Полный текст (6 158 стр.). Показаны 2976–3015 · переход к 2981.
стр. 2976
الحثية التي يظهر أنها قد بلغت مقاما ساميا وكان لها أثر بالغ في تاريخ تل نيرب. قياس هذه التماثيل نحو ٥ سنتيمترات بوجه عام اغلبها مصنوع من التراب الأحمر أو الأبيض الضارب إلى الحمرة. واغلبها يمثل رجالا بشعرهم ولحاهم وعمرتهم هي العراقية. وبعضها يمثل حيوانات كالحصان والكلب والكبش والأسد.
تماثيل الطبقة العليا
جميع هذه الصور وجدت في طبقة علوها بين ٦ و٨ أمتار وصنعها أكثر اتقانا من صنع السابقة. أما أنواعها فهي أقل اختلافا وتحصر في ثلاثة ضروب.
الضرب الأول
صور تمثل امرأة مرتدية. ورؤوس جميع هذه التماثيل مقطوعة. وبالأجمال ترى المرأة لابسة قميصا وفي عنقها قلادة مزدوجة من اللؤلؤ وذراعها الواحدة نازلة والأخرى ملوية ويدها على صدرها:
الضرب الثاني
صور تمثل عارية تعصر ثدييها. ومن هذا النوع شئ وافر والبائن انه من صنع البلاد الجامع بين الطراز السوري الآشوري البابلي وعلى كليهما صبغة من الفن المصري: وما يتضارب في هذه الصور غاية التضارب هو شكل العمرة. فهي من العمرة المتدرجة أو المصرية أو من ذوات شكل الإكليل وشعر الرأس فيها مدفوع إلى الوراء ومعصوب من الأمام وفي الرقبة قلادة لؤلؤ ذات ثلاثة اكراس والوجه محاط بتخاريم ملولبة. وقد فقد إجراء البعض منها لتكسرها. ويظن أن عهدها هو من القرن السادس أو السابع ق م.
الضرب الثالث
صور فرسان وحمالات سلاح. وهي أيضاً تظهر من صنع البلاد عليها مسحة أجنبية تصل بها إلى العهد الفارسي. وقد وجد من أمثالها في جهات متعددة من سورية ولا سيما في ديار حمص وأما صورة الفرسان فتمثل راكبا ملتحيا عمرته عراقية مطوية من الجانب الواحد وفرسه من الجنس العادي كأن رأسها خارج من صدرها ولا يكاد يرى انفصال ركبتيها خلافا لذيلها فأنه في غاية الظهور. أما حمالة السلاح فالبائن أن مركوبها جمل عليه ضرب من القتب وكأن المرأة مختمرة (مستورة بخمار) وبين ذراعيها ولدان.
стр. 2977
ب - الخزفيات
عثروا على القسم الأعظم من الكسر الخزفية في الطبقات العليا من التل والذي يتبادر إلى الفكر أن هذه الخزفيات قد نقلت إليه من الخارج إذ عليها مسحة الطرز القبرسي الراقي إلى القرن الثامن ق م. إلا أن في جملتها ما يعزى إلى القرون التالية أي السادس والخامس والرابع واغلب هذه القطع صحون وآنية مصنوعة من التراب الأحمر وفيها بعض نقوش غائرة أو بارزة وهناك أيضاً كسر مصابيح وقفوا على كثير منها كانت في جوار الناووس أو إحدى الآبار وفيها ما هو من الطرز الإغريقي.
ج - أدوات معدن أو عظم
محل اكتشاف هذا الضرب من الأدوات طبقات التل المتوسطة أو العليا. أما السفلى منه فلم ير فيها سوى بقايا يعسر الجزم في حقيقة ماهيتها. فمن ذلك سهام وأسنة رماح وشفار وابر وغيرها من الأدوات والأسلحة وجميعها من نحاس ومعها بقية باقية من مرآة. هناك أيضاً نصب سكاكين من عظم وغيرها من الآلات العظمية شئ وافر وجد في الطبقة الوسطى والعليا كما انهم كشفوا آلات حديد بينها حسام.
وبين هذه الأدوات تدرج الحلى التي كشفت على اختلاف أشكالها في الناووس وفي القبور أو غيرها من الامكنة، من ذلك مشابك عديدة منها مدورة ومنها على شكل يد مبسوطة أو مطوية الأصابع وهي شبيهة بالتي وجدها في بابل سابقا هناك أيضاً أسورة مفتوحة وقد رأوا أحدها في ساعد الجثة المدفونة تحت الجرار. ثم حلقات ذات أشكال متنوعة مفتوحة أو مقفلة ووقعوا على قرط من نحاس ومشخلبة (وهو شئ يشبه اللؤلؤ من زجاج أو هي حجارة ملونة).
د - الخواتم
يحسن بنا أن ننظم في مقدمة هذا النوع من اللقى بعض الجعلان المصرية منها واحد فيه تأريخ ملكي باسم (من خبيررع) وهو لقب تحوتمس.
ووجدوا ماخلا هذه الجعلان عددا وافرا من الخواتم المصنوعة من حجارة مختلفة تمثل حيوانات عادية كالأيل أو حيونات غريبة الجنس
стр. 2978
ومن هذه الخواتم ما فيه نقوش في الجهتين.
هـ - أدوات من الحجر البركاني
منها صحون متنوعة الصنعة لبعضها قوائم تقوم عليها وللبعض الآخر كزخارف منقوشة أو مصقولة. منها أيضاً أطباق (صواني) أو بقايا من أطباق وجدت في مواقع متعددة ولا سيما في الطبقات السفلى ومنها أصنام صغيرة خشنة الصنع.
واللويحات ذات الخط المسماري
مادتها الصلصال غير المشوي وبين الخمسة والعشرين لويحا يرى ما قد كسر منه جزء
فيها صغير أو كبير. واغلبها لويحات حسابية ومقاولات بالخط المسماري يكثر فيها اسم مدينة نيرب وكذلك اسم الإله نسكو الوارد في النصين اللذين جرى الكلام عليهما فيما تقدم وهذا الرقم اسم الإله نسكو يدخل في تركيب طائفة من الأعلام وتجد على حافلة من هذه الرقم كتابة ارمية كأنها قد رسمت بالمسمار وتاريخها يمتد من السنة الأولى من حكم نبوكد نصر الثاني (٦٠٤ ق م) إلى الملك قنبوسيا (كنبيز) (٥٢٩ - ٥٢١ ق م) وأكثره مؤرخ في عهد نبونيد (٥٥٥ - ٥٣٨) وهذه اللويحات المسمارية سوف يفرد لها حضرة الأب دورم رئيس معهدنا ومدير مجلتنا الكتابية الضليع في الآشوريات بحثا خاصا ينشره في (مجلة الأبحاث الآشورية) الفرنسية.
الخاتمة
هذا مجمل مكشوفات نيرب قديمها وحديثها فيظهر مما سبق أن في تل نيرب طبقتين متميزتين وقد عرفت الطبقة العليا منهما معرفة تفوق معرفة السفلى. والنتائج التي يمكن استخلاصها من أعمال التنقيب هي أننا إذا القينا على المدفن نظرة عامة جاز لنا أن نرقى به إلى العهد البابلي الحديث وقد جاءت هذه النتائج نظرة لرأي كليرمون كانو في شأن النصبين المدفنيين الموجودين اليوم في اللوفر إلا أن هذا المدفن لم يهمل في زمن الفرس. فهناك أدلة تدل على أن المدفن فيه إلى القرن الرابع وما بعده والحضارة أو قل مزيج الحضارات التي ظهرت فيه عقبت تمدنا سابقا بشف من ورائه نفوذ المدينة الحثية على أن ذلك يعسر
стр. 2979
إثباته بنوع جلي وإن كان غير خال من الاحتمال فلا سبيل إذن إلى الحكم فيه حكما قاطعا إلا إذا كشف التل كله حتى الحضيض بطريقة فنية. فعسى أن الأحوال تساعد تحقيقه فيعود تحقيقه ذلك على العلم الأثري والتاريخ بأجزل الفوائد.
الأب أ. س. مرمرجي الدومنكي
أحد أساتذة المعهد الكتابي والأثري الفرنسي في القدس
تأثير اللغات السامية في اللغات الإفرنجية الحديثة
كلنا نعلم أن اللغة الإيطالية والأسبانية والفرنسية فرع من اللغة اللاتينية وإن اللغة الألمانية والإنكليزية فرع من اللغة السكسونية ومزايا هذه اللغات تختلف كثيرا عن مزايا اللغات السامية التي من أشهر مميزاتها: أن يتقدم الفعل على الفاعل أو يسبق الفاعل الفعل، يليهما المفعول به. وبعده الجار والمجرور أو متعلقات المفعول به. أما اللغات الإفرنجية فنظام العبارة كان على نسق اللغة اللاتينية أو على طراز اللغة اليونانية، لكن لما نقلت التوراة إلى لغات أوربة وحاول النقلة المحافظة على سبك العبارة الأصلية العبرية أثر ذلك في لغاتهم المتنوعة، فأصبح صورة الكلام عندهم على الأسلوب العبري، أو العربي أو قل: على الأسلوب السامي، وهكذا أثرت لغاتنا الشرقية في لغاتهم؛ وهو أمر قلما يلتفت إليه علماء الألسنة، مع أن هذا الفضل ظاهر لكل ذي عينين. أما إذا كان هناك غير هذا السبب في تغيير سنن تلك اللغات الإفرنجية الحديثة، فليذكرها لنا من يخالف رأينا بأدلة بينة لنشكره عليها.
وسبك العبارة لم يكن وحده نتيجة تلك النقول (جمع نقل) بل هناك مزايا أخرى دخلت ألسنتهم لم تكن معهودة عندهم إذ كانت مخالفة لقواعد لغاتهم، لكنهم اتخذوها محافظة على سلامة النص الكريم، ثم تأصلت في كلامهم، إلى آخر ما هناك.
стр. 2980
خاتم الأمان
معاجمنا لا تحوي إلا شيئا من ألفاظ لغتنا التي كانت شائعة قبيل الإسلام وفي صدره. وأما المفردات التي نشأت في عهد العباسيين فلا تكاد تجد لها أثر وإنما تراها مبثوثة في كتب الأدب والتاريخ والبلدان. ولهذا كان من الواجب تبعها وتدوينها لتكون لغتنا حية. ومن جملة الكلم المولدة التي لا وجود لها في معاجمنا (خاتم الأمان، ومنديل الأمان) وقد بحث عنها صديقنا المدقق يعقوب أفندي نعوم سركيس منقبا عنهما في الأسفار ثم جاءنا بتحقيقه لهما في المقالة الآتية:
(لغة العرب)
للعوائد حياة ولا ريب في أن مصير حياة العوائد يوما إلى الإهمال أن عاجلا أو آجلا.
إذ حدثنا أحد اليوم عن خاتم الأمان يستغرب الكثيرون قوله. وإذا روى لنا صاحبنا أن المنديل قام بمثل هذه الوظيفة قد ينسب المطلع هذه العادة إلى قرون كأن شيوخ جيلنا الحاضر لم يشهدوا ذلك في أوائل عمرهم. فرأيت أن اثبت ما وقع عليه نظري في هذا الموضوع لما فيه من اللذة وتدوين التاريخ.
