← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 36537

سجود التلاوة وأحكامه

صالح اللاحم

Полный текст (154 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

١ - ما روي عن عبد الله بن مسعود ﵁، أنه قال لتميم بن حذلم وهو غلام، وقد قرأ عليه سجدة: اسجد فأنت إمامنا فيها (١). ويمكن مناقشته: بأنه يدل على أنه يسجد بسجوده، لكن لا دلالة فيه على اشتراط صلاحيته للإمامة كما في الصلاة. ٢ - ولأن فيها معنى الإئتمام، والقارئ لا يصلح إمامًا للمستمع فلا يسجد معه (٢). القول الثاني: إنه لا يشترط: ذهب إليه الحنفية (٣)، ومالك في رواية عنه (٤)، والشافعية في الأصح (٥)، والحنابلة في قول (٦)، وهو قول ابن حزم (٧). واحتجوا: بأن السبب سماع تلاوة صحيحة، وقد وجدت فوجب عليه السجود (٨). الترجيح: والذي يظهر لي رجحانه هو: القول الثاني لقوة دليلة ويؤيده قول عمر ﵁ بمحضر الصحابة (إنما نمر بالسجود فمن سجد فقد أصاب، ومن لم يسجد فلا إثم عليه).

стр. 37

الشرط الثاني: سجود التالي لكي يسجد المستمع والسامع: وقد اختلف أهل العلم في اشتراط ذلك على قولين: القول الأول: إنه لا يشترط: ذهب إليه الحنفية (١)، ومالك (٢)، والشافعية في الصحيح من المذهب (٣). واستدلوا بما يلي: ١ - أن سجود التلاوة يلزم القارئ والمستمع، فإذا ترك القارئ ما ندب إليه فعلى المستمع أن يأتي به (٤). ٢ - ولأن الاستماع موجود وهو سبب السجود (٥). القول الثاني: إنه يشترط: ذهب إليه الحنابلة في المذهب (٦)، والشافعية في مقابل الأصح (٧)، ومطرف وابن الماجشون من المالكية (٨). واحتجوا بما يلي: ١ - الحديث السابق؛ وهو قوله ﷺ : «إنك كنت إمامنا، ولو سجدت سجدنا» (٩). ونوقش: بأنه مرسل فلا يصلح للاحتجاج. ٢ - ومثله قول ابن مسعود لتميم بن حذلم: «اسجد فأنت إمامنا فيها» (١٠).

стр. 38

ويمكن أن يناقش: بأنه يسجد بسجوده، لكن لا دلالة فيه على امتناع السجود إذا لم يسجد التالي. ٣ - ولأنه تابع له، فإن الاستماع إنما يحصل بالقراءة ولا يسجد بدون سجوده كما لو كانا في الصلاة (١). ويمكن أن يناقش: بأنه لو كان كذلك لما جاز له رفع رأسه قبل التالي، ولا تقولون بذلك. الترجيح: والذي يظهر لي رجحانه: عدم الاشتراط لقوة ما بني عليه من استدلال، يؤيده الأثر السابق عن عمر، وكونه بمحضر الجمع الغفير من الصحابة. الشرط الثالث: أن يكون جلوسه ليتعلم القرآن أو أحكامه: فلا يسجد الجالس لابتغاء الثواب. ذهب إليه أكثر المالكية (٢). واحتجوا: بالقياس على السامع فكما أن السامع لا يسجد، لعدم إصغائه، فكذلك هذا (٣). والقول الثاني: إنه لا فرق. وأن العبرة بالاستماع، فمتى وجد شرع السجود: ذهب إليه بعض المالكية (٤)، و لعله قول بقية المذاهب حيث أطلقوا القول بمشروعيته في حق المستمع دون فرق (٥).

стр. 39

الترجيح: ولعل الراجح هو القول الثاني؛ لأن سببه التلاوة أو استماعها وقد وجد فيسجد خضوعًا لله. الشرط الرابع: أن لا يكون القارئ جلس ليسمع الناس حسن قراءته: ذهب إليه المالكية (١). ولم أجد لغيرهم تعرضًا لهذا الشرط، ولعله يرجع إلى الحكم بفسقه فيعود الحكم إلى الشرط الأول، وهو الخلاف في اشتراط صلاحية التالي للإمامة (٢). وقد أورد عليه بعض المالكية: أن غاية ما فيه فسقه بالرياء، والمعمد عندهم صحة إمامة الفاسق. وأجاب بعضهم: بأن القراءة هنا كالصلاة فالمرائي في قراءته كمن تعلق فسقه بالصلاة، والفاسق الذي اعتمدوا صحة إمامته: من كان فسقه غير متعلق بالصلاة (٣).

стр. 40

الفصل الثاني في عدد سجدات التلاوة وفيه مبحثان: المبحث الأول: ما اتفق على السجود فيه. المبحث الثاني: ما اختلف في السجود فيه.

