Полный текст (6 158 стр.). Показаны 2556–2595 · переход к 2561.
стр. 2556
دسوق حيث جود القرآن.
وقصد بعدها إلى القاهرة ودخل جامعة الأزهر وليث يتلقى فيها العلوم خمس سنوات. وفي القاهرة تعرف إلى السيد جمال الدين الأفغاني والى تلاميذه أمثال محمد عبده والهلباوي والباجوري وعبد الكريم السلمان.
ودرس بعد ذلك القانون فصار محامياً وأحرز في المحاماة شهرة وبعد صيت حتى أضحى مضرب المثل في نبوغه القانوني في سوح المرافعة وعلى كرسي الاستشارة في محكمة الاستئناف.
وتعلم اللغة الفرنسية وهو يكاد يناهز الأربعين من سنه ولم يلبث أن حذقها وأدى بها امتحان علم الحقوق وهو قاضٍ في الاستئناف ونال بذلك شهادة اللسانسية، وتعلم اللغة الألمانية في أثناء اعتكافه في بيته في الحرب الكبرى وتعلم الإنكليزية في منافيه في عدن وسيشل وجبل طارق.
بدأ زغلول حياة عمله بتعينه محرراً في الوقائع المصرية، وكان على رأس تحريرها الشيخ عبده فأقام في هذا العمل سنة وبضعة أشهر يكتب باسمه مقالات في الاستبداد والشورى والأخلاق. ويقول (عباس حافظ) الكاتب المصري: (كانت مقالات المترجم عنه في (الوقائع
المصرية)، والبرهان من مهيئات الثورة ومضرماتها). وكان وهو محرر في الوقائع يصحح أغلاط المقالات الواردة على الجريدة ويقوم اعوجاج أسلوبها أو يقوي ركة تعابيرها. وبذلك خدم اللغة العربية خدمة جليلة، وكانت طريقته أن ينشر الرسالة بنصها ويردفها بما هو أصح منها لغة وأفصح سياقاً، وهكذا صحت لغة الدواوين من علتها وحدثت نهضة مباركة في دوائر الحكومة بحيث هرع سواد الموظفين إلى المدارس الليلية ليطلبوا اللغة العربية الفصحى.
ثم انتقل سنة ١٨٨٢ إلى وظيفة معاون في الداخلية فإلى ناظر لقلم قضايا الجيزة. واضطلع بأهم الأعباء عندما اضطرم لهيب الثورة العرابية حتى انتهى به الأمر إلى أن زج بأعماق السجون وهو يافع لم يبلغ التاسع عشر ربيعاً بتهمة الاندماج في جمعية إرهابية سميت (جمعية الانتقام) وظل سجيناً ٩٨ يوماً. ثم
стр. 2557
مال إلى الاشتغال بالمحاماة فكان أول من قيد أسمه في محكمة مصر محامياً عام ١٨٨٤.
وقد رفع شأن المحاماة في مدة عمله فيها حتى اختارته محكمة الاستئناف نائب قاض وبذلك كان أول محام في مصر رُفّع قاضياً وقد ابتهج لهذا التعيين زملاءه المحامون فاحتفلوا بتكريمه وتهنئته في ١٨ تموز سنة ١٨٩٢ في فندق حديقة الأزبكية فخطب في الحفلة خيار المحامين والمشرعين. وقد قالت فيه صحيفة (الاجبت) تصفه قاضياً: هو من فريق القضاة العصريين الذين يعتقدون أن القانون لا يعاقب رغبة في الانتقام ويرون أن من الواجب الأخذ بالرفق في تنفيذ القانون. وأبدى في القضاء مهارة واستقامة رقتاه إلى وظيفة مستشار في محكمة الاستئناف سنة ١٨٩٢ وانتقل من محكمة الاستئناف إلى وزارة المعارف سنة ١٩٠٧ في الوزارة الفهمية، (مصطفى فهمي باشا) فخدم معارف مصر وكافح العجمة وعزز اللغة العربية وحتم تعميمها في المدارس الثانوية والعالية، وأنشأ ديواناً للترجمة والنشر، وأصلح مناهج التعليم.
ووسد سعد باشا عام ١٩١٠ وزارة الحقانية في الوزارة السعيدية (سعيد باشا) وبقس في هذا المنصب إلى عام ١٩١٣.
وبعد أن قضى مدة قصيرة في عزلته بعيداً عن السياسة انتخب عضواً في الجمعية التشريعية وبقي في الجمعية يدافع عن حقوق المصريين حتى حلت الجمعية في شهر
تشرين الثاني سنة ١٩١٤ فعاد إلى عزلته ودروسه الخاصة.
وعلى أثر إعلان الهدنة ترك العزلة وطفق يجمع المذكرات ويلم حوله الأنصار والأصحاب نظير لطفي بك السيد والوزير إسماعيل صدقي باشا وعلي شعراوي باشا وحمد باشا الباسل ومحمد باشا محمود وطائفة من عيون الأمة. وقرر جميعهم حضور مؤتمر السلام في فرساي لتمثيل الأمة المصرية وعرض مطالبها وقد قصد سعد وعبد العزيز فهمي وشعراوي إلى دار الحماية البريطانية يطلبون استقلال البلاد.
وفي ٨ آذار سنة ١٩١٩ اعتقلت السلطات البريطانية الزعماء الكبار سعد ورفاقه الثلاثة إسماعيل صدقي وحمد الباسل ومحمد محمود ونفتهم إلى مالطة فثار
стр. 2558
الشعب المصري ثورته الوطنية المعلومة فلم تر السلطة بداً من الإفراج عن هؤلاء الأقطاب في ٧ نيسان سنة ١٩١٩ وأجيز لهم فوق ذلك السفر إلى المؤتمر فركبوا البحر قاصدين باريس في ١٢ نيسان سنة ١٩١٩.
وفي هذه الأثناء أرسلت الحكومة البريطانية لجنة اللورد ملنر إلى مصر للتفاهم مع المصريين فقاطعتها الأمة، فعادت إلى لندن ودعا الإنكليز سعد ورفاقه الذين كانوا في أوربة مؤلف الوفد المصري المطالب بحقوق مثر إلى العاصمة البريطانية وعرض هناك اللورد ملنر مشرعه على سعد فرفضه وعاد إلى بلاده سنة ١٩٢٠ فاستقبل استقبالاً عظيماً لم تشهد أرض النيل مثله.
وقبل أن يعلن الإنكليز تصريح ٢٨ شباط ١٩٢٢ اعتقلوا سعد وأبعدوه إلى جزيرة سيشل ونقل منها إلى جبل طارق.
وظل الشعب المصري يلح في مطالبه الوطنية حتى وضع الدستور ودعي زغلول باشا بعد عودته من منفاه - جبل طارق - إلى رئاسة الوزارة فكانت الوزارة السعيدية الوزارة الدستورية الأولى، فأدار سعد سكان سياسة البلاد المصرية إلى أن وقعت حادثة مقتل السردار السر لي ستاك فسقطت وزارته وتألفت الوزارة الزيورية وتعرضت البلاد المصرية إلى خطر الاستبداد وإلغاء الدستور لولا أن تداركها عقلاء الساسة وفي مقدمتهم سعد زغلول باتفاق الأحزاب السياسية سنة ١٩٢٥ فوقفت في وجه الطاغية المستبد وأضطر الإنكليز إلى الرضوخ لصوت الأمة المتحدة فأعيدت انتخابات البرلمان المصري
ففازت سياسة سعد فوزاً مبيناً ثانياً.
ومن مآثره أهن شكا اختلال الأوقاف إلى اللورد كتشنر.
ولقد سعد الفقيد بزوج قامت في خلال نفيه بإعماله فكانت في ذلك الوقت عاملا سياسياً يعتد به.
ومن المشروعات التي اشتغل سعد بها لتعزيز الثقافة في مصر تأسيس الجامعة المصرية التي تطورت الآن بشكل ضخم بحيث أصبحت تعد من مفاخر الشرق العلمية.
стр. 2559
كان سعد خطيباً يفتن الجماعات ببلاغته فتندفع معه إلى حيث يقودها (وهو شجي الصوت تمتزج فيه العذوبة بالمضاء وتشترك الجوارح والأرواح بالعكوف عليه والاصغاء).
وهنا أترك وصف بلاغة زغلول بمثابة كاتب وخطيب لمن عرفه حق المعرفة عن كثب وعاشره، رئيس تحرير جريدته التي تنطلق بمبادئه السياسية الأستاذ عبد القادر حمزة صاحب جريدة (البلاغ) قال: ومن الفضول على ما أظن أن أحاول تصوير سعد باشا كاتباً وخطيباً فان خطبه وبياناته تملأ أسماع مصر والشرق ولناطقين بالضاد جميعاً والغربيون الذين لا يقرأون هذه الخطب والبيانات إلا المنقولة إلى لغاتهم بعد أن تكون قد فقدت أسلوبها وبلاغتها يشهدون
لصاحبها بأنه يملك زمام قارئيه وسامعيه ولكني أحب أن أقول هنا شيئاً يقوله سعد باشا نفسه وهو إنه لا يقول إذا قال ولا يكتب إذا كتب إلا بدافع من عقيدته ووجدانه فهذا هو على ما أظن سبب كبير من أسباب نجاحه في كل خطبه وكتاباته.
(وأكثر ميله حين يكتب إلى الإملاء أما حين يخطب فإنه لا يحب إلا الارتجال).
وقد يلجأ إلى الإلقاء حينما تقيده المواقف السياسية بقيود الألفاظ ولكن ذلك يكون حينئذ عبأ على نفسه حتى أنه ليهجر الورق بعد قليل ويطلق لسانه من غله الثقيل.
(وطريقته هي أنه يعني بالمعنى قبل كل شيء فيهتم أن يكون قوياً وجليلاً فإذا استوى له أخرجه في لفظ قوي جليل حريصاً دائما على أن يكون السياق منطقياً غير زائد عن المعنى ولا ناقص، كذلك هو في كتابته أو خطابته أو حديثه فإذا أنت قرأته أو سمعته خلت أنه ينهض بك إلى مستوى رفيع.
(وإذا كان ذهنه متجهاً دائماً إلى قوة المعنى ورقة التعبير، فكثيراً ما يجد له حتى في خطبه
الارتجالية وخاصة حينما يكون منفعلاً كلمات تنطبع في ذهنك فتتمثل في ذلك صوراً حية، تشعر بأنك تراها بعينك وتلمسها بيدك. مثال ذلك قوله في مشروع ملنر حينما أختلف الناس (هل هو حماية أو استقلال)
стр. 2560
(إنه حماية بالثلث) ثم قوله في إحدى المفاوضات (جورج الخامس يفاوض جورج الخامس).
تجسمت في سعد فكرة في عصره بكل قوة الإيمان الوطني لذلك آمن الشعب به وقدس آماله في شخصه، لذلك لم يمت سعد لأنه فكرة هذه الآمال المتجددة وفي نفس الشعب، وسعد حري بهذه المكانة التي بوأه الشعب إياها فقد كان عظيماً منذ نشأ عظيماً حتى مات).
(كان زعيما بفطرته، يساير الشعب ثم يملك زمامه ويستولي على قياده ويسير به إلى حيث يشاء فلا ينبو الشعب في كفه، أيسع غير قوة جبارة أن تطوي كل قوة أخرى وأن تثور بها الأعاصير من كل ناحية فتثبت وتصلب وتجمع في نفسها على الرغم من كل شيء قوة الحكمة وقوة الشعب وقوة (البرلمان) حتى لقد كان يسعه أن يقول انه مصر.
