Полный текст (6 158 стр.). Показаны 2486–2525 · переход к 2491.
стр. 2486
تاريخ وقائع الشهر في العراق وما جاوره
١ - لجنة إصلاح المراسلات الرسمية
أنشئ عندنا في أواسط تموز لجنة سميت (لجنة إصلاح المراسلات الرسمية) غايتها النظر في الألقاب ووضع نظام لها حينما يوجه فيها الخطاب إلى الموظف نفسه لا إلى وظيفته فقر الرأي على أن يكون اللقب الذي يوجه:
إلى حضرة الملكية: صاحب الجلالة الملك.
وإلى ولي العهد: صاحب السمو الملكي
وإلى رئيس الوزراء: صاحب الفخامة
وإلى كل من الوزراء: صاحب المعالي
وإلى رئيس مجلس الأمة: صاحب الدولة (؟ كذا)
وإلى كل من المتصرفين والمديرين العامين ورؤساء المحاكم المدنية وأعضاء محكمة مجلس الاستئناف وإلى أمين الجامعة وإلى كل من رؤساء الكليات: صاحب السعادة (؟ كذا)
وإلى كل من سائر الموظفين من قوام المقامات وما دونهم: حضرة
٢ - سفر ملكنا المحبوب
زايل العاصمة ملكنا المحبوب صباح السبت ٦ آب في الساعة التاسعة والنصف راكباً الطيارة (القاهرة) ومعه كتومه الخاص رستم بك حيدر ومرافقه تحسين بك قدري. وقد شيعه الكبار والصغار.
٣ - الرافد في غباب مليكنا
في الساعة الحادية عشر ونصف من صباح السبت ٦ آب حلف جلالة الملك علي اليمين في البلاط الملكي ليكون رافد (نائب الملك) في غياب أخيه وكأن ذلك بحضور أصحاب المعالي الوزراء ورئيس مجلس الأعيان ونائب رئيس مجلس النواب.
٤ - الأمير ولي العهد
في نحو الساعة الثانية بعد الظهر ٤ آب وصل العاصمة الأمير (غاز) ولي العهد قادما من لندن إلى فرنسة إلى الإسكندرية على الباخرة ومن مصر القاهرة إلى بغداد على الطيارة ومعه الشيخ كاظم الدجيلي
стр. 2487
٥ - الوزراء الجدد
صدرت الإرادة (الملوكية) بتعيين السيد علوان الياسري وزير للأشغال والمواصلات، وعبد الحسين جلبي وزير للري والزراعة، وأمين زكي وزير للمعارف، بعد أن كان إلى الآن وزير للأشغال والمواصلات.
٦ - الأمير زيد
ذهب الأمير زيد لزيارة جلالة والده في قبرص في نحو أواخر تموز.
٧ - الأمير طلال
الأمير طلال نجل الأمير عبد الله غادرة إنكلترا إلى مصر إلى عمان ليزور والده في هذه العاصمة.
٨ - ابن السعود يضرب نقودا جديدة
ضرب السلطان ابن السعود نقودا من ذهب وفضة ومعدن باسمه، وعلى ظهر كل واحدة قيمته وعلى جانبه الآخر: (ملك الحجاز وسلطان نجد عبد العزيز السعود ١٣٤٤)
٩ - المفاوضات بين الحجاز واليمن
ابتدأت المفاوضات بين الإمام يحيى حميد الدين وبين مندوبي الحجاز فحضر الإمام الاجتماع التمهيدي الأول بنفسه ثم اعتذر عن حضور سائر الاجتماعات بسبب كثرة مشاغله.
١٠ - الاحتفال بفتح مجلس الشورى للحجاز
احتفل في ١٤ تموز في مكة بفتح مجلس الشورى الجديد في ردهة الديوان (الملوكي) فتلا حضرة الشيخ حافظ وهبة الخطبة بحضور جلالة الملك وقد أعرب عن ارتياحه إلى شروع
المجلس في عمله وقال أنه رفع التبعة عن نفسه ووضعها في أعناق أعضاء المجلس وأن الحكومة جادة في أعمال الإصلاح والمشاريع النافعة، وأنها الفت لجنة التفتيش والإصلاح وعهدت إليها تفقد دواوين الحكومة والنظر في الاقتراحات لإصلاحها وأن اللجنة أنجزت جانبا من عملها ولا يزال أمامها عمل شاق.
قال: وستعرض عليكم ميزانيات دواوين الحكومة ومشاريع لحفر أبار ارتوازية لشدة الحاجة إلى الماء وتمهيد الطريق بين مكة وجدة وتوسيع شوارع مكة وإصلاح إدارة البريد والبرق ولا سيما بعد أن أنضمت المملكة إلى اتحاد البريد الدولي.
١١ - المتقن الطبي العراقي
أعلنت إدارة الصحة أن من يرغب في دخول هذا المتقن الوشيك الانفتاح عليه أن يقدم طلبه إلى مديرية الصحة العامة قبل نهاية آب الحالي وبيده شهادة
стр. 2488
من مدرسة ثانوية أو مما يعادلها وأن يكون عارفا للغتين العربية والإنكليزية وكل من يتعهد بخدمة الحكومة مدة أربع سنين يدفع خمسين ربية فقط سنويا عن تلقيه الطب وخمسمائة ربية سنويا لمن لا يتعهد بالخدمة.
١٢ - الإسرائيليون في تركية
يبدي الإسرائيليون في تركية ولا سيما الشبان منهم ميلا عظيما إلى إدخال روح التجديد في تقاليدهم الدينية وقد طلبوا إلى كبير الحاخامين في الأستانة أن يسمح لهم بإدخال (الأرغن) في الكنيس لأداء الصلوات والعبادات على ما يفعل النصارى في بيعهم ويرون وجوب تعليم بناتهم تلحين الأدعية والزبور على ذيالك المثال اشتراكا في التمجيد والتبريك مع الشبان. وقد اظهر الربانيون أباء لهذه الأفكار، فأدى هذا الخلاف إلى إقفال الكنيس في حيدر باشا. ولا يزال النزاع شديدا بين القبيلين بين أهل الجديد وأهل القديم.
١٣ - المعتمد السامي في العراق
في صباح ٧ تموز ركب الطيارة السر هنري دبس من دون أن يعلم بسفره أحدا قبل اليوم المعين، فكأن إذن طيرانه فجأة مما أثار في الصدور التأويل الغريبة وبعد أن وصل القاهرة ركب في الإسكندرية الباخرة. . .
وقد ذكر رويتر أنه (ذهب إلى لندن لمقابلة وزير المستعمرات البريطانية ومحادثته في شؤون العراق الداخلية. فأن وجدت آراء المستر أمري موافقة لآراء السر هنري دبس فلا بد من استقالة الوزارة العراقية الحالية وإلا فلا.
وأما سبب الخلاف بين الوزارة والمعتمد فيعود إلى أمرين الأول قانون التجنيد الإجباري. والثاني مقدار ظهور المعتمد السامي في التدخل في شؤون الإدارة الداخلية في العراق. ومن رأي الوزارة أن تنفذ قانون التجنيد الإجباري أن قبلته الندوة (البرلمان) وأن من الواجب عليها أن تظهر أمام القوم العراقي بمظهر استقلال يليق بمقام الحكومات المستقلة. ولكن المعتمد السامي لا يرى هذا الرأي في هذين الأمرين.) اهـ كلام رويتر في ٩ تموز
١٤ - وفاة الدكتور صروف
عندنا إن أكبر عالم شرقي أخرجته البلاد اللسان هو الدكتور يعقوب صروف منشئ المقتطف فأنه جمع في صدره علوم الغرب وفنونه فضلا عن معارف الشرق فكأن أضوء نجم
стр. 2489
سطع في ديارنا بعد قرون عديدة. وقد كان مقتطفة فلكل نقل به خزائن أفكار الغربيين إلى ربوع أبناء يعرب ولهذا تبقى مجلته شرعة يرددها كل كاتب عربي في أي فن أو علم أو صناعة أراد أن ينشئ. وكانت أخلاقه من أطيب ما يكون فبوفاته خسر الشرق أقوى عماد كان له. ولد في الحدث (لبنان) في ١٨ تموز ١٨٥٢ وتوفي في القاهرة في ٩ تموز من سنتنا هذه فيكون عمره ٧٥ سنة وتكاد تكون كاملة.
١٥ - محاولة اغتيال في جزيرة العرب
كتب في العراق أن دبرت في الرياض مؤامرة
وذلك أن الأمير خالد ابن الأمير محمد السعود، شقيق ملك نجد والحجاز عقد خفية عصابة من اتباعه وعبيده لاغتيال أمير الرياض (سعود بن عبد العزيز السعود نجل ملك نجد والحجاز الكبير وولي عهده الشرعي)، ولإعلان عصيانه على صاحب الديار. ولما كان يدري أن الأمر لا يتيسر له - وأن تم له اغتيال الأمير سعود - ما لم يقتل في الوقت نفسه أمير الاحساء، عبد الله ابن جلوى، عمد إلى طائفة من عصابته إلى الاحساء لقتل أميرها المذكور. فضرب لها موعداً - وهو اليوم الذي قرر فيه قتل الأمير سعود ولي العهد.
ولما عقد النية وجاءت الساعة المحتومة أنقلب عليه الدهر وذهبت مساعيه أدراج الرياح أن في الإحساء وأن في الرياض لأنه لما كان يتسلق ليلا جدار دار الأمير هو وأعوانه على سلالم اتخذها لهذه الغاية شعر بهم الحرس فاصلوهم نارا حامية أكرهتهم على الفرار ولا فرار جرادة العيار بعد أن قتل من المهاجمين ثلاثة هذا في الرياض.
وأما في الإحساء فقد تمكن أميرها عبد الله بن جلوى من معرفة أبناء العصابة وما نووا فاعتقلهم
وقد قبض في الرياض على رئيس العصابة وهو الأمير (خالد السعود) فاعتقل، وعلى (نائف أبو الكلاب) أحد رو ساء العجمان المعتقلين في الرياض حينما كان يحاول الهرب. وقد تبين أنه أحد المتآمرين، فأمر الأمير بقتله فقتل رميا بالرصاص.
أما الأمير خالد رئيس العصابة فهو شاب عمره ٢٤ سنة وهو نجل الأمير محمد بن عبد الرحمن شقيق جلالة ملك نجد وزوجته كريمة جلالة الملك
стр. 2490
وحينما وقع الأمر كان والده الأمير محمد يتصيد. والمظنون أنه هو المدبر الحقيقي لهذه المؤامرة وأن لم يثبت ذلك ثبات واضحا
والظاهر أن للمتآمرين أنصار كثيرون ليسوا في الرياض، بل في خارجها. ويقال أن في مقدمة المشجعين لهذه المساوئ الزعيم ابن حميد (بالتصغير). وربما كان للدويش أصبح فيها.