أن المخطوط الذي عرفته بالحوادث الجامعة لابن الفوطي منهل غزير المادة وقد أتحفنا بخبر جاء ذكر خاتم الأمان قال المؤرخ في حوادث ٦٤٠هـ (١٢٤٢م)
ذكر واقعة الأتراك (في بغداد)
(في شعبان حضر جماعة المماليك الظاهرية والمستنصرية عند شرف الدين إقبال الشرابي للسلام على عادتهم وطلبوا الزيادة في معايشهم وبالغوا في القول وألحوا في الطلب فحرد عليهم: وقال: ما نزيدكم بمجرد قولكم! بل نزيد منكم من نزيد إذا أظهر خدمة يستحق بها ذلك: فنفروا وخرجوا على فورهم إلى ظاهر السور وتحالفوا على الاتفاق والتعاضد فوقع التعيين على قبض جماعة من أشرارهم فقبض منهم اثنان وامتنع الباقون وركبوا جميعا وقصدوا باب البدرية ومنعوا الناس من العبور فخرج إليهم مقدم البدرية وقبح لهم هذا الفعل فلم يلتفت إليه أحد فنفذ إليهم سنجر الياغر فسألهم عن ذلك فقالوا: نريد أن يخرج أصحابنا ونزايد معايشنا، فأنهى سنجر ذلك إلى الشرابي فأعاد عليهم الجواب: أن
стр. 2981
المحبوسين ما
نخرجهم وهم ممالكنا نعمل بهم ما نريد. ومعايشكم ما نزيدها. فمن رضي عنه بذلك يعقد، ومن لم يرض وأراد الخروج من البلد فنحن لا نمنعه وطال الخطاب في ذلك إلى آخر النهار. ثم مضوا وخرجوا إلى ظاهر البلد فأقاموا هناك مظهرين للرحيل فبقوا على ذلك أياما فاجتمع بهم الشيخ السبتي الزاهد وعرفهم ما في ذلك من الإثم ومخالفة الشرع، فاعتذروا وسألوا الشفاعة لهم وإن حضر لهم (خاتم الأمان) ليدخلوا البلد فحضر عند الشرابي وعرفه ذلك وسأله إجابة سؤالهم فاخرج لهم (خاتم الأمان) مع الأمير شمس الدين قيران الظاهري والشيخ السبتي. فدخلوا والشيخ راكب حماره بين أيديهم وحضروا عند الشرابي معتذرين فقبل عذرهم. وكان مدة مقامهم بظهر السور سبعة أيام!) أهـ.
وجاء ذكر خاتم الأمان بعد ذلك التاريخ بنحو مائة سنة في كتاب عمدة الطالب في انساب آل أبي طالب إذ ادخل فيه مؤلفه نبذا تاريخية. وملخص خبر هذا الكتاب بشأن خاتم الأمان (ص ١٢ وما بعدها من طبعة بومبي ١٣١٨) أن الشريف أحمد بن رميثة كان السلطان أبو سعيد (في سنة ٧٣٦هـ - ١٣٣٥م) فاخرج الشريف من الحلة حاكمها الأمير ابن الأمير طالب الدلقندي الحسني الافطسي وتغلب على البلد وأعماله ونواحيه. ولما تمكن ببغداد الشيخ حسن ابن الأمير اقبوقا أراد هذا أخذ الحلة من الشريف بدون أن يقدم إليها لكنه عجز عن أخذها بهذه الصورة فقصدها بنفسه وأحاط بها. ثم رأى أن يرسل إلى الشريف شيخ الإسلام بدر الدين المعروف بابن شيخ المشايخ الشيباني فأمنه وحلف له وأعطاه (خاتم الأمان) انتهى ما أردت تلخيصه.
منديل الأمان
رأينا في ما تقدم أن الخاتم كان شارة للأمان فبقي علينا أن نرى المنديل حاملا السلام قائما بما تكفله الخاتم.
جاء في معجم المستشرق دوزي الذي وضعه في أسماء الألبسة
стр. 2982
عند العرب (ص ٤١٥) شواهد أراد بها صاحبه أن يستقصي بما يراد بالمنديل وصورة استعماله كلباس وقطعة نسيج يحتاج إليها الإنسان وغير ذلك ومما جاء به هذا المستشرق أنه اقتطف نبذتين من كتاب ألف ليلة وليلة فيهما ذكر منديل الأمان. وهذا كلام المعجم.
(فقال: أخي أراد الأمان فأعطاه (منديل الأمان) (٢٧١: ١ طبعة مكنكتن) (فقال الشاب: العفو يا أمير المؤمنين! اعطني (منديل الأمان) ليسكن روعي ويطمئن قلبي. فقال له الخليفة: لك الأمان من الخوف و (لك) الإحسان (١٨٥: ٢)) أهـ.
وقد يتبادر إلى الخاطر أن إعطاء منديل الأمان في ألف ليلة وليلة من تلفيق المؤلف الواسع الخيال، لكنا نستفيد مما اقتطفه دوزي أيضاً من مخطوط للنويري في تاريخ ديار مصر أن إعطاء منديل الأمان كان من الأمور التي تقع بالفعل فقد قال النويري:
(فجاء الملك الصالح إسماعيل بعساكره إلى القدس وصحبته الفرنج فأرسل إلى الشيخ بعض خواصه (بمنديله) وقال له: ادفع إليه (مندلي) وتلطف به واستر له وعده بعوده إلى مناصبه) أهـ.
هذا ما كان قبل مئات من السنين وقد كان مثله في النصف الثاني من القرن الماضي. وهنا ادرج صورة الوثيقة التي عندي وهي تتعلق بهذا الباب ولها شأن في تاريخ المنتفق فضلا عن تعريفها إيانا ببقاء هذه العادة إلى هذا العهد القريب. وهذا نص الوثيقة التاريخية بوضعه المغلوط:
ذو النجابة ناصر السعدون
وصلنا معروضك، وصار معلومنا كافة ما ذكرت من الإفادات خصوصا من بيان السبب الداعي لالتماسك الرأي والأمان الثاني من طرفنا في قرآن ممهور وإن الاشتباه والوسوسة الحاصلة لك ناشئ من الأوراق والكواغد الواصلة إليك المرسولة مع كاتبك ملا خضر
لطرفنا. فيكون معلوم جنابك أن
стр. 2983
الأوراق المذكورة مشتملة على بيان عزل (أخيك) منصور (باشا) وما فيها ذكر جنابك. وعلى الخصوص تاريخها مقدم على تاريخ شقة الرأي والأمان التي أرسلناها إليك مؤخرا. فيقضي أن لا يمر في خاطرك شئ من الوسواس ويلزم أن تعتمد على رأينا وأماننا الوثيق بلا اشتباه. وأجزم بأن جوابنا لا يتبدل ولا يتغير. عفا الله عما سلف.
وبهذه الدفعة قد سيرنا لك مع ملا خضر (كيفية الرأي والأمان) لأجل اطمئنان قلبك. فإذا صار ذلك مفهوم ينبغي أن تتوكل على الله تعالى وتجي إلى طرفنا. وأنت مأمون وما تشاهد من جانبنا سوى حسن الالتفات. تجي ظالما وتعود إلى محلك سالما. ولا حاجة فوق ذلك إلى طول الكلام هكذا يكون معلوم جنابك والسلام.
في ٢٩ شعبان ١٢٨٠ وفي ٢٧ كانون ثاني ١٢٧٩ (١٨٦٤م). (الخاتم:) محمد نامق).
ومن المعلوم أن العراقيين يطلقون كلمة الكفية على المنديل. وهذه الكفية التي ورد ذكرها هنا عندي مع الوثيقة وما تقدمها من رسائل نامق باشا التي كان قد بعث بها إلى ناصر (باشا) وفيها يستدعيه إلى بغداد ولم يكن قد صار شيخا بعد. وتلك الكفية هي نسيج دقيق من الكتان ولونها ابيض تشوبه سمرة لعتقها وزواياها مطرزة بالقصب فهي من النوع الذي كان يسمى جوزه (بتح الجيم المثلثة وسكون الواو وفتح الراء) وكان يرد من الأستانة. وكلمة جوره تركية معناها المنديل المطرز الأطراف. وكان هذا اللفظ مستعملا بين ظهرانينا وقد هجر اليوم إذ لا يؤتى منذ أمد بمثل هذه الكفافي من الأستانة لتدفق المنسوجات الأوربية علينا.
ولا يبعد أن تكون كفيتنا هذه الأخيرة من الكفافي الحاملة السلام والأمان في عراقنا المحبوب وإن كان عندنا العهد الأخير لتلك العادة دفينة بطون التاريخ.
بغداد: يعقوب نعوم سركيس
стр. 2984
عبد الوهاب الجوادي الموصلي
هو الشيخ عبد الوهاب الجوادي، ولد في مدينة الموصل سنة ١٢٤٧هـ (١٨٣١م) وتعلم في المدارس الابتدائية فالمدارس الأهلية حيث ثقف في علوم اللغة العربية وآدابها ثقفه أولا الشيخ صالح الخطيب الموصلي فالشيخ عبد الله العمري الشهير ب (باش عالم) (أي العالم الأول أو رأس العلماء) وعلى الأخير قرأ المادة الكبرى وهي علم المنطق وعلما أصول الفقه والكلام وبقية أقسام الفلسفة والشرعيات فاتهما واستجاز بها منه وهو في الخامسة والثلاثين من عمره. وكان قد أخذ يتعاطى التدريس على الطريقة البلدية منذ أن بلغ العشرين ربيعا. وفي الأربعين من عمره قلد منصب القضاء الشرعي في الرقة من أعمال حلب وبعد أن قضى المدة المعينة للقضاة في ذلك العهد رجع إلى مسقط رأسه الموصل فولى وجهه شطر التدريس فاقبل عليه الطلاب وعين مدرسا في مدرسة جامع نبي الله يونس ﵇ كما عه إليه الوعظ في الجامع المذكور فانقضى عليه ثماني سنوات في المنصبين ثم اسند إليه التدريس في مدرسة (نعنمان باشا الجليلي) وظل يدرس فيها عشر سنوات حتى نصب مدرسا في مدرسة (يحيى باشا الجليلي) وبقي عمره مثابرا على التدريس والبحث والمطالعة أناء الليل وأطراف النهار حتى أنه لم يعرف لذات الدنيا وشؤونها شيئا وهكذا قضى حياته الحافلة بالعمل الهادئ المتواضع من غير فخفخة أو أبهة إلى أن أنتقل إلى جوار ربه في غرة المحرم الحرام ١٣٢٤هـ (١٩٠٦م) وقد أجاز جماعة من كبار العلماء منهم العلامة الكبير السيد الفخري وأخوة المرحوم السيد الفخري وأبنه الوحيد السيد أحمد الجوادي (أستاذ العلوم الدينية والعربية في مدارس الحكومة في الموصل حالا) وغيرهم من لعصريين ممن يقطن الموصل أو قد هجرها إلى الديار النجدية وغيرها بينهم جماعة من الكرد.
ولم يولع العلامة الجوادي بالتأليف بل انصرف بالتدريس فلم يترك تأليفا إنما
стр. 2985
آثاره تلاميذه الفضلا.
أما الجليليان الوارد ذكرهما هنا فالأول (نعمان باشا ابن سليمان باشا) خلف الحاج عبد الباقي باشا ابن آغا الجيلي في ولاية الموصل ١٢٢٢هـ (١٨٠٧م) فعمر الجامع الشهير
المعروف بجامع النعمانية مع المدرسة المذكورة آنفا ولم يحكم إلا سنة واحدة وفي عهد ولايته جاهر اليزيدية بالعصيان وأمعنوا في العبث بالأمن في الأطراف سلبا ونهبا حتى انهم قطعوا الطرق على المسافرين ثم تجمعوا في النواحي البعيدة وشهروا الحرب على الحكومة المحلية فسار إليهم نعمان باشا بعساكره فقاتلهم وأخضعهم. ثم استقال من الولاية ولم يمض عليه أكثر من سنة لمرض أصابه.
والثاني (يحيى باشا ابن نعمان المذكور) ولي ولاية الموصل بعد عبد الرحمن بك ابن عبد الله بك سنة ١٢٣٨هـ (١٨٢٢م) فخول رتبة كبير الوزراء وأسس مدرسة شهيرة نعرف باسمه. وفي أيامه حدث غلاء ومجاعة عظيمة في الموصل فانشأ فرنا (مخبزا) خفف به وطأة الجوع وعرف بكرمه وحبه لعمل الخير وقد صنف عبد الباقي أفندي ديوانا في مدحه سماه (نزهة الدنيا في مدح الوزير يحيى) وتوفي في القسطنطينية سنة ١٢٨٤هـ (١٨٦٧م)
رفائيل بطي
الحرز (محركة)
في محيط المحيط: الحرز الخطر والجوز المحكوك تلعب به الصبيان. . . أهـ. أخذ هذه العبارة صاحب البستان فقال: الحرز محركة الخطر و - الجوز المحكوك الذي يلعب به الصبيان. . . ولم يصب في كلامه لأنه توهم أن الخطر غير الجوز المحكوك فضل المعنى والأب بلو اليسوعي لم يفهم هذا الشرح فقال في فرائدة (الفرائد الدرية في اللغتين العربية والفرنسية): حرز أي الكعب أو الزهر (زار الطاولة عند العراقيين) والخطأ أوضح في رائعة النهار وقد عاد الغلط في معجمه الآخر الفرنسي العربي ٢٩٠: ١ وفي ديوان الأدب: الحرز الخطر وهو الجوز المحكوك الذي يلعب به الصبيان يفعل به ذلك ليكون أسرع تدهورا في بعض الألعاب لهم لا كلها أهـ.