و (أن التأريخ سيعتبر (سعد زغلول) بلا ريب أعظم شخصية أنجبتها مصر الحديثة (فلقد كان للمترجم عنه نفوذ مغناطيسي على المصريين وكانت مواهبه تبدو في نداءاته للرأي العام أكثر مما تبدو في المفاوضات (الدبلوماسية) الدقيقة ويمكن أن نصف حياته السياسية بأنها تقدم من المحافظة إلى التطرف وقد وصفه (اللورد كرزن) ذات مرة بأنه (زعيم غير مسؤول للهياج).
وحسبك أن تقرأ قول جريدة التايمس فيه عام ١٩٠٦ فتعرف من خسرت مصر اليوم (زغلول من شيعة محمد عبده الذين امتازوا بالارتقاء والتهذيب وهم الذين سماهم اللورد كرومر (فريق الجيروند) في النهضة الوطنية المصرية، وهو مصري عريق في وطنيته أجمع الناس على إكرامه والإعجاب به لما اشتهر عن من الاستقامة والاستقلال).
وأحسن شهادة في الرجل قول (اللورد كرومر) العميد البريطاني في مصر
стр. 2561
في خطبته التي ودع بها البلاد المصرية:
(وإني لأذكر أيها السادة اسم رجل قد علمتني معاشرتي القصيرة له أن أحترمه احترماً عظيماً، وإذا أصاب ظني ولم يخطئ يكون أمام ناظر المعارف الجديد سعد زغلول باشا مستقبل عظيم في سبيل خدمة هذه البلاد ومنفعتها لأنه حائز لجميع الصفات اللازمة لخدمة
بلاده، فهو رجل صادق كفو مستقيم مقتدر، بل هو رجل شجاع فيما هو مقتنع به).
كان سعد زغلول رجلا اجتمعت فيه صفات جليلة قومت تلك الشخصية الكبيرة، منها: الجلادة والقوة الأدبية مع جد ونشاط في الشباب والشيخوخة إذ كان في شيخوخته أنشط من كثير من الشبان مع ملكات ومواهب نادرة ممتازة كالذكاء وسرعة الخاطر وحدة الذهن وحضور الجواب وفصاحة متدفقة ومنطق خلاب مع شيء من الصلابة والقوة والعنف (أفاده في ظروف حياته كما جنى عليه في بعض ظروفها).
وكان محدثاً عذب الحديث، فكان حاضر النكته رقيق المعاشرة.
ومن براعته في الجدل انه كان لبقاً شديد المراس تعرض عليه الحجة محاولاً نقض رأيه فما يلبث أن يعدل بحجتك حتى يتخذها سنداً لرأيه وقد نوه بخلال سعد السرية (قاسم أمين) لما أهدى إليه كتابه (المرأة الجديدة) فقال في كلمة الإهداء: (أن السعادة كل السعادة في حوار من كان له عاطفة سعد وتفكيره وقلبه).
ومن أقواله المأثورة:
كل أمر يقف في طريق حريتنا لا يصح أن نقبله مطلقاً مهما كان مصدره عالياً ومهما كان الأمر به.
كل تقييد للمصريين لابد أن يكون له مبرر من قواعد الحرية نفسها وإلا كان ظلماً.
قد عاهدت الله منذ أن نشأت على أن أًرح بما في ضميري وهذه هي لذتي في حياتي.
стр. 2562
الصحافة حرة في حدود القانون ما تشاء وتنتقد ما تريد، فليسمن الرأي أن نسألها لِم تنتقدنا بل الواجب أن نسأل أنفسنا لم نفعل ما تنتقدنا عليه.
نحن نحب الحرية ولكننا نحب أكثر منها أن تستعمل في موضعها.
جميل جداً أن يقال لا تحجروا على الناس ولا تقيدوا حريتهم وإنها لنغمة لذيذة يحسن وقعها في الأسماع والقلوب. ولكنا لا نريد الحجر على الناس ولا تقييد حريتهم بل نريد حماية الحق وصيانته من أن يتمتع به غير صاحبه من حيث يحرم منه صاحبه.
ومن خلقه الكريم شدة وفائه لأنصاره وحبه الخالص لأصدقائه (ولم يفهم سعد إلا من خاصمه سياسياً وخاصمه للمصلحة العامة دون سواها. كان سعد رجلاً وكفى إنه كان كذلك).
حقاً (إن زغلول باشا هو المصري بين جميع المصريين الذين كان نادر الفطنة والشرف السياسي، وكان يقصد ما يقول، وينفذ ما يعد، تلك صفات سببت نفيه ثلاث مرات ولم يستطع الإنكليز إغراءه بان يقبل لمصر ظل الحرية مع اختصاصه هو بنفوذ حقيقي وظهور عظيم لشخصيته).
ومن صفاته الباهرة بل ومن أسرار عظمته تسامحه الديني، فقد ولد مسلماً وكل ما بدا منه طول عمره دل على شدة العقيدة، وطالما أفتخر بانتسابه إلى الأزهر؛ ولكنه كان مع ذلك آية في التسامح الديني يعالج داء عضالاً في المجتمع الشرقي وقد عمل جهده في مدة زعامته في مكافحة هذا الداء بالقول والعمل فلم يميز بين المسلم والنصراني واليهودي في خدمة البلاد والحقوق والواجبات، ولا سيما عندما كان رئيساً للوزارة المصرية، فقد زاره جماعة من السوريين المتمصرين على أثر انتقاء أخطاء مجلس الشيوخ المصري وشكروه على تعيين ثلاثة من النصارى منهم أخطاء في المجلس المذكور، فأجابهم: (إني لا أعرفهم بهذا الوصف بل أعرفهم مواطنين مصريين وعليهم أن ينهضوا بعبء العمل كما ينهض إخوانهم.)
стр. 2563
لم يؤلف سعد تأليفاً خاصاً لانصرافه إلى الأشغال السياسية وما تقتضيه من الكتابة والخطابة، وقد ذكر انه لخص في صبح شبابه كتاب (ابن مسكويه) وطبع منه أغلبه. ولكنه كتب مقالات كثيرة في جرائد (مصر) و (البرهان) و (المحروسة) وغيرها وكلها ترمي إلى التحرر والانعتاق من أغلال الأجنبي، جمع من خطبه كتب عديدة ولا يزال بعضها منثوراً في الصحف والمجلات.
وأول ما اعتراه في أواخر حياته كان بمصيفه في (مسجد وصيف) يوم الاثنين ال ١٥ من آب سنة ١٩٢٧ إذ أصابته (الحمرة) فارتفعت حرارة جسمه، فعاده الأطباء وأسعفوه ثم قرروا نقله إلى القاهرة فرجع إليها على الباخرة النيلية (محاسن) واطمأن في داره. وظهر التحسن في صحته، ولكنه أصبح يوم الاثنين تعباً وعادت حرارته إلى فارتفعت وفي صبح الثلاثاء تهامس أطباؤه بأن حياته في خطر، وشعر هو بدنو أجله، وكان آخر ما قاله لزوجته النبيلة (إني انتهيت). وظل طول ذلك اليوم محتبس اللسان حتى فاضت روحه الساعة العاشرة مساء (الثلاثاء ٢٣ آب ١٩٢٧) فأصدر مجلس الوزراء المصري بلاغاً
رسمياً بالفاجعة، كما نشرت إدارة الأمن العام نظام تشييع الجنازة وقد شيع جثمانه إلى مرقده الأخير بموكب فخم لم يشهد المصريون تشييعاً مثله لعظيم من عظمائهم في القرن الأخير، وطفحت الصحف المصرية، وكذلك الصحف العربية والإفرنجية، بالبحث عنه ووصف عظم الرز فيه واتشحت بالحداد عليه ثلاثة أيام وبكته الأقلام ورثاه الشعراء.
وقرر مجلس الوزراء تخليداً لهذا الرجل العامل:
١ - أن يقام تمثال في القاهرة وآخر في الإسكندرية ينصبان في أهم الميادين العامة في المدينتين.
٢ - أن تشتري الحكومة بيته المسمى بيت الأمة وتضمه إلى الأملاك العمومية المخصصة بالمنافع العامة، على أن يبقى حق السكنى فيه لحرم الفقيد مدى الحياة.
٣ - أن ينشأ في مستشفى أو ملجأ في القاهرة يطلق عليه اسم (سعد زغلول).
стр. 2564
٤ - أن تشتري الحكومة البيت الذي ولد فيه ببلدة (أبيانة) بمركز (فوه) بمديرية الغربية وتضمه إلى الأملاك العامة المخصصة بنفع الجمهور.
ومما يروى عن مترجمنا في مواقف غيرته وعنفه أن ساقه الحديث يوماً وهو وزير للحقانية أمام الخديوي عباس حلمي الثاني فاندفع برغم حجته بالبراهين ثم دق بيده على المنضدة دافعاً حجة أمير مصر قائلاً (أنا الوزير المسؤول فلا بد من إقرار مشروعي) شأنه في ذلك أمام منضدة المحكمة حينما كان يدفع حجة زميله المحامي.
ووفد عليه في أحد الأيام جمهور من الفلاحين فغصت بهم ساحة بيته، فخرج إليهم وجلس على الأرض معهم وهو يقول (أنا فلاح مثلكم) لذلك قالت فيه جريدة (أفننك استندر) (كان له دهاء الفلاحين يشبه الرئيس كروكر فقد كان كلاهما وطنيين مخلصين متفانين في إخلاصهما لكن زغلول أقل فظاظة من كروكر.) وشبهته لمصر جريدة (شفيلد ديلي تلغراف) (بدفاليرا) لارلندة وقالت أن غريزته السياسية أعظم من غريزة (دفاليرا).
رفائيل بطي
بعيجة لا بيجي
دجلة في انحدارها من الموصل إلى بغداد تمر بموطن ضيق يظهر للرائي كأن دجلة تبعج المكان، فترى السماء بين الحالقين أو الجبلين فسمى الأهلون ذلك الموطن (بعيجة) (بالتصغير) ولما كان الإنكليز لا يستطيعون أن يلفظوا العين لفظاً صحيحاً فقالوا (بيجة) ثم أن أهالي تلك الأنحاء يميلون بلفظ الهاء إلى الياء فقالوا بيجي واليوم لا تسمع من أفواه الأهالي أنفسهم إلا (بيجي) أي بفتح الباء وإسكان الياء وكسر الجيم وبياء ساكنة في الآخر ومنهم من يشدها. فإذا مر قرن على مسخ هذه اللفظة، فمن ذا الذي يعرف أصلها؟ - ذلك من أثر القوي في الضعيف.
стр. 2565
مأتم أمة
رثاء سعد زغلول
سامح شجي مدامعي ونواحي ... طاحت بموتك دولة الإصلاح!
يا ذاهباً وفي كل نفسٍ بضعة ... من روحه خلدت في الأرواح!
من كان يبلغ ما بلغت إذا نأى ... يبكي كما يبكي الغروب الضاحي
والشمس تضحك للدموع ونورها ... يهتز بين تعاتب وتلاح
نحن الذين نخاف عند مغيبها ... من عالم الأوهام والأشباح
وهي التي تبقى متوجة السنا ... والأرض دائرة دوار فلاح
قسماً بقدرك ما رحلت مودعاً ... لكن ذهبت إلى جديد صباح!
ستعيش في شتى المظاهر واهباً ... للنور والإلهام والإفصاح
فإذا بكيت فما بكيتك جوهراً ... لكن بدمع للتخاذل ماح
وإذا توهمت الفضائل يتمها ... عذراً، فجسمك هيكل الصلاح
ماذا؟. . . أتنعى أنت يا علماً له ... علم على الحق المسيطر ضاح؟!
