Полный текст (6 158 стр.). Показаны 3536–3575 · переход к 3541.
стр. 3536
خراسان وخزانتها
من المدن المشهورة في إيران، مدينة خراسان، وفيها قبر الإمام علي بن موسى الرضا، ﵇، وعلى قبره أبنية فخمة وحوله جوامع ومقامات كبيرة. وأقدم بناء شيد فيها بناء المأمون الخليفة على قبر أبيه الرشيد العباسي ولكن أصيبت تلك الأبنية الجليلة والآثار الجميلة بنكبات وحوادث تاريخية عظيمة فهدمتها ثلاث مرات، وجددت عمارتها ثلاث مرات.
في المرة الأولى كان الهدم بيد الأمير سبكتكين بعصبية دينية ثم بعد سنين عمرها يمين الدولة السلطان محمود.
وأخربها في المرة الثانية الغزنيون (الغزنويون) ثم عمرها شرف الدين أبو طاهر القمي في عهد السلطان سنجر السلجوقي.
وفي الثالثة اتجهت نحو خراسان ونيسابور عاصفة الفتنة المغولية، فهجم عليها تولي خان بن جنكيز خان الطاغية فقوض بيده تلك الأبنية الجميلة ثم جددها للمرة الثالثة اتباع (اولجايتوخان بهادر) وأركان دولته. وأصول هذا البناء موجود في هذا العصر. وزار شمس الدين بن بطوطة الرحالة مدينة خراسان سنة ٧٣٤ هـ (١٣٣٣ - ١٣٣٤م).
وفي سنة ٩٩٧ هـ (١٥٨٨م) حاصر عبد المؤمن خان عبد الله خان اوزبك هذه المدينة سبعة أشهر ثم فتحها ونهب كتب الخزانة الرضوية وهذه السيئة منه هي التي يؤسف لها لما فيها من جناية عظيمة على العلم ومن جملة ما نهب قطعة الماس حجمها كبيضة الدجاج كان وقفها قطب شاه الدكيني على قبر الإمام ﵇. ويظهر من جملة كتب التراجم والتاريخ (كروضات الجنات) (وأمل الآمل) إن جماعة من كبار علماء الشيعة ومشهوريهم كابن أبي جمهور الاحسائي والشيخ الطبرسي والشيخ حر العاملي والشيخ بهاء الدين العاملي وعدة من تلاميذهم اشتغلوا مدة بالتدريس في أروقة وجوامع هذه الأبنية.
стр. 3537
وفي ضمن دائرة هذه الأبنية عدة مؤسسات مهمة كدار الآثار العتيقة المحتوية على نفائس الآثار وخزانة الكتب الموجودة في هذا الزمان التي نحن بصدد بيان مختصر تاريخها وذكر فهرست بعض ما احتوت عليه من المصنفات النفيسة الثمينة الأثرية ويظهر من بعض
تآليف الخزانة الموجود فيها إن دار الكتب كانت عامرة في سنة ٨٦١ (١٤٥٦م) وفيها من أنفس الأسفار في اغلب العلوم. كتب الشيخ جلال الدين أبو سعيد على ظهر تفسير الشيخ أبي الفتوح الرازي المسمى بروض الجنان ما معناه: إنه لما كانت دار الكتب الرضوية حاوية لجميع الكتب غير تصانيف التفسير وقفت هذا الكتاب عليها.
وهذا الكلام يدل على أن الخزانة الرضوية كانت مقتبس نور العلم للطالبين والقراء ولم نقف على فهرست كتبها في التاريخ المذكور.
وفتنة عبد المؤمن خان وقعت بعد هذا التاريخ كما أشرنا إليه والعجب أن اغلب التصانيف الموجودة في هذا العهد هي عين التآليف المنهوبة التي أعيدت إلى مكانها من أماكن بعيدة كالهند وغيرها بعد مدة طويلة.
وبعد هذا التاريخ زار الشاه عباس الصفوي قبر الإمام سنة ١٠٠٩ (١٦٠٠م) ووقف عليه أجزاء مصحف بخط بعض أئمة الشيعة وعلى ظهرها خط الشيخ العلامة بهاء الدين العاملي كتب شهادته على كون الخط لبعض أئمة أهل البيت ﵈ ووقف الشيخ بهاء الدين نفسه عدة كتب على كتب على الخزانة في التاريخ المذكور.