стр. 2986
نبذتان من تاريخ الموصل
عن مخطوط قديم للشيخ أبي زكريا الازدي
ذكر حضرة الأب الفاضل القس سليمان الصائغ في كتابه (تأريخ الموصل) الذي نشره بالطبع سنة ١٩٢٣ أنه لم يقف على أثر كتابين قديمين - اغتالتهما يد الضياع - يحتويان على المدينة المذكورة، وهما؛
أولا - تاريخ الموصل لقاضيها أبي زكرياء الازدي الذي عاش في القرن الثالث للهجرة.
ثانيا - كتاب الباهر في أخبار ملوك الموصل الاتابكيين للمؤرخ الشهير عز الدين ابن الأثير المتوفى سنة ٦٣٠ (وهو صاحب تاريخ الكامل).
وقد بذل السياسي سليمان قصارى جهده في البحث والتنقيب، فجاء كتابه مستوفيا شافيا ومن احسن ما كتب في التواريخ القديمة والحديثة، وهو أهل للشكر والمديح وجدير بأن يطالعه كل من كان مؤلفا للتواريخ الصحيحة.
ولما كانت قد عثرت على جزء من التاريخ القديم المنسوب للشيخ أبي زكريا الازدي، وهو الجزء الثاني الموصوف في فهرس مكتبتنا بالقاهرة عن سنة ١٩٢٨ ص ٤٤ أحببت أن أتحف أهل العلم بنبذتين من هذا التاريخ الجليل المفقود، فيرى ما فيه من الخطورة والدقة في وصف الحوادث التي جرت بمدينة الموصل، وقد وضعها المؤلف وهي قريبة من عصره ويا حبذا لو وجدت بقية أجزاء هذا الكتاب الذي يعد من أهم التواريخ في موضوعه.
أما كتاب الباهر في أخبار ملوك الموصل الاتابكيين لعز الدين بن الأثير أفلا يكون من ضمن تاريخ الكامل للمؤلف المذكور؟ فأني وجدت بين الكتب المطبوعة في باريس كتابا موسوما بمكتبة الحروب الصليبية مترجم إلى اللغة الفرنسية فيه (تاريخ الدول الاتابكية بالموصل) أظنه مستخلصا من تاريخ الكامل. فإن ابن خلكان لم يذكر لعز الدين بن الأثير كتابا الباهر بل ذكر له ثلاثة
стр. 2987
كتب أولها تاريخ الكامل المشهور ثم اختصار كتاب الأنساب للسمعاني ثم كتاب أخبار الصحابة في ستة مجلدات وهو كتاب أسد الغابة في معرفة الصحابة المطبوع بالقاهرة.
واليك الآن وصف المخطوط القديم لأبي زكريا الازدي الذي وقع بيدنا وأخذنا عنه فوتغرافية بغاية الإتقان. كتب عنوانه هكذا:
المجلد الثاني من تاريخ الموصل
تأليف الشيخ أبي زكريا بن يزيد بن محمد بن اياس بن القاسم الازدي
وكتب في آخره:
تم الجزء الثاني من كتاب تاريخ الموصل (وبالهامش من سنة أربع وعشرين ومائتين)
رواية أبي زكريا يزيد بن محمد بن اياس الازدي
وفرغ من تعليقه الفقير إلى رحمة الله تعالى إبراهيم بن جماعة بن علي وذلك يوم الجمعة ضاحي نهار السادس عشر ربيع الآخر سنة أربع وخمسين وستمائة حامد الله ومصليا على رسوله النبي. . .
نبذة أولى
في ذكر الدار المنقوشة مما جاء فيه في ولاية الحر بن يوسف على عهد خلافة هشام بن عبد الملك وحكايته موجودة في تاريخ الموصل للقس سليمان صائغ في الصفحة ٦٤.
قال في حوادث سنة ١٠٦:. . . والوالي على الموصل لهشام الحر بن يوسف اخبرني محمد بن معافا (كذا) عن أبيه. . . عن جده قال كانت أم حكيم بنت يوسف ابن يحيى بن الحكم بن أبي العباس تحت هشام بن عبد الملك فولا (كذا) أخاها الحر بن يوسف الموصل فقالت أم حكيم يولي أخي الموصل وما قدرها؟ فقال لها هشام: يا بنت يحيى أما يرضى أخوك أن يصلي خلفه الهراثمة يعني ولدهر ثمة بن عرفجة البارتي؟ وقد كان هشام مقيما بالموصل. أما في أيام محمد بن مروان عمه أو في أيام سعيد بن عبد الملك وابتنى في الموصل قصرا في موضع قطائع بني وائل الآن فرأت في نقش السجل الذي اقطع المنصور أبو جعفر وائل بن السماح فيه القطيعة التي تعرف ببني وائل فوجدت فيه والحد الثاني ينتهي إلى قصر هشام بن عبد الملك.
стр. 2988
حدثني عبد الله بن علي بن مصعب بن عبد الله كانت آمنة بنت يحيى بن الحكم تحت هشام بن عبد الملك وتزوج أيضاً أم حكيم وقد ذكر أبو الحسن علي ابن محمد الدائني أن عبد الملك بن مروان ولي يوسف بن الحكم طول أقامته. فإن كان ما ذكر أبو الحسن فقد طالت
ولاية يوسف الموصل. وهو بناء المنقوشة التي هي من سوق القثايين (كذا) إلى الشارع المعروف بالشعارين إلى سوق الأربعاء إلى سوق الحشيش وإنما سميت المنقوشة فيما ذكروا. لأنها منقوشة بالساج والقشاقش (كذا والصواب والفسافس) وذلك والمنقوشة للحر بن يوسف شهد عنه أهل الموصل ومن يعرف ذلك منهم وإن كان أبو الحسن عالما بالسيرة وأخبار العرب، وقد روي أن عبد الملك بن مروان ولي محمد أخاه الموصل ومحمد بنا (كذا) سور الموصل سنة ثمانين لا خلاف بين من يعلم السيرة من أهل الموصل وقد يجوز أن يكون عبد الملك ولي يوسف الموصل بعض أيامه والله اعلم بذلك. فأما ولاية الحر بن يوسف الموصل لهشام وطول مقامه بها وإن المنقوشة داره وما كان بالموصل من أولاده ومواليه وضياعه. فمشهور ومتعارف وسأذكر ما انتهى إلى ذلك وما يجوز في مواضيع أن شاء الله وأقام الحج. . .
نبذة ثانية
في حفر المكشوف
حكاية مذكورة أيضاً في كتاب القس سليمان صائغ ص ٦٤
قال أبو زكريا الازدي في حوادث سنة سبع ومائة.
حفر النهر المكشوف الذي يجئ وسط الموصل وشرب منه أكثر أهلها وكان سبب حفره فيها:
أخبرني عبيد بن عمر عن أبيه عن الأشياخ. . . وفيما حدثني محمد بن معانا (كذا) عن أبيه عن جده: كان الحر جالسا في داره المعروفة بالمنقوشة قال عبيد عن عمر أبيه وإنما سميت المنقوشة لان الحر ابتناها فنقشها بألوان النقش والساج والقشاقش (كذا والصواب والفسفافس) فكانت قصر الإمارة. واجتمعا في الحديث قالا باسناديهما فكان جالسا ينظر في مناظر له، فرأى امرأة على عاتقها جرة وقد جاءت من جلة وهي تحملها ساعة وتضعها ساعة تستريح
стр. 2989
فسأل عنها فقيل امرأة حامل جاءت بماء من دجلة وقد أجهدها حمله، فاستعظم ذلك فكتب إلى هشام بن عبد الملك يخبره بذلك وببعد الماء على أهل المدينة فكتب إليه يأمره أن يحفر نهرا في وسط المدينة فابتدأ في حفر النهر وفي هذه السنة ولي هشام بن عبد الملك عبيد الله بن الحيحاب مولى بني سلول وهو جد الحباحبة الذين بالموصل أو جد بعضهم بمصر وعزل عنها يزيد بن أبي يزيد وقام فيها الحج للناس إبراهيم بن إسماعيل المخزومي.
وتتبع المؤلف أعمال حفر النهر سنة فسنة فقال:
في سنة ١٠٨: وأمير الموصل الحر بن يوسف وقد جمع الصناع وأهل الهندسة لحفر النهر واتخاذ الآلات وجد في حفره.
وفي سنة ١٠٩: وأمير الموصل الحر بن يوسف وهو مجد في حفر النهر ينفق عليه الأموال ولا يحصل إلى هشام شيئا وكان للحر بن يوسف ابن يقال له سلمة وكان فصيحا شاعرا فارق أباه وخرج إلى البدو.
وفي سنة ١١٠: وهو مجد في عمل النهر لا يستكثر شيئا اطلعه فيه. وفي سنة ١١١: وهو يجبي المال وينفق على النهر وزعموا أنه كان يعمل في خمسة آلاف رجل.
وفي سنة ١١٢: وفيها الخزر أرض الموصل حتى قربوا منها وأمير الموصل الحر منكمش في عمل النهر.
ودخلت ثلث عشرة ومائة وكان مال الموصل إذ ذاك كثيرا وكانت أعمالها واسعة وكان منها الكرخ ودقوقا وخانيجار وشعر زور والطيرهان وبانقيا وتكريت والسن وباجرمي وقردى وسنجار إلى حدود أذربيجان. وذكروا أن هشام بن عبد الملك استبطأ الحر في أمر النهر واستشرف النفقة على النهر وانقطاع الحمل وفي آخر هذه السنة توفي الحر بن يوسف بالموصل و (دفن في) مقابرهم المعروفة بمقابر قريش وكانت بازاء دورهم المنقوشة وهي بين سوق الدواب وسدة المغازلي وهي مشهورة هناك. . .
ودخلت سنة أربع عشرة ومائة
стр. 2990
وفيها مات الحكم بن عيينة وعلي بن عبد الله بن عباس، وفيها ولد عبد الله ابن إدريس الازدي وأمير الموصل لهشام الوليد بن تليد العبسي. وورد عليه فيها كتاب هشام يأمره الجد في أمر النهر. فوضع العمل فيه وإنفاق الأموال. . . وكان الفراغ من عمل النهر المكشوف سنة ١٢١ كما جاء في المخطوط المشار إليه.
وقال في حوادث سنة إحدى وعشرين ومائة:
وفيها ولد أبو عاصم الضحاك بن مخلد على صهوة (كذا) الموصل وأحداثها الوليد ابن تليد وفيها فرغ من عمل النهر المكشوف وذكروا أنه انفق عليه ثمانية آلاف ألف ألف درهم وجعل عليه ثمانية عشر حجرا تطحن وانه وزنوا الماء من فوهة النهر وطرحوا لكل رجل (كذا) علامة قد عملوها ويقال جوزة وقعدوا في زورق في جوف النهر والعلامات تشير بين أيديهم حتى خرجوا إلى آخر النهر فجاءت كل علامة. ويقال (كذا) جوزة إلى الرحا التي عملت حتى دخلت في سيب الرحا وذكروا أن هشاما وقف عليه هذه الرحا على نفقة هذا النهر وما احدث فيه وأقام الحج للناس محمد بن هشام.
هذا ما رأيت نشره موافقا لإظهار فائدة المخطوط الذي ووفقت للحصول عليه ولعل أدباء العراق يبحثون لنا عن الجزأين المفقودين فتقر العيون بحفظ هذا الأثر الجليل الذي خلفه لنا الأقدمون.
مصر القاهرة:
يوسف اليان سركيس
الوأقة
في تاج العروس في مادة وأق: (مما يستدرك عليه (الوأقة من طير الماء هكذا أورده صاحب اللسان وحكاه بعضهم في التخفيف قال ابن سيده: فلا أدري اهو تخفيف قياسي أو بدلي أو لغة وعلى الأولين فهو من هذا الباب وعلى الأخير لا انتهى - قلنا: الوأقة معروفة عندنا باسم الغاقة وبعضهم يقول: قاقة فتكون الهمزة لغة في المخفف أي لغة من يهمز م ليس بمهموز وهو كثير الشواهد في لغتنا كما أن قلب الغين واوا كان معروفا عند الأقدمين ومنه: عيش اغطف واوطف أي واسع (راجع المزهر: ٢٢٨)
стр. 2991
كلمة في الشعر
أخذ الأستاذ الشاعر العصري جميل صدقي الزهاوي في طبع (اللباب) وهو مختار أشعاره. وقد طلبنا إليه أن يذكر لنا ما يرتئيه في الشعر بعد أن فرضه سنين مديدة وقد علمه الاختبار ما لا يعلمه غيره، كما طلبنا إليه أن يبين لنا ما يريد أن يدونه في ديوانه الجديد، فكتب إلينا هذه السطور التي تخلد له الذكر الطيب وتبين للقوم مزايا الشعر العربي الصميم العصري الحقيقي.