стр. 41

المبحث الأول ما اتفق على السجود فيه اتفق أهل العلم على أنه ليس في القرآن أكثر من خمس عشرة سجدة، واتفقوا على مشروعية السجود في عشر منها، وهي في السور التالية. الأعراف، الرعد، النحل، الإسراء، مريم، الأولى في الحج، الفرقان، النمل السجدة فصلت (١). ففي الأعراف في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٦]. وفي الرعد في قوله: ﴿وَلِلهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ [الرعد: ١٥].

стр. 42

وفي النحل في قوله: ﴿وَلِلهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ * يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [النحل: ٤٩، ٥٠]. وفي الإسراء في قوله: ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا * وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا * وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الإسراء: ١٠٧ - ١٠٩]. وفي مريم في قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مريم: ٥٨]. والأولى في (الحج) في قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ [الحج: ١٨]. وفي الفرقان في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا﴾ [الفرقان: ٦٠]. وفي النمل في قوله تعالى: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ * اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [النمل: ٢٥، ٢٦]. وفي سورة (الم السجدة) في قوله: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [السجدة: ١٥]. وفي فصلت في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ الليْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ * فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ﴾ [فصلت: ٣٧، ٣٨].

стр. 43

المبحث الثاني ما اختلف في السجود فيه اختلف أهل العلم في السجود في (ثانية الحج) وفي (ص) وفي السجود في المفصل، أي: في (النجم) وفي (الانشقاق) وفي (العلق) (١)؛ وإليك تفصيل أقوالهم في ذلك: أولاً: السجدة الثانية في الحج: القول الأول: أنها في مواضع السجود: ذهب إليه مالك في رواية عنه (٢)، والشافعية (٣)، وأحمد في رواية عنه وهي المذهب (٤)، وهو قول إسحاق، وأبي ثور، وابن المنذر (٥) وداود (٦). الأدلة: ١ - حديث عمرو بن العاص ﵁ قال: «أقرأني رسول الله ﷺ خمس عشرة سجدة؛ منها: ثلاث في المفصل، وفي سورة الحج سجدتان» (٧).

стр. 44

ووجه الدلالة: واضح. ونوقش: من ثلاثة أوجه: الوجه الأول: ضعف الحديث؛ لأن في سنده جهالة (١). الوجه الثاني: على فرض التسليم بصحة الحديث؛ فالمراد بإحدى السجدتين سجدة التلاوة، وبالأخرى سجدة الصلاة (٢). يدل عليه: أنه قرنها بالركوع؛ فقال: « .. اركعوا واسجدوا» والسجدة المقرونة بالركوع سجدة الصلاة (٣). وأجيب: بأن ذكر الركوع لا يقتضي ترك السجود كما ذكر البكاء في قوله (٤): ﴿خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مريم: ٥٨]. الوجه الثالث: أنه محمول على النسخ لإجماع قُرّاء المدينة وفقهائها على ترك ذلك مع تكرار القراءة ليلاً ونهارًا (٥). ٢ - حديث عقبة بن عامر؛ قال: قلت لرسول الله ﷺ : في سورة الحج سجدتان؟ قال: «نعم، ومن لم يسجدهما فلا يقرأهما» (٦).

стр. 45

ونوقش: بمثل ما نوقش به سابقه. ٣ - أنه روي عن جمع من فقهاء الصحابة ولم يعلم لهم مخالف؛ ومن ذلك: أ- ما روي عن عمر بن الخطاب ﵁: أنه قرأ سورة الحج فسجد فيها سجدتين، ثم قال: إن هذه السورة فضلت بسجدتين (١). ونوقش من وجهين: الوجه الأول: ضعف الأثر؛ لأن راويه رجل من أهل مصر، ولو كان معروفًا مشهورًا، من فعل عمر لعرفه من كان مع عمر بالمدينة، ومن أتى بها من الآفاق، ولكان هذا مشهورًا معروفًا من فعله (٢). الوجه الثاني: أنه لو صح عن عمر فلا حجة فيه، وإنما الحجة فيما صح عن رسول الله ﷺ (٣). الوجه الثالث: أن الآثار لا يحتج بها الخصم على قاعدته (٤). وأجيب: بأن هذا غير لازم لمن يحتج بها كالحنابلة. ب- ما روي عن علي وأبي موسى وأبي الدرداء، وابن عمر، وابن عباس ﵃؛ أنهم سجدوا في الحج سجدتين (٥).

стр. 46

قال ابن قدامة: ولم يعرف لهم مخالف في عصرهم فكان إجماعًا (١). قال أبو إسحاق السبيعي: أدركت الناس منذ سبعين سنة يسجدون في الحج سجدتين (٢). من المعقول: ٤ - ولأن السجدة الثانية أوكد من الأولى، لورودها بلفظ الأمر، وورود الأولى بلفظ الإخبار، فكان السجود لها أولى (٣). القول الثاني: أنها ليست من مواضع السجود: ذهب إليه الحنفية (٤)، ومالك في رواية عنه، وهي المذهب (٥)