أقدم فهرست ظهر بعد النهب هو ما وضعه ميرزا سعيد خان مؤتمن الملك الذي فوضت إليه الحكومة الفارسية شؤون المؤسسة الرضوية في سنة ١٢٩٦ (١٨٧٩م) وفي سنة ١٣٤٢ عنيت لجنة من أهل العلم والقلم على وضع فهرست عام مبسوط لها فبلغ عدد الكتب ٣٣٤٤ عدا المصاحف.
واليك أسماء بعض الكتب المخطوطة النفيسة الموجودة فيها في الحكمة الإلهية (اللاهوت) بأقسامها والكلام والتصوف والمنطق والأخبار والسيرة والتراجم والأنساب واللغة والفلك والرياضة والنجوم والطب اقتطفناها من فهرسين أحدهما الفهرست الجديد الذي وضعه الفاضل (اوكتائي) مدير دار الكتب سنة ١٣٤٥ هـ بإشارة من جلالة الشاه (بهلوي) وهو فهرست عام
стр. 3538
مبسوط يشتمل على ذكر الكتب ومؤلفيها وأوصافها وترتيبها وأسماء واقفيها ولكنه مقصور على ذكر كتب اللاهوت والكلام والمنطق والتفسير والأخبار فقط ولعله يكمله بعد ذلك والثاني فهرست قديم مقصور على ذكر أسماء الكتب جميعها ومؤلفيها مع ما فيه من الاشتباه وغلط الطبع وسقم العبارة وهو في ضمن كتاب (مرآة البلدان).
كتب التفسير
١ - أسئلة القرآن وأجوبتها للشيخ زين الدين محمد بن أبي بكر بن عبد القاهر الرازي الحنفي القادري المتوفى سنة ٦٦٠ هـ تاريخ النسخة ٩٦٩ هـ
٢ - بحر الحقائق والمعاني تأليف نجم الدين بن داية المتوفى سنة ٦٥٤ الموجود منه مجلد واحد وبآخره: (وقد تم المجلد الثاني من كتاب بحر الحقائق والمعاني في. . . سنة ٧١٠هـ على يدي محمد بن بهلوان بن محمد.
٣ - عرائس البيان تأليف الشيخ محمد روزبهان بن أبي نصر البقلي المتوفى سنة ٦٠٦ كتبه على طريقة الصوفيين وتأويلاتهم تاريخ النسخة ١٠٦٠
٤ - كشف الحقائق ليوسف الكواشي الشيباني الموصلي المتوفى سنة ٦٨٠ هـ تاريخ النسخة سنة ٧٩٧ وهي ناقصة.
٥ - معالم التنزيل لحسين بن مسعود الفراء البغوي المتوفى سنة ٥٠٥ هـ والنسخة قديمة على ظهر الورقة الأولى منها أسم مالكه هذا التفسير ملك أبي طالب علي أبن عمر بن أبي طالب في تاريخ محرم ٦١٩
٦ - مدارج السالكين المفسر علاء الدولة أحمد بن محمد السمناني العارف الشهير والنسخة قديمة ليس بها تاريخ الكتابة وبها تاريخ الوقف.
٧ - معارج السؤول ومدارج المأمول لمحمد الحسن بن محمد بن الحسن الحنفي تفسير لآيات الأحكام وبآخر النسخة تاريخ التصنيف) وكان إتمام هذه النعمة سنة ٨٩١ على يد الحسن بن محمد بن الحسن النجفي تاريخ كتابتها على يد كاتبه محمد بن شاه مرتضى في سنة ٩٨٨ كتبه الخواجة شير أحمد بن عميد الملك التوني الواقف لهذا الكتاب مع جملة كتب أخرى للخزانة الرضوية وعلى ظهر النسخة بخط الخواجة شير أحمد المذكور أن مؤلفه مدفون في بلدة تون من بلاد خراسان.
٨ - مشكل أعراب القرآن لمكي بن أبي طالب القيسي القيرواني المتوفى
стр. 3539
سنة ٤٢٧هـ تاريخ النسخة سنة ٦٧٠ هـ
٩ - معاني القرآن لأبي الحسن سعد بن مسعدة البلخي المعروف بالأخفش تاريخ كتابة النسخة سنة ٥١١ هـ.
