← Таджвид и кираат

Таджвид и кираат · id 36539

فضل علم الوقف والابتداء وحكم الوقف على رؤوس الآيات

عبد الله الميموني

Полный текст (85 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ المقدمة الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب مهيمنًا على الكتب، ولم يجعل له عوجًا، أحمده عدد كل شيء وملء كل شيء، بكل حَمْد حَمِده به أولياؤه المقربون، وعبادة الصالحون حمدًا لا ينقضي أبدًا، والصلاة والسلام على محمد وآله وصحبه ومن تبعهم بإحسان. أما بعد: فإن الاهتمام بعلوم الكتاب والسنة، وتعلمها والجد في تحصيلها والإنصاف فيها سبب خير كثير، والأمور بعواقبها منوطة ولن يخيب الله تعالى من صدَّق وصدَق. وإن علم الوقف والابتداء من أجلِّ علوم الكتاب الحكيم، لأنه يستعان به على فهم القرآن والغوص على درره وكنوزه وتتضح به الوقوف التامة، والكافية والحسان، فتظهر للسامع المتأمل والقارئ المتدبر المعاني على أكمل وجوهها وأصحها، وأقربها لمأثور التفسير، ومعاني لغة العرب، فإن اعتماد علماء الوقف والابتداء في وضع الوقوف وتفصيلها، وبيان وجوهها، مبني على النظر في معاني الآيات، وكلامهم في المعاني، وفي بيان وجوه

стр. 2

الوقف، وتفضيل بعضها على بعض مأخوذ من المنقول والمعقول. فلا ريب أن علم الوقف والابتداء من العلوم التي تفسر بها وجوه المعاني القرآنية؛ إذ المقصود منه بيان مواضع الوقف بحيث يراعي القارئ المعاني فيقف ويبتدئ على حسب ما يقتضيه المعنى واللفظ، ولا يكون ذلك إلا بتدبر واهتمام بالمعاني فالنظر في الوقف معين على التدبر. وإذا قرأ القارئ وابتدأ بما لا يحسن الابتداء به، أو وقف عند كلام لا يفهم إلا بأن يوصل بما بعده، فقد خالف أمر الله تعالى بتدبر القرآن .. قال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢] وقال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: ٢٩] فإن في القرآن الهدى والذكرى والعلم والتزكية والرحمة والنور، كما قال تعالى: ﴿وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ﴾ [الأنعام: ٧٠] وقال: ﴿هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٤] وقال ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾ [ق: ٤٥] ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا

стр. 3

رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] وقال: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٤] ﴿وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ٥٢]. إلى غير ذلك من الآيات. فهذا العلم من أجل علوم الكتاب المبارك ومع ما قدمت جلالته واعتناء قراء السلف به فقد كاد أن يصبح اليوم مهجورًا. ثم إن مسألة الوقف على رؤوس الآي من المسائل التي رأيت أنها تحتاج إلى بحث وترجيح، وبخاصة وقد اشتهر فيها القول الذي هو خلاف الراجح، إذ الراجح فيها التفصيل لا الإطلاق كما سيتبين إن شاء الله تعالى. فأردت أن أبين الراجح فيها بدليله وتعليله وأنقل ما لمحققي العلماء من الكلام فيها. فإن النظر في دلائل المسائل العلمية والبحث عن مذاهب الأئمة والعلماء فيها حق على أهل العلم وطالبي التحقيق وإن قنع بمجرد التقليد من قنع. وأما التسوُّر على العوام والتسرع في الترجيح، وإهمال النظر

стр. 4

في كلام العلماء بمجرد الوقوف على بعض الأدلة من غير جمع ولا تأني، فذلك علامة قلة البصيرة العلمية وضعف الهيبة الإيمانية. وإذا ما بحثت المسائل العلمية على وفق القواعد المعتبرة وتبين للباحث القول الراجح فلا شك أن ذكره لوجه رجحانه ولو ببسط الأدلة أمر مفيد. وبهذا البحث يتبين جواب سؤال مهم وهو: هل الوقف على رؤوس الآي سُنة وإن اشتد تعلق الآية بما بعدها؟ وبه يظهر مرتبة الحديث الوارد في هذه المسألة، ويعرف قول المحققين من علماء الوقف والابتداء في الوقف على رؤوس الآية. وسأقدم قبل ذلك مقدمة مهمة تتعلق بفضل علم الوقف والابتداء وبأهميته، وبعد ذلك يكون الكلام إن شاء الله مفصلاً على الحديث الوارد في مسألة الوقف على رؤوس الآي بتخريجه وبيان ألفاظه و الكلام على طرقه ورجاله، وأقوال العلماء فيه، ثم في مسألة الوقف على رؤوس الآي وأقوال علماء الوقف فيها وبيان الراجح من ذلك .. وبالله التوفيق.

