← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 36537

سجود التلاوة وأحكامه

صالح اللاحم

Полный текст (154 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ المقدمة إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. أرسله بكتابه المبين، هاديًا إلى الصراط المستقيم، جعل سبحانه أمثاله عبرًا لمن تدبرها، وأوامره هدى لمن استبصر، وشرح فيه واجبات الأحكام، وفرق فيه بين الحلال والحرام. خاطب به أولياءه ففهموا، وبين لهم مراده فعلموا. فقراء القرآن حفظة علمه المخزون وخلفاء أنبيائه وأمنائه. والواجب على من خصه الله بحفظ كتابه أن يتلوه حق تلاوته، ويتدبر حقائق عبارته ويتفهم عجائبه، ويتبين غرائبه قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ [ص: ٢٩] وقال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: ٢٤]. جعلنا الله ممن يقوم بحقه، ويرعاه حق رعايته، ويقوم بقسطه ولا يلتمس الهدي من غيره. أسباب اختيار الموضوع: كان مما دعاني إلى اختيار هذا الموضوع للكتابة فيه جملة أمور من أهمها: ١ - أن أكون ممن قال فيهم المصطفى صلوات الله وسلامه عليه:

стр. 2

«خيركم من تعلم القرآن وعلمه» (١). ألا وإن من تعليمه؛ تعليم ما فيه القيام بحقه وهذا منه إن شاء الله. ٢ - أهمية هذا الموضوع وعدم وجود مؤلف خاص به يجمع أحكامه، يقربه ويجعله في متناول قارئ القرآن. ٣ - تباين أقوال أهل العلم في جملة من أهم أحكامه، فمن قائل بوجوبه بحيث لا يسع القارئ تركه، ومن قائل بسنيته ومثل ذلك اختلافهم في مواضع السجود وما يسجد فيه، وما لا يسجد، وكذا اختلافهم في اشتراط الطهارة له واستقبال القبلة، وستر العورة, ومن ذلك: اختلافهم في جواز السجود في أوقات النهي عن الصلاة، أو عدم جوازه ومن ذلك التكبير في أوله، وفي القيام منه، وكذا السلام. وغير ذلك كثير. فأحببت أن أشارك بجهد في هذا أتتبع فيه القول الذي تسنده الأدلة، وتشهد له الأصول. منهج البحث: وقد اتبعت في بحثي لهذا الموضوع المنهج التالي: ١ - أقوم بعرض المسألة الحاضرة بذكر مواضع الاتفاق، إن وجد ثم أتبع ذلك بموضع الخلاف، ذاكرًا القول أولاً فالقائل، ثم أتبع ذلك بذكر الأدلة، وما أورد عليها من مناقشة. ٢ - رجحت ما ظهر لي رجحانه، حين عذر علي التوفيق بين الأقوال، وإعمال جميع ما ورد في المسألة من أدلة صحيحة. ٣ - عزوت الآيات القرآنية إلى مواضعها في كتاب الله، بذكر السورة، ورقم الآية.

стр. 3

٤ - خرجت الأحاديث الواردة في البحث، وما كان منها في صحيح البخاري أو مسلم اكتفيت به، وما لم يخرجه أحدهما أو كلاهما، خرجته من الصحاح والمسانيد المتبقية، مع بيان درجة الحديث وقد اعتمدت في ذلك على ما ذكره أهل العلم في ذلك. ٥ - خرجت الآثار الواردة في البحث من مظانها، مع بيان درجة الأثر إن وجدت في ذلك نقلاً. ٦ - ترجمت للأعلام الواردة في البحث باستثناء الصحابة، والأئمة الأربعة لشهرتهم فلا يحتاجون إلى تعريف، وجعلت ذلك في ملحق خاص تجنبًا لإثقال الحواشي. ٧ - عملت في آخر البحث فهرسًا اشتمل على ما يلي: ١ - فهرس للآيات القرآنية. ٢ - فهرس للأحاديث. ٣ - فهرس للآثار. ٤ - فهرس للمراجع. ٥ - فهرس لموضوعات البحث. خطة البحث: تشتمل خطة البحث على: تمهيد، وثلاثة فصول، وخاتمة: التمهيد وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: في فضل تلاوة القرآن. المبحث الثاني: في ما يلزم قارئ القرآن، وحامله من تعظيم القرآن وحرمته عند التلاوة. المبحث الثالث: في التعريف بسجود التلاوة. الفصل الأول: في حكم سجود التلاوة؛ وفيه مبحثان:

стр. 4

المبحث الأول: في حكمه للتالي. المبحث الثاني: في حكمه للمستمع والسامع. الفصل الثاني: في عدد سجدات التلاوة، وفيه مبحثان: المبحث الأول: ما اتفق على السجود فيه. المبحث الثاني: ما اختلف في السجود فيه. الفصل الثالث: مواضع السجود من آيات سجود التلاوة، وفيه مبحثان: المبحث الأول: ما اتفق على موضعه. المبحث الثاني: ما اختلف في موضعه. الفصل الرابع: في أحكام سجود التلاوة؛ وفيه مبحثان: المبحث الأول: في أحكامه داخل الصلاة. المبحث الثاني: في أحكامه خارج الصلاة.

стр. 5

التمهيد وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: في فضل تلاوة القرآن. المبحث الثاني: في ما يلزم قارئ القرآن وحامله من تعظيم القرآن وحرمته. المبحث الثالث: في التعريف بسجود التلاوة.