وفي الشتاء الماضي كان الأمير محمد سعود، شقيق جلالة عبد العزيز سعود متهما بممالأة حركة الإخوان، وبأن له اتصالا بالزعيم ابن حميد، فربما كان سموه الأكبر والحقيقي لحركة نجله الأمير خالد. إلا أن الأيام ستكشف الحقائق. فلننتظرها
١٦ - استعفاء القائد ديلي
استعفى القائد ديلي مستشار وزارة الدفاع ومفتش الجيش العراقي العام من منصبه لأن أفكاره في التجنيد الإجباري للعراقيين لم يتفق ورأي المعتمد السامي الذي قاوم ويقاوم هذه الفكرة.
١٧ - بعثة طلبة
تبعث وزارة المعارف هذه السنة إلى المدارس الكبرى في الخارج خمسة وعشرين طالبا لتلقي العلوم العالية وفنون التخصص وصنائعه.
١٨ - عدد أطباء العراق كله
نشرت مديرية صحة العاصمة قائمة تحوي أسماء الأطباء في العراق كله لتوزع على الصيادلة، فكأن نتيجة إحصائهم كما يأتي:
اسم البلد موظف غير موظف المجموع
بغداد ١٨ ٣٥٥٣
البصرة ٥ ١٤١٩
الموصل ٩ ٨١٧
العمارة ٢ ٢٤
اربيل ٢ ٠٢
ديالى ٢ ١٣
الدليم ٣ ٠٣
الديوانية ٢ ٠٢
الحلة ٢ ٣٥
كركوك ٢ ٠٢
المنتفق ١ ٠١
السليمانية ١٠١
الأطباء البريطانيون ١٩ ٠١٩
الهنود ١٥ ٠١٥
الجيش العراقي ٢٠٠ ٢٠
المرتزقة ٣ ٠٣
أطباء للأسنان ١٠٠١٠
البياطرة ١٠ ٠١٠
المجموع١٨٩
стр. 2491
العدد ٤٩
أسرة ترزي باشي
١ - تمهيد
كنا قد نعينا القراء الكنتس سيدي أصفر (٦٤: ٥) ووعدناهم أن نوافيهم بترجمتها وترجمة أسرتها وإلى هذا الحين لم يتسع لنا المجال لإدراج المقال. فجئنا اليوم بهذه السطور إنجازا لما وعدنا به.
تعريف بيت ترزي باشي
في نحو أوائل الربع الأخير من القرن الثامن عشر للميلاد، أقبل من ديار بكر (أمد القديمة) خياط أرمني غير كاثوليكي صناع اليد أسمه: (إلياس آغا ترزي باشي وما كاد يلقي عصاه حتى أقبل عليه أغلب كبار القوم ليخيطوا عنده كل ما يلبسونه من الثياب.
واتفق إن كان في بغداد يومئذ البطريرك يوحنا هرمز أسقف الموصل
стр. 2492
النسطوري سابقا، والبطريرك الكلداني بعد ذلك، وكان قد سامه عمه البطريرك ايليا النسطوري مطرانا سنة ١٧٧٦ ليكون خليفته بعد موته بحق الإرث، على مألوف عادة النساطرة إلى هذا العهد. ولما كان مات عمه ايليا المذكور سنة ١٧٨٠ انتصب على السدة البطريركية وجحد النسطورية وصبأ إلى الكاثوليكية؟ ولكن بقي ردحا من الزمن معدودا مطرانا فقط للموصل حتى أثبت بطريركيته البابا بيوس الثامن سنة ١٨١٠ وكان الحبر الأعظم لاون الثاني عشر أزال في سنة ١٨٢٨ تمييز بطريرك ديار بكر (آمد) عن بطريرك الموصل، وحصر البطريركية في واحد يلقب ببطريرك بابل ويجلس في الموصل.
إذن كان البطريرك حنا هرمز في بغداد سنة ١٨٣٨، فأقنع الياس آغا ترزي باشي بأن ينكر مذهبه ويأخذ بمذهب الكاثوليك ففعل. ولما لم يكن يومئذ للأرمن الكاثوليك كاهن خاص بطائفتهم، انضم إلى الكلدان.
وتزوج الياس آغا ورزق ابنين وابنتين. اسم الابن الواحد (عبوش) (وهو تصغير عبد الله من باب التحبيب) واشتهر بالخياطة كأبيه فلقب هو أيضاً بترزي باشي عند الوالي وأصحاب الأمر وفي مقامه هذا أدى خدما لا تحصى لنصارى بغداد، ولاسيما نجاهم من
مظالم عديدة كانت تحل بهم كل يوم ألوانا - واسم الابن الثاني (خضر) والعامة ترقق الضاد وتقول خدر. - واسم الابنة الواحدة (مروشي) (أي مريم من باب التحبيب) واسم الآخرة (سارة)
ولما شب خضر رسمه البطريرك حنا هرمز شماسا فاشتهر بعد ذلك بالشماس خضر. وتزوج ابنة اسمها مريم فولدت له ولدين وهما الياس وحنا.
стр. 2493
فتزوج الياس مرومة بنت انطون نعيم فرزق منها أربع بنات وابنا.
أما الابن يوسف فذهب إلى إيران للتجارة وأقام في جلفا قرب اصفهان وهناك توفي من غير أن يخلف عقبا. وأما البنات فهن لوسي وكترينة وأشموني وسيدي ريجينة.
فلوسي تزوجت رفائيل بن عبد المسيح المارديني.
وكترينة تأهلت بتوماس بحوش الذي توفي بعد حين فتزوجها واسيلاكي الصيدلي الرومي.
وأشموني تزوجت حنا بن بهنام النقار الذي اشتهر بعد ذلك باسم حنا النقار وهو موصلي الأصل.
أما سيدي ريجينة التي من أجلها قدمنا كل هذه المقدمة فدونك ما نعرف عنها منذ صغرنا.
٣ - الكنتس سيدي أصفر
سيدي ريجينة بنت الياس ابن الشماس خضر بن الياس آغا ترزي باشي الديار بكري (أو الآمدي)، عمدت في ١٥ أيار سنة ١٨٤٦، عمدها القس اندراوس هندي الكلداني وكانت عرابتها هلوش؛ ولما ترعرعت، أظهرت من الذكاء والتقى والعبادة ما ميزها عن جميع أترابها، وقد تلقت آدابها الأولى عن الراهبات الوطنيات اللواتي كن يومئذ في بغداد، وكن يعرفن باسم (عابدات الله)؛ ولما ظهر لها ما في الدنيا من المخاطر، أرادت أن تنتسب إلى الدرجة الثالثة من رهبانية الكرمل، فطلبت إلى رئيس المبعث (وكان يومئذ الأب مارية يوسف ليسوع) أن يعنى بأمرها. فبعثها مع رفيقاتها إلى دير راهبات المحبة في بيروت سنة ١٨٦٨ لتتعلم ما يجب تلقيه قبل أن تنخرط في السلك الذي تتوق إليه.
وفي سنة ١٨٦٩ ذهب الأب مارية يوسف إلى رومة، وفي عودته من رومة مر ببيروت في كنيسة راهبات المحبة نذر الابنة سيدي ريجينة مع سائر
стр. 2494
رفيقاتها تا كوهي وسميت بريجيتة وهي ابنة حنا (أبو الرماح) ابن الشماس خضر بن الياس آغا ترزي باشا وماري
راندكويست.
وبعد ذلك بقليل عادت إلى بغداد بعد أن تعلمت أشغال الإبرة وأصول اللغة العربية والفرنسية.
ولما جاءت إلى بغداد رأت رفيقاتها أنها إذ كاهن وأتقاهن فعينها رئيسة لهن بعد أن فتح لهن دير هو دير المنسوبات إلى الدرجة الثالثة المذكورة.
وكن جميعا عشرا مع الأمل أنهن يزددن مع الزمن، ليساعدن بعد ذلك المرسلين الكرمليين في مهنتهم أي أن الرهبان يعنون بتهذيب البنين والثالثيات والكرمليات بتهذيب البنات.
بقي هذا الدير للراهبات يسير سيرا حسنا، إلا أن القاصد ماري لويس ليون الدمنكي - وكان سابقا رئيس مبعث الدمنكيين في الموصل الذي رسم في ١٧ نيسان ١٨٧٤ قاصدا لما بين النهرين - زار الدير زيارة قانونية فتعجب من تقوى أولئك الثالثيات ومن فقرهن ومن تفانيهن في سبيل حب القريب ونفعه من غير أن يكون لهن وسائل مالية يواصلن بها أعمالهن، ورأى من الواجب أن يطلق الحرية لهن وإن كن قد رضين بحالتهن تلك. وهكذا فرقهن وأباح لهن أن يرجعن إلى بيوتهن أو يذهبن إلى ديارات تغزر فيها وسائل المعيشة، كما أكد لهن أن لا مانع من زواجهن لأنهن لم ينذرن إلا نذر المنسوبات الثالثيات وهذا النذر لا يمنع أصحابه (ذكورا كانوا أو إناثا) من التزوج والعناية بالأولاد. فمن هذه الشواب جماعة ذهبت إلى سائر الديرة وبعضهن أقمن في البيت وأخريات تزوجن.
ولما كان وجود راهبات ضروريا لتهذيب نصرانيات العراق جلب القاصد
стр. 2495
المذكور راهبات تقدمه العذراء الدمنكيات الفرنسيات لهذه الغاية، فجئن في سنة ١٨٨٠ من تور (فرنسة).
أما سيدي فذهبت إلى بيت أهلها محافظة على تقواها وأشغالها داعية الكل بأمثالها إلى حب الفضيلة وتوخي مكارم الأخلاق. فخطبها جبرائيل بن حنوش أصفر وهو شاب مهذب يتعاطى يومئذ التجارة في البصرة وكان معروفا هو أيضاً بكبريات الأعمال وجلائل المبرات. فرضيت به زوجا بعد أن كانت قد رفضت أيدي شبان عديدين لم يكونوا أكفاء لها، بل كانت قد رفضت يد الفاضل جبرائيل نفسه مرارا، إلا أنها لما تحققت أنه يلح في طلبها، رأت في هذا الإلحاح أمرا آتيا من السماء لتنشئ لها بيتا مبنيا على أسس الفضيلة وأعمال البر، إذن تزوجت سيدي في البصرة في ١٠ نيسان سنة ١٨٨٣.
ما كادت سيدي تقترن بالشاب أصفر إلا نظمت البيت على أحسن وجه وعنيت بجميع الموظفين الذين يشتغلون في محل زوجها، كما قامت بالفرائض التي كتبت عليها لتسير طرق التقى والعبادة وحسن السلوك على جميع الخدام الذين كانوا يستخدمون في داخل البيت وكانوا عشرات. وما كانت تفرق بين نصراني وغير نصراني، إذ الجميع كانوا في نظرها أخوة لها لا خدما أو مستأجرين، ولهذا كنت ترى جميع المستخدمين عندها يعزونها ويكرمونها إكرام الأولاد لأمهم، وكان المسلمون في دارها أكثر من النصارى واليهود لما رأوا فيها من عنايتها بهم ذلك الأمر الذي لم يروه في سائر المحلات التي خدموا فيها.