أتظن ميتاً والعقول شهيدة ... بوجودك المتألق الوضاح
ما مات من أحيا كرامة أمة ... وأعز دولتها بغير سلاح
الواحد الجبار عند رسوخه ... للحق يطرد جيشه ويلاحي
والدائم النظرات في تعليمه ... وكأنه سور من (الإصحاح)!
سير يدبجها (الخلود) مناحه ... وتخط بين جنازة الرواح!
стр. 2566
آمال أمتك الحزينة مثلت ... بصنوف أهليها وبالفلاح
فكل طائفة عرفت مواسياً ... ودموعها وافتك غير شحاح
في موكب وجم (الزمان) حياله ... فمضى بحقبته كعصف رياح!
لم يدر فيه الخلق كيف تصرفت ... ويلاته فمضوا إلى الشراح
يمشون في نسق المنظم سيره ... وهو العثور برزئه الفداح
وتنكس الأعلام حولك من أسى ... وهي في حيتك في الأفراح
والناس تلجأ إلى الصموت ولم تكن ... وترضى بغير تهافت وصياح
وسماع صوتك يا خطيباً عمره ... خطب سمون بأشرف الأوضاح!
سكتوا، ومن بين الجوانح ناطق ... سكرى، وفي كل وفائك صاح!
صرعى المصاب، وما تملك حسهم ... عسف وأسرى في انطلاق سراح
والجند مثل الشعب ليس لصبرهم ... حكم على شجن لهم مجتاح
تجري الفجيعة في خطوط وجوههم ... جري الدموع على خدود ملاح
وينوء أبطال دعوك فلم تجب ... بعظيمة الآلام والأتراح
يمشون كالأسد المكبل صاغراً ... في ذل أوجاع وعز وكفاح!
لله هذا اليوم!. . . كيف يهزني ... هزاً، ويسقيني أمر الراح
بتعاسة المحروم من أحلامه ... وشقاوة المسموم بالأقداح
في موقف المنصور خلف رئيسه ... والطائر المأسور دون جناح
والشعر يجري في دموع يراعتي ... جري السواد على ربى وبطاح
ليس عليك اليوم (مصر) حدادها ... من بطن تربتها إلى الادواح
وأبت شراب (النيل) وهو بحمرة ... فيها دلالة حزنه السحاح
стр. 2567
وأرى الأزهار في ذبول سماتها ... مثل الوفاء لدى ذهاب سماح
وأرى الجداول في دوام خريرها ... ترثي البخيل بدرها المسماح
وأرى الطيور على طويل أنينها ... حيرى لغيبة ربها الصداح
وأرى جميع الطيبات (بطيبة) ... في مأتم صدفت عن النصاح
أو لست أنت مجمعاً أشتاتها ... مسترجعاً عهداً كعهد (فتاح)؟!
وأباً لحرياتها وحياتها ... فنداك محفوظ على الألواح؟!
صبغت به حمر الورود وضرجت ... بدم بذلت مدامع لاقاح
وتشبعت بجميل حبك غضة ... فتجاوبت بأريجها الفياح
وطن خصصت به حنانك كله ... فسرى مشاعاً فيه دون جماح
فعليه مسحة ما أفضت من الهوى ... ولنا يعود الشوق عود مباح!
تمضي وقد مضت المعارك نصرة ... للشعب بين تحايل ونطاح
مستسلما للموت لا عن رهبة ... لكن بحس المنقذ الفتاح
كالقائد الغلاب يضمن يومه ... لغد فيرقد بعد جهد طماح
والسيد الربان يبلغ شطه ... فينام نوم الظافر الملاح
يغفي فيحسده دعي لم ينم ... والنوم رمز تغلب الطماح
تتحدث الأنباء عنه، وليس ما ... ظنته بعد جلاله بمتاح!
صفحا لمرثاة الوفاء صريعة ... شعر الوفاء كفجرك المنصاح
خطأ أسميه (الغروب) فانه ... مبدأ لآمال بزغن صحاح
وكذلك شعري في الرثاء مروعاً ... مسفوك أحلام وبعض أضاح
стр. 2568
إن كنت تجزيه البقاء فهل ترى ... يبقى الندى في غيبة النفاح؟!
عش رغم الدهر أي مقدس ... والبث (كجودانيس) والمصباح!
متلمسين على الظلام شعاعه ... نحو الحقيقة خبئت بصفاح!
نحو المآثر والمفاخر كلها ... نحو العوارف من رضى المناح
قد كنت تكرم مستعز عواطفي ... وتسر من أدبي الشريف الساح
ولو استطعت اليوم نشر كريمه ... براً لجاء طهورة الأرواح
لكن مثلك في صفات خلوده ... بات الغني غني عن الامداح
(فرعون) أنت بعزمه ومهابة ... وبجرأة وتسامح (كصلاح)
حتى بموتك فالعيون غضيضة ... لحجاك مقتولاً بغير جراح
مثل (المسيح) قضى شهيد محبة ... ليعيش فوق تناول السفاح
وكذاك أنت قضى الزمان قضاءه ... في الجسم، فأستعلي الجنان الصاحي!
وينازع التاريخ فيك (عظامه) ... العارفون تناسخ الأرواح!
من كل مفخرة قبست جواهرا ... فزهت بتاج ذكائك اللماح
وحفظت (للنيل) الفخور مكانة ... تبقى برغم تتابع النزاح
عشت السخي بكل تضحية له ... وتموت في الأحياء أي إباحي!
الإسكندرية في ٢٤ أغسطس سنة ١٩٢٧
أحمد زكي أبو شادي
أسماء مطابع بغداد مرتبة على حروف المعجم
١ - الاستقلال. ٢ - الأوقات البغدادية. ٣ - أيتام اللاتين. ٤ - الحديثة. ٥ - الحكومة. ٦ - دار السلام. ٧ - دنكور. ٨ - السريان. ٩ - الصناعة. ١٠ - العراق. ١١ - العسكرية. ١٢ - الفرات. ١٣ - الفلاح. ١٤ - كباي. ١٥ - النجاح. ١٦ - الوطنية.
стр. 2569
اصل بيت لحم
لا غرابة في أن تكثر على العائد أي الوطن أسئلة المحادثين في شأن الأصقاع القادم هو منها، ولا سيما إذا كانت البلاد الشهيرة وكانت منزلتها في نظرهم منزلة عالية مثل بلاد فلسطين وفي رأسها عاصمتها القدس الشريف وما جاورها من المدن ذات الشأن.
فمن جملة ما وقع الحديث في صدده في أحد المجالس هو أصل اسم (بيت لحم) التي طبق صيتها الخافقين منذ ولد فيها السيد المسيح.
وعليه أحببت أن آتي قراء هذه المجلة الزاهرة بكلمة عن هذا الموضوع إذ بذلك يتسنى لي عرض مثال حسي لما قد طالما وددت كما يود ذوو الشأن والاختصاص أن يقف على حقيقته أبناء اللغة العربية ولا سيما أهل هذه الديار وهو أن أنجع الوسائل للتوصل إلى استطلاع خصائص العربية وكل واحدة من أخواتها السامية هو مقارنة أصول هذه الألسن وخواص بعضها ببعض مما قد نشأ عنه علم قائم بذاته سماه الفرنج واضعوه:
أي علم مقابلة الألسن السامية أو بالاختصار: (الألسنية السامية).
(بيت لحم) اسم لمدينة صغيرة جميلة في فلسطين واقعة في غربي القدس تبعد عنها نحو ١٠ كيلومترات. وأول مرة جاء ذكر هذا الاسم قديماً كان في أعتق سفر من أسفار التوراة وهو سفر التكوين وذلك عند سرد قصة عودة يعقوب أبي الأسباط من ربوع بين النهرين وولادة راحيل امرأته وموتها ودفنه لها في موضع قريب من (بيت لحم) أقيم فيه مزار لليهود حتى اليوم.
بيت لحم اسم عبري مركب من كلمتين وهما بيت ولحم. ومعناهما الظاهري بيت الخبز. ولهذين اللفظيين وجود في غير العبرية من اللغات السامية أي في
стр. 2570
الارمية والعربية. أما بيت فمدلوله واحد في الألسن الثلاثة. وأما لحم فالعبريون يلفظون حاءه خاء أي (لخم). وأما العرب والارميون فقد أبقوا لفظها حاء. والعبرية والارمية متفقتان في ما ضمنتاه في لفظه من المعنى أي (الخبز) أما العربية فتخالفهما في تلك الدلالة ذا أن كلمة لحم لا يراد بها الخبز بل هذه المادة المرنة الداخلة في تكوين أجسام الحيوانات الصالح أكثرها لأكل
البشر. إلا إننا إذا تقصينا في معنى هذين الحرفين في عريق الأزمان اطلعنا على موادهما الأصلي وعرفنا تطوره وكيف نشأ اختلافه في هذه اللغات.
أما البيت فهو اسم مشتق من فعل (بات يبيت) المشترك في جميع الألسن السامية ودلالته: قضى الليل في موطن من المواطن. وإذا كان الساميون في عصر بداوتهم يبيتون تحت الخيم سميت الخيمة (بيتاً) وأطلقوا اسم البيت بعد تحضرهم على المنزل سواء أكان من مدر أو حجر. على إن الناس كانوا ولا يزالون يسكنون معاً لفطرتهم الاجتماعية ولذلك شمل اسم البيت كل طائفة من المنازل أو كل قرية أو ناحية نزل فيها حي من الأحياء أو قبيلة من القبائل ولنا على ذلك في اللسان الارمي وفي البلاد الفلسطينية واللبنانية والعراقية وهي من المواطن المألوفة للساميين أمثلة كثيرة منها: في فلسطين: بيت فاجي، بيت جالا، بيت جبرين. وفي لبنان: بكفيا، برمانا، بيت الدين. وفي العراق: باجرمي، بحشيقا، بحزاني. (والباء في هذه الأسماء مقطوعة من بيت) واسم بغداد عينه. فانه - كما حققه الأستاذ غنيمة وطنينا المدقق - مركب من لفظين وهما: (بيت كدادا) ومعناهما في الارمية: بيت الضان أو حظيرة الغنم.
أما (لحم) وإن دلت على الخبز في العبرية والارمية وعلى اللحم في العربية إلا إنه يسهل علينا التوفيق بين المعنيين ورفع الشبهات إذا عرفنا أن كلمة (لحم) في العبرية لا تدل على الخبز إلا من باب التقييد وأما معناها المطلق أي القديم فهو الطعام أو القوت. وهو هذا المدلول عينه في اللغة السامية أم هذه الأخوات، أما بعد تفرق الشعوب السامية فقد تطور مدلوله - وإذ كان الخبز واللحم المادتين الشائع استعمالهم للعيشة بين البشر وكان اللحم أوفر عند العرب
стр. 2571
في غالب الأحيان لميلهم إلى عيشة البداوة ورعاية الغنم والمواشي ورغبتهم عن مزاولة الزراعة، عرفوا اللحم أكثر من الخبز وقيدت عندهم كلمة اللحم السامية في المعنى المشهور. وإذ كان العبريون والارميون يزاولون بوجه عام الزراعة واستغلال الأرض كثرت عندهم الحبوب وفي مقدمتها الحنطة والشعير فقيد لفظ اللحم بمدلول الخبز. وحيث تزيد الزروع والمواشي يتضاعف مقدار اللحم والخبز فينجم عنه وفرة القوت. والأرض التي يتوفر فيها القوت هي الأرض المخصبة وهي التي يتردد إليها القوم ويفضلونها على غيرها فتطير شهرتها وتزيد خطورتها.
