Полный текст (6 158 стр.). Показаны 2591–2630 · переход к 2596.
стр. 2591
الحزين (البلشون) وغيرها.
وبين الأسود الثلاثة أسد كبير الجثة، حي يزأر زئيراً يردد صداه فضاء بابل الواسع، وقد صاده الملك برمية قوس هدت شيئاً من قوته ثم صارعه صراعاً عظيماً، عرضت حياة الملك للخطر: فأتى إلى نجدته نفر من حاملي الرماح إلا أنه أنتهرهم شجاعة وأخذ من يد أحدهم الرمح وغرز نصل في قفا الأسد حتى شكه شكاً في الأرض وصرع الليث ثم أذن للجنود بالتقدم فأخذوا الأسد ووثقوه وقادوه إلى المعسكر وهم فرحون ببسالة ملكهم العظيم.
وعلى أثر هذا الفوز المبين والنصر الباهر قدم الملك تقدمة شكر إلى الآلهة، فوقف أمامه كاهنان وبيد كل منهما كنارة وهما متهيئان ليوقعا عليهما ترنيمة الشكر؛ ثم أتي بالأسد ووقف الملك مع حاشيته وبيده القوس فقدم إليه وزيره كأساً مترعة خمر مقدسة فذاقها ثم أفرغها على الصيد وللحال صدحت الموسيقى بترنيمة الشكر.
وكان هذا الفوز أحدوثة جميع الناس في المدن والقرى والدساكر والاندية،
مرت تلك الجموع فزحمت الطريق فضاقت بريماة فعطفت على طريق ثانية تخلصاً من هذا الازدحام. وبينما كانت سائرة أستوقف أنظارها وأنظار جماعتها السوق القائمة في أحد ميادين المدينة كانت تعرض فيها البنات للزواج؛ والسمسار يصيح بصوت جهوري واصفاً جمال هذه، وحسن تلك، ومعدداً حسنات الأخرى وأخلاقها وآدابها وتفننا في بيان مقومات الكياسة ما شاءت الفصاحة والبلاغة، فتارة يطرئ الجمال ومؤثراته في الحياة وسيادته على القلوب وما يولده فيها من الفرح والسرور وطوراً يفضل عليه الأخلاق الحميدة وجمال الآداب وما تورثه من السعادة في البيت بعد الزواج حسب البنت المعروضة في تلك السوق. ومن وقت لآخر كان ينادي معرفاً ثمن السياق (المهر) الذي يجب أ، يدفعه الشاب الراغب في تلك الابنة الجميلة أو البائنة التي تدفع عن الأخرى الدميمة الصورة للشاب الراغب في زواجها. وهناك رجل آخر يقبض مهر الجميلات ويدفع منه بائنة عن الدميمات
وقد اكتظت ساحة الميدان بالشبان الراغبين بالزواج وبالمتفرجين من جميع الطبقات وكان الشبان يطوفون على البنات وينظرون
стр. 2592
إليهن نظرات طويلة، لا بل يتقدمون منهن ويفحصونهن فحصاً دقيقاً من قمة الرأس حتى أخمص القدم كأنهم يشترون السائمة أو الخيل.
وكانت الابنة التي تميل إلى أحد الشبان تشير إليه بغمزاتها الفتانة سراً، وتومئ إليه خلسة معربة عما يكنه فؤادها من الحب والهوى. فالجميلات منهن كن يتبخترن ويتباهين ويغازلن الرجال تائهات دلالاً وساحبات أذيال العجب آتيات سحراً حلالاً، وكانت الدميمات يخفين بلباقة خاصة بالإناث ما يذهب بتلك الدمامة فيزين وجوههن بوسائل صناعة التحسين أي بالدهن والصبغ والطلاء والكحل والخضاب، ويبتسمن ابتسامات زائفة، وحركات وسكنات كاذبة، لا تخفى على عيون الشبان الناقدين، والرجال الباصرين، حتى إنهم كانوا يسمعونهن بعض قوارص الكلام فتثور الثائرة داخلهن وتنقبض نفوسهن ألماً وجزعا من هذا الاستخفاف والاستهزاء لاعنات الطبيعة الجائرة التي حرمتهن مظاهر الجمال.
فتثاقلت شميرام في السير وهي تنظر إلى تلك السوق نظرة آسف متألم وخاطبت أمها قائلة: يؤلمني وأيم الحق حال هذه البنات اللواتي يبعن ويشترين في السوق العامة كأنهن أسيرات أو إماء (عبدات). ولا ذنب لهن سوى أنهن ولدن في طبقة العامة المعدمة، فلو كن من الطبقات العليا لما عرضن عرض السلع.
فأجابتها والدتها: ما هذه الحال فيك يا بنيتي فإنك تتبرمين من كل شيء وتنقدين المعتقدات والعادات وتنظرين إلى الدنيا وما فيها نظرة شؤم، فهل في هذا المشهد ما يؤلم أو يؤسف؟ والذي أراه أنا هو نظر كله فرح وحبور وحب وزواج وفيه تتحقق رغبات البنات والشبان وأكبر ملذات الحياة فيجب أن نضحك ونمرح في هذه السوق.
فلم تحر شميرام جواباً ولكنها لم توافق والدتها في قولها.
لندع شميرام وأمها في طريقهما ونرجع إلى بيتهما ونرى ما جرى فيه من التدابير والمؤامرات في غيابهما.
غر شيطان الطمع نتو، الخادمة الوفية والنجية المخلصة حتى اليوم فحدثتها نفسها بسوء، مدفوعة بمواعيد بيروس الخلابة. وصممت على أن تتذرع بكل
стр. 2593
الوسائل لتحمل سيدتها
الفتاة على الاقتران بالكاهن الكلداني. فوقفت على باب الدار منتظرة مروره من هناك لتفاوضه في الطرق الموصلة إلى غايتهما. جاءها بيروس فأفضت إليه بالحديث الذي جرى بينهما وبين شميرام وأطلعته على سر الحب المستحكم في قلب سيدتها، وشغفها بابن عمتها وإعراضها عن الاقتران بكاهن له زوج غيرها وأوقفته على انشغال شمشو بحب حتراء بنت أجيبي الصراف ولكن ضيق يده عقبة كؤود تحول دون خطبته لها. وهو أبي النفس عزيز الأخلاق لا يجنح إلى مفاتحة أبيها بالأمر لئلا يسمع كلمة الرفض فتمس كرامته.
واقترحت على بيروس أن يمد شركاً يصطاد به ذلك الفتى ويبعده عن الديار إلى بلاد نازحة بأمل الربح والتجارة ويتآمر على اغتياله في الأقطار الغريبة أو يضع عقبات في سبيل رجوعه إلى الوطن وينشر أخباراً كاذبة تنعيه فإذا تقادم العهد على سفره ويئست شميرام من عودته تداعى بنيان الحب في قلبها فيسهل آنئذ إقامة صرح آخر في هذا القلب يكون بيروس الآمر الناهي فيه والسائد عليه.
كان لهذه الألفاظ وقع عظيم في نفس الكاهن الكلداني الأمارة بالسوء فودع نتو وذهب مهرولاً إلى الهيكل وهو مفكر في حل هذه المعضلة ومد شرك الهلاك لشمشو.
انقضى ذلك الليل وثلاث أرواح تتصادم في الفضاء الأوسع في نزاع وجدال وهي روح شميرام العاشقة، وروح شمشو التائهة المضطربة، وروح بيروس الظالمة العاتية.
يوسف غنيمة
القثار والقيثارة
أنكر بعضهم ورود هذين اللفظيين في كلام الأقدمين من السلف، قلنا: نعم. لكنهما جاءا في كلام مولدينا فقد ذكر القثار الشقندي (راجع مجلة المقتبس ١: ٢٩٨ و ٤٣٧) وذكر القيثارة المسعودي في مروج الذهب (٨: ٩١ من طبعة باريس)، قال عنها: (لها اثنا عشر وتراً) اهـ.
стр. 2594
فوائد لغوية
صميم لا تؤنث ولا تثنى ولا تجمع
قرأنا لكتبة معروفين بحسن الإنشاء وسبك العبارة وتقويم الكلم ما هذا نصه:
(نهدي إليك تهانئنا الصميمة، - وهذان الرجلان صميمان في العروبة - وهؤلاء الرجال صميمون في العروبة). وهم يريدون في هذا التعبير: نهدي إليك تهانئنا الصميم أو الخالصة. وهذان رجلان صميم في العروبة أو خالصاً العروبة - وهؤلاء الرجال صميم في العروبة أو خلص العروبة، إلى ما ضاهى هذا التركيب، أما صميم فلا تثنى ولا تؤنث ولا تجمع، قال في اللسان: رجل صميم: محض. وكذلك الاثنان والجمع والمؤنث.
على إن بعضهم يهرب من القول الفصيح والتركيب الصحيح فيقول: تهانئنا الصميمة ورجلان صميمان ورجال صميمون، وهو تركيب ضعيف له نظائر في العربية المولدة، لكن صميم الفصحاء لم يستعملوه.
سلم نفسه لا سلم حال
كنا كتبنا في (١٩٢: ٥) أن الشيخ محمود كاكا أحمد سم نفسه للحكومة، فكتب أحد السذج في جريدة بغدادية انه لا يقال: سم نفسه بل (سلم حاله) ثم جاء كثيرون بعده فكتبوا (فلان سلم حاله، وفلان قتل حاله، وفلان تكلم عن حاله) هرباً من استعمال (نفسه) ولم يدروا أن حاله لم ترد في العربية بهذا المعنى، فهي من لغة عوام سورية وفلسطين وبعض (الأرمن الذين في نواحي ماردين وديار بكر.
أما حجتهم في نفي القول (سلم نفسه) فهي لأن المرء إذا سلم نفسه مات وهل يمكنه أن يسلمه نفسه، والنفس ليست بمادة؟ - أما حجتنا فهي أن النفس هنا تقع على الإنسان بأجمعه، نفسه وجسده، فمعنى سلم نفسه، وقتل
стр. 2595
نفسه، ودافع عن نفسه، هو ما ذكرناه وحجتنا الثانية أن هذا هو الوارد عن العرب، ولم يسمع عنهم سواه ومنه في سورة البقرة: إنكم ظلمتم أنفسكم. . . فاقتلوا أنفسكم، ذلكم خير لكم، - وفي سورة النساء: ولا تقتلوا أنفسكم، إن الله كان بكم رحيماً، والآيات كثيرة - وفي كتب اللغة: انتحر الرجل: قتل نفسه
- وعند المعترض إن هذا كله لا يقال، فمرحى! مرحى!
الاسكندر أحسن من قيد البريد
في دواوين البريد (أي في مكاتب البوسطات) مدرج (أي دفتر كبير، أو سجل، أو قيد) يكتب فيه عدد الخرائط (الأكياس) والكتب الواردة والنافذة وأسامي أربابها، يسميها العصريون: قيد البريد، أو سجل البوسطة أو دفتر القيد، أو ما أشبه هذه الأسماء المختلفة، أما في عصر العباسيين فكان سلفنا يسميه الاسكدار وبالإفرنجية قال في مفاتيح العلوم (ص ٦٤ من طبعة الإفرنج): (الاسكدار: لفظة فارسية وتفسيره: از كو داري، أي من أين تمسك، وهو مدرج يكتب فيه عدد الخرائط الواردة والنافذة وأسامي أربابها.)
