء بأصابعه وينادي: الغريق الغريق! والنجدة النجدة!
стр. 1018
فالتفتنا حيث أشاروا فإذا رجل بين معترك الأمواج يصارع الموت والموت يصرعه، ويغالب القضاء والقضاء يغلبه. يبدو تارة فيمد يده للناس فلا يجد يداً تمتد إليه، ويختفي أخرى حتى تنبسط فوق صفحة النهر فنحسبه من الهالكين.
ومازال يطفو ويرسب، ويثب ويقع، حتى كلَّ ساعداه وابيضت عيناه واستحال أديمه، ولم يبق بين أعيننا منه إلا رأس تضطرب ويد تختلج فبكى الباكون، وأعول المعولون،
وتواثبت الأحشاء، وتزايلت الأعضاء، ومشى اليأس في الرجاء مشي الظلال في الأضواء، ونظر الناس بعضهم إلى بعض كأنما يتساءلون عن رجل رحيم، أو شهم كريم.
وأنهم لكذلك وقد زاغت أبصارهم إلى رؤوسهم، وتمشت قلوبهم من صدروهم. وإذا رجل يدفع الجمع بمنكبيه ويمر بين الناس مر السهم إلى الرمية، حتى اندفع إلى النهر وسبح إلى المكان الذي هبط فيه الغريق وراءه، وما هي إلا نظرة والتفاتة أن انفرج الماء عنهما فإذا هما صاعدان يمسك كل منهما بذراع صاحبه، فكبر الناس إعجاباً بهمة الرجل الكريم، وفرحاً بنجاة الغريق المسكين.
ولكنا ما كدنا نستفيق من هذا المنظر المحزن حتى راعنا منظر آخر أجل منه وقعاً وأعظم هولاً، فقد رأينا الغريق كأنما جن جنونه فظن أن مخلصه يريد به شراً وأنه ما أمسك بذراعه إلا وهو يريد أن يهوي به إلى قعر الماء فيعيده سيرته الأولى. فضربه بجمع يده في صدره ضربة قاتلة ثم أنشب أظافره في عنقه ولفه بساقيه لفة خلنا أن عظامه
стр. 1019
تئن لها أنيناً فاستيأس الرجل وعلم أنه لابد هالك وأن مقص الفناء قد كاد يأتي على آخر خيط من خيوط أجله، فرفع يديه إلى السماء وهتف باسم أحسب أنه يشبه اسمك يا ماجدولين.
ثم ما لبث أن هوى الماء بهما وجرى مجراه فوقهما، فخفقت القلوب وجفت الصدور وخفتت الأصوات وتعلقت الأنفاس وشخصت الأبصار وامتدت العناق ومرت على ذلك ساعة لا تضطرب فيها موجة ولا تهب نسمة، فنظرت إلى أبي حائرة وقلت: أيتعذب الغرقى كثيراً في مصارعة الموت؟ قال: نعم يا بنية، ولقد يبلع الأمر بأحدهم أن يدور بيده في قاع البحر عله يجد الصخرة يضرب بها رأسه ضربة قاضية يستريح بها من الآلام والأوجاع. . . فركعت فوق الرمل ومددت إلى السماء يدي وقلت: اللهم إنك أعدل من أن تجازي الإحسان بالسوء أو الخير بالشر فلقد أبلى هذا الرجل في سبيلك بلاً حسناً وبذل في مرضاتك ما ضن به الناس جميعاً، وها قد ضاقت عليه المذاهب وتقطعت به السبل وأعوزه المعين والنصير فامدد إليه يدك البيضاء التي طالما أنرت بها ظلمات البائسين، وأنر له ظلمته التي يعالجها، إنك أرحم الراحمين وأعدل الحاكمين.
ثم استغرقت في صلاتي فلم أعد أشعر بشيء مما حولي حتى سمعت ضجة على الشاطئ فاستفقت فإذ النهر يتثاءب عن الرجل وإذا الرجل صاعد وحده إلى سطح الماء فتنفس
طويلاً فصاح به الناس: انج بنفسك فقد أبليت. . . فهبط مرة أخرى وعاد بالغريق يجره وراءه ومازال
стр. 1020
يسبح به حتى أبلغه الشاطئ فسقطا جميعاً فتولى الناس أمرهما حتى أفاقا فمشى الغريق إلى صاحبه يتمسح به ويتوجع له كأنما يشكر له يده عنده ويعتذر له عن ذنبه إليه، ثم انفض الجميع وبقي الرجل وحده فلبس ثيابه ومشى يتحامل على نفسه إلى شجرات كن على الشاطئ، فأخذ يقتطف بعض زهورها ويضعها في منطقته كأنما يريد أن يجعلها لتلك الحادثة تذكاراً فتركناه على حاله وعدنا إلى المنزل صامتين وقد فاتنا ما كنا عزمنا عليه من زيارتك في قريتك.
لا أستطيع أن أكتب إليك اليوم يا ماجدولين شيئاً غير هذا فلقد أصبحت لا أذكر تلك الحادثة إلا واجد لذكراها من الأثر في نفسي ما يخيل لي أنها حاضرة بين يدي وربما كتبت إليك فيما بعد والسلام -
سوزان
مصطفى لطفي المنفلوطي
بينهما
قالت لقد أشمت بي عذلي ... إذ بحث بالسر لهم معلنا
أهكذا يحكم شرع الهوى ... أن تطلع الأعدا على سرنا؟
قلت أنا؟ قالت نعم أنت هو ... قلت أنا؟ قالت وإلا أنا؟
قلت نعم! أنت التي صيرت ... جفونها جسمي حليف الضنى
قالت فلم طرفك فهو الذي ... جنى على قلبك ما قد جنى
قلت لقد كان الذي كان من ... طرفي فكوني مثل من أحسنا
قالت وما الإحسان؟ قلت اللقا ... قالت لقانا؟ عز أن يمكنا
قلت فمنيني بتقبيلة ... قالت أمنيك بطول العنا
قلت أموت حسرةً أو جوى ... قالت فمت ذاك لقلبي منى
من يعشق الأعين محكولةً ... بالسحر لا يأمن أن يفتنا
следующие страницы →