← Джавами‘

Джавами‘ · id 36534

مجلة «الزهور» المصرية

أنطون الجميل

Полный текст (2 201 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

لطيفة انقضت بالهضم والمسامرة. وسركيس بملابسه البلدية كأم العروس ينتقل من حلقة إلى حلقة، ومدامته ترحب بالجميع بمنتهى الرقة والظرف، وولده أنور على ذراعي مرضعه ينظر مدهوشاً إلى أعمال أبيه. ومن محاسن هذه السهرة أن كل شاعر أو كاتب لم ير من المحتم الواجب أن ينغص عيش المتسامرين بقصيدة أو خطاب شأننا في كل اجتماعاتنا بل اكتفى القوم بأن طلبوا من خليل مطران أن يطربهم بشيء من النظم، فأسكرهم بالشعر بعد الخمر، وتلا قصيدة وصف بها حالته وحالة ابنة عمه المحتفل بها أيام كانا ولدين يلعبان على شاطئ النهر. ولو وفى صديقي خليل بوعده لكنت ناشرها اليوم للقراء. . . ثم وقفت السيدة نجلا وألقت كلمات هي الدر أو أغلى بلفظ مليح ونطق فصيح. فذكرت المهاجرين وتعلقهم بأبيهم الوطن وأمهم اللغة. وهكذا مضى هزيع من الليل والبشر مخيم على منزل نمرة ١٥ بشارع الفجالة بمصر. حاصد قوة تركيا وإيطاليا بمناسبة نشوب القتال بين الدولة العثمانية وإيطاليا ننشر لفائدة القراء الأرقام التالية وفيها مقابلة بين قوى الدولتين: القوى البحرية تركياإيطاليا مدرعات٧١١ طرادات مدرعة٠٠١٠ طرادات صغيرة٢٦ نسافات ١٠٢٣

стр. 947

رعادات وحراقات ١٥٧٤ غواصات٠٠٧ وبين المدرعات العثمانية السبع مدرعتان فقط يصح الاعتماد عليهما، وهما اللتان ابتاعتهما الدولة من ألمانيا، وتقطع الواحدة منهما في الساعة ١٧ عقدة. أما الأسطول الإيطالي فيعد في المنزلة الرابعة بين أساطيل أوروبا. القوى البرية تركيا إيطاليا جنود في السلم٣٨٠. ٠٠٠٣٨٤. ٠٠٠ في وقت الحرب١. ٠٠٠. ٠٠٠٣. ٠٠٠. ٠٠٠ مدافع ١. ٦٠٠ ١. ٧١٦ نفقات عسكرية٤. ٦٠٠. ٠٠٠ جنيه ١١. ٠٠٠. ٠٠٠ جنيه اللورد أفبري (هو كاتب وفيلسوف إنكليزي شهير وقد نقل حضرة الأديب وديع أفندي البستاني بعض مؤلفاته إلى اللغة العربية. ولما ذهب إلى لوندرا في هذا الصيف زاره في منزله وكتب عنه النبذة الآتية لتكون مقدمة لكتاب مسرات الحياة الذي سيظهر في هذا الشهر، وأرسلها إلينا فأحببنا أن ننشرها للقراء ليروا كيف يعمل ذوو الجد والنشاط على خدمة بلادهم وإخوانهم في الإنسانية): ولد اللورد أفبري في ٣٠ أبريل (نيسان) ١٨٣٤، فهو اليوم شيخ جليل، على أعتاب الثمانين، وفرد من أفراد العالم المعدودين، معروف لدى بضعة ملايين ممن طالعوا كتاباته، ولدى عشرات الملايين ممن انتفعوا بإصلاحاته. ففضله كبير عميم، وقدره رفيع عظيم. ولئن اعتبرنا صاحب المليون من الأصفر الرنان الذي يغلب أن يكون قد ابتز

стр. 948

أمواله ابتزازاً، وأتى كل فرية، واقترف كل إثم في سبيل جمعها وتوفيرها، فما قولنا في فردٍ أفاد الملايين من الناس، حتى أصحاب الملايين كما سترى؟ فهو رجل يعد برجال، وسيرته سيرة أبطال. وأنى لي في هذه العجالة أن أذكر جميع ما أعرفه عنه. مع أني لا أعرف إلا البعض من أعماله العظيمة، وآثاره الخالدة، وقد رأيت أن أكتفي بما يلي تأييداً لما سبق. ولعل قارئ هذه الأسطر من قراء معنى الحياة والسعادة والسلام اللذين نشرتهما الأول في أواسط ١٩٠٩ (وقد نفذت طبعته الأولى والثانية صادرة عن قريب) والثاني في أواخر ١٩١٠ (وطبعته على وشك النفاد). وإنما أذكر ذلك دلالةً على أن مؤلفات اللورد أفبري قد انتشر انتشاراً سريعاً حتى بين قراء العربية، على قلة عددهم وحداثة عهدهم بالإقبال على هذا النوع من المؤلفات. ولكن أين انتشارها بين ظهرانينا من انتشارها في إنكلترا وسائر الأقطار العربية! وإني لا اعلم أأخجل أم أفتخر إذ أقول إن غيرنا من الشرقيين أسبق منا إلى نقل مثل هذه الكتب إلى لغاتهم، وأكثر إقبالاً عليها واستفادة منها، فقد أعيد طبع معنى الحياة خمس مرات في اليابان ونقل إلى كثير من اللغات الشرقية التي لا تقاس بشيء من أهمية لغتنا الشريفة المحبوبة. . . ولا غرو فإنما اللغة بأبنائها. ولقد كانت أجيالنا الأخيرة أجيال ظلم وظلام، وجعل واستبداد، وتأخر وانحطاط. . . والله يعلم من الملوم ومن المسؤول. أجل أين انتشار هذه الكتب بين أقوامنا من انتشارها بين سائر الأقوام! فقد بيع من مسرات الحياة هذا ٢٥٠٠٠٠ نسخة في إنكلترا وحدها، وطبع أكثر من ٣٠ طبعة خارج البلاد الإنجليزية. وقد بيع من معنى الحياة ٢٠٠٠٠ نسخة إنكليزية، ونقل إلى كل من اللغات الأوروبية المعروفة كالفرنساوية والألمانية والتليانية إلخ وإلى أغلب لغات الدنيا

стр. 949

الحية والأقل شأناً كالبوهيمية واليونانية واليابانية والهندية (الهندوستاني) والروسية إلخ. وقد بيع للآن ٧٠٠٠٠ نسخة إنكليزية من كتابه محاسن الطبيعة وترجم إلى عدد كبير من اللغات كسابقيه. أما كتابه السعادة والسلام فقد ظهر في أواخر ١٩٠٩ ولا أعلم عدد النسخ التي بيعت منه إلى الآن ولا عدد اللغات التي نقل إليها. ولاشك أن نصيبه من الرواج كنصيب أمثاله إن لم يكن أعظم، لأنه آخر تآليفه وأتمها في هذا الموضوع. فإذا أحصينا عدد النسخ التي نفدت من الأربعة المذكورة من مؤلفاته، وذكرنا أن له غيرها في هذا الموضوع ما لا يقل عنها شاناً ورواجاً، وعلمنا أن مصنفاته عشرون ونيف، وأن ما نقل منها إلى الإفرنسية (تلك اللغة الغنية) أكثر من ١٢ وإن الرجل لا يزال ينفح العالم بنفثات يراعه - أجل إذا اعتبرنا كل ذلك سهل علينا أن نتصور كيف يكون لكاتب واحد ملايين من القراء. وهل المخاطب الكريم واحد من أولئك الملايين، وما أنا إلا واحد من مئات المترجمين لهذا المؤلف العظيم. فهل تراني كنت مبالغاً في القول إنه رجل برجال. على أن اللورد أفبري ليس كتاباً فقط. فقد أفاد العالم أجمع وإنكلترا خصوصاً بخدماته الجلى العلمية والإدارية والسياسية والاجتماعية كما يتضح لك مما يلي نقلاً عن رسالة نشرتها شركة التراجم بلندرا سنة ١٩٠٣: إن اللورد أفبري - من يعرفه جمهور العمال والمستخدمين في هذه البلاد ويذكرون جميله ويشكرون صنيعه، لأنه أول من منحهم العيد السنوي المعروف (ببنك هوليداي أي عيد المصارف البنوكة) وأول من سعى في أمر قفل محال العمل باكراً - هو رجل أتى في حياته من العمال العظيمة ما يكفي لإذاعة شهرة رجال. لأن نصيبه من خدمة العلم والآداب في القرن التاسع عشر كان نصيباً وافراً، ومصنفاته في التاريخ الطبيعي وسائر الفروع العلمية، فضلاً عن إصلاحاته المجلسية والاجتماعية، تبرهن لنا أنه