عجنت الرجل وخبزته
تقول عجائز بغداد إذا اختبرن الرجل: (عجنا الرجل وخبزناه) من العجن والخبز. وفي العبارة مجاز غريب يظهر أثر الزمان على وجوه تلك العجائز بالغضون والأخاديد التي ترى عليها؛ ولا عجب من ذلك، إنما العجب من أولئك بعض مفسدي اللغة الذين يدعون أنهم يتوخون الصحيح الفصيح في كلامهم وهو يستعملون مثل هذه العبارات في كتاباتهم ويتباهون بها ولو علموا أن الرجل إذا عجن وخبز أصبح أثر بعدين لمّا نطقوا بتلك العبارة. أما الفصحاء فلا يقولون إلا مثل هذا: (عجمت عود فلان) ومنه قول الشاعر:
أبي عودك المعجوم إلا صلابة ... وكفاك إلا نائلا حين تسأل
стр. 2596
فأين هذا المجاز الصحيح من هذا المجاز المكسر، المهشم، المحطم، السافل؟
ولك غير هذا التعبير كقولك: غمزت قناته، واختبرت كنهه، واحتسبت ما عنده، وسبرت ما عنده، إلى غيرها وهي كثيرة في لغتنا، فلا حاجة لنا إلى إدخال مصطلحات العجائز والأرمن المتعربين الذين يرون في ماردين وديار بكر ونواحيهما فتأمل.
القنطرة أو آلتون كبري
-
أصل ألتون كبري (أي جسر الذهب): (ألتونص كبري) أي جسر نهر الذهب وهو أسم الشعبة العليا من الزاب الأصغر ثم قالوا اختصارا (آلتون كبري) ونحن العراقيون نسميها
(القنطرة) من باب التعريب، لأن هناك جسرين من حجر قائمين على طيقان وهما يصلان المدينة بالبر فنشأ من ذلك أسمها باللغتين التركية والضادية، أما بالكردية فاسمها (برد) بباء مثلثة فارسية.
ويروى أن باني القنطرتين السلطان مراد الرابع العثماني ولما رجع الأتراك القهقري في الحرب العظمى الأخيرة أطلقوا عليهما القنابل فهدموا منهما شيئاً غير قليل إلا أن حكومتنا العراقية رممت ما تهدم.
والقنطرة ميناء الأكراد، لأن القسم الأعلى من (آلتون صو) ينفسح عند دنوه من (كوي سنجق) في محل يسمى (طقطق) فيكون مكلأ للأطواف (للأكلاك) التي تنقل من لواءي اربل إلى القنطرة التتن (الدخان) والصوف والعفص والكثيراء والجلود وغيرها من مواد الاستصناع. ومن مكلأ القنطرة تنحدر البضائع إلى بغداد.
وأهلها يتكلمون الرتكمانية والكردية والعربية وهذا يدلك على أن أهلها خليط من هذه الأقوام الثلاثة ولعل التركمان كانوا في سابق العهد أكثر سكانها من غيرهم، أما الآن فإن الاكراد الأكثرية ويأتي بعدهم الأتراك فالعرب.
стр. 2597
باب المكاتبة والمذاكرة
نقد كتاب أعلام العراق
حضرة الأب أنستاس ماري الكرملي صاحب مجلة (لغة العرب) المحترم.
نشر صاحبنا الأثري كتابه (أعلام العراق) فاقتنيت منه نسخة فتصفحتها تصفحاً مجملاً عثر في أثنائه ناظري بهنوات جلى ولأني لم أحب أن أزعج صديقي وزميلي، تغافلت عن الكتابة راجياً أن يكفيني المؤونة غيري من أرباب الأقلام.
ومع مضي هذه المدة الطويلة لم أظفر بشيء مما كنت أريد أن يكتب اللهم إلا بضعة أسطر وجدتها منشورة في مجلتكم الغراء وإلا بضعة عشر سطراً نشرت في مجلة (المجمع العلمي) الموقر وكلا الانتقادين مجمل غير مفصل إذ قد تركا الإفصاح عن كثير من الخبايا التي فيها الجناية على التاريخ والافتئات على الحقيقة والاستخفاف بالقراء!
أما حضرتكم فعسى أن يكون لكم بعض العذر لالتزامكم خطة المسالمة وأما المجمع العلمي فلعله معذور أيضاً لأن الكتاب قدم إليه كهدية ومن شأن الهدية أن تقبل على علاتها!
على أن السطور التي نشرت في مجلة المجمع ضمنت مزاعم هي أحق بانتقاد وإن كان المجمع معذوراً من هذه الجهة أيضاً لبعد الدار الذي هو أكبر باعث على الاطمئنان إلى السماع وأكبر عائق على الإلمام بالحقائق.
ونحن نحاشي المجمع المبجل أن يكون سوقاً تعرض فيه السلع البالية وأن يكون، مسمعا بفتح ساحته لكل إذاعة، لا سيما أن الكلمات التي يكتبها المجمع في شأن شخص بمنزلة شهادة يتقبلها كثير من الغافلين عن العلم بأصول الجرح والتعديل فجدير بالمجمع أن يزن كلماته بدقة واعتناء كما توزن حبات الجواهر واليواقيت.
стр. 2598
إن للانتقاد فوائد جمة منها ما يعود إلى المنتقد (بالفتح) ولا سيما المبتدئ فيتخذ من الانتقادات التي تنهال عليه حروزاً وتعاويذ تنفعه عند الدخول في بيداء تأليف آخر، ومنها ما يعود إلى القراء ولا سيما تلاميذ المدارس! إذ يغسل أدمغتهم مما علق بها من أوضار الخرافات والشعوذة.
فأرجو من حضرة الأب أن يفسح في مجلته لنشر ما كتبته من هذه العجالة ليستحق شكر
الحقيقة لا شكري.
محمود الملاح
كنت أود أن يكون انتقادي على طريقة التصفح للكتابة صفحة صفحة ولكن خفت أن يضيق صدر الوقت عن استيعاب ما ينجم عن هذه الطريقة لذلك عدلت إلى وضعه على هيئة مواد متسلسلة الأرقام ذكر في كل مادة نموذجاً لمدلول عنوانها.
وتحريت أن انصف المؤلف لينجلي الانتقاد بصفاء ونقاوة كيلا تضيع الحقيقة بين ثنيات الشخصيات والخروج عن الموضوع ولكيلا ينفتح باب التنابز والتراشق على مصراعيه ومن الله العون:
١ - احتكار العنوان
إذا صح تشبيه عنوان الكتاب بنقطة مركزية تتوجه إليها جميع الخطوط فإنه ينبغي أن نوجه إلى عنوان كتاب (أعلام العراق) سهاماً نارية من الانتقاد بقدر تلك الخطوط! فإن كل مخلوق مستوي القامة سمع شيئاً عن العراق، يعلم أنه قطر واسع يشتمل على عدة مدن وأن هذه المدن تشتمل على عدة طوائف وأن كل طائفة تشتمل على أسر ممتازة وكل أسرة فيها رجال بارزون أما في العلم وأما في السياسة وأما في الثروة وأما في السلوك الحسن وهؤلاء الرجال كلهم جدير أن يستظل بلواء هذا العنوان فما بالهم أقصوا (وأقعدوا في الشمس) إلا الأسرة الآلوسية؟ وهكذا استأثر الأثري بثروة العنوان الجزيلة ووزعها على أحبابه ولكن سوف تظهر جناياته عليهم!
٢ - تحكيم العواطف في التاريخ
جدير بمن يعالج موضوعاً تاريخياً أن ينزع عواطفه ويلقيها جانباً فإذا فرغ من شأنه أمكنه استعادتها وارتداءها من جديد أي أن المؤرخ لا يؤرخ لنفسه بل
стр. 2599
يؤرخ للناس فيجب أن يقف موقف الحياد ما دام القلم في يده لتخرج صحيفته نقية لا يشوبها شيء من ألوان العواطف ولا سيما العواطف التي تنغمر فيها الحقائق كالغلو والإغراق فيحتاج متتبع الحقيقة في ذلك الكتاب أن يكشط طبقة ثخينة من حراشف المبالغات حتى يتوصل إلى اللباب ولا يكاد.
قد يكون الأثري معذوراً في حشر الألقاب الضخمة إلى ساحة أستاذه لأن ثروة الميت إذا نمت زادت ثروة الوارث! ولكن - كما يقول المثل العراقي - (ما ها الثخن)!. .
نشارك الأثري في تعظيم أستاذه ولا نبخسه حقه ولكن لساننا يتلجلج بالبيت الذي خاطب به أستاذه في مرثيته ص٢٠٨ وهو:
وأنت أنت الذي دانت لهيبته ... قبائل العرب إذواء واقيالا
على منوال قول الشاعر:
وأنت أنت الذي حطت له قدم ... في موضع يده الرحمن قد وضعا
ومعنى الإذواء والاقيال ملوك اليمن القدماء الذين انقرضوا قبل الإسلام ولم يبق في اليمن منهم باقية فهذا البيت لو لم ننظر إليه بعين العصر الحديث بل نظرنا إليه بعين العصور العريقة في الخرافات لما سلم من الانتقاد وذلك من خمسة وجوه:
(١) - كيف سلم لي شيخه صولجان هذه الهيبة الخارقة؟
(٢) - هبه كان مالكاً لهذا الصولجان المذهب ولكن كيف تأتي أن يهابه أناس لم يعاصروه بل خلقوا قبله بخمسة عشر قرناً؟!
(٣) - أي نكته في تخصيصه قبائل العرب دون غيرهم وما علاقة ذلك في البلاغة؟
(٤) - أي نكته في تخصيصه الإذواء والاقيال الذين هم ملوك جزء من العرب دون غيرهم وما علاقة ذلك بالبلاغة؟
(٥) - كيف استساغ احتكار هذه الهيبة الخارقة في شيخه؟ كما يشعر بذلك تكرار (أنت) كما يقول بعضنا لبعض: أنت أنت الذي فعلت ذلك أي لا غيرك وأنا أنا الذي فعلت ذلك أي لا غيري.
ولو صح الاعتذار لاعتذرت عن الشاعر بأن حضرته ممن تتصرف فيهم
стр. 2600
القافية أكثر مما يتصرفون هم فيها والدليل على ذلك استعماله ألفاظا مهجورة يمجها الذوق السليم كقوله (احطالاً) و (جئلالاً) و (أهبالاً) و (أهضالاً).
ولينظر القارئ ماذا ترك الشاعر لمحمد بن عبد الله وعمر بن الخطاب بعد مخاطبته شيخه بقوله هذا البيت؟:
وأنت أنت الذي بأسه ارتعدت ... فرائض الكفر تشكو الدهر أوجالاً
وقبله:
وأنت أنت الذي قد كان (منتظراً) ... فكم هديت إلى الإسلام ضلالاً
هكذا واضعاً كلمة (منتظر) بين قوسين!!! فهل في وسع المؤلف أن يذكر لنا كافراً واحداً اهتدى إلى الإسلام على يد شيخه؟
٣ - سوء الاختيار
لا يخفى أن المؤلف قصد من تأليفه الكتاب إلى التنويه بشأن هذه الأسرة المشهورة بالفضل وإن كان وراء هذا الغرض غرض آخر! - وهذه الأسرة لشهرتها لا تكاد تحتاج إلى مثل هذا الكتاب! ولكن لا أريد أن أناقشه من جهة ذوقه! أو ليس من أراد التنويه بشأن رجل عمد إلى أحسن ما يؤثر عنه؟.