стр. 5

معنى الوقف والسكت والقطع الوقف، والسكت، والقطع، عبارات يختلف مقصود القراء بها والصحيح عند المتأخرين التفريق بينهما فالقطع: ترك القراءة رأسًا فإذا قلنا قطع القراءة فمعنى ذلك انتقاله إلى حالة أخرى غير القراءة كترك القراءة بالكلية أو الركوع أو الكلام بغير القرآن، وهذا يستعاذ بعده للقراءة. والوقف: (قطع الصوت زمنًا يتنفس فيه عادة بنية استئناف القراءة) وهو المقصود بهذا البحث وهو المراد في فن الوقف والابتداء فلا يقصدون بقولهم الوقف هنا: تام أو كاف أو حسن أو قبيح، القطع للقراءة بالكلية ولا يقصدون بذلك السكت الذي هو: عبارة عن وقف بلا تنفس، وزمن السكت دون زمن الوقف عادة فهو (قطع الصوت زمنًا يسيرًا ومقداره حركتان من غير تنفس، بنية العود إلى القراءة في الحال (١) وفي الشاطبية:

стр. 6

وسكتهم المختار دون تنفُّسٍ ... وبعضهم في الأربع الزهر بسملا (١) قال الإمام أبو شامة المقدسي: (الإشارة بقولهم "دون تنفس" إلى عدم الإطالة المؤذنة بالإعراض عن القراءة (٢) وقد يكون السكت في وسط الكلمة كالسكت على "شيء" في قراءة حمزة ويكون في آخر الكلمة نحو السكت على: ﴿عِوَجَا * قَيِّمًا﴾ [الكهف: ١، ٢] ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: ١٤] و ﴿مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ [يس: ٥٢] في قراءة حفص قال الشاطبي.

стр. 7

وسكتة حفص دون قطع لطيفة ... على ألف التنوين في عوجًا بلا وفي نون من راقٍ ومرقدنا ولا ... م بل ران والباقون لا سكت موصلا ومن أئمة القراء من يصفها بوقفة خفيفة أو يسيرة (١) ومنهم من ينعتها: بـ وُقيفة كما صنع أبو العلاء الهمذاني (٢). والكلام على توجيه ما انفرد به حفص هنا من السكت ليس هذا موضعه. ومن المعلوم أن السكت مقيد بالرواية والسماع (٣).

стр. 8

أهمية علم الوقف والابتداء إن القارئ للقرآن الكريم لا بد أن يقف لانقطاع نفسه، وحيث وقف مختارًا فعليه أن يختار الوقف الذي لا يخل بالمعنى .. ووقفه إما وقف اضطرار أو وقف اختيار. فوقف الاضطرار لا عتب على القارئ فيه، لكن عليه أن يستأنف ويحسن الابتداء ويتخير حُسن الوقف، فبذلك تظهر المعاني ويتبين إعجاز القرآن، قال ابن الجزري. (لما لم يمكن القارئ أن يقرأ السورة أو القصة في نفس واحد، ولم يجز التنفس بين كلمتين حالة الوصل، بل ذلك كالتنفس في أثناء الكلمة وجب حينئذ اختيار وقف للتنفس والاستراحة وتعين ارتضاء ابتداء بعد التنفس والاستراحة) (١) أ. هـ. ولقد دلت الأدلة على أهمية مراعاة الوقف والابتداء؛ وثبت واشتهر اعتناء السلف بذلك. قال تعالى: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل: ٤] فهذا أمر من الله تعالى بترتيل القرآن، وندب منه سبحانه للعباد إلى ترتيل كلامه المنزل؛

стр. 9

ومراعاة الوقوف داخله في ذلك إن شاء الله تعالى، قال ابن عباس ﵄ في قوله: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾. (بينه تبيينًا) (١) وقال الحسن: اقرأه قراءة بيِّنة. وقال مجاهد: بعضه على إثر بعض على تؤدة وقال أيضًا: (ترسَّل فيه ترسُّلا) (٢). قال الإمام ابن كثير رحمه الله تعالى: (اقرأه قراءة على تمهل، فإنه يكون عونًا على فهم القرآن، وتدبره) أ. هـ (٣). وقال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ [الرحمن: ١ - ٤].

стр. 10

قال ابن النحاس: (من التبيين تفصيل الحروف والوقف على ما تم معناه منها) أ. هـ (١) وقد حكى ابن النحاس وأبو عمرو الداني وغيرهما، إجماع العلماء على أهمية مراعاة الوقف والابتداء (٢)، واستدلوا على ذلك بقول عبد الله بن عمر ﵄: (لقد عشنا برهة من دهرنا، وإن أحدنا ليؤتى الإيمان قبل القرآن، وتنزل السورة على محمد ﷺ ، فنتعلم حلالها، وحرامها، وما ينبغي أن يوقف (٣) عنده منها، كما تتعلمون أنتم اليوم القرآن، ولقد رأيت اليوم رجالاً يؤتى أحدهم القرآن قبل الإيمان، فيقرأ ما بين فاتحته إلى خاتمته ما يدري ما آمره ولا زاجره، ولا ما ينبغي أن يوقف عنده منه، وينثره نثر الدقل (٤)).