رزقت عدة بنين وابنة واحدة، أما البنون فلم يعش منهم إلا (البر) والابنة الوحيدة التي رزقها الله هي (جوزفين) فربت الولدين بعناية لا توصف إذ جلبت لهما معلمين في بيتها لتقوم هي ببقية ما قد انتدبت له من أمر التهذيب والتأديب.
ومع كل غناها وحسن حالها، ما كنت تراها تلبس الثياب الغنية ولا الحلى وكرائم الحجارة، بل كانت تكتفي بثياب نظيفة لائقة بمقامها، وكانت تكره السهرات والمراقص والولائم والحفلات الكبير، إذ كانت قد تحققت ما تحت ظواهر هذه المواسم من السموم التي لا تبقى ولا تذر
وكان لها ولزوجها صلات بأكابر من وطنين وأجانب ولا يخلو البيت
стр. 2496
من ضيوف ليل نهار، فكانت تقوم بواجبهم بينما كان زوجها معتنيا بأمور التجارة.
وفي سنة ١٩٠٦ منح الحبر الأعظم جبرائيل أصفر لقب (كنت) أو كما يقول سلفنا (كند أو قند وهذا الترفيع لم يغير شيئا في حال الكندة أو الكنتس؛ إذ من كان مقامه من الفضل في مناط العيوق، لا يزيده علوا إذا ما أقر به الغير.
وذهب أهل البيت كله إلى لندن لأشغال التجارة فلم يكن ذلك مما سبب لأصحابه حياة جديدة غير الحياة التي ألفوها في البصرة، والذي انتفعوا منه هو أن الأبوين أدخلا ولديهما في مدرسة عالية في لندن ليتلقيا فيها اللغة الإنكليزية وآدابها ريثما يتم للأسرة انتظام أمورها التجارية فجاءت الإقامة في عاصمة الإنكليز ذات فائدتين: فائدة علمية أدبية وفائدة تجارية.
رجع الجميع من ديار الغرب والمنتسبون إلى هذا البيت الكريم على أتم مثال للفضل والفضيلة وكان كل واحد من أعضائه في رأس عمل بر أو شركة أو جمعية. وكانت
المساعدات التي تبذلها الكندة على الفقراء والمعوزين فوق كل تصوير. وكانت اليد اليسرى تجهل ما تأتيه اليد اليمنى؛ دع عنك أشغال البيت التي كانت تقوم بها خير قيام، فلقد كانت السيدة الكندة مثالا حيا للنشاط والمهمة والسعي إذ لا تدخل بيتها إلا تراها مشتغلة بأمور مختلفة، ولو كان عندها من الخدم والحشم فوق ما يرى في سائر البيوت والدور. وكلما كان الموظفون يرونها على هذا الوجه من الكد والجهد، كانوا ينشطون في العمل ويتعلمون منها تدبير الشؤون في الداخل.
والخلاصة أنه صح فيها كلام سفر الأمثال القائل: لباسها العز والبهاء وهي تفرح في اليوم الأخير. تفتح فاها بالحكمة. وفي لسانها سنة الرحمة. تلاحظ طرق بيتها ولا تأكل خبز الكسل. يقوم بنوها فيغبطونها ورجلها فيمدحها. إن بنات كثيرات أقمن لأنفسهن فضلا، أما أنت ففقتهن جميعا. الظرف غرور والجمال باطل، والمرأة المتقية للرب هي التي تمدح. أعطوها من ثمر يديها ولتمدحها في الأبواب أعمالها.
стр. 2497
السحر الحلال
خلقت وفيا لا أميل إلى الغد ... ومن شيمي أن لا أقر على القهر
وتكره نفسي أن أقول مخادعا ... لأكسب بعض الخير من جانب الشر
ولا أرتضي عيشا وذلا يشوبه ... وأرضا يسود العبد فيها على الحر
وأسدي لمن أسدي الجميل نظيره ... وأجزي الذي أولاني الشكر بالشكر
وأرحل عن أرض إذا الضيم ما بدا ... بساحتها والجور قد جد في أثري
وأصدى ولا أبدي إلى الماء حاجة ... ودجلة حولي ماؤها أبدا يجري
ولست أود المرء ما لم يودني ... ولا خائن عهد الصديق مدى العمر
ولم أصطحب إلا كريما سميدعا ... أشد إذا ما عن خطب به أزري
فإن أنا يوما قد عثرت أقالني ... وقاسمني الأحزان في حالة الضر
أجوب البوادي الجرد في طلب العلا ... فأنجد في نجد وأغور في غور
وأقتحم الأهوال غير محاذر ... وإني لا أرضى من المجد بالنزر
أخو همة في كل أمر أريده ... وللعزم مني يترك الماء كالجمر
وما استصعبت نفسي الصعاب وأنها ... تساوي لديها للسهل والصعب في السير
بذا قد كسبت الحمد من كل موضع ... وخلدت ذكرا باقيا أبد الدهر
تريد الليالي أن تفل عزائمي ... وتبغي لي الأيام كسرا على كسري
بلوت الليالي ليلة بعد ليلة ... فلم أر فيها ما يسر سوى القهر
صبرت على ما حاق بي من مصائب ... كما يصبر الظمآن في زمن الحر
متى أترك الشكوى وأطرح الأسى ... وترقا دموعي بعدما أخذت تجري
يحاربني دهري كأني خصمه ... وحملني مما ينوء به ظهري
كلانا له بأس ولكن بأسه ... شديد وقلب الدهر قد من الصخر
مصائب لا تنفك تترى ولم تزل ... تهاجمني أيان ما سرت أو أسري
стр. 2498
ولكن نفسي الحر ليس يخيفها ... مصائب دهر شأنه الفتك بالحر
مرادي من الدنيا صديق يودني ... ويحفظ مني الغيب في السر والجهر
ولكن ما حاولت صعبا مناله ... ولا صاحب إلا ويجنح للغدر
وإني لفي قوم قليل خيارهم ... يقولون ما لا يفعلون من الأمر
يعدون إحساني إليهم إساءة ... وحلمي جبنا والسكوت من الذعر
أقابلهم بالرفق واللطف تارة ... وأحمل أخرى بالوعيد وبالزجر
يكيد لي الحساد ما الله دافع ... وترمقني الأعداء بالنظر الشزر
يغيظهم أني فتى ذو محامد ... وذو منطق إن قلت على الفور
يغيظهم أني إلى الفضل منتم ... وقد زدت بالآداب فخرا على فخر
أيحتقر الأعداء شئنا وأنني ... لذو أدب يسمو على الأنجم الزهر
يروم أناس نقد شعري جهالة ... وذلك مما لا يقل به قدري
يقولون خل الشعر لست تجيده ... وما أنت من أبناءه السادة الغر
فهذا الذي أذكى بقلبي جذوة ... وهذا الذي مما يضيق به صدري
أيوصف بالجهل الفتى وهو عالم ... وينعت بالبخل الفتى حالة الفقر
ويدعى بذي يسر وليس بموسر ... ويتهم بالإقلال في موقف العسر
أليس القوافي سلمتني قيادها ... وقالت تحكم كيفما شئت في أمري
وما أنا إلا شاعر راق لفظه ... وما الشعر إلا ما نطقت من الشعر
فأبدع إن أنشدت شعري ساحرا ... وكم أنا قد أبدعت في الشعر والنثر
فما النجم مثل البدر عند تمامه ... ولا البدر كالشمس المنيرة في الظهر
ألا فليمت حسادي اليوم أنني ... بشعري ورب الشعر قد جئت بالسحر
وطاولت بالمجد الرواسي وهكذا ... بعزمي بلغت القصد من مسلك وعر
فكم شاعر أعياه شعري ومنطقي ... وجئت بما لم يستطع مثله غيري
ويا رب شعر قاله خير شاعر ... فضل سبيل الشعر من حيث لا يدري
هو الشعر والقوافي سفينة ... وأني ربان السفائن في البحر
стр. 2499
أغوص على الدر الذي في قراره ... وما أحد قد غاص قبلي على الدر
وأنظم منه للحسان قلائدا ... يشع سناها في الترائب والنحر
بغداد: كمال نصرت
(لغة العرب) في هذه القصيدة الحماسية غلو وإغراق واضحان، وكنا نود أن لا يكونا فيها على هذا الوجه المفرط، إذ عصرنا هذا عصر وصف وتحقيق، لا عصر تفاخر وتعاظم؛ ونحن لا نرى مثل هذه الأبيات في قصائد الإفرنج الحماسية لأنها تدل على الأثرة ولا تفيد المجتمع الآدمي شيئا.
بنجوين
بنجوين من قرى العراق الكردية وهي حسنة الموقع والهواء والأرض.
وقد كانت مقر الشيخ محمود. أما الآن فهي مركز مديرية الناحية وفيها يقيم المدير وفوج من جيش العراق. فإذا تم تمهيد الطريق الوعر الذي يصلها بالسليمانية.
ولم يبق منه إلا نحو عشرة أميال، تصبح بنجوين من أحسن مصايف العراق وأطيبها مقاما لمن يعنى بصحته. دع عنك غزارة عيونها وتدفق مياهها وانحدارها على مهاو مختلفة مما يجعل النظر إليها من أبدع المناظر، وهناك الغابات الغضة والأشجار الجبلية التي لا يرى منها في سهول الرافدين؛ أما إثمار الأشجار الطيبة المآكل فحدث عنها ولا حرج، فإنها دانية القطوف. ومما يأنس إليه الغرباء أو الصائفون الثلج ومناظره فإنه يبقى طول أيام الصيف فيجتمع الضدان الأسود (الأخضر) والأبيض في بقعة واحدة وذلك من المشاهد التي لا ترى إلا في ديار الجبال.
وقد فتحت فيها مدرسة ابتدائية وتبرع فخامة جعفر باشا العسكري بالمال اللازم للمعلم وشراء الكتب للأطفال، فاقتحمت المدرسة فدخلها حالا ثلاثون ولدا.
стр. 2500
أوابد الولادة
بعد أن تلد الحبلى تحمي القابلة (الجدة) قدرا بدرجة تحتمل حرارتها ثم تكفأ القدر فتجلس النفساء عليها.
وبعد مرور ثلاثة أيام على الولادة تأتي القابلة (الجدة) وتأخذ المولود وتضع على وجهه كسفة قطن (قطعة من القماش القطني) مهلهل النسج فتذهب به أولا إلى الجوامع ثم إلى محل السجناء ثم إلى المدبغة (المحل الذي تدبغ فيه الجلود) ثم إلى الثكنة العسكرية ثم إلى الصباغ فتنقده شيئا من الدراهم وقليلا من السكر فيضع الصباغ من جميع ما لديه من الألوان على تلك الكسفة (القطعة القطنية) ثم يؤتى به إلى البيت والنساء يقمن بهذه الأمور لكي لا (ينجبس) (أي لا يكبس أي لا يصاب بما يعاكس نموه أو يؤذيه أو يسبب مرضه).
وإذا حل اليوم العاشر من ولادة المولود وضع الطفل في كفن من ميزان كبير ووضع في الكفة الأخرى طين أحمر (من النوع الذي تستعمله العراقيات لغسل الرأس) وبعد أن يعادل به يرمى الطين في البئر. وهن يعتقدن أن ذلك يورث سمنا للطفل وهو مما يرغب فيه له.