ولكن صاحبنا الأثري لمّا أراد الإشارة بعلو كعب المرحوم السيد عبد الله الآلوسي في صناعة الإنشاء أختار له القطعة الآتية وهي قطعة نمقها في وصف مطر غزير وقع في بغداد وفيضان هائل في دجلة، ويغلب على الظن أن هذه القطعة حبرها السيد المذكور في مفتتح اشتغاله في الكتابة وذلك لما فيها من سذاجة في الذوق والاضطراب في التركيب كقوله في ص٤٨ - ٤٩:
(وشرع جنّي الليل يخوف صبي النهار) ومنها (وشرعت جواميس القفف تسبح شرعاً في اللجج وتنطح بقرون مغاريفها الأمواج) ومنها (وذهبت إلى دجلة ليشرب فم سمعي الخبر) وليس كل ما أمكن تنزيله على قواعد المجاز والاستعارة كان مقبولاً إذ لا يخفى أن هناك مناسبات واعتبارات ذوقية لا يجحدها من كان له بصر في هذه الصناعة.
وكقوله: (وبعد سويعة انتصرت لهم الغزالة ففتحت عينها بين أجفان السحاب) وهذه العبارة جميلة جداً لو لم يعطف عليها قوله: (وصرعتهم
стр. 2601
بقرونها فمزقتهم كل ممزق) فكيف يأتلف انتصارها لهم وصرعها إياهم؟!! وفي وسع القارئ أن ينظر بقية العبارات هذا ما يقال من جهة الذوق والتركيب. أما ما يقال من جهة تطبيق المآل على الواقع فإنه إنما ذهب إلى دجلة ليشاهد بعينه لا ليسمع بإذنه كما يفهم من قوله (فرأيتها قد اغرورقت عينها من الفرح) فكيف قال (ليشرب فم سمعي الخبر) بل كان عليه أن يقول: (ليشرب فم عيني)
يتبع
محمود الملاح
نظرة في الجزء الثالث من المجلد الخامس من لغة العرب
في حاشية صفحة ١٥٣:
النرقيلة كلمة فارسية بمعنى الغرشة (الكاتب) والمشهور نارجيلة (ل. ع).
قلنا: النارجيلة كلمة مولدة وردت في لسان الأعراب المتأخرين وذكرها السيد محمد سعيد الحبوبي في مطلع أبيات له في وصفها وهو:
ونارجيلة تهدي بكف رشا ... حلو الدلال رشيق القد مياس
ولم نر في كتب العرب المتأخرين وكتاباتهم كلمة نرقيلة (المصحفة)، ولعل الكاتب أخذها من أفواه العامة المعبرين عنها بالنركيلة.
وهذه الكلمة ليست فارسية (كما زعمه الكاتب) ولا يعرفها أحد من الفرس والفرس تقول (في التعبير عن النارجيلة) (قليان) ولعلو تصحيف غليان لأن له صوت يشبه غليان القدر.
وقال في السطر الثاني:
الكليتدار كلمة فارسية معربة. قلنا: إن الكلمة تكتب هكذا: كليددار لأن المفتاح عند الفرس كليد (بالدال) لا كليت.
وفي ص١٧٤ س: ٢٣: مكاتبات الأخوان بالشعر.
قلت إن صاحب روضات الجنات كتب اسم هذا الكاتب (نقلاً عن وفيات الأعيان لأبن خلكان): مخاطبات الأخوان بالشعر.
وفي ص١٧٧ س٢ هبة الدين الحسني. والصواب الحسيني لأن نسبه ينتهي إلى الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب ﵇. وتكرر هذا الاشتباه في السطر الرابع من الصفحة المذكورة.
محمد مهدي العلوي
(ل. ع) جوابنا على هذا النقد يكون في الجزء القادم لضيق المقام.
стр. 2602
أسئلة وأجوبة
النصيرية في العراق
اسكندرونة - س، ي - هل للنصيرية وجود في العراق؟
ج - كنا نتصور أن لا وجود للنصيرية خارجاً عن سورية، وقد علمنا أن جماعة منهم في العراق في مدينة عانة، أو عانات، ولو لم نسمع ذلك من رجل ثقة لما صدقناه.
قال لنا إن في (محلة السراي) من عانة وهي المحلة المعروفة باسم (محلة حقون) (وزان قدوس) قوماً يعرفون بالنصيرية، يبلغ عدد رجالهم ٦٠٠ ولهم اتصال شديد بنصيرية سورية.
ويروي أهل عانة عن أولئك النصيرية أن لهم عيداً واحداً في السنة يجتمع في ليلته الرجال والنساء معاً. بعد أن يكونوا قد اشتروا سيرجاً يضيئون به قناديلهم في تلك الحفلة الليلية ثم يطفئونها على حين غرة. ويذهب بعضهم إلى الجامع للصلاة متاقاة في كل جمعة، أما في محلتهم فلا ترى مسجداً، والمسموع عنهم أنهم لا يصومون ولا يحجون ولا يعمرون.
ومن الأعمال الشائعة في عانة أنهم يأتون بجدي وينتفون شعره ولا تعرف الغاية من هذه القربة وهم لا يسمحون لأحد أن يقف على أسرارهم أو شعائرهم أو يطالع كتبهم الدينية، وإن علموا أن فلاناً أطلع على شيء من هذا القبيل اغتالوه.
ويروى أن أحد أجداد الشيخ إبراهيم الراوي مر ذات نهار من أيام شهر رمضان بمحلة النصيرية فرآهم مفطرين، فدعوه إلى مجالستهم. ثم قدموا إليه قهوة وأجبروه على شربها، فشرب. ثم أحس بأنهم يحاولون قتله، فركب فرسه وهرب؛ فتأثروه إلا أنهم لم يدركوه لأنه عبر الفرات ولم يكن بينهم من
стр. 2603
يتأثره فعادوا أدراجهم، وإلى اليوم يروي الناس هذه الحكاية ويقولون أن اسم الرجل كان الشيخ أحمد الرواي.
والمسموع في عانات أن مسلميها لا يتزوجون منهم بنتاً.
وفي أعلى محلتهم جبل مشرف عليها، وقد رأى أحد الأصدقاء الثقات أنه شاهد بناء بكبر حجرة في وسط سفح الجبل، فسأل عنه، فقيل له: أن هذا البناء قد أقيم إكراماً لمرور الأمير (علي بن أبي طالب) بذلك الموضع، فأقامه له بنوه ذكرى له، وترى كثيرين يوقدون فيه
الشموع ليلاً ونهاراً ويتبركون بجدرانه.
ومن سنتهم أنهم ينهضون باكراً ليكرموا الشمس الشارقة عند بزوغها.
وفي عانة محلتان لليهود إحداهما في (الشريعة) والثانية في (السدة) (وزان مدة) وهذه المحلة مجاورة لآخر محلة النصيرية. ويزعم يهود عانات أنهم أقدم يهود العراق وأنهم احتلوا المدينة منذ أقدم عهد ويشهدون على أن النصيرية حديثو العهد فيها.
قلنا: إذا كانت هذه الرواية صادقة فنظن أن نصيرية عانات هم من صلب أولئك الذين ذهبوا من أنحاء العراق الفارسية فارين إلى سورية فوقف جمع منهم في عانات لوجود الملاجئ في الجبال المجاورة لها.
أما عادات اليهود والنصيرية في المجتمع فلا تختلف عن عوائد المسلمين، وليس للنصارى فيها وجود مع أنها كانت مشهورة بهم وبالخمر التي كانوا يصنعونها.
وقد ذكر لي غير واحد إن في هيت أيضاً جماعة من النصيرية، لكنهم لم يقطعوا بالأمر قطعاً باتاً، بل حكموا على وجودهم من بعض ظواهر الأمور التي لا تتفق وظواهر الغير، والله أعلم.
العضل والجلهم
بغداد - ب. ي. خ: ما يقابل في العربية من الألفاظ هذين اللفظيين اللاتينيين
وج - موس رتس هو الجرذ الأسود أو الجرذ الأليف وأسمه في العربية
стр. 2604
(العضل) (كسبب) وبالفرنسية و - والثاني هو الجلهم (كقنفد) وبالفرنسية
العبرة
باريس - ج. م: ما أحسن لفظة عربية تقابل الإفرنجية أوبره
ج - المقرر عند الإفرنج أن الأوبرة كلمة مجموعة للفظة وهو العمل.
فالأوبرة تعني الأعمال وفي الاصطلاح يراد بها رواية تمثيلية ملحنة غنائية ليس فيها نثر البتة وقد يكون فيها رقص؛ لأن الرقص من الفنون الفتانة كما أن الشعر والنغم من الفنون المذكورة. والذي عندنا أن كلمة أوبرة من أصل عربي لاتيني وكلامنا هذا يقيم الإفرنج علينا قومة واحدة، بل العرب المتفرنجون أنفسهم، لكن دعونا نبين سبب قولنا هذا:
١ - الفرنسيون إذا أرادوا جمع لفظة ألحقوا بآخرها حرف الجمع أو أداته وهي عندهم، فلو كانت الكلمة لاتينية أي رومية لما وضعوا لها علامة الجمع، لأن ما كان مجموعاً عندهم لا يجمع ثانية، فليس عندهم جمع الجمع كما عندنا.
٢ - كنت أرى في بغداد مجاناً رقاصاً ينغم أبياتاً منظومة نظماً عامياً ويدق على صفيحة (تنكة) ويضحك الناس ويعيش بهذه الوسيلة وأسمه (عباس كينة).
وأمره مشهور وكان يمر بجميع الطرق والمحلات. وكثيراً ما كان يقف تحت غرفتي فيلهي الناس على ما أشرت إليه. وكان يتفنن ليضحك من حوله. فذات يوم وجد في الأرض خرقة خضراء فشدها على رأسه وكان يهزج ويغني. فأجتمع حوله الأولاد بل كبار وصغار من رجال ونساء وهم يصفقون له ويصدون ويقولون: (عباس يابو الخضر، أنت أبو العبر) فسألت واحداً دعوته لزيارتي وقلت له ما يقولون؟
قال: عباس. . .
وما معناها؟
عباس أسم هذا المجان، يابو أي يا أبا. الخضر (ولفظها كسبب) أي أخضر فيكون معنى العبارة: عباس، يا لابس الأخضر برأسه. - ومعنى أنت
стр. 2605
أبو العبر (ولفظها كسبب أيضاً) أي أنت صاحب العبرات جمع عبرة، (كقصة) وهي الحكاية التي تضحكك أو تبكيك وفيها شعر ورقص ونغم.
قلت: ومن قال لك أن هذا هو معنى عبرة وجمعها عبر أو عبرات؟
قال: هذا الذي أسمعه من الناس، ولا شك أنها من اصطلاح العوام.
