للفكرة، وتشدّ من وحدة الأمة وتمتّن أواصرها، بل إن توينبي قد جعل هذا الشرط المعيار الفصل للارتقاء الحضاري، إذ قال: "ولا تتخذ الاستجابات الظافرة شكل التغلّب على عقبات خارجية أو قهر خصم خارجي؛ لكنها تُظهر نفسها في الترابط الذاتي أو تقرير المصير" (١). وتكون الفكرة معصّبة عندما تحقق مجمل الشروط السابقة، فكونها عقيدة مركزية واحدة، وحظوتها بنخبة رشيدة، وامتدادها في عمق الجماعة، واتحادها بالمصلحة، وتحققها في نظام اجتماعي متماسك ..
كل ذلك جدير بأن يُكسِب الفكرة القوة التعصيبية اللازمة، وهو عام في أصل أية كينونة حضارية. بيد أن الحضارات تفترق وراء ذلك في قيمها بين الجماعية والفردية، وأيًا كانت المنطلقات النظرية للحضارة، فإنها مهدَّدَة بالتآكل والتفكّك إذا لم تحرص على خلق الحس الجماعي، وتعزيز الشعور بالولاء لدى الأمة، وقد استعانت الحضارة الإسلامية لبلوغ هذا المأرب بتأييد أخلاقيات الرعاية والطاعة وزرع واجب الولاء للأمة والفكرة الإسلامية، في حين أن الحضارة الغربية التي أطلقت الحريات وعزّزت الفردية شجعت الأخلاق الجماعية عن طريق النفعية المتبادلة، وما سموه بالأخلاق العملية، واحترام النظام، واكتساب المجد في خدمة الوطن القومي. ما يعني أن الفكرة الحضارية لا تكون إلا مُعصِّبة، وأن الحضارة لا تقوم إلا على الحسّ الجماعي لا على الفردية بأية حال (٢). وبما أن مكاسب المدنية، والوفرة،
стр. 37
تحرّضان نوازع التنافس، وتعزّزان الأنانية والميول الفردية الغريزية، وتصادمان بها المصلحة الجماعية، فإن النظام المتعيّن في آداب وتقاليد ومؤسسات، يجتهد لترويض تلك الغريزة الجامحة لصالح المجموع، فـ"الحضارة، لو علمنا، لم تقم لها قائمة إلا عندما تخلينا عن رغباتنا في الإشباع الغريزي، وهي ثمرة نبذنا لهذه الغرائز ...
وتزيد المؤثرات الحضارية من فرص تحول الميول والاتجاهات الأنانية في الإنسان إلى ميول واتجاهات غيرية واجتماعية"، وهذا ما يسمى بالتكيّف الثقافي (١)، أو الكبت الثقافي، على حدّ تعبير فرويد (٢).
стр. 38
٢ - التحديات:
يعتبر توينبي التحديات عاملاً جوهريًا في نشوء الحضارات، منطلقًا من عبارة: "كلما عظم التحدي اشتدّ الحافز" (١)، وكنا قد اعتبرنا الفكرة المعصِّبة العاملَ الحضاري الحاسم الذي لا يُنافَس، فإذا كانت حضارات تنشأ بتأثير ضغط التحديات، فإن الحضارة الإسلامية نشأت من فكرة، وليس من استجابتها المثالية لضغط تحديات معينة! إن التحدّي عامل محايِد تحدّد الاستجابةُ الإنسانية قيمتَه؛ سلبًا أو إيجابًا، وإذا لم يتوافر في مواجهته "المعادلُ" الذي يمنحه معناه، ويجعله فعلاً بين طرفين، كان قهرًا من طرف واحد. وتشكّل الفكرة الحضارية في صورتها الإنسانية الحية المعادلَ الإيجابي، والأرضية الخصبة التي تجعل التحديات محفِّزَة في أثرها الحضاري، في المقابل تعمل التحديات على صياغة الصفات النفسية لرجل الحضارة، وتحفّز غريزةَ الوجود، وتستفزّها للمقاومة، واستنهاض ما لديها من إمكانات وملكات؛ فردية وجماعية، كما أن التحدّيات محرّض قوي للعصبية الجماعية التي تحملها غريزة البقاء على الالتمام في وجه الأخطار.
إن التحديات القاسية إما أن تقتل الذات الهشّة الضعيفة، أو تزيد من صلابة الذات المتماسكة، وتتماسك الذات، الفردية أو
стр. 39
الجماعية، في حال امتلكت هدفًا تؤمن به وتدافع عنه (١)،
سواء كان
стр. 40
فكرة أو مصلحة، فإذا اتحدت الفكرة بالمصلحة كان هذا أدعى إلى الاستقطاب، وفي اندفاع الذات لتحقيق هدفها تغدو التحديات عنصرًا خلاّقًا لاستفزاز طاقة الاندفاع القصوى، وعامل توحيد يستثير رابط العصبية الفطرية تجاه الأخطار وعوامل الاستئصال وتهديد الوجود (١)، بل إن التحديات القاسية قد تسلب الذات عدّتها كلها ولا تترك لها في معركتها ما تخسره (٢)،
فتكون بهذا قد منحتها فرصة
стр. 41
ثمينة لتحقيق ما تراهن عليه باعتباره الخيار الوحيد الذي ينبغي التعلق به وإلا الفناء، فيتفرّد الهدف ويتوحّد، ويغدو اندفاع الذات أشدّ ومقاومتها أصلب، لأن المعاناة التي تفرضها التحديات، والضغط الذي يرافقها، يعملان على تعزيز البناء النفسي، وصناعة شخصية رجل الحضارة الذي يتحلى بالجلد والإحساس بالمسؤولية والإيجابية والمبادرة والأمل الواثق المستشرف للمستقبل .. كما تسهم المعاناة المقترنة بمعادل مكافئ في تهذيب الشخصية من الصفات السلبية المعيقة للفعالية والحركة؛ كاليأس واللامبالاة والكسل والتواكل .. ، وبذلك تصير التحديات نفسها عاملاً إيجابيًا من عوامل التخلق الحضاري والحركة. بل يذهب توينبي إلى أن التحديات الخلاّقة التي تصعّد من قوة الاستجابة، تشقّ الطريق أمام الأمة لاكتشاف وسيلة ذهبية أو ظافرة، هي الاستجابة الناجحة، أو الحل النموذجي للتحديات القائمة نتيجة تعاقب الشدّ والجذب من قبل التحديات وسلسلة الاستجابات الناجحة والفاشلة، ما يجعل الانكسارات مرحلة من مراحل الصعود، وحافزًا لاختبار المزيد من العوائق لتفاديها وتجاوزها (١).