стр. 6

المبحث الأول فضل تلاوة القرآن حثّ سبحانه عباده المؤمنين على تلاوة كتابه العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ووعد من قام بحقه في ذلك بالأجر العظيم، والثواب الجزيل، وقد تواترت النصوص في الكتاب والسنة في بيان ذلك. أولا: من الكتاب: قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ * لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [فاطر: ٢٩، ٣٠]. فالذين يتلون كتاب الله: هم الذين يستمرون على تلاوته ويداومونها، والمراد بالتجارة ثواب الطاعة، ومعنى ﴿لَنْ تَبُورَ﴾ لن تكسد ولن تهلك، وهي صفة للتجارة، والإخبار برجائهم لثواب ما عملوا بمنزلة الوعد بحصول مرجوهم (١). قال مطرف بن عبد: قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ .. ﴾ الآية: هذه آية القراء (٢). ثانيًا: من السنة: ١ - حديث ابن عمر؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا حسد إلا في اثنتين

стр. 7

رجل علمه الله القرآن فهو يتلوه آناء الليل، وآناء النهار فسمعه جار له: فقال ليتني أوتيت مثل ما أوتي فلان، فعملت مثل ما يعمل، ورجل آتاه الله مالاً فهو يهلكه في الحق، فقال رجل: ليتني أوتيت مثل ما أوتي فلان فعملت مثل ما يعمل» (١). ٢ - حديث عائشة عن النبي ﷺ قال: «مثل الذي يقرأ القرآن وهو حافظ له مع السفرة الكرام، ومثل الذي يقرؤه وهو يتعاهده وهو عليه شديد فله أجران» (٢). ٣ - حديث أبي موسى الأشعري عن النبي ﷺ ، قال: «مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الأترجة ريحها طيب وطعمها طيب ... » (٣). ٤ - حديث أبي أمامة عن النبي ﷺ ؛ قال: «اقرأوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعًا لأصحابه» (٤). ٥ - حديث عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ ؛ قال: «يقال لصاحب القرآن: اقرأ وارتق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا؛ فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها» (٥). ٦ - حديث عبد الله بن مسعود عن النبي ﷺ ؛ قال: «من قرأ حرفًا من

стр. 8

كتاب الله تعالى فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقوال: ألم حرف ولكن ألف حرف، ولام حرف وميم حرف» (١). ٧ - حديث أنس بن مالك؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن لله أهلين من الناس» قالوا: يا رسول الله! من هم؟ قال: «هم أهل القرآن، أهل الله وخاصته» (٢). هذا غيض من فيض؛ اخترت منه ما أحسبه كافيًا بالغرض الذي سيق لأجله.

стр. 9

المبحث الثاني في ما يلزم قارئ القرآن وحامله من تعظيم القرآن وحرمته عند تلاوة القرآن ذكر أهل العلم جملة من الأمور التي ينبغي على قارئ القرآن الإتيان بها عند التلاوة؛ فمن ذلك: ١ - أنه ينبغي له أن يستاك ويتخلل فيطيب فاه عند القراءة؛ إذ هو طريق القرآن (١). ٢ - أن لا يقرأ القرآن إلا على طهارة (٢)، إلا أن يكون جنبًا فيجب عليه الاغتسال قبل القراءة، ومثله الحائض عند أكثر أهل العلم فلا تقرأ شيئًا من القرآن حتى تطهر. ٣ - أن لا يمس القرآن إلا على طهارة (٣)، وهذا غير مختص بالجنب، بل هو في حق المحدث حدثًا أصغر على ما ذهب إليه جمهور أهل العلم. ٤ - ومن ذلك ترك قراءته في المواضع القذرة، وأن يختار لذلك المكان النظيف، وذلك تعظيمًا للقرآن (٤). ٥ - أنه يستحب التعوذ قبل القراءة (٥)، لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ

стр. 10

فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨] وأن يقرأ: (بسم الله الرحمن الرحيم) إذا كان ابتداء قراءته من أول السورة (١). ٦ - أن يحمد الله عند الفراغ من القراءة على توفيقه ونعمته بجعله من آل القرآن، وأن يسأل الثبات عليها (٢). ٧ - أنه يستحب له أن يخلو لتلاوته حتى لا يقطع عليه أحد بكلام، فإن كان ولا بد، لم يقطع قراءته ساعة فساعة بكلام الآدميين من غير ضرورة (٣). ٨ - أن تكون قراءته بتدبر، وتفهم، وخشوع، وأن يستعمل فيه ذهنه وفهمه حتى يعقل ما يخاطب به، ويتأمل الأوامر والنواهي ويعتقد قبول ذلك (٤). والأدلة على ذلك أكثر من أن تحصى؛ قال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: ٢٤] وقال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: ٢٩]. ٩ - أن يقف على آية الوعد فيرغب إلى الله تعالى، ويسأله من فضله، وأن يقف على آية الوعيد فيستجير بالله منه (٥). ١٠ - أن يمسك عن القراءة إذا تثاءب حتى ينتهي من التثاؤب، ثم يستأنف القراءة (٦)، وقد قال ﷺ : «إذا تثاءب أحدكم فليمسك بيده على فيه، فإن الشيطان يدخل» (٧).

стр. 11

١١ - إذا ابتدأ القراءة فينبغي أن تكون بدايته من أول الكلام المرتبط بعضه بعضا، إذا ابتدأ القراءة من وسط السورة، وأن يقف على الكلام المرتبط، إذا لم يقف على آخر السورة (١). ١٢ - أن يمسك عن القراءة إذا عرض له ريح حتى يتكامل خروجها، ثم يعود إلى القراءة (٢). ١٣ - ومن حرمته ألا يجهر بعضٌ على بعض في القراءة فيفسد عليه، حتى يبغض إليه ما يسمع ويكون كهيئة المغالبة (٣). ١٤ - ألا يجهر بقراءته بين مصلين، أو نيام جهرا يؤذيهم (٤). ١٥ - ومن حرمته ألا يقرأه في الأسواق، ولا في مواطن اللغط واللغو، ومجمع السفهاء (٥). ١٦ - ومن حرمته إذا وضع المصحف ألا يتركه منشورًا، وألا يضع فوقه شيئًا من الكتب حتى يكون أبدًا عاليًا لسائر الكتب (٦). ١٧ - ومن حرمته أن يضعه في حجره إذا قرأه أو على شيء بين يديه ولا يضعه بالأرض (٧).