قلت في نفسي: إن أبناء وطني بغداد لا يقولون شيئاً إلا فيه أصل في تأريخ البلاد، أفترى أجد الكلمة عبر أو عبرة في كتبنا. ثم بحثت عن الكلمة في معجم دوزي، فلم أر أثراً لها، ثم فتحت محيط المحيط فوجدته يقول: (أي كقصبة) الهازل الخليع، قلت: لقد ظفرت بالضالة فهذا المعنى هو المطلوب؛ لكن هل نراها في القاموس وتاج العروس؟ فنقرت عنها في تاج العروس، فوجدته يقول:
(أبو عبرة أو أبو العبر) بالتحريك فيهما؛ وعلى الثاني أقتصر الصاغاني والحافظ، وقال الأخير: كذا ضبطه الأمير، وفي حفظي إنه بكسر العين، وأسمه أحمد بن محمد بن عبد الله
بن عبد الصمد بن علي بن عبد الله بن عباس الهاشمي (هازل خليع). قال الصاغاني: كان يكتسب المجون أو الخلاعة، وقال الحافظ: وهو صاحب النوادر، أحد الشعراء المجان) اهـ. - فاتضح لي خطأ صاحب محيط المحيط، فكان يجب عليه أن يقول: أبو عبرة هازل خليع، لا الهازل الخليع. وبين التعبيرين فرق عظيم كما لا يخفى على البصير. - واتضح أيضاً أن العبرة تأتي بما يقابله عند الإفرنج لفظ أوبرة.
أما وجه دخول (عبرة) في لغة الجانب بهذا المعنى، فكان على طريق الإيطاليين، فان سلفنا العرب كانوا احتلوا جنوبي ديار إيطالية وتكلموا لغتهم فيها، فدخل في لغة الإيطاليين ألفاظ جمة من لساننا كما دخل منه شيء كثير في الأسبانية والفرنسية. - وأما تعليل الإفرنج لتسمية تلك الرواية التمثيلية بهذا اللفظ فهو تعليل لا يخلو من تعسف وتكلف. ولو ذهبوا إلى ما نذهب لما بقي في توجيههم أشكال ولا غموض. - إنهم يقولون سميت الاوبرة بهذه التسمية أي (أعمال) لأن هذه الرواية تتطلب أعمال فكرة وبذل جد لجمع الشعر إلى النظم، إلى تنسيق المعنى وربط بعضه ببعض لتستقيم لك تلك
стр. 2606
الرواية التمثيلية، ففي نسج بردتها (أعمال) كثيرة، ولهذا سميت (أعمالاً) أي اوبرة. - فقل لي بحياتك أي توجيه أقرب إلى العقل؟ أمّا يقولون أم ما نقول؟ - ذلك ما نحكمك فيه.
أعلام علامات الأعراب
لنجة (خليج فارس) - أ. م: ذكرتم في لغة العرب (١٦٣: ٥) (فعندنا أن قام خالد، وخالداً، وخالدٍ (أي بالضم وبالنصب وبالجر) ليس من الخطأ).
وقد اعترض عليكم أحد الأدباء في جريدة بغدادية فقال: (نصحح للأب غلطته في قوله المحصور بين هلالين (بالضم وبالنصب وبالجر). والصحيح أن يقول بالرفع. . . الخ لأن الضم ليس حالة من حالات الإعراب بل الرفع هو تلك الحالة، فهل لحضرة الملفان العلامة؟ أن يعرف هذا؟ أو إن باب التأويل أوسع من غلطته هذه!) اهـ.
فلماذا لم تجيبوه؟
ج - جوابنا هو أن كبار اللغويين والنحاة استعملوا اللفظة الواحدة بدل الأخرى، قال في اللسان في مادة حفر: الحَفر والحُفر، جزم وفتح: لغتان. قلنا: ومعنى قوله: جزم أي إسكان الفاء. ومعنى فتح: فتح الباء. مع إنك تعلم أن المعاصرين يستعملون الجزم للإعراب
والسكون للبناء وأبن مكرم لم يخف اعتراض جهلة القوم عليه. وقال الخليل بن أحمد: الضم: ما وقع في إعجاز الكلم غير منون نحو (ضمة اللام من) يفعل. اهـ. مع إننا نعلم أن المعاصرين يقولون: يفعل (مرفوع) وعلامة رفعه الضمة ظاهرة في آخره. (راجع مفاتيح العلوم للخوارزمي ص٤٤ من طبعة أوربة).
فمن هذا كله ترى أن من سمى نفسه (مغربل) لا يحسن التصرف في الغربال، بل يجهل أصول الغربلة وعليه صدق فيه قول المثل: (من غربل الناس نخلوه).
نجر
دير القمر - م. ق - عند الفرنسيين لفظة معناها أن تضم من كفك
стр. 2607
برجمة الإصبع الوسطى ثم تضرب بها رأس أحد أو أنف أحد وهي في لسانهم وقد بحثت عنها في كتب اللغة الفرنسية العربية فلم أجد لها مقابلاً في العربية ووجدت الأب بلو اليسوعي يقول في معجمه الفرنسي العربي: ضرب في طرف السبابة (نقفة)، ولم يذكرها يوسف يعقوب حبيش في كتابه الفوائد الأدبية في اللغتين الفرنساوية (كذا) والعربية، أفليس في لغتنا لفظة تؤدي هذا المعنى؟
ج - قلنا مراراً أن الدواوين اللغوية الإفرنجية التي تترجم الألفاظ إلى لغتنا غير وافية بالمراد وهي ناقصة وربما كانت مضرة بالموضوع إذ لا تنقل عن لساننا الألفاظ الصحيحة، ومن ذلك هذا الحرف فإن الإفرنجي يعني نجرة والفعل نجر (بالنون والجيم والراء) وقد رواه بعض اللغويين بصورة نحز (بالنون والحاء والزاي) وكلاهما وارد في كلامهم الفصيح القديم.
نحر
ومنه - هل عندنا لفظة تقابل أي عرف الجهات الأربع في الموطن الذي هو فيه؟
ج - نعم، والسلف قال: نحر (بالنون والحاء والراء) كأنه مشتق من النحر وهو الصدر فيكون معناه: وجه صدره نحو القبلة. وهي الجهة التي يعرفها أو يجب أن يعرفها كل عربي فإذا عرف جهة الجنوب عرف سائر الجهات.
اليمنيات الثلاث
سيزوار (إيران) - م. م. ع - ماذا تفهمون من هذا البيت الذي هو للسيد جعفر الحلي، في مدح السيد اسمعيل الصدر، العالم الفقيه:
ويمين (اسمعيل) ثلثها الورى ... فكأنها هي حجر اسمعيل
إذا لم نفهم من (ثلثها) معنى مقبولاً ولو قال: يمين اسمعيل قدسها الورى. . . لكان صريحاً في البيان؟
ج - المراد بثلثها: تثليث اليد اليمنى، وهي يمين إسماعيل بن إبراهيم الخليل، ويمنى اسمعيل بنم جعفر الصادق، ويمنى الممدوح السيد اسمعيل الصدر. ولو قال (قدسها) لكان المعنى غير المعنى الأول، وبينهما فرق ظاهر.
стр. 2608
باب المشارفة والانتقاد
٦٢ - تأريخ فلاسفة الإسلام في المشرق والمغرب
تأليف محمد لطفي جمعة
يطلب من ملتزم طبعه ونشره نجيب متري
صاحب مطبعة المعارف ومكتبتها بمصر سنة ١٩٢٧
نشكر الله على أن بين ظهرانينا كتبة يعرضون عن الأساليب القديمة في التأليف والتصنيف ليتبعوا الخطة العصرية التي تمكننا من الوقوف على أسرار العلوم والإمعان فيها. ولقد نهضت ديار النيل نهضة أدهشت العالم العربي فأمل فيها كل خير، هذا (تأريخ فلاسفة الإسلام في المشرق والمغرب) يطلعنا على (الكندي، والفارابي، وابن سيناء، والغزالي، وابن باجة، وابن طفيل، وابن رشد، وابن خلدون، وأخوان الصفاء، وابن الهيثم، ومحي الدين بن العربي وابن مسكويه (كذا والصواب مسكويه).) وعلى ما وضعوا من الآراء والمذاهب والمصنفات فشرحها وأظهر ما فيها من المحاسن والمساوئ حضرة الأستاذ محمد لطفي جمعة.
وفي كل ما بينه لم يجر على الأسلوب القديم، بل على طريقة أهل العصر من أبناء الغرب، وكيف لا يجري هذا الجري وقد تلقى علومه العالية على أساتذة مهرة في ديار الإفرنج؟ على إننا نستأذن الأستاذ لإبداء بعض آراء لنا وإن كانت لا تعد ذات شأن في هذا الموضوع.
١ - إن الباحث لم يذكر لنا المناهل الذي أختلف إليها في إيراد آراء هؤلاء الفلاسفة. ويظهر من عباراته أنه أعتمد في ما نقل عن الفرنسيين فقط ولم يلتفت إلى النصوص العربية، بل لم يلتفت إلى عناوين الكتب التي وضعها أصحابها. ومن العادة أن يوضع في الحاشية الأسانيد التي أعتمد عليها فلم يفعل.
٢ - لم يضع فهارس للإعلام في الآخر، وهل يمكن في عصرنا هذا أن
стр. 2609
يضع كاتب كتاباً بهذه الدرجة من الخطورة ولا ينظم في الآخر فهارس؟
٣ - لم يتول المؤلف نفسه تصحيح مسودات مصنفة ففيه أغلاط طبع لا تنكر وهي لم
تُصَوب في الآخر. مثال ذلك في ص (ج): وهكذا برز إلى عالم البعث والنشوء أثني عشر فيلسوفاً. ولا جرم أن الكاتب لم يكتب في الأصل إلا اثنا عشر بالرفع. - وكقوله فيها: وقد تدثر كل بالقباء أو المرقعة أو المسوح أو الدراعة أو الجبة. . . والأصل على ما نظن هو أو المسح. - وفي تلك الصفحة: وسوف تقع أسماءكم والمشهور أسمائكم، - على أن مثل هذه الهفوات لا شأن لها في مثل هذا الموضوع، إلا أن الأعلام لا بد أن تراعى، فقد جاء في ص١ قوله: (ومعظم أجداد الكندي ملوك بالمشعر واليمامة والبحرين). ونحن لا نعرف دياراً في عربة باسم المشعر بل المشقَّر (بباء مشددة مفتوحة) - وفي ص٢٥٣ عند ذكر أسماء أخوان الصفاء جاء اسم (أبو سليمان محمد بن مشعر البستي) قلنا: والذي نعرفه هو محمد بن شير (راجع لغة العرب ٣٢٠: ٤) - وفيها ذكر اسم (أبو أحمد المهرجاني) والمشهور: محمد بن أحمد النهرجاري (لغة العرب ٣٢٠: ٤) - وسرد أسماء مصنفات هؤلاء الفلاسفة على غير الوجه الذي ذكره كتابنا من السلف والظاهر أنها منقولة عن الفرنسية ولهذا سهل تصحيفها عليه.
٤ - نحن لا نعتبر ابن العربي من الفلاسفة بالمعنى المشهور إنما أبن العربي من المتصوفة ولعل حضرته أراد أن يوصل أسماء حكمائنا إلى اثني عشر فاضطر إلى إدخال الصوفي الشهير بينهم.
٥ - لم ينتفع حضرته بما كتب الإفرنج عن فلاسفتنا في هذه السنين الأخيرة ويظهر من مطالعة هذا التصنيف الحسن أن المؤلف وقف على ما كتب عنهم باحثو الإفرنج قبل نحو عشرين سنة أو أكثر، وأما ما ألف بعد هذه المدة فلم يقف عليه، ولا سيما لم يطلع على ما لاحظه الألمانيون عن فلاسفتنا فإن الألمانيين بحثوا عنهم أكثر من سائر أبناء الغرب، ولهم كتب ممتعة ولا يمكن أن يستغني عنها أحد إذا أراد التوغل في هذا الموضوع كما فعل حضرة أستاذنا.