стр. 42
٣ - العوامل الداعمة والمعطيات الصفرية:
وتتضافر مع هذين العاملين الأساسيين لنشوء الحضارة عوامل داعمة لا تقل أهمية إن وجدت الاستجابة المناسبة؛ كالعامل الاقتصادي وتدفق الثروة، والموقع الجغرافي، وغنى المصادر الطبيعية، والتفوق العلمي، والتطور الصناعي والتقني، ووفرة السكان، والفراغ الحضاري أو انعدام المنافسة (١) .. كلها عوامل مساعدة ترفد المشروع الحضاري، وقد تتوافر أو تغيب كليًا، إلا أنها ليست شرطًا أوليًا، فقد انبعثت الحضارة الإسلامية في ظل معطيات صفرية وشروط سلبية تنذر باستحالة المهمة على الأصعدة كافة، إلا أن ذلك لم يعق المشروع الحضاري، بل كانت الانطلاقة عجيبة في
تخامد الطاقة الحضارية
كانت لنا وقفة متأنية مع شروط النشأة الحضارية، وصلنا فيها إلى أن الفكرة الحضارية المؤسِّسة هي حجر الزاوية في أية حضارة ضمن كثير من القيود، وستلعب هذه القيود دورًا جوهريًا في سبر علل الانهيار الحضاري، كما أن التحديات لن تغيب مطلقًا عن توجيه دفة الانهيار، ولكن ما كان بالأمس إيجابيًا سيغدو اليوم سلبيًا .. لقد عدنا إلى أن قيمة الشيء نسبية وتتدخل شبكة من العلاقات في تحديدها!
ولا بد قبل الشروع في الكلام على علل الانهيار الحضاري من تحديد مفهومه، واستعراض سريع لأبرز علاماته ..
إذا كنا قد عرّفنا الحضارة بأنها درجة عالية من الفعالية التاريخية، فإن الانهيار في جوهره هو تراجع متدرج لتلك الفعالية، وتخامد للطاقة المحركة يتناسب وغياب الدافع، وقد كانت الفكرة هي الدافع الجوهري للحركة التاريخية وهي خزان طاقتها، بما تتضمنه من قيم ومصالح، فإذا ضعف سلطان الفكرة بدأت القيم بالانفصال عن المصلحة، لتغدو الأخيرة الدافع المباشر، ولا يعيق انسحاب القيم حركة الازدهار المادي، بل على العكس، قد تصل الحضارة ذروتها المادية في مرحلة احتضار القيم، ما دام الدافع المصلحي فعّالاً، فهو ملائم ملاءمة قياسية لذلك النوع من
стр. 45
الإنجازات (١). وتؤول الحضارة إلى الانهيار الوشيك وعدم الفعالية الواقعية عندما ينعدم الدافع؛ أي عندما تفلس الفكرة، وتتعطل المصالح أو تتصادم. صحيح أن هذا المآل متحقق في أواخر سني الحضارة، بيد أن سوسة الانهيار تبدأ في النخر في عمقها في مراحل متقدمة جدًا توافق بواكير إنجازاتها، وتتجذر حين تبلغ ذروتها .. ومن هنا فإن علل الانهيار تكون في الأكثر خادعة، ومظاهرها مواربة متوارية، تتمازج بالغايات، وتتحد بالمصالح، ولا يمنع من تحكمها إلا قوة الاندفاع، وسلطان الحركة، ورفضات التجديد والإحياء!
يستغل الانهيار نقاط الضعف حيثما كانت ليؤسس لنفسه، وليس من الضروري لآثاره أن تتوازى وتتزامن، لأن الحضارة في انطلاقتها لا تتحقق دفعة واحدة في مستويات الحياة كلها، وهي كذلك في انطفائها، وذلك لاختلاف الدافع المحرك لأنواع الإنجازات والنشاطات المختلفة، ولتفاوت في طبيعة الإمكانات المتوافرة. تهيّئ الفكرة الحضارية لوجود أنماط متنوعة من الدوافع الكلية والفرعية، وهي تشترك فيما بينها، أو تفترق، في تحفيز حزمة معينة من الإنجازات والنشاطات، وهذا يقتضي ألا تصير الحضارة إلى الانهيار دفعة واحدة، بل يبدأ الانهيار في تلك المستويات التي يتخامد
стр. 46
دافعها قبلاً، فإذا ما افتُقِدت الدوافع كلها أمعنت الحضارة في الانهيار على كل الصعد وفي شتى المجالات (١)
وإنما يخفف من تسارع الانهيار أن الإنجازات التي تحققها الحضارة، والمكاسب التي تحرزها، تغدو إمكانًا من إمكانات الحضارة، ووقودًا إضافيًا للطاقة، ودافعًا موضوعيًا للحركة، وذلك بالاستناد إلى قيمتين: الأولى قوة التأثير الذاتية للإنجازات ومجال هذا التأثير، والثانية تراكم الإنجازات. فإذا ما تعطل الدافع الإنساني، قيمًا كان أو مصلحة، تابعت الحضارة اندفاعها على استحياء حتى تُستنفَد الطاقة الذاتية المختزنة في إنجازاتها، وإلى أن يتخلخل ذاك التراكم الصلب الذي يستند إليه ثباتها.
ويحدث أن تتخامد الطاقة في صورها كلها، وتضيع الإمكانات أو تتشتت أو يُضرَب بعضها ببعض، وتتعطل المصالح أو تُحتكر وتُصادر لصالح فئة قاهرة مسيطرة .. ذلك عهد تغلب فيه عوامل الانهيار وتشيع، ويعين بعض العلل على بعض، ما يولّد دوافع
стр. 53
سلبية تقوم على اليأس والخوف والأنانية، وتدعم الانهيار وتؤصله؛ ليغدو هو الواقع الطبيعي، والأفق الممكن، ولتعود الحضارة إلى وضعها الجنيني منتظرة طلقة ولادة بعيدة أو قريبة، ولكنها بالتأكيد مؤلمة ومستهلَّة بالبكاء!!