стр. 950

يمكن لرجل واحد أن يلعب في حياته عدة أدوار على مرسح هذا العالم، ويكون محرزاً الفخر الحقيقي لنفسه، وجالباً النفع العمومي على قومه وبني جنسه. ومن إصلاحاته الإدارية في عالم التجارة والماليات إحداثه الطريقة المعروفة بالتصفية المحلية. وحينما كان سكرتيراً لنقابة صيارفة لندرا (وهو مركز شغله مدة ٢٥ علماً) تم له أيضاً أن يصلح طريقة التصفية العمومية. وإذا أردت أن تتصور أهمية هذين الإصلاحين فحسبك أن تعلم قيمة الأوراق المالية التي تمر في الإدارة التي كان هو الداعي إلى تأسيسها قلما تقل عن ١٠٠. ٠٠٠. ٠٠٠ جنيه إنكليزي في اليوم الواحد. ونذكر في هذا المقام أنه تخرج في كلية ايتون حيث أظهر ذكاء غريباً، وفاز بقصب السبق في جميع الفروع، ولكنه لم يدخل جامعة اوكسفورد أو كمبردج بل دخل مدرسة العالم الكبرى وابتدأ حياته العلمية في الرابعة عشرة من عمره. وكل ما أحرزه من العلم والمعرفة بعد ذلك إنما احرزه بفضل رغبته وصدق عزيمته. والحق يقال إنه لم يرث من أبيه الأموال الطائلة فقط، بل ورث معها الأميال العلمية التي اتبعها وكان خير خلف لخير سلف. فإن أباه كان راسخ القدم وطويل الباع في الفلكيات والرياضيات وله آثار تأليفية خالدة. ولعل نجله الصغير (وهو فتى دون العشرين من السن) يكون خير خلف له أيضاً، فإنني رأيت فيه على حداثته شاباً غزير المواهب واسع الإطلاع، وقد خرجت معه لفسحة في الأحراج والجنائن المغروسة حول القصر، فشهدت وسمعت منه ما أود لو سمح المجال بذكره مثالاً للتربية الإنكليزية. ولنعد بعد هذا الاستطراد إلى حيث وصلنا من ذكر الإصلاحات التي أحدثها مؤلف هذا الكتاب في التجاريات والماليات، فنرى أن فضله يشمل حتى أصحاب الملايين، ولكنه غير مقصور على هؤلاء الأفراد القلائل، فإنه يعم الملايين، بلا

стр. 951

مبالغة. واعتبر ذلك بما تم على يده من الإصلاحات التي جاءت عن طريق مجلس النواب وأصبحت شرائع آئلة إلى نفع كل فرد من ملايين الرعايا الإنكليز. فإن عدد اللوائح التي مرت تحت نظر المجلس النيابي وكان هو العضو الساعي والناجح في تنفيذها وجعلها نظامات وشرائع مقررة يبلغ ٢٩ وهذا شأو لم يبلغه غيره من أعضاء المجالس النيابية. ومن تلك اللوائح التي أعدها وقدمها اللائحة التي قصد فيها تعديل النظام المختص بالمكاتب الحرة، وهو عمل آل ويؤول إلى زيادة انتشار العمل، ونعم المآل. ومنها أيضاً لائحة التحاويل التي أصبحت نظاماً جامعاً لجميع المواد القضائية المتعلقة بالأعمال المالية. ومنها لائحة ساعات العمل ولائحة القفل الباكر ولوائح أخرى عادت على العمال والمستخدمين بالنفع العميم. فمن وقف على مثل هذه من أعماله العظيمة فكيف يتردد في القول إنه: خدم البلاد وليس أشرف عنده ... من أن يسمى خادماً لبلاده وبلاده تحوي الملايين من النفوس، ولا غرو إذاً إن قلنا إن فضله عم عشرات الملايين. أما الرتب والألقاب التي نالها بفضل علمه وعمله، فلا أظن أنه تسنى لأحد غيره أن يفوز بمثلها عدداً وأهمية. ولنقل كلمة في هذا الصدد تنويهاً بشهرته التي أحرزها عن جدارة واستحقاق. حتى عام ١٩٠٠ كان يعرف بالسير جون لبك، وحينئذ توج لورداً وصار يعرف باللورد أفبري. وعنده رتبة لجيون دونور من الحكومة الفرنساوية، ورتبة اوردر أوف مرت من الحكومة الألمانية، وهو اليوم عضو في اللجنة الملوكانية، ومن أكبر أفراد مجلس الأعيان الإنكليزي، وعضو شريف في أكبر جمعيات العالم العلمية والفنية. وقد تنقل في أدوار حياته الحافلة بالأعمال الخطيرة بين منصب كبير إلى أكبر ومركز سام إلى أسمى. فقد كان في ١٨٨٨ نائب

стр. 952

رئيس للجنة الحسابات العمومية، وعضواً عاملاً في الهيئات الملوكانية التي تألفت لترقية العلوم، وتحسين أحوال المدارس العمومية، وإصلاح العملة الدولية، وكان أيضاً رئيس اللجنة التي وضعت نظام العملة الإنكليزية المستعملة اليوم. ومن جملة الجمعيات التي رأسها أيضاً الجمعية البريطانية وجمعية علم الحشرات والجمعية الأفريقية وجمعية الإحصاء وكان أيضاً نائب رئيس للجمعية العلمية الملوكانية، وأول رئيس لمعهد علم الاجتماع الدولي، ورئيس جمعية الآثار وما قبل التاريخ الدولية ورئيس جمعية المكاتب الدولية إلخ إلخ. ومع انه لم يدخل جامعة كما ذكر آنفاً، فإن الجامعات أقرت بقدره واعترفت بمقدرته العلمية الفائقة، فقد منحته جامعة لندن لقب نائب رئيس لها، وعنده درجة دكتور في الحقوق المدنية من أكسفورد، ودرجة دكتور في الحقوق من كامبردج، ودرجة دكتور في الطب من ورسبرج إلخ إلخ. أما أخلاقه فاقرأ كتبه وتفهم مبادئه تعرفها جميعاً، فإنه رجل يقول ما يعتقد، ويفعل ما يقول. وقد دعاني للغداء في قصره الصيفي (خارج لندرا) وجالسته وحادثته فلقيت منه شيخاً جليلاً وقوراً متواضعاً، وكان يلاطفني ويحدثني بطريقةٍ ذكرتني بقول نسيبي سليمان البستاني الذي يضارعه في كثير من الوجوه أن السنبلة الملأى هي التي تحني رأسها وهي رمز الرجل الكبير. . . أما السنبلة الفارغة فرأسها شامخ في الفضاء وهي رمز المتكبر المتكابر. . . وحبذا جعل ذكر الرجلين معاً مسك الختام، والسلام. وديع البستاني لندرا في ١٥ أكتوبر (تشرين الأول) ١٩١١

стр. 953

العدد ١٩ - بتاريخ: ١ - ١٢ - ١٩١١ المطر لا نغالي إذا قلنا إن مصر لا تعرف من فصول السنة إلا اثنين الصيف والربيع، ويكاد فصل الشتاء وما يتخلله من الزوابع والأمطار يكون فيها اسماً لغير مسمى. على أن شوكة القيظ قد انكسرت الآن وبتنا على باب ما يعد في معظم الأمصار في فصل الأمطار. أضف إلى ذلك أن توسيع نطاق الري وزيادة المغروسات واختراق الأسلاك البرقية لجونا لمما أحدث بعض التغيير في تقلبات الطقس عندنا، فصارت السحب تجود علينا بمزنها أكثر من ذي قبل، فرأينا سماءنا في شهر واحد ممطرة أكثر من ثلاث مرات. فأحببنا أن نقول كلمة في المطر وماهيته ومصدره ومظاهره المختلفة: الغيوم مصدر المدر - إن حرارة الشمس تعمل في البحار والبحيرات ومجاري المياه، فتحدث فيها ما نسميه بخاراً. تتبخر المياه فتتصاعد في الفضاء وتتركب منها تلك الغيوم التي نراها في كبد السماء.

стр. 954

ومرجع الغيوم إلى ثلاثة أنواع: منها ما هو معروف باسم سيرس وهو كناية عن قطع مستطيلة بيضاء تظهر في سماء زرقاء في أواخر الطقس الحسن. ويتفاوت علوها بين تسعة أو عشرة كيلومترات، وكثيراً ما تكون درجة حرارتها تحت الصفر، فتكون مركبة من إبر جليد سابحة في الفضاء. ومنها نوع معروف باسم كومولس وهو عبارة عن غيوم مستديرة الشكل كبيرة الحجم بيضاء اللون، كثيراً ما تغشي السماء دون أن يعقبها مطر. والنوع الثالث معروف باسم نمبس وهي غيوم قاتمة تحجب أشعة الشمس، وهي أقل ارتفاعاً من النوعين الأولين بحيث أنها تكون أحياناً على مقربة من سطح الأرض. أما الغيوم عموماً فهي مجموع نقيطات ميكروسكوبية يتلاعب بها مجرى الهواء فتتجمع معاً، ويزداد حجمها فتسقط على الأرض مطراً، ويكون سبب ذلك برودة تحدث بغتة في الهواء. وفي بعض الأحيان تتحول هذه النقط إلى إبر جمد يزيد ثقلها على الهواء فتقع وهي تذوب أثناء وقوعها. ويسهل على سكان الجبال أن يتحققوا هذا الحادث الطبيعي، لأنه عند سقوط المطر في الأودية يقع الثلج على قمم الأطواد. فمما تقدم يمكننا أن نقول إن المطر هو مبادلة الماء بين الأرض والهواء بواسطة الحرارة أولاً، والبرودة ثانياً. ولمجرى الهواء تأثير في المطر، فالهواء الماء على البحار يحمل المطر في غالب الأحيان لأنه يقذف بالغيوم المملوءة بخاراً. وقد فقه العامة والزراع ذلك فهم يقدرون وقوع المطر حسب هبوب الريح.

