← История

История · id 36538

على عتبات الحضارة - بحث في السنن وعوامل التخلق والانهيار

بتول جندية

Полный текст (87 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

رسائل في فلسفة الحضارة على عتبات الحضارة بحث في السنن وعوامل التخلق والانهيار تأليف د. بتول أحمد جندية

стр. 2

إهداء إلى الهداة المهديين .. نجوم هذه الأمّة في الليالي المدلهمّة وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر!!

стр. 3

التصنيف والرقم الموضوعي: فلسفة الحضارة ٩٠١ العنوان: على عتبات الحضارة ـ بحث في السنن وعوامل التخلق والانهيار المؤلف: د. بتول أحمد جندية عدد الصفحات: (١٠٩)، قياس: ١٤ ×٢٠ الإخراج الفني وتصميم الغلاف: د. بتول جندية الرقم الدولي: ... ISBN ... ٩٧٨٩٩٣٣٩٠٥٠٣٣ الطبعة الأولى: ٢٠١١م - ١٤٣٢هـ حقوق الملكية محفوظة للمؤلفة ويُرحب بنشر الكتاب وتصويره بإذن منها ويمكن الحصول على نسخة إلكترونية مجانية من موقع الكتاب: www.lets-rise.com سورية - حلب - طلعة الجامعة هاتف: +٩٦٣٢١ - ٢٢١٤٩٦٧ تلفاكس: +٩٦٣٢١ - ٢٢٨٩٣٤١ www. dar-almultaka.net E-mail: info@dar-almultaka.net

стр. 4

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة لله الحمد أولاً وآخرًا، ظاهرًا وباطنًا، معلّمِ الإنسان ما لم يعلم، مَن نثرَ له في ملكوته علامات تهديه، وسننًا ترشده، والله بها غير ملزَم. والصلاة والسلام على هادي الهداة، وحاديهم إلى الخير، ومصلح الإنسانية الأعظم. تظلّ الظاهرة الحضارية أضخم إنجازات الكائن البشري وأخطرها، ولأجل ذلك وقف منها موقفين متباينين: الرهبة والعجز، أو التفهم والتخطيط. وتحاول هذه الدراسة، مستعينة بالتكثيف، أن تبرهن أن الموقف الثاني هو الخيار الصحيح، وأن الظاهرة الحضارية، على خطرها، فعل إنساني، وأن لها نظامًا مطّردًا، وسننًا إلهية قابلة للتحليل والفهم والتسخير. تنتمي هذه الدراسة إلى "فلسفة الحضارة"، وهي تعالج قضايا كلية تتعلق بقوانين الحضارة، وسنن وجودها وحركتها وتطورها

стр. 5

وانطفائها في علاقتها بالمتغيّر البشري، كما تهتم بتحديد مفهوم الحضارة، وتبحث في قضية الدور الحضاري، وشروط تخلق الظاهرة الحضارية وانهيارها. تسعى الدراسات الحضارية اليوم إلى تصدر قائمة اهتمامات المفكرين العرب، فبعد قرن كامل من التجريب وجدت الأمة أن الحصيلة عاجزة عن أن تقدم إجابات جوهرية فيما يتعلق بقضية النهوض الحضاري، وتفسير العلل الحقيقية وراء المأزق الذي تعيشه هذه الأمة، بالإضافة إلى أن سلسلة التجارب الفاشلة، والانكسارات المتلاحقة، وما كرسته من خيبات، أفقدت الثقة في الاجتهادات التي قُدِّمت، والاختبارات التي تم تطبيقها!! وتحاول هذه الدراسة مواجهة الظاهرة الحضارية في ذاتها بالتجرد عن سلطان المأزق الذي يوجه الدراسات العربية غالبًا ويقودها في المسار الخاطئ، لأن الأزمات الحضارية تعرض تجليات خادعة لحقيقتها، وإشكالياتُها تنبع من صميم قانون التخلّق الحضاري، وتقدّم غير شروطه، فما يكون علة يصير نتيجة، وتنعكس المعادلة في المنقلب! يمكن وصف هذه الدراسة بأنها عتبة للدخول إلى عالم الحضارة الرحب، وأسهم دالّة إلى قوانينها الكبرى، وخطوة أولى في مشروع ضخم آمل - بعون المولى - تمامه. وقد تمّ إنجاز هذه الدراسة مع مطلع عام ٢٠٠٩، ولم يُيسَّر لي نشره إلا اليوم، وقد تهيّأ لي خلال هذه المدة أن أنجز حلقة أخرى في هذه السلسلة هي بحث علمي محكّم (١)

стр. 6

حاولت فيه الاستعانة بهذه القوانين للكشف عن أسباب انهيار الحضارة الإسلامية، وملابسات انحطاطها منذ هجمة المغول وحتى سقوط الخلافة. وتأتي أهمية نتائج هذين البحثين من استجابتهما لمتطلّبات المرحلة الحضارية التي تعيشها هذه الأمة المتحرّقة إلى ما ينتشلها من وهدة الانحطاط التي علقت فيها، وأضاعت السبيل إلى ذلك، فتواكلت على الأسباب المفقودة، وغفلت عن خزّان طاقتها الولودة، وأقعدتها آلامها والمحن، ناسية أن لا شيء يجعلنا أقوياء مثل الألم. تفيد الدراسة من كثير من النظريات والآراء المتوافرة فيما يتعلق بقضية الحضارة، إلا أنها تقدم تصورها الخاص الذي لا يهتم بتبرير أي من تلك الآراء، وإنما تستعين في تقديم رؤيتها بالتواصل المباشر مع أحداث التاريخ، والغوص في عمق الظواهر الاجتماعية والثقافية، وقراءة التجارب الحضارية المتنوعة، لا سيما الإسلامية والغربية واليابانية .. من دون الوقوع في أسر إحداها، لأن غايتها الكشف عن القوانين المطلقة التي تحكم الحركة التاريخية في التجارب الحضارية المختلفة ومهما تباينت مقولاتها الفكرية، ولأن غرضها أن تكون مرجعية عامة لفكر النهضة؛ عربيًا وإسلاميًا، وحجة ملزِمة لفرقاء الأمة مهما اختلفت مشاربهم واتجاهاتهم، بيد أن ما جاء فيها لا يخرج عن السنن الإلهية المنثورة في كتاب الله تعالى، وقوانينه الكونية التي لا تتخلّف. ولأجل ذلك حرصت الدراسة على