стр. 11

رواه الطبراني في الأوسط (١)، وابن النحاس (٢)، والحاكم وقال: صحيح على شرط الشيخين ولا أعرف له علة، ووافقه الذهبي (٣)، والبيهقي (٤)، وسنده جيد.

стр. 12

والشاهد منه قوله: (وما ينبغي أن يوقف عنده منها) وبه استدلَّ ابن النحاس (١)، والداني (٢) وغيرهم من علماء القراءات والوقف (٣)، وعبارة الداني (ففي قول ابن عمر دليل على أن

стр. 13

تعليم ذلك توقيف من رسول الله ﷺ وأنه إجماع من الصحابة ﵃ (١) أ. هـ فهذا دليل قد ذكره كثير من العلماء مستدلين به على الوقف والابتداء، وقد عارض ذلك الشيخ ملا القاري في شرحه على الجزرية بعد أن ذكره بقوله: (ولا يخفى أن قوله: (وما ينبغي أن يوقف عنده منها) لا يبعد أن يراد به الآيات المتشابهات في معناها، فليس في الحديث نص على الوقف المصطلح عليه) أ. هـ (٢)، أقول كلا المعنيين محتمل من جهة اللفظ، وقوى الاحتمال الأول كلام أولئك الأئمة في الاستدلال به على مراعاة الوقوف. وروى الإمام أبو عمرو الداني عن ميمون بن مهران (٣) التابعي قال: (إني لأقشعر من قراءة أقوام يرى أحدهم حتمًا عليه ألا يقصر عن العشر، إنما كانت القراء تقرأ القصص إن طالت أو قصرت يقرأ أحدهم اليوم ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ

стр. 14

قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ [البقرة: ١١] ويقوم في الركعة الثانية فيقرأ: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ﴾ [البقرة: ١٢]) (١) أ. هـ، ثم قال أبو عمرو رحمه الله تعالى: (هذا يبين أن الصحابة ﵃ كانوا يتجنبون في قراءتهم القطع على الكلام الذي يتصل بعضه ببعض، ويتعلق آخره بأوله لأن ميمون بن مهران إنما حكى ذلك عنهم إذ هو من كبار التابعين وقد لقي جماعة منهم) أ. هـ (٢). واشتهر اعتناء السلف رحمهم الله تعالى، بهذا العلم حتى عد ابن الجزري ذلك متواتر عنهم (٣)، وكانوا يعتنون بذلك حال الإقراء، قال ابن الجزري: (صح بل تواتر عندنا تعلمه والاعتناء به من السلف الصالح، كأبي جعفر يزيد بن القعقاع إمام أهل المدينة الذي هو من أعيان التابعين، وصاحبه الإمام نافع بن أبي نعيم، وأبي عمرو بن العلاء، ويعقوب الحضرمي وعاصم بن أبي النجود وغيرهم من الأئمة وكلامهم في ذلك معروف، ونصوصهم عليه مشهورة في الكتب، ومن ثم اشترط كثير من أئمة الخلف على الْمُجيز

стр. 15

ألا يُجيز أحدا إلا بعد معرفته الوقف والابتداء. وكان أئمتنا يوقفوننا عند كل حرف، ويشيرون إلينا فيه بالأصابع، سُنة أخذوها كذلك عن شيوخهم الأولين) أ. هـ (١). وقد حض العلماء على تعلم الوقف والابتداء والعمل به، وبينوا عظيم فضيلته، وذلك مذكور في مقدمات كثير من كتب الوقف والابتداء، وفي كثير من كتب فن التجويد ومضمن في كتب علوم القرآن، فمما قالوه قول ابن الأنباري رحمه الله تعالى: (من تمام معرفة القرآن ومعانيه، وغريبه معرفة الوقف والابتداء فيه، فينبغي للقارئ أن يعرف الوقف التام، والوقف الكافي الذي ليس بتام، والوقف القبيح الذي ليس بتام ولا كاف) أ. هـ (٢). وقول ابن النحاس: (قد صار في معرفة الوقف والاستئناف التفريق بين المعاني، فينبغي لمن قرأ القرآن أن يتفهم ما يقرأه ويشغل قلبه به ويتفقد القطع والاستئناف ويحرص على أن يُفهِم المستمعين في الصلاة وغيرها، وأن يكون وقفه عند كلام مستغن أو شبيه وأن يكون ابتداؤه حسنًا) أ. هـ (٣).