١٠ - (النهر الماد من البحر) لأبي حيان الأندلسي المعروف. نسخة قديمة تاريخ الوقف ١٠٣٧ هـ
(لها تلو)
زنجان (إيران): عبد الله الزنجاني
حذف الخبر بعد (حيث)
إن السلف يحذفون الخبر بعد (حيث) استخفافا للتلفظ. فقد قال مؤلف (جمهرة أشعار العرب في الصفحة ٩٦ من طبعة الاتحاد (بأمثل: أي بأهون علي (من حيث الوجد) لان الليل الخ.) وجاء في المجلد الرابع من شرح نهج البلاغة في ال ص ٥٣٨ من طبعة مصر (وان دخل من حيث العدل والصلاح فاقبلها منه) أقول: كل من (الوجد) في القول الأول ومن (العدل) في القول الثاني: مبتدأ خبره محذوف جوازا تقديره حسب المعنى ففي الأول (مؤثر) فتكون الجملة (من حيث الوجد مؤثر) وفي الثاني (مقصودان) فتكون الجملة (من حيث العدل والصلاح مقصودان). وهلم اطرادا. وقد ذكرنا ذلك تنبيها لمن يضيفون (حيث) إلى الاسم الذي يليها واستدراكا على النحويين في باب جواز حذف الخبر.
الكاظمية: مصطفى جواد
الإقحام
الإقحام: إدخال كلمة أو أكثر منها بين كلمتين متصلتين بحذف غير الملائم، كإدخال المعطوف على المضاف إليه (بين المضاف والمضاف إليه بعد حذف الضمير المختص بالمضاف إليه. مثل (كتاب وقلم العالم) والأصل (كتاب العالم وقلمه) وقد كنت استكره هذا التركيب ولكنني وجدته فصيحا. قالت: (جليحة القيسية) في باب العين من كتاب (جمهرة الأمثال) وذلك لما أتيت بثياب عشيقها القتيل: (عطر وريح عمرو) بحذف الضمير للإقحام. فالأصل (عطر عمرو وريحه).
الكاظمية: مصطفى جواد
стр. 3540
صفحة من النقد
رد على رد العقاد الثاني
ما أسهل السب والثلب لو كانا يغنيان عن الحجة! كما فعل الأستاذ العقاد في عدد ٢٠ يولية من البلاغ الأسبوعي. بعد أن عجز عن قرع حججي بالحجج ولو أردت لأشبعته سبا، كما يفعل ولكني لا أجاريه في سفهه، بل أمر بلغوه كريما، وأقول سلاما!
وهل من العلم أن يشتم الإنسان مناظره مفحشا، كلما (أعوزته الحجة) ولو اعترف العقاد بخطئه لكان جهله للقواعد العربية واللغة بسيطا، ولكنه أصر على الخطأ، ثم أصر وشتم فكان جهله مركبا! وهو لا يدري أن شتائمه تنقص قدره أكثر من جهله للقواعد العربية واللغة. وما كان يجدر بالأستاذ أن يطيل لسانه حتى لو كان مصيبا في رده فكيف وهو مخطئ!؟
وكأن الأستاذ قد تعود المشاتمة والمهاترة، وقد تكسرت النصال على النصال، فهو لا يبالي بسب الناس له جزاء على سبه إياهم كالشتائم التي توجهها إليه بعض جرائد مصر الكبرى على حين إنه إذا سمع تخطئة له في العربية جن جنونه فاخذ يلعن ويشتم خوفا على سمعته، وهو بفعله هذا يزيد سمعته سوءا على سوء ويضر نفسه من حيث لا يشعر! ولو عرف الأستاذ الخجل، لخجل من المقالات التي كتبت عنه في الصحف المصرية بأقلام الأساتذة الكبار: أحمد خيري سعيد، وزكريا جزارين، وجورج طنوس، وسعيد عبده، وسلامة موسى، وغيرهم.
ومن مراوغاته: إنه إذا ألفى الحجج التي تظهر جهله كثيرة، لزم الصمت عن القسم الذي يراه قويا وحاول الرد على ما يعتقد فيه الضعف فكان عليه شرا من الأول، كما فعل في رده الأول على ما جاء في الجزء الرابع من مجلتنا لغة العرب، ورده الثاني على ما جاء في الجزء السادس، وقد ضرب صفحا عما جاء في الجزء
стр. 3541
الخامس من النقد المر لديوانه، لأنه لم يجد الرد عليه هينا، أما أنا فلا أحيد عن خطتي في نقد ديوانه، وهي الاستمرار على ذكر سيئاته وحسناته معا كما فعلت سابقا، وليواظب هو على قذعه وسبه، ما شاء له الجهل والغرور
ونحن لم نخدم العلم كل هذه السنين الطويلة، إلا للعلم. فلا يضيرنا انتقاص الأستاذ جهدنا الطويل، فلسنا نطلب منه أو من غيره شهادة أو تعظيما ولا ندين مثله بالفردية - في اقبح صورها - فهو يجحد حسنات جميع معاصريه من كتاب وشعراء وعلماء ولا يعرف غير نفسه تلك النفس الجاهلة السبابة الآثمة، وغير أولئك الصبيان أدعياء الأدب الحافين من حوله والمتملقين له ممن لا يعتبرهم بمنزلة المنافسين له.