стр. 2610
على إننا نقول: لا يمكن لأحد من أبناء عصرنا أن لا يفتقر إلى هذا الكتاب الجليل، فأن البحوث الواردة فيه على الطرز الفلسفي الجديد، وكتابنا في حاجة ماسة إلى معرفة ما قيل عن مشاهير فلاسفتنا ليأتموا بهم ويجروا ورائهم حثيثاً.
وبخصوص الأستاذ وتأليفه نقول: إننا كنا قد ذكرنا أن (أول من وضع الأقاصيص
العصرية في لغتنا) هو المرحوم محمد تيمور، والذي اتضح لنا بعد كتابة تلك الكلم أن حضرة الأستاذ محمد لطفي جمعة كان قد سبق الجميع إلى هذا الموضوع، وله مؤلفات فيه وشى برودها منذ نيف وعشرين سنة من ذلك كتاباه (في بيوت الناس) و (ليالي الروح الحائرة) ولهذا وجب علينا التنبيه صيانة لحقوق الناس وإنزالاً للصدق في مقره.
٦٣ - مملكة الظلام
أو حياة الأرضة (في ١٤٩ ص بقطع ١٦)
تأليف مترلنك، تعريب الدكتور نقولا فياض
عنيت بنشره إدارة الهلال بمصر سنة ١٩٢٧
هذا الكتاب من أحسن ما يهدي إلى القراء لأن الوقوف على محتوياته يفيدهم كل الإفادة، ويلتذون بمطالعته، ويطالعون كلاماً حسن السبك والتعبير، هذا مجمل ما يقال في هذا التصنيف وليس معنى هذا الكلام أن الكتاب خال من كل عيب، إذ الكمال لله وحده.
أما الأوهام التي وجدناها فهي من قبيل إتقان العبارة فقد قال المعرب مثلاً في ص١٢: الأرض أو النمل الأعمى ليكون المفسر من جنس المفسر. - وفي ص١٦: الغشائية الأجنحة وبالإفرنجية وضع اللفظة بالمفرد، والأصح بالجمع وكذلك قل عن اللفظتين الأخريين المستقيمة الأجنحة والقارضة. أما الخراطة فهي لا تصلح بدلا من القارضة - وفي صفحة أخرى: ولا سبيل له إلى الدفاع عن نفسه ضد هجمات الطيور، وهو تعبير إفرنجي لا يسيغه ابن عدنان والأحسن: إلى دفع هجمات الطير عن نفسه وفي ص٢١:
стр. 2611
(ويقال أنه يوجد على الأرض ألف وخمسمائة نوع من الأرض.) وهو من التركيب الإفرنجي. وعندي لو قال (يقال: أن على الأرض ألف. . . لكان أمتن وأخصر وأوفى بالمطلوب. - وربما غفرنا له كل هذه الهنات، أما الهنة التي لا نغفرها له فهو قوله في حاشية ٨٥: البوائض جمع بيوض بالفتح أي كثيرة البيض اهـ. فأين وجد حضرته أن فعولا يجمع على فواعل، فالغلط ظاهر لكل ذي عينين، فبوائض جمع فاعل أو فاعلة للمؤنث لا جمع بيوض وأما بيوض فتجمع على بيض بضم الأول والثاني أو بيض بكسر الأول، وربما قال بعضهم بوض بضم الأول.
وهناك غير هذه الأغلاط مما يطول ذكره، إلا إننا اكتفينا بما ذكرناه، وهذا لا ينقص شيئاً
من حسن الكتاب، لأن المحاسن لا تظهر إلا إذا كان هناك ما يسميه المصورون (بالظلال) (جمع ظل) وهو هنا هذا (الضلال) في قلم الدكتور العسال!
٦٤ - مجلة الحديث
تبحث في الآداب والتأريخ والعلوم الاجتماعية
المحرر والمدير المسؤول: سامي الكيالي
وصلنا من هذه المجلة الشهرية الحلبية التي تطبع بمطبعة الشهباء الأجزاء التالية السابع والثامن والتاسع عن أشهر تموز وآب وأيلول فوجدناها كثيرة الفصول العمرانية والاجتماعية والفلسفية لمشاهير المصنفين من سوريين ومصريين، لكنا وجدنا مطالعتها صعبة لسقم الطبع من جهة ولكثرة أغلاط ذلك الطبع الذي يشوه محاسن المقالات من جهة أخرى من ذلك ما ورد في ص٥٢٠: (بل نريد أن نتوسع قليلاً) والأحسن أن يقال: أن نتوسع فيه قليلاً. - وفيها: (أن نبدأ بالتقليد. . . الملائكة المعصومين. . . الأولاد الصغار الذينهم. . . وهكذا فنحن لا نرى للطفل إرادة. . . هذا ما لا نريد أن نعرص إليه لأن الطفل الصغير المحروم من قوة التمييز والإدراك. . . ولا جرم أن الكاتب كان قد كتب في مسودته: أن (نبدأ. . . الملائكة (البررة). . . الذين هم. . . وهكذا (نحن) لا نرى. . . أن نتعرض له. . . المحروم قوة التمييز. . .)
стр. 2612
على أن المطبوعات كلها على هذه الشاكلة، لا يخلو منها كتاب أو رسالة أو جريدة أو مجلة، وهو أمر نراه بأعيننا في مجلتنا هذه مع سهرنا على ضبط ألفاظها.
٦٥ - المعزية الإلهية
زيارات صغيرة للعذراء الفائقة القداسة
تأليف أحد المرسلين الرسوليين نقلها إلى اللسان العربي القس الطونيوس شبلي اللبناني
بمطبعة القديس بولس في حريصا (لبنان) سنة ١٩٢٧ في ٣٤٨ ص بقطع ١٦ الصغير.
كتيب حسن المعنى، بديع الطبع، نفيس الكاغد، مفرغ في قالب عربي متقن، يليق بأن يكون في أيدي جميع الأتقياء، ومن جميع طبقات الناس. - على إننا كنا نود: ١ - أن يذكر المعرب اسم المؤلف في صدر كتيبه، أو في مقدمته.
٢ - أن يتحاشى استعمال الغريب من اللفظ كقوله في ص٣: لأنها تكشح. . . ضباب الهموم، فما ضره لو قال لأنها تبدد. . . وقال فيها: وتمزق عن أفئدتهم إدلهمام القلوب، والإدلهمام لا يمزق ولو قال في مكانها: مظلمات الخطوب لكان أجلى. - وقال في مواطن عديدة السلام (عليك) يا مريم، كما ينطق به أهل سورية وفلسطين، ونحن نعد هذا إهانة للعذراء. فقولنا السلام عليك! نتمنى لها السلام وأن يكون فيها دائماً من باب الدعاء. وأما مريم فإنها كانت دائماً في حالة سلام، فلا نتمنى لها شيئاً ولا ندعو لها بخير ما بل نجد فيها أمراً ونذكره لها وهو أن السلام لها أي خاص بها وملكها وهو لا يقال إلا لمريم. إذا نحن نحتج كل الاحتجاج على من يقول لمريم (السلام عليك). وفي ص١٦ تعاستي وفي ص١٥٠ نجمة البحر والصواب: تعسي، ونجم البحر، إذ ما نطق به المعرب هو من الأمور التي لا يسلم منها أكبر الأدباء.
٦٦ - محاورات لاهور
(بين أبن السلطان دارا شكوه والزاهد الهندكي بابا لعل داس)
نشرها كليمان هوار ولويس ماسنيون
طبعت في باريس في المطبعة الأهلية سنة ١٩٢٦ في ٥٠ بقطع الثمن الصغير
عجيب أمر المستشرقين في كل ما يطبعونه!
стр. 2613
هذا كتاب صغير هو محاورات؛ لكن قبل أن يذكر الناشران نصه عرفا للناس سبب وضعه ومحل المحاورة وكلا من المتحاورين وحينئذ انتقلا إلى درج النص بحرفه الفارسي ثم إلى ترجمته إلى الفرنسية، ولم يكتفيا بذلك، بل زادا عليه معنى كل لفظة غريبة وردت في الكتاب مع ذكر أصلها، وترتيبها على حروف الهجاء الفرنسية، فجاء كلمة محاسن في محاسن.
على إننا نأخذ على الناقلين عدم تدقيق نظرهما في تحقيق معاني بعض الألفاظ فقد ذكرا في ص٢٨٨ من طبعة صفحات المجلة (نادر النكات) بقولهما وهذا لا يوافق الصواب، والصحيح أن تنقل إلى الفرنسية هكذا: وذكر في ص٣٢٨ السمندر بمعنى طائر يأكل النار والذي أدى بنا التحقيق وأدرجناه في مجلة بيروتية أن السمندر هو والكلمة معربة مصحفة وهو ليس بالفقنس كما قال أحد المؤلفين وهو كليمان هوار في الحاشية ويقال فيها
أيضاً السمندل.
ومثل هذه الأوهام قليلة في هذه الفريدة البديعة، ولا سيما لأنها صادرة من أدباء أجانب، بينما نرى من المنتمين إلى اللسان والوطن أناساً يرتكبون أغلاطاً شنيعة لا تكون هذه بجنبها إلا كالفارة بجنب القارة.
٦٧ - رواية وداعاً أيها الشرق
الترك يتركون الخلافة للعرب، والشرق لأهله، ويبتغون الاندماج بالغرب، بقلم نقولا حداد، مصر سنة ١٩٢٦ في ٩٢ص بقطع الثمن.
كل مرة أخذ الكاتب الجهبذ قلمه ليدون ما يمليه عليه فكره المنتاج، صبه في قالب جذب إليه الأنظار، وأمال إليه الخواطر، فرواية (وداعاً أيها الشرق) من أحسن ما كتب في تأريخ انفصال الترك عن العرب وعن الشرق، ومن شك فليطالعها.
على أن المؤلف يتساهل في التعبير وكنا نود أن يخلص عبارته من شوائب اللحن والركة.
стр. 2614
تاريخ وقائع الشهر في العراق وما جاوره
١ - أعمال لجنة تخطيط الحدود العراقية التركية
أنهت لجنة تخطيط الحدود أشغال التخطيط وركزت أنصاب الحدود بين تركية والعراق، ويجتاز النصف الشرقي من الحدود المخططة نهر (أورامار)، بالقرب من (خيارته). ثم تمتد الحدود على طول مجاري الأنهر التالية: (صاط) و (ده) و (شيفاهركي). ومن هناك تمتد هذه الحدود على طول حافة القسم الغربي من سفح جبل (كافاندا) وعلى طول الحدود التي ترى بين عشيرة (شيروان) وقد أصبحت بأجمعها للعراق وعشيرة (كردي) وقد أصبحت كلها تقريباً لتركية. ومن هناك تواصل الحدود سيرها صاعدة مجرى نهر اسمه (حاجي بك) أو (نهر كردي) إلى أن تقف الحدود في ينبوعه المتفجر من جبل (دلمبر) الواقع على الحدود الإيرانية وارتفاعه نحو ١١٤١٠ أقدام.
يقع جبل دلمبر على مسافة ١٦ ميلاً من الشرق الغربي من (شنو) وعلى مسافة ٣٠ ميلاً من الجنوب الغربي من مدينة (أرمية). ومن قمة جبل (دلمبر) تمكن مشاهدة سلسلة جبال أراراط (أغري) الواقعة قريباً من (بيازيد) ويمكن أيضاً مشاهدة منظر (بحيرة أرمية الرائق).