стр. 47

وأحمد في رواية عنه (١)، وابن حزم (٢). وهو قول الحسن، وسعيد بن جبير، وجابر بن زيد (٣). الأدلة: ١ - لأن الله جمع بينها وبين الركوع؛ فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧] فلم تكن سجدة كقوله تعالى: ﴿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [آل عمران: ٤٣] (٤). ونوقش: بأن ذكر الركوع لا يقتضي ترك السجود كما ذكر البكاء في قوله: ﴿خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مريم: ٥٨] وقوله: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الإسراء: ١٠٩] (٥). ٢ - أن سجود العزائم في القرآن إنما ورد بلفظ الإخبار، أو على سبيل الذم، والسجدة الثانية في الحج وردت بلفظ الأمر فخالفت سجود العزائم (٦). ونوقش: بأن هذا لا يصح؛ لأن قوله تعالى: ﴿فَاسْجُدُوا لِلهِ وَاعْبُدُوا﴾ [النجم: ٦٢] أمر وكل ذلك سجود العزائم، وقد ورد لفظ الإخبار فيما ليس بعزيمة وهو قوله تعالى: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ [الحجر: ٣٠] فعلم فساده (٧). ٣ - ولأن إثبات السجود طريقه الشرع، والأصل براءة الذمة، ولم يثبت من طريق صحيح فمن ادعى ذلك فعليه بيانه (٨).

стр. 48

ويمكن أن يناقش: بأن البيان قد حصل بما أوردناه من أدلة، وهي كافية في إثبات مثل هذا. الترجيح: ولعل الراجح هو القول الأول لقوة أدلته، ومنها حديث عمرو، وتأييده بما صح عن عمر، وما نقل عن الجمع من فقهاء الصحابة. ثانيًا: السجود في (ص): وقد اختلف أهل العلم في السجود فيها على قولين: القول الأول: أنها ليست من سجدات التلاوة، وإنما هي سجدة شكر: ذهب إليه الشافعية في الصحيح من المذهب (١)، وأحمد في رواية عنه وهي المذهب (٢)، وهو قول علقمة (٣). الأدلة: ١ - حديث أبي سعيد الخدري ﵁؛ قال قرأ رسول الله ﷺ وهو على المنبر (ص) فلما بلغ السجدة نزل فسجد، وسجد الناس معه، فلما كان يوم آخر قرأها، فلما بلغ السجدة تشزن (٤)، الناس للسجود، فقال رسول الله ﷺ : «إنما هي توبة نبي، ولكني رأيتكم قد تشزنتم للسجود. فنزل فسجد وسجدوا» (٥).

стр. 49

ووجه الدلالة: أنه صرح بأنها ليست موضع لسجود التلاوة، وإنما هي توبة نبي، وعلل للسجود بأنهم استعدوا له، فلم يكن ليصرفهم. ونوقش: بأن سجوده في الجمعة الأولى، وتركه الخطبة لأجلها يدل على أنها سجدة تلاوة. وأما تركه في الجمعة الثانية حين القراءة فلا يدل على أنها ليست بسجدة تلاوة، بل كان يريد التأخير وهو لا يجب على الفور، على أنه سجدها أيضًا وأسجد الناس معه لما تشزنوا (١). ٢ - حديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ سجد في (ص) وقال: «سجدها داود توبة، ونحن نسجدها شكرًا» (٢). ونوقش: بأن هذا حجة لنا؛ لأنا نقول: سجدها داود توبة، ونحن نسجدها شكرًا لما أنعم الله على داود بالغفران والوعد بالزلفى، وحسن مآب ولهذا لا يسجد عندنا عقيب قوله: ﴿أَنَابَ﴾ بل عقيب قوله: ﴿مَآبٍ﴾ وهذه نعمة عظيمة في حقنا، فكانت سجدة تلاوة؛ لأن سجدة التلاوة ما كان سبب وجوبها إلا التلاوة (٣). وقال البابرتي: وهذا لا ينفي كونها سجدة تلاوة، إذ ما من عبادة يأتي بها العبد إلا وفيها معنى الشكر (٤). ٣ - ما روي عن ابن عباس ﵄، قال: (ص) ليست من عزائم

стр. 50

السجود، وقد رأيت رسول الله ﷺ يسجد فيها (١). وهو مناقش: بأن الحجة فيما رواه عن النبي ﷺ من فعله لا فيما رآه هو. القول الثاني: أنها من مواضع السجود: ذهب إليه الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والشافعية في مقابل الأصح (٤)، وأحمد في رواية عنه (٥)، وابن حزم (٦)، وهو قول الحسن، وإسحاق، والثوري (٧). الأدلة: ١ - حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قرأ (ص) وهو على المنبر، فلما بلغ السجدة نزل فسجد، وسجد الناس معه، فلما كان يوم آخر قرأها، فلما بلغ السجدة تشزن الناس للسجود فقال رسول الله ﷺ : «إنما هي توبة نبي، ولكني رأيتكم قد تشزنتم للسجود فنزل فسجد، وسجدوا» (٨). والاستدلال به من وجهين: الوجه الأول: أن سجوده في الجمعة الأولى وترك الخطبة لأجلها يدل على أنها سجدة تلاوة (٩).

