← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 36536

زكاة الأسهم والسندات والورق النقدي

صالح السدلان

Полный текст (61 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

تقريظ بقلم الأستاذ الدكتور/ حمد بن عبد الرحمن الجنيدل الأستاذ بقسم الاقتصاد الإسلامي بكلية الشريعة أحمد الله وأصلي وأسلم على نبيه ... أما بعد .. فإن هذا الموضوع الذي تعرَّض له فضيلة الشيخ الدكتور صالح بن غانم السدلان من الموضوعات التي تهم المسلمين في واقعهم المعاصر، والاطلاع على ذلك لازم على كل مسلم؛ فهو حديث عن فقه نازلة من النوازل؛ فالورق النقدي والأسهم والسندات من الوقائع التي جدَّت في عصرنا الحاضر ولم يتعرض لها العلماء السابقون بعينها، وإنما ذكروا النصوص والقواعد التي تدرس على ضوئها هذه الواقعة الحديثة.

стр. 2

هذا: والمؤلف قد سلك مسلك الاختصار والإيجاز وتقريب الموضوع إلى الأذهان، واستطاع أن يجمع شتاته مع جدة العبارة وحسن التلخيص. وكنت عند قراءة البحث شديد السرور به؛ لأنه بين فيه ما ذهب إليه الرأي الاجتهادي المعاصر حول الأسهم والسندات والورق النقدي. وعمومًا فجزى الله المؤلف خيرًا؛ حيث أتحف القارئ بهذه العجالة اللطيفة، والله من وراء القصد. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ... د. حمد بن عبد الرحمن بن صالح الجنيدل

стр. 3

مقدمة البحث الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده ... أما بعد: فإن من أسس الاقتصاد الإسلامي إباحة حق التملك للفرد؛ بمعنى أن الإسلام يبيح للفرد أن يختص بمال حلال اكتسبه من حلال، وحق التملك ينبثق عن تخصيص الله للفرد بهذه الملكية بسبب مشروع. وقد جاءت النصوص الثابتة الكثيرة تؤكد ذلك وتقرره .. قال تعالى: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [الذاريات: ١٩]. وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [المعارج: ٢٤، ٢٥]. وقال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣]. إلى غير ذلك من الآيات

стр. 4

الكثيرة التي تثبت حق ملكية الأفراد للأموال. بناء على ذلك فالملكية الخاصة في الإسلام مقررة ثابتة، ولكنها ليست مطلقة؛ بل ترد عليها قيود؛ لا لتعوِّقها أو تلغيها، بل لتثبتها وتصرفها إلى الوجه الذي شرعت من أجله. وقد اتفق المسلمون منذ عصر الصحابة ﵃ إلى يومنا هذا على أن الملكية الفردية لا تقف عند حدٍّ ما، بشرط الالتزام بالحدود الشرعية في جمعها واستثمارها، وأداء كافة الحقوق فيها، وليس في نصوص القرآن أو السنة ما يلزم المسلم بالوقوف عند حد ما في ملكيته الفردية إذا التزم بهذه الحقوق: ١ - حق الله تعالى: ويقتضي هذا الحق أن يكتسب المال عن طريق حلال، وأن يستعمل في وجه حلال هو مفروض أن يستعمل فيه.

стр. 5

٢ - حق المجتمع: فالأصل أن لا يملك الشخص متاعًا لمجرد التملك، ولكن للنفع الحاصل من الملكية، وهو نفع يعم الفرد والمجتمع على السواء؛ لذا شرعت الزكاة، واعتبرت هي مبنى النظام الاقتصادي؛ فهي علاوة على أنها فريضة، على كل مسلم أن يؤديها بشروطها المقررة، إلا أن لها حكمة أخرى بالغة هي: إنشاء نظام جامع لأصول المعاملات المادية، منظم لإيرادات الدولة ونفقاتها، محكم لقواعد الإنتاج والتداول وتوزيع الثروات. ويأبى هذا النظام أن يتحكم فرد في مصائر غيره بحبس المال عنه وتقليل فرصه فيه، واستعماله في غير ما شرع له؛ لهذا اهتدى الإنسان إلى أن عملية المبادلة تتم على الوجه الأكمل حين يستعمل النقود كوسيلة في التبادل، ومقياسًا لقيم الطيبات المتبادلة.