فما هي العلل التي تفصم عُرى العلاقة بين الفكرة والمصلحة، وكيف تفقد الفكرة سلطانها الذي كان كفيلاً بتأجيج الانتفاضة الحضارية، ولماذا يخبو الدافع الحضاري لتتخامد من أجل ذلك الطاقة المحرِّكة؟! ولما كانت الإجابة عن هذه الأسئلة واسعة ومتشعبة العناصر، فقد وجب صياغتها صياغة تبرز العوامل الجوهرية، والعلل الكلية التي تقدر على أن تستوعب العناصر الجزئية داخلها وتلمّ شعثها. وسوف نبدأ من أبرز تلك العوامل وأهمها:
- اليقين المتهرِّئ، والأمل المستنفَد:
مهما كانت أهمية الفكرة المؤسِّسة بوصفها مولِّدًا حضاريًا، ومهما امتلكت من إمكانات لخلق حضارة قوية متوازنة، فإنها تفلس وتكون عاجزة إذا افتقدت اليقين الذي يجعلها كينونة إنسانية فعّالة وطاقة محركة، لتتحول إلى تراث، أو أفكار مجردة معطَّلة ليس لها أن تحرِّك أو تؤثّر. إنه باليقين تتحدّ الفكرة بالذات وتلتحم بالإنسان لتكتسب كينونتها الإنسانية الحية، وعن اليقين تتولد شرارة الطاقة الدافعة التي تحول الفكرة إلى قوة فعّالة ومؤثرة على مستوى الحياة والواقع، وباليقين يتولد الأملُ إدامُ الحضارة اليومي الذي يغري بالمستقبل ويحرض على اختراق مجهوله، ويمنح القوة للصبر على بلواء الواقع ومقاومته.
стр. 54
تعيش الحضارة في مرحلة التخلق ندرة في الموارد تمنح الفكرة الحضارية فرصة التفرّد لتكون المورد الأم والخيار الوحيد والأمل المطلق، ولن يكون رأسمالها على هذا الأساس وضمن معطيات الندرة إلا الإنسان، إنسان الحضارة أو الفطرة، تعوّل على إمكاناته الذاتية وقواه التي تطلقها من كمونها وتعيد شحنها بطاقتها الخاصة؛ لتجعله نموذجًا حيًا لها، وذراعًا مادية تمارس بها إرادتها في عالم الواقع. إن الفكرة عندما تتملك الذات تعيد تقويم الأشياء من خلالها، وتكون قادرة على تحريكها، وفي الوقت نفسه فإن الذات عندما تتيقن الفكرة، وتتمثلها، تطلقها - أي الفكرة - من عالم المثل وتمنحها وجودًا ماديًا معايَنًا في سلوك وممارسات قابلة للتمثل والاقتداء، وتهيئ لها فرصة الانتشار والتأصّل، أي إن التحقّق في كينونة إنسانية هو غاية ووسيلة معًا، وهو يستعين بالإيقان ويعين عليه.
قلنا إنه بقدر تفرّد الفكرة وقدرتها على التحول إلى كيان إنساني حي يستحكم اليقين ويقوى، وحين تتضاعف المكاسب ويغرق المجتمع في الوفرة تظهر المنافِسات ويهتزّ ذاك اليقين ويتهرّأ، ويضعف استقطاب الفكرة وتتشتّت الولاءات، والأمل المنعقد على تحقق الفكرة يتجاوزها - بعد الاطمئنان إلى المنجَز - إلى ما تتضمنه داخلها من مصالح تستقطب الولاء والطموح وإليها ينقلب اليقين. ومع أن الفكرة الحضارية ما زالت مثمرة إلا أنها تتحول من دور تتحقق الفكرة فيه من خلال العالم الواقعي، إلى دور يتحقق العالم الواقعي من خلالها، ومن أن تكون غاية إلى أن تصير وسيلة، وحين كان مطلوبًا من الجماعة أن تنخرط كلاً واحدًا في معركة البناء لتحقق طموحات الجماعة ومصالحها، وأن تتنافس في الفكرة بدافع من
стр. 55
اليقين الواحد والمصالح المشتركة، تؤجّج المكاسب، ومنطق الربح والخسارة، النزوعَ الفردي، ويصير الولاء للمصلحة الفردية، والتنافس فيها، واليقين متعلقًا بها. وينعكس التنافس في المصلحة على السطح المنظور انتعاشًا فريدًا وغير مسبوق في الإنجازات المادية والمعرفية، غير أنه يؤدي - في سياق الإطار العام من انسحاب الفكرة وفقر القيم - إلى تفكيك وحدة الأمة الداخلية؛ سياسيًا واجتماعيًا، وولادة تيارات اجتماعية وأطروحات حضارية نابعة من الفكرة الحضارية الأم ومنافسة لها، تسهم في تعميق الشك في الفكرة، وخنق اليقين المتهالك.
إن المنافع، كما في الكائن الحي تمامًا، تترك خلفها فضلات؛ هي سلبياتها، وعندما يبلغ دور الوفرة ذروته يكون ذلك إعلانًا بأن فائضًا هائلاً من السلبيات قد تراكم، وسيكفي هذا التراكم لعرقلة تيار الحضارة، وردم مجراه، ليرتد على نفسه فيضانًا يغمر كل شيء، ومؤذنًا بدخول الأمة في حالة انتحار جماعي إرادي وغير واع. وتناضل الحضارة للبقاء مقاومةً تيار السلبيات المتضخّم، حتى تصير الفكرة عبئًا؛ خسارة أو تضحية، ويتعاظم انفصالها عن الإنسان وعن الحياة حتى تعود تجريدًا عسيرًا على التصور والتمثّل، أو خطأ فادحًا واجب التصحيح، وتتعطّل المصلحة أن تكون دافعًا، وتتحول إلى عامل هدم، ومصدر صدام بين قوى الحضارة نفسها إلى أن تذوي المصلحة بدورها فتفتقد الحضارة دافعها، ولا يبقى داخل خزنة اليقين إلا الخبرات المؤلمة .. حينها يخيم اليأس ويُخنق الأمل،
стр. 56
وليس كاليأس قوة لفناء الحضارات، ولن يزرع الأمل مثل اليقين (١).