стр. 51

الوجه الثاني: أن سببها التلاوة فكان سجدة تلاوة (١). ٢ - حديث أبي هريرة: أن النبي ﷺ سجد في (ص) (٢). ونوقش: بأن سجوده سجود شكر كما بينه حديث ابن عباس (٣). ٣ - حديث ابن عباس؛ أن النبي ﷺ سجد في (ص) وقال: «سجدها داود توبة ونحن نسجدها شكرًا» (٤). ووجه الدلالة: ظاهر: ونوقش: بأن هذا حجة لا؛ لأنا نقول: سجدها داود توبة، ونحن نسجدها شكرًا لما أنعم الله على داود بالغفران والوعد بالزلفى، وحسن مآب (٥). ٤ - حديث أبي سعيد الخدري ﵁؛ قال: رأيت رؤيا وأنا أكتب (ص) فلما بلغت "السجدة" رأيت الدواة والقلم، وكل شيء يحضرني انقلب ساجدًا، قال: فقصصتها على رسول الله ﷺ فلم يزل يسجدها (٦). ٥ - ما أخرجه البخاري عن مجاهد أنه سئل عن سجدة (ص) فقال: سألت ابن عباس، من أين سجدت؟ فقال: أو ما تقرأ ﴿وَمِنْ

стр. 52

ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ﴾ [الأنعام: ٨٤]. ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام: ٩٠]. فكان داود ممن أُمر نبيكم ﷺ أن يقتدي به فسجدها رسول الله (١). ٦ - روي عن عمر وعثمان؛ أنهما كانا يسجدان فيها (٢). ٧ - أن النظر يدل عليه، وذلك أن موضع السجود من الآية، موضع خبر، لا أمر، فالنظر فيه أن يرد حكمه إلى أشكاله من الأخبار، فيكون فيه سجدة كما يكون فيها (٣). الترجيح: والذي يظهر لي رجحانه؛ هو القول: بأنها من مواضع السجود لقوة أدلته؛ ومنها حديث أبي سعيد الصحيح وقوله: «فلم يزل يسجدها» ولسلامة أدلته مما أورد عليها من مناقشة. فائدة الخلاف: وتظهر فائدة الخلاف في مسألتين: المسألة الأولى: إذا قرأها في الصلاة فسجد فما حكم صلاته عند القائلين بأنها ليست من مواضع السجود: اختلفوا في ذلك على قولين:

стр. 53

القول الأول: أنها تبطل صلاته: ذهب إليه الشافعية في أصح الوجهين (١)، والمالكية (٢)، والحنابلة في الأصح (٣). احتج الشافعية والحنابلة: بأنها سجدة شكر فبطلت بها الصلاة كالسجود عند تجدد نعمة (٤). واحتج المالكية: بأنه يزيد في صلاته فعلاً مثله يبطل الصلاة (٥). القول الثاني: أنها لا تبطل: ذهب إليه الشافعية في مقابل الأصح، وحكاه ابن قدامة احتمالاً في مذهب الحنابلة (٦). قالوا: لأنها تتعلق بالتلاوة، فهي كسائر سجدات التلاوة (٧). المسألة الثانية: لو سجد إمامه في "ص" لكونه يعتقدها فهل يتابعه المأموم إذا لم يعتقد مشروعية السجود؟ لهم في هذه ثلاثة أقوال: القول الأول: أنه لا يتابعه: ذهب إليه الشافعية في الأصح، بل إن شاء نوى مفارقته؛ لأنه معذور، وإن شاء ينتظره قائمًا، كما لو قام إلى خامسة لا يتابعه، بل إن شاء فارقه، وإن شاء انتظره، فإن انتظره لم يسجد للسهو؛ لأن المأموم لا سجود عليه.

стр. 54

القول الثاني: أنه لا يتابعه أيضًا: وهو مخير في المفارقة والانتظار، كما سبق، فإن انتظره سجد للسهو بعد سلام الإمام. ذهب إليه الشافعية في وجه؛ لأنه يعتقد أن إمامه زاد في صلاته جاهلاً وأن لسجود السهو توجهًا عليهما، فإذا أخل به الإمام سجد المأموم (١). القول الثالث: أنه يتابعه في سجوده: ذهب إليه المالكية (٢)، والشافعية في الوجه الثالث (٣). لتأكد متابعة الإمام، وتأويله (٤). ثالثًا: السجود في المفصل: أي في (النجم) و (الانشقاق) و (العلق). القول الأول: أنها من عزائم السجود: ذهب إليه الحنفية (٥)، ومالك في رواية عنه (٦)، والشافعي في الجديد (٧)، والحنابلة (٨)، وابن حزم (٩). الاستدلال: ١ - حديث أبي رافع؛ قال: صليت مع أبي هريرة العتمة، فقرأ:

стр. 55

﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ فسجد فقلت: ما هذه؟ قال: سجدت بها خلف أبي القاسم ﷺ ، فلا أزال أسجدها حتى ألقاه (١). ٢ - حديث أبي هريرة ﵁، قال: سجدنا مع النبي ﷺ في ... ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ [الانشقاق: ١] و ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١] (٢). ٣ - حديث عبد الله بن مسعود؛ قال: قرأ رسول الله ﷺ : (النجم) بمكة، وسجد من معه .. الحديث (٣). ٤ - حديث عبد الله بن عباس ﵄؛ «أن رسول الله ﷺ سجد بـ (النجم) وسجد معه المسلمون والمشركون والجن والإنس» (٤). ووجه الدلالة من هذه الأحاديث: ظاهر: ونوقش من أوجه: الوجه الأول: أن السجود فيها منسوخ (٥) بدليل ما يلي: ١ - حديث ابن عباس ﵄: «أن النبي ﷺ لم يسجد في شيء من المفصل منذ تحوله إلى المدينة» (٦). ٢ - ولأن عمل أهل المدينة على ترك السجود في المفصل مما يدل على نسخه (٧). وردت المناقشة من وجهين:

стр. 56

الوجه الأول: عدم التسليم بأن عملهم حجة. الوجه الثاني: لو سلم، فلا عمل أقوى من عمل عمر وعثمان بحضرة الصحابة (١). ٥ - أنه روي السجود فيه عن عدد من فقهاء الصحابة ومن ذلك: ١ - ما روي عن أبي هريرة؛ قال: سجد أبو بكر وعمر في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ ومن هو خير منهما (٢). أ- ما روي عن أبي رافع الصائغ؛ قال: صلى بنا عمر صلاة العشاء الآخرة، فقرأ في إحدى الركعتين الأوليين: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ فسجد وسجدنا معه (٣). ب- ما روي عن عثمان ﵁؛ أنه قرأ في صلاة العشاء "النجم" فسجد (٤). ج- وروى الشعبي عن عبد الله بن مسعود؛ أنه سجد في "النجم" و"اقرأ" (٥). د- وروي عن عمار؛ أنه قرأ ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ وهو يخطب فنزل فسجد (٦).

стр. 57

هـ- وروى نافع أن ابن عمر كان يسجد في: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ و ﴿اقْرَأْ﴾ (١). القول الثاني: أنه لا سجود فيها: ذهب إليه مالك في الرواية المشهورة عنه، وهي المذهب عند أصحابه (٢)، والشافعي في القديم (٣). وهو قول: سعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، والحسن، وعكرمة، ومجاهد، وعطاء، وطاوس (٤). الاستدلال: ١ - حديث زيد بن ثابت ﵁: أنه قرأ على النبي ﷺ سورة النجم فلم يسجد (٥). ووجه الدلالة: ظاهر: ونوقش من أوجه: الوجه الأول: أنه لا يدل على نفي السجود وإنما يدل على جواز الترك (٦). الوجه الثاني: أنه يحتمل أنه تركه؛ لأن زيدًا وهو القارئ لم يسجد فلو سجد لسجد النبي ﷺ (٧). الوجه الثالث: أنه يحتمل أنه لم يكن على طهارة (٨).

стр. 58

الوجه الرابع: احتمال أنه في وقت لا يجوز فيه السجود (١). الوجه الخامس: احتمال أنه أراد التأخير ليبين جوازه (٢). قالوا: فلما احتمل تركه للسجود كل معنى من هذه المعاني، لم يكن هذا الحديث بمعنى منها أولى من صاحبه إلا بدلالة تدل عليه من غيره (٣). ٢ - حديث أبي الدرداء؛ قال: "سجدت مع النبي ﷺ إحدى عشرة سجدة ليس فيها من المفصل شيء" (٤). ووجه الدلالة: ظاهر. ونوقش من أوجه: الوجه الأول: أن الحديث ضعيف؛ لضعف إسناده فلا يصح به الاحتجاج (٥). الوجه الثاني: أنه معارض بما هو أصح منه وهو حديث أبي هريرة السابق (٦). الوجه الثالث: أنه لا دلالة فيه، إذ يجوز أن يكون سجود غير المفصل إحدى عشرة سجدة، ولا نزاع بيننا في هذا (٧).

стр. 59

الوجه الرابع: أن ترك السجود في حديث أبي الدرداء دليل على أنه ليس بواجب وسجوده يدل على أنه مسنون، فلا تعارض (١). ٣ - حديث عبد الله بن عباس ﵄: أن النبي ﷺ لم يسجد في شيء من المفصل منذ تحوله إلى المدينة (٢). ووجه الدلالة: ظاهر: ونوقش من أوجه: الوجه الأول: أن الحديث ضعيف لضعف إسناده (٣). الوجه الثاني: أنه يدل على أن السجود ليس بواجب، وما روي عنه من سجوده فيه يدل على أنه مسنون فلا تعارض (٤). الوجه الثالث: احتمال أن يكون المنفي هو المواظبة على ذلك، لتكرار قراءته في الصلاة، فتركه ﷺ ، لئلا تختلط الصلاة على من لا يفقه (٥). الوجه الرابع: أنه معارض لحديث أبي هريرة، فيقدم عليه حديث أبي هريرة لسببين: ١ - أنه أصح وأقوى صراحة منه في الدلالة. ٢ - أنه مثبت، وحديث ابن عباس ناف والقاعدة تقديم المثبت على النافي؛ لأن معه زيادة علم، لا سيما وأن نفي ابن عباس لشيء لم