(لغة العرب)
ما أكثر خلاف المتأدبين في الشعر وفي الجيد منه! ولكل أحد ذراع يقيسه بها، فإن وافقها عدة حسنا. وإن خالفها ظنه سيئا! ولما كان مستوى الأكثرين عندنا في الأدب منحطا، لم يرضوا إلا ما وافق مقاييسهم من الأميال الرجعية وهناك من لا يعجبه من الشعر، إلا ما كان في ألفاظه وأسلوبه تقليد الشعراء الجاهلية، أو صدر الإسلام. وإن كانت معانيه سخيفة لا صلة لها بالشعور العصري. ومن لا يرضيه إلا ما كان في معانيه تقليد لشعراء الغرب، وإن كانت ألفاظه سقيمة وتراكيبه ركيكة وبين أولئك وهؤلاء نفر قليل عددهم، قوي حجتهم، فضلوا ما اجمع إلى حسن الالفاظ، ومتانة التركيب، شعورا عصريا يوائم ثقافة هذا العصر وأبنائه المؤمنين بتطوره، وهؤلاء هم في الحقيقة المجددون.
أما التقليد فهو ذميم، سواء كان تقليدا لشعراء العرب الاقدمين، أو لشعراء الغبر المحدثين، فإن لكل أمة شعورا لا يتفق في الغالب وشعور أمة أخرى، قد فرقت بينهما سنة الوراثة في أجيال بعد أجيال، كما أن الموسيقى عندهما لا تتفق.
والجديد من الشعر هو ما كان مشبعا بالشعور العصري، وكان لذلك الشعور تأثير في شعور الآخرين يهيجه فيهم كأنه الكهرباء وكانت ألفاظه بمثابة الأسلاك الموصلة لذلك الكهرباء، مستوفية لجمال اللغة، وموسيقى الوزن، سواء كانت من أوزان الخليل أو غيرها ولما كان التقليد تكرارا لشعور هو لغير صاحبه،
стр. 2992
وكانت المبالغة ضربا من الكذب لا صلة لها، بالشعور، كانا وخيمين لا يهضمهما العصر الحاضر.
واحسن الشعر في نظري ما استند إلى الحقائق أكثر من العواطف والخيال البديعين عنها،
فكانت حصة العقل فيه أكثر من حصتهما، وفي الشعر القديم، ولا سيما شعر العواطف منه كثير من الجيد الخالد ولكن تقليده اليوم غير حميد. فهو صدى لصوت قد تقدمه فلا خير. والفرق بين الشعرين القديم والجديد: (أن الأول ضيق، لضيق معارف أصحابه؛ والثاني متسع لسعة معارف أهله. ومن هنا تعرف أن ما يطلب من الشاعر العصري أكثر مما يطلب من المتقدمين وإن ما يرفع هذا غير ما يرفع ذلك، وإن كان منهما صادقا في شعوره.
وللشاعر أن يجمع في بعض قصيدة أكثر من مطلب، بشرط أن يكون بين مطالبها صلة تربط حلقاتها المتعددة. واحسب أن هذا اقرب إلى طبيعة التفكير أو الإحساس، فأنهما لا يأتيان إلا في صورة أمواج هي فورات النفس وثورته، يستقل كل منها عن الأخرى، وتكون القصيدة حينئذ أشبه بباقة من مختلف الأزهار مع تناسق في ألوانها.
وقد يختلف ما يشعر به الشاعر به آخرون في موضوع واحد فتقول عليه قيامة هؤلاء يتقدمونه رامين إياه بالسفه في الرأي غير أنه شعر بما لم يشعروا به أو نظم في طريقه لم يألفوها، وهم بالإكبار أولى لأنه مبتكر أتى بما هو جديد. وهكذا كل مجدد هو غرض لسهام مخالفيه. أو حاسديه وقد يسليه عمله أن العاقبة له.
ولقد نشر لي ببيروت في أول سنة الدستور العثماني. ديوان باسم (الكلم المنظوم). ونشرت لي في مصر سنة ١٩٢٤ طائفة من الشعر غير قليلة باسم (ديوان الزهاوي) وهذه مقسومة إلى أقسام جمعت إلى جيد من الشعر ما لم استحسنه بعد المراجعة. وطبعت لي ببيروت في السنة نفسها، رباعيات باسم الدواوين الثلاثة ومن (الثمالة) - هي ديوان رابع لي يطبع بعد، وقد نظمت
стр. 2993
قصائدها بعد طبع الديوان بمصر - أعلق ما بي من غيرها أن لم يكن أحسنه وانشره في ديوان واحد باسم (اللباب) فاعرض به على الأنظار ما يمثل شعوري الذي قد ينافي شعور غيري فتقرأ هذه الأنظار فيه شخصيتي وإن ضؤلت وقد فعلت، فإن أحسنت فلنفسي وإن أسأت فعليها.
وقد كثر اللغط في مصر وسورية والعراق حولي، فمن قائل أنه لا فيلسوف ولا شاعر، بل هو عالم يحكم العقل والمنطق فيما يكتبه، أو ينظمه؛ وقائل أنه شاعر لا فيلسوف؛ وقائل أنه فيلسوف لا شاعر؛ ومحب يقول أنه فيلسوف وعالم وشاعر معا؛ وحاقد يقسم بإحراج الإيمان أنه لا عالم ولا فيلسوف ولا شاعر. ومن الذين عدوني شاعرا من يذهب إلى أني
متطرف في التجديد، ومنه من يرى أني مقلد للرث البابلي من القديم. أما أنا فلا ادعي أني شئ مما اختلفوا فيه. وإنما آراء في الكون والحياة والاجتماع. قد أذعتها وكلم موزونة هي في الغالب من بنات شعوري قد نشرتها وللناس أن لا يعدوا تلك الآراء من العلم والفلسفة. وتلك الكلم من الشعر، أو لا يعدو ذلك الشعر من الجديد. فإن أقل شعري إلا لنفسي، فحسب شعري أن ترضى عنه نفسي راضية عنه، فلا يهمني بعد ذلك أن يرضى عنه من لا صلة بين شعوره وشعوري:
لقد أظهرت مقتا لها عند نقدها ... لشعري ناس كان يمقتها شعري
ولست أبالي بالذين يرونه ... بعيدا عن المألوف من صور الفكر
وما كنت في شعري لغيري مقلدا ... وما أبعد التقليد عن شاعر حر!
تصوره عقلي وأبرز لونه ... خيالي إلى حد وجاش به صدري.
ولست ادعي أن كل ما جمعته من الشعر في هذا الديوان جديد، بل أني سائر فيه إلى التجديد، وقد مشيت فيه شوطا وهو ما يعترف به المصنف، وينكره الحاقد. ورتبته على خمسة أقسام بحسب أزمانه: الأول ما قلت أكثره بعد سفري الأول إلى عاصمة الدولة العثمانية بعد الاحتلال. ومن هذا القسم رباعياتي التي نشرت في بيروت. والرابع ما قلته بعد سفري إلى سنة ١٩٢٤. والخامس
стр. 2994
ما قلت أكثر بعد عودتي إلى بغداد.
ولما كانت غايتي من هذا الديوان جمع ما وقع عليه اختباري من قصيدي وقد أسقطت كثيرا ما يربط البيت بأخيه لم يبق في أكثرها الاطراد المطلوب ففصلت بين قسم وآخر من القصيدة بخط تنبيها على أن هناك أبياتا قد حذفتها. وعسى أن لا يلتبس مثل هذا بالفواصل الطبيعية منها.
بغداد: في شباط سنة ١٩٢٨
جميل صدقي الزهاوي
ساعة في سدة الهندية
استدعت الحكومة العثمانية في عام ١٩٠٩م المهندس الإنكليزي المعروف بالسير وليم ويلكوكس لإقامة سد محكم عل الفرات بالقرب من قصبة المسيب ليمنع المياه الوفيرة من الانحدار نحو الجنوب من دون أن تستفيد منها مزارع الفرات الأوسط فائدة تذكر. ويكون (الناظم) هو الحكم في توزيع المياه على المزارع والمدن القائمة على عدوتيه توزيعا عادلا يدر على المزارع والفلاح أفضل الخيرات والبركات.
وقد اضطرت الحكومة البائدة إلى استدعاء المهندس المشار إليه للقيام بهذا العمل الخطير على أثر انهيار السد الذي أقامه في عرض النهر المذكور المهندس الافرنسي المسيو شندرفر عام ١٨٨٥م، عندما بدأ الفرات يتحول عن مجراه الطبيعي فيتدفق بغزارة في شط الهندية من دون أن يأخذ جدول الحلة منه قسطه الوافر. والذي يطلع على خارطة العراق وأنهاره، ويلم بمواقع فدنه ومزارعه يدرك - بلا ريب - حاجة المزارع الواقعة على نهر الحلة إلى مياه غزيرة دائمة حتى لا يعوزه القحط فيستحوذ على سكانه كما استحوذ عليهم عام ١٨٧٨م. فلهذا السبب مست الحاجة إلى وضع (ناظم) لماء الفرات وأصبح ذلك الشغل
стр. 2995
الشاغل لا لأهالي الفرات فحسب بل لساسة العراق وحكومة الأستانة من ورائهم.
زرت سدة الهندية غير مرة فلم اقض فيها وقتا كافيا لدرس طرق توزيع المياه وتعبير السفن وترتيب المناوبة كالوقت الذي صرفته هناك في بحر كانون الأول من سنة ١٩٢٧ فقد بقيت هناك مدة طويلة استطعت فيها أن اقف على ملاحظات دقيقة لا أعتقد أن قراء لغة العرب الزاهرة في غنى عنها.
(أقيم سد السر وليم ويلكوكس على أثر انهدام سد المسيو شندرفر الافرنسي فوق أرض تبعد ألف متر عن السد القديم وهو أعظم بناء شيدته يد البشر في بلاد الرافدين حتى ألان. والواقف عليه اليوم يدهش دهشا عند رويته ضخامة ذلك الأثر وهندسته وتبويبه والطرق الفنية المتخذة لرفع الأبواب لتوزيع المياه وتعبير السفن وغير ذلك مما يدهش العقول: طول السد أكثر من ٢٥٠ مترا وعرضه بين الطوارين ٤ أمتار وعدد الأبواب التي فيه ٣٦ وعرض كل منها ٥ أمتار وهذه الأبواب من المعدن وتنزل إنزالا كما ينزل السيف في
القراب. واقربتها من الآهين (الحديد المصبوب) وتنزل فيها بواسطة آلات خصوصية تقام على الاطورة (التيغ) من جهة صدر النهر تسمى مرافع (جمع مرفعة) ويكون ارتفاع منبسط الماء الذي يمر خلال هذا السد ٦ أمتار في وقت الفيضان ويدفع ٢٦٠٠ متر مكعب في الثانية وعرض كل عمود من هذا السد متر ونصف وطوله عند قاعدته ١٣ مترا والسد كله مبني بالطابوق وبالملاط (الشمنتو) ولقد صنع له أكثر من ١٢ مليون آجرة واتخذت الأسس من اللياط والملاط ولم يستعمل فيه من الحجارة إلا حجارة هيت وذلك لتقوية بعض المنحدرات منه وعلى الجانب الأيسر من السد درقتان متتاليتان عرض كل منهما ٨ أمتار وطولها ٥٠ مترا لتتمكن السفن من العبور من جانب السد إلى الجانب الآخر منه).