стр. 6

ومع اتساع نطاق المعاملات الداخلية والخارجية عم استعمال الأسهم والسندات والأوراق النقدية جميع الدول الحديثة، واعتبرت واسطة للتداول، كالنقود المعدنية. لهذا رأينا أن نخصص للأسهم والسندات والورق النقدي بحثًا مستقلاً نذكر فيه على عجالة: نشأة الأسهم والسندات، وكيف تزكى، والورق النقدي ونشأته وأقوال العلماء المعاصرين فيه، وتأثر الزكاة بهذه الأقوال، ثم نرجح الرأي المختار، والله نسأل العون والتوفيق. سبب إعداد هذا البحث: هذا البحث بعنوان «زكاة الأسهم والسندات والورق النقدي» كنت قد أعددته لطلبة المستوي الأول - الفصل الثاني

стр. 7

بكلية الشريعة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض، لعام ١٤٠٨ هـ. وهو أحد الموضوعات المدرجة في منهج الفقه بالنسبة لهم. أهمية هذا الموضوع: إن الهدف المقصود من زكاة الأسهم والسندات والأوراق النقدية هو حفز الإنسان على تنمية ثروته واستغلالها، بدلاً من حبسها عن التداول والحركة بكنزها، مما يؤدي إليى كساد الأعمال، وانتشار البطالة، وركود الأٍسواق، وانكماش الحركة الاقتصادية، ومن ثم تتوجب العناية بهذا الموضوع، وتبرز أهميته ببيان جميع جوانبه؛ ليكون المسلم على بينة من الأمر وهو يؤدي زكاة أحد الأصناف التي تجب فيها الزكاة. وشيء آخر تظهر أهميته؛ ذلك أن كثيرًا ما ترد

стр. 8

الأسئلة والاستفسارات عن كيفية تزكية الأسهم والسندات، وهل تزكى الأوراق النقدية أم لا؟ وهل تعد نقدًا قائمًا بذاته أم لا؟ وهل الورق النقدي يزكى زكاة الذهب والفضة أم هل يزكى زكاة عروض التجارة؟ ... إلى آخر ما يتصور من أسئلة واستفسارات حول هذا الموضوع. لذا رأيت أن أخصصه ببحث مستقل؛ لعلي أكون قد أسهمت بجهد متواضع في هذا الموضوع الذي يعد حديث الساعة، وعلى كل لسان. ولا ننكر أن كثيرًا من العلماء المعاصرين قد كتبوا في هذا الموضوع، وعنيت به الكتب والبحوث المتخصصة في زكاة الأموال، ولكن آثرت لمّ شتاته واختصاره، وجعله في متناول من يعن له أي سؤال أو استفسار حوله.

стр. 9

المحتوى: يحتوي هذا الموضوع على مبحثين: المبحث الأول: زكاة الأسهم والسندات. ويشمل: ١ - تعريف السهم والسند. ٢ - سبب نشأة الأسهم والسندات. ٣ - أهم الفروق بين السهم والسند. ٤ - كيف تزكى الأسهم والسندات. ٥ - تنبيه هام. المبحث الثاني: في الأوراق النقدية: ويشمل: ١ - تعريف الأوراق النقدية. ٢ - نشأة الأوراق النقدية ومراحل تطورها. ٣ - غطاء الأوراق النقدية.

стр. 10

٤ - أنواع الأوراق النقدية. ٥ - قيمة الأوراق النقدية. ٦ - زكاة الأوراق النقدية وأقوال أهل العلم فيها، وما يستلزمه كل قول ونقده، وذكر القول الصحيح وسبب ترجيحه. ٧ - الخلاصة. * نص مضمون قرار هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية رقم ١٠ لسنة ١٣٩٣ هـ وما جاء في بنوده بشأن الأوراق النقدية.

стр. 11

المبحث الأول الأسهم والسندات عرف عصرنا لونًا من رأس المال استحدثه التطور الصناعي والتجاري في العالم، وذلك ما عرف باسم «الأسهم والسندات»، وهما من الأوراق المالية التي تقوم عليها المعاملات التجارية في أسواق خاصة بها، تسمى «بورصات الأوراق المالية». أولاً: تعريف السهم والسند: ١ - تعريف السهم: «السهم هو صك يمثل حصة من الحصص المتساوية المقسم إليها رأس المال المطلوب للمساهمة، وهذه تخوِّل لصاحبها الحقَّ في الحصول على ما يخصه من أرباح عند اقتسام الممتلكات، أو تحمِّل ما يخصه من الخسارة إن كانت».

стр. 12

٢ - تعريف السند: «السَّنَدُ هو جزء من قرض طويل الأجل، تدفع عليه فائدة ثابتة (١) في ميعاد معيَّن، وتردُّ قيمتُه للمقرض في ميعاد يتفق عليه». ثانيا: سبب نشأة الأسهم والسندات: نشأت الأسهم والسندات نتيجة للتوسع في استغلال الثروات وإيجاد الشركات المساهمة على نطاق واسع، وإشراك أكبر عدد ممكن من القطاع الخاص، مع مشاركة القطاع العام أحيانًا. اهـ.