стр. 7

عدم الانفصال عن الواقع الحي والمراقبة الدقيقة له؛ لئلا تتورط في مزالق المثالية أو التصورات النظرية القبلية. وقد استعانت الدراسة من أجل تحقيق هذه الأغراض بالتكثيف لضبط حدود البحث، ولذلك فهي تُعنى باستخلاص القوانين والكليات في المتن، وتترك الأمثلة والتوضيحات للحواشي إلا إذا دعت ضرورة للخروج عن هذا النسق. وبعد .. فلا يسعني إلا أن أحمد الله جل ثناؤه لما أفاض عليّ من تيسيره، وأيّدني به من هدايته، وأنعم عليّ من أسباب خدمة هذه الأمة العظيمة بعلم أو عمل، راجية أن يتجاوز عني أسوأ عملي، وأن يقيل ضالّ علمي، وأن يقبله مني خالصًا لوجهه الكريم. بتول

стр. 8

امتحان المفاهيم الزمن، التاريخ، الحركة، التطور، الأمة، الثقافة، الحضارة، المدنية، الدولة، النهضة .. مجموعة من المصطلحات والمفاهيم تُقدَّم من خلالها فلسفة الحضارة، وتشترك في التعبير عن الحركة المتعلقة بكل من المتغيِّرَين الزمنيّ والبشريّ في صورتهما الجماعية لا الفردية. ومع أن هذا الاشتراك يسمح بشيء غير يسير من التداخل والخلط الطبيعيين، فإن تمايزًا ما ينبغي أن يلحظ ويولى من العناية ما يستحق لتفادي ما قد يجر إليه الخلط من نتائج مغلوطة في أي مشروع جاد للكلام على الحضارة تنظيرًا وتخطيطًا وتوجيهًا. الزمن هو الفضاء الذي تتحقق فيه الظاهرة التاريخية، وفي أفق قوانينه تتخلق الحضارة. والتاريخ هو الخط البياني لسيرورة الزمن، وهو خزّان الأحداث الماضية؛ ما كان، وقانون ما سيكون، فالتاريخ؛ قانونًا، يتحقّق في صورة التاريخ؛ أحداثًا؛ أي التاريخ/العبرة. والحركة صفة ملازمة للزمن ومنعكسة على الوجودَين المادي والمعنوي، وتتحقق في مستويين: عامٍّ قاهر ذي اتجاه حتمي، وخاص متفاوت فردي أو جماعي. والتطور تقويم نسبي للحركة. وداخل رحلة الزمن يتحقق الوجود الإنساني الجماعي من خلال مفهوم الأمة، والأمة هي التعيُّن الحيويّ لقيم كلية جماعية، وتجسيد إنساني لموقف خاص واحد من الوجود والحياة، تتبناه مجموعة بشرية، ويُعبَّر عنه بكلمة "ثقافة"، والثقافة علامة فارقة على كل تجمع بشري متماسك (مجتمع، أمة)، وهي في الوقت نفسه صانعة لهذا المجتمع ومانحة له هويته وتماسكه. ويبدو أن لقب الحضارة هو وصف قيمة

стр. 9

يُطلَق على ثقافة ما أو أمة من الأمم لتمايز نوعي في طبيعة قيمها ووجودها المادي والمعنوي، وقوة تأثيرها في محيطها. وعندما يغدو هذا التمايز كميًا فإن الحضارة تدخل في طور المدنية، فالمدنيّة مرحلة من مراحل الحضارة، وليست هي الحضارة، وإذا كان الغالب في الحضارة أن تكون روحية بمعنى قيميّة، أو مبدئية، فإن المدنيّة تكون في الغالب مادية نفعية. والدولة هي أداة من أدوات تحقق الحضارة وهي المظهر السياسي لها، وليست هي الأمة، ولا فيها تختصر الحضارة (١). إن مصطلح النهضة هو - لا شك - منبئ عن مرحلة لاحقة للسقوط، أي هي مرحلة من مراحل الحضارة تعقب الضعف والانحلال، وجمرة توقّد لبعثها من جديد، ولكنها غير لازمة، وإنما هي خيار بشري ومظهر لإرادة تحرير جبارة. لقد جر الخلط بين "الزمن" و"الحضارة" إلى الجبرية وتعطيل الإرادة البشرية، وافتراض عدم القدرة على مواجهة حركة الزمن القاهرة. ذلك كما الخلط بين "التاريخ" و"الحضارة"، إذ إن أحداث "التاريخ" ليست صورًا آلية قابلة للاستعارة والنسخ، وإنما هي نماذج وعلامات على قوانين كلية داخلية قابلة للفهم والحوار والتوظيف. ولمّا ذابت الحدود بين "الثقافة" و"الحضارة" ولد الفكر الاستعماري، أو

стр. 10

على العكس انحطت الهمم وانعدم الطموح، ورضي الضعيف بفتات الحضور الحضاري. وأيضًا فإن اختصار "الحضارة" في المرحلة "المدنية" هو استسهال وانخداع بظاهر الأمور وانبهار بالنتائج وغفلة عن الأسباب والمحرِّك والشروط. وعلى الرغم من التطابق الظاهر بين دواعي الانبعاث الحضاري الأولي، وشروط النهوض الانعكاسي، فإن التعقيد والاضطراب الغالبين على مرحلة النهوض يثيران إشكاليات مرحلية حرجة لا تثيرها بساطة الانبعاث الأولي. والوعي بخصوصية المرحلة من أول مبررات النجاح أو الفشل في أي مشروع نهضوي.