وطرق عبور السفن من جانب إلى آخر مدهشة وخطرة لان الماء الذي في جهة السد اليمنى يعلو الماء الذي في الجهة اليسرى بأكثر من خمسة أمتار أحيانا
стр. 2996
ولهذا تراهم يفتحون أبواب الدرقة اليمنى فتمتلئ ماء حتى يوازي سطح النهر في الجهة اليمنى فتدخل السفينة في الدرقة وتنزل أبوابها ثم تفتح أبواب الدرقة اليسرى فتخرج المياه منها وتنخفض حتى تكون موازية لسطح النهر من الجهة اليسرى فتخرج السفينة عندئذ سالمة من كل خطر. ولكنها قد تنقلب أحيانا فتتضرر وذلك في موسم الطغيان عندما تكون المياه غزيرة وقوية لا تقوى أبواب الدرقتين على مقاومتها.
تفتح جميع أبواب السد - وعددها ستة وثلاثون كما أسلفنا - في موسم الطغيان فتجري المياه في مجاريها الطبيعية وتشترك جميع الأنهار في الاستفادة منها. أما في موسم الصيهود (أي وقت نقصان المياه) فتسد الأبواب بأجمعها وتوزع المياه على البلاد والأنهر بطرق المراشنة (المناوبة). وهذه الطريقة وإن ألحقت أنواع الأضرار الحية والمعنوية بسكان الفرات الأوسط، ولا سيما بأهل الحلة والديوانية في أيام الصيف المناوبة إلا إنها تفيد المزارع فوائد جزيلة، فعوضا من أن تكون المياه نصيب المزارع الواقعة على شط الهندية الكبير فقط، تجد جميع مزارع الفرات وبلدانها تستفيد بهذه الطريقة فائدة واحة مقسمة بينها تقسيما عادلا فنيا. ولو أن الحكومة العراقية الرشيدة عملت بجميع التوصيات الفنية التي أوصى بها السير وليم ويلكوكس المهندس الإنكليزي البارع وأقامت السدود عل دجلة في (سامراء) وفي (بلد) وعلى صدر الفرات قبالة مدينة الكوت وعلى (قرمة علي)
لحصلت على موارد زراعية عظيمة ربما عوضت عن جميع النفقات اللازمة لإنشاء هذه السدود في مدة لا تزيد على أربعة أعوام وبذلك تتخلص من الضائقة الاقتصادية التي لا تزال رازحة تحت أثقالها لان البلاد بلاد زراعية وليست فيها موارد اقتصادية شريفة وعظيمة غير زراعتها فإذا لم تستثمر الحكومة هذا المنبت الحيوي فلا فائدة اقتصادية ترجى لهذا المملكة وإذا قال غاندي أن استقلال الهند قائم على المغازل؛ فنحن نقول أن مدنية العراق المقبلة منوطة بالمحاريث والمناجل وكفى بهذا الاعتبار فخرا.
بغداد
السيد عبد الرزاق الحسني
стр. 2997
غادة بابل
- ٧ -
أخذ بيروس يترقب أخبار شمشو ويتوقع نعيه اليوم بعد اليوم فاقبل أحد الفلاحين القادمين من ضواحي مدينة اوبي ومعه غلات أتى بها إلى الهيكل وهو يقص على جماعة من أصحابه في ساحة الهيكل نبأ موت أحد المسافرين من بابل إلى أشور فجأة في الطريق. فطرق هذا الحديث سمع الكاهن الكلداني فتقدم من المحدث مستوضحا منه الخبر اليقين، سائلا عنه اسم المتوفى. فلم يتمكن الفلاح من معرفة اسم الميت إلا أنه قال له: وقع ألي أن الرجل مات مسموما.
وبعد هنيهة سمع بيروس رجلا آخر قادما من تلك الديار أيضاً يروي الخبر بعينه ويقول أن المتوفى يسمى شمشو أو أنه من رجال القافلة التي فيها تاجر يسمى شمشو فاستبشر كاهننا بهذا النبأ وقال في نفسه: لقد أصاب سهم دسيستي شمشو في صميمه فأرداه.
تناقلت الألسنة نعي ذلك الشاب فانتشر في المدينة ولا سيما أن بيروس كان يسعى في أذاعته ويظهر للملأ تأسفه كذبا: فبلغ حديث هذه الفاجعة بيت شلمان كرادو وبيت اجيبي وكان لهذا النعي رنة حزن وأسى رددت صداه مدينة بابل. وكان وقعه عظيما، في قلبين غضين، كان كل منهما ينتظر اويتوق أن يكون الفقيد شريك حياته في المستقبل وهما شميرام وقلب حترآء.
مهما كان الحزن الذي خامر قلب شميرام عظيما لفقدانها ابن عمتها إلا أنها كانت تسترشد بنور عقلها ولا تستسلم للحزن والكدر بل كانت صابرة على هذه البلوى تتسلى بقراءة الحكم وبمطالعة رقم العلم والأدب.
أما حترآء فأنها لم تتمكن من ضبط عواطفها بل أخذها حزن نغضت له جوانحها، ووجد تفطرت له مرارتها وباتت تعالج برحاء الهموم سرا وتغص
стр. 2998
بآلامها وهي تتكتم حتى استولى عليها اليأس والقنوط وداهمتها حمى مطبقة عقبها هذيان واشتراك الخاطر فكانت تردد ألفاظا وهي غير شاعرة بما تقوله ولا يجد لها سامعوها معنى. وكان بيتها (رحل. . . تركني. . . لا يعود. . . مات. . . أتبعه. . . ثم تبكي فتأخذها رعشة عصبية ويغشى
عليها فتغيب عن حواسها.
اجتمع الأهل والأصدقاء حواليها وكل منهم يبدي رأيا فهذا يقول أن الإله والالاهة اللذين يحميانها قد تركاها. والآخر يقول: لقد استولت عليها الأرواح الخبيثة فهي تؤذيها. والثالث يقول يجب أن نستدعي الكاهن الفلاني المشهور بقوة سحره وسعة علمه ليرى ما فيها. وغيره يعارضه ويفضل على الكاهن المذكور كاهنا آخر قد جربه في الحادث الفلاني. وفي الآخر اتفقت آراء الأهل والاقربين على طلب أحد الكهان فأرسلوا إليه من يستقدمه.
جاء الكاهن متأبطا حزمة فيها كل ما يلزمه من العدد للقيام بمهمته فنزع حذاءه وتطهر بالغسل وتقدم من المريضة وبعد فحص رأسها ووجهها وتفقد حالها قطب حاجبيه لأنه رأى حالتها الروحية والجسدية تنذر بخطر ولكنه لم ييأس اذ يثق بالآلهة وبقوة سحره التي تترضاها وتطرد الأرواح الشريرة التي تعذبها.
لم يصر الكاهن على نقل المريضة إلى الهيكل للقيام بشعائر الدين بل رضي أن تتم في دارها لان مرضها ثقيل.
ألقى في النار نباتا مقدسا فالتهب وعبق الغرفة برائحته الذكية واخذ ماء معطرا في أناء سحري وتمتم عليه صلوات وأدعية لطرد الأرواح الشريرة واشربه حترآء.
وقرأ في رقيم استله من تلك الرزمة دعاء البهلة بصوت ثابت وموقع فقال:
سطت البهلة على الإنسان كشيطان وهبط عليه صوت الساحر كضربة وهجم عليه الصوت الخبيث والبهلة المؤذية وضرر السحر والصداع تذبحه البهلة المؤذية كما يذبح الحمل. إذ أن الإله محامية قد ترك جسده وابتعدت عنه الالاهة محاميته. وامتد عليه الصوت يقرعه كثياب المخلع.
مهما كانت قوة نفثات السحر عظيمة ومهما كان المرض شديد الوطأة فالآلهة
стр. 2999
لا تترك هذه الابنة بين أنياب الروح الشرير. فها أن مرودخ يخاطب أباه (أيا) ويبتهل إليه لإنقاذ هذه الفتاة ويقول له: يا أبت البهلة الشريرة قد امتدت إلى هذه الفتاة كشيطان (ويكرر سؤاله عما يجب أن تفعله هذه الفتاة لتشفى).
يجيبه أبوه (أيا) قائلا: بماذا أحدثك يا مرودخ وماذا أقول لك وأنت لا تعرفه فالذي اعرفه تعرفه أيضا: اذهب إذن وخذ هذه الفتاة إلى الحمام الطهور وابعد عنها أذى السحر واطرد
نفثاته المضرة لترتفع عنها البهلة التي سببت لها الألم المعذب جسمها سواء أكانت بهلة أبيها أم بهلة أمها أم بهلة أحد الادنين أو بهلة أي كان غير معروف. لترتفع عنها بطلسم (أيا) وتتلاشى كما يقشر سن الثوم وكما تقطع الثمرة وكما ينتزع الغصن المحمل أزهارا.
آه من أذى السحر! عزم يا شبيه السماء عزم يا شبيه الأرض عزم فإن الآلهة تتذرع بما لديها من الحول والقوة لشفاء المريضة وها أن (أيا) سيد العالم يعطف عليها ويصف لها الدواء الناجع.
لتأخذ سن ثوم وتمرة وغصنا مثقلا بالأزهار وتلقيها في النار قطعة قطعة وهي تتلو رقية. فتتلاشى مؤثرات البهلة مهما كانت عظيمة.
تطهرت حترآء عملا بمشيئة (أيا) فغسلت يديها ورجليها ووجهها ورشت جسمها بماء معطر. ولما انتهت من هذه المقدمات جلس الكاهن أمام الموقد مع المريضة وجرد سن الثوم الذي طلبه الإله واحرقه وهو يتمتم صورة الدعاء الآتي: (كما قشر هذا الثوم والقي في النار ويفنيه السعير المتأجج فلا يغرس بعد هذا في البستان ولا يغمره ماء البحيرة أو الساقية ولا تغور جذوره في الأرض ولا تنمو أبدا ساقه ولا يرى الشمس ولا يتخذ طعام للآلهة. وللملك كذلك ليطرد بقدرته مرودخ قائد الآلهة أذى السحر من حترآء ويقصه بعيدا ويحل وثائق الشر المضر، شر الخطيئة والذنب والوقاحة والجرم.
وكان يجب عل حترآء أن تجيبه اأن خور قواها واضطراب أفكارها منعاها من القيام بواجبها فنابت عنها والدتها وقالت بصوت خافت:
стр. 3000
هل للمرض الذي في جسمي ولحمي وأعصابي أن يزول عني كما زال القشر من سن الثوم هذا، ويضمحل بالسعير المتأجج في هذا اليوم. أخرج يا أذى السحر ليتسنى لي أن أشاهد النور مدة مديدة أيضا.
وكانت تعود هذه الرقية كل ما ألقى الكاهن شيئا جديدا في النار من تمر وغصن محمل وورد وسبيخة صوف وشعر معزى وخيط مصبوغ وباقلاء ويضيف كل مرة عبارة أو بعض عبارات إلى دعاء الرقية مما يناسب القطعة الملقاة في النار وعدم رجوعها إلى اصلها أو الانتفاع منها).
ولما طال الأمد على حترآء والكاهن يعزم خارت قواها لانتشار الضعف فيها فحملت إلى
فرشها وهي بين الحياة والموت. إلا أن الكاهن تظاهر بالاستبشار بهذا الحال زاعما أنها من تباشير الشفاء لان الآلهة الصالحين تكافح الأرواح الشريرة ولم تصبر قوة حترآء على هذه المصارعة بين القوتين الصالحة والطالحة. فإذا مر هذا الدور القصير وانتصرت الآلهة شفيت لا محالة.
ختم الكاهن هذه الشعائر بدعاء إلى (أيا) ومرودخ وآله النهار كما يأتي:
أيتها النار الرئيسة المتحركة المنتشرة في البلاد. البطلة ابنة الهاوية التي انتشرت في البلاد. يا آله النار يا من بنارك المقدسة أوجدت النور في دار الظلمات. أنت الذي تعين الأقدار على كل ما له اسم، أنت الذي تمزج النحاس والقصدير بإذابتهما، أنت الذي تنقي الفضة والذهب، وأنت الذي ترعد الأشرار في الليل، اجعل هذه الفتاة التي رجعت ابنة لإلاهها زاهية بالطهارة ولتكن نقية كالسماء وزاهية كذلك على الأرض لتتلألأ كما في وسط السماء وإن اللسان الخبيث الذي سحرها لا يعود فيقبض عليها.