стр. 13

ثالثا: الفرق بين السهم والسند: السهم ... السند ١ - صك يمثل جزءًا من رأس المال. ... ١ - صك يمثل جزءًا من قرض، ولا تدخل قيمته في رأس المال. ٢ - حامله شريك. ... ٢ - حاملة دائن وليس بشريك. ٣ - يصدر قبل التأسيس. ... ٣ - يصدر بعد التأسيس لتوسيع الأعمال. ٤ - كل شركة مساهمة لها أسهم. ... ٤ - لا يلزم أن يكون للشركة المساهمة سندات. ٥ - للمساهم حق الحضور والتصويت في الجمعيات العمومية. ... ٥ - ليس له الحق في الحضور والتصويت في الجمعيات العمومية. ٦ - قد يفقد المساهم حصته بسب إفلاس أو ديون الشركة. ... ٦ - صاحب السند لا تقع عليه آية أخطار بل يتأذى فقط باعتبار الشركة، ولكن حصته مضمونه. ٧ - ربح المساهم يأخذه إذا ربحت الشركة، وإلا فلا. ... ٧ - لصاحب السند فائدة مقررة في الموعد المحدد، ربحت الشركة أم خسرت. ٨ - لا يمكن إصداره بأقل من قيمته الاسمية. ... ٨ - يمكن إصداره بأقل من قيمته الاسمية. ٩ - أرباح السهم غير معروف ميعاد دفعها بالضبط. ... ٩ - تدفع الفائدة على السند في ميعاد محدد ومعروف. ١٠ - لا يمكن خصم كوبون السهم. ... ١٠ - يمكن خصم كوبون السند. ١١ - لا تسدد قيمته إلا عند تصفية الشركة. ... ١١ - للسند وقت محدد لسداده.

стр. 14

رابعا: كيف تزكى الأسهم والسندات: «هناك اتجاهان لمن كتب من العلماء المعاصرين» (١) في كيفية تزكية الأسهم والسندات. الاتجاه الأول: أ- القول في الأسهم: يوجب هذا الاتجاه النظر في هذه الأسهم تبعًا لنوع الشركة التي أصدرتها؛ أهي صناعية أم تجارية، أم مزيج منهما: فإن كانت الشركة المساهمة شركة صناعية محضة - أي بحيث لا تمارس عملاً تجاريًا كشركات الصباغة، وشركات الفنادق، والإعلانات، والنقل الجماعي

стр. 15

والنقل البحري والبري، وشركات الطيران والقطارات - فلا تجب الزكاة في أسهمها؛ لأن قيمة هذه الأسهم موضوعة في الآلات والأدوات والمباني وما يلزم الأعمال التي تمارسها، ولكن ما ينتج ربحًا لهذه الأسهم يُضَمُّ إلى أموال المساهمين ويزكى معها زكاة المال. وإن كانت الشركة المساهمة شركة تجارية محضة تشتري البضائع وتبيعها بدون إجراء عمليات تحويلية على هذه البضائع، كشركة الاستيراد، وشركة التجارة الخارجية، وشركات الاستيراد والمواد الخام، فتجب الزكاة في أسهم هذه الشركات. وإن كانت شركة صناعية تجارية: وهي الشركات التي تستخرج المواد الخام أو تشتريها، ثم تجري عليها عمليات تحويلية، ثم تتاجر فيها، مثل شركات البترول، وشركات الغزل والنسيج، وشركة الحديد والصلب،

стр. 16

والشركات الكيماوية - فتجب أيضًا الزكاة في أسهم هذه الشركات. وتقدَّر الأسهم بقيمتها الحالية مع حسم قيمة المباني والآلات والأدوات المملوكة لهذه الشركات؛ فقد تمثِّل هذه الآلات والمباني ربع رأس المال أو أكثر أو أقل، فيحسم من قيمة السهم ما يقابل ذلك، وتجب الزكاة في الباقي. ب- القول في السندات: مالك السند مالك دين مؤجَّل، ويصير حالًّا عند نهاية الأجل؛ فتجب زكاته لمدة عام فقط إن مضى على ملكيته عام أو أكثر، وهذا مذهب مالك وأبي يوسف. أما إذا لم يحلَّ أجلُه فلا يجب إخراج زكاته؛ لأنه دين مؤجَّل، وكذلك إذا لم يمض على ملكيته عام؛ لاشتراط مرور الحول في وجوب زكاة السند.