فمعنى (بيت لحم) ليس إذا بيت الخبز وحسب، بل معناه (أرض القوت) أو (الأرض المخصبة) وهذا كان واقع الحال قديما وحديثاً فإن أرض بيت لحم تفوق ما يجاورها من الأراضي خصباً وغلة وموقعاً ومجالاً. ومما يزيد في مبلغ هذا البرهان قوة هو إن بيت لحم مرادفاً يذكر في الكتاب المقدس عند ذكر اسمها وهو كلمة (أفراثة) وموادها في العبرية الخصبة وهذا نص الكتاب بحرفه: (وماتت راحيل ودفنت في طريق أفراثة وهي بيت لحم. ونصب يعقوب نصباً على قبرها وهو نصب قبر راحيل إلى اليوم) (سفر الخلق ٣٥: ١٩و٢٠).
الأب أ. س. مرمرجي الدمنكي
أحد أساتذة المعهد الكتابي والأثري الفرنسي في القدس
الشريف
لغة العرب: - الذي عندنا أن كلمة (لحم) بمعنى خبز انتقلت بصورة (لقم) العربية ولما كان الخبز يكثر في طعام جميع الناس سموا كل ما يدخل الفم (لقما) من باب التوسع، قال اللسان: لقمت الطعام ألقمته. . . واللقمة ما تهيئه للفم. اهـ. وأنت تعلم أن الطعام أكثر ما ورد معناه لما نسميه الحبوب، ولا سيما الحنطة. وهذا المعنى معروف إلى يومنا هذا في العراق. قال في لسان العرب: وأهل الحجاز (وعن بعضهم أخذ لسان العرب) إذا أطلقوا اللفظ بالطعام عنو به البر خاصة. وفي حديث أبي سعيد: كنا نخرج صدقة الفطر على عهد رسول الله ﷺ صاعا من طعام أو صاعاً من شعير. قيل أراد به البر وقيل التمر وهو أشبه لأن البر كان عندهم قليلاً لا يتسع لإخراج زكاة الفطر. وقال الخليل. العالي في كلام العرب أن الطعام هو البر خاصة. أه.
وعلى كل حال فاللحم واللقم من باب واحد وإن أختلف الحرفان فاختلافهما من لغتهم فقد قالوا الفقي والحفي قرش وحرش، تبقر في العلم وتبحر. القفاوة والحفاوة. القابول والحابول. إلى غيرها.
стр. 2572
القلم
الشعر الخالد هو الشعر المتين المعاني القائم على صرح منبع
الكلم التي تذب عنه عوادي الزمن والمحن. وهذا ما تراه في
نظم الشاعر العصري احمد محرم.
لغة العرب
عتاد الكاتبين لكل خطب ... يطيش لهوله البطل الثبيت
أعيذك أن تبيت لكل عاد ... كذي السلب الموزع إذ يبيت
أتجزع للأذى جزعي وتشقى ... بدعوى الصائحين كما شقيت
رويدك إنني بك مستعين ... فكن لي في النضال إذا رميت
إذ لم يبق حولك ذو وفاء ... أقمت على الوفاء وإن فنيت
رأيت الخانين وكيف تنسى ... فما خنت الذمام ولا نسيت
أعادي فيك كل فتى دعي ... وأمنع من ذمارك ما وليت
وإني حين ترتكض المنايا ... إذا فزع الحماة لمستميت
إذا أنا لم أمت شهوات نفسي ... أريد لك الحياة فلا حييت
أردت الملك مضطرب النواحي ... فما ضاق البيان ولا عييت
وأحببت الخلود فكان تاجا ... كسيت به الجلال كمل كسيت
فليس كجاهك الأزلي جاه ... ولي كصيتك الأبدي صيت
ملكت فلم أجد في الدهر حكما ... كحكمك حين تحيي أو تميت
لعلك منصفي إذا هان قوم ... فما اخترت الهوان ولا رضيت
أما يرضيك إني عشت حراً ... وإني ما أمرت ولا نهيت
بلادي إذ أحب وإذ أعادي ... وربي إن رجوت وأن خشيت
أأعبث بالأمانة وهي ذخري ... وأجتنب السبيل وما عميت
لئن غز الجزاء على أناس ... فحسبي من توالك ما جزيت
لعمر القائلين أما نراه ... يصيب غنى الحياة قد غنيت
جعلت لك الشباب حمى فلما ... لقيت الشيب زانك ما لقيت
دمنهور (مصر): أحمد محرم
стр. 2573
الحوادث الجامعة والتجارب النافعة في المائة التاسعة
للشيخ كمال الدين عبد الرزاق المعروف بالفوطي
يعد التمهيد الذي مهدته في الجزء الرابع من هذه السنة (لغة العرب ٥: ٢١٦ وما يليها). حان لي أن أعرف ابن الجوزي مؤلف كتاب مناقب بغداد بنقلي ما ورد في كتاب الحوادث الجامعة على أنباء ابن الجوزي ولعل تراجمهم المطولة وردت في كتاب بقات الحنابلة لأبن رجب المتوفى سنة ٧٩٥ الوارد في مصادر خطط الشام لمحمد كرد علي في ص١١.
وسيؤيد نقلي أن المصنف هو غير ابن الجوزي الذي ظنه الأثري وانه غير الذي عرفه غنيمة وأما ما جاء عن أصحاب هذا البيت في مرآة الجنان لليافعي المتوفى في سنة ٧٩٨هـ (١٣٩٥ - ١٣٩٦م) المطبوع في حيدر آباد الدكن في سنة ١٣٣٩هـ (٤: ١٤٧) فإنه لا يروي الغليل قال الكاتب: وفيها (وفي سنة ٦٥٦هـ) توفي سفير الخلافة محي الدين يوسف ابن الشيخ أبي الفرج عبد الرحمن المعروف بابن الجوزي كان أستاذ دار المعتصم) (أي المستعصم) كثير المحافظة قوي المشاركة في العلوم وافر الحشمة، ضربت عنقه هو وأولاده) اهـ.
سنة ٦٢٦ (١٢٢٨م) وفيها عزل (محي الدين يوسف ابن الجوزي) عن النظر بخزانة الغلات بباب المراتب ورتب عوضه كمال الدين عبد الرحيم بن ياسين ثم عزل أيضاً عن ديوان الجوالي ورتب عوضه محي الدين بن فضلان.
سنة ٦٢٨ (١٣٢٠م) في المحرم وصل إلى بغداد مظفر الدين أبو سعيد كوكبري بن زين العابدين علي كوجك صاحب أربل ولم يكن قدم بغداد قبل ذلك وكان معه (محي الدين يوسف بن الجوزي) وسعد الدين حسن ابن الحاجب علي وكانا قد توجها إليه في السنة الخالية فخرج إلى لقائه فخر الدين أحمد بن مؤيد الدين القمي نائب الوزارة والأمراء كافة والقضاة والمدرسون وجميع أرباب
стр. 2574
المناصب فلقوه نحو فرسخ ولقيه فخر الدين ابن القمي بظاهر السور واعتنقا راكبين ثم نزلا. فقال فخر الدين:
لما انتهى إلى مقار (كذا ولعلها مقام. ل. ع) العز والجلال ومعدن الرحمة والكرم والأفضال - لا زالت الأبواب الشريفة ملجأ القاصدين والأعتاب المنيفة منهلاً للواردين! وصولك يا
مظفر الدين! أعلى الله المراسم الشريفة واسماها وأنفذ أوامرها مشارق الأرض ومغاربها وأمضاها! قصدك وتلقيك وأحماد مساعيك إكراماً لك واحتراماً لجانبك. فليقابل ما شملك من الأنغام بتقبيل الرغام، والدعاء الصالح الوافر الأقسام، المفترض على كافة الاقسام، المفترض على كافة الأنام والله ولي أمير المؤمنين.
فقبل الأرض حينئذ مراراً ثم دخلوا جميعاً إلى البلد، فلما وصل إلى باب النوبي ساق (كذا ولعلها سبق) فخر الدين وسبقها مظفر الدين وقبل العتبة وعضده الأجل نور الدين أبو الفضل بن الناقد أحد حجاب المناطق بالديوان ثم ركب وقصد دار الوزارة فلقي مؤيد الدين القمي وجلس هناك وركب نائب الوزارة وولده وجميع أرباب الدولة والأمراء وتوجهوا نحو دار الخلافة.
فأما مؤيد الدين وولده وخواصه فدخلوا من (الباب القائمي) باب المشرعة وأما الولاة والأمراء فدخلوا من (باب عليان) و (باب المحرم) وانتهى الجميع إلى تحت (التاج) على شاطئ دجلة. ووقفوا على (الدار الشاطية) (كذا) ذات الشبابيك ثم استدعي مظفر الدين من دار الوزارة بالأمير عز الدين البقرا الظاهري وبأحد خدم الخليفة فحضر فرفعت الستارة فقبل الجميع الأرض وكان قد نصب تحت الشباك الأوسط كرسي ذو درج فرقي عليه نائب الوزارة وأستاذ الدار وابن الناقد ومظفر الدين. وسلم مظفر الدين مشيراً بيده إلى الشباك تالياً
стр. 2575
قوله تعالى (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي) فرد الخليفة ﵇ فقبل الأرض مراراً ثم شكر الخليفة سعيه فأكثر من تقبيل الأرض والدعاء فأسبلت الستارة وعدل بمظفر الدين إلى حجرة فخلع عليه فيها وقلد سيفين وقدم له فرس بمركب ذهباً ومشدة ورفع وراءه سنجقان مذهبان وخرج من الباب القائمي المعروف باب التمر بالمشرعة وبه كان قد دخل. وبقي في خدمته إلى حيث أنزل بدار شمس الدين بن سنقر.
ذكر فتح المستنصرية
سنة ٦٣١ (١٢٣٣م) في جمادي الآخرة تكامل بناء المدرسة المستنصرية التي أمر بإنشائها الخليفة المستنصر بالله - وكان الشروع فيها سنة خمس وعشرين وستمائة وأنفق عليها أموال كثيرة - فركب نصير الدين بن الناقد نائب الوزارة في يوم الاثنين خامس عشر جمادي الآخرة وقصد دار الخلافة واجتاز بها إلى دجلة ونزل في شبارة من باب البشرى
مصعداً إلى الدار المستجدة المجاورة لهذه المدرسة وصعد إليها وقبَّل عتبتها ودخلها وطاف بها ودعا لمالكها وكان معه أستاذ الدار مؤيد الدين أبو طالب محمد بن العلقمي وهو الذي تولى عمارتها ثم عاد متوجهاً إلى داره في الطريق التي جاء بها وخلع على أستاذ الدار وعلى أخيه أبي جعفر وعلى حاجبيه عبد الله بن جمهور وعلى المعمار والفراشين المرتبين في الدار المذكورة المستجدة وعلى مقدمي الصناع.
ونقل في هذا اليوم إلى المدرسة من الربعات الشريفة والكتب النفيسة المحتوية على العلوم الدينية والأدبية ما حمله مائة وستون حمالاً وجعلت في خزانة الكتب. وتقدم إلى الشيخ عبد العزيز شيخ رباط الحريم بالحضور بالمدرسة واثبات الكتب واعتبارها والي ولده العدل ضياء الدين أحمد الخازن بخزانة كتب الخليفة التي في داره أيضاً فحضر وأعتبرها ورتبها أحسن ترتيب مفصلاً
стр. 2576
لفنونها ليسهل تناولها ولا يتعب مناولها.