وفي اليوم العشرين يعادل الطفل بالأرز (التمن) ثم يتصدق به على الفقراء وفي اليوم السابع أو العاشر تقصد النفساء الحمام فتكسر في كل عتبة من عتبات أبواب الحمام الثلاث ثلاث بيضات وتوقد الشموع ثم يلطخ وجهها بشيء أحمر يسمى (دم الأخوين) حتى يصبح وجهها أحمر قانئا والنساء يعتقدن أن دم الأخوين يطرد عن النفساء شر الجنية المسماة (أم الآل) (ومعناها أم الأحمر) ومن دأب هذه الجنية أنها تنهب قلب النفساء الذي هو أحمر.
وفي اليوم الأربعين تقصد النفساء الحمام أيضاً فتسكب أربعين طاسا من الماء الحار: عشرون منها على رأسها والعشرتان الباقيتان على كتفيها اليمنى واليسرى ويحظر على النفساء أن تدخل على نفساء أخرى في الحمام لئلا
стр. 2501
(تنجبس) أي تكبس.
وإذا قررت النفساء أن تذهب إلى الحمام في اليوم السابع أو العاشر تحتم على أهلها أن يأخذوا سفودا (سيخا) من الحديد يضعون فيه سبع بصلات أو عشرا وفي كل يوم ترمي النفساء بصلة في الطريق.
والقابلة (الجدة) تغسل المولود بالماء الدافئ وتأخذ سحيق الملح وتدلكه به ثم تأخذ الماء
الذي غسل به المولود في طشت ويوضع فيه حذاء خلق ويترك في السطح وذلك لكي لا يحصل للمولود ضرر من صراخ (ألبوم) ثم تأخذ القابلة (الجدة) سيفا وتخط به دائرة حول النفساء فتقول لها مساعدتها في تلك الأثناء (ماذا تخطين)؟ فتجيبها الجدة: (خطة سليمان بن داود) فتسألها: لمن؟ فتجيب الجدة: (لمريم). وكل نفساء تسمى (مريم) ويقصد بها مريم القديسة الطاهرة أم مولانا المسيح عليهما الصلاة والسلام.
ثم تترك المدية التي تقطع بها الجدة (حبل السرة) أربعين يوما تحت وسادة المولود.
أما السرة التي تقع فترمى في (الجامع) أو في (المدرسة) أو في (دار الحكومة). وتلك السرة هي القطعة البارزة من السرة التي تربط بعد قطعها. فتسقط بعد ثلاثة أيام رمزا إلى نشوء الولد متدينا أو عالما أو من رجال الحكومة.
ويحرم على النفساء أن ترمي من رأسها عصابة حمراء حتى يبلغ المولود الأربعين يوما وذلك خوفا من (أم الآل) وهي الجنية التي تخطف قلوب النفساء التي أشرنا إليها قبيل هذا.
وفي اليوم السابع من ولادة الطفل يسهر الأقارب كافة ولا ينامون حتى مطلع الفجر.
المرأة التي لا يعيش لها مولود
تأخذ المرأة التي لا يعيش لها مولود سبعة مسامير من سبعة جسور في البلاد فتصوغ منها حجلا تضعه في رجلها اليمنى مدة عمر الولد الذي مات لها قبل هذا أو أزيد، أياما كانت أو شهرا، وتلبس في يدها اليسرى خرزا من الخزف الأزرق.
стр. 2502
ومنهن من تأخذ سرطان نهر ويسمى في العراق (أبو جنيب) فتقتله وبعد أن يخف يوضع في وسادة المولود مع سبع أبر وسبعة خيوط من الدمقس مختلفة الألوان.
ومنهن من (تشهره) والتشهير يكون بفتح ثقب صغير في أذنيه صغير في أذنيه أو أنفه. ومنهن من تستجدي له ثيابا وأسمالا - وأن كانت غنية - فتلبسه إياها.
ومن عاداتهن أن منهن من تستجدي دراهم من أربعين شخصا على أن تكون أسماؤهم لا تخرج عن (محمد أو محمود أو أحمد) ثم تصوغ له بها حلية تسمى (محمدية) وهي من الفضة الخالصة مربعة الشكل ينقش أو يحفر عليها أربعين مرة اسم (محمد).
ومنهن من تلقي المولود على القمامة (المزبلة) على قارعة الطريق فيجيء أحد الناس ويحمله إلى الأم قائلا لها، (أين وجدت هذا الطفل) فتجيبه الأم: هذا (ابني) فينكرون عليها
ذلك فتشتريه بثمن بخس أو وافر ذلك بالنظر إلى ما يملكه الوالدان وبهذا الثمن يشتري طعام ويوزع على المساكين.
ومنهن من تأتي بابنها إلى الأماكن المقدسة والمزارات الشريفة كمزار علي (كرم الله وجهه) وابنه الحسين وسيدنا موسى الكاظم فتسلمه إلى السدنة والخدمة فيتخاطفونه ويتزايدون عليه كالسلعة في السوق ثم تشتريه أمه أو أبوه بدراهم تعطى للسادة عطاء حسنا.
سعال الطفل - حمير الشيجي
إذا أصاب الطفل سعال يجتمع النساء والرجال في حارتهم فيأخذون جريدا من النخل فيلبسون واحدة منها ثياب رجل ويضعون له وجها يتخذونه من الثياب (القماش) على نحو اللعبة (اللعابة) التي تصنع للأطفال ويلبسون جريدة أخرى ثوب امرأة على مثال جريدة الرجل ويمشون بهما في الطرقات ويضربون على (الدنبك)
стр. 2503
(هو الدربكة بلسان الشاميين والدريج عند الفصحاء) فتحمل كل متزوجة ابنها الذي أصابه سعال ويقفون في منتصف الطريق حتى تجتمع الناس ثم يمشون ويترنمون بهذه الأنشودة:
يا حمير الشيجي حش وتعال ... إحنا قتلنا الشيجي راح السعال
وهذا لفظه بالحرف الإفرنجي:
-
-
أي يا أيها المسبب الموت الشديد بالسعال أسرع وتعال، نحن قتلنا مسبب الموت الشديد حتى زال وانقطع السعال.
ويحمل أحد الرجال خنجرا فيصول بين آونة وأخرى على الجريدتين ثم ترمى الجريدتان على الأرض فيمزقهما الرجل بخنجره وعند إياب هذا الجمع إلى موطنه يترنم النساء بهذه الأنشودة:
رحنا بيهم جينا بلياهم ... بنهر العلقمي إحنا قتلناهم
ولفظه بالحرف الإفرنجي:
-
ومعناه: ذهبنا بمسببات السعال وعدنا الآن بدونها، فلقد رميناها في نهر العلقمي فقتلناها فيه. (ونهر العلقمي من أنهر كربلا القديمة).
وهذه العادة جارية في (كربلا) وقد شاهدتها مرارا بنفسي.
المتزوجة التي لا تحبل
تستصحب المتزوجة التي لا تحبل فتاة غير متزوجة أو متزوجة قد انقطع منها قرأها وتذهب بها إلى القبور، وتأخذ سبع تمرات فتقف الفتاة وراءها وتقف المتزوجة على سبعة قبور فتأكل على كل قبر تمرة: ثم ترمي النواة وراءها فتلتقطها الفتاة مع قليل من التراب، ثم تذهب المرأة إلى المدبغة (المحل الذي تدبغ فيه الجلود) وتنظر في البئر ثم تأخذ منه قليلا من الماء فتذهب إلى الحمام وتقف تلك الفتاة وتسكب على رأسها ذلك الماء بعد أن تضع فيه النواة
стр. 2504
والتراب وتصبه ثلاث مرات وفي كل مرة تسأل المتزوجة: (ما أسمك) فيجيبها (اسمي حبسة)، فتقول لها: (انفلت الجبسة) أي الكبسة ثم تسألها: (ما أسمك) فتجيبها اسمي (ناقة)، فتقول لها: (انفلت العاقة) ثم تسألها: (ما اسمك) فتقول لها: (عروس) فتجيبها انفلت (جبسة العروس).
فإن لم تحبل المرأة بعد هذه الأمور ينظر فيما إذا كان قد زارها أحد فإذا كانت امرأة وكانت نفساء تأخذ المتزوجة قليلا من (بولها) وتصبه على رأسها في الحمام.
وهناك طريقة أخرى وهي أن تذهب المرأة التي لم تحبل إلى بيت النفساء التي دخلت عليها فتبول في عتبة الدار وتكسر على العتبة بصلا وتطلب من النفساء قليلا من الملح وقليلا من العجين.
وإذا لم تحبل المرأة بعد هذه السخافات تنتظر هرة في بيتها حتى تحبل الهرة وتلد فإذا ولدت الهرة - ومن عادتها أن تأكل مشيمتها (المعروفة بالجارة عند العراقيين) تسرع إلى أن تأخذ منها تلك الجارة وتضعها في الماء وتسكب منه على رأس المتزوجة.
ماذا تفعل الفتاة التي لم تتزوج حتى تحصل على بعل لها
تقصد الفتاة التي تبغي بعلا أحد المساجد ومعها امرأة أو فتاة فتقصد الفتاة طالبة البعل
المنارة وتبقى الآخرة تحت المنارة فترمي الفتاة عباءتها أعلى المنارة إلى صاحبتها ثم ينظر إلى سقوطها فإذا انفتحت العباءة عند هبوطها قيل لها أنها ستتزوج وإلا ترجع نادمة يائسة إلى أهلها.
وفي بغداد تقصد الفتاة مرقد الشيخ عبد القادر الجيلي (الكيلاني) وتأخذ معها قفلا ومفتاحا فتربط ثوبها بالقفل ثم تضع بجانبها شيئا قليلا من السكر وتحبس في فناء المرقد فيجيء أحد الرجال ويفتح القفل بالمفتاح ثم يأخذهما مع ما لديها من السكر فيكون ذلك علامة لزوال الموانع التي تحول دون الحصول على بعل فتسر بقرب الفرج.
أحمد حامد الصراف
стр. 2505
تاريخ الطباعة العراقية
المطبعة الكلدانية
تابع مطابع الموصل
راجع لغة العرب
أسس المطبعة الكلدانية (الشماس رفائيل مازجي الأمدي بنفقته الخاصة على عهد البطريرك يوسف أودو الكلداني الشهير سنة ١٨٦٣ وجلب أدواتها ولوازمها من باريس مع حروف عربية وكلدانية وفرنسية ومسابك.
стр. 2506
وكان الشماس رفائيل قد قصد بنفسه إلى فرنسة فابتاع كل ما يلزم، وجهزها بحبر وورق بمقادير كبيرة تكفي لطبع كتب كثيرة ولا تزال من ذلك الحبر والورق بقية باقية إلى هذا اليوم فضلا عما سرق وبيع منها واستأجر لها بيتا خاصا نصبها فيه.