стр. 12

المبحث الثالث في التعريف بسجود التلاوة سجود التلاوة: أي: السجود بسبب التلاوة. والإضافة فيه من باب إضافة المسبب إلى السبب (١)، كخيار العيب، وخيار الرؤية، وحج البيت، وأقوى وجوه الاختصاص اختصاص المسبب بالسبب (٢). وقد أورد عليه: أن السماع سبب في حق المستمع، فكان ينبغي أن يكون التعريف: بسجود التلاوة والسماع. وقد أجاب عنه العيني: بأن الإجماع منعقد على كون التلاوة سببًا، واختلفوا في سببية السماع، فقال بعضهم: ليس السماع سببًا، ولذلك اقتصرت إضافة السجدة إلى التلاوة دون السماع، أو يقال: إن التلاوة أصل في الباب؛ لأنها إذا لم توجد لم يوجد السماع فكان ذكرها مشتملاً على السماع من وجه فاكتفي به (٣).

стр. 13

الفصل الأول في حكم سجود التلاوة وفيه مبحثان: المبحث الأول: في حكمه للتالي. المبحث الثاني: في حكمه للمستمع والسامع.

стр. 14

المبحث الأول في حكمه للتالي وقد اختلف أهل العلم فيه على ثلاثة أقوال: القول الأول: إن ذلك واجب مطلقًا، أي: في الصلاة وخارجها: ذهب إليه الحنفية (١)، وأحمد في رواية عنه (٢)، اختارها ابن تيمية (٣)، وقد استدل هؤلاء بما يلي: أولا: من الكتاب: ١ - قوله تعالى: ﴿فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ * وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ﴾ [الانشقاق: ٢٠، ٢١]. ووجه الدلالة: أن الله ذمهم على ترك السجود، وإنما استحق الذم بترك الواجب (٤). ونوقش الاستدلال من أوجه: الوجه الأول: أنه محمول على الصلاة (٥). الوجه الثاني: أن الآية وردت في ذم الكفار وتركهم السجود

стр. 15

استكبارًا، بدليل ما تعقبه من الوعيد الذي لا يستحقه من ترك سجود التلاوة (١). وأجيب: بأن هذا خلاف قولكم؛ لأنكم تستحبون السجود في الآية. وردت الإجابة: بأنا نسجد مبالغة في مخالفة الكفار، وترك الاستكبار، وذلك يسحب، ولهذا يستحب في المرة الثانية والثالثة ولا يجب بالإجماع بيننا (٢). الوجه الثالث: أن معنى ﴿لَا يَسْجُدُونَ﴾ أي: لا يعتقدون فضله، ولا مشروعيته، ولذلك قال: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ﴾ [الانشقاق: ٢٢] (٣). ٢ - قوله تعالى: ﴿فَاسْجُدُوا لِلهِ وَاعْبُدُوا﴾ [النجم: ٦٢] وفي العلق ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ [العلق: ١٩] وهذا أمر، ومطلق الأمر الوجوب (٤). ونوقش من أوجه: الوجه الأول: أن المراد بالسجود في هذه الآيات، سجود الصلاة (٥). الوجه الثاني: أن إيجاب السجود مطلقًا ليس يقتضي وجوبه مقيدًا وهو عند القراءة، أي: عند قراءة آية السجود، ولو كان الأمر كما زعموا لكانت الصلاة تجب عند قراءة الآية التي فيها الأمر بالصلاة، وإذا لم يجب ذلك فليس يجب السجود عند قراءة الآية التي فيها الأمر

стр. 16

بالسجود من الأمر بالسجود (١). وأجيب: بأن المسلمين قد أجمعوا على أن الأخبار الواردة في السجود عند تلاوة القرآن هي بمعنى الأمر بالسجود مقيدًا بالتلاوة أي: عند التلاوة، وورد الأمر به مطلقا فوجب حمل المطلق على المقيد، وليس الأمر في ذلك بالسجود كالأمر بالصلاة، فإن الصلاة قيد وجوبها بقيود أخر. وأيضًا: فإن النبي ﷺ قد سجد فيها فبين لنا بذلك معنى الأمر بالسجود الوارد فيها، أي: أنه عند التلاوة فوجب أن يحمل مقتضى الأمر في الوجوب عليه (٢). الوجه الثالث: على فرض التسليم بأنه أمر بالسجود عند التلاوة، فإنه يتعين حمله على الندب، جمعًا بينه وبين ما ورد عنه ﷺ من ترك السجود أحيانا (٣). ٣ - قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [السجدة: ١٥]. فهذا الكلام يقتضي أنه لا يؤمن بآياته إلا من إذا ذكر بها خر ساجدا وسبح بحمد ربه، وهو لا يستكبر (٤). ونوقش: بأن المراد به التزام السجود واعتقاده، فإن فعله ليس بشرط في الإيمان إجماعًا، ولذا قرنه بالتسبيح، وهو قوله: ﴿خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا﴾ [السجدة: ١٥] وليس التسبيح بواجب (٥). ولأن ظاهر الآية يقتضي أن جميع الآيات يجب أن يسجد لها إذا