стр. 955

ميزان المطر - قياس كمية المطر الواقع أمر سهل لمبتغيه. وميزانه كناية عن إناء عمودي، في قسمه الأعلى قمع يستقبل المطر النازل، وكل مدة يقاس علو الماء في الإناء فتعرف كمية المطر. وفي بعض الموازين إبرة تدون على الورق الأرقام زيادة في الدقة والضبط. مياه المطر - وفي مياه المطر جراثيم ميكروبية خلا الأملاح المعدنية كالأمونياك والكلور والحامض النتريك، فليس هذا الماء إذن نقياً ظاهراً كما يعتقده الكثيرون. وأكثر الأمطار ميكروباً ما يقع في الأشهر الحارة. مقدار المطر - وليس الشتاء كما يعرف الجميع متساوي النسبة على سطح الأرض، فإن بعض الأصقاع يصيبه أكثر مما يصيب غيره. وأكثر البلاد مطراً البلاد المجاورة خط الاستواء. ففي أمريكا بلاد غوبان وفي أفريقيا سييرا ليونه وخليج جينه وشواطئ نهر النيجر، وفي آسيا وأوقيانيا جزائر جاوى وصومترة وبورنيو وملقة يصبها مطر أغزر من سائر الأقطار. ففي أنحاء سييرا ليونه مثلاً يبلغ علو المطر أربعة أمتار ونصف متر، وفي فيدجه ستة أمتار ونيفاً، ويتوصل في خليج نغال إلى اثني عشر متراً وما فوق. ومعدل المطر في سورية ٩٢ سنتيمتراً، وهو في مصر دون ذلك بكثير. ويصيب الأنحاء الجبلية عموماً من المطر نصيب أوفر من سواها وللشجر والمزروعات تأثير عظيم في استجلاب ماء السماء كما تقدم. ويقال إن مدينة باييتا في البيرو من أقحط البلاد فقد تمر سبع

стр. 956

سنوات دون أن ينزل فيها نقطة ماء. أما مقدار ما يقع سنوياً من المطر على سطح الأرض فيبلغ ٤٨٠. ٠٠٠. ٠٠٠ مليون متر مكعب. المطر الاصطناعي - لاحظ أصحاب التدقيق أن المواقع العظيمة قد عقبها غالباً مطر غير منتظر مثل مواقع هوهنلندن وايلو وواترلو (في حروب الإمبراطورية الفرنسوية) وماجنتا (في حرب إيطاليا) إلخ. وجرى مثل ذلك أيضاً عقب أكثر التمرينات الحربية المدفعية. ففي ٢٥ سبتمبر كانت جيوش المتحالفين تقوم بمثل هذه المناورات قرب بيانست وكانت الغيوم متلبدة في كبد السماء، فعند إطلاق المدافع انهمر المطر بغتة وانقشعت الغيوم. فبعد هذه المشاهدات والملاحظات أخذ العلماء يتساءلون عما إذا لم يكن لاهتزاز الهواء - وإن بطريقة اصطناعية - تأثير في سقوط المطر. وكان الفلكي الأمريكي بويرس قد ذكر في كتابه الفلك والحرب إن المواقع التي جرت في حرب أمريكا قد عقب أكثرها نزول المطر فأخذت الهمة بالقائد ديرنفورث إلى اختبار ذلك بإطلاق المدافع على الغيوم. فالتأم مؤتمر علمي لهذه الغاية وجعل له مبلغاً قدره خمسون ألف فرنك. فأجرى القائد المذكور اختباراته في ولاية تكساس من أعمال الولايات المتحدة سنة ١٨٩١ فلم يتوصل إلى نتيجة مرضية. وقام بعد ذلك العالم بودوان مستنداً إلى هذا المبدأ إن الماء ثابت في الفضاء بقوة الكهرباء، وإنه إذا توصل إلى تفريغ المجموع

стр. 957

الكهربائي بواسطة طيارة مكهربة ينال المطلوب فنجحت اختباراته بعض النجاح ولكن طيارته المكهربة كانت تعود مراراً بصفقة خاسرة فلا تليها نقطة ماء. وأصاب مثل هذا النجاح الجزئي المهندس ألن في الهند لكن بطريقةٍ أخرى، فإنه كان يرسل في الفضاء أسهماً مملوءة من الأثير، فكانت عند انفجارها تحدث برودة في الهواء من شأنها أن تحول الغيوم إلى مياه تنهمر على الأرض. هذا معظم ما رأينا ذكره في هذا الصدد سائلين أن يكون مطر هذا العام مطر خير وإقبال على الفلاح العزيز عماد الثروة والفلاح فيتسنى لنا أن نقول عن بلادنا ما قاله الشاعر فرجيل عن بلاده بلاد غنية بالرجال والغلال. محاكم الأحداث لا يمضي يوم إلا ويأتينا غيره بأخبار وحوادث لم نسمعها من قبل. فمن يوم إلى يوم، ومن شهر إلى شهر، ومن سنة إلى سنة، تظهر اختراعات وإصلاحات لم نكن نحلم بها ولم تخطر لنا على بال. . . . ومن الإصلاحات الحديثة العهد نهضة إصلاح شؤون الأحداث كما يسمونها فقد سمعنا ولا نزال نسمع كل يوم بالنظامات الجديدة والشرائع الحديثة التي تسنها الحكومات الراقية حباً بتخفيض ويلات الأحداث ومصائبهم ولاسيما العاملين منهم بأشغال مختلفة

стр. 958

كالمعادن والمعامل وما شاكل. فقامت بإصلاحات نعجز عن تعدادها الآن لضيق المقام. ومما نظرت فيه الحكومات أخيراً هو محاكمة الأحداث غير البالغين. فقد كانوا فيما مضى يعاملون كالرجال تماماً، إذ كانوا يحاكمون بموجب قانون واحد يشمل الكل على السواء. فكنت ترى الأحداث مسوقين إلى السجن ليقضوا فيه أياماً وأسابيع وشهوراً كأكبر المجرمين. ولم يكن السجن نصيبهم فقط بل كانوا يساقون إلى النطع فيعدمون كالآخرين. والتاريخ بدلنا بأجلى بيان على الأيام التي كانت رؤوس المجرمين تطير فيها عن أجساهم لجرائم لا نعدها اليوم ذنوباً تستوجب عقوبة الإعدام. فكنت ترى في إنكلترا مثلاً في القرن الماضي رجالاً ونساءً صغاراً وكباراً معلقين على أخشاب إرهاباً للجانين وتسكيناً للحوادث والجرائم. ولا نحتاج للإسهاب في موضوع القصاص والعقاب فما غرضنا الآن شرح فلسفة العقاب والثواب، بل جل ما نقصده هو إظهار عدم موافقة الحكم على الصغير كالكبير بمقتضى شريعة واحدة أو قانون واحد. وإليك حادثة حقيقية حدثت في أوائل القرن الماضي في بلاد الإنكليز مأخوذة عن كتاب (حوادث المحاكم ومجرياتها في إنكلترا) فمن القوانين التي سنت عام ١٨٣٠ قانون الإعدام لأي سرقة كانت خصوصاً سرقة المخازن، صغيراً كان السارق أو كبيراً. فالحادثة التي نحن بصددها تروي أن فتاة لا تتجاوز السابعة عشرة من عمرها قبض عليها في أحد مخازن الأقمشة الكتانية وهي تحاول السرقة وإذ كانت تخبئ القماش تحت ثوبها

стр. 959

لمحت صاحب المخزن فتركت القماش وهربت. فاتبعها الرجل بالبوليس فساقها إلى السجن تواً دون أن يسمع شكواها، وأحضرت أخيراً أمام المحكمة الجنائية فكان ما دافعت به عن نفسها قولها أنها ابنة رجل متوسط الحال وأنها كانت تعيش برخاء، ولم تعرف الشقاء ولا الجوع إلا بعد تغيب أبيها عنها لأنه كان قد مضى عليه مدة طويلة ولم يرجع إلى البيت. ولما لم يكن إلا والدها سنداً لها ولأخوتها الصغار عضهم الجوع وقرصهم البرد لطول غيبته عنهم. فأخذت هي تجول في أسواق المدينة علها تجد شيئاً تسد به رمق إخوتها ورمقها، فأعياها التعب والكلال ولم تر نفسها إلا داخل المخزن فدفعها ما كانت عليه من الجهد إلى أخذ بعض الأقمشة لتبيعها وتتقوت بثمنها. فحدث لها ما تقدم. ولما كان غرض المحكمة بتجريمها ومعاقبتها إرهاباً وعبرة، رأى القضاة أن يشددوا في القصاص فعلقوها على خشبة في ساحة المدينة كأكبر المجرمين. أهذا هو العدل وهل كان حكمهم عادلاً؟ إذا نظرنا إلى القانون المسنون في ذلك الحين نرى انه كان حقاً ولكن هل يعد القانون الذي يقضي قضاء كهذا قانوناً عادلاً؟ أو هل كان إعداد تلك الابنة إرهاباً للمجرمين والسارقين. كل العمر الحق بل قد جاء في الكتاب الذي أخذنا عنه هذه الحادثة أن تعدد السرقات لم ينقص بل ظل آخذاً بالازدياد. والعقاب لا نفع منه إلا إذا كان غرضه مساعدة الفرد الواحد وإصلاحه ففي إصلاح الفرد صلاح الأمة وفي تهذيب الشعب إصلاح الرؤساء والحكام.