стр. 11

اتجاه الزمن وتقويم الحركة تتفاوت آراء فلاسفة التاريخ في تحديد اتجاه حركته، وتقويمها، فرأي مال إلى الاعتقاد بالتقدم الصاعد (١)، وأن الإنسانية تتجه عن طريق التراكم إلى تطور متتابع صاعد، وأن الجديد يفْضُل القديم لزومًا. وقد أسهم هذا الرأي في إثارة إشكاليات الحضارة العالمية أو العولمة، وقضية التراث والمعاصرة، وصراع القديم والجديد، بحسم مبدئي لصالح الجديد والمعاصر، بما أن الإنسان كلما كبر ازداد علمًا وحكمة، وكذلك هي الإنسانية في حركتها التاريخية! لا نختلف في أن التراكم برهان ممكن لقياس التطور، إلا أنه مقياس كمي صامت عن أية دلالة نوعية، إذ إن المتأخر لا يتبنى كل ما جاء به المتقدم، والتراكم بحد ذاته هو فعل طبيعي لا

стр. 12

بشري، على الرغم من أنه يتحقق بمسبِّب بشري، أما الفعل البشري والحضاري الحق فهو "الاختيار"، والاختيار فعل نفي وإثبات مفتوح المصادر يخضع لمؤثرات متنوعة؛ بيئية وذاتية وضرورية، قديمة وحديثة على السواء، وينتقي من مجمل المتراكم عبر الزمن والتاريخ. ومن إيجابيات التراكم أنه يقدم "للاختيار" مساحة أوسع من التجارب والخبرات، ولكن من طبائع النوع البشري المؤسفة أنه لا يتعظ بالتجارب السابقة ولا بخبرات الآخرين إلا بقدر ما يعتقد ويرغب، أما قيمة الخيار الناجم عن فعل الاختيار البشري فهي أمر نسبي خاضع لاعتبارات خاصة ومتغايرة تنفي إمكانية الحسم القبلي سلبًا أو إيجابًا. ومما يشهد بعدم تلازم قيمتي التطور والتراكم ما يقدمه التاريخ من نماذج متكررة لحضارات تسلم نفسها إلى الانطفاء بعد أن تبلغ قمة عطائها وتفوقها، وحضارات تتجاهل مقومات تحضّر سابقة وتهملها (١)، ولهذا فلا يصح اعتماد التراكم برهانًا على التطور أو الجزم بحركة الزمن التصاعدية، لأن كل حضارة هي كائن فريد لا يتكرر، على الرغم من أنه يستفيد بهذا القدر أو ذاك من مخزون التجارب السابقة، ولأن الفكرة تلد نقيضها في دورة غير منتهية (٢).

стр. 13

وفي مقابل نظرية التقدم الصاعد، ولدت نظريات يغلب عليها التشاؤم والعبثية والاستلاب، كالرأي القائل بالتأخر والنكوص والعودة إلى البدائية (١)، أو بالعشوائية ونفي النظام (٢)، أو بالانقطاع التاريخي (٣). وتبقى نظرية الدورات المتكررة (٤) هي التفسير الأسلم

стр. 14

والأكثر استيعابًا لحقائق التاريخ، وكان ابن خلدون واحدًا ممن قالوا بها وتابعه فيها بعض من فلاسفة الحضارة الغربيين (١) وطوروها من بعده، وهي في الوقت نفسه شرح لقانون التداول (٢) الذي ورد في القرآن الكريم، والسنة التي أعلن الله تعالى أنها ماضية في الأمم، إذ قال: "وتلك الأيام نداولها بين الناس" (آل عمران/١٤٠)، وكثير من الآيات

стр. 15

القرآنية تثبت المسار الدائري لحركة الوجود؛ الكلية والجزئية في المصدر والمآل والاتجاه، من ذلك قوله تعالى: "وإن عدتّم عدنا" (الإسراء/٨)، وقوله: "فهل ينظرون إلا سنة الأولين فلن تجد لسنة الله تبديلاً ولن تجد لسنة الله تحويلا" (فاطر/٤٣). ترى نظرية الدورات المتكررة أن التاريخ يتحرك حركة دورية يكشف تكرارها عن قوانينَ دائبةٍ وسنن ماضية تخضع لها الحركة، ونظامٍ مضبوط يوجه مسارها، ومحطاتٍ متكررة تقف عندها الحضارات لزامًا، وإذا كان التراكم هو معيار التقدم الصاعد في النظرية السابقة، فإن التشابه هو معيار التكرار وضابط الحركة في هذه النظرية. ولكن .. لمَ نرى أن هذه النظرية تفوق سابقاتها في الإصابة، وأنها جديرة بالتبني؟ الجواب أن قيمة هذه النظرية تتأتّى، في نظرنا، من اشتمالها على قيم ومبادئ ضرورية لامتلاك تصور إيجابي يوقن بالقدرة على السيطرة على التاريخ وتوجيهه، وبناء منظومة فكرية فعالة فيما يتعلق بتفسير الظاهرة الحضارية والانخراط في أي مشروع نهضوي، ويمكن أن نوجز تلك القيم في النقاط الآتية: - استبعاد الحكم المبدئي بالقيمة الذاتية للحركة، فالحركة قد تكون نكوصًا وتقهقرًا إلى الخلف، كما تكون تقدمًا وتطورًا، والحكم عليها نسبي بحسب المرجعيات والمعايير والمتغيرات. - للحركة قانون ونظام يمكن أن يستنبطا من مراقبة التجارب الإنسانية والحضارية السابقة، ولها سنّة ماضية على وتيرة متوقعة تسمح برصد آخرها وتوقع النتائج من خلال استقراء المقدمات والتدقيق في الإرهاصات، وهذا يعني إمكانية التخطيط

