فاته التحضر، ولكنه تنويه بتلك الخصائص النفسية التي تؤهل الأمّة للريادة والغلب والفعالية، وهو تعبير رمزي عن أهمية التحقق بها في أي مشروع حضاري. فإذا ما تشوهت تلك الخصائص بمكتسبات المدنية ورواسب التطور، فإنها قابلة للاسترداد بإزالة عللها التي تأخذ في الوقت نفسه موقع المعلول في علاقة معقدة جدِلة، وأهم تلك العلل:
١ - انسحاب الفكرة:
مهما ابتليت الأمة بأسباب الضعف والركود فإنها تنقلب ماردًا إذا امتلكت فكرة تؤمن بها، وتتحول خصائصها النفسية والذهنية والخلقية من الانهيار والتخاذل واليأس والسلبية واحتقار الذات، إلى الثقة والأمل والاندفاع والغيرية والإيجابية وكل ما يمنحها الطاقة المحركة ويفعّل قواها المعطلَّة. ولكن تعرُّض الفكرة لهزات متعاقبة يخلخل تلك الطبيعة التي اكتسبتها الأمة من معايشة الفكرة والعيش بها، ويسمح للعوامل السلبية الأخرى بأن تترك آثارها بعيدًا في عمق الأمة، وتتحول إلى أخطار معيقة لفاعليتها، ومشوِّهة لخصائصها النفسية، ولتنحرف بملكاتها عن مسارها التاريخي الصاعد. ولعل أخطر آثار انسحاب الفكرة هو تهديدها لمناعة الأمة الذاتية وتركها مكشوفة للعوامل البيئية والتاريخية المتنوعة التي تحمل، إلى جنب مكاسبها، فيروسات لا تنقضّ إلا على البدن الضعيف غير المحصَّن.
стр. 72
سبق أن تكلمنا على أثر الوفرة في تنشيط عملية انسحاب الفكرة وتحويلها المصالح التي تحتويها الفكرة، ضمنًا، من منافِسات فيها إلى منافِسات لها، ويتجلى انسحاب الفكرة في ظاهرتين تؤثّران، بدورهما، في تعزيز هذا الانسحاب وضرب الركائز الأساسية التي تستمد الفكرة منها حياتها وصلابتها، الظاهرة الأولى هي تقلّص الوجود المادي للفكرة، عن طريق تخلّي أعلامها وقادتها عن استلهامها في حياتهم اليومية وسلوكهم العملي والبذل في سبيلها إلا ما كان من قشور وتقاليد ومظاهر، وقد يصل الحدّ أن تتخلّى بعض النخب عن العناية باحترام تلك المظاهر كذلك، وتنتشر العدوى في فئات المجتمع كلها بنسب ودرجات متفاوتة تعادل درجة ضعف سلطان الفكرة في العالم المادي، ومدى تراجع مظاهرها وآثارها فيه، فيعمّ الشك ويروج التردّد والاحتمال، ويخسر اليقين أقوى عوامل وجوده. وفي ظل الانسحاب التدريجي للفكرة من العالم المادي ينشط وجودها النظري والتجريدي، ويشجِّع الترف الفكري ولادةَ فلسفات نظرية راقية تستلهم الفكرة وتجرّد مفاهيمها وقيمها وتقتلها بحثًا وتقنينًا، وتلك هي الظاهرة الثانية لانسحاب الفكرة، إذ إن الوجود النظري يتّسم، غالبًا، بالمثالية والتعالي على هموم الواقع اليومية وحاجات الأمة المتجدّدة.
ويزداد الوضع حدّة عن طريق الاستجابات الخاطئة لحاجات الواقع، والتطرّف في ردّ الفعل عليها، فتظهر فلسفات مناقضة للفكرة المؤسِّسة، سواء كانت نابعة منها، أو كانت ردةَ فعل طبيعية عليها، وإمكانًا من الإمكانات المتاحة لملء الفراغ الذي
стр. 73
تخلّفه الفكرة في انسحابها (١)، أو استجابة إيجابية لحالة انفتاح الحضاري توفرها عالمية الحضارة في تلك المرحلة، واستلهامًا لثقافات خارجية مغايرة تمامًا لأصولها، وتُدخِل عالمية الحضارة، وصراع الفلسفات المتناقضة، مفهوم التعدّد في القيم الموجِّهة للأمة، وتجعل الفكرة المؤسِّسة خيارًا واحتمالاً قابلاً للتفاوض والرفض لتكرِّس، بالتالي، حالة الشك وتحكم لها بالشيوع (٢).