стр. 960

كلنا يعلم أن بذور الشر والجريمة سهل زرعها في الصغير. ومتى شب عليها تمكنت منه فقادته إلى شر الهلاك وكانت عاقبة أمره الدمار. ومن النادر أن ترى مجرماً لم تتمكن فيه عاداته وأعماله منذ الصغر. فإذا لم ينقد الفتى في ما بين الرابعة عشرة والعشرين من عمره إلى الشرور والجرائم لا خوف عليه من التهور فيها بعد ذلك. فالعمر المذكور هو الذي تنمو فيه أخلاق الفتى والفتاة، وتتكون فيهما العواطف والانفعالات فيكونان شديدي التأثر من الانفعالات الداخلية والمؤثرات الخارجية على السواء. فإن كانت هذه الانفعالات والمؤثرات رديئة فاسدة تمكنت في الولد فيشب عليها ويصبح شريراً فاسداً، والعكس بالعكس. وهذا معنى قولهم العلم في الصغر كالنقش في الحجر. ثلاثة عوامل تؤثر في الولد في صغره فتقوده إما إلى النعيم وإما إلى الجحيم: أولها أوهمها في غرس المبادئ وإنمائها هو البيت وأعني به كل ما هو داخل البيت وخارجه من العوامل والفواعل التي تؤثر في الولد في حداثته كتصرف الأب والأم والأخوة والأخوات وطرق المعاملة بينهم إلى غير مما لا نحتاج لذكره الآن. والعامل الثاني هو المدرسة فكل ما يجري بالمدرسة من تصرف المعلمين ومعاملتهم لتلاميذهم وسلوك التلاميذ مع بعضهم البعض وسياسة المدرسة نفسها كل هذه أو بعضها معاً تؤثر في الولد أشد التأثير فلهذا يختار في المدارس الراقية أفضل المعلمين صفات وآداباً وعلماً وتسن القوانين والنظامات التي تؤول إلى خير الولد علماً وأدباً.

стр. 961

والعامل الثالث هو الدين ويراد به مجموع التعاليم والفوائد الدينية التي يأخذها الإنسان لنفسه دستوراً فيعيش سالكاً بموجبه. فالدين من أشد المؤثرات على الأفعال وهو الضابط لكثير من الشرور والقبائح والمانع لضروب من المفسدات والجرائم. فإن عجز البيت عن إتمام واجباته فقد أعظم العوامل في تربية الولد فتقع إذ ذاك المسؤولية على أولياء الأمور وقد يعجز هؤلاء في أغلب الأحيان عن القيام بأعباء ما يلقى إليهم من إتمام واجبات آباء أهملوا شأن أولادهم. وقد رأينا أن الحكومة في الماضي كانت تعامل أولاداً كهؤلاء معاملة البالغين تماماً متغاضية عن البون الشاسع بين الفريقين. ولكنها قد أفاقت من غفلتها وسرى إليها حب السعي والإقدام والقيام بالواجب فسعت في هذه الأيام لتخفيف ويلات الأحداث غير البالغين فأصدرت لذلك في أكثر الممالك المتمدنة القوانين والنظامات بمنع تشغيل الحدث كالرجل لاسيما في المعامل والمعادن. فقامت عليها قيامة أصحاب المعامل والمعادن فأصلتهم حرباً عواناً دارت عليهم بها الدائرة. ولما رأت أن هذا لا يعد إصلاحاً تاماً عاودت الكرة فكانت هذه أشد من الأولى لأنها عرفت أصل الفساد ومنبع الشرور فأعدت لذلك سبيلاً إذ أنشأت محاكم خصوصية للنظر في شؤون الأحداث وطرق إصلاحهم فكان ذلك من أجل ما فعلته لإصلاح الأحداث. هذه هي المحاكم التي نحن بصددها الآن وسنأتي على تفصيلها وبيان أحوالها في العدد الثاني إن شاء الله. توفيق جريديني

стр. 962

رسائل غرام بين نساء شهيرات ورجال عظام الرسالة الرابعة من مدام ركاميه إلى السير رالف انزورث (في القرن الثامن عشر ولدت فرنسا للعالم نبوليون ابن المريخ ومدام ركاميه ابنة الزهرة. فأخضع الأول العالم بسيفه وأخضعته الثانية بجمالها. واشتد النضال بين الاثنين. فبينما كان العالم يركع عند قدمي باريس كانت باريس تركع عند قدمي مدام ركاميه. وأراد ذلك الجبار أن يتزوجها فرفضته لأن مفتاح قلبها كان بيد شاب من أشراف الإنكليز. ولم يكن نبوليون الرجل الوحيد الذي رفضته. فقد ذكر التاريخ من الذين تزاحموا عليها عدداً غير قليل منهم البرنس أوغسطوس البروسياني والدوق ولنتون الإنكليزي وغرندوق آخر عظيم وجمهور من الحكام والأشراف والعظماء ورجال السيف والقلم. فكانت ترفض الجميع على حد سواء لأنها وهبت قلبها للشاب المذكور وقد كان سابقاً رئيس جمعية تألفت يومئذ من أشراف الإنكليز لإنقاذ الأشراف الفرنسويين من مخالب الثورة الفرنسوية. ولكن موانع حالت دون اقترانها بحبيبها فاقترنت بغيره مكرهة. وكان زواجها هذا ارتباطاً اسمياً فقط. ثم مات حبيبها بعيداً عنها ومات بعده زوجها أيضاً. وقيل أن نبوليون سبب موت زوجها انتقاماً منها. على أن باريس كانت تفديها من غضب نبوليون ولهذا لم يستطع أن ينالها بأذى. وبعد سنين قليلة نشأت مودة عظيمة بينها وبين شاتوبريان الكاتب الإفرنسي الشهير فزعم الناس أنها ستقترن به ولكن قلبها كان لا يزال متعلقاً بذكرى حبيبها القديم. وقد بقيت أربعاً وثلاثين سنة وعالم الجمال خاضع لسلطتها. وفي أثناء مرضها كتبت الرسالة الآتية إلا السر انزورث ولكنها لم تستطع إكمالها فختمتها صديقتها مدام ستايل الكاتبة الإفرنسية

стр. 963

الشهيرة وكانت من أعز صاحباتها. ولمدام ركاميه صورة شهيرة في أحد متاحف باريس الكبرى) ملاكي الحارس: جلست الآن إلى نافذتي أراقب الأفق وأنظر إلى الغيوم القطنية تنعكس عنها أشعة الشمس الحمراء. وقد هاج مرآها في نفسي عواطف وتذكارات رجعت بي إلى أيامنا السالفة فأخذت القلم لأكتب إليك هذه السطور مع أن الطبيب قد نهاني عن الكتابة والمطالعة وأمرني بالتزام الراحة والسكون. ولكنني أشعر بشوق إلى مخاطبتك ولو عن بعد وأريد أن أبث إليك ما أبقته الأيام من آثار ذلك الحب القديم. لست أعلم أين أنت يا رالف فقد طال عهد فراقتنا حتى صرت أرى أيامنا الماضية أشبه بغمامة صيف لاحت قليلاً ثم تلاشت في الفضاء. يقولون لي إنك الآن في الهند حيث تتمتع بهواء أجف من هوائنا فإن الفصل عندنا الخريف ومرأى الأغصان المجردة يثير في النفس لواعج محزنة. ولو كنت هنا لأحزنك مشهد الأشجار العارية والحقول المقفرة فإن زقزقة العصفورة قد انقطعت وهديل الحمام قد بطل ولم يبق إلا خرير الماء يملأ الوادي كأنه أنة عاشق منكسر القلب. وقد أذكرتني هذه الشمس الزائلة وقفتنا الأخيرة عند الغروب يوم أتيت لتعيد إلي رسائلي وتأخذ رسائلك لأن أهلك وقفوا يومئذ بيننا وحالوا دون تحقيق أحلامنا السعيدة. في ذمة الله تلك الأيام الماضية! في ذمة الله أحلام غرام لم يبق