وفي بعض هذه الأيام حضر الخليفة هناك وحضر الشيخ عبد العزيز بين يديه وسلم عليه وعقب دعاءه بأن تلا قوله تعالى: (تبارك الذي إن شاء جعل لك خيراً من ذلك جنات تجري من تحتها الأنهار ويجعل لك قصوراً). فبدأ خشوع الخليفة وتقاطرت دموعه.
وفي يوم الخميس خامس رجب حضر نصير الدين نائب الوزارة وسائر الولاة والحجاب والقضاة والمدرسون والفقهاء ومشايخ الربط والصوفية والوعاظ والقراء والشعراء وجماعة من أعيان التجار الغرباء إلى المدرسة وقد تخير لكل مذهب من المدارس وغيرها اثنان وستون نفساً. ورتب لها مدرسان ونائبا تدريس. أما المدرسان فمحي الدين أبو عبد الله محمد بن يحيى بن فضلان الشافعي ورشيد الدين أبو حفص عمر بن محمد الفرغاني الحنفي. وخلع على كل واحد منهما جبة سوداء وطرحة كحلية وأعطي بغلة بمركب وعدة كاملة. وأما النائبان (فجمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن يوسف الجوزي الحنبلي) نيابة عن (والده) لأنه كان مسافراً في بعض مهام الديوان. والآخر أبو الحسن علي المغربي المالكي وخلع على كل واحد منهما قميص مصمت وعمامة قصب ثم خلع على جميع المعيدين - وهم لكل مذهب أربعة - خلعاً بالحكاية. ثم خلع على جميع الفقهاء المثبتين بها قمصان دمياطي وبقاقير قصب. ثم خلع على المتوالين للعمارة والصناع والحاشية وعلى المعينين للخدمة بخزانة الكتب. وهم الشمس علي بن الكتبي والخازن والعماد علي بن
الدباس المشرف والجمال إبراهيم بن حذيفة المناول.
ثم مد سماط في صحن المدرسة أجمع فكان عليه من الأشربة والحلواء وأنواع الأطعمة ما يجاوز حد الكثرة فتناوله الحاضرون تعبية وتكويراً ثم أفيضت الخلع على الحاضرين من المدرسين ومشايخ الربط والمعيدين بالمدارس
стр. 2577
والشعراء والتجار الغرباء ثم أنشد الشعراء المدائح فيها وفي مُنشئها.
فممن أورد العدل أبو المعالي القاسم بن أبي الحديد المدائني الفقيه الشافعي:
ما مثل الفلك العظيم لمبصر ... في الأرض قبل ايالة المستنصر
تلخيص شروط المدرسة. . . (استغني عن النقل بإحالتي القارئ على المشرق (٥ (١٩٠٢): ١٦٦) وعلى اليقين (٣ (١٣٤٤هـ): ٤٨٩ - ٤٩٠) وما حذفه النقل هو: (البرز والفرش والتعهد) بعد كلمة الصابون).
وفي شهر رمضان وصل (محي الدين يوسف بن الجوزي) من مصر وخلع عليه بدار الوزارة خلعة التدريس على الحنابلة بالمدرسة المستنصرية وحضر المدرسة بالخلعة ومعه جميع الولاة والحجاب فجلس على السدة وخطب وذكر دروساً. . .
سنة ٦٣٣ (١٢٣٥م) وفي ثامن عشر شعبان تقد إلى (أبي الفرج عبد الرحمن بن الجوزي) بالجلوس في الرباط المجاور لمعروف الكرخي المقابل لتربة واقفته وحضر ناصر الدين ولما أنفض المجلس مد سماط عظيم ثم خلع عليه في حادي عشرية في دار الوزارة وقدم له فرس عربي بمركب ذهباً
стр. 2578
ومشدة وأعطي علم بمشاد وجعنايين وخلع على جميع أصحابه وأتباعه ومماليكه وأعطي عدة أرؤس من الخيل وثياب كثيرة وخمسة وعشرون ألف دينار وخمسون جملاً وكراعاً كثيراً وآلات ومفارش وغير ذلك. وتوجه إلى مستقره وقد أصلحت الحال بينه وبين عميه الكامل والأشرف.
وفيهما تكامل بناء الإيوان الذي أنشئ مقابل المدرسة المستنصرية (للاختصار أحيل القارئ على المشرق (١٠) (٥ (١٩٠٢): ١٦٦ - ١٦٧) واليقين (١٠) (٣ (١٣٤٤): ٤٩٠ - ٤٩١) والزهراء المجلة المصرية (٣ (١٣٤٥هـ ١٩٢٦م): ٢٥٤).
سنة ٦٣٤ (١٢٣٦م) وفي هذه السنة قصد ملك الروم مدينة آمد وحصرها وضيق على أهلها وجرى بين العسكريين قتال. وقتل من الفريقين خلق كثير وقلت الأقوات وتعذرت
على أهل البلد فأرسل صاحبها إلى الخليفة يعرفه ذلك ويسأله مراسلة ملك الروم في الكف عنه، فأمر الخليفة بإنقاذ (أبي محمد يوسف ابن الجوزي) فتوجه نحوه قال: لما وصلت إليه وجدت عساكره قد أحاطت بمدينة آمد وأهل البلد في ضرٍ عظيم فعرضت عليه مكتوب الديوان، فذكر أن أولئك الذين ابتدءوا وقتلوا أصحابه. قال؛ فأخرجت خط الخليفة بقلمه وتلوت قوله تعالى: (كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب) وقبلته وسلمته إليه فقام ووضعه على عينيه ورأسه وقرأه وأمر بالحال بالكف عن القتال والرحيل عن البلد.
стр. 2579
سنة ٦٣٥ (١٢٣٧م) وفي ربيع الآخر تقد إلى المدرسين والفقهاء ومشايخ الربط والصوفية وأرباب الدولة من الصدور والأمراء بحضور جامع القصر لأجل الصلة على أبنه بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل زوجة الأمير علاء الدين الطبرسي الدويدار الكبير وصلي عليها في القبلة وشيع الكل جنازتها إلى المشهد الكاظمي ودفنت إلى جانب ولدها في الإيوان المقابل للداخل إلى مصف الحضرة المقدسة في ضريح مفرد، قيل أنها كانت نفساء عن نيف وعشرين سنة. ومدة مقامها في بغداد عشر سنين وعمل العزاء في دار الأمير علاء الدين وحضر النقيب الطاهر الحسين بن الأقساسي وموكب الديوان وأقامه من العزاء. ونفذ المحتسب (أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي) إلى بدر الدين لؤلؤ ليقيمه من العزاء.
سنة ٦٣٦ (١٢٣٨م) في هذه السنة ملك الملك الصالح أيوب. . . مدينة دمشق. . . ثم إن الملك الصالح أيوب صاحب سنجار راسل الملك الجواد وطلب منه دمشق على أن يعوضه عنها سنجار فأجابه إلى ذلك وسلمها إليه وانتقل منها إلى سنجار فلما استقر الملك الصالح في دمشق وملكها حدَّث نفسه بأخذ مصر من أخيه العادل محمد. . . فبلغ أخاه العادل فأرسل إلى الخليفة يعرفه ذلك ويسأله التقدم إلى أخيه بالكف عما عزم عليه من قصده. فأمر الخليفة بإنفاذ (أبي محمد يوسف بن الجوزي) في المضي، فتوجه إليه وقرر معه القناعة بدمشق وتوفير مصر على أخيه فأشترط أشياء من جملتها حصته في تركة أبيه فأجابه أخوه إلى ذلك واصطلحا وعاد الملك الصالح إلى دمشق.
سنة ٦٣٧ (١٣٣٩م) وفيها حضر الأمير سلمان بن نظام الملك متولي المدرسة النظامية
مجلس (أبي الفرج عبد الرحمن بن الجوزي) بباب بدر فطاب (كذا ولعله فتاب) وتواجد وخرق ثيابه وكشف رأسه وقام وأشهد الواعظ والجماعة أنه أعتق جميع ما يملكه من رقيق ووقف أملاكه، وخرج عن جميع ما يملكه فكتب إليه النقيب الطاهر أبو عبد الله الحسين بن الأقساسي أبياتاً طويلة يقول فيها:
يا ابن نظام الملك يا خير من ... تاب ومن لاق به الزهد
стр. 2580
وفيها تقدم بقطع الوعظ من باب بدر وكان الواعظ المحتسب (عبد الرحمن ابن الجوزي).
سنة ٦٣٨ (١٢٤٠) وفيها قدم (جمال الدين عبد الرحمن بن الجوزي) من شيراز. وحكى أنه شاهد في قرية من قرى فارس تدعى ساوور صبياً عمره اثنتا عشرة سنة طوله خمسة أذرع وأخطاءه تناسب خلقه. قال وحضر أبواه عندي وهما كالرجال في العادة.
سنة ٦٤٠ (١٢٤٢م) (في هاتين الصحيفتين خلافة المعتصم وقد جاءت في المشرق على ما نوهت به عن صفا)
يعقوب نعوم سركيس
(أربل)
أربل (وبعض الأهالي يقولون أرويل والبعض الآخر أربيل) مدينة واغلة في القدم معنى لفظها (مدينة الأربعة الآلهة) وهي اليوم أم البلاد الكردية وبؤرة تجارتها.
وهي تقسم إلى ثلاثة أقسام: الوترك (لا الكورتك كما جاء في بعض المقالات من جرائد العراق) والقلعة والخانقاه.
وأهاليها كلهم أكراد نسباً وحسباً. بينهم من ينتمي إلى عشيرة (بالك) الراوندوزية الأصل. وبينهم من ينتمي إلى عشيرة (الجاف) المبثوثين في لواء السليمانية، وبينهم من عشائر (سورجي) و (كردي) و (ماموندي) و (ديتريلي).
ولسان الجميع الكردية والتركمانية. وأكثرهم نبذ التركية.
ويزعم أن في (القلعة) بيتين أو ثلاثة من التتار الأقدمين.
وللشرفاء والأغوات الثروة الطائلة ولهم جنان عظيمة في صدر (القلعة) ويمتازون
بشهامتهم وإباء نفسهم وسمو أخلاقهم وحسن التفاتهم إلى الضيف وإكرامهم إياه.
وكانت أربل في جميع الأزمان ميداناً لحروب عديدة بين مختلف الأمم، بين الإيرانيين واليونانيين، بين ماذية ولوذية، بين العباسيين والأتراك، بين العباسيين والأمويين، بين الأمير محمد باشا (كور باشا) الراوندوزي وعلي باشا ورشيد باشا الكبير الصدر الأعظم التركي، دع عنك حروب الأقدمين بين الآشوريين والآريين، بين الكلدانيين أو البابليين والمصريين إلى غيرهم.
стр. 2581
المضارع في لغة العوام
قد أنهينا الكلام عن الماضي من الثلاثي المجرد ولنتكلم هنا عن المضارع فنقول: الفعل المضارع هو ما دل على حدث مقترن بزمان الحال أو الاستقبال.
ويصاغ المضارع من الماضي وذلك بان يزاد في أول الماضي أحد حروف (أتين) المسماة بحروف المضارعة لأن الماضي بها يصير مضارعاً فإذا زدت في أول (ضرب) مثلاً ياء أو تاء أو نونا أو ألفاً صار يضرب وتضرب ونضرب وأضرب وهو المضارع.
والياء من أحرف المضارعة إنما تكون في أول المضارع المسند إلى الغائب والتاء تكون في أول المضارع المسند إلى المخاطب أو الغائبة. والألف تكون في أول المضارع المسند إلى المتكلم، والنون في أول المضارع المسند إلى جمع المتكلم.