стр. 16

للمستقبل (١)، وفعالية التأثير في الواقع. فالتاريخ يعيد نفسه من خلال انتظام القوانين، ولا يعيد نفسه في الأحداث التاريخية نفسها (٢). - على الرغم من أن بعض القائلين بهذه النظرية يعطلون الإرادة الإنسانية في مواجهة الصيرورة الزمنية والحتم التاريخي واطّراد القوانين (٣)، فإن الذي نؤمن به، وإليه تميل آراء بعض المفكرين، وتثبته حقائق التاريخ، أن الإرادة الإنسانية توجّه التاريخ وتصنع أحداثه ضمن نظام من القوانين، وبالدرجة التي تتفهم فيها الذات الحضارية هذه القوانين وتستجيب لها بالفعل المؤثِّر، لا بالانفعال السلبي، وبذلك تقود القوانين وتوجهها بإرادتها (٤). - الحركة تحتاج إلى طاقة محرِّكة حتى تبلغ مستوى الفعالية، والطاقة إن لم تحظَ بحافز ينعشها فستُستنفَد وتتخامد، وترتدّ،

стр. 17

بالتالي، إلى مستوى السكون؛ أي إلى مسار الضعف والانحلال، وتتلاشى فيه لتبرز طاقةٌ جديدة ذات دفع مختلف لترسم مسارًا حضاريًا جديدًا (١). وضمن هذه الدورة ترتسم حركة التاريخ الكلية. وبما أن الدفع الحضاري دفع إنساني وليس دفعًا طبيعيًا أو ذاتيًا، فإن الإيمان بحتمية تخامد الاندفاع يستلزم حتميةَ المقاومة، والثقةَ بالقدرة على التصدي للتحديات الداخلية والخارجية، وضرورة التصحيح بهدف بناء دورات داخلية داعمة تجدد الشباب أو تؤخر الهرم (٢). - إن انتظام القوانين وتكرار الحركة لا يعني جبرية التاريخ، ولا تناسخ الظواهر، ولا يجزم بحتمية التوقع، كما أنه لا ينفي الخصوصية؛ لأن التدخّل البشري أساسي، والاختيار فعل حضاري جوهري يمنح الحضارات خصوصيتها الحضارية ومنظومتها القيمية، وعمر الحضارة قابل للتجديد والتخصيب في كل آن بدوائر داخلية داعمة إذا توافرت له العقول والإرادات التي تفهم التاريخ وتحسن

стр. 18

السيطرة عليه. - كل فكرة تحوي داخلها نقيضها كما يقول هيجل، وقوة الحركة تمنح الفكرة إمكانية استيعاب بعض القيم المناقضة لها، واحتوائها، وخلق حالة من التوازن ضرورية لترفد، بالتالي، الحركة نفسها، وعندما تضعف طاقة الاندفاع تتضخم السلبيات التي كُرِّست في الأصل لتدعم الفكرة وتحمي النظام على حساب الفكرة والنظام، وتكون أسافين تدق في نعش الحضارة المنهارة (١). ما يعني أن بعض القيم لا تحمل قيمة في ذاتها، وإنما قيمتها من توظيف الإنسان لها وسيطرته عليها (٢). - للحضارات محطات ومراحل تبدأ بالطفولة وتمر بالشباب ومن ثم

стр. 19

النضج حتى تعود للانزلاق إلى حمأة الكهولة، وكان ابن خلدون قد ضرب المثل لهذه الحركة بالأعمار الطبيعية للأشخاص (١)، وتمسك إشبنجلر بهذا الرأي وجعل حياة الحضارة نسخة مطابقة لحياة الكائن الحي، وهو تمثيل دقيق شرط أن تبقى المقارنة مضبوطة بالتأطيرات السابقة (٢). ولكل محطة من هذه المحطات خصوصيتها وملامحها في سلبياتها وإيجابياتها، إذ يلاحظ أن مرحلة الطفولة تحتضن القيم الكلية والروح التي انطلقت الحضارة بدفع منها، ومع مرحلة الشباب تبدأ الحضارة بتحقيق ذاتها في عالم الواقع بقوة واندفاع بقيادة الروح الحضاري، مع الحفاظ على حالة التوازن معها، وحين تدخل الحضارة مرحلة النضج المدني تكون قد بلغت أوج قوتها في عالم الواقع مع تراجع القيم الكلية، وتراخي سلطة الروح الحضاري، ومع الحركة والزمن تزداد المفارقة حدة فتخسر الإنجازات المادية دفعها الداخلي الذاتي، وتبدأ الحضارة بالجمود والانهيار على جميع الصعد. - الوجود لا يعرف الفراغ، وأي غياب عن الشهود الحضاري يعني السماح لروح حضاري آخر بملء الساحة الشاغرة، والأمم أبدًا في تدافع، والأيام بينها دُوَل، ومن يتخلف عن الركب فسوف يُستبدَل لا محالة. ثلاثة قوانين أساسية تحكم علاقة الذات الحضارية