стр. 17

ولكن القول الصحيح في الدين المرجو - وهو ما كان على مقرٍّ موسر - وجوبُ تزكيته كل عام، وهو قول جمهور الفقهاء؛ لأنه الدين المرجو بمنزلة ما في يده. فلما كان السند ناميًا ويجلب فائدة للدائن، وجبت تزكيته، ولا يمنع من ذلك كون الفائدة محظورة؛ إذ إن حَظْرَ الفائدة لا يكون سببًا في إعفاء صاحب السند من الزكاة. الاتجاه الثاني: لا ينظر إلى الأسهم تبعًا لنوع شركاتها؛ فيفرق بين أسهم في شركة وأسهم في أخرى؛ بل ينظر إليها كلها نظرة واحدة ويعطيها حكمًا واحدًا؛ بغَضِّ النظر عن الشركة التي أصدرتها؛ فالأسهم والسندات أموال قد اتُّخذَت للشراء والبيع والكسب والإتجار، وقيمتها الحقيقية التي تقدَّر في الأسواق تختلف في البيع

стр. 18

والشراء عن قيمتها الاسمية؛ فهي إذن عروض تجارة؛ فكان من الحق أن تكون وعاء للزكاة ككل أموال التجارة، ويلاحظ فيها ما يلاحظ في عروض التجارة. ولا فرق هنا بين السَّهم والسند؛ بل يعاملان معاملة واحدة في إيجاب الزكاة، وهذا هو الاتجاه الصحيح، وبناء على هذا يؤخذ من هذه الأسهم آخر كل حول ٢.٥% اثنان ونصف بالمائة (أي ربع العشر) من قيمة الأسهم حسب قيمتها في الأسواق، مضافًا إليها الربح؛ بشرط أن يبلغ الأصل والربح نصابًا. وهذا هو الاتجاه الصحيح والأوفق بالنظر إلى الأفراد من الاتجاه الأول؛ لأن كل مساهم سيعرف مقدار أسهمه، ويعرف كل عام أرباحها فيزكيها بسهولة. بخلاف ما إذا أرادت دولة مسلمة جمع الزكاة من الشركات، فإن الاتجاه الأول أولى وأرجح، والله أعلم.

стр. 19

مما سبق يتضح: ١ - أنَّ كلاًّ من السَّهْم والسَّند له قيمة اسمية وهي قيمته المقدرة عند إصداره، وقيمة سوقية تحدد في سوق الأوراق المالية، وكل منهما قابِلٌ للتعامل والتداول بين الأفراد كسائر السلع، وأن بيع الأسهم وشراءها وإصدارها والتعامل بها حلال لا حرج فيه، ما لم يكن عمل الشركة التي تكوَّنت من مجموع الأسهم مشتملًا على محظور، كصناعة الخمر وبيعها والتجارة فيها، أو كانت تتعامل بالفوائد الربوية إقراضًا واستقراضًا، أو نحو ذلك. أما السندات فشأنها غير الأسهم؛ لاشتمالها على الفوائد الربوية المحرمة، ولكنها مع ذلك رأس مال مملوك لصاحبه كالأسهم. ٢ - أن الاتجاه الأول يجعل مدار وجود الزكاة في أسهم الشركات: كون الشركة تمارس عملاً تجاريًّا؛

стр. 20

سواء أكانت معه صناعة أم لا، وإخراج الزكاة من هذه الشركات وفق هذا الاتجاه يكون على النحو التالي: أ- تقدَّر الأسهم بقيمتها الحالية. ب- تحسم قيمة المباني والآلات والأدوات المملوكة لهذه الشركات، ويحسم من قيمة السهم ما يقابل ذلك، وتجب الزكاة في الباقي، ويمكن معرفة قيمة المباني والآلات والأدوات بالرجوع إلى ميزانية الشركة. وهذا الاتجاه مبناه على الرأي المشهور: أن المصانع والعمائر الاستغلالية ورؤوس الأموال المغلة غير التجارية على وجه العموم كالفنادق والسيارات والقاطرات والطائرات ونحوها - ليس فيها كلها زكاة، لا في رأس المال ولا الربح معًا كمال التجارة، ولا في الغَلَّة والإيراد، كالخارج من الأرض الزراعية - إلا إذا بقي منها شيء وحال عليه الحول. وعلى هذا الأساس أعفى هذا الاتجاه أسهم

стр. 21

الشركات الصناعية التي لا تمارس أعمالا ً تجارية، وأوجب الزكاة في أسهم الشركات التي تمارس أعمالاً تجارية. والأفضل إذا أخذنا بهذا الاتجاه أن تعامل الشركات التجارية التي معظم رأس مالها في منقولات يتاجر فيها، ولا يبقى عينها - معاملة المحلات التجارية إذا كانت ملكًا للأفراد، فتؤخذ الزكاة من أسهمها على النحو التالي: أ- أن تقوم الأسهم في السوق وتعرف قيمتها. ب- أن يضاف الربح إلى قيمة الأسهم. ج- تؤخذ الزكاة - ربع العشر «٢.٥» - بعد طرح قيمة الأثاث الثابت من الأسهم، كما في عروض التجارة؛ فالزكاة في عروض التجارة في رأس المال المتداوَل المتحرك.