стр. 17

ذكرها، وهذا لا يقول به أحد، فسقط ظاهرها وعلم أن المراد بها ما ذكرنا (١). ٤ - أن أي السجدة تفيد الوجوب أيضًا، لأنها ثلاثة أقسام: قسم فيه الأمر الصريح به، وقسم تضمن حكاية استنكاف الكفرة حيث أمروا به، وقسم فيه حكاية فعل الأنبياء السجود. وكل من الامتثال، والاقتداء، ومخالفة الكفرة واجب (٢). ويمكن أن يناقش: بأنه لا يصح من الحنفية؛ لأنهم لا يقولون بالسجود في مواضع الأمر، وأما الاقتداء فلا يجب فيما فعلوه على وجه الاستحباب، أما ما ورد في شأن ذم الكفار لتركهم السجود، فلعدم اعتقادهم فضله ولا مشروعيته، ولتركهم له استنكافًا، واستكبارًا (٣). ثانيًا من السنة: حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد، اعتزل الشيطان يبكي ويقول: يا ويله، وفي رواية: يا ويلتي، أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة، وأمرت بالسجود فأبيت فلي النار» (٤). والاستدلال به من وجهين: الوجه الأول: أنه قال: «أمر ابن آدم» والأمر للوجوب (٥). الوجه الثاني: أنه قربة، فالسجدة التي أمر بها تلك كانت واجبة؛ فكذا هذه (٦).

стр. 18

ونوقش من ثلاثة أوجه: الوجه الأول: بأن هذا حكاية قول إبليس (١)، وهو ليس إلا قوله: ... ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف: ١٢]. وأجيب: بأن النبي ﷺ أخبر بذلك ولم ينكره (٢). الوجه الثاني: أنه إخبار عن السجود الواجب (٣). الوجه الثالث: أنه لو سلم بأنه أمر، فقد ورد ما يصرفه عن الوجوب، وهو ما يأتي في أدلة القول الثالث. ثالثًا: من أقوال الصحابة: ١ - ما صح عن عثمان ﵁ أنه قال: «إنما السجدة على من استمعها» (٤). ٢ - ما روي عن ابن عباس؛ أنه قال: «إنما السجدة على من جلس لها» (٥). ٣ - وعن ابن عمر؛ أنه قال: «إنما السجدة على من سمعها» (٦). قالوا: و «على» كلمة إيجاب؛ فدل على وجوب السجود (٧). ونوقش: الاستدلال من أوجه:

стр. 19

الوجه الأول: أنها ليست بصريحة في الإيجاب، إذ يمكن حملها على أن السجود المستحب إنما هو في حق المستمع. الوجه الثاني: أنها لو صحت وكانت صريحة في الوجوب لكانت معارضة بما هو أقوى منها، وهو ما ثبت عن النبي ﷺ من ترك السجود أحيانًا (١)، ومثله ما ثبت من إقرار الصحابة لقول عمر في الخطبة (إن الله لم يكتبها علينا إلا أن نشاء) (٢). رابعًا: من المعقول: ١ - ولأنها لو لم تكن واجبة لما جاز أداؤها في الصلاة؛ لأن أداءها زيادة سجدة، وهي تطوع توجب الفساد (٣). ونوقش: بأنها لو كانت واجبة لوجب إذا تلاها في الصلاة فلم يسجد حتى خرج من الصلاة أنه يقضيها (٤). وأجيب عنه: بأنها وجبت بسبب التلاوة في الصلاة؛ فأصبحت لها مزية الصلاة، فكان وجوبها كاملاً وأداؤها خارج الصلاة ناقص فلا يتأدى الكامل بالناقص (٥). ويمكن أن ترد الإجابة: بأن الحكم بنقصانها خارج الصلاة، يحتاج إلى دليل ولا دليل. ٢ - ولأنه سجود يفعل في الصلاة، فكان واجبًا كسجود الصلاة (٦). ونوقش: بأنه ينتقض بسجود السهو فإنه عندهم غير واجب (٧).

стр. 20

وأجيب: بأن هذا غير صحيح، إذ الصحيح من المذهب وجوبه (١). ٣ - ولأنه ركن مفرد عن أركان الصلاة الأصلية شرعت قربة خارج الصلاة فوجب أن تكون واجبة، قياسًا على القيام في صلاة الجنازة (٢). القول الثاني: إنه واجب في الصلاة، مسنون خارجها: ذهب إليه أحمد في رواية عنه (٣). ولم أجد مستند أحمد فيما ذهب إليه من هذا التفصيل، ولعله ما ثبت من مواظبة النبي ﷺ من السجود في الصلاة، مع ما نقل عنه من عدم سجوده أحيانًا خارج الصلاة، كما في حديث زيد بن ثابت (٤). القول الثالث: إنه سنة مطلقًا: ذهب إليه المالكية (٥)، والشافعية (٦)، وأحمد في رواية عنه، وهي المذهب (٧)، والظاهرية (٨)، والليث بن سعد، والأوزاعي (٩)، وإسحاق، وأبو ثور (١٠).