أما أعمالها فكان أكثرهم ممن تعلموا هذه الصناعة في مطبعة الآباء الدمنكيين فخدموا هذه المطبعة ببراعتهم في تنضيد الحروف وطبعت كتبا قليلة ثم فجعت بموت مؤسسها نفسه في سنة ١٨٦٥ فأصيبت المطبعة بموته بضربة
стр. 2507
وأغلقت وهجرت سنين ولا سيما على عهد القلاقل التي منيت بها الطائفة الكلدانية في الموصل وهو العهد الذي انشطرت فيه الطائفة إلى شطرين سميا: (بلة وبردى) ومنهم من سماها (ندي ويابس).
وبعد نزاعات ومعالجات طويلة أذعن البطريرك يوسف قبل موته لمراسيم السدة الرسولية وأظهر أدلة صادقة على تمسكه بعروة التعلق برئيس الأحبار.
ومن أعماله في فطركته عقده مجمعا لطائفته رسمت فيه بعض القوانين. وبهمته بني الأب اليشماع، أحد خلفاء الأب جبرائيل رمبو المذكور، في لحف الجبل المبني عليه دير الربان هرمزد، ديرا آخر سماه (دير السيدة) سنة ١٨٥٨ وهو الآن عامر بالرهبان.
ومن مآثره الكبيرة مساعدته الشماس رفائيل بطرس مازجي الأمدي الكلداني في إنشاء مدرسة أكليريكية في الموصل. واهتمامه بنجاحها وإرساله بعض التلامذة إلى مدرسة البروبغندة ومدرسة الآباء اليسوعيين في غزير ليتخرجوا في العلوم الدينية. من جملتهم غبطة مار عمانوئيل يوسف بطريرك الكلدان الحالي.
وتوفي البطريرك يوسف في ١٤ آذار سنة ١٨٧٨ بعد أن رأس الكرسي البطريركي ستا وعشرين سنة ونصف سنة ودفن في دير السيدة في القوش.
الكاتب
стр. 2508
ثم استأنف العمل فيها سنة ١٨٧٨ على عهد البطريرك ايليا عبو اليونان الكلداني وكان حاذقا فن الطباعة وفي تلك الأثناء اهتم المطران عبد يشوع خياط بطبع جملة كتب مدرسية فيها من عربية وكلدانية وفرنسية وبوفاة البطريرك عبد يشوع تعطلتا لمطبعة ثانية سنة ١٨٩٨ وبيعت بعض أدواتها لمطبعة الحكومة في الموصل.
وعاد فبعثها إلى حياة العمل غبطة البطريرك عمانوئيل يوسف الكلداني
стр. 2509
الحالي سنة ١٩٠٤ فواصلت خدمتها بطبع الكتب المدرسية والطقسية وقد نقلت إلى المدرسة الكلدانية ثم جاءت الحرب العالمية العظمى سنة ١٩١٤م فأوقفتها للمرة الثالثة. غير أن غبطة البطريرك اهتم بإحيائها بعد الحرب فأبتاع آلة طباعة صغيرة أضافها إلى آلاتها العتيقة السابقة فأخذت تشتغل بطبع بعض الكتب الكلدانية المدرسية والطقسية.
ولم تطبع هذه المطبعة كتبا كثيرة ويمكننا أنحصي أهم ما طبعت:
(١) (كتاب سنة ١٨٦٥ ص٣٠٠ - ٧ الزبور الإلهي) بالكلدانية على ترتيب الفرض بحرفين أسود وأحمر.
(٢) (كتاب دقذام ودوثار) أي (قبل وبعد) كتاب يحوي الصلوات القانونية اليومية الأسبوعية التي تقال مساء وصباحا ما عدا الصيام الكبير. فالتي تقال مساء مقسومة إلى قسمين (الأول) و (الآخر) فإذا كانت الصلوة في يوم الأحد بالمحراب (بالخورس) الأول فذلك الأسبوع كله يسمى (الأول) فيتلى فيه القسم الأول وإذا كان ابتداء الصلوة في المحراب الثاني ويسمى أيضاً بالمحراب الأسفل فذلك الأسبوع يسمى (الآخر) فيقال فيه القسم الآخر. وتختم صلاة المسيح والمساء بتلاوة (قال من قالات الشهداء) وهي أغاني تسبيحية لتكريم الشهداء تأليف القديس ماروثا أسقف ميافارقين. (سنة ١٨٦٥ ص٣٤٤ - ٧).
(٣) (كتاب روضة الصبي الأديب في أصول القراءة والتهذيب) باللغتين العربية والفرنسية محلى بفقرات من تواريخ العرب. تأليف المطران جرجس عبد يشوع الكلداني الموصلي
(سنة ١٨٦٩ ص٢٦٦ - ٧)
(٤) بعض رسالات رعائية.
(٥) كتاب التهجئة باللغة العربية.
(٦) كتاب مبادئ القراءة باللغة العربية.
(٧) كتاب التهجئة باللغة الكلدانية.
(٨) كتاب مبادئ القراءة الكلدانية.
(٩) (دليل الطلاب) مختصر في تعليم القواعد الكلدانية تأليف القس
стр. 2510
بولس بدارو الكلداني أستاذ اللغة الكلدانية في المدرسة الكلدانية في المدرسة الأكليريكية الكلدانية بالموصل طبع سنة ١٩٢٣ ص٨٠.
(١٠) طقس الخدمة الكنيسة للأيام العادية من كتاب (دقدام ودوثار) باللغة الكلدانية في مجلد ضخم طبع سنة ١٩٢٥ ص٣٦٦.
رفائيل بطي
أصل علامة الفصل عند الغربيين
الغربيون إذا أرادوا فصل جملة أو عبارة عن أختها، اتخذوا لها علامة بصورة الضمة يعلوها نقطة، ويسمون هذا الشكل (نقطة وفاصلة) فهل فكرت في أصله؟ -
في كتب التجويد القديمة، تسمى هذه العلامة (فاصلة) وكانوا يستغنون عن ذكر اللفظة كلها بأول حرف منها أي (ف) ثم أهملوا تنقيطها كما هي العادة في صدر الإسلام وبعده، بقي من الكلمة رأس الفاء بدون نقطة أي (ُ)، وبقي اسمها (فاصلة) وقد بقي السلف محافظا على هذه العلامة وعلى اسمها إلى يومنا هذا فانتقل إلينا في الحساب المعروف بالعشري، وفي تقسيم الأرقام الكثيرة يفصل بعضها عن بعض ثلاثة ثلاثة، وعليه فاسم (الفركول) بلغتنا هو الفاصلة، وإذا علته النقطة قلنا: فاصلة ونقطة.
وكان الأقدمون من اليونانيين وغيرهم، إذا أرادوا فصل عبارة دخيلة عن عبارة أصلية أقحمت بين سابقها ولاحقها وضعوا لها خطا قائما في أولها وآخرها ليشيروا به إلى إقحامها. ويسمونه وبالفرنسية ومعناها (سفود) لأن شكلها يشبه السفود في زعمهم. ونحن نقول أن الكلمة الدخيلة (أبل) من أصل عربي هو (حبل) لأنها على شكله.
أما (الفاصلة) فإن الإفرنج لم يبحثوا في كتبهم عن أصلها وعمن تلقوها: ونحن لا نرتاب فيه وإن كان اسمها عندهم مشتقا من لفظة صغروها معناها (العصية) كما أن هيئتها تشبه الصولجان بعض الشبه لا العصا أو العصية.
стр. 2511
صروف
تأمين عميد (المقتطف)
نظمت هذه القصيدة الجامعة تلبية لدعوى لجنة التأبين العامة في القاهرة لتنشد في حفلة الذكرى الكبرى:
كونت البابا وسست عقولا ... فتلق أنت وفاءها المعقولا
ودرست فلسفة (الحياة) وزدتها ... شرحا، فحي بيانها المأهولا
في العيش مثل الموت عمرك هكذا ... عمر يزيد على التألق طولا
إن أنس لا انس الوداع وحرقة ... في النفس أورثت الجنان ذهولا
فسخطت من غدر (الطبيعة) ناسيا ... سنن (الطبيعة) والحياة الأولى
صفحا، فقدرك في مقام تجلتي ... أبدا، ولن يلقى لدي أفولا
وأنا الذي ناجاك طول حياته ... وقد انتقلت ولم أزل مشغولا
بالأمس حيرني الفراق وهدني ... واليوم تلهمني الصواب حلولا
فأراك في هذا الوجود أشعة ... وعقيدة ومآثرا وميولا
صور تبين لباحث متبصر ... وتعاف من خذل الحياة جهولا
(صروف) والدنيا حديث ضيافة ... قد كنت للبذل العظيم رسولا
منح من الآداب والعلم الذي ... ترك الوجود مهذبا مصقولا
دعني أحدث عن خلالك أولا ... فالمرء كان يخلقه مكفولا
لا خير في أدب لمن لم يتخذ ... من طبعه طبعا ومنه أصولا
وحييت أنت بنهج خلقك مؤمنا ... وعرفت للقول السديد فعولا
فسكنت في برج الجلال مؤهلا ... ورقيت إيمانا، وجزت فحولا
خلق ينم عن الأزاهر للنهى ... عزما، ولكن لا يصيب ذبولا
يفتر بالإخلاص في إحسانه ... فندوم نعشق حسنه المبذولا
جم التواضع في كرامة عالم ... تخذ التواضع ستره المقبولا
стр. 2512
مبتسم لجليسه في هزة ... تسقى الحديث مرنقا معسولا
شم الخلال وديعة وكريمة ... مثل الجبال إذا انحدرن سهولا!
مثل الطبيعة في تبسط لطفها ... نشرت على بسط المروج غسولا
وحبت مجملة الثمار شهية ... عرضا ولم تترك لنا مأمولا
كان المحدث لا يمل إطالة ... وعصمت من طبع يعد ملولا
كالنبع جياشا بمتعة عاشق ... لحديثه، أو كالبواسق طولا
تحنو على النظار عند تأمل ... وتجيب ما بقي السؤال سؤولا
لم ينسك المال الذي أحرزته ... بالفضل حقا للورى مجهولا
فوضعت مالك جنب علمك نفحة ... للناس في صحف وقين نحولا
وجعلتها مثل الزكاة سخية ... تحيي مواتا أو تعيد طلولا
ما كنت في هذي الحياة ممثلا ... بل كنت من وضع الفخار فصولا
خمسون عاما بل أجل بذلتها ... بذل الكواكب نورها المسؤولا
ما بين معركة وبين سكينة ... تركت بشتاتك العدو خجولا
وكسبت بالإخلاص كل مكرم ... شيم الرجال عقيدة وميولا
درر من الأخلاق كانت ثروة ... كبرى ولم تسب الورى لتحولا!