حركة حروف المضارعة
الألف مفتوحة في أول كل مضارع ثلاثياً كان أو رباعياً. مجرداً أو مزيداً، أما بقية أحرف المضارعة وهي الياء والتاء والنون في مكسورة مطلقاً أي في كل مضارع ثلاثي كان أو رباعياً مجرداً أو مزيداً، إلا أن كسرتها تكون ضئيلة في بعض المواضع وذلك إذا وليها حرف متحرك كما في الأجوف نحو يشوف والمضاعف نحو يمد والرباعي المجرد نحو يكرس فإن حرف المضارعة في هذه الأفعال مكسور كسرة ضئيلة.
قلنا في الألف من أحرف المضارعة إنها مفتوحة مطلقاً وفي غيرها من الحروف الأخرى إنها مكسورة مطلقاً، وهذا هو الأصل الشائع في كلامهم وما خالف ذلك عدد من النادر القليل كما يضم بعضهم حرف المضارعة من المضارع الثلاثي المضموم العين فيقول يكفر ونكنس.
تنبيه - المراد بالمضارع المضموم العين هو المضموم العين في كلام العامة فيجوز ضم حرف المضارعة من يصبر لأنه مضموم العين في كلامهم ولا يجوز ضمه من يكتب
стр. 2582
لأنه مكسور العين في كلامهم. وربما استعملوا بعض الأفعال مضموم العين ومكسورها كما في يضرب فإن أهل البادية يكسرون عينه وأهل الأمصار يضمونها فيجوز على لغة ضم العين أن يقال يضرب بضم حرف المضارعة.
عين المضارع
إن عين المضارع الثلاثي في كلام العامة لا تخلو من أن تكون مضمومة كينصر أو مفتوحة كيركب أو مكسورة كيحسب، وهذه الحركة أعني حركة عين المضارع إنما تعرف بالسماع.
وقد علمت مما سبق أن الفعل الماضي لا يكون في كلام العامة إلا مفتوح العين لا غير فالأبواب الستة التي تتحصل للثلاثي المجرد من كل اختلاف الحركات في عيني الماضي والمضارع معدومة في كلام العامة وإنما يوجد منها في كلامهم ثلاثة أبواب باختلاف الحركة في عين المضارع فقط.
الباب الأول ما كان مفتوح العين في الماضي ومضمومها في المضارع نِصَرْ يِنْصُرْ.
الباب الثاني ما كان مفتوح العين فيهما نحو رِكَبْ يِرْكَبْ.
الباب الثالث ما كان مفتوح العين ومكسورها في المضارع نحو حِسَبْ يحْسِبْ.
آخر المضارع
لما كان الإعراب معدوما في كلام العامة كان المضارع أيضاً كالماضي غير معرب، والأصل في آخره هو السكون.
ويلحق آخر المضارع من الضمائر المرفوعة ضمير المفرد الغائب نحو يضرب وضمير المفردة الغائبة نحو تضرب، وضمير المفرد المخاطب نحو تضرب، وضمير المتكلم نحو اضرب، وضمير جمع المتكلم نحو نضرب، وهذه الضمائر الخمسة لا تكون إلا مستترة وتقديرها (هو) في الغائب و (هي) في الغائبة
стр. 2583
و (أِنتَ) في المخاطب و (أنا) في المتكلم و (أحْنَ) في جمع المتكلم.
وأما الضمائر البارزة التي تلحق آخره فهي (١) ضمير جمع الغائب. (٢) ضمير جمع المخاطب وهذان الضميران عبارة عن واو بعدها نون ساكنة نحو (يِضِرْبوُن) لجمع الغائب و (تِضْرُبون) لجمع المخاطب وآخر الفعل مع هذين الضميرين يكون مضموماً. (٣) ضمير جمع الغائبة. (٤) ضمير جمع المخاطبة وهما عبارة عن نون ساكنة نحو (يِضِرْبَنْ) لجمع الغائبة و (تِضِرْبَن) لجمع المخاطبة. وآخر الفعل مع هذين الضميرين يكون مفتوحاً.
(٥) ضمير المفردة المخاطبة وهو عبارة عن ياء بعدها نون ساكنة نحو (تِضرْبِين) وآخر المضارع مع هذا الضمير يكون مكسوراً أما عين المضارع فتكون ساكنة مع جميع الضمائر البارزة.
الأفعال الثلاثة
إن ما ذكره النحويون من الأفعال الخمسة في اللغة الفصحى لا يوجد منها في كلام العامة إلا ثلاثة أفعال وهي يفعلون وتفعلون وتفعلين. وذلك لأنه ليس للاثنين ضمير في كلامهم بل هم يعتبرون ما زاد على الواحد جمعاً فيستعملون ضمير الجمع في مقام ضمير الاثنين أيضاً كما تقدم بيانه في بحث الضمائر ولذا سقط في كلامهم من الأفعال الخمسة فعلان وهما يفعلان وتفعلان وبقي ثلاثة أفعال وهي يفعلون وتفعلون وتفعلين.
وهذه النون التي في آخر الأفعال الثلاثة ليست من علامات الإعراب لأن الإعراب معدوم في كلامهم وليست هي جزءاً من الضمير لأنها لو كانت جزءاً منه لما جاز حذفها مع أنهم يحذفونها أحيانا.
وحذفها يقع في كلامهم على وجهين واجب وجائز. أما وجوب حذفها فإذا أتصل بالفعل من الضمائر المنصوبة ضمير المتكلم مفرداً كان أو جمعاً نحو يضربوني ويضربونا وتضربيني وتضربينا. وأما جواز حذفها فإذا أتصل به من
стр. 2584
الضمائر المنصوبة ما سوى ضمير المتكلم نحو يضربوه ويضربونه ويضربوك ويضربونك الخ. . .
وتثبت هذه النون فيما عدا هذين الموضعين حتى النهي فإنهم يثبتون النون فيه فيقولون (لا تْضِرْبوُنْ ولاَ تْضِرْبِيْنْ).
والفعل المضارع مع فاعله قد يقع في كلامهم موقع المصدر فاعلاً أو مفعولاً بدون حرف مصدري لأن الحروف المصدرية معدومة في كلامهم فمن وقوعه فاعلاً قولهم (مَا يْجوز لَكْ تِعْمَلْ هَا الْعمل) أي ما يجوز لك أن تعمل هذا العمل. ومن وقوعه مفعولاً قولهم (أَرِيد أروح إلى فلان) أي أريد أن أروح إلى فلان.
ولنذكر لك تصريف الفعل المضارع من الثلاثي المجرد من الأقسام السبعة التي مر ذكرها في تصريف الفعل الماضي.
معروف الرصافي
فنجر عينيه
من لغة عوام الشام ومصر قولهم: فلان فنجر عينيه أي حملق. وفي محيط المحيط حملق بهما. وهو خطأ لأنه لا يقال: حملق بعينيه بل حملق فقط. وفنجر، مشتقة من بنجرة الفارسية (وهي بباء مثلثة فارسية تقلب فاء عند التعريب) ومعناها النافذة، كأنه فتحهما كالنافذة بعد أن كانتا مطبقتين أو كالطبقتين.
وذكر البستاني في المادة المذكورة: الفناجرة: الخيالة الحاذقون في ركوب الخيل. ولم يذكرها بهذا المعنى سوى فريتغ نقلاً عن كتاب المستفيد في مدينة زبيد في عدة مواطن منه. ونقلها عن البستاني الشرتوني في معجمه ولم يعزها.
стр. 2585
غادة بابل
٢ - انفردت شميرام في مخدعها وهي أشبه شيء بنجم الصباح المتلألئ في الأفق: ربعة القوام، عبلة الساعدين، رخصة الجسد، لدنة المعاطف، جميلة الأنف كبنات جنسها الساميات، حوراء البشرة، دعجاء، وطفاء، شعرها أسود حالك جثل، قد ضفرته ضفيرتين، وعقصته حول رأسها على شكل العقال، وقد لوحتها شمس بابل، وتدفقت الخمرة على شربتها في دمها حتى سرت في عروق خديها الاسيلين، وصبغتهما صبغاً لطيفاً يخجل الورد منه، وأثر فيهما تزاحم شعرها وهاجرة النهار، فعلتهما لآلئ من العرق حتى ليظن الناظر إليها أنها حورية من حور الجنان. ثم أخذت تناجي نفسها بما يشبه هذه الأقوال:
مالك يا قلبي خافق في صدري؟ ومالك يا مخيلتي تتعبيني بالأشباح والأخيلة؟، كنت قبل اليوم لا أعرف للهم منبتاً، ولا للحزن موطناً! فما أنت أيها الحب حتى سطوت فقسوت وحكمت فبغيت؟ كنت أحب شمشو حباً هادئاً حب بنت الخال لأبن عمتها، أو حب الشقيقة لشقيقها. فأستمر ذلك الحب حتى استولى الغرام على قلب خال فاستحكم. وتكيف حب العشيرة فأصبح لواعج هوى، وأضحت كل جارحة مؤلمة، آه! أنا بنت أشرف أشراف بابل، أنا بنت الدلال والترف، من ذا الذي ينقذني من هذا المأزق؟ إذ لا قدرة لي على احتمال ذا الضيم، ولا طاقة لي على ركوب هذا المركب الخشن! فقد أربد الكون في عيني، وانسدل عليهما سجف من الظلام فلا تبصران الشمس ولا تتمتعان بالنظر إلى القمر والكواكب وهل في سماء الشبيبة شمس غير شمس شمشو. وهل في أفق بابل قمر غير حبيبي، وأنا للكواكب أن تبقى في ريع السماع ولا تتواري خجلاً من سنائه!. . أنت أنت يا شمشو علة شقائي. . . ما أسعد الشقاء في سبيل حبك. وما أسعدني لو عدمت الحياة فداء لك. ولكن بئست
стр. 2586
السعادة التي يقضى نعيمها في البعد عنك. ما الحيلة في الاستيلاء على قلبك؟ وكيف يهون عليك أن تتركني العوبة بيد الأحزان.
وهب إن شمشو يوافقني في الحب والزواج.: لكن هناك حبيبتة حتراء فإنها تقف عقبة كؤودا في وجهنا. كيف أتخلص من مراقبتها وأدفع عني شرها؟.
ولما أتت على ذكر حتراء رقيبتها في الحب شعرت بانقباض شديد لم تتمالك من أن تتنهد وتنفس الصعداء ثم استخرطت في البكاء فتساقطت دموعها تساقط الطل على الورد وتناثرت تناثر اللآلئ على الأرجوان فكفكفت دموعها بإصبعها وسمحت خديها بقطعة من نسيج كانت بيدها تريد خياطتها. فدخلت في هذه المطاوي والدتها ريماة ولمحت آثار البكاء عليها فاستغربت منها هذه الحال وقالت لها: بنيتي ما الذي يبكيك؟
شيمرام - رأيت حلماً في الليل الماضي فأزعجني وكدرني كل الكدر فتشاءمت منه. ريماة - وما هو حلمك؟ فإن كان داعياً للقلق عمدنا إلى الكهنة والسحرة والمنجمين واتخذنا التعاويذ والطلاسم والرقى واتقينا شر الأرواح الشريرة وإلا فلا تكترثي له.
شيمرام - رأيت كلباً أسود داخل الهيكل وقلب تمثال الإله (مردوخ) وحطمه ورأيت في غرفتي هذه طفلاً بلا حنك أدخلته علي نتو.