وتستجيب الحضارة في بعض مستوياتها وفئاتها لهذه التحديات الخطيرة استجابة سلبية تتمثّل في محاولة تثبيت الحاضر عن طريق التقوقع على الذات، واستلهام النماذج الأصيلة غير الملوثة بدخيل خارجي أو داء داخلي، مكتفية بمحاكاة الماضي، متوقّفة عنده، ومعاكسة مجرى الحياة الذي لا ينقطع عن الدوران. صحيح أن هذه الاستجابة هي الصَّدَفة الصلبة التي تحفظ القيم الأصيلة للأمة وتصونها من طوارق الليل والنهار، إلا أنها
стр. 74
تعين خط الانهيار المتفاقم بعدم مرونتها أمام المستجدات، وضيق وعيها بالمتغيرات، وانقطاع صلتها بمعطيات الواقع المادية.
قلنا إن انسحاب الفكرة يترافق بانسحاب القيم، وتراجع الحياة الأخلاقية والروحية للأمة، وإن الفكرة تظلّ - من بعدُ - ترفد الحياة المادية للحضارة وتمدّ في عمرها من خلال منظومة المصالح التي تضمنها، فإذا تعطلت تلك المصالح استكثر الأفراد الجهد، واستكانوا للتواكل والعطالة .. ويتكرس هذا الخطر، ويتحول إلى إحباط، عندما يتكرر شهود فشل الفكرة، وتتراكم كبوات لا تُقال، وينقطع الأمل في تحقيق المصالح المنشودة، فتسقط الذات من بعد الشك في يأس يقينيّ قاتل يحسم الإمكانات لصالح كل ما هو سلبي (١).
٢ - الوفرة، والترف، وتراخي التحديات:
وقفنا عند الوفرة عندما تكون علّة من علل انهيار الحضارة، وأداةً تخلقُ منافِسِين للفكرة الحضارية. ونعالج ههنا دورها في تشويه خصائص الأمة النفسية؛ تُبطل دافعيتها، وتحوّلها إلى أمة خاملة. يتفق
стр. 75
معظم المشتغلين في فلسفة الحضارة على مقولة ابن خلدون بأن "من عوائق الملك حصول الترف وانغماس القبيل في النعيم" (١)، لأن هذا الانغماس يشوّه الخصائص النفسية لرجل الحضارة الفعّال القادر على توجيه التاريخ، وقد لاحظ ابن خلدون أن أظهر الفوارق بين أهل الحضر وأهل البادية أن "البدو هم المقتصرون على الضروري في أحوالهم العاجزون عما فوقه وأن الحضر المعتنون بحاجات الترف والكمال في أحوالهم وعوائدهم .. " (٢). والعجز غير الإرادي عن العناية بحاجات الترف بسبب من الفقد أو القلة القسريين، يلازمه قدرة صافية عالية على تفعيل الإرادة والتحكّم الذاتي، وتلك هي المهارات اللازمة لتوجيه طاقات الإنسان الداخلية والخارجية نحو الهدف، والتي تختلّ أو تذوي مع الانخراط في مجتمع الوفرة. بعد دراسة مستفيضة يؤكد توينبي أن "السهولة عدو الحضارة" (٣)،
بل إن "الحضارة تقوم على الزهد أو التعفف عن إشباع الغرائز، وإن وجودها مشروط باللاإشباع، بالكبت الإرادي أو اللاإرادي للمتطلبات الغريزية القوية"،
стр. 76
هذا ما يخبرنا به فرويد (١)، وهو الحقيقة القوية التي تثبتها أخبار التاريخ. أما مجتمع الوفرة فهو، على العكس، يقدّم كل ما يعين على الإشباع النهم، وإطلاق الغرائز .. ويشوّه معالم الفطرة فتعتاد الذات ارتخاء الإرادة، وتتخامد طاقة الاندفاع، فتختلق الأعذار، وتتواكل على المعيقات والمثبّطات، وتتذرّع بها.