وهل قام العلم في كل أدواره على السب والقذع ليكون لهما في القرن العشرين بفضل الأستاذ العقاد رواج؟ ولكن هو الشرق المتأخر لم يزل في كثير من أنحائه يروج ما لا يجوز أن يروج فأنا لله وإنا إليه راجعون!
وقد سرّنا من الأستاذ أعادته لبعض مآخذنا المعنوية، فإن أعادتها قد تدعو قارئيها إلى إنعام النظر فيها ولكن مآخذنا المعنوية أكثر من مآخذنا اللفظية فلماذا اكتفى بإعادة النزر القليل منها؟ وقد وعد في رده الأول تفنيدها فما الذي ثبطه عنه؟
أما مآخذنا اللغوية، فقد قال فيصدر الرد على بعضها يوجه قوله: (خياشيمه القيظ يبضضن بالدم) بقوله: (إن أبا حيان يقول في هذا الحذف (حذف النون من (من) إنه حسن وكثير فهو إذن ليس بذميم ولا قليل). وقد قلنا في ردنا الأول: إن الأغلاط العربية لا تعدم تعليلا ولكن الفصيح غير النادر الشاذ والضرائر القبيحة. ولا ادري لماذا أخذ الأستاذ برأي أبي حيان وحده مرجحا إياه على آراء أئمة العربية كافة وليأتنا إذا كان صادقا في ادعائه كثرة حذف النون من (من) بآية من القرآن شاهدة على ما يدعيه؛ وإذا كان واحد أو أكثر من الجاهليين قد حذفوها فهل ذلك دليل على حسنه؟ وإذا كان حذفها حسنا فلماذا لم يحذفها فحول الشعراء من جاهليين ومخضرمين وإسلاميين؟ كامرئ القيس والنابغة والأعشى وزهير ابن أبي سلمى وحسان
стр. 3542
والحطيئة وعمر بن أبي ربيعة والفرزدق وجرير والاخطل وبشار وأبي نؤاس وأبي تمام والبحتري وابن الرومي وأبي العلاء والمتنبي وغيرهم؟
وقال يوجه قوله: (فقلت حياء ما أرى أم تغاضيا) بنصب حياء وتغاضيا ويرد على قولنا فينقده: (إن مقول القول لا يكون إلا جملة) بقوله: (حياء منصوبة هنا لأنها مفعول له والمعنى - كما يفهم كل قارئ - هو: هل للحياء تفعل ما أرى أو للتغاضي) وليس في البيت (تفعل) إنما هناك (ما أرى)
والمفعول له: أسم يذكر لبيان سبب الفعل نحو: (ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق) وشرطه: أن يكون مفيدا للتعليل متحدا بالمعلل به في الوقت، وفي الفاعل فإذا لم يتحد في الفاعل، وجب جره بحرف الجر كقول أبي صخر الهذلي: (وأني لتعروني لذكراك هزة) وقوله في الآية: (أقم الصلاة لدلوك الشمس) والفاعل في قوله (ما أرى) هو ضمير المتكلم وفي الحياء والتغاضي هو حبيبه الذي كان لا يثني عن البدر طرفه، فكيف نصبهما؟ ثم أين الجملة التي تصلح أن تكون مقول القول؟
ولو سكت الأستاذ عن نقدنا هذا. كما سكت عن غيره، لما فضح نفسه، فهل أنا الجاهل؟ وقال يوجه قوله: (فأمسى آخر الليل شاديا) بقوله: (ولكن العرب الذين لا يفهم لغتهم صاحب (لغة العرب) يقولون: لا أكلمك آخر الزمان! ويعنون: إلى آخر الزمان). وأقول على رسلك، أيها الأستاذ! فإن (آخر) قد أتت بعد (أمسى) لا بعد (شاديا) ونحن نريد من الشاعر العصري أن يتجنب التعقيد والغموض فلا يأتي إلا بالفصيح وهذا هو الفرق بين الشاعر الفحل وغيره، كما بينا في ردنا الأول.