стр. 22

والسَّنَدات على هذا الاتجاه تجب الزكاةُ فيها بشرطين: أ- أن ينتهي أجلها ويملكها صاحبها. ب- أن يمضي على ملكيتها عام أو أكثر. ذلك أن جمهور الفقهاء يقولون بوجوب تزكيتها كل عام؛ لأن الدين المرجوَّ بمنزلة ما في يده. وهو اختيار أبي عبيد (١) وغيره.

стр. 23

خامسا: تنبيه هام: بعد أن عرفنا كيفية تزكية الأسهم والسندات، وذكرنا آراء العلماء المعاصرين في ذلك، يجب أن لا نغفل أمرًا هامًا وهو: أن بعض الشركات والمؤسسات قد تلجأ إلى شراء الأوراق المالية من أسهم وسندات رغبة في استغلالها كأصل متداول، أو أصل ثابت. ونظرًا لاختلاف المعاملة عند فرض الزكاة على الأصل المتداول مع حسم قيمة الأصل الثابت من وعاء الزكاة، ينبغي التمييز بين النوعين فيما يلي: ١ - الأسهم والسندات أصل متداول: إذا تم شراؤها بقصد إعادة بيعها مرة ثانية كالبضاعة تمامًا، وتحقيق الربح من عمليات فروق أسعار البيع والشراء، وفي هذه الحالة تعد الأوراق المالية بمثابة عروض التجارة، وتزكى قيمتها السوقية مع ربحها في نهاية العام.

стр. 24

٢ - الأسهم والسندات أصل ثابت: إذا تم شراؤها أصلاً بقصد الحصول على ربحها فقط، مع إبقائها بالشركة سنوات طويلة؛ فمثلاً قد تشتري شركة قديمة قائمة أسهمًا في تأسيس شركة جديدة؛ في هذه الحالة تُعَدُّ قيمة الأسهم المشتراة في الشركة الجديدة بمثابة أصل ثابت كالآلات والمعدات، وتحسم من وعاء الزكاة في ذات السنة؛ حتى لا تزدوج الزكاة على المال الواحد في السنة الواحدة (١). وبهذا يظهر أن ما كان من الأسهم والسندات ذات أصل متداول، فليس محلاً للخلاف المتقدم الذي مر ذكره؛ وإنما محل الخلاف فقط هو الثاني، وهو «الأسهم

стр. 25

والسندات ذات الأصل الثابت» الذي لم يوضع للتداول، وإنما وضع لقصد تأسيس الشركة أو إحداث شركة جديدة، وهذا النوع هو الذي يدخل تحت الخلاف في أنه هل يزكي الربح مع الأصل، أو تكون الأسهم والسندات وعاء للزكاة ويزكى الربح فقط. والله أعلم.

стр. 26

المبحث الثاني الأوراق النقدية أولاً: تعريف الأوراق النقدية: هي قطع من ورق خاص، تزين بنقوش خاصة، وتحمل أعدادًا صحيحة، يقابلها في العادة رصيد معدني بنسبة خاصة يحددها القانون، وتصدر إما من الحكومة أو من هيئة تبيح لها الحكومة إصدارها ليتداولها الناس عملةً. والنقد اصطلاحًا: هو كل شيء يلقى قبولاً عامًا كوسيط للتبادل، وتسمى الأوراق النقدية بالأنواط - جمع نوط - والنوط: قطعة الكاغد (١).

стр. 27

ثانيًا: نشأة الأوراق النقدية ومراحل تطورها: إننا لو استعرضنا الحياة التاريخية للورق النقدي، لوجدنا أنه كان في أول نشأته وثائق وحوالات على نقود معدنية من ذهب أو فضة، فكان التجار في غالب أسفارهم لا يحملون معهم نقدًا للسلع التي يشترونها خشية ضياعها أو سرقتها، وإنما كانوا يلجؤون إلى أخذ تحاويل بها على أحد تجار الجهة المتجهين إليها من أحد تجار البلد المتجهين منه. ثم جاءت المرحلة الثانية؛ حيث أصدر الصيارفة أوراقًا مصرفية بمثابة وثائق عن الودائع النقدية لديهم فقط، ثم نشأت الأوراق النقدية وزادت عن قيمة الودائع النقدية لدى الصيارفة، وأصبح الورق النقدي قوةً شرائيةً مطلقةً، ولم يعد بديلاً للعملة المعدنية. ثم انتقلت الأوراق النقدية من المرحلة الثانية إلى المرحلة الثالثة، وتحولت في هذه المرحلة تحوُّلاً ملحوظًا