стр. 964

منها إلا ذكرى تتضاءل بمرور الأيام. أيعود الماضي فيبعث لنا من أكفانه أماني دفناها فيه؟ أيعود فيحيي لنا آمالاً كانت تظللنا بأجنحتها الذهبية؟ هوذا الآن قد انطوت تلك الأجنحة واستراح الرقباء الذين لم يكونوا يغمضون عنا أجفانهم حتى بلغوا من أمانيهم أن فرقوا بيننا فلا يعلم أحدنا بمقر الآخر. بل إن مقرك في فؤادي يا رالف. وإنما فقدت فؤادي ففقدتك معه. وقد كنت أظللك بأجنحة الحب وأرسل عليك أشعة الحب وأسمعك أناشيد الحب فلم يبق اليوم من تلك الأجنحة إلا سحابة زائلة ومن تلك الأشعة إلا نور ضئيل ومن تلك الأناشيد إلا خفوق قلب منكسر. قضيت أشهر الصيف متقلبة على سرير المرض. وأنا الآن في طور النقه. يقولون لي إنني كنت أردد اسمك في ساعات غيبوبتي وأذكر أيامنا الماضية. أما أنا فلا أتذكر من ذلك سوى أنني كنت كلما سمعت صوتاً بباب غرفتي ألتفت لأرى هل أنت الداخل أم غيرك. كنت في أثناء مرضي أتعزى بفكر غريب. كنت أعلل نفسي بالموت وأتمنى أن أنتقل إلى عالم الأرواح لكي تحلق روحي في فضاء الأبدية فترفرف حولك وترقبك من علوها الشاهق. ولكن فكراً آخر كان يروعني فقد كنت أخشى أن يزيد موتي في حزنك فلا تعود ترى لذة في الحياة. ولكن من يعلم؟ لعل حبي لك غير حبك لي يا رالف. أنا أعلم أنك تفضلني في كل شيء. فأنت أشرف مني أصلاً وأغنى ثروة وأجمل طلعة وأوسع جاهاً وأكثر ذكاء. أنت تفوقني في كل شيء. ولكن

стр. 965

هنالك شيئاً واحداً أفوقك فيه وهو الحب. حبي لك مستمد من حب الملائكة فهو أنقى من ندى الصباح وأرق من خطرات النسيم وأرسخ من راسيات الجبال وأطول من مدى الخلود وأبعد من حدود الأبدية. حبي لك يريني للحياة معنى جديداً فيصورها ربيعاً مستمراً. ولكنه يخيفني من الخلود لأن الخلود قصير المدى في نظر العاشقين. أجل يا رالف. كثيراً ما تمر بي دقائق تزيد في شقائي فاندم لأنني رضيت بالبعد عنك وأتمنى لو أبيت مفارقتك على رغم معارضة أهلك. ولكنني أعود فأتعزى بهذا الفكر وهو أنني فعلت ذلك لكي أكفيك مؤونة الخلاف مع أهلك لأنني أكره أن أكون السبب في ذلك. أنا أميل اليوم إلى الوحدة وأجد فيها تسلية كبيرة لأنني أستطيع بها أن أتفرغ للتفكر فيك. هل تذكر كم كنت محبة للهو والمرح؟ وأما اليوم فإنني أحب العزلة لأنني أجد في هدوء الطبيعة عظة أبلغ من النطق، وأسمع من خلال سكوتها أناشيد هلاس ذات القيثارة الذهبية فأتصورني مترامية بين ذراعيك أحدق النظر فيك وأسر إليك نغمات الغرام. لعلي أطلت هذه الرسالة عليك. ولكن قلبي مفعم بتذكارات تهيج في نفسي لواعج حزن وسرور وأنا أريد أن أبثك ما أستطيع من مكنونات الفؤاد إذ من يدري هل أعود فأجد فرصة كهذه لمناجاتك أيها الحبيب؟ ولكن الظلام قد أحدق فسأبقي هذه الرسالة إلى الغد. إلى الغد. . . . . . . . .

стр. 966

(بعد أسبوع) مولاي. . . طلبت إلي جان أن أكمل هذه الرسالة وأبعث بها إليك فقد علمت عنوانك ولاشك أنك تود الوقوف على خبر منها. مسكينة جان! إنها تحبك حتى الموت وتزدري العالم كله من أجلك. مضى عليها يومان وهي في غيبوبة لا تشعر معها بشيء وتراني جالسة إلى سريرها أذرف العبرات ولكنني أتجلد قدامها وأتعلل بالآمال. قلت لها أول البارحة إن الطبيب شديد الأمل بشفائك فابتسمت ابتسامة ازدراء وأدارت رأسها على وسادتها كأنها تقول: أنا أخبر بنفسي من الطبيب حقاً لو تراها اليوم لأدهشك كم قد غيرها الزمان. ليتك تحضر وتشاهدها فلعل رؤيتك تعيد إليها شيئاً من الحياة. . . (بقلم سليم عبد الأحد) مدام ستايل الحرب اليونانية العثمانية موقعة دوموكوس يوم ١٧ مايو (أيار) سنة ١٨٩٧ عند الساعة الرابعة من صبيحة هذا النهار نبه البوق الجنود العثمانيين، فهبوا من رقادهم، وعكفوا على الصلاة، فكان لهم لغط في غدر ذلك الوادي

стр. 967

الفسيح. ثم مالوا إلى القهوة فكانوا يشربونها، وهم يسرجون خيولهم ويتحدثون، فتبدل لغطهم حينئذ بضوضاء شديدة كان يخالطها ضجيج الفرح لشعورهم بأنهم كانوا يتأهبون في تلك الساعة للحرب والكفاح. أما أنا فسقت جوادي أريد اللحاق بفرقتي نشأت باشا وخيري باشا، لأني كنت قد عقدت النية على أن لا أصف إلا ما أراه بعيني، ولا أكتب إلا عن يقين. وكانت إلى جانبنا الأيمن طريق دوموكوس التي كنت مزمعاً أن أسلكها مجتازاً في ختامها تلة غير مرتفعة لا يكترث لها. على أنه كان أمامنا في منحدر ذلك التل ممر وعر، ناشز الصخور، كثير الثلوم كأن الفتى ... إذا زل يهوي على مبرد وكان هذا الممر الضيق ينتهي من الجانب الآخر بفرسالا وهو أقرب الطرق إلى ذلك السهل، ولكنه ليس بالسبيل الوحيد إليه لأن

стр. 968

هنالك طريقاً أخرى كان يمكننا أن نسلكها عن جانبنا الشمالي الأقصى وهي ممتدة من فاليستينون على مقربة من الشاطئ البحري إلى خالميروس من حيث تسهل مهاجمة دوموكوس ولكن من ورائها لا من أمامها مواجهة. وكانت خطة الجيش العثماني أن يسر نشأت باشا والحاج خيري باشا بكتيبتيهما الأولى والثانية في الطريق الأولى الوعرة فيهاجمان دوموكوس من الأمام، وأن يمشي ممدوح باشا وحقي باشا بفرقتيهما الثالثة والرابعة متتبعين الطريق الأخرى فيهاجمانها من الوراء بحيث يطوق العثمانيون دوموكوس ويلتفون حولها. أما أنا فاتبعت الفصيلتين الهاجمتين من الأمام! وصعدنا إلى التل واجتزناه مسرعين حتى إذا دخلنا في الممر الضيق أبصرنا مسيل ماء ينحدر على الصخور الناتئة إلى وادٍ، بينا هو يتسع أمامنا إذا به يضيق كثيراً من الجنوب وقد اخضر زرعه وارتفعت فيه سنابل الشعير ارتفاعاً كثيراً عن الأرض كانت تظهر لنا في وسطه ومن خلاله قبالة أطرافه العالية، قرى كبيرة تحيط بها تلك السهول الخضراء فتبين لنا كالجزر في البحر. ومشى جنود خيري ونشأت في وسط تلك الزروع فاستولوا على أقرب القرى بدون أن يتكبدوا خسارة ما. وكان رجال المدفعية يطلقون القنابل من خلال سنابل الشعير العالية فلم نكن نستطيع أن نعلم قوة تأثيرها في العدو إلا ساعة كانت تشب النار في مراميها ويصعد اللهيب إلى العلاء ويبين لنا دخان القرى المحترقة كعمود منتصب في الفضاء. أما اليونانيون فأخذوا يطلقون علينا مدافعهم ولكننا