توالت الأيام على حترآء والكاهن يكرر هذه الرقية صباح مساء وهي تزيد سقما ووطأة مرضها تزيد شدة. وبينما كان أبوها يسير ذات مساء في طرق بابل سمع النساء الجالسات على قارعة الطريق عند أبواب دورهن وبأيديهن مغازلهن يتحدثن عن مرض ابنته ويظهرن اسفهن على شبابها الغض. فقالت إحداهن: أن
стр. 3001
هذه الفتاة المسكينة أصيبت بتبعة أعمال أبيها الصراف الظالم الذي يقرض الفضة للأيامى بربا فاحش ويسلبهن أملاكهن وعقاراتهن بثمن بخس فيلوع قلوبهن. ويجور على العبيد فيشغلهم في حقوله وعمران دوره من شروق الشمس حتى غيابها. فالآلهة سمعت نحيب منكسري القلوب واتت اليوم تنتقم من الصراف العاتي بمرض ابنته الوحيدة مرضا لا يرجى شفاؤه ولا ينظر برؤه.
ارتعد منها شلمان كرادو من هذا التبكيت وتذكر دعاء إحدى الأيامى اللواتي ابتاع منها قسرا عقارا ثمينا بسعر بخس فاخذ طريق هيكل اشتر ليقرأ فيه نشيد الندامة كفارة عن خطاياه لان النفس إذا أثقلت بالهموم تصغر وتلجأ إلى قوة عظيمة مادية أو معنوية تستغيث بها وتستبد إليها في ضعفها فتجد فيها نورا تنبثق أشعته فتضيء دياجير النفس الكئيبة.
وقف بين يدي كاهن واتخذه وسيطا بينه وبين الآلهة وقال هذه الترنيمة:
شلمان كرادو: الخاطئ
ارمقي بنظرك وهن الخلائق الحية - فها أني عبدك اصرخ إليك ممتلئا تنهدات - اقبلي من اخطأ والتجأ إليك - أن نظرت إلى إنسان حيي ذلك الإنسان - يا سيدة الجنس البشري الكلية القدرة أنت شفيقة بمن يقصد الرجوع إليك. اقبلي طلبتي.
الكاهن:
لان آله والآهتة قد حنقا عليه فانه يصرخ إليك - حولي وجهك إليه وخذي بيده.
شلمان كرادو (الخاطئ)
ليس من الآهة مرشدة غيرك - انظري ألي رفقا، اقبلي تضرعي - تكلمي. فها أن الغفران قد منح ليهدئ فؤادك فإلى متى؟ آها يا سيدتي، حولي وجهك ألي - أني كالحمامة أنوح وقد شبعت تنهدات.
الكاهن:
بالحزن والألم امتلأت روحه تنهدات - يسكب دموعا ويتنهد راثيا
يوسف غنيمة
стр. 3002
فوائد لغوية
الشيخ عبد الله البستاني ولغتنا
خذ بيدك أي ديوان لغة شئت من دواوين لغتنا الشريفة وتصفحة حق التصفح تتحقق أن فيه بعض المغامز. هذا كتاب (العين)، الذي له السبق على سائر المصنفات التي من ضربه، لا يخلو من معايب؛ وقد نبه عليها اللغويون الذي جاءوا بعده. أن في حياته وإن بعد وفاته. وكذا قل عن كتاب الجمرة لابن دريد والتهذيب للأزهري، والصحاح للجوهري، والمحكم لابن سيده، والمجمل والمقاييس وكلاهما لابن فارس، والمحيط لابن عباد، إلى غيرها من معاجم اللغة، فلقد جاء بعدهم من أخذ علهم بعض أمورهم لم يصيبوا فيها وكان النقد صحيحا في اغلب الأحيان أن يكن في جميع المواطن.
على أن تشويه اللغة لم يبدأ إلا لما أخذ المستشرقون في تصنيف المعاجم واستدراك ما لم يجدوه في كتب متون اللغة، بل وجدوه في تصانيف المولدين وأرادوا إيداعه مؤلفاتهم. فكانوا كحاطب ليل، احسنوا في أمور وأساءوا في أخرى، وبين هؤلاء المتعربين: غليوس وفريتغ.
كان غليوس أول من عني بتدوين المستدركات لكنه لم يكن واقفا حق الوقوف على أسرار العربية ومطالعة كتب الخط. فقرأ ألفاظا على ما تصورها وفسرها على ما شاء فجاء بعده فريتغ فكان أوقف منه على مساقط الكلم فاصلح شيئا من أوهام سلفه، بيد أنه حاول أن يدون حروفا عثر عليها في مطالعاته فاخطأ الحفرة هو أيضاً في تعابير كثرة وقرطس في أغراض لا بأس بها.
ثم جاء غيرهما من أبناء الغرب، فكانوا كأخويهم بين مصيبين ومخطئين. وعلى كل حال نعذرهم لأنهم أجانب عن منطقنا ومصطلحنا ولساننا وكتابتنا ونتسمح معهم كل التسمح مهما تمادوا في الضلال.
стр. 3003
لكن فساد مفردات اللغة لم يبدأ إلا لما شرع المعلم بطرس البستاني في تصنيف ديوانه الكبير محيط المحيط، فحينئذ جاءت تلك الأوهام والأغلاط كالسيل المنهمر من عل، جاحفا في سيره أصول العربية وفروعها. فشوه كل ما مر به غير محترم أقوال المصنفين. ولا
جرم أنه لم يعتمد ذلك. حاشا لله أن أقول ذلك، إنما أنا انظر إلى العاقبة واحكم على ما أشاهده، فإنه اضر بلغتنا أكثر مما نفعها. وهذا معجمه بأيدينا، لو وزنت ما فيه من المساوئ والمعايب والمغامز والأوهام والهنات. وتجسمت تجسم المحسوسات، لقام في وجهك كالجبال التي لا تتزعزع ولا تزال.
وذنب المؤلف أنه نقل كتابه عن معجم فريتغ وهو في اللغتين العربية واللاتينية، والظاهر أنه كان يشدو اللاتينية ولا يعرف منها إلا الذرء فخبط وخلط، وجاءنا بذاك النتاج الجامع بين الحسنات والسيئات على اغرب وجه وأعجبه.
ولما كان هذا المعجم سهل التناول اقبل على شرائه ومطالعته أبناء العصر ولا سيما المؤلفون منهم والمصنفون والصحفيون فكانت عثراتهم لا تقال، وأصبحت أوهامهم داء عضالا. ثم جاءت بعده مصنفات الآباء اليسوعيين من معاجم عربية فرنسية وفرنسية عربية، وعدا وراء الكل الشيخ سعيد الشرتوني والجميع يأتمون بالمعلم بطرس البستاني. وقد أصبح لهم ولكل من جاء بعده الدليل الوحيد فأصبحت الأغلاط من الشائنات غير الزائلات وهكذا أخذت اللغة تسير في وجه غير وجهها فتفسد شيئا بعد شئ، وتتحكم تلك الأغلاط في النفوس والأقلام وليس من يقوم وينبه على تلك الفظائع الشنيعة.
كنا نفكر في معالجة هذا الداء الوبيل ونتطلب وسيلة لصد السيل الجحاف أو لإيقافه عند حده. إذ قيل لنا أن الشيخ عبد الله البستاني يصنف معجما يكون جامعا للحسنات ومزيلا للسيئات ودواء للادواء، فاستبشرنا خيرا وكنا على أحر من الجمر لرؤية تلك الدرة النفيسة، قاصدين نشر حسناتها وأذاعتها على رؤوس الملا. لكن ما يكاد يصل إلى أيدينا المعجم ونتصفح صفحات منه حتى انقلبنا آسفين على ما برز من قلم الأستاذ الكبير. فانه لم يكتف بتدوين أغلاط من تقدمه من المحدثين، ولا سيما أغلاط المعلم بطرس البستاني والشيخ سعيد الشرتوني -
стр. 3004
و (بستانه) ليس إلا نسخة جامعة بين هذين المعجمين لا غير - بل زاد على ذلك ضغثا على ابالة، فجاءنا بأغلاط لم تخطر على بال بشر. ولم تجل في خاطر عربي ألبته.
وذكر هذه الأغلاط أمر صعب إذ يحتاج الكاتب إلى وضع تصنيف بكبر تصنيفه ليعدد تلك الأوهام ويثبتها بشواهد وليظهر فسادها أو ليزيفها. على أن ما لا يدرك كله لا يترك جله،
ونريد بهذا الجل إشارات إلى أنواع ما هناك من المغامز الخاصة بهذا المعجم الغريب.
ولكن لا يتهمنا أديب بالمغالاة أو بالتحزب على شيخنا الوقور، نأخذ صفحة من صفحات كتابه ونعرضها على القراء.
١ - قال حضرته في ص ١٠٨٧ من كتابه: (السرق: مصدر و - شقق من الحرير الأبيض معرب سره بالفارسية أي جيد. الواحدة سرقة.)
قلنا: هذه العبارة محيط المحيط للبستاني وعبارة جميع اللغويين الأقدمين لكن اللغوي الناقد إذا وقف على هذه العبارة ومثلها يعدها خرافة إذ كيف يكون معنى بالفارسية جيدا. ويكون في العربية شققا من الحرير الأبيض؟ - هذا أمر لا يقبله العقل. أن السرق أعجمية بمعنى الحرير، لكنها ليست فارسية بل لاتينية أي
٢ - وقال: (السرق كصرد: ضرب من النبات.)
وقد بحثنا عن هذا الحرف في ما لدينا من الكتب النباتية واللغوية من مطبوعة ومخطوطة. فلم نجد ذكرا لهذا النبت عند السلف، إنما وجدنا الكلمة في محيط المحيط وهذا نقلها عن فريتغ ولم يعزها. وفريتغ نقلها عن فورسكال في كتابه ازاهير مصر وجزيرة العرب. فاتضح أن الكلمة عامية. وهذا ما يجب أن يشار إليه كما فعل الأقدمون وكان يجب أيضاً أن يذكر نوع هذا النبات حتى لا يكثر في دواويننا مثل هذا القول الذي أعيا الكبار والصغار: ضرب من النبات من غير أن يحلوه. وهو أمر كان في العصور الأولى، أما الآن فلا يكفينا.
стр. 3005
٣ - وترى في تلك الصفحة قوله: (السرقين والسرقين (وضبط الأول بالكسر والثانية بالفتح) الزبل كالسرجين). . . (وضبط زاي الزبل ضبط قلم بالضم).
والصواب ضبط زاي الزبل بالكسر وهو مشهور.
٤ - وفي تلك الصفحة: (السركار (وضبطها بكسر السين) ديوان الوالي فارسية.)
وهي عبارة محيط المحيط وقد نقلها عن فريتغ. وفريتغ لم يضبط اللفظة ولم يقل ديوان الوالي، بل قصر الأمير وهي لم ترد إلا في كلام المولدين المتأخرين من الكتبة ولم ترد في كلام فصيح. ففي قوله إذن غلطان: غلط ضبط وغلط معنى.
٥ - وفيها: (سرمه تسريما: قطعه. تسرم: تقطع مطاوع سرمه.)
ولو زاد على ذلك. وكلتاهما لغة في صرم وتصرم لاهتدى الباحث إلى اللغة المشهورة.
٦ - ومن ألفاظه الخاصة بمعجمه قوله في تلك الصفحة: (ذوات السرم) من الحيوان ما كان له مسلك واحد للنسل والثقل كالطير.)
قوله: (ذوات السرم) لا يقابل ما يريد به. ثم أن هذا التعبير حديث الوضع لا يعرفه الأقدمون ولم يشر إلى حداثة وضعه. وهو قصور باد لكل ذي عينين. والذي وضعه الإفرنج في هذا المعنى هو ولا يطلق على الطير بل على طائفة من الحيوانات ذوات الثدي إلا أنها وسط بينها وبين الطير فقد اخطأ في التسمية واخطأ في الشرح واخطأ في التمثيل ثم ولو قال (الوحيد المسلك) لكان احسن واعف لفظا.
٧ - وفي ذلك الوجه يقول أيضا: سرم الديك نوع من النبات.
قلنا: العبارة عبارة محيط المحيط وهي من سوء النقل عن فريتغ. والصواب أن يقال: هو ثمرة الورد ويكون أحمر وهو من كلام عوام أهل الشام وفصيحه الدليك. راجع ما قاله شرحا لهذه اللفظة فقد قال عنها: تمر (كذا بنقطتين والصواب ثمر) الورد يحمر حتى يكون كالبسر فينضج فيحلو فيؤكل كأنه
стр. 3006
رطب. أهـ. إذن سرم الديك ليس نباتا بل ثمر نبات.