إن عهد الوفرة غاية للحضارة ومصير لها في آن (٢)، وهي الذروة التي تحقّق عندها آمالها، وتَستنفِد غاياتها، لتبدأ في شق طريقها إلى الانحدار! في مرحلة المدنية تعيش الحضارة ازدهارًا غير مسبوق يصل
стр. 77
حدّ الوفرة والترف في كل شيء، وتجتهد الطاقات لتحقيق أسمى الطموحات، فتُشبع الآمال، ويشيع الرضا .. ولكن الرضا (١)
يتحوّل إلى قناعة وسأم، والسأم يغري بالتهالك على اللذات، والإمعان في اقتحام المحظورات، وتتكفل القناعة بتبرير التكاسل، وإيثار الراحة، وقتل الطموح، وتبديد القلق المحفِّز على النشاط والفاعلية .. وما بين الإفراط والتفريط تضيع الحضارة.
تجتهد الوفرة للتغلّب على التحديات الطبيعية، وتُغرق الأمة بما يزيد عن حاجاتها الضرورية، وتفتح لها أبوابًا مشرَعة إلى الراحة واللذة، مع قدرة عالية على السيطرة على العالم الواقعي والقوة على إدارته، وباجتماع القوة والوفرة في أمة ما زالت مشبعة بطاقة واندفاع على وشك النفاد، تحاول الأمة أن تستغل الفائض من طاقتها باختلاق تحدّياتها الخاصّة أو المفتعلة وتوليدها، للحفاظ على مستوى من التوتّر يغري بالطموح والإنجاز، وذلك عبر كثير من النشاطات التي تفيض عن الضروري وتؤول إلى الحاجي أو الكمالي، حيث تكون الضروريات في حالة إشباع قصوى. ويشيع هذا النمط من التحديات في كل شيء؛ في العلوم والفنون، والعلاقات الاجتماعية والتقاليد والأعراف والشعائر، والمتعة والأشياء .. ما يحوّلها، رويدًا .. رويدًا، إلى شكلانية تتعلق بالزينة والزخرف على حساب الجوهر والمضمون، ويضعف أساسها الوظيفي، ليتخافت، من ثمّ، أثرها في عالم الواقع
стр. 78
وصلتها بالحياة، فتتحجر في أصنام تفقد مع الاستهلاك رونقها .. صحيح أن هذه التحديات المفتعلة تفجّر الإبداع، وتحفّز التنافس، وأن الولع النهم في شتى المجالات يدعم الحركة الاقتصادية، وجريان الثروة .. إلا أن ذلك كله يكرّس آثار الترف السلبية في الخصائص النفسية للأمة، ويغرقها في البلادة والكسل، ويمتصّ طاقتها الفائضة في طواحين وهمية (١)
كان الأجدر أن توجّه إلى التحديات الذاتية التي تتعاظم في الداخل انعكاسًا وأثرًا لحالة الترف المتعاظمة.