стр. 28

في تاريخ الورق النقدي؛ فبعد أن كانت في المرحلتين السابقتين عبارة عن وثائق على النقود العينية المودَعة ولم يكن لهذه الوثائق القدرة على تمثيلها وسيطًا للتبادل، أصبحت في المرحلة الثالثة جزءًا من النقود لها صفة القبول العام؛ فضلاً عن اعتبارها مخزنًا للثروة، ومقياسًا للقيم، وقوةً شرائيةً مطلقة. ثم جاءت المرحلة الرابعة واعتبرت اكتمالاً لحياة الأوراق النقدية؛ إذ أصبحت الأوراق النقدية تصدر بموجب أحكام سلطانية، واتخذت الاحتياطات الكفيلة بتنظيم إصدار الورق النقدي ومراقبته، وحصره في مصرف أو مصارف معينة تتمتع بثقة تامة وسمعة حسنة، وتكون تلك المصارف مسؤولة مسؤولية تامة أمام الدولة، وقد تحتكر الدولة أمر الإصدار إذا ما كانت المصلحة العامة تقتضي ذلك، وصار يسجل على كل ورقة نقدية: «أتعهد بدفع مقابلها

стр. 29

لحاملها عند الطلب». ومن هنا انقطعت الصلة والعلاقة بين الورق النقدي والنقد المعدني؛ بمعنى أن قيمة وحدة النقود الورقية قيمة مستقلة، لا علاقة لها بقيمة ما نسبت إليه اصطلاحًا من العملة المعدنية. ثالثًا: غطاءُ الأوراق النقدية وتَنَوُّعُه: إن أيَّ نقد قابلٌ للتداول العام كوسيط للتبادل لابد أن يكون له ما يسنده ويؤكد الثقة به كقوة شرائية مطلقة. ولا شك أن النقد من الذهب والفضة لا يسأل له عن غطاء؛ فذاته عين غطائه، ولكن الذي يسأل عن غطائه وعن نوعية هذا الغطاء إنما هي: «الأوراق النقدية». والغطاء يكون: ١ - إما من الذهب والفضة: وكان غطاء الأوراق

стр. 30

النقدية من الذهب أول الأمر، فكان إصدار النقود الورقية مقيَّدًا باحتياطيٍّ من الذهب. ٢ - أنواع أخرى: عقارًا، أو أوراقًا تجارية من أسهم وسندات، أو مجوهرات. ٣ - وقد يكون الغطاء التزامًا سلطانيًا يكون بمثابة التزام بقيمة النقد الورقي العاري عما يسنده من الأغطية العينية. والواقع أنه ليس هناك قانون دوليٌّ يفرض نوعًا معينًا كغطاء للأوراق النقدية، وسواء كان الغطاء ذهبًا أو فضة أو مجوهرات أو عقارات أو سندات مالية، فلا تعتبر الأوراق النقدية متفرِّعةً عن هذا الغطاء؛ وإنما الغطاء يعني الإسهام بإحلال الثقة في نفوس المجتمع لهذه الأوراق النقدية، والحد من سلطات إصدارها من جهات الإصدار. ثم اتَّجهت المصارف والبنوك المركزية في عصرنا إلى إصدار أوراق نقدية أو مصرفية ليس لها

стр. 31

غطاء عينيٌّ، وبات المهم لدى الإنسان إذا كان معه مبلغٌ من المال أن هذا المبلغ سيخوِّل له أن يحظى بمطلوبه من البضائع، أو أي شيء آخر. رابعًا: أنواع الأوراق النقدية: تنحصر الأوراق النقديَّة في أنواع ثلاثة: النوع الأول: النقود الورقية الثابتة: وهي صكوكٌ تمثِّلُ كميةً من الذهب أو الفضة مودعة بمصرف معين في صورة نقود أو سبائك تعادل قيمتها المعدنية قيمة هذه الصكوك التي تصرف عند الطلب. أو هي: نقود معدنية تأخذ مظهر صكوك ورقية، ليسهل حملها ونقلها، ولا تتعرض للتآكل. النوع الثاني: النقود الورقية الوثيقة: هي صكوكٌ تحمل تعهُّدًا من الموقِّع عليها أن يدفع لحاملها مبلغًا معيَّنًا عند الطلب، ومن هذا النوع أوراق

стр. 32

النقد المصرفية «البنكنوت» (١) ولها رصيد معدني تحتفظ به البنوك. النوع الثالث: النقود الورقية الإلزامية: وهي غير القابلة للصرف بالذهب أو الفضة، وهي نوعان: ١ - نقود ورقية حكومية: تصدرها الحكومات في أوقات غير عادية، وتجعلها نقودًا رئيسية، ولكنها لا تستبدل بالمعدن النفيس، ولا يقابلها رصيد معدني. ٢ - نقود ورقية مصرفية «بنكنوت»: يصدر بشأنها قانون يعفي بنك الإصدار الذي أصدرها من التزام صرفها بالمعدن النفيس.