٨ - وفي الوجه المذكور يقول: (السرمان بالكسر، والضم لغة. يقال هو العظيم من اليعاسيب و - دويبة كالحجل.
قلنا: الذي في اللسان: (السرمان: العظيم من اليعاسيب والضم لغة. والسرمان (وضبطها بالكسر) دويبة كالحجل وضبطها بالقلم وزان وقد أعاد صاحب التاج هذه الكلم ولم ينسبها إلى ابن مكرم. قلنا: وفي كل عدة أوهام فالسرمان بالكسر والضم لغة هو العظيم من اليعاسيب وهو دويبة كالجحل بتقديم الجيم المفتوح على الحاء الساكنة ومعناه - على ما جاء في التهذيب -: (دويبة) في خلق الجراد إذا سقط لم يضم جناحيه. فهذا هو الحق لا ما مسخه نساخ كتب اللغة فغدا الكلام طلسما من الطلسمات.
٩ - وفي تلك الصفحة ما هذا نصه: (السرموجة بالضم: حذاء يستر مقدمة القدم وعقبها ويبلغ إلى الكعبين ج سرامج.)
قلنا في هذه العبارة ثلاث غلطات: غلط ضبط وغلط تأويل وغلط صرف، بل هناك غلط رابع وهو أن الكلمة ليست فصيحة بل مولدة وإذا أردت غلطا آخر فانك غير مبالغ وذلك
أن سر موجة فارسية الأصل وهو لم يشر إلى عجمة اصله بكلمة. - أما غلط الضبط فهو أن الكتب التي ذكرت اللفظة هي كتب المولدين وحدهم وهم ضبطوها بفتح السين لأنها هي كذلك في الفارسية وأما لان فعلولا أو فعلولة لم يرد مفتوح الأول فهو حديث خرافة قال به الصرفيون وبعض اللغويين. أم الحق فانه وارد في لغتنا من ذلك صعفوق، وصندوق، وكرموص، (التاج) وسحنون، (على رواية)، وقرقوف، وطرخون، وبرشوم، إلى غيرها. وفتح أول سرموج أو سرموجة ذكره البستاني في محيط محيطه إذ يقول: السرموج (وضبطها ضبط قلم بالفتح) نوع من الأحذية والسرموجة أخص منه وتعرف عند العامة بالسرماية وأكثرهم يقولها بالصاد. أهـ. وقال صاحب أقرب الموارد في ذيله: السرموج (وضبطها أيضاً ضبط قلم بالفتح) نوع من الأحذية، والسرموجة أخص منه. دخيل (نقله فريتغ من ألف ليلة وليلة). أهـ. فأين وجد حضرته أن السرموجة بضم الأول؟ - فانه لم يقل ما قال إلا
стр. 3007
لكي يوافق على قول اللغويين: العرب لا تعرف وزن فعلول المفتوح العين مع أن هذا التقييد غير صحيح كما ذكرناه.
ومن غريب ما نقله في تعريف السرموج أنه قال: (حذاء يستر مقدم القدم وعقبها ويبلغ إلى الكعبين). أهـ. والذي ساقه إلى الوهم عبارة نسبية الذي قال أن السرموجة تعرف عند العامة بالسرماية وأكثرهم يقولها بالصاد أي الصرماية وهذا غير صحيح البتة والذي دفع البستاني الأول آل هذا القول أنه رأى مشابهة بين أول كلمة سرموجة وأول سرماية فقال لا بد أن العصا من العصية وهو وهم ظاهر فالصرماية مشتقة من الصرم وهو الجلد الذي تتخذ منه ولا يقول العوام أبدا سرماية بالسين فكلام البستاني الصغير لتعريف السرموج يوافق الصرماية (أو الصرم) عند العوام ولا يوافق البتة السرموج. والصرماية عند الشاميين هي الكوندرة عند الترك وعند العراقيين الحاليين، فأين السرموج من الصرماية.
أما السرموج فهو الخف الواسع الذي يلبس فوق الخف. والكلمة فارسية مركبة من (سر) وهي بمعنى فوق في لسان الفرس و (موزه) أي أو خف فيكون معنى السرموج (ما يلبس فوق الخف) فأين هذا من ذاك؟
والأقدمون منا لم يعرفوا السرموج فإن هذه من المعربات الحديثة معربات كتاب ألف ليلة وليلة. أما السلف فقد عرفوهم باسم الجرموق قال صاحب البستان نفسه عن الجرموق: ما
يلبس فوق الخف وقاية له وهو فارسي معرب. أهـ.
فيظهر من كلامه عن السرموج والجرموق أنه لم يعرف أن الواحد هو الآخر بعينه، إنما الفرق هو أن الجرموق من تعريب الأقدمين والسرموج من تعريب المحدثين أو المولدين. ونما فضلوا السرموج على الجرموق موافقة لأصلها الفارسي وهو سرموزه وثانيا خشية اجتماع الجيم والقاف في كلمة واحدة فيكون لها ظاهر الأعجمية فاحبوا أن تكون بنيتها بنية عربية.
وأما غلط الصرف الذي أشرنا إليه في صدر الكلام عن السرموج فهو أنه جمعها على سرامج وهو لم يسمع عن أحد ولا سيما لأنه مخالف لأصول لغتنا وصواب جمعها سراميج حملا على القياس لان فعلول لا يجمع على فعالل بل على فعاليل اللهم إلا في الشعر وذلك عند الضرورة فقط. ونزيدك يقينا في ما نقول أن صاحب
стр. 3008
المصباح المنبر ذكر لجمع الجرموق (وهو السرموج عينه) جراميق ولم يقل جرامق ألبته.
والغلط الرابع جاء في كلامه عن السرموج هو أن اللفظ من كلام المولدين أو من كلام عوام العصور المتوسطة وليس من حر اللغة والسلف الصالح ينبه دائما على مثل هذا الأمر كل مرة اقتضت الحال، لان حر اللفظ شئ واللفظ الساقط شئ آخر.
أما أنها فارسية الأصل ولم يشير إلى عجمتها فلقد بيناه فويق هذا وهو غلطه الخامس وذلك كله في كلمة واحدة.
وقال في تلك الصفحة (لأننا إلى ألان نطالع في ص ١٠٨٧ ولم نخرج عنها إذ هي جنبه من جنبات ذلك (البستان) الزاهي، والمتنزه قلما يود مفارقته): (السرمدي الدائم الذي لا ينقطع وقيل - ما لا آخر له) أهـ.
قلنا: ظن المؤلف أن بين الشرحين فرقا في المعنى ففصل بينهما لاعتقاده أن الأول غير الثاني والحال أن كلا الشرحين واحد وما الفرق إلا في التعبير لا غير.
وفي تلك الصفحة عاد إلى ذكر السرموج بصورة السرموزة وضبطها أيضاً بضم الأول فقال: (السرموزة لغة في السرموجة). أهـ.
نقل ذلك عن محيط الذي ذكرها بفتح الأول وفريتغ لم يضبطها ولم يقل سرموزة بل سرموز (بلا هاء في الآخر)؛ وقد ذكر أنه نقلها عن يعقوب شلت الألماني - إذن تنقل عن
عربي فصيح وعلى كل حال لم ينبه صديقنا المحبوب على هذا الأمر.
وجاء في تلك الصفحة أيضا: السرمق نبات الفطف معرب.
قلنا: صواب الفطف بالفاء: بالقاف والسرمق من الفارسية سرمه وهو القطف أي الإسبانخ الروسي.
ومما ورد في تلك الصفحة قوله: (السرنج (وضبطها كجعفر) نوع من صناعة النقش كالفسيفساء).
والصواب أن تضبط السرنج كسمند أي بفتحتين فسكون وخيم تلك المادة س ر ن ج وتلك الصفحة بقوله: وسرنج كجعفر دوية أي مفازة واسعة بعيدة
стр. 3009
الأرجاء. أهـ.
قلنا: سرنج لم ترد في كتاب عربي بالمعنى الذي يشير إليه إنما وجدها في ذيل اقرب الموارد بهذا التصحيف فنقلها عنه وصاحب الذيل يزعم أنه نقلها عن اللسان وهي لا توجد فيه في المادة التي يشير إليها بل ترى في مادة س ر ب ج قال في تاج العروس: سرنج بالباء الموحدة بعد الراء، في اللسان في حديث جهيش: وكأين قطعنا إليك من دوية سربج أي مفازة واسعة الأرجاء. أهـ. فأنت ترى من هذا أن كلا من اللسان والتاج ذكر سربج ولم يذكر (سرنج) فكيف نسبها إلى اللسان وهي ليست فيه؟ - الجواب أن الشرتوني نقلها عن التاج الذي يعزوها إلى اللسان. والتاج ذكرها في مستدرك مادة س ر ن ج فظن سريج من خطأ المؤلف أو الطبع فوقع في تلك الهاوية، مع أن السيد مرتضى ذكر اللفظة في مستدرك المادة في المادة نفسها. فتأمل.
على أننا نقول أن السراج غير صحيحة والصواب السريخ بباء موحدة تحتية وخاء معجمية في الآخر. وهذه ذكرها جميع اللغويين وممن ذكرها ابن الأثير في نهايته وهو حجة ثقة في أيراد الأحاديث وغريب ألفاظها وهو اقدم من ابن مكرم والفيروز ابادي والسيد مرتضى. فأول من صحفها إذن بصورة سرنج هو صاحب اللسان ثم تبعه صاحب التاج. أما السريخ بخاء معجمة في الآخر فقد ذكرها جميع اللغويين قاطبة. إذن التصحيف باد ومن عهد السان لا غير. قال في النهاية في مادة س ر ب خ: (أي جاء كتاب أبي موسى) في حديث جهيش: وكأين قطعنا إليك من دوية سربخ أي مفارزة واسعة بعيدة الأرجاء. أهـ. ولم يذكر شيئا في مادة س ر ب ج. وجرى في أثر ابن الأثير اللسان والقاموس والتاج بل حضرة
الشيخ عبد الله نفسه إذ ذكر هذا الحديث بنصه في مادة س ر ب خ وقدم عليه قوله: السربخ كجعفر: الأرض الواسعة التي لا يهتدي فيها لطريق. وفي حديث جهيش. . .
إلا هنا انتهت بنا مطالعة هذه الصفحة ونحن لا ندعي بأننا وفيناها حق النقد من جميع وجوهه وأتينا على ما فيها من السقط فلعل غيرنا يرى فيها ما لم نره وعلى حال أننا كتبنا ثماني صفحات من مجلتنا لإظهار ما في صفحة واحدة
стр. 3010
مما نظنه أوهاما، فكيف بنا لو أنعمنا النظر في المجلد الأول كله وفيه ١٨٣١ ص فنحتاج إذا إلى ثماني مرات ١٣٨١ و١١٠٤٨ أي نحو اثني عشر ألف صفحة فمن ذا الذي يكتبها ومن هذا الذي يطبعها ومن ذاك الذي يطالعها. . ذلك ما نتركه للقراء ليحكموا فيه، والله الهادي إلى سواء السبيل.
(يهرف ليس اسم سبع)
جاء في تاج العروس، في مستدرك مادة هـ ر ف ما هذا حرفه: ومما يستدرك عليه (أي على المجد الفيروزابادي صاحب القاموس): يهرف كيضرب: اسم سبع سمي به لكثرة صوته. أهـ. وقد بحثنا في الدواوين التي بأيدينا فم نجد ذكرا لهذا السبع، إنما وجدنا ابن سيده يقول في مخصصه (٧٥: ٨): ويقال لبعض السباع هو يهرف بصوته أي يتزيد فيه. أهـ. ولم يجد أكثر من هذا القدر. وقد قال صاحب اقرب الموارد في الذيل: (يهرف كيضرب: اسم سبع سمي به لكثرة صوته (التاج) أهـ. وأنت ترى أنه لم ينقل إلا نص التاج وكان عليه أن يحقق الأمر بنفسه. فأنظر كيف يجب أن يعتمد على أن ينقله المؤلف ﵀.
الحرباء
قال المعلم بطرس البستاني في محيط محيطه في مادة ح ر ب: الحرباء. . . معرب حربا (وضبطها بضم فسكون فباء مفتوحة فألف مقصورة) بالفارسية. ومعناه: حافظ الشمس أهـ. وقف على هذه العبارة صاحب البستان. فقال. . (وهو فارسي الأصل مركب من (حر) أي الشمس ومن (باء) (كذا ممدودة) والمجموع حرباء أي حافظ الشمس).