стр. 16

وقول الإمام الداني: (معرفة ما يتم الوقف عليه وما يحسن وما يقبح من أجل أدوات القراء المحققين والأئمة المتصدرين وذلك مما تلزم معرفته الطالبين وسائر التالين إذ هو قطب التجويد وبه يوصل إلى نهاية التحقيق) أ. هـ (١). ولأنه يتوصل بهذا العلم لفهم القرآن جعل الأئمة تعلمه أمرًا لا بد منه لمن أراد معرفة معاني القرآن واستنباط الأدلة منه (٢)، وجعلوا ذلك مما يعين على الغوص على فرائد القرآن ودرره (٣). وقال علم الدين السخاوي ﵀: (ففي معرفة الوقف والابتداء الذي دونه العلماء تبيين معاني القرآن العظيم وتعريف مقاصده وإظهار فوائده، وبه يتهيأ الغوص على درره وفرائده) (٤).أ. هـ. فهذا العلم ينفتح بتعلمه وإعمال الفكر فيه من مقاصد القرآن ومعانيه شيء عظيم، فالقارئ إذا لم يراع الوقف بحسب

стр. 17

المعنى فلن يفهم المعنى، وربما فوت على السامع فهم المعنى وقد لا يظهر بذلك وجه الإعجاز (١). ولذا فإن معرفته متأكدة وفي ذلك يقول الصفاقسي: (ومعرفة الوقف والابتداء متأكدة غاية التأكيد إذ لا يتبين معنى الكلام ويتم على أكمل وجه إلا بذلك. أ. هـ (٢). ويقول المقرئ أبو الأصبغ بن الطحان الأندلسي: (أليس من الخطأ العظيم أن يقرأ كتاب الله تعالى فيقطع على القطع يفسد به المعنى .. إلخ) أ. هـ (٣)، ولأهمية علم الوقف والابتداء ذكر الأئمة أن إتقانه ومعرفته يحتاج إلى معرفة علوم أخرى. قال الإمام أبو بكر بن مجاهد رحمه الله تعالى: (لا يقوم بالتمام إلا نحوي عالم بالقراءة عالم بالتفسير، عالم بالقصص وتلخيص بعضها من بعض، عالم باللغة التي نزل بها القرآن).أ. هـ (٤).

стр. 18

وقد تكلم علماء الوقف والابتداء على جميع الآيات والجمل القرآنية، وبينوا ما يصلح الوقف عليه، وما لا يصلح، ونهوا عن الوقف على وقوف بعينها، ووضعوا لذلك قواعد، كقولهم لا يوقف على المبتدأ دون خبره، ولا على الشرط دون جزائه إلى غير ذلك مما ذكروه ومثلوا له واختلفوا في بعضه. وذكروا الوقف التام، وما دونه، وبينوا الوقوف، وحرروا الكلام على المعاني مستمدين من النقول في التفسير والحديث والأثر ومعتمدين على العربية، فكما بنى المفسرون كلامهم على ذلك بنى علماء الوقف والابتداء وأفادوا من التفاسير وأضافوا فوائد كثيرة. وربما نقل عنهم كبار المفسرين، كما يوجد من نقل القرطبي وغيره من كتاب الإمام ابن الأنباري الإيضاح في الوقف والابتداء، وهو من أجلِّ من صنَّف في هذا الفن وكتابه مطبوع. وقد اعتنى به أئمة القراء تصنيفًا وإقراء. وهو من أوائل العلوم الإسلامية التي صنف فيها المتقدمون من السلف. ومن تصانيف المتقدمين في هذا العلم المبارك: كتاب شيبة بن نصاح مولى أم سلمة ﵂ أتي به إليها وهو

стр. 19

صغير فمسحت رأسه ودعت له. وثقه النسائي وغيره (ت: ١٣٠هـ) (١) جعله ابن الجزري أول من صنف في هذا وقال: (كتابه مشهور) (٢). ومقطوع القرآن وموصوله: لعبد الله بن عامر اليحصبي (ت: ١١٨هـ) ذكر كتابه ابن النديم، ولم أجده عند غيره وابن عامر أقدم من شيبة وفاة وشيوخًا وقد تعاصرا، كما يظهر من وفاتهما وترجمتهما، ولذا ذكرهما الحافظ الذهبي

стр. 20

في معرفة القراء في طبقة واحدة (١)، فلا يمتنع أن يكون كتاب شيبة أقدم، وإن كان عبد الله بن عامر أكبر سنًا على أن كتاب شيبة بن نصاح أشهر. كما ألف فيه من القراء السبعة: أبو عمرو بن العلاء (ت: ١٥٤هـ) إمام النحو والعربية وأحد القراءة السبعة وكتابه من الكتب التي ورد بها الخطيب البغدادي إلى بغداد وحصل على إجازة بروايته (٢)، وحمزة بن حبيب الزيات المقرئ الزاهد أحد القراء السبعة (ت ١٥٦) (٣) ونافع بن أبي نعيم إمام أهل المدينة أحد القراء السبعة (ت: ١٦٩هـ) (٤) وعلي بن حمزة الكسائي (ت: ١٨٩) إمام العربية وأحد القراء السبعة (٥)، وغيرهم من أئمة القراء المشهورين في مختلف العصور