٢ - بلاغ رسمي في تعديل المعاهدة الإنكليزية العراقية
انتهت المكاتبات التي كانت دائرة بين
стр. 2615
الحليفتين منذ زمن غير يسير على أساس المذاكرة لتعديل المعاهدة الإنكليزية العراقية والاتفاقيات الملحقة بها وقد سافر رئيس الوزراء إلى أوربة مزوداً من الحكومة العراقية السلطة التامة للقيام بهذه المهمة. وتعرب الحكومة العراقية عن ثقتها بأن المفاوضات ستسفر عن نتائج مرضية للشعب العراقي بالنظر إلى ما أبدته الحليفة من التساهل للبر بالوعود المقطوعة والعطف العميم الذي ما زالت تبديه في سبيل تحقيق أماني الشعب المشروعة. وتنتهز الحكومة هذه الفرصة فتشير إلى العبارات الصريحة الواردة في منهاج الوزارة المتعلقة بمسألة التعديلات وتعتبرها القاعدة التي ستجري عليها هذه المفاوضات والله ولي التوفيق.
بغداد: مدير المطبوعات
٣ - قيود الأملاك
أخذت مديرية تقييد الأملاك في العراق (مديرية الطابو) تصاوير القيود الموجودة في الأستانة الخاصة بأراضي العراق وأملاكه والمفقودة سجلاتها الأصلية في عهد الحرب العظمى.
٤ - الموظفون في متقن الحقوق
قررت الحكومة أن لا يقبل بعد الآن وصاعداً أحد من موظفيها في متقن الحقوق ابتداء من السنة الدراسية الجديدة.
٥ - ناحيتان جديدتان في الزيبار
قرر مجلس الوزراء إحداث ناحيتين جديدتين في قضاء الزيبار التابع للواء الموصل باسم شيروان وبير اكبير.
٦ - لجنة التوزيع لمنكوبي الحريق في الموصل
أوفدت لجنة التوزيع إلى منكوبي الحريق في الموصل إلى قرية كرمليس أربعة من أعضائها وهم حضرات ناظم أفندي العمري ومحمود أفندي النائب ورؤوف أفندي شماس اللوس نائب الموصل، ومعتمد اللجنة برئاسة فبطة بطريك الكلدان، لتوزيع التبرعات التي وصلت من بغداد لإسعاف أهالي كرمليس، وتوزيع قسم من تبرعات الموصل؛ ولدى القيام بالتحقيقات الدقيقة وزعت اللجنة ما يقارب تسعة آلاف ربية على المنكوبين فجاءت الإعانات بنسبة أنة واحدة إلى كل ربية واحدة من الخسائر والأضرار التي حلت بأولئك الفلاحين. وقامت اللجنة بأعمال التوزيع يومي الخميس والجمعة ٨ و٩ أيلول.
стр. 2616
وبلغت الإكتتابات لمساعدة منكوبي كرمليس إلى ٥ تشرين الأول من هذه السنة ١٩٢٧ ما قدره ١٤. ١٦١ ربية و٦ أنات.
٧ - النزاع بين آل السعدون وآل المياح
هبطت برقيات عديدة من المقامات العالية من لوائي المنتفق والكوت يفصح فيها مرسلوها
عن اعتداءات آل المياح على آل السعدون ويطلبون أن تتدخل الحكومة في الأمر لحسم هذه المنازعات التي يخشى أن يتفاقم أمرها بما يبعث بالحقوق ويمنع كل فرد من أن يكون مطمئناً على أملاكه وأراضيه.
٨ - معاهدة في شرقي الأردن
نشرت الجرائد نص مشروع المعاهدة التي يراد عقدها بين بريطانية وشرقي الأردن، خلاصتها أن بريطانية تعترف باستقلال شرقي الأردن وبإمارة الأمير عبد الله ويكون الأمير صاحب السلطات التشريعية والتنفيذية والعسكرية العليا وتقدم بريطانية إلى شرقي الأردن المستشارين الفنيين.
٩ - تقدم الحجاز
أقام المستر سنت جون فلبي في الحجاز سنة، ثم ذهب إلى لندن فقابله مراسل رويتر واستطلعه رأيه في أحوال الحجاز ونجد، فأكد له المستر فلبي أن النجاح هناك قائم على قدم وساق لأن ابن السعود رجل داهية وسياسي محنك يعرف كيف يدير البلاد. وقال: إن حج هذه السنة (١٩٢٧) كان حجاً مشهوداً لم يسبق له مثيل في التأريخ؛ فقد أم الحجاز مائة وثلاثون ألف حاج لأداء الفريضة وذهب كثيرون منهم بالسيارات إلى مكة والمدينة، وعدد هذه السيارات يزداد شيئاً فشيئاً ويوماً بعد يوم. وابن السعود عاهل عربي مقدام لا يمل من الدؤوب ولا يتعبه التنقل من موطن إلى موطن ومن بلد إلى بلد، فقد يخرج من مكة بعد الغداء إلى بلدة أخرى ويعود إلى مقره عند العشاء.
وقال: إن الكهربية ومصانع الثلج ظهرت في مكة فشاع استعمالها وسيكون تعميم اللاسلكي خطوة أخرى في سبيل تحول ديار الحجاز واندفاعها في طرق المدينة الحديثة. وولاة الأمور يعنون جد العناية بمسألة مد سكة حديد بين مكة والمدينة.
١٠ - التقرير السنوي لوزارة المعارف
أصدرت وزارة المعارف تقريرها
стр. 2617
السنوي عن سنة ١٩٢٦ - ١٩٢٧ الدراسية. ويتحصل منه أن عدد المدارس الابتدائية بلغ هذه السنة ٢٤٩ للبنين فيها ٢٤. ١٧٠ تلميذاً و ٣٥ للبنات فيها ٤. ٤٤٣ تلميذة.
وأما المدارس الثانوية فكان عددها ٨ فيها ٧٢٩ طالباً ودار المعلمين فيها ٢٩٤ دارساً، أفلح بينهم ١٣٨ معلماً فأخذوا شهاداتهم. ودار المعلمات في بغداد فيها ٢٢ طالبة.
وللمعلمات دار في الموصل فيها ٦٤ طالبة، وللمعلمين دار عالية، ومدرسة صناعة وكلتاهما في بغداد وفيهما متعلمون من جميع ألوية العراق.
وكان عدد متلقي الحقوق في متقنها ٩٢ خرج منهم ٤٦ وبأيديهم الشهادات. ويبلغ مجموع الذين نبغوا من هذا المتقن بعد العهد العثماني أو بعد الحرب العظمى ٢١٤ خريجاً.
وكان عدد المبعوثين لتحصيل العلوم في خارج بغداد في هذه السنة ٢٥ طالباً.
وذكر هذا التقرير أن عدد المدارس الأهلية هو ٦١ مدرسة فيها ١٤. ٧٠٤ تلاميذ، ويبلغ عدد مدارس الأميين والتدريس العشائي ٣٨ مدرسة فيها ١٦٤٦ طالباً وطالبة، وعدد طلائع الكشافة في العراق كله ٩٢٧ وعدد الكشافة أنفسهم ٩٨٨٧.
وقد بحث التقرير المذكور عن الخزانة العامة وذكر عدد الكتب فيها فإذا به قد زاد هذه السنة حتى بلغ ٧٦٢٦ مصنفاً في مختلف اللغات، وعنيت وزارة المعارف بهذه الخزانة أشد العناية في هذه السنة فخصصت لها في ميزانيتها ٤٠٠٠ ربية، تصرف على شراء الكتب اللازمة لها. وهي عازمة على توسيع نطاقها.
١١ - أخطاء لجنة الحدود العراقية
وصل القطار من كركوك إلى بغداد في الساعة السابعة ونصف مساء ٣٠ أيلول وفيه أخطاء لجنة تخطيط الحدود العراقية التركية. وبينهم أخطاء الوفد التركي وكلهم بالثياب الإفرنجية وعلى رؤوسهم الشفقات أو القبعات (البرانيط). ونزل رئيس الوفد التركي ونائبه في فندق كارلتن ومعهما مرافق رئيس الوزراء. وأما الباقون فنزلوا في فندق مود المجاور للأول. وبعد وصول الوفد بقليل أقبل متصرف اللواء وأمين العاصمة إلى مقر المذكورين للتسليم عليهم إذ هم ضيوف الحكومة الكرام وكان على جانبي الجادة جماعات من الأهالي لمشاهدة هذا المنظر.
стр. 2618
١٢ - عبد المجيد بك أو مجيد بك الشاوي
توفي في ١٦ أيلول في بيروت مجيد بك الشاوي، وكان في الأشهر الأخيرة قد عين عينا
في مجلس الأعيان العراقي، وذهب إلى بيروت للاستشفاء من سرطان المعدة، وكان راوية للشعر القديم، خفيف الروح، كثير النكات، محبوباً عند الجميع، وقد جاوز الخامسة والستين من عمره على ما يقال.
١٣ - من لسعة زنبور
لسع زنبور سويان بك من علبائه وكان سابقاً مديراً لإدارة حصر التبغ ثم رئيساً لإدارة المراكب العثمانية في بغداد وكان في هذه الأيام الأخيرة أحد كتومي وزارة المالية العراقية، ولم يعش زمناً طويلاً بعد اللسع وكان كل ذلك في ٢ تشرين أول ودفن في ٣ من الشهر المذكور.
стр. 2619
العدد ٥١ - بتاريخ: ٢٠ - ٠٩ - ١٩٢٧
نيرب ومكشوفاتها
تمهيد
في شهر نيسان من العام المنصرم (١٩٢٦) في أثناء المؤتمر الأثري الأممي، المنعقدة جلسات دوره الفلسطيني في معهدنا الكتابي والأثري الفرنسي في القدس الشريف، كان المحفي الفرنسي للرقم والفنون الفتانة قد أعرب عن رغبته بلسان العلامة المسيو دوسو ممثلة في المؤتمر، في أن يرسل أرباب شؤون المعهد بعثة إلى نيرب لتقوم فيها بأعمال حفرية فنية، فنزولا على متمني هذا المحفى الجليل وبرعايته العالية، شرع في هذا التنقيب في المحل المذكور من ٢٤ أيلول إلى ٥ تشرين الثاني من سنة ٩٢٦ على يد بعثة أوفدت من هذا المعهد الدومنكي كان رئيسها ومعاونه أبوين من الرهبانية وهما حضرة الأب كاريير أحد الأساتذة الماهرين في مثل هذه المشاريع وحضرة الأب باروا المتفرغ للأثريات. وكان معهما بعض المؤازرين.
وقد نشرت الصحف حين ذاك أخبار هذا التنقيب وشفعتها بكلمة موجزة
стр. 2620
على ما وجد فيه من اللقى - ثم صدرت في ذا الشان مقالة في مجلتنا الكتابية بقلم الأب باروا، كما أن حضرة الأب كايير ألقى في ذا الموضوع محاضرة ثمينة كانت حلقة من سلسلة محاضرات هذا العام التي ألقيت في معهدنا.
على أن هذا الحفر الحديث لم يكن الوحيد الذي أسفر عن آثار عتيقة بل كان قد اكتشف شيء سابقا غير هذا بطريق المصادفة اقتنته متحفة اللوفر، في باريس وبحث عنه بحثا مدققا الأثري الشهير كليرمون كانو.