стр. 60

يحضره، فإنه كان صبيًا في حياة النبي ﷺ لا يدري ما يفعل النبي. وإسلام أبي هريرة إنما كان والنبي ﷺ بالمدينة سنة سبع من الهجرة (١). ٤ - أنه روى عن جمع من فقهاء الصحابة يلزم الرجوع إلى قولهم، منهم: زيد بن ثابت (٢)، الذي جمع القرآن، وثانيهم: أبي بن كعب (٣)، وهو الذي قرأه مرتين على رسول الله ﷺ ، وثالثهم: عبد الله بن عباس (٤)، وهو الذي قرأ على أبي وأخذ عنه (٥). ونوقش من أوجه: الوجه الأول: أنه معارض بما هو أصح منه عن خمسة من الصحابة؛ منهم: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعمار، وابن عمر، وأبو هريرة. فكان الأخذ بقولهم أولى؛ لكونهم الأئمة؛ ولأن معهم ابن مسعود الذي شهد العرضة الأخيرة في العام الذي قبض فيه، فشهد ما نسخ وما بدل (٦). الوجه الثاني: أنها آثار موقوفة على هؤلاء الصحابة، وقد عارضت المرفوع فلا يلتفت إليها. الترجيح: والراجح أنها من عزائم السجود؛ لقوة ما بني عليه هذا القول من أدلة، وضعف ما أورد عليها من المناقشة، في مقابل عدم ثبوت أدلة القول الثاني أمام المناقشة.

стр. 61

الفصل الثالث مواضع السجود من آيات سجود التلاوة وفيه مبحثان: المبحث الأول: ما اتفق على موضعه. المبحث الثاني: ما اختلف في موضعه.

стр. 62

المبحث الأول ما اتفق على موضعه اتفق أرباب المذاهب الأربعة، وكذا المذهب الظاهري (١) على موضع ثماني سجدات في السور التالية. ١ - الأعراف، الرعد، الإسراء، مريم، الحج، الأولى، الفرقان، السجدة. كما اتفق القائلون بمشروعية السجود في الحج في الثانية، وكذا في المفصل، على موضع السجدة الثانية في الحج، وسجدة النجم، وسجدة العلق. وإليك بيان ذلك: ١ - سجدة الأعراف: عند آخرها وهو قوله: ﴿وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ [الأعراف: ١٠٦]. ٢ - سجدة الرعد: عند قوله: ﴿وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ [الرعد: ١٥]. ٣ - سجدة النحل: عند قوله: ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [النحل: ٥٠]. ٤ - سجدة الإسراء: عند قوله: ﴿وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الإسراء: ١٠٩]. ٥ - سجدة مريم: عند قوله: ﴿خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مريم: ٥٨]. ٦ - سجدة الحج الأولى: عند قوله: ﴿إِنَّ اللهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ [الحج: ١٨].

стр. 63

٧ - سجدة الحج الثاية عند قوله: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: ٧٧]. ٨ - سجدة الفرقان: عند قوله: ﴿وَزَادَهُمْ نُفُورًا﴾ [الفرقان: ٦٠]. ٩ - سجدة سورة السجدة عند قوله: ﴿وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [السجدة: ١٥]. ١٠ - سجدة النجم عند آخرها: وهو قوله: ﴿فَاسْجُدُوا لِلهِ وَاعْبُدُوا﴾ [النجم: ٦٢]. ١١ - وفي العلق في آخرها: وهو قوله: ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ [العلق: ١٩].

стр. 64

المبحث الثاني ما اختلف في موضعه (١) اختلف أهل العلم في موضع السجود في السور التالية: "النمل"، "فصلت"، "ص"، الانشقاق. وإليك بيان ذلك: أولاً: موضع السجود في سورة النمل: اختلف أهل العلم في موضع السجود من سورة النمل على قولين: القول الأول: أن موضعه عند قوله تعالى: ﴿اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [النمل: ٢٦]. ذهب إليه المالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤). قالوا: لإتمام الكلام (٥). القول الثاني: إنه عند قوله: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾ [النمل: ٢٥]. ذهب إليه الحنفية (٦)، وبعض الشافعية (٧)، وهو قول ابن حزم (٨).

стр. 65

قالوا: لأنه أقرب إلى موضع ذكر السجود والأمر به، والمبادرة إلى فعل الخير (١). الترجيح: والذي يظهر لي رجحانه هو القول الأول، لوجاهة ما ذكروه، ثم إن فيه احتياطًا، وهو تأخير يسير لا يضر عند الجميع. الموضع الثاني: في فصلت: وقد اختلف أهل العلم في موضع السجود فيها على ثلاثة أقوال: القول الأول: أن ذلك عند قوله: ﴿وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ﴾ [فصلت: ٣٨]. ذهب إليه الحنفية (٢)، وبعض المالكية (٣)، والشافعية في الأصح (٤)، وأحمد في رواية عنه؛ وهي المذهب (٥). وهو قول: سعيد بن المسيب، وابن سيرين، وأبي وائل، والثوري، وإسحاق (٦). واستدلوا بما يلي: ١ - ما روي عن ابن عباس ﵄: أنه كان يسجد في الآية الأخيرة من ﴿حم * تَنْزِيلُ﴾ [فصلت: ١، ٢] (٧).