стр. 21

والأمصار، كما صنف فيه أيضًا الأئمة المشهورون من علماء العربية كالفراء، وأبي عبيدة معمر بن المثنى والأخفش الأوسط، وأبي حاتم سهل السجستاني وغيرهم. ومن العلماء الأثبات المتقدمين الذين ذكروا بعض المصنفات التي صنفت في القرن الثاني الإمام ابن النحاس فإنه ذكر كتاب يعقوب (١)، ونافع وقال: (لست أعلم أحدًا من القراء الأئمة الذين أخذت عنهم القراءة، له كتاب مفرد في التمام إلا نافعًا، ويعقوب فإني وجدت لكل واحد منهما كتابًا في التمام، وإن كان غير نافع ويعقوب من القراء قد ذكر في التمام شيئًا فليس يخلو أمره من إحدى جهتين، إما أن يكون ليس له شهرتهما وإما أن يكون ليس مثلهما. أ. هـ (٢). وما ذكره رحمه الله تعالى هو بحسب ما اطلع عليه، وإلا فإن بعض أئمة القراء المشهورين لهم كتب في الوقف والابتداء كما تقدم. لكن لعل مؤلفاتهم لم تكن لها شهرة

стр. 22

كتابي نافع ويعقوب فيصح ما قاله الإمام ابن النحاس. وقد جمعت المصنفات في الوقف والابتداء وتتبعت ما ذكره أصحاب الرسائل الجامعية في هذا وزدت عليه قريبًا من الضعف وسأخرجه إن شاء الله تعالى مع كتاب جامع في الوقف والابتداء مبينًا فيه بحسب ما عثرت عليه المطبوع من المخطوط من غيره. وقد ثبت بما تقدَّم أن مراعاة الوقوف في القرآن الكريم، مما تدل الأدلة على أهميه؛ وأما تقدير الموقوف عليه بالتام، والكافي، والحسن، والقبيح، ونحو ذلك من الألقاب الاصطلاحية، فهو جائز بناء على ما تقدم من ثبوت مراعاة الشرع للوقوف، وينبني على ذلك تقدير العلماء لمواضع الوقوف، ووصفهم لها بوصف مناسب للحال، إذ لا مشاحة في الاصطلاح ما لم يمنع منه مانع صحيح، ولذا اختلفوا في هذه الاصطلاحات اختلافًا مشهورًا، ولكنهم اتفقوا على أهمية معرفة القارئ مواضع الوقوف، وتحريه الوقف على ما لا يخل بالمعنى. ولولا أني جعلت هذه الرسالة متعلقة بحكم الوقف على رؤوس الآي لفصلت القول في أقسام الوقف عند علمائنا ﵏ (١).

стр. 23

عبارات منقولة عن السلف في الوقف وقد جاء عن السلف ﵏ عبارات في الوقف على بعض الآيات، من ذلك قول الشعبي: (إذا قرأت: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ فلا تسكت حتى تقرأ ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٦، ٢٧]). وقد صححه عن الشعبي الإمام ابن الجزري (١). وقال أبو نهيك الأسدي (٢) رحمه الله تعالى: (إنكم تصلون هذه الآية وإنها مقطوعة: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران: ٧] (٣) فانتهى

стр. 24

علمهم إلى قولهم الذي قالوا أ. هـ (١). ومراده أن الوقف تام على ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللهُ﴾ ثم يبتدأ ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ فهم لا يعلمون تأويل المتشابه ولكنهم يكلون علمه إلى الله تعالى (٢)، وعليه فـ"الواو" لاستئناف خبر عن الراسخين في العلم وليست عاطفة، و (الراسخون) على هذا مبتدأ خبره (يقولون آمنا به) والقول بأن الراسخين في العلم لا يعلمون تأويل المتشابه هو الصحيح، وهو مروي عن أبي كعب ﵁ وعبد الله بن مسعود وعائشة وعبد الله بن عباس في رواية طاووس عنه (٣)، وهو الصحيح عنه (٤)، وبه قال أكثر السلف، منهم عمر بن عبد العزيز والحسن وعروة وقتادة والضحاك (٥).

стр. 25

قال ابن النحاس: (رويناه عن نيف وعشرين من الصحابة والتابعين والقراء والفقهاء وأهل اللغة) (١). وقد اختاره مالك (٢)، والفراء (٣)، أبو عبيد وابن الأنباري والخطابي (٤)، الداني (٥)، والسمعاني (٦)، والبغوي (٧)، وفخر الدين الرازي (٨)، وأبو حيان (٩)، والسيوطي (١٠)، والشوكاني (١١)، وشهاب الدين الآلوسي (١٢)، واختاره أيضًا القاضي أبو يعلى رحمه الله تعالى وقال: (إنه أشبه بأصولنا) (١٣)، وقال ابن

стр. 26

النجار: (إنه الأصح المختار) (١)، وقال المرداوي (٢): (وهو المختار وهو قول السلف) (٣)، وقال الخطابي: (هو مذهب أكثر العلماء) (٤)، وهو الراجح لوجوه: منها: أن في قراءة أبي بن كعب وابن مسعود، وابن عباس ﵃ ما يرجح ذلك ففي قراءة أبي (٥)، وعبد الله بن عباس: (ويقول الراسخون في العلم آمنا به) (٦)، وفي قراءة ابن مسعود: (إن تأويله إلا عند الله) (٧)، وهذه القراءات