(صروف) ما فينا المعزي: كلنا ... فقد العزاء ودمعه المطلولا
عشت (المسيح) لنا، وكنا كلنا ... رسلا، ودمت على الهدى مجبولا
وشكرتنا قبل الوداع، ولم يكن ... شكر الوداع بظننا (اليوبيلا)
هذي صحائفك اليتيمة لم تجد ... شرفا تخص بها وكنت بخيلا
عصمتك أحكام العلوم من الهدى ... وحبتك من حسب الجنان أثيلا
نقبت في الأجيال عن أسرارها ... ونشرتها جيلا لديك فجيلا
لا (آدم) المأثور صدك عن هدى ... بحثا، ولا أغني اليقين فتيلا
من كل (مقتطف) تنوع بحثه ... وتوحدت أبحاثه تنزيلا
من كل سفر حجة بفنونه ... ما فيه فن قد يراك دخيلا
ما كان منطقك الحكيم مسخرا ... للوهم مهما سامنا تقتيلا
стр. 2513
هيهات يذعن للمظاهر وحدها ... ولكم أقام على الدليل دليلا!
علم وفلسفة وفن سائغ ... حولتها لنعيمنا تحويلا
بعبارة خلابة غلابة ... تروي المدارك كوثرا وشمولا
وتبحر يعيا الجريء بجهده ... ما فات للبحث الجريء سبيلا
في دورة الأفلاك أو بطن الثرى ... أو عالم الأحلام كان نزيلا
لا شيء يحسبه الحقير وإنما ... وجد الوجود بما حواه جليلا
فيرتل الآيات ملء بلاغة ... تستأهل الإصغاء والترتيلا
داع إلى أقصى التأمل مثلما ... جعل التفاؤل للحياة دليلا
وإذا الحياة كبت فذاك لأنها ... فقدت قبيل عثورها التأميلا
عشرات آلاف الصحائف قد شدت ... بحجاك واستبقت حجاك زميلا
آراء جبار وحكمة كاهن ... وكتاب إعجاز يشع مديلا
نظرت له (الأحقاب) من أسفارها ... في حيرة مما وصفن رحيلا
فكأنما قد كنت مصاحبا ... أسفارها فرسمتها تحليلا!
ومفاخر (الآثار) وهي شهيدة ... فخرت بعلمك موئلا ومقيلا
ومظاهر (العمران) وهي كثيرة ... في (الشرق) لم تعدم لديك خليلا
و (الفكر) وهو لنا قوام حضارة ... بجلته حتى استعز نبيلا
لم تلقه عرضا، ولم تأنس به ... طمعا، ولم تبذل له تطفيلا
بل كنت ملجأه الحصين ومبعثا ... للنور في بلد أسيء طويلا
تغذوه بالذهن البصير مصارحا ... للحق لا تتصيد التهليلا
متتبعا نهج الصواب، مجافيا ... نهج الغلو، وإن أصبت قليلا
حتى تركت مني (الحقيقة) وحدها ... تهدي لرأسك شكرها إكليلا
ما ضر مثلك أن يخص بحبها ... لو فات من حب الأنام قبيلا
لكن ظفرت بحبها وبحبنا ... وعدمت في القدر الأعز مثيلا
من عهد (إسماعيل) في إجلاله ... مسعاك زدت بشبل (إسماعيلا)
وطويت عمرك دون من أو منى ... إلا الوفاء لما غرست ظليلا!
стр. 2514
يا ابن (الصحافة) ثم شيخ قضاتها ... والمحسن التبيين والتدليلا
ومعلما بشبابه ومشيبه ... تسمو بسيرته الأيادي الطولى
(لبنان) (كالحدث) الذي ولدت به ... هذي الشمائل لا يباهي (النيلا)
كلا ولا (بردى) ولا (الدنيا) التي ... أمتعتها مما منحت جزيلا
إن أنت إلا عالمي: مهده ... كل (الوجود) فلم يعش مغلولا
بل كان أهلا للبرية كلها ... لا يعرف الإيثار والتفضيلا
إلا الرعاية للفقير المجتبي ... جدواه، لا يبقى بها مخذولا
كم أمة هذبتها ووهبتها ... محض الشهاد وزدتها تأهيلا
فإذا انتسبت فما انتسبت حقيقة ... إلا لفضل لم يكن مجهولا
أما الممالك والعباد فإنهم ... عرفوك - جمعا - فاتحا ورسولا
كل يراك زعيمه وصديقه ... ومواطنا وسلاحه المسلولا
وأرى خيالك ما يزال عزيزهم ... يأبى عن النهج القويم مميلا
متمثلا في همهم وشؤونهم ... فيحل معضلة ويصلح قيلا
وبريق عينيه يشف كعزمه ... عن حد ذهن لن يموت قليلا
وجبينه الوقاد مطلع نورهم ... وجلالة حفظوا لها التكليلا
أعددت ثورات وقدت كتائبا ... للرأي ثم نصرتها موصولا
ما خانك الإقدام يوما والالى ... عشقوك إن خان الزمان ذليلا
فبلغت مجدك بالمواهب وحدها ... تقتاد شبانا بها وكهولا
أين الذين يتابعونك حاملا ... علم الشباب فيزدهي محمولا؟!
ما كنت تغفل جهدنا وحقوقه ... بل كنت ترعى حرمة وأصولا
وتشجع البطل الصغير ليعتلي ... وتصغر الرجل الحسود مهولا
لك في دمي حق الوفاء فخلني ... أحيي كما يرضى الوفاء جميلا
كرمت لي أدبا كأنك موجدي ... أو عشت للأدب الجديد كفيلا
في جم إخلاص وجم صراحة ... لا تقبل التغرير والتمثيلا
ولكم تحكم جاهل أو عابث ... ومن المصائب أن نطيع كليلا
و (الجهل) في دست الزعامة نكبة ... لن تنمحي عذرا ولا تأويلا
تخذ (الصحافة) للمهازل مهنة ... فأثار داء في النفوس وبيلا
стр. 2515
فمحرما طورا زهور مؤلف ... ومحاربا همم الشباب عجولا
ومرتلا آنا مديح نقائص ... لولا المدائح لم تكن لتجولا
قد كنت عونا (للنبوغ) وطالما ... أردى (النبوغ) الحاسدوه قتيلا
أبكيت في شعري، وفي نثري، وفي ... فكري، كما أبكي الرياض حيولا
وأكفكف العبرات، لكن شأنها ... باق، فدمعي لن يزال همولا
ومن المدامع ظاهر ومحجب ... ما كل وجه نائح مبلولا!
تجري الدموع الخافيات بخاطري ... وبكل إحساسي هوى مبذولا
وتفيض من قلمي فأنظم هكذا ... هذا النظيم عواطفا متبولا
وأؤبن (الفضل) الذي لإبائه ... لا فاضلا نلقى ولا مفضولا!
والآن هل تكفي شؤون يراعتي؟ ... حبس العواطف قد يكون قتولا!
هيهات تكفي!. . فالنظيم وحرقتي ... يتبادلان مناحة وعويلا
أرثي فأرثي فبك أنفس ما ارتقي ... ذهني وأحلامي له تبجيلا
من بهجة (الإنسان) في استعلائه ... خلقا وفكرا مسعفا وجميلا
ومن انتهاء (العبقرية) و (الحجى) ... لنهاية تستوجب التنزيلا!
ومن (التسامح) في الحياة وقلما ... عرف (التسامح) في الحياة خليلا
أسفي على هذا الفراق وإن يعد ... هذا (النبوغ) مجددا تشكيلا
وأقلب الطرف الحزين فما أرى ... إلا الورى والموت والترميلا
يا جنة (الفيوم) كيف، جزيتنا ... نارا وجزنا فادحا وثقيلا؟!
قد راح يلتمس الشفاء فخنته ... كم كان روضك مليلا
أسفي! أجل أسفي يدوم فلا تطل ... عتبا علي فلم تكن لتطيلا
ما فاتني قبل (التفاؤل) هكذا ... أو كنت أشعر بالحياة ذليلا
ولقد بدأت إلى (العلى) مستغفرا ... ثم انتهيت إلى الشجون عليلا
стр. 2516
عبثا أحاول أن أهدي لوعتي ... هيهات أشفي للدموع غليلا
سخطي على (الدنيا) وأقبح هزلها ... سخط يثير تأججا وصليلا
وأنا الذي يا طالما غازلتها ... طربا، وكنت لها كذاك وصولا
مرت شرابا بعد حلو مذاقها ... وجنت على أشهى الثمار أصيلا
لم أشك قبلك من يقيني هكذا ... وكأنما صار (اليقين) مهيلا
وكأنما هذا (الوجود) بأنسه ... أمسى بداجية المصاب محيلا!
لم لا أنوح في رثائك حسرة ... أرثي لها نفسي وأرثي الجيلا؟!
ما كنت أجزع (للممات) وإن قسا ... حتى رحلت فسامني تذليلا
أرثي العصامي العظيم المبتني ... مثل (الثبات) لمن يهون ملولا
أرثي (الخلود). . . وما (الخلود) بدائم ... في صورة، بل يتبع التعديلا
ما بين إيمان به وبضده ... كم نتعب التفسير والتعليلا
رثي وأبكي والأنام جميعهم ... كالنبت يهضمه الزمان أكولا
الفيلسوف كجاهل، وكلاهما ... يفني، وما أعرف الممات ذهولا
وقليل ثأري أن مثلك فقده ... جعل (القضاء) المستعز خجولا!
وعظيم صبري أن وحيك ملهمي ... صبرا، وعلمك لم يزل منقولا
(سقراط) قبلك (والمسيح) كلاهما ... ضحكا من (الموت) الخؤون مهولا
وضحكت أنت من الأساة معزيا ... همما تناجيك المدى وعقولا!
الإسكندرية: ٢٨ يوليو سنة ١٩٢٧م
أحمد زكي أبو شادي
(لغة العرب) من وقف على هذه القصيدة العامرة الأبيات، البديعة المعاني الأخذة بالألباب، يتصور أن لآلئها رصفت في عدة أشهر. والذي أعلمنا به أحد الثقات أن صاحبها ابتدعها في ساعات مرت بين ٢٧ و٢٨ تموز (يوليو) في جلستين أو فكرتين لا غير.
ومما يجب أن تنتبه له هو أنك لا ترى في جميع أبياتها خيالا كاذبا، أو تصويرا وهميا، بل تلقى الحقيقة مبثوثة في ثنايا كلمها بثا عجيبا، وإن قيل لنا أن في وادي النيل شعراء ينظمون الشعر نظما رقيقا؛ قلنا لهم: ليس في ذلك النظيم إحساس كما في هذه الأبيات. ولا تحبس أوتار القلب كما يجسها أبو شادي، فلقد ثقل طبه للأجسام إلى عالم طب الأرواح فنبغ في الطبين النفسي والبدني. ولهذا لا نعجب من لطفي بك جمعة الأستاذ الكبير
стр. 2517
وهو
كتوم (سكرتير) لجنة التأبين حين يكتب إلى ناسج البردة ما هذا نصه:
(أهنك بتلك القصيدة العصماء التي وصلتني في رثاء الدكتور صروف: وأنها لمن آيات الشعر العربي الحديث، وفريدة فريدة، بل هي بيت القصيد إن كان الشعر كله قصيدة، فنعم الخيال والحقيقة، ونعمت البدعة والموسيقى في الإيقاع، ونعمت الدقة والإبداع وسيكون لها في الاحتفال أعظم مكانة إن شاء الله) اه.