стр. 20

بالآخر أرشدتنا إليها الآيات القرآنية: أولها "التدافع"، ذُكر في الآية: "ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض" (البقرة /٢٥١)، وهو قانون يعمل على أساس وجود تباين ما بين طرفين، أو عدة أطراف، لتحريض التنافس بينها واستفزاز طاقاتها الكامنة واستثمارها في تنشيط حركة العمران الإنساني. أما "التداول" المشار إليه في قوله تعالى: "وتلك الأيام نداولها بين الناس" (آل عمران /١٤٠)، فهذا القانون لاحق بالأول مترتب عليه، وهو في حقيقته النتائج المترتبة على عملية التنافس، وتغيُّر في المواقع والأدوار يستفيد من المدّ والجزر بين الإرادات المتعاكسة. و"الاستبدال" المنصوص في الآية: "وإن تتولوا يستبدل قومًا غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم" (محمد /٣٨)، هو حالة من حالات التداول، وقانون إنذار يحمل قيمًا سلبية لكل متنكب في حلبة التدافع. إن الكلام على التدافع يقودنا مباشرة إلى الكلام على قضية الدور الحضاري وعلاقته بمفهوم الحضارة.

стр. 21

الحضارة والدور الحضاري لا تخلو أمة من الأمم أو جماعة من الجماعات؛ بدائية كانت أو متقدمة، من أن تكون لها ثقافة ما تربطها وتكسبها طابعها المتميز، والثقافة هي طريقة في العيش وموقف من الحياة والوجود، ونظام قيمي واجتماعي يحكم مظاهر الحياة ومفرداتها جميعها، وينعكس في أشكال النشاط والسلوك كلها، ويمنح المجتمع هويته ويحافظ على تماسكه. أما الحضارة فوصف زائد على الوجود الثقافي للجماعة، يتضمن معنى التقدم، والتفوق النوعي والكمي، والإنجاز على مستوى الواقع، ودرجة ملحوظة من التأثير في المحيط التاريخي، وفعالية في صنع أحداثه وتوجيهها؛ فعالية قد تصل حد تشكيل منعطف ومفصل مشع فيه؛ زمانيًا ومكانيًا (١). ويمتاز اللفظ العربي

стр. 22

"حضارة" المشتق من "الحضور" في الدلالة على معنى "الفعالية"، فالعلامة الفارقة في الفعل الحضاري هي "حضور" المشهد التاريخي، وشهوده وعدم الغياب عنه ولعب دور فيه (١)، "وكثير من المجتمعات الإنسانية تقتصر على مجرد الوجود دون الحضور، ومن ثم لا يمكن إطلاق مفهوم الحضارة عليها مهما كان نتاجها الذهني والمادي، طالما وقفت فقط عند مجرد الوجود" (٢). وإذا كانت كل حضارة تمتلك، شرطًا، خصوصيةً ثقافية هي بمثابة الروح لها، فإن الحضارة ليست لازمة لوجود الأمة الثقافي (٣).

стр. 23

وتتجلى عبقرية الأمة في طبيعة حضورها، لأن الحضور يتفاوت في الدرجة والنوع، وهذا يقتضي امتلاك مقياس أو معايير لتقويم التجارب الحضارية للجماعات الإنسانية. ويغلب على المناهج التاريخية أن تقيس التقدم الحضاري بـ"الكم"، والكم يستعين بوسائل موضوعية مختلفة؛ كرصد الإنجازات الحضارية مع مراعاة قيمتي الكثرة والتراكم، بالإضافة إلى قياس نسبة الانتشار والتوسع. ويرفض توينبي المعيار الكمي لتقويم التجارب الحضارية إذا تم غضّ الطرف عن المعيار الكيفي (١)، بل يشدد حسين مؤنس في لفت الأنظار إلى ضرورة توافر معيار أخلاقي في التقويم الحضاري (٢)!! ومع ما في هذا الرأي من وجاهة، وأنه ينسجم مع منظومتنا الفكرية، فإن المعيار الكيفي يحتوي ضمنًا مخاطر تسلب نتائجه صفة الوثوقية والحياد وبالتالي الإلزام، لأن القول فيه بالرأي، والرأي يستند إلى مرجعيات مختلفة وثقافات ونظريات متغايرة، ولا مجال فيه للاتفاق أو المحاجّة

стр. 24

أو الترجيح، ونحن إذ نعتبر التقويم الكيفي شرطًا، فإننا ننوه بضرورة وعي هذه المخاطر، والتفاعل معها بما يغنيها ويستثمر التنوع فيها. إن البحث في قضية الدور الحضاري، وتقويم الحضارات، والأفضلية يضعنا في مواجهة فكرة "الحضارة العالمية" أو ما اصطُلح على تسميته مؤخرًا بـ"العولمة". فالتفوق يحرّض شهوة الغلب ويغري بالتوسع، والتوسع يعني تخطي الآخر الأضعف وامتصاص ممانعته، ويملأ الوجودُ المتوسعُ أيَّ فراغ يسمح به الضعيف، ويسعى من خلاله لإحكام السيطرة. والتاريخ ينبئنا بأن بعض الحضارات حققت عالميتها في محيطها التاريخي، وأن بعضها الآخر لم يتأتّ له ذلك، بل لعله لم يمتلك الدوافع الداعية لتحقيقه، كالحضارة الصينية مثلاً! وقد مرّ على التاريخ سلسلة من الحضارات العالمية تعاقبت على الدور الحضاري، وكان لكل منها خصوصيتها وطريقتها في التعبير عن عالميتها؛ كالحضارة الإسلامية والحضارة الغربية. وترتكز طموحات العالمية على ثلاثة مصادر للسيطرة: القوة، والمال، والمعرفة. ما يسمح بثلاثة أشكال للتوسع والعالمية: التوسع العسكري، والتوسع الاقتصادي، والتوسع الثقافي. وهذه الخيارات تتقاطع ويعين بعضها على بعض. وتتحدد استجابة الأمم الضعيفة لهذه التحديات بقوتها الذاتية وتماسكها الداخلي، وقد حدث أن ذابت أمم في مستعمرِها، وفنيت فيه ماديًا أو معنويًا، كما حدث للهنود الحمر في أمريكة، وهو ما عبر عنه توينبي بأنه "الانقراض بطريقة