стр. 21

الأدلة: أولاً من السنة: ١ - حديث زيد بن ثابت ﵁؛ قال: قرأت على النبي ﷺ ... ﴿وَالنَّجْمِ﴾ [النجم: ١] فلم يسجد فيها (١). فلو كان السجود واجبا لسجد رسول الله وأمر به زيدًا (٢). ونوقش من أوجه: الوجه الأول: أن النبي ﷺ لم يسجدها على الفور، ولا يلزم منه أنه ليس فيه سجدة ولا نفي الوجوب (٣). وأجيب: بأنه لو كان كما ذكروا لم يطلق الراوي نفي السجود (٤). الوجه الثاني: أنه يحتمل أن زيدًا قرأها بعد الصبح، أو بعد العصر ولا يحل السجود في ذلك الوقت بالاتفاق (٥). وأجيب عنه بجوابين: الأول: عدم التسليم بوجود الاتفاق على عدم مشروعية السجود، فالخلاف موجود؛ إذ من أهل العلم من يقول بجواز فعل ذوات الأسباب في وقت النهي، ومنهم من يقول: بأن السجود للتلاوة ليس بصلاة فلا نهي فيه (٦). الجواب الثاني: أنه لو كان السبب ما ذكروه لم يطلق زيد النفي،

стр. 22

ويجعله الحجة في ترك السجود (١). الوجه الثالث: احتمال أن النبي ﷺ لم يكن على طهارة (٢). ونوقش: بأن الصحيح عدم اشتراط الطهارة لسجود التلاوة (٣). ولو سلم باشتراطها، وكان سبب الترك عدم الطهارة، لبين ذلك، وقال: لم أسجد لأني على غير وضوء (٤). الوجه الرابع: أنه لم يسجد؛ لأن زيدًا لم يسجد (٥)، كما قال ابن مسعود لتميم ابن حذلم: أنت إمامنا، فإن سجدت سجدنا (٦). ويمكن أن يجاب عنه: بأنكم لا تشترطون ذلك لسجود المستمع. الوجه الخامس: أن السجود في ﴿وَالنَّجْمِ﴾ وحدها منسوخ؛ بخلاف غيرها مما في المفصل كـ «اقرأ» و «الانشقاق». لما كان الشيطان قد ألقاه حين ظن أنه وافقهم، ترك السجود فيها بالكلية سدًا لهذه الذريعة (٧). ٢ - ما روي أن رجلاً قرأ عند رسول الله ﷺ آية سجدة فسجد، وقرأها آخر فلم يسجد، فقال النبي ﷺ : «كنت إمامنا، فلو سجدت سجدنا» (٨).

стр. 23

وفيه دليلان: الأول: أنه لم يأمره بالسجود وأقره على تركه. الثاني: قوله: «لو سجدت سجدنا» على سبيل المتابعة والتخيير (١). ونوقش: بأنه مرسل، والمرسل من قسم الضعيف، فلا يصلح للاحتجاج. ٣ - قوله ﷺ للأعرابي حين سأله، ماذا فرض عليه من الصلاة؟ «خمس صلوات في اليوم والليلة» قال: هل علي غيرها؟ قال: «لا؛ إلا أن تتطوع» (٢). ووجه الاستدلال: أنه صلاة فيدخل في عموم قوله: «لا؛ إلا أن تتطوع» ولو كانت واجبة لما ترك البيان بعد السؤال (٣). ونوقش من أوجه: الوجه الأول: أنه في الفرائض، وهو عندنا واجب غير فرض (٤). ويمكن أن يجاب عنه: بأن هذا اصطلاح لهم حادث، وما كان الصحابة يفرقون بينهما (٥). الوجه الثاني: أنه فيما وجب ابتداء، لا فيما يوجبه العبد على نفسه. ودليله: أنه لم يذكر المنذور مع وجوبه (٦).

стр. 24

٤ - ما روي عنه ﷺ أنه لم يسجد في المفصل (١)، وبما روي عنه أنه سجد فيها (٢). فوجه الجمع بين ذلك يقتضي أن لا يكون السجود واجبًا، وذلك بأن يكون كل واحد حدث بما رأى، من قال: إنه سجد، ومن قال: إنه لم يسجد (٣). ثانيًا: ما أثر عن الصحابة: ما ثبت عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قرأ سورة النحل على المنبر يوم الجمعة، حتى إذا جاء السجدة نزل، فسجد وسجد الناس، حتى إذا كانت الجمعة القابلة قرأ بها، حتى إذا جاءت السجدة؛ قال: يا أيها الناس: إنَّما نمر بالسجود فمن سجد فقد أصاب، ومن لم يسجد فلا إثم عليه (٤). وفي رواية: إن الله لم يكتبها علينا إلا أن نشاء (٥). وهذا الفعل من عمر في هذا الموطن والمجمع العظيم دليل ظاهر في إجماعهم على أنه ليس بواجب (٦). ونوقش من أوجه: الوجه الأول: أنه منقطع (٧)، فلا يصلح للاحتجاج. ونوقش: بأن هذا وهم، فالصحيح أن الخبر متصل (٨).

стр. 25

الوجه الثاني: التسليم بموجبه أنه لم تكتب علينا، بل أوجبت وفرق بين الفرض والواجب (١). وأجيب: بأن هذا اصطلاح لهم حادث، ولم يكن الصحابة يفرقون بينهما (٢). ثم يرده قول عمر: (ومن لم يسجد فلا إثم عليه). الوجه الثالث: أنه مؤول بأنه لم يجب علينا التعجيل بسجدة التلاوة، فأراد أن يبين للقوم التأخير عن حالة الوجوب (٣). وأجيب عنه: بأن هذا يرده قوله (ومن لم يسجد فلا إثم عليه). الوجه الرابع: أن قوله (إلا أن نشاء) لا يخلو أن يريد به نشاء وجوبها فلا يجوز ذلك؛ لأن الواجب يتعلق بإيجاب الشرع، لا بمشيئتنا فثبت أنه أراد إلا أن نشاء قراءتها (٤). وأجيب عنه: بأن فيه بعدًا ويرده تصريح عمر بقوله: (ومن لم يسجد فلا إثم عليه) فإن انتفاء الإثم عمن ترك الفعل مختاراً يدل على عدم وجوبه (٥). الوجه الخامس: أنه قد يكون المراد منه أن الله لم يكتب علينا السجود في هذه الحال، وهو إذا قرأها الإمام على المنبر، يبين ذلك أن السجود في هذه الحال ليس كالسجود المطلق؛ لأنه يقطع فيه الإمام الخطبة، ويعمل عملاً كثيرًا، والسنة في الخطبة الموالاة، فلما تعارض هذا، وهذا صار السجود غير واجب، لأن القارئ يشتغل بعبادة أفضل منه، وهو خطبة الناس، وإن سجد جاز .. فإذا كان كذلك لم يبق فيه