стр. 79
٣ - ضمور النزوع الجماعي:
تهدّ علل الانهيار السابقة وعوارضه المزمِنة النزوعَ الجماعي؛ وهو الركن الأساسي للصحّة الحضارية. والحضارة فعل إنساني جماعي، لا تنهض به إلا أمة متماسكة. وبما أن الفرد مشحون بغريزة أنانية مستبدّة تنحاز إلى المصلحة الفردية لتحمي ذاتها في مواجهة التحديات المختلفة، فإن إرادة الأنا تصطدم بإرادة الآخر؛ فردًا كان أو جماعة، وإن من مسؤولية أية فكرة حضارية تحقيق المصالحة والتوازن بين هاتين الإرادتين، وأن تحفّز النزوع الجماعي في الأفراد لتحشدهم في مشروعها الحضاري. إن الفكرة نفسها هي أقوى عنصر جامع ومعصّب للأمة، وتتناسب قوة النازع الجماعي مع صلابة الإيمان بالفكرة الحضارية، ودرجة تعشّق الذوات الفردية للقيم والمفاهيم التي تحملها وتبشّر بها، وليس أمتن لحمة للأمة من القيم، لأن القيم المشتركة إذا تملّكت الذوات المختلفة كسّرت حواجز العزلة بينها، ووحّدتها في هدف مشترك، لتجد كل منها نفسها فيه ووجودها في تحقيقه، وتتخلّق بخلق البذل والتضحية والغيرية، وتحرّض حس الولاء للجماعة والانتماء للأمة. وتتضاعف قوة النازع الجماعي إذا رَفدَ اتحادَ الأهداف اتحادٌ في المصالح وتبادل للمنافع، وشُدَّ الطرف بقوة الطرف الآخر. وتضمن الفكرة تكريس الوعي الجماعي بسلطة مادية تتجسد في النظام الاجتماعي المحكم الذي يشجّع الممارسات والأعراف التي تعزّز الروح الجماعية ويصونها ويستثمرها في البناء والإعمار، ويحمي القيم والمصالح في وقت واحد.
فإذا ما نافست المصلحةُ الفكرةَ، وبدأت الفكرة بالانسحاب، والقيم بالضمور، استبدّت المصلحةُ، وغذّت الدوافعَ الفردية، وحرّرت الأنانية المكبّلة
стр. 80
ونشّطتها، وخدّرت تدريجيًا النازع الجماعي، وحَدَّتْ من سلطته في الحياة إلا ذلك المقدارُ الذي يسانده النظام الاجتماعي نفسه ويحميه، وتلك المؤسساتُ والأعراف التي تجسّد الحاجات الجماعية وتمثّل حضورها المادي وسلطتها، وبسبب من هذا يكون النازع الجماعي أقوى في الطبقات الدنيا الشعبية التي يضطرها العجز وقلّة الخيارات إلى التقوقع على الذات، والتمسّك بالتقاليد، وحماية النظام والأصول التي تجد فيها ذاتها. وطبيعي بسبب من ذلك أيضًا أن تكون الفعّاليات المستندة إلى القوة الجماعية أكثر العناصر تأثرًا بانحسار النازع الجماعي.
بقدر ما يكفل النظام الاجتماعي الحامي للرابطة الجماعية تحقّقَ المصالح، تسندُ المصالحُ المتّحِدة بالنازع الفردي الولاءَ الجماعي، والانتماء للأمة. لذلك يُعجِّل تعطّل المصالح، أو تعطيلها، بانهيار الروح الجماعية، ويضعف الولاء للأمة، ويميل بالأفراد إلى السلبية، لا سيما إذا تكررت الخيبات، وأصبحت التجارب الخاسرة منطقًا يحكم الحياة اليومية، وانعدمت الثقة، وغلب اليأس على النفوس. في ذلك الحين تغدو القلّة، والتنافس في الضروريات، مبررًا للفردية ومشجعًا عليها، والتحديات التي تلمّ الشتات في الخطر ستعمّق الشقّة وتشجّع التفتّت الداخلي، إذا لم يتوافر في مقابلها ذلك المعادل الذي يولّد الطاقة اللازمة للصمود في وجه التحديات، وللتغلّب على ظرف القلّة، ويعزّز القيم التي تزرع الإحساس بالواجبات أكثر من الحقوق.
٤ - الفساد والظلم:
بعد أن كان الفعل الحضاري يعتمد على الروح الجماعية وعلى تشارك فئات الأمة المتنوعة في القيم والمصالح، والواجبات والحقوق، وهذا
стр. 81
ما كان يحرّكهم معًا قوةً واحدة، تبدأ القيم بالانسحاب، وتتضخّم المكاسب، فتتعاظم الأنانية وتروج الأخلاق النفعية، وتجد كل ما يمدّها بالقدرة على تحقيق غاياتها، فيختلّ التوازن لصالح من يملك القوة والسلطة، أيًا كان مصدرهما .. كل هذا يحرّض مظاهر من الانحراف في التكوين الاجتماعي، تتجلى في تفشّي صور فساد وظلم متنوعة تُسرق فيها الجهود، وتُصادر الحقوق، وتُعطّل المصالح، وهي مع ذلك مظاهر فردية واستثنائية، لأن المصلحة - في تلك المرحلة - تظل ممسكة بعصا التوازن الذي يفرض التكامل على جميع الأطراف، ويهودهم إلى ميثاق مشترك يذعنون إليه لتحقيق مصالحهم المتبادلة.