стр. 25

الاندماج" (١)، وقد قدّمت الحضارة الإسلامية نموذجًا للعالمية يعترف بالتنوع والخصوصية في إطار وحدة مرجعية مرنة تراعي تعدد الاستجابات ورحابتها. وفي العصر الحديث تخطت العالمية عوائقَ الحدود الجغرافية، وأطرَ الزمان والمكان؛ بالإبحار الجوي، والإعلام الفضائي، والأسلحة العابرة للقارات، فاتخذ الفكر الاستعماري مظاهر جديدة وغير مسبوقة لتحقيق غاياته، هذا في مجموعه ولّد مفهوم "العولمة" بوصفها مظهرًا فريدًا للاستعمار، عالمي الصبغة؛ بل كونيّها (٢)، للقضاء على التنوع الثقافي لصالح ثقافة قطب واحد مسيطر هو الغرب الأبيض (٣)! وتساعد قيم العدالة والحرية والمساواة التي تتضمنها رسالة الرجل الأبيض؛ المستعمِر، في الترويج لبضاعته، ودعم طموحاته غير الشرعية في عولمة الكرة الخضراء، وتحقيق طموح السيطرة المطلقة. وإزاء هذا التوحيد القسري للعالم تتقدم أممٌ الركب الحضاري لتصير في المركز والصدارة ومصدر الفعالية والتأثير، في حين تتراجع بقية الأمم إلى الهامش لتستقبل موجات

стр. 26

التأثير وتصبح تابعًا سلبيًا لدول المركز؛ سياسيًا واقتصاديًا وثقافيًا (١)! وتبقى أمم تقاوم استلاب الهوية مستعينة بزادها العريض من التاريخ والمجد، وبإحساسها بخصوصيتها الثقافية، وتعمل التحديات على تحفيز الإحساس بتلك الخصوصية. إذًا .. فنظرية وحدة الحضارة الإنسانية خرافة يراد بها خداع الشعوب الضعيفة وتذويبها لصالح الحضارة المتفوقة، على الرغم من أن تلك الوحدة حقيقة تستند إلى ميراث إنساني واحد يُتداول بين الشعوب تنتقي منه ما يناسب خصوصياتها، كما أنها تستند قبل ذلك إلى التكوين الإنساني الفطري الذي يتغذى من صيغة غريزية واحدة، وحاجات مشتركة، وشروط متماثلة (٢)، وإن كانت كل أمة تلبي

стр. 27

هذه الحاجات بطريقة مختلفة تنسجم مع موقفها الخاص من الحياة والعالم. وتأسيسًا على الفهم السابق يمكن استنباط تعريف للحضارة .. إن الحضارة هي: درجة عالية من الفعالية التاريخية، وأثر لإرادة الوجود الجماعية لأمة متماسكة، يربطها مفهوم واحد للحياة هو مانحها هويتها الثقافية المتمايزة، وشبكة متضافرة من المصالح المتبادلة، لتحقق ذاتها في إنجازات نوعية وكمية على مختلف الأصعدة.

стр. 28

شروط التخلّق الحضاري ليس تنشأ حضارة إلا في فضاء اجتماعي صلب ومتماسك، بحيث يحقق هذا المجتمع معنى الأمة، وإن العوامل اللازمة لصياغة أمة صلبة من الداخل هي ذاتها اللازمة لصناعة الحضارة. فما هي عوامل تكوين أمة ذات صلابة وتماسك؟ ١ - الفكرة الحية المعصِّبة: "لا شيء أقوى من فكرة حان وقتها"، كما يقول فيكتور هيجو. إن تاريخ الحضارات هو تاريخ الأفكار، وكل أمة أو حضارة تطفو على سطح التاريخ تقدم فكرة خاصة أو روحًا فريدًا (١) يتحقق في نظام وعمران وعلوم وفنون وعادات وأساليب .. قانون عام يحكم في الجماعات كما يحكم في الأفراد، فالإنسان موجَّه بخارطته الذهنية، ويملي عليه وعيُه أفعالَه وردودَ أفعاله. إننا لا نبالغ ولا نتبنى الاتجاه المثالي حين نعزو الطاقة المحركة إلى الفكرة، بل إن العالم يتجه اليوم إلى اعتماد فكر اقتصادي يقوم على الرأسمال البشري، ويرضى بالدافعية الإنسانية ضمانًا ومحركًا للعالم المادي، مع عدم إنكار تدخل العناصر الأخرى؛ المادية والمعنوية. ولذلك فإن العناصر الجوهرية في هذا الفكر هي: الهدف، والقيادة، والموارد البشرية، والمعلومات. ما يعني أن هذا الطرح لا يطعن في ذلك الطرح الآخر الذي

стр. 29

يقول: إن التاريخ يتحرك من خلال سِيَر العظماء أو الصفوة. لأن الفكرة، أو نزوع الجماعة وتطلعاتها، تتمثل عادة في شخصية فذّ أو عبقري من الناس تقدم نفسها من خلاله، وتجسد معانيها فيه، وذاك العبقري يحرص على أن يحرك الناس بفكره ولفكره، بل إن الفرد لَيصبح ذلك العبقري عندما تكون فكرته محرِّكة. وعلى ذلك فإن التاريخ هو تاريخ الرجال أيضًا، ولا مناقضة في ذلك، وعند هذا الفهم تلتقي وتتكامل تلك النظريات المتحيزة للفكرة، والأخرى المتحيزة للعبقرية القائدة (١)! ولكنا جعلنا الأولوية للفكرة لأن الرجال متبدلون، وينبغي أن يظلوا في فلك الفكرة، وإذا كانت الفكرة تضعف وتنهار إن خسرت قيادتها الرشيدة (٢)، فإن الفكرة إذا دارت في فلك الرجال فسوف تؤول إلى صنمية وشخصانية منحرفة، أو إلى إيديولوجية حزبية ضيقة تقتل العصبية الجامعة بدل أن تنعش الروح في الفكرة الحضارية المؤسِّسة (٣).