стр. 27

احتج بها العلماء لهذا القول وهو استدلال صحيح وإن لم تكن متواترة فإنها على أقل الأحوال كالتفسير الثابت عن كبار الصحابة ولذا قال الحافظ ابن حجر والسيوطي في قراءة ابن عباس: (أقل درجاتها أن تكون خبرا بإسناد صحيح إلى ترجمان القرآن فيقدم قوله في ذلك على من دونه) أ. هـ (١). ولا شك عندي أنها أقوى من التفسير لأنها خبر صحيح عن قراءة صحابة أجلاء علماء، فهم قد تلقوا ذلك .. وفي الآية قرائن تدل على أن الله سبحانه منفرد بعلم تأويل المتشابه (٢) منها: أنه تعالى ذم متبعي المتشابه ابتغاء الفتنة وابتغاء معرفة تأويله، فلو كان ابتغاءهم تأويله ممدوحًا ما ذمهم بذلك ثم سكت عن التفصيل في موضع يحتاج الخلق فيه للبيان. وهذه الآية الكريمة مفصلة لحكم صنفين من المسلمين، الراسخون في العلم، وغيرهم، فأهل الرسوخ أخبر الله عن مقالتهم أنهم يقولون: (آمنا به كل من عند ربنا) فالمحكم

стр. 28

والمتشابه من عند ربنا ونحن نؤمن بهما. ولأن المعنى على الوقف على (إلا الله) أظهر إعرابًا وأقيس في العربية (١) فـ (الراسخون في العلم) مبتدأ خبره: (يقولون آمنا به) كما تقدم. وهذا الإعراب هو الظاهر وإن جعلت الواو عاطفة فيقولون حال، وقيل: خبر والمبتدأ محذوف (٢). قالوا: ولم يقل الله تعالى (والراسخون في العلم يقولون علمنا به) وجرى هذا مجرى قول القائل: ما يعلم ما في البيت إلا زيد وعمر ويقول: آمنا به، ومعناه أنه مصدق له، ولا يقتضي مشاركته في العلم بما في البيت (٣). القول الثاني: أن يصل القارئ ثم يقف على قوله تعالى: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ٧] وعليه فالراسخون في العلم يعلمون تأويل المتشابه ويقولون آمنا به، وهم بذلك داخلون في الاستثناء وهذا قول مجاهد ورواه عن ابن عباس قال: (إنا

стр. 29

ممن يعلم تأويله) (١). وبه قال: محمد بن جعفر بن الزبير والربيع بن أنس وابن قتيبة وعلي بن سليمان الأخفش وأبو سليمان الدمشقي واختاره أيضًا: الخطيب البغدادي في كتابه الفقيه والمتفقه وابن الحاجب والنووي (٢). وقد نسب القول به إلى طائفة يسيرة من أهل السنة (٣)، وتكلم في صحة هذا القول عن مجاهد، قال ابن الجوزي: قال ابن الأنباري: (الذي روى هذا القول عن مجاهد، ابن أبي نجيح (٤)، ولا تصح رواية التفسير عن

стр. 30

مجاهد) أ. هـ (١) وعزي هذا القول إلى أكثر المتكلمين (٢)، ونصره أبو البقاء العكبري (٣) كما عزي إلى ابن عطية (٤)، وقد فصل في تفسيره في المسألة و اختار أنه لا يعلمه على الكمال إلا الله تعالى، وقال: (هذه المسألة إذا تأملت قرب الخلاف فيها من الاتفاق، وذلك أن الله تعالى قسم آيات الكتاب قسمين: محكمًا ومتشابهًا فالمحكم هو المتضح المعنى لكل من يفهم كلام العرب لا يحتاج فيه إلى نظر، ولا يتعلق به شيء يلبس، ويستوي في علمه الراسخ وغيره، والمتشابه يتنوع، فمنه ما لا يعلم البتة، كأمر الروح، وآماد

стр. 31

المغيبات التي قد أخبر الله بوقوعها إلى سائر ذلك، ومنه ما يحمل على وجوه في اللغة ومناح في كلام العرب، فيتأول تأويله المستقيم) أ. هـ (١)، قل: هذا حسن في الظاهر لكن دخل من بعض أبوابه أهل الكلام والمبتدعة بتأويلات اخترعوها لم يقلها السلف، وهي درجات في الخطأ والبدعة ... واحتجوا بأدلة: ١ - أن الخطاب بما لا يعلم معناه بعيد .. وأجاب الأولون عن الدليل الأول: بأن الله تعالى يجوز أن يكلفهم الإيمان بما لا يطلعون على تأويله ليختبر طاعتهم، قالوا كما اختبرهم بالحروف المقطعة مع أنه لا يُعلم معناها (٢) على الصحيح. ٢ - أنه لو لم يكن الراسخون يعلمون تأويله لم يكن لهم فضيلة على غيرهم، لأن الجميع يقولون آمنا به، وأجابوا عن الثاني: بأن المزية ثابتة لهم بمعرفة غيره من الأحكام فهم راسخون في العلم لمعرفتهم معاني المحكم، وعملهم بما علموا، وتورعهم عن القول فيما لا يعلمون.