ولو كان الأستاذ واثقا من توجيهه لما تشبث بتوجيه ثان وهو قوله: (وهبنا قلنا أمسى فلان مغنيا فنحن على هذا نريد إنه قضى المساء كله في الغناء، فأي خطأ في ذلك)؟ والجواب أن قولك: (أمسى آخر الليل شاديا) غير قولك قضى المساء كله في الغناء! اللهم إلا إذا صح قولهم (المعنى في بطن الشاعر).
وقال يوجه قوله: (وأشكوه ما يجني فينفر غاضبا) بقوله: و (ما)
стр. 3543
هنا ليست مفعولا ثانيا، وإنما هي بدل اشتمال في محل نصب على البدلية عن مفعول أشكو؛ ومع هذا لو أننا عدينا: (أشكو إلى مفعولين لما كان ذلك خطأ كما سيرد بيانه). وإذا كان (ما يجني) بدلا من الهاء في (أشكوه) فإلى من يشكو الأستاذ ما يجني حبيبه؟ إلى القاضي؟ والظاهر أن في قلب الأستاذ ريبا في توجيهه هذا، ولذلك راغ عنه إلى توجيه آخر فقال (ومع هذا لو عدينا أشكو إلى مفعولين لما كان ذلك خطأ كما سيرد بيانه) فلنتربص إلى أن يأتينا ببيانه.
وقال يوجه قوله: (أشكوه ما يجني) مكان أشكو إليه ما يجني وقوله (وأسلمت كفي كفه) مكان أسلمت إلى كفه كفي وقوله: (نؤجله الحساب إلى غد) مكان نؤجل الحساب إلى غد بقوله: أتراه قرأ باب الحذف والإيصال في تعدية (الأفعال) إلى آخر ما هنالك وخلاصة ما
قاله هي: أن أبن الناظم شارح الألفية قال: يحذف حرف الجر وينصب مجروره توسعا في الفعل وأجراء له مجرى المتعدي؛ فلا خطأ في قولنا أشكوه ما يجني، ولا في قولنا وأسلمت كفي كفه، ولا في قولنا نؤجله الحساب؛ وإنما الخطأ والجهل في تخطئة هذا الصواب المجمع عليه وهو قاعدة من القواعد المحفوظة المدونة في أمهات الكتب النحوية.
على رسلك أيضاً أيها الأستاذ! إنك أخطأت فهم قول أبن الناظم وأخذت شيئا وتركت شيئا فإن عبارة أبن الناظم هي ما يأتي: وقد يحذف حرف الجر وينصب مجروره توسعا في الفعل وإجراء له مجرى المتعدي وهذا الحذف نوعان مقصور على السماع ومطرد في القياس. والمقصور على السماع منه وارد في السعة ومنه مخصوص بالضرورة. فالأول نحو شكرت له وشكرته ونصحت له ونصحته. . . وإما الحذف المطرد ففي التعدية إلى (أن) (وأن) بشرط أمن اللبس.) فترى أن ما ورد من حذف حرف الجر ونصب المجرور سماعي لا يقاس عليه إلا في أن (المخففة) وأن (المشددة) وهذا صاحب التوضيح وصاحب التصريح يقولان في باب التعدي واللزوم: قد يحذف حرف الجر وينصب الاسم وراءه وهذا سماعي في الشعر فليس لك أن تقيس عليه مستثنين
стр. 3544
من ذلك حذف الجار على أن (بالسكون) وأن (بالتشديد) ومصرحين بأن حذفه منهما قياسي.
وهذا شرح الاشموني ينقل لنا بيتي الناظم ابن مالك وهما:
(وعد لازما بحرف جر ... وإن حذف فالنصب للمنجر
نقلا وفي إن وأن يطرد ... مع أمن لبس كعجبت أن يدوا)
وزاد الشارح بعد قول الناظم (نقلا) لا قياسا مطردا وبعد (يطرد) قياسا.
وهذا تهذيب التوضيح يقول في قسم التصريف ص ٣٥ (أو سقط معه الجار توسعا كقول جرير: (تمرون الديار ولم تعوجوا) أي تمرون بالديار ولا يطرد حذفه إلا مع أن وان).