ومع تفاقم أعراض المدنية تتكرس دواعي الظلم والفساد، ويتحولا إلى ظاهرة عامة لا تتوقف عند حدود السلطة الحاكمة بل، تعمّ مناحي الحياة كلها، أفرادًا ومؤسسات، وهنا تكمن الخطورة، لأنه إيعاز بأن الأمة تتموّت من الداخل! ليس الظلم إلا الضعف يتستّر بالجبروت ويتسلح به، وحين تدخل الحضارة طور المدنية يتسرّب الكسل والتواكل، ويستشعر صاحب القوة والقدرة ضعفه، فيحاول أن يحجبه بسياج من الانتهازية وسرقة جهود الآخرين، والحدّ من نجاحهم خشية منافستهم، ويتفشّى الظلم ويروج بالقدر الذي تتعطّل فيه الدوافع وتقلّ الفرص.
يستجرّ حديث الظلم إلى الذهن ذلك الاعتقاد بأنه خاص بالمستويين السياسي والقضائي، ولكن الواقع أن المؤسسة السياسية والإدراية تعطي مؤشرات على الفساد قبل غيرها من المؤسسات، وظهور الفساد في المؤسسة القضائية هو دليل على استشراء الداء في
стр. 82
المجتمع ذاته، وانحراف القيم الموجِّهة له في مستوياته كلها؛ الاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية بل الإبداعية أيضًا .. ومع أن الفسادين؛ السياسي والقضائي، أظهر في وعي الناس، لأنهما الملاذان اللذان يتوقعون منهما النصرة والأمن، ولأن أثرهما مادي وقاهر أكثر من غيرهما، فإن الفساد النوعي العميق في المستوى الأخلاقي أكثر هدمًا لبنية الحضارة، ولتماسك الأمة الداخلي، بما أنه يعطّل دافعيتها الذاتية، وينحرف بأخلاقياتها، ويضعف النازع الجماعي فيها، ويفقدها الثقة بجدوى الجهد، ويقتل روح الإبداع فيها. وكل أصناف الفساد والظلم تُغرِق الأمة في السلبية، وتضخِّم المثبّطات في عيونها، وتمدّها بمبرّرات تتعلق بها في الاعتذار عن استسلامها للواقع، وعدم مقاومة تيار الهدم الجارف، والعادة أن تردّ الأمة المنهارة أسباب ضعفها، وواقع الظلم الذي يحيق بها، إلى القيادات السياسية والإدارية بوصفها صاحبة القرار، وفي موقع المسؤولية!
٥ - الذلّ والهزيمة النفسية:
لن يكون أقسى من الفساد والظلم على الأمة من الذلّ، ومع أن الذلّ تجلٍ من تجليات الظلم، فإن خطورته تتأتى من أنه إشارة على تأبّد الظلم إلى حدّ يقتل في الأمة إحساسها بذاتها، وتقديرها لها، وقدرتها على مقاومة مظاهر الفساد، فتعتاد ممارسات الظلم والاستبداد، وتستمرئها، وتعيد تصوّر ذاتها، وصياغة حياتها، من خلالها. ويحاول ابن خلدون، بما أوتي من حسّ تاريخي لا يقنع بظاهر الأمور، أن يتلمّس العلل التي تنحرف بالأمة إلى خلق الذلة والانقياد، فيلاحظ أن بذور المذلّة تزرع وتسقى بمكتسبات المدنية، فالاستقرار يعوّد النفس على التكاسل، ويدرّبها على الانقياد للنظام والخضوع للقانون، وعلى
стр. 83
الرغم من أن هذا كله مطلب عزيز وأصيل للحضارة ولتماسك الأمة، فإن الاعتياد يقطع صلة الفعل بالباعث، ويحوّله إلى تقليد أجوف، ويمتصّ من الأمة عزيمتها وأنفتها، حتى تصير إلى قدرها المحتوم الذي يغدو فيه الإذلال برنامجًا منظمًا لصالح بعض القوى الطفيلية الفاسدة، يقول ابن خلدون: " .. فإن كانت الملَكَة رفيقة وعادلة لا يعانى منها حكم ولا منع وصدّ كان الناس من تحت يدها مدلين بما في أنفسهم من شجاعة أو جبن واثقين بعدم الوازع حتى صار الإذلال جِبلّة لا يعرفون سواها وأما إذا كانت الملكة وأحكامها بالقهر والسطوة والإخافة فتكسر حينئذ من سورة بأسهم وتُذهب المِنعة عنهم لما يكون من التكاسل في النفوس المضطهدَة" (١). إذًا، القهر كما اللين سواء بسواء في تعويد الأمة الذلَّ والانكسار.