على أننا نقول: لو كنا من أهل المراهنة لراهنا على أنها لن تلقى في الجنة القادمة إلا الأعراض عنها، لأننا نعلم حق العلم أن فؤاد أفندي صوف هو صاحب شوقي وشوقي لا يريد أن يقوم بجانبه مناوئ، ولا سيما إذا كان ذلك المناوئ ممن أقر بفضله وشعره القاصي والداني والرائح والغادي مثل الحكيم أحمد زكي أبي شادي.
اتقاء البيضة
نشرت إدارة الصحة في البصرة بيانا فيه ذكر الوسائل التي تتخذ لمكافحة الهيضة ودونك نصها (بحرفها):
١ - منشأ دار الهيضة (الكولرة) من مكروب يخرج مع براز المصاب بها.
٢ - إن الماء واللبن (الحليب) والأطباق تبعث على انتشار المرض.
٣ - فيلزم غلي الماء واللبن قبل استعمالهما.
٤ - الاحتراس الشديد من الذباب، فإنه من أهم الوسائط لنقل الجراثيم.
٥ - الاعتناء بنظافة البيت وإزالة جميع الفضلات منه.
٦ - الاجتناب عن أكل السمك الفاسد والأثمار غير الناضجة، فإن هذين النوعين من الطعام يسببان الإطلاق (الإسهال) الذي ربما أدى في الأخير إلى الإصابة بالهيضة.
٨ - عند الإصابة بالإطلاق (بالدايريا) أثناء انتشار الهيضة يلتزم مراجعة الطبيب واستشارته فورا.
٩ - يلزم غسل الأيدي قبل تناول الطعام.
١٠ - على كل شخص أن يخبره (المختار) عندما يسمع بوفاة أحد ما.
١١ - يلزم التطعيم ضد الهيضة.
стр. 2518
غادة بابل
رواية تاريخية أخلاقية تصف الحياة في بابل
خرجت شميرام من قصرها في بابل تلك المدينة المطلة على الفرات. وكان هذا الصرح الشامخ في الجانب المعروف ب (خديميرا) أي باب الله. فوقفت على ضفة النهر وشرعت تنظر إلى الجانب الآخر نظرة متعجب دهش، لما ظهر لها من الأبنية المنسقة، والقصور الباذخة. والآثار الشاخصة في جانب (دنتبرا) أي محل شجرة الحياة. فأطربتها روية أشجار الصفصاف المتدلية الأغصان الوارفة الظل ومنظر النخل الباسق الذي ينطح كبد السماء ثم حان لها التفاتة إلى الجواري والوصائف اللواتي كن معها فقالت لهن: انصرفن جميعكن إلى البيت ولا يبق معي هنا إلا (نتو) نجيتي. إذ لي نذر أريد أن أقوم به في هيكل الآلهة (أنو وبل وأيا). وربما يطول مكثي فيه فتنتظركن والدتي وتستبطئكن.
ما كان منهن إلا أن رجعن على أعقابهن. تلبية لأمر سيدتهن، بعد أن قبلن يديها، وقمن بأداء فرائض الاحترام والعبودية.
انفردت شميرام بنتو نجيتها وساد السكوت بينهما. وكانت شميرام مطرقة ذاهلة كأن في خاطرها فكرا يجول وتريد أن تكتشفه لنتو. وتستطلعها على أسرار ضميرها. ولكن عاملا سريا كان يعقد لسانها.
شاهدت نتو حالة سيدتها وعرفت شيئا من اضطرابها وحيرتها غير أنها لم تجسر على أن تبادرها بالكلام أو تلقي عليها سؤالا. وما كان منهما حتى بلغتا برجا شاهقا عليه آثار الأبهة، والعظمة بادية عليه، وعلائم المجد والوقار ظاهرة فيه وهو ذو سبع طبقات كل طبقة منها مصبوغة بلون فضلا عن النقوش البديعة المتقنة التي ترى عليها مما يأخذ بمجامع القلوب ويفتن الأنظار.
كانت الطبقة الأولى مصبوغة بالأبيض والثانية بالأسود والثالثة بالقرمزي
стр. 2519
والرابعة بالأزرق والخامسة بالأحمر والسادسة محلاة بالفضة والسابعة بالذهب. وفي قمة الطبقة السابعة تمثال من ذهب علوه عشرون قدما للإله (بل) وفي جانب هذه الزقورة مائدة من النضار. وكانت شمس بابل وأنوارها شمس بابل وأنوارها المتألقة الصافية تضرب على
تمثال الذهب فيتلألأ كأنه شعلة يملأ ضياؤه العيون وكأن الهيكل عالم الفناء يناجي عالم البقاء. وكان هذا البرج هيكلا أقيم لعبادة الآلهة السبعة.
مرت شميرام بهذا المعهد الديني ولم تحفل به. وغفلت عن القيام بفروض الخضوع والاحترام لارتباك أفكارها، والهواجس الكثيرة التي كانت تنتابها فانتهزت نتو هذه الفرصة لتقطع السكوت الذي كان سائدا بينهما وقالت لها: سيدتي اسمحي لي أن أقول لك إننا بازاء الزقورة وحضرتك المبجلة قد غفلت عن القيام بشعائر الدين وواجبات الاحترام وهذا مما ينزل عليك غضب الآلهة ويجلب إليك انتقامها منك.
فانتهرتها شميرام قائلة: دعيني يا نتو فإن الهموم قد ساورتني وغشت على بصري وبصيرتي. فأين هي الزقورة يا أمة السوء؟ فإنني لم أشاهدها ولا علم لي بمرورنا بها.
نتو - سيدتي أنى تساورك الأحزان وعلام يد الأشجان قد ضربت على أوتار قلبك بريشة اليأس حتى أن صدى الهموم يمازج نبرات صوتك فتبدو على محياك الوسيم ظواهر الغم والأسى. ويفعل الجوى في نفسك فعلا ينسيك أقدس الواجبات حتى أنه لم يفسح لك مجالا لتتقدسي بمشاهدة مهبط نعم الآلهة عند اجتيازنا بالزقورة.
شميرام - أواه! وا حسرتاه! لو أصاب ما في نفسي جبل كردو لدكه دكا وبسطه بسطا. ولو كانت نار حزني في عهد أبينا (ستنبشتم) لنشفت مياه الطوفان وأقفر العالم. اه! أيها الإله (بل) إنك حنقت على الإنسان في عهد ذلك البار وعزمت على أن تمحوه وتلاشي نسله بمياه الطوفان ولكن توسلات البار (ستنبشتم) هدأت غضبك ونالت نصيبا من عفوك ورضوانك. فقلبي الصغير معذب اليوم باعذبة مبرحة
стр. 2520
وغارق في سيل مرمرم ما لم تنجه رحمتك وتفرج عني بعض الفرج.
أفلا تعطف على شرخ شبابي وريعان عمري؟
نتو - ماذا داهمك اليوم حتى ألقاك في هذا اليم من الحزن والكآبة لا بل قلب فرحك حزنا ورجاءك يأسا؟ عهدي بك الغنج والدلال والفرح والمرح؟ فما سر هذا الانقلاب فيك؟
شميرام - وأي رجاء لي؟ إن المنية لا حلى لي من حياة كلها مرائر. والقبر عندي أفسح فضاء وأسعد مثوى من قصور الملوك.
نتو - سيدتي العزيزة! لقد اتخذت تبرمك حتى الآن بين الجد والهزل إذ لم أجد داعيا يثير
كوامن شجاك فالآلهة قد غمرتك بنعم كثيرة ودرت عليك إخلاف إحسانها وعوارفها. انبتتك في بيت تحسده عليك البيوت إذ له مجد مؤثل، وشرف موروث وشهرة بعيدة وثروة طائلة. وقد تك من أديم الحسن والجمال والبهجة والنضارة وزينتك بكل بديع رائع.
وأنت في بيت والدتك ربة الأمر والنهي. ولا تكادين تنبسين ببنت شفة حتى تتحقق رغباتك فما تبرمك إلا بطرا، وما حزنك إلا وليد أوهام وأشباح.
كانت شميرام تسمع هذا الكلام ساخرة. هازة رأسها هزة الاستخفاف بكل هذه النعم: ولما انتهت نتو من خطابها، أجابتها بصوت يقاطعه اليأس والأسف: وهل تجهلين يا نتو أن النعمة قد تكون حينا نقمة. ويكون الشرف الرفيع عائلا على هوى القلب. وما الغنى والحب والنسب والجمال والشبيبة إلا عوامل تقيد الإنسان إن لم تخدم رغائب النفس. فللنفس سلطان شديد الشكيمة إن لم يطع يمت الجسم نحيلا.
نتو - سيدتي: خففي عنك جزعك ففي عباراتك أحاجي وألغاز يعسر على الكهنة فك غوامضها، فأنى لي كشف أسرارها فبوحي لي بما يكنه صدرك لعلي أرشدك إلى ما يسري عنك الهم، هذا وأنا رهينة إشارتك وأطوع إليك من أناملك وأفدي حياتي لسرورك وكل ما عز علي يهون لي في سبيل رضائك.
стр. 2521
في هذه التضاعيف بلغت شميرام ونتو الهيكل فانقطع الكلام بينهما.
الهيكل بناء فخم واسع الأرجاء ثابت الأركان محكم البنيان متقن الهندسة تفنن أرباب الصناعات في إفراغه في قالب الإتقان فأتى طرفة بديعة في آثاره البابلية إذ ترى جدرانه التصاوير الناتئة وهي تمثل الحيوانات والأشجار المتضاربة الأنواع المصبوغة بالألوان الزاهية الزاهرة مما يسر النظر ويطرب الخاطر. وفي الهيكل أصنام الآلهة المختلفة وقد نحتت نحتا في الحجر والصخر وقد أجاد صانعوها كل الإجادة حتى أنهم حاكوا الطبيعة في مقوماتها وتشخيص أعضائها وتمثيل أدق أجزائها. وكان تمثال الإله (أنو) على شكل إنسان ذي لحية طويلة له ذنب كذنب النسر ورأسه رأس سمكة تسقط على كتفه وظهره وتمثال الإله (بل) بهيئة ملك جالس على عرش عظيم وللإله (ايا) أربعة أجنحة مبسوطة. وهناك غير هذه التماثيل.
كان هيكل غاصا بالزوار والمتعبدين. وفي طرف منه مذبح تقدم عليه الضحايا والقرابين.
هناك توقد النيران في مواقدها ويحرق البخور في مجامره فتندلع ألسنة نارية من الأولى تلقي هيبة وجلالا في المعهد الديني ويعطر دخان البخور بأريجه فضاء الهيكل وتتصاعد منه سحابة كأنها تريد أن تجمع بين الأرض والسماء فيؤثر هذا المشهد الفتان تأثيرا سريا في النفوس. ويزيد الكهنة المنظر بهاء بنبراتهم الدينية. فتراهم يقومون بسدانة الهيكل ويطوفون بتمثال الإله وينشدون الأناشيد بصوت رخيم وبين آونة وأخرى يتمتعون بألفاظ لا تفهم، عليها مسحة السحر وعلى محياهم علائم الرياء بادية إذ اتخذوا المين والخداع من أجل الوسائل للاستبداد بالشعب والتبسط في السلطة واحتكروا العلم والعرفان وتذرعوا بهما ليضيقوا الخناق على الشعب الجاهل ويستنزفوا ثروته.