стр. 30

إن الفكرة الحضارية (١) ليست فكرة استثنائية فريدة، أو قيمًا ومبادئ مجردة، وإنما هي: فكرة حية وعقيدة مفسِّرة للحياة، تتجسد في صفوة قوية أمينة، وتمتد في عمق الأمة، وتتحقق في نظام اجتماعي متكامل يفرضها مصدرًا للقيم، وقوة لإدارة الواقع، وطاقة معصِّبة تجمعها في وجه التحديات، وتحركها نحو هدف واحد ومصالح مشتركة، وتدخلها بذلك طور الفعالية التاريخية. ولن تستطيع الفكرة أن تتحول إلى قوة محركة ما لم تحقق جملة من الشروط: - أن تكون فكرة وجودية تحمل تفسيرًا كليًا للحياة والعالم، ونسقًا متكاملاً من الغايات والوسائل والمواقف تستغرق تفاصيل الحياة كلها. - الشمول والاستغراق، فعلى قدر شمول الفكرة واستغراقها للعناصر الضرورية في الحياة الإنسانية تمد سلطانها، وتَستنزِف الفكرةُ طاقتها سريعًا بقدر تخلّيها عن فئات من تلك العناصر أو إغفالها لها، لأنها بذلك تخلّ بالتوازن الشرطي، أو الولاء الرضائي، أو المصلحي، الذي ينبغي للفكرة أن تضمنه بين أطراف الثنائيات المتعاكسة (٢).

стр. 31

- أن تصير الفكرة عقيدة (١) تبلغ في النفوس درجة من الإيقان بحيث لا

стр. 32

يعرض لها شك أو نسبية أو تردد، ويحمل الإيمان بها على البذل والتضحية والتنافس فيها، لتصير هدفًا مركزيًا وحاجة ضرورية في حياة الناس وأفعالهم وتطلعاتهم، إليها يُحتكم، وبها تُقاس الأمور، ولها الأولوية في سلم القيم والسلطات والمرجعيات. - أن تتحد الفكرة بالمصلحة، وتضمن تأمين الضرورات الإنسانية، وصيانة المصالح الحقيقية، ما يعزز الولاء للفكرة، ويشد الرابطة بين تحققها والإنجاز في عالم الواقع. ومن هنا فإن أقوى الأفكار الخلاقة حضاريًا تبزغ "عندما يدخل التاريخ مبدأ أخلاقي معين"، على حد قول كيسرلنج (١)، كما يرى فرويد أن العدالة أولى مستلزمات الثقافة (٢). وتتفاوت فئات المصالح بين حضارة وأخرى، ولكن لا تقوم حضارة من دون قائمة العدالة، لأن فقدانها يعني

стр. 33

الفصل بين الفكرة والمصلحة، وتحطيم الرابطة العصبية، وتحويل الفكرة إلى شعارات مجردة ليس لها من الواقع رصيد، فالله - كما يُروى - ينصر الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا ينصر الدولة الظالمة وإن كانت مؤمنة!! إن الظلم مؤذن بتعطيل الفكرة وإفلاسها الحضاري. - أن تكون فكرة حية تتمثل في صفوة مختارة أو قيادة مخلصة رشيدة (١)، تجسّد الفكرة في ذاتها، وتحمل أعباءها، وتقدم التضحيات في سبيلها، وتجمع الأمة عليها. ولا تستغني الفكرة عن قيادة أو قدوة تمثلها، لأنها بالقدوة تمتلك وجودها الماديّ المعايَن (٢)، والمعاينة ظرف إيجابي لنشر حالة الإيقان اللازمة لتحويل الفكرة إلى عقيدة، وتحفيز فعل المحاكاة وتنشيط العدوى لتحقيق الاستقطاب لدى فئات متنوعة وأطياف مختلفة من الأمة. - أن تكون فكرة حية في أمّة أو جماعة، فعلى الرغم من خطورة دور النخبة والقادة في الأمة، فإن الحضارة لا تقوم على أفراد، والتغيير يبدأ من القمة ويتحقق على يد القاعدة، والجماهير طاقة مختَزَنة تحتاج إلى شرارة تطلقها، وبوصلة توجّهها وتوظّفها، وهو الدور الذي

стр. 34

تنهض به القيادات، ولا غنى لحركة عن الرافد الشعبي الذي يثريها بالتنوع الوظيفي ويمدها بالتوازن الداخلي؛ في الطاقات والخبرات والإمكانات، لتحقق الأثر المنشود، وتصنع فرقًا متعدد المستويات في عالم الواقع (١)، وتتوسل الفكرة لبلوغ الانتشار الشعبي بآليات؛ أهمها: القدوة والمحاكاة (٢)، والدعوة أو الترويج الإعلامي، وضمان المصالح الضرورية. - أن تكون فكرة حية متحققة، أو قابلة للتحقق، في دولة (٣) ونظام اجتماعي متكامل (٤) وأن تكون لها صورتها التشريعية والتنفيذية،