لا تسقط الأمة في حال الذل المفني بسبب من تلك الممارسات المباشرة التي تمثّل في تصورنا المواقف المذلة، لكن بسبب ميراث عهد طويل من تجارب الظلم والذل والقسوة .. وحصيلة للانكسارات المتوالية، وخيبة الأمل بالفكرة .. إذ تتأصّل فيها مشاعر الخزي والإحباط واليأس، وتتفكّك في الذات تلك المكوّنات الصلبة التي تستند إليها في مواجهة التحديات؛ الداخلية منها والخارجية، فتصبح غرضًا سهلاً لها، وتعجز عن مقاومتها، وتسقط في مطبّ "الهزيمة النفسية".
تعيش الأمة الهزيمة النفسية عندما تمتلك سجلاً واسعًا من علل الانهيار، وتتخذ آثارُها السلبية شكل المسار الطبيعي للحياة
стр. 84
والإنسان، وعندما تتحوّل المعاناة إلى ظاهرة شائعة، وتتكرّر الآلام، وتتأبّد، وتصير واقعًا مألوفًا، ويغدو الهمّ الفردي همًا عامًا يغرق غالبية الأمة، وعندما تتماوت النفوس، ويعمرها اليأس، تقتات من يأسها وعليه، لتبرّر به استكانتها وعجزها وقنوطها، بعد أن أنفقت رأس مالها، واستهلكت فكرتها الحضارية من زمن بعيد، وقد كانت تشتعل بها في وجه المحن والتحديات!!
لن تهزم التحديات أمة إلا إذا وصلت إلى مرحلة الهزيمة النفسية، وافتقرت إلى معادل داخلي يمدّها بالطاقة، والعادة أن تبرر الأمم الضعيفة هزيمتها بقسوة التحديات، سواء كانت داخلية أو خارجية، محاوِلةً التهرّب من المسؤولية، وإنما قُوْتها وقوَّتها من ذاتها، فـ"لكيلا نكون مستعمَرين يجب أن نتخلص من القابلية للاستعمار" (١)، ولكيلا تعيش أمة الانحطاط، لا بد من أن تتخلص من القابلية للانحطاط!
стр. 85
خلاصة
تولد الحضارة من رحم فكرة يقينية كلية جامعة هي روحها وخزّان طاقتها، وتؤول إلى الانحدار إذا انقطعت صلتها بتلك الفكرة أو ضعفت، وبما أن التاريخ يتحرّك في دورات تتقلّب فيها الحضارات بين طفولة وشباب وكهولة، فإن في الإمكان تأخير الكهولة عن طريق تجديد الفكرة الحضارية وتخصيبها، واستغلال التحدّيات المحفِّزة للتطهّر من أمراض الانحطاط، أما ما يزيد على ذلك فهو عوامل داعمة، وجودها يعين، والافتقاد إليها لا يعيق. ولن تموت الحضارة إلا إذا فقدت الدافع، والدافع فكرة ومصلحة، فإذا ضعفت صلة الإنسان بالفكرة الحضارية الجامعة، أو تعطلت المصالح النافعة، تملّكت الإنسانَ الأنانية ولاذ بالعجز والكسل، وخسر الدافع إلى العمل، وعظمت في عينه المخاطر والتحديات، ونسب إليها لا إلى نفسه الخيبات. ولن تنهض أمة من كبوتها إلا إذا امتلكت فكرة تجتمع عليها تكون معادلاً داخليًا يعزز إرادتها للبقاء، ويشدّ من عزيمتها لمقاومة تحديات الانحطاط القاسية التي تكفّلت بصناعة شخصية النهوض السليمة المبرّأة من عيوب الترف، وكسل الاكتفاء والشبع .. والله من بعد أعلم.