стр. 33

وقد اتبعت معظم الدول بعد الحرب العالمية الأولى نظام النقود المصرفية الإلزامية لتُشْبعَ بها حاجةَ الاستهلاك المحليِّ والتبادل، وتوفِّر المعدن النفيس للتبادل الخارجي أو لتوظيفه في الاستثمار، وهذه النقود الإلزامية تستمد قيمتها من إرادة المشرع لا من ذاتها؛ لأنها لا تحمل قيمة سلعية، ولهذا تفقد قيمتَها إذا ألغي التبادل بها؛ أما النقود التي تقبل الصرف بالمعدن فتجمع بين قيمتها القانونية وقيمتها كسلعة. خامسًا: قيمة الأوراق النقدية: انتشر استعمال «الورق النقدي» أو «النقود الورقية»، وعمَّ جميع الدول الحديثة؛ نظرًا لاتساع نطاق المعاملات الداخلية والخارجية، وعدم كفاية النقود المعدنية وحدها لتلبية ما تتطلبه الحركة الاقتصادية. وتعتبر النقود الورقية كالنقود المعدنية في أن كلاً منهما واسطة للتبادل ووفاء الديون والحصول على ما

стр. 34

يحتاج إليه الإِنسان من أمتعة وسلع وخدمات، وتعتبر النقود الورقية - أو «الورق النقدي» - نقدًا قائمًا بذاته، كقيام النقدية في الذهب والفضة وغيرهما من الأثمان، وأنه أجناسٌ تتعدَّد بتعدُّد جهات الإصدار؛ بمعني أن الورق السعودي جنس، والورق الأمريكي جنس، وهكذا كل عملة ورقية نقد قائم بذاته مستقلٌّ بجنسه، له قيمة خارجية، وهذه القيمة ليست في اعتمادها على غطاء عيني كالذهب مثلاً؛ وإنما هذه القيمة مستمدَّةٌ من عدَّة عوامل، تختلف هذه العوامل قوةً وضعفًا تبعًا لاختلاف أوضاع دول إصدارها سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا وفكريًا؛ فتختلف قيم هذه النقود الورقية تبعًا لذلك الاختلاف. فالحالة الاقتصادية في البلاد تُشَكِّلُ جانبًا كبيرًا من قيمة النقد الورقي للتداول فيها؛ فإذا كانت الأحوالُ الاقتصاديةُ مزدهرةً والطاقة الإنتاجية كبيرة زاخرة

стр. 35

والبناء الاقتصادي للبلد سليم الأوضاع متين الأركان، كان للورق النقدي فيها قيمة مضمونة. وكذلك تعتمد قيمةُ الورق النقدي على ثقة الأفراد به كنقد يخوِّل لمالكه الاستعاضة عنه بما يرغبه مما يساوي قيمته، والثقة العامة به كمستودع أمين للادخار وقوة شرائية مطلَقة وقانونية كنقد تحميه الدولة، وتضفي عليه قوة الإبراء العام، وتتخذ الإجراءات والاحتياطات التي تعطي الثقة به. سادسًا: زكاة الأوراق النقدية: إن الأوراق النقدية لم تكن معروفة لدى قدماء فقهاء الإسلام، ولم تُعْرَف في البلاد الإسلامية، ولا في البلدان المجاورة في العصور الأولى للإسلام؛ لذا لم يكن لعلماء السلف فيها حكم؛ إذ لم تكن متداولة في عصورهم. ولكن بعد أن انتشر تداولُها في البلاد الإسلامية

стр. 36

كغيرها من بلدان العالم بحث متأخروا الفقهاء من المسلمين حقيقتها وفرَّعوا عن بحوثهم مسائل في حكم زكاته. ويحسن بنا قبل أن نتكلم في حكم زكاة الأوراق النقدية أن نستعرض الأقوال الشرعية التي قيلت عن حقيقة الأوراق النقدية، ونبيِّن وجهة نظر فقهاء عصرنا فيها: القول الأول: أن الأوراق النقدية سندات بدين على جهة إصدارها. ويستدل أصحاب هذا القول بما يأتي: ١ - التعهد المسجل على كل ورقة نقدية بتسليم قيمتها لحاملها عند طلبه. ٢ - ضرورة تغطيتها بالذهب والفضة، أو بواحد منهما في خزائن مصدريها. ٣ - انتفاء القيمة الذاتية لهذه الأوراق، والمعتبر ما تدل عليه من العدد لا القيمة الورقية.