стр. 969

كنا نرى فرسانهم يحثون خيولهم هاربين مسرعين. ولم يكن يعبأ العثمانيون بنيران العدو بل كانوا يتقدمون إلى الأمام وهم لا يطلقون بنادقهم لأن قنابل مدافعهم كانت تكفل لهم وحدها هزيمة اليونان. وكان هؤلاء قد تكاثر عددهم وتألبت جموعهم حينئذ، غير أن المدافع العثمانية أمطرتهم ناراً حامية فرأينا إحدى كتائبهم قد نكصت على أعقابها وارتدت إلى الوراء تريد الالتجاء إلى دوموكوس. فكان ذلك بدء انهزامهم لأننا ما لبثنا أن رأينا فرقهم تتشتت عن شمالنا، وتحرق القرى والدساكر في طريقها وهي فارة لا تلوي على شيء. وتصاعد لهيب النار حينئذ إلى عنان الجو، وتلبد الدخان في الفضاء فذعرت الطير في أوكارها، وروعت اللقالق في أعشاشها فكنا نراها هاربة خائفة تمر فوق رؤوسنا مرور السهام أطلقت عن القوس. وكان العثمانيون يتقدمون بسرعة إلى مواقف العد حتى أصبحنا نرى الجيشين مرأى العين. وحينئذ انصلت الفرقتان العثمانيتان فمشت فرقة نشأت باشا بقدم ثابتة في وسط السهل إلى شبه تلة صخرية عالية، وسارت فرقة الحاج خيري باشا إلى الشمال. وكان اليونانيون قد تحصنوا خلف قمم من التراب أقاموها للاحتماء بها فأخذوا يطلقون نيرانهم من ورائها. ووقعت في تلك الساعة قنبلة على قيد خطوتين منا ولكنها لم تنفجر ولم تزحزح الكولونل بوي دلاتور رئيس البعثة السويسرية الحربية الذي كان واقفاً إلى جانبي فالتفت إلي وتبسم ابتساماً معنوياً، ثم تناول علبة طون من جرابه وأشار إلي فتقدمت منه واقتسمناها

стр. 970

معاً. وهي منة له علي لن أنساها أبد الدهر. ثم صعدنا إلى التلة الصغيرة فأشرفنا منها على العسكريين وقد التقيا وجهاً لوجه. ولم تكن إلا دقائق قليلة حتى شبت بينهما نيران معركة طاحنة. وكنا نسمع في الوقت نفسه دوي البارود، ونرى تفجر القنابل من الجانب الآخر حيث كان قد سار خيري باشا برجاله. ولما طال أمد المعركة وقد صمت آذاننا، وغشا الدخان عيوننا أبصرنا فريقاً من المشاة العثمانيين هاجماً على قلب العسكر اليوناني وقد أخذ اليونانيون يصوبون رصاصهم عليه وهو سائر غير مكترث. فما هي إلا هنيهة حتى تزحزح اليونان عن مراكزهم وارتدوا إلى الوراء. وكانت طلقات البنادق المتواصلة حينئذ أشبه بقرقعة الآلة الكاتبة تكتب عليها يد خفيفة رشيقة. وحدقنا بأبصارنا إلى جهة اليونانيين فرأينا إحدى الفرق قد غادرت مركزها في القلب حيث هجم العثمانيون وولت الأدبار منهزمة إلى جهة دوموكوس. ولكن ضابطاً يونانياً خف إليها فردها إلى مواقفها. أما فرقة الحاج خيري باشا فإننا لم نرها ولم نعرف أخبارها إلا حين صرنا نرى اليونانيين يفرون من قدامها إلى الجانب الأيسر المحاذي للتل الذي كنا واقفين عليه. فتحققنا حينئذ أن النصر تم أو كاد يتم للعثمانيين. وفي تلك الساعة وصلت إلى ساحة القتال فرقتان لإنجاد العثمانيين أرسلهما أدهم باشا فانضمتا إلى خيري باشا وعززتا موقفه. وأبصرت أدهم باشا حينئذ راكباً جواداً صغيراً هزيلاً وهو رجل

стр. 971

ذكي الفؤاد رزين بارد الطبع، وقد تقدم منه أحد الضباط طالباً إليه أن يصدر أوامره بالهجوم على الأعداء ولكنه لم يجاوبه بل تبسم ثم التفت إلى ضابطين واقفين حذاءه فأسر إليهما كلمتين فهمنا بعدئذ معناهما إذ أبصرنا فرقتي ممدوح باشا وحقي باشا قد ظهرتا للعيان وأتمتا حركة الالتفاف حول دوموكوس. وأصبح اليونانيون حينئذ تحت رحمة العثمانيين إذ طوقتهم هؤلاء من الجهات الأربع. فلما تبينا هذه الحقيقة تقدم الملحق العسكري الألماني من أدهم باشا وقال له: إنك تستطيع يا حضرة القائد أن توجد في هذا المكان معركة سيدان أخرى فإن اليونانيين كما ترى قد أخذوا في الشبكة ولن يستطيعوا الانفلات منها فسكت أدهم باشا ولم يكترث لما قيل له. فقلت في نفسي حينئذ أن هذه الحرب إنما تجمع بين السياسة والحرب معاً. فالعثمانيون كما يخيل إلي لا يريدون التمادي في القساوة والضغط على اليونانيين لكيلا يثور عليهم الرأي العام في أوروبا وإلا لكانوا قادرين أن يفعلوا أضعاف أضعاف ما فعلوه. * * * ولما أصبح الصباح التالي كان العثمانيون قد بلغوا منتهى آمالهم. وقد أشرفت طلائعهم على لاميا بلاد اليونان الحقيقية، ووطنهم الأصلي القديم. وكان الألبانيون أولئك الشجعان الصناديد لا يزالون يطلقون بنادقهم على العدو الذي كان قد ربط في رؤوس بنادقه المناديل البيضاء كأنما كان يريد أن يقول: رحماكم فإن الصلح قد تم.

стр. 972

هكذا انقضت هذه المعركة، بل هكذا انقضت هذه الحرب التي لم تكن إلا أشبه شيء بمأساة تمثيلية مثلت سهول فرسالا آخر فصولها المحزنة. بيار ميل مكاتب جريدة الديبا الحربي وبعد هذه التفاصيل المنقولة عن شاهد عياني نروي الأبيات الآتية لشوقي بك من قصيدته العصماء التي وصف فيها تلك الحرب أبلغ وصف، قال في الهزيمة: ونادى منادٍ للهزيمة في الملا ... وإن منادي الترك يدنو ويقرب فأعرض عن قواده الجند شارداً ... وعلمه قواده كيف يهرب وطار الأهالي نافرين إلى الفلا ... مئين وآلافاً تهيم وتسرب نجوا بالنفوس الذاهلات وما نجوا ... بغير يد صفر وأخرى تقلب يسير على أشلاء والده الفتى ... وينسى هناك المرضع الأم والأدب وتمضي السرايا واطئات بخيلها ... أرامل تبكي أو ثواكل تندب فمن راجل تهوي السنون برجله ... ومن فارس تمشي النساء ويركب يكادون من ذعر تفر ديارهم ... وتنجو الرواسي لو حواهن مشعب يكاد الثرى من تحتهم يلج الثرى ... ويقضهم بعض الأرض ويقضب تكاد تمس الأرض مساً نعالهم ... ولو وجدوا سبلاً إلى الجو نكبوا هزيمة من لا هازم يستحثه ... ولا طار يدعو لذاك ويوجب

стр. 973

الأستاذ مرغليوث الأستاذ مرغليوث إنكليزي ناطق بالضاد. . . فإنه مستشرق تضلع من العربية وملك عنانها. ولا بدع فإنه وقف عليها ذكاء خارقاً وعزيمة ماضية. فهو اليوم ملم بعلومها وآدابها إلماماً قلما تسنى لغيره من المستشرقين. وهو يقيم في أكسفورد مدينة العلم وهي على نحو ٦٠ ميلاً من لندرا، سكانها طلبة، ومخازنها مكاتب، وشوارعها حدائق. أهم مبانيها وأقدمها ثلاثة وعشرون هي صروح العلم منذ القرن الرابع عشر، إذ هي

стр. 974

المباني المتفرقة هنا وهناك التي تتألف منها جامعة أكسفورد الشهيرة. وأستاذنا أستاذ العربية في هذه الجامعة. زرته في بيته وخاطبته بالإنكليزية فرد علي بالعربية، وهو يتكلمها بكل طلاقة ويجيد الأسلوب العامي (الشامي والمصري) لأنه زار القطرين غير مرة ومكث فيهما مدة طويل. وهو معروف لدى جمهور من أدباء القطرين وعلمائهما وله منهم صفوة أخوان يجلهم ويجلونه. وهو رجل على علو قدره وسمو مكانته في عالم الأدب متواضع لين الجانب، يمدحه عارفوه، وتعظمه أفعاله. وقد ذكره لي زميله أرنولد وقال: إنه فرد نادر الذكاء فقد كان يفوز بقصب السبق على أقرانه مدة تلمذته بطولها، وإنه لذو مقدرة غريبة في درس اللغات وإتقانها. فلتفتخر العربية بأن مثل ذكائه ومقدرته موقوفان عليها دون سائر اللغات الشرقية. أما ما يجيئه الآن من خدمة هذه اللغة المظلومة فهو طبع كتاب معجم الأدباء لياقوت الرومي. فإن لديه النسخة الخطية الوحيدة من هذا الكتاب. وقد أراني الجزء الذي تم طبعه فرأيته حافلاً بالشروح والتفاسير التي تشهد له بسعة الإطلاع وطول الباع في علوم اللغة وآدابها. وقد ظهر له مؤخراً كتاب جليل في الإسلام كنت قد طالعته قبل التشرف بمقابلته، فحدثتني نفسي بنقله إلى العربية لما وجدت في فصوله من الإحصاءات والحقائق التاريخية والأبحاث الفلسفية والسياسية مما يهم