وإذا كانت أشباه هذه المواضيع خطيرة ممتعة فضلا عما فيها من اللذة العقلية، أحببنا بعد استطلاع مصادر البحث أن نطلع ببعض التفاصيل على هذه المكشوفات أبناء لغتنا وعساهم أن يرغبوا في مثل هذه العلوم والفنون المختصة ببلادهم اكثر من غيرها بها.
نيرب الحالية
إذا خرج المسافر من حلب، وقبلته الجهة الجنوبية الشرقية، لا يعتم - بعد سيره مسافة لا
تزيد على ٧ كيلومترات - أن يصادف، غير بعيد عن الطريق المؤدية إلى مسكنة والفرات، قرية غريبة المنظر لشكل بيوتها الظاهرة للعيان كأنها كوائر جسيمة مقلوبة على فمها؛ ودور هذه الضيعة قد التفت أو تكاد تلتف بتل قديم يتراوح علوه بين ١٠و١١ مترا. وقمته المسطحة تشرف على كل السهل المجاور لها أما طرفه الجنوبي فمتهدم وجهتاه الشمالية والشمالية الشرقية فقد أنزلهما السكان إلى مستوى السهل بأخذهم منهما التراب لصنع الطين اللازم لبناء دورهم.
ورود أسماء في الآثار القديمة
اسم نيرب عريق في القدم. جاء ذكره في لائحة الكرنك في جملة المدن السورية التي افتتحها تحوتمس الثالث فرعون مصر وذلك بصورة (نيروب ونيريب ونيرب) وورد أيضاً في إحدى رسائل تل العمارنة، إذ يقرأ فيها بجانب اسم ملك حتى اسم ملك (نيريبا) نجده كذلك في رقيم كبير (لأشور نصير أبال) بصورة (نيربي أو نيريبي أو نيريبو) وأما المؤرخ اسطيفانس البوزنطي فقد دعاها (نيريبوس) نقلا عن نقولا الدمشقي. ولهذا الاسم ذكر
стр. 2621
في (الدر المنتخب في تاريخ حلب) لابن شحنة، بعبارة (باب النيرب) وهو أحد أبواب حلب سمي بذلك لان الناس تخرج منه للذهاب إلى هذه القرية ثم في كتاب كمال الدين المدرج في المجموعة العربية للحروب الصليبية بهذه التسمية (ارض النيرب وجبرين) أخيرا تراه في كتاب المشترك لياقوت الحموي، ودونك نص ما يهمنا منه: (النيرب قرية بغوطة دمشق في وسط بساتينها. . . والنيرب قرية من قرى حلب بينهما فرسخ. والنيرب قرية من قرى حلب أيضاً قرب سرمين).
اصل اسمها واشتقاقه
نيرب كلمة آشورية معناها على الرأي الأعم والأصح (المدخل والمجاز) وهي مركبة من النون بمنزلة متوجة ومن (يرب) وسبب التسمية هذه هو إما لأنها كانت ولا تزال الطريق المؤدية إلى سورية للمقبل من بين النهرين والعراق عابرا نهر الفرات. وأما لأنها بمثابة مدخل للمدينة التي هي في جوارها، وهذا ما يستدل عليه من أل التعريف الداخلة عليها في النصوص العربية الواردة آنفا وتعدد القرى المسماة بها كما ذكرها ياقوت. إلا أن هذا
التأويل الثاني قد لا يصح على نيرب في الأعصر القديمة.
لمادة نيرب وجود في جميع اللغات السامية وبعض فروعها مع شيء من التفاوت في المدلول الائل كله إلى أصل واحد معناه الدخول - وهذه المادة مع كونها ثلاثية يسوغ ردها إلى مادة ثنائية وهي (ع ب) الدالة على شيء من هذا المعنى. لك دليل على ذلك كلمة (عب) العربية ومؤداها: شرب الماء وكرعه أي ادخله دون نفس. وفي (عب) السريانية ومعناها الدخل. وكذلك (عب) السريانية بمعنى الغابة. سميت بذلك لتداخل أشجارها وفي (عابا) العبرية ويراد بها الكشف أي المتداخل بعضه ببعض. وكذا الشان في اللفظة الحبشية (عبي) ومفهومها العبل أي الضخم أو المتداخل العضلات. ومنها أيضاً كلمة (غاب) العربية المراد بها: بعد محتجبا أي داخلا.
وإنما أقحمت الراء في هذه المادة الثنائية لمبالغة في معنى الدخول عملا بالمبدأ اللغوي القائل: (الزيادة في المبنى زيادة في المعنى) وفي اللغة العربية تجد
стр. 2622
أثر المادة الثلاثية في لفظة (غرب) التي اشتقت منها الغرب والغروب وهو نزول الشمس إلى الأفق أي دخولها فيه مما يظهر غاية الظهور في البحر إذ ترى الشمس داخلة فيه حين غروبها. ومن هذه الكلمة جاء اسم أوربة أي بلاد الغرب أو الغروب. وفي الارمية القديمة والسريانية كلمة (عرب) وهي بمعنى (غرب) العربية. ومن عرب اشتق (معربا) أي مغرب أو غروب اعني دخول الشمس وراء الأفق. ومن ذلك حرف (عروبتا) التي عربت بلفظة (عروبة) وهي اسم ليوم الجمعة إذ تدل على الغروب ومن ثم على المساء وعلى ليلة السبت - وفي السبإية (معربم) أي مغرب - والميم (للتمييم) بدل نون التنوين العربي الشمالي. وفي رقيم زنجيرلي (معرب) مغرب. وفي الحبشية (عريب) أي نزول. وهو مستعمل خاصة للدلالة على سقوط الأجرام الجوية كالنيازك. وفي العبرية (عرب) الغروب أو المساء.
قلنا أن الكلمة على لفظها الحالي آشورية أو قل أكدية ونعني بالاكدية الفرع الشمالي الشرقي من اللغات السامية وهو قسم ينطوي على لهجتين وهما الآشورية والبابلية وقد دعيت أكدية نسبة إلى (أكد) الشهيرة عاصمة المنطقة البابلية الشمالية المقابلة للربوع البابلية الجنوبية أي الشمرية. فاللفظة إذا أكدية وذلك ليس لأنها وجدت في نصوصها المسمارية فحسب، بل لان فيها قد جرت التطورات الخاصة بهذا اللسان. فهي آتية من فعل
أربو ومعناه في هذه اللغة كما سبق التباين (دخل أو جاز) والأمثلة على ذلك كثيرة منها ما هذا نقله بالحرف الإفرنجي وتعريبه:
- في البيت الذي دخل ليس نار (أو النار مبعدة) حين تدخل بيت أحد الناس (أو إنسان ما) - ومن ذلك أيضا: أي دخول الشمس وهو غروبها.
وقد رأيت من الأمثلة المتقدمة أن اللفظ مبتدئ بحرف حلقي، سواء أكان عينا أم عينا في كل اللغات السامية ما خلا الاكدية. ولا يأخذك
стр. 2623
العجب إذا عرفت أن الاكدية - وعلى شاكلتها طائفة من اللغات السامية، كالجعزية (الحبشية القديمة) والامحرية (الحبشية الحالية) والمندائية (لغة الصبة) والسورث (الكلدانية العامية) - قد سقطت منها الحلقيات بكثرة أو قلة واستحالت همزة.
فالفعل إذا هو (عرب أو غرب) وفي الاكدية بحذف الحرف والاستعاضة عنه بالهمزة - إلا أن سقوط الحلقيات في الاكدية لا يخلو من التأثير في الحركات الخاصة بها أو المجاورة لها. وعليه فكل كلمة حذفت منها الحاء أو العين أو الغين وقامت مقامها الهمزة فحركة الحلقي وحركة ما يتبعه. إذا كانت فتحة أو كسرة. تتحول إلى حركة إمالة.
مثال أول - (حدشو) ومعناه جديد ويقابله في العربية: حدث. وفي السريانية (حادث) وفي العبرية (خادش) وفي الحبشية (هدس) حذفت منه الحاء وقامت مقامها الهمزة فصار (أدشو) ثم طبقت عليه قاعدة الحركات فانقلبت الفتحتان امالتين فأصبح (ادشو)
مثال ثان - (عربو) وهي الكلمة الدائر البحث عليها وقد رأيت ما يقابلها في بقية الألسن السامية. أسقطت منها العين فعوض عنها بالهمزة فأضحت (أربو) ثم تحولت الفتحتان إلى امالتين فأصبحت (اريبو)
وهذا التأثير سقوط الحلقيات لا يشمل الحركات الخاصة بها فقط بل يتصل بحركات المقاطع القريبة منها نفسها مثاله:
(سمع) عوض (زرع) بدل (أعمال) عوض
وأما النون المتوجة لكلمة نيرب فاصلها ميم كما هو الشان في جميع اللغات السامية التي يقال فيها مثلا: مغرب - ومعربا ومعرب الخ. وإنما قلبت الميم نونا طبقا لقاعدة أخرى مطردة أو كالمطردة في الاكدية - ولا تخلو العربية من اثر لها - وهي مشهورة بين أهل
النحو الاكدي بقاعدة (بارت) وهو المستشرق الألماني الذي كان سبق الجميع في تحقيقها وتدوينها - والقاعدة ها هي ذي: أن الميم الداخلة على الأسماء المستعملة غالبا للدلالة على المكان
стр. 2624
أو الزمان أو الآلة تقلب نونا كلما توجت ألفاظا أحد أصولها حرف من الحروف الشفهية كالميم والياء (والباء المثلثة الفارسية). مثال ذلك:
(مركبة) و (ملك) و (عامة الأشياء) عوض
وووأنت ترى من هذه المقابلة الألسنية السامية ما كان أصل نيرب وكيفية وصولها إلى لفظها الحالي وقد علمت أن معنييها المطلق والمحصور وهما الدخول وغياب الشمس قد ثبتا في الاكدية وحدها ولم يبق إلا المدلول المحصور في بقية اللغات السامية الأخوات.
أول مكشوفاتها
قلنا في سياق كلامنا عن نيرب الحالية أن أهل القرية قد انزلوا إلى الحضيض قسما من التل القديم وانهم لا يزالون يرفعون التراب من ثم لبناء دورهم.
هذا واعلم أن هناك قد حدث أمر غالب الوقوع في باب الأثريات. إلا وهو اكتشاف لقي قديمة بطريق المصادفة على يد قوم ليسوا من أرباب الفن
ففي سنة ١٨٩١ كان الفلاحون يحفرون في التل على عادتهم لأخذ التراب، فإذا بهم قد وجدوا نصبين عليهما نقوش وكتابة بالخط الارمي. كما انهم قبل ذاك الأوان بسنتين كانوا قد وقعوا في المحل عينه على ناووس حاو صقلين (هيكلين) بشريين وعلى اسطوانة مطوقة بالذهب. فالناووس لم يزل في موضعه وأما الاسطوانة فبعد أن جردها من الذهب الذي ظفر بها باعها في الأستانة. وقد وقفوا هناك أيضاً قرب هذه الحجارة على تمثال متعدد الأشخاص مصنوع من نحاس والظاهر انه يمثل آله الفينيقيين وآلهتهم. أما النصبان فقد وجدا منتصبين مطمورين في التراب في نحو الجهة الشمالية من الناووس وهما منحوتان نحتا متقنا بخلاف الناووس فانه خشن النحت وغطاؤه من حجر ابيض خال من كل نقش أو كتابة. وأما تمثال النحاس فخشونة صنعته دليل واضح على قدمه.