ويقفز ههنا التساؤل الوجيه الذي يقول: ولكن .. لم تنفصل الفكرة عن الذات، ومن أي رحم يولد الشك ليخمد فورة الحياة في اليقين الطموح؟!! إن العلل وراء ذلك هي بدورها عوامل هامة في دفع كرة الانهيار المتدحرجة، وتنويهًا منا بذلك، وتوجيهًا إلى أصالة اليقين بوصفه فتيلاً للفكرة المحركة، نبدأ في عدّ عوامل الانهيار الحضاري من بعده، فهي تفصيل لما أجمل فيه:
١ - الوفرة؛ مفرخةُ أنداد منافِسِين للفكرة الحضارية:
إن من شروط كل حضارة بل من غايات وجودها العضوية أن تحقق الرفاهية والوفرة لأبنائها، وهذا ما تبدأ الحضارة في الشروع به من بعد انطلاقتها الأولية، وتحوّلها من مرحلة التخلق إلى الاستقرار والتبلور في صورة دولة ونظام وتشريع ومؤسسات .. ومنجزات اجتماعية ومادية ومعرفية .. حتى ذلك الحين تظل الفكرة متّحدة بالمصلحة ومصدرًا للربح والخسارة يغري القاصي والداني بالانتماء والولاء، إذ إنها بوابة الوصول إلى المصادر الأخرى للسلطة والمكاسب: المال، والقوة، والمعرفة (٢). تلك السلطات التي تتعاضد معًا لدعم الفكرة
стр. 57
الحضارية، وحين تشتدّ تستقل عن الفكرة، ويعين بعضها بعضًا لتحقيق غاياته التي قد تساير الفكرة الحضارية أو تخالفها، ولكنها بجميع الأحوال تحرص على أن تستعين بالفكرة، وتظهر بمظهر الولاء لها.
وحين تتضخّم المكاسب تجتذب مصادرُ السلطات النفعية المستفيدين وكأنها هي القوى الحقيقية المحرِّكة، في حين أنها أثر من آثار الفكرة، وتغيب الفكرة بتجريدها وراء مادية المكاسب وقوتها لتتصدر عملية توجيه الحراك التاريخي .. لقد برز للفكرة منافسون من الداخل، وأنداد يسرقون منها الأتباع ويسحبون منها اليقين (١)، وعند هذه المرحلة، وهي مرحلة قوة مادية جبارة للحضارة،
стр. 58
تطفو على السطح مشكلات التعارض بين المصالح والقيم، والذات والجماعة، ونسبية الولاءات، وتحسم المساومات غالبًا لصالح ما هو مضمون ومادي ملموس وسريع الأثر .. والخاسر الأكيد هو الفكرة.
لا تتسبب الوفرة في تعزيز سلطة المصالح أو الدافع النفعي فحسب، بل تتسبب في فترة لاحقة في تغيير الخصائص النفسية والاجتماعية للأمة، وتحوّلها من الفعالية والاندفاع والتنافس في الفكرة إلى التنافس في المصلحة، ومن ثم تهوي بها إلى شره اللذة والعطالة، والتواكل على إنجازات الحقب الماضية والاكتفاء بالحركة الآلية الناجمة عن الدفع الذاتي لها، إلى أن تتخامد طاقتها أخيرًا .. وفي جو مشحون بالضعف وعدم الثقة والفساد الأخلاقي، تميل السلطات الثلاث: القوة، والمال، والمعرفة، إلى التصادم بعد أن عرفت التكامل في مرحلة الذروة، ويسود منطق القوة، ويشيع الظلم، ولا يجدي الجهد، وتأنس الأمة بالإحباط وعدم المبالاة. وبذلك تتعطل صمامات المحرّك الذي كان يمدّ الحضارة بالطاقة على المستويات كلها، وتتآكل شيئًا فشيئًا حتى تذوي ..
٢ - بين انحلال القدوة واستكانة الأمة:
كغيرها من مكونات الظاهرة الحضارية، تتأثر طبقة القادة (الفكرية أو السياسية) بالظروف المتغيرة وما تحمله معها من مؤثرات تنتحي بالذات (الفردية أو الحضارية) عن أصالتها، بيد أن الخطورة ههنا أن طبقة القادة تستطيع توجيه المتغيرات وتكريسها؛ سلبًا أو
стр. 59
إيجابًا، والتأثير في الأمة بما تمتلكه من سلطة تستند إلى موقعها التاريخي والاجتماعي، وباعتبارها قدوة ومرجعية للأمة كلها، ولذلك فإن استجابة طبقة القادة للمتغيرات ينعكس على الأمة ويُعديها.
لم يكن في إمكان القادة أن يحرّكوا الجماعة للفكرة الحضارية ما لم يمتلكوا اليقين بها في ذواتهم أولاً، ويتمثلوها في سلوكهم ثانيًا، ويقدموا في سبيلها التضحيات ثالثًا. وهم بذلك يهيّئون للفكرة أن تقدم نفسها حية مشخَّصة تبلغ أعلى درجات اليقين؛ أي "عين اليقين". ولأن السلوك يُعدي، فقد استطاعت الفكرة بالاعتماد على المحاكاة الفطرية أن تتغلغل في النفوس وتبلغ أسمى طاقات التحريك، وتثير حماسة الجمهور للبذل والتضحية .. بهذه الطاقة عينها يستطيع القادة أن يسقطوا الفكرة ويغتالوا الإيقان المستقرّ في النفوس بما يصدر عنهم من أفعال أو ردود أفعال، ولهذا فقد نصح مكيافلي القادة بالتظاهر بالتدين والفضيلة حتى إن كانوا على غير ذلك في حقيقتهم (١).