стр. 66

وروي عنه أنه رأى رجلاً سجد في الآية الأولى من "حم" فقال: عجل هذا بالسجود (١). ٢ - ولأنه أقرب إلى الاحتياط، فإنها إن كانت عند الآية الثانية لم يجز تعجيلها، وإن كانت عند الأولى جاز تأخيرها إلى الآية الثانية (٢). ٣ - ولأن تمام الكلام في الثانية، فكان السجود بعدها، كما كان في سجدة النحل عند قوله: ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [النحل: ٥٠] وذكر السجدة في التي قبلها كذا ههنا (٣). القول الثاني: أن ذلك عند قوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [فصلت: ٣٧]. ذهب إليه الإمام مالك، وهو المذهب المشهور (٤)، والشافعية في مقابل الأصح (٥)، وبعض الحنابلة (٦)، وابن حزم (٧). وحكي عن الحسن البصري، وإبراهيم النخعي، وأبي صالح، وطلحة بن مصرف، وزيد بن الحارث، والليث (٨). واستدلوا بما يلي: ١ - ما روي عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه كان يسجد في الآية الأولى من "حم" (٩).

стр. 67

٢ - وروى نافع عن ابن عمر ﵄ أنه كان يسجد بالأولى (١). وهو مناقش: بأنه معارض بمثله، وهو ما روي عن ابن عباس من تأخير السجود. ٣ - أنه موضع الأمر بالسجود، واتباع الأمر أولى (٢). ٤ - أن فيه مسارعة إلى الطاعة، والمسارعة إلى الطاعة أفضل (٣). القول الثالث: أنه مخير إن شاء سجد في الآية الأولى، وإن شاء سجد في الثانية: ذهب إليه الإمام أحمد في رواية عنه (٤)، وهو قول ابن وهب من المالكية (٥). ولم أعثر على دليل هذا القول: ولعلهم نظروا إلى أن كلا الأمرين قد روي عن الصحابة ففهموا أن الأمر فيه واسع. الترجيح: والذي يظهر لي رجحانه هو القول الأول لقوة دليله من المعقول، وهو إتمام الكلام، مع الأخذ بالاحتياط، وهو تأخير يسير لا يضر عند الجميع. الموضع الثالث: في سجدة (ص): اختلف القائلون بمشروعية السجود في "ص" وأنها من مواضع سجود التلاوة، في موضع السجدة من السورة على قولين:

стр. 68

القول الأول: أن موضعه عند قوله: ﴿وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ [ص: ٢٤]. ذهب إليه الحنفية (١)، وبعض المالكية (٢)، وبعض الشافعية (٣)، وبعض الحنابلة (٤). واحتجوا: بأن قوله: ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ﴾ [ص: ٢٥] كالجزاء على السجود، وهو يدل على تقديم السجود لتقديم السبب على المسبب (٥). القول الثاني: أنه عند قوله: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ [ص: ٢٥]. ذهب إليه بعض المالكية (٦)، ولم أعثر على دليل لهذا القول. الترجيح: والذي يظهر لي رجحانه هو القول الأول، لوجاهة ما بني عليه، وهو ترتب الغفران على السجود. الموضع الرابع: سجدة (الانشقاق): كما اختلف القائلون بمشروعية السجود في (الانشقاق) في موضع السجدة من السورة على قولين:

стр. 69

القول الأول: أنه عند آخر قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ﴾ [الانشقاق: ٢١]. ذهب إليه الحنفية (١)، وبعض المالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤). لأن ما بعده لا تعلق له بذكر السجود (٥). القول الثاني: أن ذلك عند آخر السورة في قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [الانشقاق: ٢٥]. ذهب إليه بعض المالكية (٦)، ولم أعثر على دليل لهذا القول. الترجيح: والذي يظهر لي رجحانه هو الأول، لوجاهة ما ذكروه من تمام الكلام.

стр. 70

الفصل الرابع في أحكام سجود التلاوة وفيه مبحثان: المبحث الأول: في أحكامه داخل الصلاة. المبحث الثاني: في أحكامه خارج الصلاة.

стр. 71

المبحث الأول في أحكامه داخل الصلاة وفيه ستة مطالب: المطلب الأول: في قراءة الإمام لما فيه سجدة في الصلاة. المطلب الثاني: في قيام الركوع مقام سجود التلاوة. المطلب الثالث: في تكرار السجود لتكرار قراءة ما فيه السجود. المطلب الرابع: في صفة أداء السجدة في الصلاة. المطلب الخامس: في القراءة بعد الرفع من سجود التلاوة وقبل الركوع. المطلب السادس: في سجود المأموم لقراءة نفسه. المطلب الأول: في قراءة الإمام لما فيه سجدة وفيه مسألتان: المسألة الأولى: في الصلاة الجهرية. المسألة الثانية: في الصلاة السرية. المسألة الأولى: في قراءتها في الجهرية: وقد اختلف أهل العلم في حكم ذلك على قولين.