وإذ كان النصبان من أهم اللقى القديمة، فلا باس من أن نشبع الكلام عن وصفهما مخلصين ما جاء عنهما في كتاب كليرمون كانوا.
стр. 2625
النصب - أ
هذا النصب مصنوع من حجر اسود وصلب منحوت وهو من جنس الحجر البركاني. على وجهه منقوشة نقشا ناتئا صورة رجل منتصب متجه الوجه نحو اليمين ومتشح بثوب طويل ينحدر إلى عقبه ورجلاه محتذيتان وركبتاه راكبة الواحدة على الأخرى وفي ثوبه طيات كطيات الرداء الذي فوقه على الزي الآشوري البابلي وعمرته ذات شكل خاص لشبهها بعرقية دائرة نصف دائرة وهي تغطي رأسه كله مسترسلة إلى اسفل الرقبة ساترة الأذنين ومنوط بها من الوراء شرائط قصيرة ودقيقة وذراع الشخص اليمنى مرتفعة ويده اليمنى مبسوطة للضراعة والعبادة ويده اليسرى متصلة بمرفق اليمنى ووجهه ضخم خلو من الشعر أو محلوقه وظواهره ظواهر الشباب وعليه ملامح الجنس السامي المعروف. وفي المحل المجاور لهذه الصورة يرى رقيم ذو ١٤ سطرا شكل حروفه فنيقي قديم والكتابة مقسومة إلى قسمين القسم الأول في أعلى الصورة وهو مؤلف من ٨ اسطر مكتوبة على طرفي الرأس والقسم الثاني في أدناه وقوامه ٦ اسطر عابرة على الجزء التحتاني من القميص.
النصب - ب
هذا النصب مصنوع من الحجر الأول نفسه وهو مثله منقوش من فوق ومكتنف بكفاف من تحت. في قسميه الأعلى رقيم ذو ١٠ اسطر حروفه كحروف رقيم (النصب أ) وأما كتابته فلا إطار حولها وهي منتشرة على كل الوجه دون فاصل وفي جزأه الأدنى صورة رجل أمرد أو محلوق اللحية ثيابه وعمرته كثياب وعمرة الشخص الأول وهو جالس على كرسي أو عرش لا متكأ له ووجه الرجل متجه نحو اليمين ورجلاه المكشوفتان موضوعتان على موطئ ذراعه اليسرى مبسوطة ويده مفتوحة وأما ذراعه اليمنى فمرتفعة وفي يده أناء شبه الكاس أو الطاسة قد أدناه من فيه. بين يدي الرجل مذبح على شكل مائدة تماثل دعائمه دعائم العرش وعلى المائدة (الطاولة) العليا مصورة ضروب من التقادم ومن وراء المذبح مقابل الرجل الجالس يرى شخص آخر قائم ووجهه نحو اليسار وقامته أصغر من قامة الأول ولباسه قميص مربوط
стр. 2626
بمنطقة ومنحدر إلى الركبة.
أما رأسه فان لم يكن مكشوفا فهو مغطى بعرقية بسيطة وإذناه مطلقتان وشعره مجزوز
وركبتاه ورجلاه مكشوفات.
يتبادر إلى الذهن لدى رؤية هذا المشهد انه مشهد حفلة مأتم مصري إلا أن الثياب وهيئة الأشخاص وطرز الأشياء الأخرى تظهر عليها الخصائص الآشورية، فضلا عن أن الرقيم الذي يدلنا على أن هذه الحفلات هي من حفلات الموتى. والبائن أن الشخصين المصورين في هذين النصبين كانا من فئة الأحبار والفرق بين الاثنين أن هيئة الأول هيئة شاب وسمت الثاني يدل على الشيخوخة ويؤيده نص الرقيم عينه. هذا وان كانت المشابهة للآشوريات ظاهرة غاية الظهور إلا أن كليرمون كانوا يرى أن العهد الذي يمكن أن يرقى إليه بالنصبين هو العهد الاشوري، أي القرن السادس (ق. م) الذي فيه دالت دولة السلالة السرجونية. ولنا في منطوق الرقيم ما يؤيد التحقيق الأثري، فان أسماء الآلهة المدرجة فيه هي من مصاف آلهة الزون الآشوري. ويضيف العلامة المذكورة إلى قوله انه إذا أردنا الزيادة في التخصيص لاق بنا إبداء الرأي بان النصبين من العهد البابلي الثاني أو الحديث. وهو الفترة الواقعة بين سقوط السرجونيين وظهور كورش أي من سنة ٦٢٥ إلى سنة ٥٣٨ ق. م وبنوع أخص في زمن آخر ملوك بابل وهو نبونيد الذي عاش بين ٥٥٥ و ٥٣٥ ق. م.
الأب أ. س مرمرجي الدمنكي
أحد أساتذة المعهد الكتابي والأثري الفرنسي في القدس الشريف دخل حكومة العراق ونفقاتها
بلغ دخل حكومة العراق في تموز الماضي ٤. ٤٠٠. ٦٦٨ ربية، وبلغت نفقاتها في ذلك الشهر ٣. ٩٥٦. ٤١٥ ربية، وبلغ مجموع الدخل منذ ابتداء السنة المالية إلى آخر تموز ١٦. ٨٩٠. ٤٦٩ ربية، وبلغ مجموع النفقات في هذه المدة ١٥. ٩٦٦. ٤٥٦ ربية.
стр. 2627
(صورة)
من ينظر إلى هذه الصورة. يتحقق أن صاحبها، هو صاحب الشعر المبتكر، البديع المعاني، الطريف الأسلوب، ناقل أفكار الغرب، إلى ديار العرب: الدكتور احمد زكي أبو شادي وهو في الخامسة والثلاثين من عمره.
من رسم الأستاذ الفنان عنايت الله إبراهيم النقاش المصري الشهير في مصر القاهرة.
стр. 2628
الحب الضرير
إذا هب نسيم الربيع، طاب الهواء، وانبتت الأرض فابتسم
ثغرها عن أزاهير شتى، وفاح عطرها وانبث في جنباتها. تلك
هي صورة شعر أبي شادي؛ فانك لا تسمع كلماته إلا تحس
بنسيم شعره يدب في فكرك، فيجول في خفاياه أو زواياه
ويحيي كل دفين فيها. فلله دره من شاعر مفلق، وساحر فاتن!
(ل. ع)
سلام عليك زمان (الشباب) ... على أمل (الحب) والملتقى!
نكبت بعمر الجوى والفراق ... فلما التقينا حرمت اللقا!
كأن لم تكن فترة للوصول ... نسيت بها الخطر المحدقا!
عناء جديد، وقلب وحيد ... يقطعه الدهر ما فرقا
وصفو تولى كموت (الربيع) ... وقد شوق الروح ما شوقا
فيا جزعي للفؤاد العميد ... يعود إلى نفيه مرهقا
ويفضي بآلامه للنظيم ... فيجري به دمه مهرقا!
ويحسده في الشقاء الخلي ... ويحسبه الشاعر المفلقا!
نشأت على (الحب) منذ الصبا ... ودمت وإن شيب المفرقا
وأوذيت من اجله في الحياة ... وما زلت أرعى له الموثقا
أدين له بمعاني (الجمال) ... وكم ألهم الأمل الريقا
وكنت أراه الشفاء الأكيد ... لروحي فأصبح لي مغرقا
وكنت أراه الهدى والندى ... فضل وعشت به مخفقا!
فؤادي الحزين العصي المنى ... تشجع! وعش في الأسى مشرقا!
стр. 2629
لئن خانك (الحظ) طول الشباب ... كما خانك (الحب) مستغرقا
فلا تنس أنك ملك الجمال ... وقد ملأ (العالم) المطلقا
فنح أن تشأ من هموم (الغرام) ... فكم كان في ظلمه محرقا
وذب أن تشأ (للوفاء) المضاع ... فلن يستعاد ولن يشفقا
ولم ما استطعت فلن تنتهي ... بلومك (للحظ) في مرتقى
إذا كنت ألف (الغرام) الضرير ... فماذا تفيد المنى والرقى؟!
تشجع فؤادي! تشجع! فكم ... تذوقت عمرا صنوف الشقا
وقد سامك (الدهر) شتى العذاب ... فكنت به الساخر المشفقا!
فلا تلق حزمك يوم الأسى ... وقد خذل (الحب) فيك (التقى)
تناس المنى والوصال القصير ... وعهدا يظل لك المقلقا
وخل الهوى وبنات الهوى ... ولذ (بالطبيعة) مستوثقا
حياتك (للكون) وهو الأمين ... فناج السنا الشائق الشيقا
خفوقك نبض بشعر (الجمال) ... وكم رف مبتسما رائقا
فعش (للجمال) الشريف العزيز ... فما الكون في حسنه ضيقا
تسمع خرير المياه الشجي ... يغني أغاني الهوى والبقا
وحصباءها وهي تصغي إليه ... ببشر وتوشك أن تنطقا!
وراقب تودد (زهر) نضير ... إليك و (طيرا) له زقزقا
وراقصة (النحل) بين الاشع ... ة، و (الروض) من أنسها صفقا
وحالية من جموع (النخيل) ... تعاف الهموم فلن تطرقا!
ولا تنس موجا لبحر دؤوب ... يحاكي المفكر والأحمقا!
فيمضي بعسكره في هجوم ... ويرجع في خيبة محنقا!
ويلبث طورا يناغي الرمال ... فيغنم منها الذي نسقا!
ويصفو فيحظى بشكر (الحسان) ... و (بالحسن) يكسبه رونقا!
стр. 2630
وكم من جمال عزيز طروب ... يراه البصير الذي حققا
وملك (السماء) بآياته ... حياة حوت سرنا الأعمقا
إذا شئت مزقت هذا الستار ... فشمت بعقلك ما مزقا
وإن عشت طوع الهوى والشجون ... فأنت الضرير الذي ما ارتقى
جمال (الحياة) حياة (الجمال) ... وفي الكون ما يشبع المنطقا
فودع هموم (الغرام) الضرير ... وناج (السنا) الباسم المونقا
حياتك أولى بحسن (الخلود) ... أضاء (الوجود) ولن يخلقا
وخفقك أجدى لبث (الصلاح) ... فلا كنت أن لم تمت موبقا!
ولا تبتئس لخداع (الحياة) ... ونل أنت ناموسها الأصدقا
وكن للضحية قبل الغني ... مة كالنجم ضحى متى أشرقا!
وحسبك غنما بان (الممات) ... يساوي المتوج والمملقا!
وأنك بعض لهذا (الوجود) ... وفي مجده مجدك المنتقى!
وداعا إذا يا دموع (الشباب) ... ويا من فتنت بها مغرقا
جدير بقلبي العظيم الهوى ... بحب العظائم أن يخفقا
تجشمت منك ضروب العذاب ... وآن لعزمي أن يشرقا
وقد عشت عبدا حزين الفؤاد ... وها آن للعبد أن يعتقا!
الإسكندرية: أحمد زكي أبو شادي
القفتان
من غريب أغلاط تاج العروس انه صحف كلمة قفتان المشهورة بصورة قفنان بنون بعد الفاء. وليس ذلك من خطأ الطبع لأنه ذكرها في مادة ق ف ن. قال: القفنان؛ ما يخلفه الملك على خلاص وزرائه من التشاريف. رومية، وفي هذا الكلام وهم آخر وهو قوله رومية وهي فارسية الأصل من خفتان.
следующие страницы →