تقدمت شميرام في الهيكل وقد ضاقت بالأحزان ذرعا. وأخذت تناجي الآلهة بلقب متلهف ولوعة محترقة واغرورقت عيناها بالدموع وهي لا تعي أفي الدنيا هي أم في عالم الأرواح وهجست في نفسها أن عاملا سريا يدفعها إلى مراقي الألوهية فقالت: أيها الإله (أنو) أبا الآلهة ورب العالم الأسفل ورب
стр. 2522
الظلمات والكنوز الخفية المستترة يا من القدرة طوع أرادتك، والسلطان مسخر في خدمتك والكون لك مقدس والعالم لك معبد. ويا أيها الإله (بل) يا رب العالم يا من بيده مفاتيح الأقاليم ومقاليد الأصقاع والبلاد والممالك، يا من تخضع له الأرواح صاغرة، يا من يلتجئ إلى ربو بيتك العبيد والضعفاء، ويا أيها الإله (ايا) يا رب العقول ومرشد الإفهام يا رب العالم المنظور وسيد الكائنات، وينبوع العلوم ومعدن الشرف، وأصل الحياة، نستمد من أنوارك الإلهية الرشد والعون والأيد، أيتها الآلهة الثلاثة انظروا عطفا على جبلتكم وصنعة أيديكم التي ترزح تحت البلايا والمصائب ارحموها رحمة واسعة.
بينما كانت شميرام تقوم بالصلاة كان (بيروس) الكاهن الكلداني يرمقها بنظره ويحاول أن يكشف ما في نفسها ويقف على ما في ضميرها. وزاد رغبة في ذلك حين رأى عليها ملامح الحسن والجمال فصبت إليها نفسه وخفق قلبه شوقا وغراما. فأخذ يفكر طويلا في العامل الذي حمل تلك الفتاة على التنهدات والزفرات وأنت تعلم أن الكاهن الكلداني فطن لبق في استمالة الشعب وله مقدرة فريدة على إغواء القوم وقراءة مخبئات صدورهم. وكان موقف شميرام أم يدل على شيء مما في نفسها إذ كانت في الهيكل أشبه شيء بالحمامة
الساجعة على فنن الشجرة تغرد مستعطفة أليفها. فحف إليها مترنما طريا وقد أسكرته الخمرة التي شربها منذ الصباح وعبقت فيه أنفاس الحميا فمر بين الجمهور يميد ويتمايل وهو يسارق النظر إلى الغادات فتثير في قلبه ثائرات الشعور. فتقدم من شميرام وقال لها: أيتها الفتاة عدي الإله (بل) وعدا صادقا بأن تخصصي نفسك له ليلة تقضينها في هيكله في التهجد والعبادة فيزورك ويقدسك وهو يرأف بلا مرية بشيبتك وينيلك رغبات قلبك فهو شفيق رحيم ولا سيما يعطف على عبداته اللواتي يخلصن له النية. وعديني بالقرابين والضحايا وأنا ألقنك صلاة الآلهة (إشتر) إلاهة اللذات والتناسل فتشفق عليك وعلى شعورك وغرامك فتظفري بموضوع حبك.
وكانت ظواهر البشر تلوح على وجه شميرام وكل لفظة من لسان ذلك الدجال كانت تبعث وميض الرجاء في نفسها وتحيي ميت آمالها فارتاحت إلى
стр. 2523
أقاويله وعقدت بها حبل أمانيها ولا سيما نجيتها نتو فإنها مهدت لها الطرق ووافقت على نصائح بيروس قائلة: أن الكهنة يناجون الآلهة فتوحي إليهم كل ما هو صالح للبشر، فثقي بقوله ووطدي رجاءك وأعملي بما يوصيك به. فأخذهما أنئذ بيروس ووقف بهما بين يدي تمثال الآلهة أشتر وهي معبودة عريضة الوجه واضعة يديها على صدرها ثم لقنهما صلاة تلتاها بعبادة.
ولما انتهت الصلاة غادرتا الهيكل. وتبع بيروس خطواتها. وفي مجاز الهيكل همس في أذن نتو كلاما لم تشعر به شميرام لانشغال بالها.
قالت نتو لشميرام: عسى أن الآلهة تقبل أدعيتنا وتستجيب صلواتنا لا سيما بيروس سيقدم إليها الضحايا والقرابين. وهل فكرت جيدا أيتها السيدة كيف أنه أحلك مقاما رفيعا. فتقدم إلينا لمن بين أقرانه الكهنة ووازرنا في بغيتنا. الحق يقال أن أريحيته عن كرم عنصره.
شميرام - تلك فريضة عليه وعلى فرقته الكلدان.
نتو - بينك وبين بيروس بون شاسع وبين القلبين فج عميق.
شميرام - ماذا تعنين بكلامك وإلى م تومئين؟
نتو - إن الآلهة عطفت عليك وتيمت قلبا في حبك.
شميرام - ومن ذا؟
نتو - بيروس الكاهن.
شميرام - أنا بواد والآلهة بواد. فلم تألب الكون وآلهته، والطبيعة وأربابها على اغتصاب قلبي، لا وايلو! لا اتخذ قرينا إلا شمشو، شمس الزمان وبدر الشبان. ألا تعلمين يا نتو أن بيروس متزوج بامرأتين فكيف ترضين به زوجا لي فأكون ثالثتهما.
نتو - أنى تحبين شمشو؟ وماذا يهمك زواج بيروس أنه يتخذك أعلاهما مقاما وتكونين عنده ربة الحل والعقد.
شميرام - أني لا أصبو إلى غير شمشو نجل عمتي فهو بغيتي الوحيدة.
نتو - أولا تعلمين أن شمشو مفتون بحب غيرك؟
شميرام - ألعلك تريدين أن تقولي أنه يحب حترا بنت أجيبي الصراف؟
стр. 2524
نتو - نعم. أما بيروس فمشغوف بهواك. ويفدي كل عزيز غال في سبيل حبك.
شميرام - أن شمشو وإن كان يهوى غيري إلا أني أهواه، ومن أحق من بنت الخال بابن عمتها وسأبذل جهدي في أسر قلبه بحب غير حب ابن العمة لابنة خاله. وسيساعدني الزمان على ذلك. ومن ذا الذي يقدر أن يمحو حبه من فؤادي فلا أطمع في حب غيره. ولا مرية في أن مجرى الحب سيتصل بفؤادي ويتخذ له من القلب إلى القلب سبيلا.
نتو - لا أرى داعيا لتعلقك وهيامك بشمشو وهو مشغول عنك بعشيقته.
فخير لك أن تحبي من يهواك وتدفعي عنك عناء أنت في غنى عنه.
شميرام - اضربي صفحا عن ذكر بيروس فهذا أمر يعد تحقيقه من رابع المستحيلات ولا أمالئك عليه ولا يطاوعني قلبي أن أحبه. وهبي أني تعلقت به فدون ذلك عقبات جمة. ووالدي يقف عشرة في سبيل هذا الزواج ولا يعطيني لكاهن لما بين طبقة الإشراف والكهنة من التنافر والخصام في بابل.
نتو - مالك إلا أن تلقي زمام الموافقة في حب بيروس وهو يدبر الأمر مع والدك.
لما رأت شميرام هذا الإلحاح قطبت حاجبيها وقالت يكفيك يا عبدة السوء أن تحاولي السيادة على قلبي ولا أرضى أن تفاتحيني مرة أخرى بهذه المزعجات المكدرات.
فانزعجت نتو من هذا اللوم وانقبض صدرها من توبيخ سيدتها ولكنها كظمت الغيظ. وأنى لها أن تظهره وهي من الجواري وفي عنقها قطعة من الحديد مكتوب عليها أنها ملك شلمان كرادو (أي أبي شميرام) ولكنها أضمرت لها سوءا وفكرت في تدبير حيلة تصطادها بها.
وكانت شميرام تسرح نظرها في طرق بابل الواسعة المستقيمة وتشاهد البيوت الفخمة وقصور الملوك وتقر عينا برؤية الجنان والبساتين المحاذية البيوت وتسر بمشاهدة المروج الملاصقة قصور الأمراء والأشراف والمثرين المرصدة لزراعة البقول وشاهدت في الطريق الخيل والحمير والحمالين ينقلون أشياء
стр. 2525
كثيرة. فالتفتت إلى نتو وقالت: ماذا يحمل هؤلاء الحمالون؟ فأجابتها: يحملون القار والزفت.
شميرام - من أين يأتون به ولأي شيء يصلح؟
نتو - يأتون به من مدينة هيت التي تبعد ثمانية أيام عن حاضرتنا. فإنه ينبجس من الأرض ويتدفق في نهر هيت فيجمع ويتخذ للبناء والتبليط.
شميرام - انظري يا نتو كيف أن النساء في الدكاكين والمخازن سافرات الوجه يقضين أوقاتهن ذهابا وإيابا في الأزقة ويحملن أولادهن على ظهورن.
نتو - نعم يا سيدتي. تلك النساء العامة أما الشريفات مثلك فإنهن سجينات البيوت لا يخرجن إلى الهيكل إلا نادرا أو لزيارة أصدقائهن محتاطات بالجواري والعبيد كأن الرجال يريدون اختطافهن وهن يتبخترن في الطريق تيها ودلالا.
شميرام - أني لا أحب هذه الفخفخة وأفضل عليها البساطة ولهذا لا أود أن يحف بي العبيد والجواري وأحب شيء إلي من ذلك كله أن أقضي أوقاتي بمسامرتك.
نتو - سيدتي أني أتشرف بمرافقتك وبعطفك علي وأتلقى كل كلمة تفوهين بها بالترحاب وإن كانت زجرا وتأنيبا. لأني أنا التي عنيت بك وقد حملتك طفلة على ذراعي. ثم حاولت نتو أن نذكرها بانتفاضها من حديثها عن بيروس غير أن سيدتها خفت مهرولة ودخلت البيت.
لبيت شميرام أو بيت شلمان كرادو كما يعرفه البابليون شهرة بعيدة لعظمته وبنائه. لأن صاحبه من الأشراف المثرين في المدينة. في مدخل هذه الدار مجاز طويل مظلم معقود بالآجر يفضي إلى ساحة واسعة الفناء مطلقة الهواء تشرق عليها الشمس فتبهجها. وحوالي هذه العرصة تقوم الأبنية. وأمام الغرف رواق مسقف ووجه البناء على هيئة طاق تسنده أعمدة. والبناء طبقة واحدة والغرف ضيقة مستطيلة الشكل. وسقوف بعضها معقودة بالآجر وغيرها مسقفة تسقيفا مسطحا بجذوع النخل. وبعض هذه الغرف مخصص بالسكنى
وبعضها بالمؤن. ولها سطح واحد يصعدون إليه بدرج مبني بالآجر والبيوت تطل بعضها على بعض.
следующие страницы →