стр. 26

حجة، ولو كان مرفوعًا (١). الوجه السادس: أنه لو كان صريحًا، لكان قوله، وإقرار من حضر وليسوا كل المسلمين (٢). الوجه السابع: أنه معارض بمثله من أقوال الصحابة في وجوبه، كما ثبت عن عثمان، وابن عباس، وابن عمر (٣). ثالثًا: من المعقول: ١ - أن الأصل عدم الوجوب حتى يثبت دليل صحيح صريح في الأمر به، ولا معارض له، ولا قدرة لهم على هذا (٤). ٢ - ولأن ما شرع لأجل التلاوة لم يكن واجبًا، أصله التأمين، والتعوذ وسؤال الرحمة (٥). ٣ - وقياسًا على سجود الشكر (٦). ٤ - ولأنه يجوز فعله على الراحلة بالاتفاق في السفر، فلو كان واجبًا لم يجز كسجود صلاة الفرض (٧). ونوقش: بأن أداءها كما وجبت، فإن تلاوتها على الدابة مشروعة فكان كالشروع على الدابة في التطوع (٨). وأجيب عن المناقشة: بأنها لو كانت واجبة لم يجز فعلها ولو وجد سببها على الراحلة، ألا ترى أنه لو دخل عليه وقت الصلاة، وهو على الراحلة لم يجز له فعلها، وإن كان الوقت سبب الوجوب (٩).

стр. 27

٥ - ولأنها صلاة غير واجبة، فوجب أن لا يكون السجود لها واجبًا، أصله إذا أعاد تلك الآية (١). ٦ - ولأنه لما لم يجب عند العودة إلى التلاوة لم يجب عند ابتداء التلاوة كالطهارة (٢). ٧ - أنها لو كانت واجبة لما أديت في سجود الصلاة وركوعها (٣). ونوقش: بأن أداءها في ضمن شيء لا ينافي وجوبها في نفسها كالسعي إلى الجمعة يتأدى بالسعي إلى التجارة (٤). ٨ - أنها لو كانت واجبة لما تداخلت (٥). ونوقش: بأنه إنما جاز التداخل، لأن المقصود منها إظهار الخضوع والخشوع، وذلك يحصل بمرة واحدة (٦). ٩ - أنها لو كانت واجبة بطلت الصلاة بتركها كالصلاتية (٧). ونوقش: بالفرق؛ لأن الصلاتية جزء الصلاة، بخلاف السجدة فليس بجزء الصلاة (٨). ١٠ - ولأن كل سجود لا تبطل الصلاة بتركه فهو مسنون كسجود السهو (٩). الترجيح: والذي يظهر لي رجحانه هو القول الثالث، من عدم وجوب السجود؛ لقوة ما بني عليه من استدلال، وسلامة أدلته من المناقشة المضعفة للاستدلال، في مقابل ضعف ما أورده الموجبون للسجود من أوجه للاستدلال.

стр. 28

المبحث الثاني في حكمه للمستمع والسامع وفيه مطلبان: المطلب الأول: في حكم السجود . المطلب الثاني: في شروطه. المطلب الأول: في حكم السجود وفيه مسألتان: المسألة الأولى: في حكمه للمستمع . المسألة الثانية: في حكمه للسامع. المسألة الأولى: في حكمه للمستمع (١): اختلف أهل العلم في حكم سجود التلاوة للمستمع على قولين: القول الأول: إنه واجب: ذهب إليه الحنفية (٢) وأحمد في رواية عنه (٣) اختارها

стр. 29

ابن تيمية (١). وقد استدل هؤلاء بما استدلوا به في المبحث السابق في وجوبه على التالي ومن أهمها ما يلي: ١ - قوله تعالى: ﴿فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ * وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ﴾ [الانشقاق: ٢٠، ٢١]. ووجهه: أن الله ذمهم على ترك السجود، وإنما يذم بترك الواجب (٢). ٢ - قوله تعالى: ﴿فَاسْجُدُوا لِلهِ وَاعْبُدُوا﴾ [النجم: ٦٢]، وقوله: ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ [العلق: ١٩] وهذا أمر، ومطلق الأمر للوجوب (٣). ٣ - قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [السجدة: ١٥]. وهذا من أبلغ الأمر والتخصيص؛ فإنه نفي الإيمان عمن ذكر بآيات ربه ولم يسجد إذا ذكر بها (٤). ٤ - ما ورد عن عثمان، وابن عباس وابن عمر؛ أنهم قالوا: السجدة على من استمعها، على من جلس لها، على من سمعها (٥). اختلفت ألفاظهم بهذه، و"على" كلمة إيجاب (٦). ٥ - لأنها لو لم تكن واجبة لما جاز أداؤها في الصلاة؛ لأن أداءها زيادة سجدة، وهي تطوع، توجب الفساد (٧).