стр. 86
المصادر والمراجع
- أدونيس، علي أحمد سعيد: الثابت والمتحول، بحث في الاتباع والإبداع عند العرب - ٣ صدمة الحداثة، ط/١، دار العودة، بيروت - لبنان، ١٩٧٨.
- إشبنجلر، أسوالد: تدهور الحضارة الغربية، تر: أحمد الشيباني، منشورات دار الحياة - بيروت، ١٩٦٤.
- الترمذي: السنن، تعليق الألباني، مكتبة المعارف - الرياض، ط/١، ١٤١٧.
- توينبي، أرنولد: مختصر دراسة للتاريخ، تر: فؤاد محمد شبل، ط/١، مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر - القاهرة، ١٩٦٠.
- الجابري، محمد عابد: فكر ابن خلدون - العصبية والدولة، معالم نظرية خلدونية في التاريخ الإسلامي، ط/٦، مركز دراسات الوحدة العربية - بيروت، ١٩٩٤.
- حبيب، رفيق: تفكيك الديموقراطية، ط/١، دار الشروق - القاهرة، ١٩٩٧.
- حسين، محمد محمد: الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر، المطبعة النموذجية - مصر، ١٩٥٤.
- ابن خلدون عبد الرحمن: تاريخ ابن خلدون - المقدمة، تح: خليل شحادة، دار الفكر - بيروت، ٢٠٠١.
- ديورانت، ول: قصة الحضارة، تر: مجموعة، دار الجيل - بيروت، ١٩٨٨.
- زريق، قسطنطين: في معركة الحضارة، ط/٤، دار العلم للملايين، بيروت - لبنان، ١٩٨١.
- عبده، محمد، ومحمد رشيد رضا: تفسير المنار، دار المنار - القاهرة، ط/٢، ١٩٤٧.
- عياض بن موسى اليحصبي: شرح صحيح مسلم (إكمال المعلم بفوائد
стр. 87
مسلم)، تح: يحيى إسماعيل، ط/١، دار الوفاء للطباعة والنشر - المنصورة، ١٩٩٨.
- فرويد، سيجموند: الحب والحرب والحضارة والموت، تر: عبد المنعم الحفني، ط/١، دار الرشيد - القاهرة، ١٩٩٢.
- الكيلاني، ماجد عرسان: هكذا ظهر جيل صلاح الدين وهكذا عادت القدس، ط/٣، دار القلم للنشر والتوزيع - دبي، ٢٠٠٢.
- محمد، سراج الدين: موسوعة روائع الشعر العربي، دار الراتب الجامعية - بيروت.
- المناوي، عبد الرؤوف: فيض القدير شرح الجامع الصغير، ط/١، المكتبة التجارية الكبرى - مصر، ١٩٣٨.
- مؤنس، حسين: الحضارة، ط/٢، سلسلة عالم المعرفة - الكويت، ١٩٩٨، العدد ٢٣٧.
- المناوي، عبد الرؤوف: فيض القدير شرح الجامع الصغير، المكتبة التجارية الكبرى - مصر، ط/١، ١٩٣٨.
- بن نبي، مالك: شروط النهضة، تر: عبد الصبور شاهين، دار الفكر - دمشق، ١٩٨٦.
- نصر، محمد عارف: الحضارة - الثقافة - المدنية، دراسة لسيرة المصطلح ودلالة المفهوم، ط/٢، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، فيرجينيا - الولايات المتحدة الأمريكية، ١٩٩٤.
- ولسون، كولن: سقوط الحضارة، أنيس زكي حسن، ط/٢، دار الآداب - بيروت، ١٩٨٢.