стр. 975

الإطلاع عليه كل متصدر للبحث والكتابة في الشؤون العربية والإسلامية على الإطلاق. وهو سفر مختصر بحث فيه عن ماضي الإسلام وحاضره من أوجه الدين والأمة والدولة جميعاً بحثاً دقيقاً متحاشياً فيه ذكر كل ما يحرج الإحساسات، ومقتصراً على إيراد الحقائق وإرداف النتائج بأسبابها. وقد طلبت إليه أن يتحف الزهور برسمه الكري وبنفثة من يراعه العربي، فتفضل بقبول متمناي وبعث إلي إلى لندن بالرسم وقد وقع اسمع عليه بيده، وبالجملة التالية وقد كتبها بقلمه البليغ. وديع البستاني مذهب المستشرقين ذكر صاحب الفخري في أخبار أمير المؤمنين عبد الملك أن مذهب المستعربين اخترع في عصره وهو يريد بهم رجالاً من الجانب اتخذوا اللغة العربية لغة وتزيوا بآداب العرب. قياساً على تلك الكلمة وضع في أيامنا اسم المستشرقين تسمية لمن ينتمي إلى علوم الشرق من أهل الغرب لا كالذين يشير إليهم المتنبي بقوله: وقد يتزيا بالهوى غير أهله ... ويستصحب الإنسان من لا يلائمه فإن فيهم أناساً لا يطعن في أهليتهم، وإنما تركوا جادة طريقة أصحابهم لأسباب نريد أن نبينها لمن ذهبت عنه أو خفيت عليه. فأول داعية دعت قوماً من علماء الإفرنج إلى اكتساب العلوم الشرقية هي الديانة. فإن التوراة أساس أسس عليه الدين المسيحي ولغتها الأصلية عبرانية تختص باليهود الذين مع حفظهم لكتابهم المقدس وتعبدهم بفروضه

стр. 976

لم يهتدوا إلى تبويب وتدوين قواعدها وقوانينها إلا بعد توطئة نوابغ نحويي الإسلام للطريق. وبعد ما ألف سيبويه كتابه وجمع أبو عبيد غريبه ورتب الراغب مفرداته حملت بعض أساتذة اليهود الغيرة على الاقتداء بهم. وقد سهل ذلك عليهم ما بين اللغتين من التقارب والتشابه فلما استهل عند الإفرنج قمر المعارف صار لاهوتيوهم يأخذون من علماء اليهود تفسير التوراة. وبتقفية الآثار تدرجوا إلى الموارد العربية فأصبح كل من يرغب في الوقوف على حقائق معاني التوراة طالباً للعربية لا يستغني عن طرف منها. فالسبب الأصلي في تأسيس أستاذيات اللغة العربية عند الإفرنج هو ديني صرف أضيف إليه ما كان اشتهر من حذق أطباء العرب وحكمائهم ومنجميهم وأنه لم يزل عندهم متون أئمة اليونان القدماء وشروحها وكان طلبة الطب عندنا قبل ٢٥٠ سنة يضطرون إلى حضور دروس مدرس العربية. ثم عندما بلغت حرية الأفكار ما بلغت وأنتجت علوم جديدة تنقر عن الإنسان من حيث هو إنسان وتبحث عن مصادر السياسات والأديان وتاريخ الممالك والبلدان واختلاف الأنواع باختلاف الزمان والمكان لم يخف على المتبحرين في هذه العلوم اتساع الممالك الإسلامية وعظم ما تشتمل عليه من الموارد اللازمة لأشغالهم من آثار متواثرة وعوائد غير محل بها ومذاهب متشعبة وطرائق متفاوتة فازدادوا رغبة في الحصول على الآلات التي تمكنهم من الاكتشاف عن خفايا التاريخ وهؤلاء لابد لهم من الاستشراق. - مرغليوث

стр. 977

في حدائق العرب الحرب الحرب رحى ثفالها الصبر، وقطبها المكر، ومدارها الاجتهاد، ونفاقها الأناة، وزمامها الحذر. ولكل شيء من هذه ثمرة: فثمرة الصبر التأييد، وثمرة المكر الظفر، وثمرة الاجتهاد التوفيق، وثمرة الأناة اليمن، وثمرة الحذر السلامة. ولكل مقام مقال، ولكل زمان رجال، والحرب بين الناس سجال، والرأي فيها أبلغ من القتال. قال عمر بن الخطاب لعمرو بن معدي كرب: صف لنا الحرب قال: مرة المذاق إذا كشفت عن ساق، من صبر فيها عرف، ومن نكل عنها تلف، ثم أنشأ يقول: الحرب أول ما تكون فتية ... تسعى بزينتها لكل جهول حتى إذا حميت وشب ضرامها ... عادت عجوزاً غير ذات حليل شمطاء جزت رأسها وتنكرت ... مكروهة للشم والتقبيل وقال عنترة الفوارس: أول الحرب شكوى، وأوسطها نجوى، وآخرها بلوى. وقال نصر بن سيار، صاحب خراسان، يصف مبتدأ الحرب: أرى خلل الرماد وميض نار ... ويوشك أن يكون لها ضرام فإن النار بالعودين تذكى ... وإن الحرب أولها كلام والعرب تقول: الحرب غشوم، لأنها تنال غير الجاني ومن أقوالهم: الشجاعة وقاية، والجبن مقتلة.

стр. 978

وقال هشام بن عبد الملك لأخيه مسلمة: هل دخلك ذعر قط لحرب أو عدو؟ - قال: ما سلمت من ذعر نبهني إلى حيلة، ولم يغشني ذعر سلبني رأيي. - قال هشام: هذه والله البسالة. وكان يزيد بن المهلب يتمثل كثيراً في الحرب بقول حصين بن الحمام: تأخرت استبقي الحياة فلم أجد ... لنفسي حياة مثل أن أتقدما وقال المهلب لبيته: عليكم بالمكيدة في الحرب، فإنها أبلغ من النجدة. وسئل أهل التمرين بالحرب: أي المكايد فيها أحزم؟ - قال: إذكاء العيون، وإفشاء الغلبة، واستطلاع الأخبار، وإظهار السرور، وأمانة الفرق، والاحتراس من المكايد الباطنة من غير استقصار لمستنصح ولا استناد لمستفش، وإشغال الناس عما هم فيه من الحرب بغيره. وكان قتيبة بن مسلم يقول لأصحابه: إذا غزوتم فأطيلوا الأظفار وقصوا الشعر، والحظوا الناس شزراً وكلموهم رمزاً واطعنوهم وخزاً. وكان أبو مسلم يقول لوقاده: أشعروا قلوبكم الجرأة، فإنها من أسباب الظفر. وأكثروا ذكر الضغائن فإنها تعبث على الإقدام، والزموا الطاعة فإنها حصن المحارب. وكانوا يتمادحون بالموت قطعاً، ويتهاجون بالموت على الفراش، ويقولون فيه: مات فلان حتف أنفه. ولما بلغ عبد الله بن الزبير مقتل أخيه قال: إن يقتل فقد قتل أبوه وأخوه وعمه، إنا والله لا نموت حتفاً ولكن قطعاً بأطراف الرماح وموتاً تحت ظلال السيوف، ومن ذلك قول السموأل: وما مات منا سيد حتف أنفه.

стр. 979

في رياض الشعر أمين بك ناصر الدين رئيس تحرير جريدة الصفاء صاحب هذا الرسم هو صاحب تلك القصائد الجميلة التي نشرتها الزهور في بعض أعدادها السابقة، والتي ما برحت تنشر منها إلى اليوم ما توقفت إليه. وهو الشاعر الذي قلنا عنه يوم نقلنا لقرائنا قصيدته شاعر يناجي صورة إنه معروف في سورية ولبنان ومجهول في مصر،

стр. 980

ووعدنا حينئذ بتمثيل رسمه على إحدى صفحات الزهور لنجمع بين صورتيه المعنوية والشخصية. ولقد سرنا أن فريقاً كبيراً من الأدباء أعجب بشعر هذا الشاعر المجيد، وهو ما توقعناه من قبل، فكتب إلينا يسألنا عنه، ويلح علينا بنشر ترجمته إلى جانب رسمه، فخاطبناه في ذلك فبعث إلينا حضرته بالكلمة التالية فلم نر خيراً من نشرها كما هي. قال: طلبت إلي كلمة تعرفني إلى القراء. فإن أردت تلك الكلمة عن منتماي فهو إلى الشيخ بدر الدين الذي كانت بينه وبين الأمراء المعنيين صلة قربة. وهذا الجد الأعلى رزقه الله عده أبناء منهم ناصر الدين الذي نسبت إليه أسرتنا. كان بدر الدين يقطن عين داره وتوفاه الله فيها وبها قبره إلى الآن. ثم طرأت بعد موته حوادث صدعت شمل أبنائه فانتحى كل منهم ناحية. وكان إن اتخذ ناصر الدين كفر متى وطناً له. وإن أردتها عن مولدي فقد كان في شهر محرم الحرام من سنة ١٢٩٧ هجرية. فعمري الآن اثنتان وثلاثون سنة. وأشهر حوادث حداثتي أني كنت أقول أبياتاً من الشعر قبل أن تعلمت القراءة والخط فكان والدي يكتبها لي، ويصحح لغتها دون وزنها. ومرة بعثت إلى المرحوم الخليل خليل اليازجي، وكان مصطافاً في عبيه، ببيتين من شعري الصبياني فسر بهما كثيراً وأجابني عليهما بهذه الأبيات: أنت الصغير الكبير النفس منتسباً ... بها لأسلافك الشم العرانين