ريماة - أن دخول الكلب الأسود في الهيكل يدل على أن أسس ذلك الهيكل غير مكينة تتداعى؛ أما سقوط التمثال وتحطمه فيشير إلى تدهور المملكة وزوال مجده؛ ويشير الطفل الذي لا حنك له إلى أن حياة الملك طويلة إلا أن البيت الذي ولد فيه ينقض حجراً حجراً. غير أني أسألك يا شيمرام: هل كان الطفل ناقص الحنكين أو أحدهما. فإذا كان حنكه الأسفل فقط ناقصاً فيدل على أن غلات هذه السنة لا تقل.
شميران - لا يا أماه أنه ناقص الحنكين. ولكن كيف تعللين وجود نتو في هذه الأمور وتوسطها في إدخال الطفل في غرفتي؟
стр. 2587
ريماة - إن الصور التي تراءت لك في الحلم والأشباح التي ظهر تلك في النوم لو رأيتها في اليقظة، لدلت على ما فسرته لك، ولا بد من أن التفسير يختلف على ما أعتقد ما بين الحلم واليقظة، وبين الحالين فرق بين لا وسع لي على فك مغلقة. فالكهنة المنجمون الكلدان متضلعون من هذه الأسرار وتفاسيرها. فما علينا إلا الذهاب إلى بيروس الكاهن فيوقفنا على حقيقة الأمر.
ثقل وقع بيروس على مسامع شيمرام. وشعرت بضغط جديد على قلبها ولكنها تجلدت وأجابت والدتها قائلة: إني لا أركن إلى أقاويل بيروس، لا بل أنفر منه نفور الظباء من بين يدي الصياد.
ريماة - يا بنيتي، لا تستخفي بالكهنة، ولا تشكي في علمهم، وقدرتهم على معرفة الأسرار وتفسير الأحلام أشهر من أن تذكر لأن بينهم وبين الأرواح صلات مجدولة القوى وثيقة العرى. إنهم ينفعون ويضرون؛ يقيمون ويقعدون؛ يصلحون ويفسدون.
شيمرام - لا أقول شيئاً عن الكهنة وقدرتهم، ولكن لا أثق في بيروس وقد زاد الطين بلة في هذا الصباح، حتى حين كنت في الهيكل، فإنه تذرع بكل الوسائل ليسود على قلبي، لا بل طاردني مطاردة العشاق لكني وقفت في وجهه كالطود الشامخ، وإذ لم يظفر مني بأمنيته تزلف من نتو وجعلها صلة له في حاجته فأرجعتها بخفي حنين.
ريماة - لولا المخافة من حدوث شر مستطير لأبلغت الخبر إلى والدك، إذ يعز علينا نحن أشراف بابل أن نرى رجلاً يخاطب بناتنا ونسائنا بهذا المعنى، وما جزاؤه إلا القتل. غير إني أضرب صفحاً عن ذكر هذا الخبر لوالدك حقناً للدماء.
شيمرام - دعي يا والدتي اسم بيروس الدجال نسياً منسياً، فإن ابنتك عفيفة الجانب تتنزه عن المعايب ولا تشغل بالها إلا بما يرضيك.
ريماة - بنيتي! إن النصيب الذي أذخرته لك يفوق كل نصيب فأنت خطيبة شمشو ابن عمتك.
стр. 2588
شيمرام - أنا أطوع إليك من بنانك ولكن شمشو. . . واغرورقت عيناها بالدموع ثم غصت.
ريماة - سكني من روعك واهدئي وألقي حملك علي وأنا أدبر الأمر. إن شمشو لا يحيد عن أمري وأمر أبيك لما هو عليه من الارتباك في أحواله وفي أسباب عيشه. . .
ولم تزد على هذا الكلام بل أرادت أن تلهي شيمرام عن اضطرابها وروعها واشتغالها بموضوع يعذب فكرها. فقالت لها بنيتي يجب علينا اليوم أن نعد كل شيء لأن نهار الغد هو يوم راحة للنفس (أي سبتو) فيجب أن نطبخ الطبيخ ونغير الثياب. إذ يحضر علينا القيام بمثل هذه الأمور في يوم الراحة الذي يأتينا خمساً في كل شهر، في اليوم السابع والرابع عشر والتاسع عشر والحادي والعشرين والثامن والعشرين، كما أنه يحضر تقديم القرابين ويمنع على الملك مخاطبة الشعب وركوب المركبات أو القيام بأي عمل مدنياً كان أو عسكرياً، حتى الاستشفاء بالأدوية.
شميرام - مالنا وذكر يوم الراحة، فكل أيامنا (سبتو) فلسنا نحن الذين نطبخ في البيت ولسنا ملوكاً لنكلم الشعب أو نركب العجلات (العربات). أما ثيابي فقد غيرتها هذا الصباح. وإني قلقة البال غير مرتاحة لأن أغيرها مرة ثانية وأتزين بألبستي الجميلة. فأعد الشهور وأحصي الأيام، لأن الحياة كلها تعب، وها إننا في الشهر الثاني عشر من السنة ولم أذق لماظة من السعادة في نيسانو شهر الإلهين أنو وبل، ولا في آيارو المخصص ب (أيا) ولم يكن (سوانو) والآلهة (سن) أسعد لي منهما. ولما جاء شهر دوزو، قلت أن الآلهة آذار سيقشع هذه الغمامة عن قلبي ولكن خابت آمالي وأخذت أعلل النفس بزوال الهموم في شهر آبو وعقدت حبل رجائي بملكة القوس وهكذا توالت الشهور الولو وتسرينو وأرخ سمنا وكسليمو ولم تشفع بي آلهتها إشتر وشمش ومردوخ ونرجل وعقبها طيبتو وشباتو وهذا أدارو ولم تكن آلهتها بابسكال وريمونو الآلهة السبعة العظيمة أرفق بي من سواهم فلا
стр. 2589
أدري أي الأيام يوم سعد لي، ولا أدري كيف يقول المنجمون إن في السنة أيام سعد وأيام نحس، فهل سنتي كلها، يا ترى، سداها بؤس ولحمتها شقاء؟ وهل كان يوم ولادتي يوم نحس وتعس؟. . .
فقاطعتها والدتها ساخرة من أقوالها وندبها حالها وقالت لها ضاحكة: إن سعادتك في شهر (أراخو مخرو) وهو الشهر الكبيس الذي يضاف كل ست سنوات إلى الإثني عشر شهراً. وسيأتي بعد السنة التالية. وأعلمي، يا شميرام، أن الفأل يختلف باختلاف العوامل التي تفعل في الحظوظ. فمن الأحلام ما هو من دواعي الهناء ومن ما هو من بواعث الشقاء، وللحيوانات والطيور والأشكال الهندسية مؤثرات في حظوظ البشر، ولا يعلم ذلك إلا الآلهة والكهنة والمنجمون الراسخون في العلم. وأزيدك علماً إنني قد استشرت السحرة والمنجمين عن طالعك وعزموا الأرواح على هذه النية فطمأنوني وقالوا إن مستقبلك سعيد وإن شمشو يكون نصيبك مهما فتلته فاتلات الحب والغرام عن غيرك. فثقي بي. وسآخذك بعد ظهر هذا اليوم إلى التنزه لترويح النفس فكوني على أهبة.
أخذت ريماة ابنتها شميرام ومعهما ثلة من العبيد والجواري إلى التنزه إلا نتو فإنها تمارضت وبقيت في البيت. سارت ريماة وشميرام وأتباعهما في طرق بابل حتى وصلوا أسوار المدينة الداخلية ومروا من باب المدينة تحت طاق معقود وما عتموا أن اجتازوا
أسوارها الخارجية وجلسوا هناك على شاطئ الفرات وكان نسيم الصبا يلعب بالنفوس فيطربها ومما كان يزيد المشهد بهجة وسحراً أغاني السفافين وأصواتهم الرخيمة فمنهم من كان ينحدر في النهر بالمقاذيف ومنهم من كان يصعده بنشر الشرع أو بالجر بالحبال. وكان العركيون يصطادون البز والشبوط والبني وهم فرحون بمسرات الحياة الشظفة كان فيهم من يصيد بالشرك ومنهم بالصنارة. . . تشاهد هناك القفف وهي سفن مدورة مصنوعة من أغصان الشجر والخوص مطلية بالقار. و (الاكلاك) وهي سفن مؤلفة من قرب أو (أجواد) منفوخة يربط بعضها ببعض بحبال من ألياف النخل وفوقها خشب وهي تحمل البضاعات والغلات والفواكه اليابسة والرخام والصخر من
стр. 2590
نتاج بلاد الشام وفي كل كلك رجلان أو ثلاثة أو أربعة هم أصحاب ذلك المركب. وإذا نظر المرء إلى البر رأى قوافل التجار آتية من بلاد الفنيقيين حاملة العاج وأواني الخزف والأصباغ والتحف والنفائس والأثواب (والأقمشة) الغالية الأثمان.
لم تنبسط نفس شميرام برؤية هذه المشاهد، ولمة ترمقها بنظرها إلا كرها أو استخفافا. ومهما حاولت والدتها ريماة أن تلهيها أو تطربها ازدادت انقباظاً وتأوهاً وتفكرا في شمشو. فعجزت والدتها عن إفراج الهم عنها فهمت راجعة بها إلى البيت. وإذا بجلبة عظيمة وأصوات وقع حوافر خيل وبغال وقعقعة دواليب عجلات وبمناد ينادي: أفسحوا الطريق لملك الملوك، لسيد الأقوام، لسلطان الاقاليم، قفوا تعظيماً وإجلالاً لملك الرقاب، للقابض على مقدرات الشعوب، لصديق الآلهة وحبيب الأرباب.
فكان الناس يخففون السير ويلجئون إلى إحدى زوايا الجادة أو الطرق المتشبعة منها والذي لا يقوون على أحد الآمرين كانوا يصطفون صفوفاً منظمة على جانبي الطريق أو يخرون سجداً إلى الأذقان. وكان الفلاحون يتركون حقولهم ويركضون لمشاهدة الموكب الملوكي.
مر الموكب بوقار وأبهة بين تهليل وتصدية الجمهور احتفاء بالملك الراجع من القنص والصيد رجوع منتصر ظافر بعد أن غاب عن عاصمته خمسة عشر يوماً لهذه الغاية وكان أعد العدد وهيأ الأسباب لهذه الحملة أو الرحلة إلى الفرات الأوسط.
جاءت طليعة الجيش الجرار وعقبها الملك جالساً في مركبه وفوق رأسه مظلة من نسيج مطرز بالأحمر والأزرق والسائق في الجانب الأيمن يقود الجياد ويمنعها العثار وهناك
خصيان في طرفي المركبة بأيدهما مذبات لطرد الذباب وكانت مركبات الأمراء تتلو مركبة الملك فمركبات الوزراء فرهط من الخيالة حاملين القنا، فالمشاة، فالكلابون (فمربو الكلاب)، فالخدم، فالبغال وهي حاملة الأثقال والمعدات والخيام والصيد. وكان بين غنائم الصيد ثلاثة أسود وعدد من الغزلان وبعض الدببة وفرأ واحد ونعامة. وشيء كثير من الطيور كالحباري ومالك
стр. 2591
الحزين (البلشون) وغيرها.
وبين الأسود الثلاثة أسد كبير الجثة، حي يزأر زئيراً يردد صداه فضاء بابل الواسع، وقد صاده الملك برمية قوس هدت شيئاً من قوته ثم صارعه صراعاً عظيماً، عرضت حياة الملك للخطر: فأتى إلى نجدته نفر من حاملي الرماح إلا أنه أنتهرهم شجاعة وأخذ من يد أحدهم الرمح وغرز نصل في قفا الأسد حتى شكه شكاً في الأرض وصرع الليث ثم أذن للجنود بالتقدم فأخذوا الأسد ووثقوه وقادوه إلى المعسكر وهم فرحون ببسالة ملكهم العظيم.