стр. 32

٣ - أن ذلك يفضي إلى أن يتعبد بالشيء المجهول، وأجابوا عن هذا بأن التعبد بالشيء المجهول غير ممتنع كما تعبدنا بالإيمان بالملائكة وبالرسل وإن لم نعرف جميعهم وتعبدنا بالإيمان بالكتب وإن لم نعرف ما فيها. ٤ - ولأن الله لم ينزل في كتابه شيئًا إلا وقد جعل للعلماء طريقًا إلى معرفته (١)، وأجابوا عن هذا: بأن الله تعالى أنزل أشياء وليس إلى معرفتها سبيل كمعرفة كنه صفاته سبحانه وكيفيات أفعاله وغير ذلك وهذا الأخير بمعنى الدليل الأول (٢). ومن الأدلة التي ذكرت لهذا القول قوله تعالى: ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩] قالوا على قولكم ليس في القرآن بيان المشكل. وهذه الآية يجاب عنها بالجواب المشهور وأنها لا تقتضي جميع الأشياء كما قال تعالى: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣] ولم تؤتَ مثل ذكر الذكر ولحيته ولا ما أوتي سليمان في ملكه، وهذا معروف في لغة العرب فلا يطول بتفصيله (٣).

стр. 33

ومن الأدلة التي ذكرت لهذا القول قول الزركشي: (إن الكل قائلون به لأننا لم نر المفسرين إلى هذه الغاية توقفوا عن شيء من القرآن فقالوا متشابه بل أمروه على التفسير حتى فسروا الحروف المقطعة) أ. هـ (١). وقد يجاب عن هذا الإيراد: بأن العلماء وإن كانوا لم يتركوا آية من القرآن إلا وكلموا عليها إلا أنه لا يعلم أي الوجوه المحتملة هو الحق إلا الله فتعيين المراد من هذه الوجوه لا يعلمه إلا الله قال الإمام الوزير الصالح عون الدين يحيى بن هبيرة: (ما من آية من القرآن إلا وقد فسرها العلماء، لكن لا يعلم المراد من تلك الوجوه المحتملة إلا الله).أ. هـ (٢). بشيء من الاختصار. وأعظم أسباب اختلاف العلماء في هذه المسألة مبني على

стр. 34

اختلافهم في المحكم والمتشابه وأي شيء أريد بهما (١)، وذلك للاشتراك اللفظي في لفظ التأويل (٢). ومن العلماء من فصَّل في هذا المقام، وقال التأويل يطلق في القرآن ويراد معنيان: أحدهما: التأويل بمعنى حقيقة الشيء التي يئول إليها أي يرجع إليها، ومنه قوله تعالى: ﴿هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ﴾ [يوسف: ١٠٠] وقوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ﴾ أي حقيقة ما أخبروا به من أمر المعاد، فعلى هذا الوقف على "إلا الله" لأن حقائق الأمور لا يعلمها على الجلية إلا الله. ويرد التأويل بمعنى التفسير والبيان، كما قال تعالى: ﴿نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ﴾ [يوسف: ٣٦] يعني تفسره، فالوقف على هذا على: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ لأنهم يعلمون ما خوطبوا به على هذا الاعتبار (٣).

стр. 35

وعلى هذا إن حمل المتشابه على ما استأثر الله بعلمه كوقت قيام الساعة ونحو ذلك فالوقف على: (إلا الله) وإن حمل على ما لا يتضح معناه إلا بمزيد فحص فالوقف على قوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ (١) لكن هذا التنويع هنا نظري لا عملي بمعنى أن الوقف لا بد فيه من ترجيح أحد الوجهين وكذلك المعنى. وهل يعقل أن يقول عالم من علماء المسلمين إن الراسخين في العلم يعلمون ما استأثر الله بعلمه؟ أو يعلمون وقت قيام الساعة ونحو ذلك؟ هذا معلوم، ولكن يقال: من فهم من معنى التأويل التفسير، جعل الوقف على (إلا الله) ومن فهم من معنى: التأويل: الحقيقة التي يئول الكلام إليها، فهو يقف عند قوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾. ولكن نسبة ذلك إلى السلف فيه تحكم فإن من قال بذلك من السلف لم يقولوا قلنا بالوقف على: (إلا الله) لأننا نرى أن معنى التأويل: ينصرف إلى الحقيقة التي استأثر الله بعلما لا بمعنى التفسير، لأنه قد اشتهر في كلامهم إطلاق التأويل على المعنى والتفسير فيمكن أن يكونوا فهموا من التأويل: التفسير والبيان أو الحقيقة التي يئول إليها الشيء. وقد ثبت عندنا اختيارهم الوقف على (إلا الله) وأنه لا