في سبيل متابعة التطورات العميقة التي تطرأ على شرائح الأمة المختلفة؛ أفرادًا وجماعة، سنلجأ إلى عملية تفكيك للعناصر، وتشريح للعلاقات الداخلية بينها، ورصد أدوار كل فئةٍ وعنصرٍ على وجه الإجمال من خلال المحاور الآتية:
- في مرحلة النبع تتّحد القيادة الفكرية بالقيادة السياسية، أو تتحد معها، لتقود عامة الأمة، وتكون قدوة لها في الحركة والتغيير
стр. 60
والفعالية (١). وإن أي انحراف سلبي يطرأ على طبقة القدوة يهدد بانفصام داخلي فيها، فتستقلّ القيادة السياسية عن القيادة الفكرية وقد تتصادمان، فتخسر إحداهما، أو كلاهما، موقعها الملهِم للأمة ولا تصلح أن تكون قدوة، وتعوّض الأمة النقص الحاصل في القدوة بالبحث عنها في التاريخ أو الأساطير أو الحكايا الشعبية. وفي حال انفصلت القيادة السياسية عن القيادة الفكرية فإن الأولى تحرص على كسب ولاء الثانية أو الحظوة بمباركتها وامتلاك الشرعية عن طريقها، في حين تحاول القيادة الفكرية تقويم القيادية السياسية وحفزها على الالتزام بالأصول الحضارية للأمة، ويقدم الزمن المزيد من الخيارات .. فتذوب، أحيانًا، السلطة الفكرية في السياسية وتخسر مصداقيتها عند الأمة، أو تقود السلطة الفكرية الأمة في انقلابات وثورات إصلاح عنيف أو سلمي، أو تتحدان معًا لنهضة جديدة تمدّ الحضارة بمزيد من الوقود والطاقة.
- هناك تغييرات عامة تطرأ على طبقة القادة وتتأثر بها الأمة سواء بسواء، وهي تلك التغييرات التي تتعلق بحركة الصيرورة الزمنية، وتدرج الحضارة الطبيعي من المعنوي إلى المادي، وانتقال الفكرة من
стр. 61
اليقين إلى الشك، والاستكانة للوفرة والتعلق بالمصلحة وإيثار الذات على الجماعة .. هذه التغيرات تطال شرائح الأمة كلها دون استثناء وتمتص فاعليتها تدريجيًا .. ويرصد ابن خلدون فيما يتعلق بقيمتي اليقين والمصلحة أربعة أجيال تمرّ بها الحضارة، فبعد ذلك الجيل الذي سماه ابن خلدون بالبناة (١) - وهو الذي على يديه تنطلق الحضارة، وتعرف الفكرة وجودها الحي الفعال بتضحياته - يأتي جيل يرث المكاسب، ولا يدرك التضحيات إلا بالرواية والسماع، وهي المرحلة التي تتحول فيها الفكرة من عين اليقين إلى "حق اليقين"، وابن هذه المرحلة "مباشِر"، لأنه "مباشر لأبيه فقد سمع منه ذلك وأخذ عنه إلا أنه مقصّر في ذلك تقصير السامع بالشيء عن المعاني له" (٢). ومع ذلك يظل الاشتغال للفكرة من الضروريات، والإحساس بالمجد نابعًا منها، وما تزال دافعًا للبذل، لكن مع بروز الجانب الذاتي والعناية بالمكاسب والرغبة بتحقيق التطلعات الفردية التي تتّحد في تلك المرحلة بالحاجات الجماعية، لأن الفكرة تدخل طورًا تصبح فيه مصدرًا حقيقيًا وحاسمًا لمكاسب وإنجازات مضاعفة، بعد أن كانت قيمًا ووعودًا بالمكاسب. يتولد عن هذا بداية تضخّم في المكاسب يهدّد فيما بعد بالطغيان على القيم والفكرة المولِّدة نفسها، ويتجلى التضخم في القوى الثلاثة الأساسية: المال، والقوة، والمعرفة، وفي سلطة ممثليها.
إلا أن هذه القوى تتعاضد معًا لتأصيل دور الفكرة في
стр. 62
الحياة والواقع وتحويل طاقتها إلى إنجازات خلاقة، فتتقدم الحضارة على مختلف المستويات. ثم يعقب ذلك جيل يرث المكاسب ويتعلق بها لتغدو غاية في ذاتها، ويغفل عن المولّد الحقيقي لها، وتتضخم لديه الميول الفردية والإحساس بالذات والتنافس في المصلحة، ويتمسّك بالفكرة شعاراتٍ مبهِجة معطَّلة، وتقاليد آلية مفرَغة من المعنى، إنه الجيل "المقلِّد" (١) الذي يؤثر المتعة ويعيش الترف ويتعلق بالقشور في كل شيء؛ في السياسة والمادة والمعرفة والدين أيضًا .. والميل إلى الإفراط يعني فيما يعني تحفيز ردة فعل معاكسة إلى التفريط، فتعرف الحضارة في تلك الحقبة خليطًا من التيارات المتناقضة المتصارعة، كالمادية والعقلانية والروحية والأصولية والشعبية .. ويتعمّق تفاوت طبقي بين الفئات الاجتماعية، وتشرذم سياسي يقطع أوصال العصبية الجامعة إلى ولاءات شخصية وعرقية تفتقد الحماسة الشعبية .. ومع ذلك كله، فإن تلك المرحلة تشهد ذروة الرقي المادي والمعرفي للحضارة، لأن الترف والتنافس حافزان على التجويد مشجعان على الإنجاز، ولأن السلطات الثلاث: القوة، والمادة، والمعرفة، ما زالت تعرف كثيرًا من التكامل. ثم يأتي قرن لا يجد في الفكرة قيمة، حتى أن تكون شعارًا! وتتصارع السلطات الثلاث وتتعارض بعد أن كانت متكاملة، بل تنقطع الصلات بينها وتتصادم (٢)،
ويلجأ "الهادم" (٣) - وهو الفرع الأخير من فروع السلسلة
стр. 63
العصبية - لسد الفجوة الحضارية المتضخمة إلى تشجيع الجهل، وإعاقة حركة الأموال واحتكارها، وإيثار سلطة القوة، والمبالغة في الظلم وكبت الحريات وتعطيل المصالح لإضعاف المنافسين، ما يؤدي إلى انتشار الخوف وشلل الإرادات وتجمّد الفعالية والشعور بالعجز والسلبية، وتبادل انعدام الثقة والحذر والترقّب، وأخيرًا استشراء الخوف واليأس والتطلّع إلى الثورة .. وهنا تبدأ الحضارة بالانهيار والتفكّك على الأصعدة كافة (١)،
وتغدو مشاريع الإصلاح متعثّرة لا سيما بعد تأبّد عوامل الضعف والانهيار وتأكّدها، فالأمة، عمومها،
стр. 64
تعادي الإصلاح وتأنس للسكون وعدم التغيير وكل ما قد يجرّ عليها تضحيات ومعاناة غير مجدية.