وعلى أثر هذا الفوز المبين والنصر الباهر قدم الملك تقدمة شكر إلى الآلهة، فوقف أمامه كاهنان وبيد كل منهما كنارة وهما متهيئان ليوقعا عليهما ترنيمة الشكر؛ ثم أتي بالأسد ووقف الملك مع حاشيته وبيده القوس فقدم إليه وزيره كأساً مترعة خمر مقدسة فذاقها ثم أفرغها على الصيد وللحال صدحت الموسيقى بترنيمة الشكر.
وكان هذا الفوز أحدوثة جميع الناس في المدن والقرى والدساكر والاندية،
مرت تلك الجموع فزحمت الطريق فضاقت بريماة فعطفت على طريق ثانية تخلصاً من هذا الازدحام. وبينما كانت سائرة أستوقف أنظارها وأنظار جماعتها السوق القائمة في أحد ميادين المدينة كانت تعرض فيها البنات للزواج؛ والسمسار يصيح بصوت جهوري واصفاً جمال هذه، وحسن تلك، ومعدداً حسنات الأخرى وأخلاقها وآدابها وتفننا في بيان مقومات الكياسة ما شاءت الفصاحة والبلاغة، فتارة يطرئ الجمال ومؤثراته في الحياة وسيادته على القلوب وما يولده فيها من الفرح والسرور وطوراً يفضل عليه الأخلاق الحميدة وجمال الآداب وما تورثه من السعادة في البيت بعد الزواج حسب البنت المعروضة في تلك السوق. ومن وقت لآخر كان ينادي معرفاً ثمن السياق (المهر) الذي يجب أ، يدفعه الشاب الراغب في تلك الابنة الجميلة أو البائنة التي تدفع عن الأخرى الدميمة الصورة للشاب الراغب في زواجها. وهناك رجل آخر يقبض مهر الجميلات ويدفع منه بائنة عن الدميمات
وقد اكتظت ساحة الميدان بالشبان الراغبين بالزواج وبالمتفرجين من جميع الطبقات وكان الشبان يطوفون على البنات وينظرون
стр. 2592
إليهن نظرات طويلة، لا بل يتقدمون منهن ويفحصونهن فحصاً دقيقاً من قمة الرأس حتى أخمص القدم كأنهم يشترون السائمة أو الخيل.
وكانت الابنة التي تميل إلى أحد الشبان تشير إليه بغمزاتها الفتانة سراً، وتومئ إليه خلسة معربة عما يكنه فؤادها من الحب والهوى. فالجميلات منهن كن يتبخترن ويتباهين ويغازلن الرجال تائهات دلالاً وساحبات أذيال العجب آتيات سحراً حلالاً، وكانت الدميمات يخفين بلباقة خاصة بالإناث ما يذهب بتلك الدمامة فيزين وجوههن بوسائل صناعة التحسين أي بالدهن والصبغ والطلاء والكحل والخضاب، ويبتسمن ابتسامات زائفة، وحركات وسكنات كاذبة، لا تخفى على عيون الشبان الناقدين، والرجال الباصرين، حتى إنهم كانوا يسمعونهن بعض قوارص الكلام فتثور الثائرة داخلهن وتنقبض نفوسهن ألماً وجزعا من هذا الاستخفاف والاستهزاء لاعنات الطبيعة الجائرة التي حرمتهن مظاهر الجمال.
فتثاقلت شميرام في السير وهي تنظر إلى تلك السوق نظرة آسف متألم وخاطبت أمها قائلة: يؤلمني وأيم الحق حال هذه البنات اللواتي يبعن ويشترين في السوق العامة كأنهن أسيرات أو إماء (عبدات). ولا ذنب لهن سوى أنهن ولدن في طبقة العامة المعدمة، فلو كن من الطبقات العليا لما عرضن عرض السلع.
فأجابتها والدتها: ما هذه الحال فيك يا بنيتي فإنك تتبرمين من كل شيء وتنقدين المعتقدات والعادات وتنظرين إلى الدنيا وما فيها نظرة شؤم، فهل في هذا المشهد ما يؤلم أو يؤسف؟ والذي أراه أنا هو نظر كله فرح وحبور وحب وزواج وفيه تتحقق رغبات البنات والشبان وأكبر ملذات الحياة فيجب أن نضحك ونمرح في هذه السوق.
فلم تحر شميرام جواباً ولكنها لم توافق والدتها في قولها.
لندع شميرام وأمها في طريقهما ونرجع إلى بيتهما ونرى ما جرى فيه من التدابير والمؤامرات في غيابهما.
غر شيطان الطمع نتو، الخادمة الوفية والنجية المخلصة حتى اليوم فحدثتها نفسها بسوء، مدفوعة بمواعيد بيروس الخلابة. وصممت على أن تتذرع بكل
стр. 2593
الوسائل لتحمل سيدتها
الفتاة على الاقتران بالكاهن الكلداني. فوقفت على باب الدار منتظرة مروره من هناك لتفاوضه في الطرق الموصلة إلى غايتهما. جاءها بيروس فأفضت إليه بالحديث الذي جرى بينهما وبين شميرام وأطلعته على سر الحب المستحكم في قلب سيدتها، وشغفها بابن عمتها وإعراضها عن الاقتران بكاهن له زوج غيرها وأوقفته على انشغال شمشو بحب حتراء بنت أجيبي الصراف ولكن ضيق يده عقبة كؤود تحول دون خطبته لها. وهو أبي النفس عزيز الأخلاق لا يجنح إلى مفاتحة أبيها بالأمر لئلا يسمع كلمة الرفض فتمس كرامته.
واقترحت على بيروس أن يمد شركاً يصطاد به ذلك الفتى ويبعده عن الديار إلى بلاد نازحة بأمل الربح والتجارة ويتآمر على اغتياله في الأقطار الغريبة أو يضع عقبات في سبيل رجوعه إلى الوطن وينشر أخباراً كاذبة تنعيه فإذا تقادم العهد على سفره ويئست شميرام من عودته تداعى بنيان الحب في قلبها فيسهل آنئذ إقامة صرح آخر في هذا القلب يكون بيروس الآمر الناهي فيه والسائد عليه.
كان لهذه الألفاظ وقع عظيم في نفس الكاهن الكلداني الأمارة بالسوء فودع نتو وذهب مهرولاً إلى الهيكل وهو مفكر في حل هذه المعضلة ومد شرك الهلاك لشمشو.
انقضى ذلك الليل وثلاث أرواح تتصادم في الفضاء الأوسع في نزاع وجدال وهي روح شميرام العاشقة، وروح شمشو التائهة المضطربة، وروح بيروس الظالمة العاتية.
يوسف غنيمة
القثار والقيثارة
أنكر بعضهم ورود هذين اللفظيين في كلام الأقدمين من السلف، قلنا: نعم. لكنهما جاءا في كلام مولدينا فقد ذكر القثار الشقندي (راجع مجلة المقتبس ١: ٢٩٨ و ٤٣٧) وذكر القيثارة المسعودي في مروج الذهب (٨: ٩١ من طبعة باريس)، قال عنها: (لها اثنا عشر وتراً) اهـ.
стр. 2594
فوائد لغوية
صميم لا تؤنث ولا تثنى ولا تجمع
قرأنا لكتبة معروفين بحسن الإنشاء وسبك العبارة وتقويم الكلم ما هذا نصه:
(نهدي إليك تهانئنا الصميمة، - وهذان الرجلان صميمان في العروبة - وهؤلاء الرجال صميمون في العروبة). وهم يريدون في هذا التعبير: نهدي إليك تهانئنا الصميم أو الخالصة. وهذان رجلان صميم في العروبة أو خالصاً العروبة - وهؤلاء الرجال صميم في العروبة أو خلص العروبة، إلى ما ضاهى هذا التركيب، أما صميم فلا تثنى ولا تؤنث ولا تجمع، قال في اللسان: رجل صميم: محض. وكذلك الاثنان والجمع والمؤنث.
على إن بعضهم يهرب من القول الفصيح والتركيب الصحيح فيقول: تهانئنا الصميمة ورجلان صميمان ورجال صميمون، وهو تركيب ضعيف له نظائر في العربية المولدة، لكن صميم الفصحاء لم يستعملوه.
سلم نفسه لا سلم حال
كنا كتبنا في (١٩٢: ٥) أن الشيخ محمود كاكا أحمد سم نفسه للحكومة، فكتب أحد السذج في جريدة بغدادية انه لا يقال: سم نفسه بل (سلم حاله) ثم جاء كثيرون بعده فكتبوا (فلان سلم حاله، وفلان قتل حاله، وفلان تكلم عن حاله) هرباً من استعمال (نفسه) ولم يدروا أن حاله لم ترد في العربية بهذا المعنى، فهي من لغة عوام سورية وفلسطين وبعض (الأرمن الذين في نواحي ماردين وديار بكر.
أما حجتهم في نفي القول (سلم نفسه) فهي لأن المرء إذا سلم نفسه مات وهل يمكنه أن يسلمه نفسه، والنفس ليست بمادة؟ - أما حجتنا فهي أن النفس هنا تقع على الإنسان بأجمعه، نفسه وجسده، فمعنى سلم نفسه، وقتل
стр. 2595
نفسه، ودافع عن نفسه، هو ما ذكرناه وحجتنا الثانية أن هذا هو الوارد عن العرب، ولم يسمع عنهم سواه ومنه في سورة البقرة: إنكم ظلمتم أنفسكم. . . فاقتلوا أنفسكم، ذلكم خير لكم، - وفي سورة النساء: ولا تقتلوا أنفسكم، إن الله كان بكم رحيماً، والآيات كثيرة - وفي كتب اللغة: انتحر الرجل: قتل نفسه
- وعند المعترض إن هذا كله لا يقال، فمرحى! مرحى!
الاسكندر أحسن من قيد البريد
في دواوين البريد (أي في مكاتب البوسطات) مدرج (أي دفتر كبير، أو سجل، أو قيد) يكتب فيه عدد الخرائط (الأكياس) والكتب الواردة والنافذة وأسامي أربابها، يسميها العصريون: قيد البريد، أو سجل البوسطة أو دفتر القيد، أو ما أشبه هذه الأسماء المختلفة، أما في عصر العباسيين فكان سلفنا يسميه الاسكدار وبالإفرنجية قال في مفاتيح العلوم (ص ٦٤ من طبعة الإفرنج): (الاسكدار: لفظة فارسية وتفسيره: از كو داري، أي من أين تمسك، وهو مدرج يكتب فيه عدد الخرائط الواردة والنافذة وأسامي أربابها.)
عجنت الرجل وخبزته
تقول عجائز بغداد إذا اختبرن الرجل: (عجنا الرجل وخبزناه) من العجن والخبز. وفي العبارة مجاز غريب يظهر أثر الزمان على وجوه تلك العجائز بالغضون والأخاديد التي ترى عليها؛ ولا عجب من ذلك، إنما العجب من أولئك بعض مفسدي اللغة الذين يدعون أنهم يتوخون الصحيح الفصيح في كلامهم وهو يستعملون مثل هذه العبارات في كتاباتهم ويتباهون بها ولو علموا أن الرجل إذا عجن وخبز أصبح أثر بعدين لمّا نطقوا بتلك العبارة. أما الفصحاء فلا يقولون إلا مثل هذا: (عجمت عود فلان) ومنه قول الشاعر:
أبي عودك المعجوم إلا صلابة ... وكفاك إلا نائلا حين تسأل
следующие страницы →