قلنا: وكل هذا الوهم سرى من فزيتغ وعنه أخذ البستاني الأول عبارته. على أن المستشرق الألماني يقول: ويظن بعضهم أن الحرباء من الفارسية خربا (بلا مد) ومعناه: حافظ الشمس
(لا حافظة الشمس، لان الحرباء مذكر لا مؤنث ومؤنثها حرباء أو أم حبين).
نعم. خور أو خر يعني الشمس، لكن (با) أو كما قال الشيخ عبد الله (باء) لا تعني الحافظ أو الحافظة؛ فمن أين أتى بهذا التأويل؟
стр. 3011
باب المكاتبة والمذاكرة
أالدفترية أم الذباح
رأيت في باب الأسئلة والأجوبة سؤالا عن وما يقابلها فكان الجواب كلمة الذباح الخفيفة الوزن، ثم أريد مسايرة المتهوسين للغات الإفرنج فأجيز تعريب اللفظة بصورة (دفترية) لان الكلمة اليونانية تدل على لفظتنا المستعملة في لغتنا وهو دفتر أي مجموع أوراق.
مال بعض الناس إلى أن دفتر العربية مأخوذة من اليونانية وهي صفة مؤلفة من بمعنى اثنين ومن بمعنى جناح فيكون المعنى المقصود منها (ذو الجناحين) يراد بهما دفتا كل كتاب أو مجموع أوراق على أنني لم أر اليونانيون استعملوها بهذا المعنى.
واكثر العلماء على أن كلمة دفتر العربية مأخوذة من اليونانية وهي اسم مؤنث ومعناها: (١) الجلد وبهذا المعنى استعملها اقدم كتاب اليونان ومن معانيها: (٢) غشاء جاف متين كالذي يستعمل في العود والطنبور؛ ثم توسعوا فيها فجعلوها لكل شئ من جلد نحو (٣) لباس من جلد للعبيد (٤) طراف (٥) كيس من أدم (٦) نوع من الرق للكتابة وفي الجمع من هذا المعنى الأخير فقط استعملوها بمعنى الأوراق والمكاتيب ووصفوها بالملوكية وأرادوا بها أخبار ملوك الفرس ووصفوها بلفظ نحاسية وأرادوا بها صفحات من نحاس رقيقة تحفر فيها حروف واشتقوا منها كلمات أسماء وأفعالا فمن الأسماء دفثريياس المكسو جلدا وذفثرينوس جلدي من جلد وذفثريس سريدة من جلد تغشى بها مفاصل ألواح السفينة وذفثروبوليس، جلودي، من يبيع الجلود. ومن الأفعال، ذفثرو: جلد ولم يشتقوا منها كلمة بمعنى الذباح وما أظن الروم من بعدهم استعملوا كلمة ذفثري بمعنى الذباح وأظن أن الإفرنج في الزمن الأخير اشتقوا ذفثرا من معناها الثاني
стр. 3012
كلمة ذفثريا ووضعوها للذباح إذ من مميزات هذا المرض أن يعض لمن به غشاء كاذب فاليوناني اليوم يفهمها لأنها أخذت من اظهر معانيها عندهم.
أما نحن العرب فقد أخذنا من معاني ذفثرا معنى واحدا هو أقل معانيها استعمالا بين تلك الأمة فإذا جئنا اليوم بذفثرية فلا نجد مناسبة بين الدفتر والذفثرية أي الذباح فيأتينا بعض المتحذلقين ويتحمل لها عللا ما انزل الله بها من سلطان كما تمحلوا لمنجنيق ولا يساغوجي
وما أغنانا عن فتح هذه الكوة وعندنا الذباح؟
هذا ما رأيته وتفضلوا بقبول فائق احترامي سيدي
حيفا (فلسطين):
رشيد بقدونس
(لغة العرب) أن الذين يقولون دفترية (والغالب دفتريا) يحاولون التقرب من الأجانب ومن مصطلحاتهم لكنهم ينسون أن عملهم هذا يبعدنا عن فهم كلام السلف ومصطلحاتهم وهذا ما لا نرضاه لنفسنا وكلمتنا العربية تشير إلى فعل هذا الداء المشؤوم في الإنسان أي أنه يذبحه ذبحا أو يقتله قتلا وكان الأمر كذلك في اغلب الأحيان قبل اختراع المصل الشافي منه وكنا نحن أول من ذهب إلى أن كلمة (دفتر) يونانية الأصل في مقالتنا الألفاظ اليونانية في اللغة العربية.
السميدع
وصلني الجزء التاسع من مجلتكم فوجدتكم تقولون في ص ٥: ٥١٩ أن السميدع تكتب بالدال المهملة وأنا أوافقكم على قولكم هذا، إذ قد كثر لفظ السميدع في الأشعار القديمة. ومما كتبته على حواشي نسختي للسان العرب ما قاله بن اوس:
لكل فتى رخو النجاد سميدع ... واشمط لم يخلق جبانا ولا وغد
ولبشر بن أبي خازم هذا البيت وهو في مختارات ابن الشجري:
وهم وردوا الجفار على تميم ... بكل سميدع بطل نجيب
(الجفار بالراء موضع وقد طبع الجفان بالنون فهو تحريف ظاهر)
وانشد طفيل الغنوي:
стр. 3013
وفينا ترى الطولى وكل سميدع ... مدرب حرب وابن كل مدرب
وقال فضالة بن شريك:
بكل سميدع واري الزناد.
ولسعدي بنت شمردل هذا البيت:
متحلب الكفين أميت بارع ... أنق طوال الساعدين سميدع
وجاء في كتاب الألفاظ لابن السكيت: (السميدع السيد الموطأ الأكناف) إلى غير ذلك وهو كثير جدا في أشعارهم. وقد طبع العلامة المرحوم الأب لوس شيخو في شعر الخنساء هذا البيت:
فلئن هلكت لقد غنيت سميذعا
بإعجام الذال وأظنه غلطا: أما في الأصل وأما في النقل. والصواب الذي لا يشوبه ريب إهمال الدال، كما بينا ذلك وكما أثبتموه في تحقيقاتكم.
بكنهام (انكلترة):
ف. كرنكو
معجم دوزي
وقع بيدي منذ بضع ساعات الملحق بالمعاجم العربية لمؤلفه المستشرق والهولندي دوزي وتصفحته تصفحا مجملا، فوجدت فيه غرائب وعجائب وقد خبط في نقله خبط عشواء غير متدبر ما يقع في اللفظة الواحدة من التصحيف والتحريف فيدون ما يراه كأنه حقيقة لغوية لا شائبة فيها. من ذلك ما وقع عليه نظري في مادة كلت فقال؛ الكتلة (وضبط الأول بالفتح والكسر والثاني بالسكون): الحفرة المملوءة ماء والبحيرة والمستنقع والغدير ثم ذكر أسماء الكتب التي وجدها فيها وهي كلها كتب إفرنجية. وقال أن بعضهم كتبها بالكاف الفارسية المثلثة النقط. وكل هذه التأويل ليست بشيء ولو قال بعد ذلك هي تصحيف للقلت في لغة بعض العوام لأصاب. والقلت (بفتح فسكون) النقر في الجبل يستنقع فيها الماء. هذا هو الصحيح المعتمد عليه وإلا فلو كانت كل لفظة تدون في المعاجم لتشويه يقع فيها لأصبحت دواوين اللغة عشرة أضعاف ما هي عليها ألان، بل ربما عشرات الأضعاف.
ب. م. م
стр. 3014
أسئلة وأجوبة
الألسنية
س - بغداد - ب. م. م - كتبتم في السنة الخامسة من مجلتكم (ص ٣٣٥) تعليقة صغيرة على اصطلاح حضرة الأب الفاضل ا، س مرمرجي الدمنكي ناكرين عليه قوله (الألسنية السامية) تعريبا لقول الإفرنج:
فقلتم: (هذا من وضع الأب صاحب المقال ونحن لا نوافقه عليه) ولم تذكروا السبب، مع أن أمثال اصطلاحه كثيرة في لغتنا: من ذلك الداخلية والخارجية بتقدير الوزارة والنظارة وكقولنا: العربية والفرنسية بتقدير اللغة فحذف الموصوف واستغني عنه بالوصف. ثم النسبة إلى الجمع كثيرة الأمثلة أيضا ومنها: الملوكي والثيابي والدجاجي إلى غيرها وتعد بالمئات لا بالعشرات. - إذن لماذا أنكرتم على الأب اصطلاحه؟ أفلا يقال ما قال أو يقول، فما هي أسبابكم؟
ج - لا يقال (الألسنية) بالمعنى الذي أشرتم إليه (ولا يمكن أن يقال) بل ولا يخطر على بال ابن عربي أو ناشئ في بيئة عربية. والسبب هو هذا: (انك إذا أضفت (أي نسبت) إلى جمع أبدا، فانك توقع الإضافة (أي النسبة) على واحدة الذي كسر عليه ليفرق بينه إذا كان اسما لشيء واحد وبينه إذا لم ترد به إلا الجمع فمن قول العرب في رجل من القبائل قبلي (مثل سببي) وقبلية (مثل سببية) للمرأة). . . (عن سيبويه بحرفه ٨٨: ٢ من طبعة مصر) على انهم قد أجازوا الإضافة أو النسبة إلى الجمع. لكن متى؟ في عدة موطن اشترطوا فيها شروطا عدة ومن جملتها هذا الشرط (أن يكون وزن الجمع له نظير في (كثير من المفردات) (عن شرح الطرة ص ٣٠٥) والحال أن (الألسن) على وزن افعل بفتح الأول وضم الثالث. ولم يرد هذا الوزن في العربية كلها سوى
стр. 3015
حرفين وهما: إصبع وأنملة على لغة من ينطق بها. ولهذا يمتنع أن يقال: (الالسني) بتاتا.
هذا من جهة النسبة إلى الألسن. وهناك سبب آخر يمنع اتخاذ الألسنية بالمعنى المطلوب في الإفرنجية وذلك أن الموصوف لا يحذف إلا إذا كان هناك قرينة هي كثرة الاستعمال أو
شهرة الموصوف أو نحو من الألفاظ التي أشرتم اليها، والا جاز حذف الموصوف في كل موطن لقلنا: الدمنكي وأنت تريد الأب أ. س. مرمرجي مع الدمنكي يدل على راهب اتخذ طريقة القديس دمنك (أي عبد الأحد).
نعم يقال الدمنكي وتريد به الأب المشار إليه وذلك إذا جاء المذكور مثلا في بلدة ليس فيها أحد من اخوته فتتكلم عنه في بادئ الأمر فتسميه باسمه الحقيقي ثم إذا أتاح لك الحظ أن تشير إليه في كلامك مرارا عديدة فحسبك حينئذ أن تقول الدمنكي وحده فيفهم الناس الراهب الذي تعنيه. إذن ترى من هذا أن الموصوف يحذف وتنوب عنه الصفة، إذا كان هناك ما يدل على حذفه. أما أنه يحذف حيثما يراد فهذا لم يرد في كلامه السلف والوهم فيه لا يخفى على بصير.
ولعلك تريد أن اذكر لك علة ثالثة لامتناع هذه التسمية. فدونكها؛ أن الألسنية لا تفيد المعنى الإفرنجي، بل حتى قولك المقابلة الألسنية، لان هذا الاصطلاح يناظر قولهم: لا غير. فإذا سلمنا أن ما اصطلح عليه الأب المحترم يقلبه ومعه بعضهم، فما الذي يقوله في التعبير الإفرنجي الذي ذكرناه له؟ فلعله يقول: (المقابلة اللسانية) لكن المقبلة اللسانية والمقابلة الألسنية في لغتنا لا تفيدان إلا مفادا واحدا من جهة صميم المعنى. إذن لم يبق فرق بين التعبيرين الإفرنجيين فينجم من هذا التعريف عوار، بل شنار، لا بل تشويه فظيع. وقانا الله شرهما.
وعندنا أن ما يقابل ما سماه الأب (الدمنكي) (الألسنية السامية) هو: (مقابلة أسرار الألسن السامية) فهذه أربع كلمات تقابلها خمس في الإفرنجية وتعبيرها أدل من تعبيرهم. والمفهوم واحد. فالفيلولوجية لا يرادفها عندنا في لساننا إلا (اسرر اللغة) لا غير. فافهم ولا تغتر بظواهر الأدلة.
следующие страницы →