- في الوقت الذي تتشارك فيه شرائح الأمة التعرض لرياح الانكسار المتعاقبة، فإن خللاً إضافيًا يشكل معول هدم غائرًا في ذلك اليقين الآخذ في النضوب، هذا المعول هو القادة أنفسهم، ونعلم أن الأمة قد استمدت قوة الإيمان بالفكرة عندما تجسدت في نماذج بشرية ريادية حية تعايش ظروف الأمة وتشاركها محنها وإمكاناتها البشرية نفسها، فإذا اهتزّ هذا المثال المعلِّم للأمة فإن الإيمان المتولِّد عنه يهتزّ، وكثر ما لعبت بالأمة الخيبة لممارسات غير مسؤولة من قبل قياداتها؛ الفكرية أو السياسية طبعًا، لتفقد الإيمان وتتوه في الفوضى والشك، وينبت المتعالمون والانتهازيون، يتطاولون في تنافس يعمّق البلبلة المتعاظمة.
- تغيب وراء الحركة الهدّارة للصيرورة الزمنية وأعراضها المباشرة أخماجٌ فطرية تمثّل العلة الدقيقة المفنية للحضارة، المعطِّلة للأمة عن الفاعلية، لعل أخطرها تغيّر الخصائص النفسية والاجتماعية للجيل حامل الفكرة الحضارية وحاميها وممثّلها، وهذا ما سنتكلم عليه في الفقرة اللاحقة بالتفصيل إن شاء الله، ولكن الذي يعنينا هنا، أن الفكرة الحضارية القوية التي تمتلك جذورًا عميقة في الحياة والأمة، وسندًا فعالاً من القيم والمصالح، تأبى أن يمثلها جيل أو عصبية قائدة ضعيفة فسدت بنيتها الداخلية وتشوّهت خصائصها النفسية، وعجزت عن حمل تبعات تلك الفكرة وتخلّت عن مسؤوليتها تجاهها، وتستبدِل - أي الفكرة - بها عصبية قوية من الأمة نفسها تحمل خصائص رجل
стр. 65
الفطرة - بمصطلح ابن خلدون - لتشكّل فقرة جديدة من فقرات التاريخ المفصلي لتلك الحضارة (١). أما إذا ضعفت الفكرة وانسحبت من الحياة، وتكرّست خصائص الانحطاط النفسية، فإن الخطر المحتمل هو أن يُستبدَل بالأمة عصبيةٌ من خارجها، إلا أن يتمّ تجديد الفكرة الحضارية وإعادة نبض الحياة إليها وتخصيبها على مستوى الحياة والواقع والإنسان (٢).
- بما أن التعرض لمؤثرات الانهيار عامّ، وأنها تخلّف الترهّلات النفسية ذاتها، فإن الاستعلاء عليها عمل استثنائي، ولما كان في إمكان طبقة القادة أن تحرّك الأمة في الإقلاع الحضاري، فإنّ في إمكانها في أية مرحلة من مراحل الحضارة تخطّي تيار الانهيار المتحدّر، وتنشيط انطلاقة دورة حضارية داخلية داعمة تمدّ في عمر الحضارة، وتجدّد شبابها المتصرِّم. ولا فرق في أن تكون تلك القيادة سياسية أو فكرية
стр. 66
أو جامعة بينهما، إلا أنها في كل الأحوال يجب أن تنطلق من الفكرة الحضارية نفسها، تجدّدها وتبعث الحياة فيما تخشب منها، أو تتفوّق في ابتكار وسيلة ذهبية تكون ركيزة أو لبنة مؤثرة، تستجيب لمعطيات المرحلة التاريخية، أو تستبطن طاقات غير مفعّلة فيها، تعيد لها زخمها التاريخي (١). إن تخطّي تيار الصيرورة الهدّار أو معاكسته عمل استثنائي، وهو لا يتأتّى بغير توافر طاقة محرِّكة استثنائية أيضًا، تعلو على شروط الواقع الموضوعي لتؤمن بما هو كائن في القوة أو بما يمكن أن يكون، ولن يطّلع بهذه المهمة إلا قادة استثنائيون، بشرط أن يخلقوا داخل القاعدة الشعبية جيلاً يحمل الإيمان بالفكرة ويعمل بدفع منها، ليتحول الإيمان إلى تاريخ وإلا ظلّ في إطار الأحلام، لأن التغيير لا يمكن أن تنهض به القمة دون أن تدعمه القاعدة وتكون امتدادًا لها.
- لن تنهار الأمة إلا إذا فشا الفساد في خاصّتها، حتى ألفته عامّتها، ورضيت به، واستكانت له. إن الخاصة أكثر عرضة للفساد، وهو فيها أظهر وأبرز، ولكن الأمة المعافاة قادرة على إخراج خاصة صالحة من بين ظهرانيّ عامّتها تستعيد بها مصادر القوة والسيطرة من الخاصة الفاسدة، وتقوّم بها من انحرافها. وأبرز صفات الأمة المعافاة تمييز الحق من الباطل ونصرته (٢)؛
لأنها تمتلك معيارًا واضحًا، ويقينًا
стр. 67
راسخًا، وإرادة قوية، وهمة عالية. أما إذا خربت الأمة من الداخل، ونخر سوس الفساد والانحلال في عامتها؛ أي في كثرتها، فإنها لن تكون قادرة حينئذ إلا على إنتاج خاصة فاسدة تجسّد الفساد المستشري، وتمنح الأمة ذرائع مادية ظاهرة لتبرّر بها انحطاطها، وتسوّغ عجزها وتواكلها وقعودها عن الإصلاح والتغيير، و"كما تكونوا يولّ عليكم" (١)، فالخاصة مرآة العامة، وصورة جلية لما تستّر من أمراضها النفسية، أو فشا من عيوبها الخلقية، ولن تعجز الأمة عن
стр. 68
إصلاح خاصتها إلا لإبائها هي الحق في ذاتها وانصرافها عنه وجزعها منه ومحاربتها له .. في مثل هذه المرحلة، وعندما يعمّ الفساد عامّة الأمة وخاصّتها، لن يكون أي مشروع للإصلاح مجديًا ولا ناجعًا ما لم يكن جذريًا شاملاً ينصبّ على الإنسان قبل المظاهر والأشياء، لأن مستقرّ الداء فيه مهما بدا أن المحن والنكبات تستهدفه وتعارضه، والحق أن هذه النكبات نفسها وسيلة من وسائل الخلاص والبرء من ذاك الداء، فهي فرصة مجّانية يمنحها الزمن للأمة المنكوبة لتطهّر نفسها بعذابات الصهر من أدران الفساد، أي إن الزمن - وعلى عكس ما يعتقد كثير من المصلحين - يقف إلى جانبهم معينًا في مهمتهم الشاقّة لانتشال الإنسان المتلوّث، واستعادة جوهره النقيّ؛ فآخر دواء الكيّ.