стр. 35

عبر شبكة محكمة من المفاهيم والغايات والأدوات، والحقوق والواجبات، والدساتير والمؤسسات، والأنظمة والتقاليد .. وكل ما يمكن أن يجسد الفكرة في مناحي الحياة المختلفة، ويجعلها تتغلغل كالنسغ في أوعيتها، ويمنحها سلطة التأثير في الواقع وحماية كلياتها. - أن تكون الفكرة جامعة أو "معصِّبة (١) "، تعزّز الولاء الجماعي

стр. 36

للفكرة، وتشدّ من وحدة الأمة وتمتّن أواصرها، بل إن توينبي قد جعل هذا الشرط المعيار الفصل للارتقاء الحضاري، إذ قال: "ولا تتخذ الاستجابات الظافرة شكل التغلّب على عقبات خارجية أو قهر خصم خارجي؛ لكنها تُظهر نفسها في الترابط الذاتي أو تقرير المصير" (١). وتكون الفكرة معصّبة عندما تحقق مجمل الشروط السابقة، فكونها عقيدة مركزية واحدة، وحظوتها بنخبة رشيدة، وامتدادها في عمق الجماعة، واتحادها بالمصلحة، وتحققها في نظام اجتماعي متماسك .. كل ذلك جدير بأن يُكسِب الفكرة القوة التعصيبية اللازمة، وهو عام في أصل أية كينونة حضارية. بيد أن الحضارات تفترق وراء ذلك في قيمها بين الجماعية والفردية، وأيًا كانت المنطلقات النظرية للحضارة، فإنها مهدَّدَة بالتآكل والتفكّك إذا لم تحرص على خلق الحس الجماعي، وتعزيز الشعور بالولاء لدى الأمة، وقد استعانت الحضارة الإسلامية لبلوغ هذا المأرب بتأييد أخلاقيات الرعاية والطاعة وزرع واجب الولاء للأمة والفكرة الإسلامية، في حين أن الحضارة الغربية التي أطلقت الحريات وعزّزت الفردية شجعت الأخلاق الجماعية عن طريق النفعية المتبادلة، وما سموه بالأخلاق العملية، واحترام النظام، واكتساب المجد في خدمة الوطن القومي. ما يعني أن الفكرة الحضارية لا تكون إلا مُعصِّبة، وأن الحضارة لا تقوم إلا على الحسّ الجماعي لا على الفردية بأية حال (٢). وبما أن مكاسب المدنية، والوفرة،

стр. 37

تحرّضان نوازع التنافس، وتعزّزان الأنانية والميول الفردية الغريزية، وتصادمان بها المصلحة الجماعية، فإن النظام المتعيّن في آداب وتقاليد ومؤسسات، يجتهد لترويض تلك الغريزة الجامحة لصالح المجموع، فـ"الحضارة، لو علمنا، لم تقم لها قائمة إلا عندما تخلينا عن رغباتنا في الإشباع الغريزي، وهي ثمرة نبذنا لهذه الغرائز ... وتزيد المؤثرات الحضارية من فرص تحول الميول والاتجاهات الأنانية في الإنسان إلى ميول واتجاهات غيرية واجتماعية"، وهذا ما يسمى بالتكيّف الثقافي (١)، أو الكبت الثقافي، على حدّ تعبير فرويد (٢).

стр. 38

٢ - التحديات: يعتبر توينبي التحديات عاملاً جوهريًا في نشوء الحضارات، منطلقًا من عبارة: "كلما عظم التحدي اشتدّ الحافز" (١)، وكنا قد اعتبرنا الفكرة المعصِّبة العاملَ الحضاري الحاسم الذي لا يُنافَس، فإذا كانت حضارات تنشأ بتأثير ضغط التحديات، فإن الحضارة الإسلامية نشأت من فكرة، وليس من استجابتها المثالية لضغط تحديات معينة! إن التحدّي عامل محايِد تحدّد الاستجابةُ الإنسانية قيمتَه؛ سلبًا أو إيجابًا، وإذا لم يتوافر في مواجهته "المعادلُ" الذي يمنحه معناه، ويجعله فعلاً بين طرفين، كان قهرًا من طرف واحد. وتشكّل الفكرة الحضارية في صورتها الإنسانية الحية المعادلَ الإيجابي، والأرضية الخصبة التي تجعل التحديات محفِّزَة في أثرها الحضاري، في المقابل تعمل التحديات على صياغة الصفات النفسية لرجل الحضارة، وتحفّز غريزةَ الوجود، وتستفزّها للمقاومة، واستنهاض ما لديها من إمكانات وملكات؛ فردية وجماعية، كما أن التحدّيات محرّض قوي للعصبية الجماعية التي تحملها غريزة البقاء على الالتمام في وجه الأخطار. إن التحديات القاسية إما أن تقتل الذات الهشّة الضعيفة، أو تزيد من صلابة الذات المتماسكة، وتتماسك الذات، الفردية أو

стр. 39

الجماعية، في حال امتلكت هدفًا تؤمن به وتدافع عنه (١)، سواء كان

стр. 40

فكرة أو مصلحة، فإذا اتحدت الفكرة بالمصلحة كان هذا أدعى إلى الاستقطاب، وفي اندفاع الذات لتحقيق هدفها تغدو التحديات عنصرًا خلاّقًا لاستفزاز طاقة الاندفاع القصوى، وعامل توحيد يستثير رابط العصبية الفطرية تجاه الأخطار وعوامل الاستئصال وتهديد الوجود (١)، بل إن التحديات القاسية قد تسلب الذات عدّتها كلها ولا تترك لها في معركتها ما تخسره (٢)، فتكون بهذا قد منحتها فرصة
следующие страницы →