стр. 36

يعلم تأويل المتشابه إلا الله، وقيل إن الخلاف في ذلك لفظي، فإن من قال: الراسخون في العلم يعلمون تأويله أراد به أنه يعلم ظاهره لا حقيقته ومن قال: لا يعلم أراد به لا يعلم حقيقته وإنما ذلك إلى الله تعالى (١). ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: (لم يقل في المتشابه: لا يعلم تفسيره ومعناه إلا الله، وإنما قال: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللهُ﴾ وهذا هو فصل الخطاب بين المتنازعين في هذا الموضع، فإن الله أخبر أنه لا يعلم تأويله إلا هو والوقف هنا كما دل عليه أدلة كثيرة .. ولكن لم ينفِ علمهم بتفسيره .. والله ورسوله إنما ذم متبعي المتشابه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، فأما من تدبر المحكم والمتشابه كما أمره الله وطلب فهمه ومعرفة معناه فلم يذمه الله تعالى .. ) أ. هـ باختصار (٢). وفي المسألة مذهبان آخران غير مشهورين وهما ضعيفان: الأول منهما: أن الوقف على (إلا الله) ويعلمه

стр. 37

الراسخون، وإنما امتنع العطف لمخالفة علم الله لعلم الراسخين (١). والقول الثاني: القول بالوقف فلا يجزم بأحد هذه الأقوال لتعارض الأدلة (٢)، ومعلوم أن هذا القول لا يمكن العمل به في الوقف، لأنه إن وصل فقد عطف الراسخين في العلم، وأشركهم مع الله تعالى في معرفة تأويل المتشابه، فإن وصل القارئ ووقف على قوله تعالى: ﴿آمَنَّا بِهِ﴾ فالوقف عليها صالح كما قاله صاحب المرشد، فإنه قال: (الوقف على ﴿آمَنَّا بِهِ﴾ صالح على المذهبين).أ. هـ (٣). والراجح أن الخلاف في الأصل ليس بلفظي لأن المتشابه مختلف في المراد به وعلى هذا الخلاف ينبني الخلاف في الوقف كما تقدم. وقول أكثر العلماء وهو أن الوقف على لفظ الجلالة أصح، وهذا القول يؤيده ظاهر النظم القرآني، والأدلة التي تقدمت عند ذكره قوية، ولو لم يكن فيها إلا القراءات الثابتة

стр. 38

عن الصحابة لكان فيها دلالة قوية على ترجيحه، فكيف وقد انضاف إلى ذلك غيرها مما تقدم، هذا مع أنه لم يثبت عن الصحابة غيره. ورواية مجاهد عن ابن عباس معارضة برواية طاووس وهي أصح كما قاله السيوطي (١). بل حكى الإمام أبو المظفر السمعاني أن الصحيح رواية طاووس وتقدم قول ابن الأنباري في ذلك وتضعيفه لرواية ذلك عن مجاهد نفسه، وبينت أنه مسبوق إلى الطعن في رواية ابن أبي نجيح التفسير عن مجاهد، ولكن الراجح أنها صحيحة لأن ابن أبي نجيح ثقة وإن كان سمعه من القاسم بن أبي بزة، فالقاسم ثقة أيضًا (٢) فقد علمنا الواسطة بينه وبين

стр. 39

مجاهد في التفسير، فيكون قد دلسه عن القاسم بن أبي بزة، فإن ابن أبي نجيح معدود في المدلسين كما تقدم، لكننا في هذا الموضع نرجح رواية طاووس إذ لم يكتنفها ما اكتنف رواية مجاهد من طريق ابن أبي نجيح. وقال الإمام السمعاني أيضًا في كتابه قواطع الأدلة: (ونقل بعضهم ذلك عن مجاهد ولا أعلم تحققه) أ. هـ. بل زاد على ذلك بأن جعل قول بعض العلماء في اختيار هذا الوقف كبوة من كبوات الجواد (١)، كذا قال رحمه الله تعالى، ولا يبلغ الأمر ذلك، ويزاد على هذه الأدلة، ما ورد عن النبي ﷺ ففي الصحيحين عن النبي ﷺ من رواية عائشة ﵂ قالت: تلا رسول الله ﷺ هذه الآية ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ *﴾ [آل عمران: ٧]. قالت قال رسول الله ﷺ : «فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه

стр. 40

منه فأولئك الذين سمى الله فاحذرهم» أ. هـ (١). فهذا الحديث دال على ذم متبعي المتشابه كالآية (٢). وذلك يدل على مدح من فوضوا علم المتشابه إلى الله تعالى وقد توسع السيوطي رحمه الله تعالى بعض التوسع في ذكر أحاديث وآثار بهذا المعنى تراجع في كتابه وهي دالة كهذا الحديث على ترجيح قول الجماهير (٣). ومعلوم أنَّ القائلين من أهل السنة والجماعة بالقول الآخر، لا يقصدون بعلم الراسخين للمتشابه أنهم يعلمون ما استأثر الله بعلمه كوقت قيام الساعة ونحو ذلك. ولكن يبقى أمور من المتشابه عند بعض العلماء كالحروف المقطعة، وبعض الآيات المتعارضة في الظاهر التي يختلفون في الجمع بينها ولا يوجد مرجح ينقطع به النزاع، ونحو ذلك. وهذه الآية من الآيات التي ينبغي على كل طالب علم أن
следующие страницы →