ويمكن من خلال ما تقدّم الإجابة عن المسألة القديمة الجديدة: هل الإصلاح يبدأ من القمة أم من القاعدة؟ الحال أن الأمة، إذا استشرى فيها الفساد، فلا تجدي فيها الإصلاحات السياسية أو الإدارية ما لم تشترك الأمة كلها فيها (١)، لأن الأمة باستكانتها للواقع، وتهيبها من المغامرة، وانصرافها عن البذل والتضحية، تقاوم وتعادي أي مشروع للتصحيح بعد أن اعتادت عيش حياتها بمفاهيم
стр. 69
مغلوطة وممارسات خاطئة. وتتحدد مسؤولية قادة التصحيح في الاشتغال على البنية الفوقية للأمة، وتعديل تصوراتها وتصويب معتقداتها والمغلوط من مفاهيمها، والنهوض بوعيها، وزرع الإيمان والثقة فيها، وتضخيم مواطن القوة فيها، وإبراز الإمكانات الإيجابية وتأكيدها بوصفها خيارًا ممكنًا، وتجسيدها في نماذج قابلة للتمثّل والمحاكاة، بدءًا من القادة أنفسهم، لتكون الأمة بذلك جديرة بالانخراط في حركة التغيير، قادرة على دفعها.
٣ - انحراف التكوين السويّ للشخصيّة الفعّالة:
يتكلم توينبي على نوعين من التفكّك الحضاري؛ التفكك الرأسي، والتفكك الأفقي (١). ويقصد بالتفكك الرأسي التفكّك السياسي المعروف، أما التفكّك الأفقي فهو الانحلال الداخلي للأمة الذي يشكل الخطر الحقيقي الذي تواجهه الحضارة ويجعلها في حالة عجز، لأنه لا يتوقف عند حدّ التفكك الطائفي والملّي والطبقي، بل هو يتجاوزه إلى تحلّل عميق يصيب الشخصية الإنسانية بالوهن، والروح بالشيخوخة، ويحرّف خصائص الأمة؛ النفسية والخلقية، فتغدو عاجزة بعد أن كانت فاعلة تدير عجلة التاريخ!! وإن فرويد وهو بسبيله إلى اقتراح علم نفس حضاري يؤكد أن الحضارات تصاب بأمراض عصابية جماعية شأنها في ذلك شأن الأفراد تمامًا (٢).
стр. 70
لا تنهض أمة بثقل المهمة الحضارية ما لم تمتلك في ذاتها خصائص نفسية تؤهلها للنهوض بتبعات الالتزام الحضاري، وبقدر ما هي - أي الخصائص - شرط فإنها نتيجة أيضًا، وقد تطرقنا إلى شيء من تلك الخصائص في تضاعيف كلامنا على شروط الحضارة، فالإيمان اليقيني بفكرة واضحة، والتحديات القاسية، يصقلان معًا الشخصية، ويمدّانها بالدافعية والصلابة اللازمتين للحركة والتغيير، وهما تتقلصان بفعل عوامل هدم الحضارة ذاتها التي تعمل على تحطيم الصلابة النفسية للأمة، وتشويه خصائصها الإيجابية، وفي المنقلب تؤدي تلك الخصائص المعدَّلة إلى عرقلة عجلة التقدم الصاعدة، وتعطيل الفعالية المعتادة، وردّ الأمة إلى طور السكون من جديد.
في تعلقه بالبداوة، كان ابن خلدون يبحث عن مقومات رجل الفطرة، ويطلب تلك الخصائص الضرورية لتشكيل شخصية رجل الحضارة وتأهيله، وقد وجدها متعيِّنة في فئة اجتماعية خاصة هي "البدو"، بما لديهم من كمال صفات الفطرة، ودواعي الخير المهيِّئة لكمال الفاعلية، واستحقاق الغلب، والقيادة الحضارية (١). وإذًا، فإيثاره للبدو ليس إيثارًا لفئة اجتماعية بعينها، على الرغم من أنه صرح بذلك في أكثر من موضع (٢)، كما أنه لا يعني أن من فاتته البداوة
стр. 71
فاته التحضر، ولكنه تنويه بتلك الخصائص النفسية التي تؤهل الأمّة للريادة والغلب والفعالية، وهو تعبير رمزي عن أهمية التحقق بها في أي مشروع حضاري. فإذا ما تشوهت تلك الخصائص بمكتسبات المدنية ورواسب التطور، فإنها قابلة للاسترداد بإزالة عللها التي تأخذ في الوقت نفسه موقع المعلول في علاقة معقدة جدِلة، وأهم تلك العلل:
١ - انسحاب الفكرة:
مهما ابتليت الأمة بأسباب الضعف والركود فإنها تنقلب ماردًا إذا امتلكت فكرة تؤمن بها، وتتحول خصائصها النفسية والذهنية والخلقية من الانهيار والتخاذل واليأس والسلبية واحتقار الذات، إلى الثقة والأمل والاندفاع والغيرية والإيجابية وكل ما يمنحها الطاقة المحركة ويفعّل قواها المعطلَّة. ولكن تعرُّض الفكرة لهزات متعاقبة يخلخل تلك الطبيعة التي اكتسبتها الأمة من معايشة الفكرة والعيش بها، ويسمح للعوامل السلبية الأخرى بأن تترك آثارها بعيدًا في عمق الأمة، وتتحول إلى أخطار معيقة لفاعليتها، ومشوِّهة لخصائصها النفسية، ولتنحرف بملكاتها عن مسارها التاريخي الصاعد. ولعل أخطر آثار انسحاب الفكرة هو تهديدها لمناعة الأمة الذاتية وتركها مكشوفة للعوامل البيئية والتاريخية المتنوعة التي تحمل، إلى جنب مكاسبها، فيروسات لا تنقضّ إلا على البدن الضعيف غير المحصَّن.