стр. 30

وقد نوقش الاستدلال بهذه الأدلة بما نوقشت به هناك، فارجع إليه (١). القول الثاني: إنه سنة: ذهب إليه المالكية (٢)، والشافعية (٣)، وأحمد في رواية عنه، وهي المذهب (٤) وابن حزم (٥). الأدلة: وقد احتج هؤلاء لعدم وجوب السجود على المستمع، بما احتجوا به على عدم وجوبه على التالي؛ ومنه: ١ - حديث زيد بن ثابت؛ قال: «قرأت على النبي ﷺ ﴿وَالنَّجْمِ﴾ فلم يسجدها فيها» (٦). فلو كان السجود واجبًا لسجد، وأمر زيدًا به (٧). ٢ - حديث الأعرابي، وقوله للنبي ﷺ : هل علي غيرها؟ قال: «لا؛ إلا أن تتطوع» (٨). ٣ - ما روي عن عمر ﵁ أنه قرأ السجدة على المنبر فسجد وسجد الناس معه، حتى إذا كانت الجمعة القابلة قرأ بها، حتى جاءت السجدة قال: (أيها الناس، إنما نمر بالسجود، فمن سجد فقد أصاب، ومن لم يسجد فلا إثم عليه).

стр. 31

وفي رواية: إن الله لم يكتبها علينا إلا أن نشاء (١). وهذا منه بهذا المحضر العظيم دليل ظاهر في إجماعهم على أنه ليس بواجب (٢). ٤ - لأن الأصل عدم الوجوب حتى يثبت دليل صحيح صريح في الأمر به، ولا معارض له، ولا قدرة لهم على هذا (٣). أما الدليل على سنيته فمنه ما يلي: ١ - حديث عبد الله بن مسعود؛ قال: قرأ ﷺ : ﴿وَالنَّجْمِ﴾ بمكة، فسجد بها، فما بقي أحد من القوم إلا سجد، فأخذ رجل من قريش كفًا من حصى أو تراب ورفعه إلى جبهته، وقال يكفيني هذا، فلقد رأيته بعد قتل كافرًا (٤). ٢ - حديث عبد الله بن عمر ﵁ قال: كان النبي ﷺ يقرأ علينا السورة فيها السجدة فيسجد ونسجد معه حتى ما يجد أحدنا موضعًا لجبهته (٥). وقد نوقش: الاستدلال بهذه الأدلة بما نوقش به هناك فليرجع إليه.

стр. 32

الترجيح: والذي يظهر لي رجحانه: أنه سنة وليس بواجب؛ لقوة أدلة هذا القول، وتظافرها في الدلالة، على عدم الوجوب وسلامتها مما أورد عليها من المناقشة. المسألة الثانية: في حكمه للسامع (١): وقد اختلف في حكمه على الأقوال التالية: القول الأول: أنه واجب. ذهب إليه الحنفية (٢). واحتجوا بما يلي: ١ - ما سبق في الاستدلال لوجوبها على المستمع، وقالوا: إن الأدلة مطلقة غير مقيدة بالقصد (٣). أي: أنه سامع للسجدة فكان عليه السجود كالمستمع (٤). ونوقش: بالفاروق؛ لأن السامع لا يشارك التالي في الأجر بخلاف المستمع (٥). ويمكن أن يجاب: بأن هذا ليس بفارق؛ لأن سببه الخضوع، وليس أجر الاستماع. ٢ - ولما روي عن ابن عمر: السجدة على من سمعها (٦). ونوقش: بأنه يحتمل من سمعها عن قصد، فيحمل عليه جمعًا بينه

стр. 33

وبين قول عثمان، وعمران، وابن مسعود (١). القول الثاني: أنه سنة: ذهب إليه الشافعية (٢)، والحنابلة في وجه (٣)، وحكاه ابن قدامة عن ابن عمر، والنخعي، وسعيد بن جبير، ونافع، وإسحاق (٤). وقد احتج هؤلاء: ١ - بأنه سامع للسجدة؛ فكان عليه السجود كالمستمع (٥). وقد مضى الاستدلال لسنيته في حق المستمع (٦). القول الثالث: أنه يستحب، ولا يتأكد في حقه تأكده في حق المستمع: ذهب إليه الشافعية في وجه (٧). واستدلوا بما استدل به القائلون بالسنية. القول الرابع: أنه غير مشروع: ذهب إليه المالكية (٨)، والشافعية في وجه (٩)، والحنابلة في المذهب (١٠). واحتج هؤلاء بما يلي: ١ - ما روي عن عثمان ﵁، أنه مر بقاص فقرأ القاص سجدة

стр. 34

ليسجد عثمان معه، فلم يسجد، وقال: إنما السجدة على من استمع (١). ٢ - وبما روي عن ابن عباس: إنما السجدة على من جلس لها (٢). ٣ - ما روي عن مطرف؛ قال: سألت عمران بن حصين عن رجل لا يدري أسمع السجدة أم لا؟ فقال: وسمعها فماذا؟ (٣). ٤ - وروى أبو عبد الرحمن السلمي، قال: دخل سلمان الفارسي المسجد وفيهم قوم يقرءون فقرأوا السجدة، فقال له صاحبه: يا ابن عبد الرحمن لو أتينا هؤلاء القوم؟ فقال: ما لهذا غدونا (٤). ونوقش: بأنها معارضة بما ثبت عن ابن عمر، وليس قول أحدهم بأولى من الآخر. ٥ - ولأن غير القاصد لم يشارك التالي في الأجر فلم يشاركه في السجود كغيره (٥). ويمكن أن يناقش: بأن مبني السجود، سماع ما فيه السجود، فيسجد خضوعًا لله، وليس سببه تحصيله أجر التلاوة. الترجيح: والذي يظهر لي رجحانه: أنه سنة في حق السامع كما هو في حق المستمع، لقوة ما بني عليه من أنه سامع للسجدة فسن له السجود كالمستمع؛ إذ إن مبناه على الخضوع لله سبحانه، وليس لتحصيله أجر التلاوة.