стр. 72

القول الأول: مشروعية ذلك: ذهب إليه جمهور أهل العلم؛ ومنهم: الحنفية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣)، والظاهرية (٤)، ومالك في رواية ابن وهب عنه (٥). واستدلوا بما يلي: ١ - حديث أبي هريرة ﵁ قال: كان النبي ﷺ يقرأ في الجمعة في صلاة الفجر: ﴿الم، تنزيل﴾ [السجدة: ١، ٢] ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾ (٦) [الإنسان: ١]. ووجه الدلالة: ظاهر لاشتمال الأولى على سجدة. ونوقش: بأن عمل أهل المدينة على خلافه فدل على نسخه (٧). وأجيب عنها من وجهين: الوجه الأول: عدم التسليم بأن عملهم حجة. الوجه الثاني: أنه لا عمل أقوى من عمل عمر وعثمان بحضرة الصحابة في المدينة (٨). ٢ - حديث أبي هريرة؛ قال: سجدنا مع النبي ﷺ في: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ و ﴿اقْرَأْ﴾ [العلق: ١] (٩). ووجه الدلالة: ظاهر. ونوقش: بما نوقش به سابقه.

стр. 73

٣ - أنه روي عن جمع من فقهاء الصحابة؛ منهم: عمر، وابنه، وأبو هريرة، وعثمان (١)، ولم يعلم لهم مخالف فكان إجماعًا (٢). القول الثاني: أنه تكره قراءتها في صلاة الفريضة دون النافلة: ذهب إليه مالك في رواية عنه؛ وهي المذهب عند أصحابه (٣). واحتج: للكراهة في الفريضة بما يلي: ١ - أنه إذا لم يسجدها دخل في الوعيد، أي: اللوم المشار له بقوله تعالى: ... ﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ﴾ [الانشقاق: ٢١] وإن سجد زاد في عدد سجودها (٤). ونوقش من أوجه: الوجه الأول: أن السجود سنة ولا وعيد في ترك السنة، فهذا ليس قولكم. الوجه الثاني: بأن هذه العلة موجودة في النافلة ولا كراهة فيه عندكم. وأجيب: بأن السجود لما كان نافلة والصلاة نافلة صار كأنه ليس زائدًا (٥). الوجه الثالث: دعواكم أن سجوده زيادة، استدلال بمحل النزاع، فهو مسنون بفعل النبي ﷺ وليس بزيادة.

стр. 74

٢ - ولأنه يؤدي إلى أن يخلط على من خلفه، لأنه أمر غير معتاد في الصلاة (١). ونوقش: بأن التخليط إنما يحصل في حالة الإسرار في القراءة، وأما مع الجهر فأكثر من وراءه يعلم بموضع السجدة فيتأهب لها ولا ينكر السجود فيها (٢). أما عدم الكراهة في النافلة: فقد احتج له بعضهم: بأن السجود لما كان نافلة، و الصلاة نافلة صار كأنه ليس زائدًا بخلاف الفرض (٣). ونوقش من وجهين: الوجه الأول: أن مقتضى الزيادة في الفرض البطلان، فكذلك في النافلة. وأجيب عنه: بأن الشارع لما طلبها من كل قارئ صارت كأنها ليست زائدة محضة (٤). الوجه الثاني: أنه لا فرق في الخوف من التخليط بين الفريضة والنافلة فلا بد لكم من دليل على الفرق. الترجيح: والذي يظهر لي رجحانه هو القول الأول من الجواز بلا كراهة لما أوردوه من الحديث الصحيح في قراءته ص للسجدة، وضعف ما أورده الآخرون من دعوى النسخ، أو احتمال التخليط.

стр. 75

المسألة الثانية: في الصلاة السرية: وفيه فرعان: الفرع الأول: في حكم قراءة ما فيه سجدة . الفرع الثاني: في السجود. الفرع الأول: في حكم قراءة ما فيه سجدة: هذا وقد اختلف أهل العلم في حكم قراءة ما فيه سجدة في الصلاة السرية على الأقوال التالية. القول الأول: أنه يكره: ذهب إليه الحنفية (١) والحنابلة في قول، وهو المذهب (٢) وبعض المالكية (٣). ١ - لأنه إذا لم يسجد كان تاركًا للسنة، وإن سجد أوهم على المأمومين؛ إذ قد يظنون أنه غلط فقدم السجود على الركوع، وفيه من الفتنة ما لا يخفى (٤). ونوقش من وجهين: الوجه الأول: أن ترك السنة لا يقتضى الكراهة؛ لأن ترك المسنون ليس مكروهًا، وإلا قلنا: إن صلاتنا في غير النعال مكروهة، ولقلنا بالكراهة إذا لم يرفع يديه عند تكبيرة الإحرام، ولقلنا بالكراهة إذا لم يجهر بالجهرية (٥).
следующие страницы →