стр. 37

٤ - ضمان سلطات إصدارها قيمتها وقت إبطالها، وتحريم التعامل بها. ويمكن الردُّ على هذا القول جملة وتفصيلاً: أما جملةً فإن الأخذ بهذا القول يستلزم أحكامًا شرعية تظهر فيها الكلفة والمشقة، منها: ١ - عدم جواز السَّلَم بها فيما يجوز السلم فيه؛ لأنها بمثابة حوالة على مصدرها، ومن شروط السلم قبضُ أحد العوَضَين في مجلس العقد. ٢ - عدم جواز صرفها؛ لأنها وثيقة بدين غائب عن مجلس العقد، ومن شروط الصرف التقابض في مجلس العقد. ٣ - يعتبر التعامل بها من قبيل الحوالة بالمعاطاة على الجهة التي أصدرتها، وفي القول بصحة العقود بالمعاطاة خلاف بين أهل العلم.

стр. 38

٤ - اعتبارها سندات ديون على جهة إصدارها يُدْخلها في خلاف أهل العلم في زكاة الدين هل تجب زكاته قبل قبضه أم بعده؛ وبالتالي عدم وجوب زكاتها لدى من يقول بعدم وجوب الزكاة في الدين قبل قبضه؛ لامتناع قبض مقابل هذه السندات. ٥ - يعتبر البيعُ بهذه الأوراق من قبيل بيع الكالئ بالكالئ؛ لكونها وثائق بديون غائبة، وقد نهى ﷺ عن بيع الكالئ بالكالئ. أما التفصيل؛ فإنه يمكن الاعتراض على هذا القول ونقده بما يلي: ١ - أن التَّعَهُّدَ المكتوب على كل ورقة نقدية بدفع قيمتها لحاملها وقت الطلب ليس له في حقيقة الأمر معنى؛ وإنما هو نقشٌ على ورق؛ فلو تقدَّم شخص مثلًا لمؤسسة النقد السعودي أو لغيرها من البنوك المركزية المختصة بإصدار الأوراق طالبًا الاستعاضة

стр. 39

عنها بما تحويه من ذهب أو فضة، لما وجد وفاءً لهذا التعهد أو ما يعين لذلك. ٢ - الاستدلال على سنديَّتها بضرورة تغطيتها بذهب أو فضة أو بهما معًا غير لازم؛ فلا مانع أن تكون التغطية أوراقًا تجارية أو عقارًا أو بترولاً، أو نحو ذلك مما تقوم عليه دعائم الاقتصاد. ٣ - ما دامت الأوراق النقدية متصفة بالقابلية العامة كوسيط للتبادل، فإن انتفاء القيمة الذاتية لهذه الأوراق غير معتبر، ولا فرق بين أن تكون هذه الأوراق قيمتها في ذاتها أو في أمر خارج عنها. ٤ - أن الأوراق النقدية ليست سندًا؛ بل ورقة عملة موضوعة للتعامل بأعيانها، كالتعامل بأعيان النقود الذهبية والفضية وغيرها من المعادن، وأن ماليَّتَها مربوطة بأعيانها، وأن رواجها عند المتعاملين بها بسبب التزام واضعها دفع قيمتها المرقومة فيها لكل من أتى

стр. 40

ليبيعها له، ومن أتلفها فقد أتلف قيمتها، وضمان سلطات إصدارها قيمتها وقت إبطالها هو سر اعتبارها والثقة بتموُّلها وتداولها وترويج التعامل بها؛ بخلاف ورقة السند؛ فإنها موضوعة للتذكر، ولا يتعامل بأعيانها، ولا مالية له إلا بقدر قيمتها الأصلية، ولا تروج في المعاملات، وأن ما رقم فيها ليس قيمة لها؛ بل دين في ذمة المدين لا يضيع بتلف السند، ومن أتلفها تجب عليه قيمتها الأصلية. ٥ - إن القول بسنديتها فيه من الحرج والضيق وإيقاع الناس في مشقة عظيمة في معاملاتهم؛ لا سيما بعد أن عَمَّ التعامل بهذه الأوراق النقدية بني الشعوب الإسلامية، وأصبحت هي العملة السائدة الرائجة. ومن الأصول العامة في الشريعة الإسلامية أن الأمر الذي لم يُنَصّ على حكمه إذا دار بين ما يقتضي التشديد على الناس وما يقتضي التخفيف عليهم في
следующие страницы →