стр. 35

المطلب الثاني: في الشروط الواجب تحصيلها لكي يشرع للمستمع و السامع السجود (١) الشرط الأول: صلاحية التالي لإمامة المستمع والسامع: اختلف أهل العلم في اشتراط صلاحية التالي لإمامة المستمع والسامع لكي يشرع له السجود على قولين: القول الأول: إنه يشترط: ذهب إليه مالك في المشهور عنه (٢)، والحنابلة في المذهب (٣)، والشافعية في مقابل الأصح (٤)، وإسحاق، وقتادة والنخعي (٥). واستدلوا بما يلي: ١ - ما روي أن رسول الله ﷺ أتى إلى نفر من أصحابه، فقرأ رجل منهم سجدة ثم نظر إلى رسول الله ﷺ ، فقال له رسول الله: «كنت إمامنا فلو سجدت سجدنا» (٦). ووجه الدلالة: تعليله بترك السجود بترك التالي له، وجعله في حكم الإمام. ويمكن أن يناقش: بأنه مرسل فلا يصلح للاحتجاج (٧).

стр. 36

١ - ما روي عن عبد الله بن مسعود ﵁، أنه قال لتميم بن حذلم وهو غلام، وقد قرأ عليه سجدة: اسجد فأنت إمامنا فيها (١). ويمكن مناقشته: بأنه يدل على أنه يسجد بسجوده، لكن لا دلالة فيه على اشتراط صلاحيته للإمامة كما في الصلاة. ٢ - ولأن فيها معنى الإئتمام، والقارئ لا يصلح إمامًا للمستمع فلا يسجد معه (٢). القول الثاني: إنه لا يشترط: ذهب إليه الحنفية (٣)، ومالك في رواية عنه (٤)، والشافعية في الأصح (٥)، والحنابلة في قول (٦)، وهو قول ابن حزم (٧). واحتجوا: بأن السبب سماع تلاوة صحيحة، وقد وجدت فوجب عليه السجود (٨). الترجيح: والذي يظهر لي رجحانه هو: القول الثاني لقوة دليلة ويؤيده قول عمر ﵁ بمحضر الصحابة (إنما نمر بالسجود فمن سجد فقد أصاب، ومن لم يسجد فلا إثم عليه).

стр. 37

الشرط الثاني: سجود التالي لكي يسجد المستمع والسامع: وقد اختلف أهل العلم في اشتراط ذلك على قولين: القول الأول: إنه لا يشترط: ذهب إليه الحنفية (١)، ومالك (٢)، والشافعية في الصحيح من المذهب (٣). واستدلوا بما يلي: ١ - أن سجود التلاوة يلزم القارئ والمستمع، فإذا ترك القارئ ما ندب إليه فعلى المستمع أن يأتي به (٤). ٢ - ولأن الاستماع موجود وهو سبب السجود (٥). القول الثاني: إنه يشترط: ذهب إليه الحنابلة في المذهب (٦)، والشافعية في مقابل الأصح (٧)، ومطرف وابن الماجشون من المالكية (٨). واحتجوا بما يلي: ١ - الحديث السابق؛ وهو قوله ﷺ : «إنك كنت إمامنا، ولو سجدت سجدنا» (٩). ونوقش: بأنه مرسل فلا يصلح للاحتجاج. ٢ - ومثله قول ابن مسعود لتميم بن حذلم: «اسجد فأنت إمامنا فيها» (١٠).

стр. 38

ويمكن أن يناقش: بأنه يسجد بسجوده، لكن لا دلالة فيه على امتناع السجود إذا لم يسجد التالي. ٣ - ولأنه تابع له، فإن الاستماع إنما يحصل بالقراءة ولا يسجد بدون سجوده كما لو كانا في الصلاة (١). ويمكن أن يناقش: بأنه لو كان كذلك لما جاز له رفع رأسه قبل التالي، ولا تقولون بذلك. الترجيح: والذي يظهر لي رجحانه: عدم الاشتراط لقوة ما بني عليه من استدلال، يؤيده الأثر السابق عن عمر، وكونه بمحضر الجمع الغفير من الصحابة. الشرط الثالث: أن يكون جلوسه ليتعلم القرآن أو أحكامه: فلا يسجد الجالس لابتغاء الثواب. ذهب إليه أكثر المالكية (٢). واحتجوا: بالقياس على السامع فكما أن السامع لا يسجد، لعدم إصغائه، فكذلك هذا (٣). والقول الثاني: إنه لا فرق. وأن العبرة بالاستماع، فمتى وجد شرع السجود: ذهب إليه بعض المالكية (٤)، و لعله قول بقية المذاهب حيث أطلقوا القول بمشروعيته في حق المستمع دون فرق (٥).

стр. 39

الترجيح: ولعل الراجح هو القول الثاني؛ لأن سببه التلاوة أو استماعها وقد وجد فيسجد خضوعًا لله. الشرط الرابع: أن لا يكون القارئ جلس ليسمع الناس حسن قراءته: ذهب إليه المالكية (١). ولم أجد لغيرهم تعرضًا لهذا الشرط، ولعله يرجع إلى الحكم بفسقه فيعود الحكم إلى الشرط الأول، وهو الخلاف في اشتراط صلاحية التالي للإمامة (٢). وقد أورد عليه بعض المالكية: أن غاية ما فيه فسقه بالرياء، والمعمد عندهم صحة إمامة الفاسق. وأجاب بعضهم: بأن القراءة هنا كالصلاة فالمرائي في قراءته كمن تعلق فسقه بالصلاة، والفاسق الذي اعتمدوا صحة إمامته: من كان فسقه غير متعلق بالصلاة (٣).

стр. 40

الفصل الثاني في عدد سجدات التلاوة وفيه مبحثان: المبحث الأول: ما اتفق على السجود فيه. المبحث الثاني: ما اختلف في السجود فيه.
следующие страницы →