стр. 981

هلال سعد نرجي منه بدر سناً ... يلوح في أفق باليمن مقرون غالبت فن القريض المستطاب وقد ... غلبته بانتصار منك ميمون منه لك الأمن والنصر المبين ولا ... بدع فأنت أمين ناصر الدين ولم تزل الرقعة المكتوبة فيها هذه الأبيات محفوظة عندي وهي بخط الناظم ﵀. وبعد أن تعلمت القراءة والخط درست مبادئ النحو والصرف والبيان والبديع والعروض على بعض الأساتذة ثم عكفت على المطالعة، واستظهرت من أقوال البلغاء، وخصوصاً الشعراء منهم ما يصح أن أقول إنه كثير. وفي سنة ١٨٩٩ ميلادية أعدت نشر جريدة الصفاء وذلك أول عهدي بالصحافة فحررت فيها نحو أربعة أعوام مع تدريس اللغة العربية في مدرسة عبيه الداودية. ثم أسس والدي مدرسة المعارف في عام ١٩٠٥ فتسلمت إدارتها مع تدريس العربية فيها ولم أكن أنفك عن المطالعة. وفي سنة ١٩٠٨ أعدت نشر جريدة الصفاء ولا أزال أكتب فيها إلى الآن. * * * هذه كلمة الشاعر عن نفسه. أما كلمتنا عنه فقد أغنانا عن قولها ما نشرناه لحضرته من القصائد الرائقة في ما مر، ونحن على يقين أن قراء الزهور قد قدروها قدرها، وأنزلوها المنزلة التي تستحقها بين جيد الشعر وأطايبه. وإن في النفثة التي نحن ناشروها له اليوم ما يصح أن يكون دليلاً ساطعاً على فضله وأدبه:

стр. 982

صدى اليأس آثر الدهر أن أعيش كئيباً ... بين قومي وفي بلادي غريبا تنتحي قلبي الهموم دراكاً ... وإلي الخطوب تزجي الخطوبا حسب الدهر أنني من جماد ... فرماني بالنائبات ضروبا غير أن الازدراء ما أفقدتني ... جلداً راسخاً وعوداً صليبا * * * ضاع رأيي في من رأى حين أمست ... ألسن الناس لا تطيع القلوبا تارةً أحسب الحبيب بغيضاً ... وزماناً أرى البغيض حبيبا كم رأيت ابتسامة فوق ثغرٍ ... ثم عادت من بعد ذاك قطوبا ولكم بت راضياً عن أناس ... حين أصبحت غادروني غضوبا ولكم قد وثقت بالبعض لكن ... قد أبى الخبر أن أكون مصيبا ينتحيني الأنام من غير داع ... ومتى أدع لا ألاق مجيبا يحسبون الجميل أسوأ صنعٍ ... والسجايا المكملات عيوبا * * * ود غيري دوام عصر شبابٍ ... بينما جئت استحث المشيبا حبذا الشيب في دجى الشعر صبحاً ... منبئاً أن للحياة غروبا لا تظنن أن في العيش طيباً ... ضل من ظن في الخبائث طيبا وكفى بالشقاء طلق لسان ... عن خطوب الحياة قام خطيبا * * * أرقب النجم في الدياجي وما من=وله بت للنجوم رقيبا غير أني أرى لهن خفوقاً ... كفؤاد يحيي الظلام طروبا ويزيد النسيم قلبي حراً ... مثل نار بالريح زادت لهيبا

стр. 983

وإذا ما رأيت إشراق شمسٍ ... قلت يا ليته يعود مغيبا إن ستر الظلام يحجب عني ... كل شيء أريده محجوبا * * * يا هزار الأراك إنك أوفى ... في الملذات من سواك نصيبا أنت تشدو على الغصون سروراً ... وأنا أجعل القريض نحيبا أنت تبغي البقاء في ظل دوحٍ ... وأنا أبتغي الفناء القريبا لك في الطير أوفياء وأني ... لم أجد في الأنام إلا مريبا يا هزار الأراك لو كنت مثلي ... لاستحال الصداح منك نعيبا ليس من طبعي الكآبة لكن ... آثر الدهر أن أعيش كئيبا أمين ناصر الدين حقائق سألتك يا رب بالأنبياء ... وبالمصطفين وبالأتقياء وبالمنزلات وبالمعجزات ... وبالأرض والبحر ثم السماء تمن علي بصبر جميل ... إذا المرء ضاق عليه الفضاء فكم قد صبرت على ما ألاقي ... فلم يجدني الصبر غير العناء تمنيت لو لم تلدني الولود ... جزاها المهيمن خير الجزاء تمنيت لو ثكلتني رضيعاً ... فلم أتغذ بهذا الهواء أرى نفساً كان خيراً لها ال ... قتل تعلو علواً رفيع البناء وأخرى لها شيم المرسلين ... تضام وقد نال منها العياء أرى جاهلاً يتخطى الرقاب ... أرى عالماً نال منه الشقاء أرى الصدق في النزع والصادقين ... تولى عذابهمو الأدعياء

стр. 984

أرى الناس بعضاً لبعض عدواً ... نسوا أنهم خلقوا للفناء تراه تظن الصديق الحميم ... وإن رحت فهو شديد العداء وتلقاه يقسم بابن البتول ... ونسل الذبيح وحق الولاء بأن عرى الود حبل متين ... غدائره من خيوط الإخاء أدر شطر وجهك عنه قليلاً ... يقطع حبال الأخا والرجاء تباركت يا رب هذي الذئاب ... أضر على الناس من وطأة الداء عقارب تلدغ من يلتقيها ... أفاع تعض فكيف الشفاء إذا كان يرضيك هذا فزدنا ... وإلا فعجل بمنح الدواء فإني وحقك أقسم صدقاً ... بأن الفساد سرى في الدماء وإنا نرى اللؤم رأي العيان ... ونلمس بالكف جسم الرياء عطبره (السودان) محمد فاضل الشرق والغرب أيه يا برق العدى كن خلباً ... أوشك المشرق يحكي المغربا غلبته في قواه خدعة ... فاحذروا كيد قوي غلبا يتسامى للعلا لا راهباً ... فإذا صادف موتاً ركبا حولوا أن تحجب الشمس به ... ليتهم ما حاولوا أن تحجبا كلما مدوا إليها طنبا ... قربوا للنار ذاك الطنبا رب شعب أيقظته رقة ... فرأى الراحة كانت تعبا در در الجهل والنوم معاً ... أعقبا بعدهما ما أعقبا رب طير أسقطته ذروة ... فسما عنها فكانت سببا يا نفوساً في ربى النيل رأت ... عزها في عز هاتيك الربى

стр. 985

رائحات كل يوم برضى ... غاديات كل يوم بنبا كلما طار صدى ما بينها ... أهب الناس إليه موكبا يا أوليها ذلل الله لكم ... من أساليب المنى ما صعبا كلأ الله رجالاً كلأوا ... أرضهم حتى قضوا ما وجبا سطروا ما أضمروا في صفحة ... أعجبوا فيها فكانت أعجبا حاول الجبار أن يقرأها ... فرأى في كل حرف عقربا فبكى كالطفل عيناً وفماً ... وطواها فضحكنا عجبا ويك يا غرب اتق الشرق فلم ... تحتمل غيظ حليم غضبا قوة كالنار لو جاوزها ... نفس المطفئ زادت لهبا أو كأمواه ترامت من عل ... كلما صودرن زادت صببا لا وأيم الله ما كانت وهت ... رب ذي بأس تواهى رغبا كم قلوب يتمارضن هوى ... لتى من قد سلا ممن صبا ضيعة كانت فولت فانثنت ... كم ضياع رد لما سلبا في يمين الشرق تجري زبدا ... ويمين الغرب تجري ذهبا فاتحات الخير باسم الله ما ... شاء لا يسأل عما وهبا أخلق الناس بنعمى ربه ... مخلص لله فيما طلبا * * * يا رجالاً لفتوا الدهر لهم ... فمتى أملوا عليه كتبا رب قول في دم المرء جرى ... وحسام في يد المرء نبا لا سقى الغيث ثرى مصر إذا ... هو لم ينبت رجالاً نجبا أنفساً طابوا وقروا أعينا ... وعلا زادوا وطالوا حسبا عبد الحليم المصري
следующие страницы →