стр. 72
سبق أن تكلمنا على أثر الوفرة في تنشيط عملية انسحاب الفكرة وتحويلها المصالح التي تحتويها الفكرة، ضمنًا، من منافِسات فيها إلى منافِسات لها، ويتجلى انسحاب الفكرة في ظاهرتين تؤثّران، بدورهما، في تعزيز هذا الانسحاب وضرب الركائز الأساسية التي تستمد الفكرة منها حياتها وصلابتها، الظاهرة الأولى هي تقلّص الوجود المادي للفكرة، عن طريق تخلّي أعلامها وقادتها عن استلهامها في حياتهم اليومية وسلوكهم العملي والبذل في سبيلها إلا ما كان من قشور وتقاليد ومظاهر، وقد يصل الحدّ أن تتخلّى بعض النخب عن العناية باحترام تلك المظاهر كذلك، وتنتشر العدوى في فئات المجتمع كلها بنسب ودرجات متفاوتة تعادل درجة ضعف سلطان الفكرة في العالم المادي، ومدى تراجع مظاهرها وآثارها فيه، فيعمّ الشك ويروج التردّد والاحتمال، ويخسر اليقين أقوى عوامل وجوده. وفي ظل الانسحاب التدريجي للفكرة من العالم المادي ينشط وجودها النظري والتجريدي، ويشجِّع الترف الفكري ولادةَ فلسفات نظرية راقية تستلهم الفكرة وتجرّد مفاهيمها وقيمها وتقتلها بحثًا وتقنينًا، وتلك هي الظاهرة الثانية لانسحاب الفكرة، إذ إن الوجود النظري يتّسم، غالبًا، بالمثالية والتعالي على هموم الواقع اليومية وحاجات الأمة المتجدّدة.
ويزداد الوضع حدّة عن طريق الاستجابات الخاطئة لحاجات الواقع، والتطرّف في ردّ الفعل عليها، فتظهر فلسفات مناقضة للفكرة المؤسِّسة، سواء كانت نابعة منها، أو كانت ردةَ فعل طبيعية عليها، وإمكانًا من الإمكانات المتاحة لملء الفراغ الذي
стр. 73
تخلّفه الفكرة في انسحابها (١)، أو استجابة إيجابية لحالة انفتاح الحضاري توفرها عالمية الحضارة في تلك المرحلة، واستلهامًا لثقافات خارجية مغايرة تمامًا لأصولها، وتُدخِل عالمية الحضارة، وصراع الفلسفات المتناقضة، مفهوم التعدّد في القيم الموجِّهة للأمة، وتجعل الفكرة المؤسِّسة خيارًا واحتمالاً قابلاً للتفاوض والرفض لتكرِّس، بالتالي، حالة الشك وتحكم لها بالشيوع (٢).
وتستجيب الحضارة في بعض مستوياتها وفئاتها لهذه التحديات الخطيرة استجابة سلبية تتمثّل في محاولة تثبيت الحاضر عن طريق التقوقع على الذات، واستلهام النماذج الأصيلة غير الملوثة بدخيل خارجي أو داء داخلي، مكتفية بمحاكاة الماضي، متوقّفة عنده، ومعاكسة مجرى الحياة الذي لا ينقطع عن الدوران. صحيح أن هذه الاستجابة هي الصَّدَفة الصلبة التي تحفظ القيم الأصيلة للأمة وتصونها من طوارق الليل والنهار، إلا أنها
стр. 74
تعين خط الانهيار المتفاقم بعدم مرونتها أمام المستجدات، وضيق وعيها بالمتغيرات، وانقطاع صلتها بمعطيات الواقع المادية.
قلنا إن انسحاب الفكرة يترافق بانسحاب القيم، وتراجع الحياة الأخلاقية والروحية للأمة، وإن الفكرة تظلّ - من بعدُ - ترفد الحياة المادية للحضارة وتمدّ في عمرها من خلال منظومة المصالح التي تضمنها، فإذا تعطلت تلك المصالح استكثر الأفراد الجهد، واستكانوا للتواكل والعطالة .. ويتكرس هذا الخطر، ويتحول إلى إحباط، عندما يتكرر شهود فشل الفكرة، وتتراكم كبوات لا تُقال، وينقطع الأمل في تحقيق المصالح المنشودة، فتسقط الذات من بعد الشك في يأس يقينيّ قاتل يحسم الإمكانات لصالح كل ما هو سلبي (١).
٢ - الوفرة، والترف، وتراخي التحديات:
وقفنا عند الوفرة عندما تكون علّة من علل انهيار الحضارة، وأداةً تخلقُ منافِسِين للفكرة الحضارية. ونعالج ههنا دورها في تشويه خصائص الأمة النفسية؛ تُبطل دافعيتها، وتحوّلها إلى أمة خاملة. يتفق
стр. 75
معظم المشتغلين في فلسفة الحضارة على مقولة ابن خلدون بأن "من عوائق الملك حصول الترف وانغماس القبيل في النعيم" (١)، لأن هذا الانغماس يشوّه الخصائص النفسية لرجل الحضارة الفعّال القادر على توجيه التاريخ، وقد لاحظ ابن خلدون أن أظهر الفوارق بين أهل الحضر وأهل البادية أن "البدو هم المقتصرون على الضروري في أحوالهم العاجزون عما فوقه وأن الحضر المعتنون بحاجات الترف والكمال في أحوالهم وعوائدهم .. " (٢). والعجز غير الإرادي عن العناية بحاجات الترف بسبب من الفقد أو القلة القسريين، يلازمه قدرة صافية عالية على تفعيل الإرادة والتحكّم الذاتي، وتلك هي المهارات اللازمة لتوجيه طاقات الإنسان الداخلية والخارجية نحو الهدف، والتي تختلّ أو تذوي مع الانخراط في مجتمع الوفرة. بعد دراسة مستفيضة يؤكد توينبي أن "السهولة عدو الحضارة" (٣)،
بل إن "الحضارة تقوم على الزهد أو التعفف عن إشباع الغرائز، وإن وجودها مشروط باللاإشباع، بالكبت الإرادي أو اللاإرادي للمتطلبات الغريزية القوية"،