ولو كان الأمر قياسا، لجاز للأستاذ أن يقول: فزعته مكان فزعت اليه، وقنعته مكان قنعت به، وسمحته مكان سمحت له، وسعيته مكان سعيت اليه، وهلعته مكان هلعت منه، وطرت زيدا مكان طرت اليه، وصغوته مكان صغوت اليه، وجلسته مكان جلست اليه، وخرجت بغداد مكان خرجت منها، وعطشت الماء مكان عطشت إليه إلى غير ذلك وإذا جاز له كل هذا فعلى العربية السلام! فهل عرفت يا أستاذ الحق؟ وهل أنا الجاهل؟
وقال يوجه قوله:
أنت عين من زجاج موقها ... يجذب الأنوار من كل مكان
بقوله: (ولكن العرب يطلقون الجفن ويريدون العين، ويذكرون الجزء ويريدون الكل)
نعم قد يفعلون ذلك مجازا إذا كانت هناك قرينة ولكنهم لا يفسرون الموق بالحدق كما فعل الأستاذ في شرحه الموق.
وقال: (ما للاماني يستضحكن لي غررا) بقوله أن في اللغة شيئا يسمى المفعول لأجله. فاعلم يا هذا أن (غررا) هنا مفعول لأجله) والظاهر أن الأستاذ يريد (غررا) بفتح الغين ليكون مصدرا بمعنى التعريض للهلكة وهو في الحقيقة أسم مصدر والمفعول له لا يكون (إلا مصدرا).
стр. 3545
وقال يوجه قوله: (فاحتلن لاستدراجي الحيلا) بقوله: (ونحن لا ندري ما التكلف هنا وليس المفعول المطلق كما يعلم التلميذ الصغير إلا المصدر المنصوب توكيدا لعامله أو بيانا لنوعه. هبه أراد أن يجيء المفعول المطلق في هذه الجملة بغير تكلف، فكيف تراه كان يجيء به؟) والجواب: كنت أجيء به بلفظ (احتيالا) فالقاعدة أن المفعول المطلق إذا كان للتأكيد لا يجمع. قال ابن مالك: (وما لتوكيد فوحد أبدا) وعالمه شارح ألفيته الاشموني بقوله (لأنه بمنزلة تكرير الفعل والفعل لا يثنى ولا يجمع. وأما وجه التكلف فهو جعل الحيلا مفعولا مطلقا للعدد وهذا يجوز جمعه وإن لم يذكر الأستاذ هذا النوع من المفعول المطلق عند تعداده لأقسامه على أن في قلبي من اللام على المفعول المطلق للعدد شيئا. وقال يوجه قوله:
ما طب جالينوس قيس ... بطبه إلا غرور
رادا على قولي في نقدي إياه: (وإذا وقع الماضي حالا وجب تصديره بالواو أو بقد أو الواو وحدها. نعم ورد مثل (كما انتفض العصفور بلله القطر) ولكن هذا لا يقاس عليه بقوله: (لا يا جاهل يقاس عليه، ويقاس ويقاس) ثم أورد شاهدا من القرآن وهو: (وجاءوكم حصرت صدورهم) وبضع شواهد أخر من الشعر. وكل ما أورده دليل على الورود لا على القياس؛ ولو كان دليلا على القياس لما كان للقاعدة السابقة وجه فإن أكثر النحويين اتفقوا على تقدير (قد) في الآية وفي الأبيات التي استشهد بها توفيقا بين القاعدة وما ورد بخلافها.
قال صاحب همع الهوامع على جمع الجوامع (ويجب في الماضي المثبت المتصرف غير التالي (إلا) والمتلو (بأو) العاري من الضمير (قد) مع الواو فإن لم تكن (قد) ظاهرة قدرت. غير أن الاشموني قال: (والمختار وفاقا للكوفيين والأخفش لزومها مع المرتبط بالضمير وحده أو بهما معا إذ الأصل عدم التقدير وجعل صور مجيئها مراتب أربعا في الكثرة وجعل حذف (قد) في المرتبة الرابعة الضعيفة.
وقال يوجه قوله:
стр. 3546
أبدا تحوط به ودا ... ئعها بسور خلف سور
قائلا: جعلنا ودائعها مفعولا له (لتحوط به). أما الفاعل فهو الضمير عائدا إلى الطبيعة التي تقدم ذكرها في بيت سابق وهو:
بلد تجود له الطبيعة ... بالصغير وبالكبير
فأقول أيها الأستاذ ما زهد الناس في شعرك إلا هذا الغموض فمن أين يعرف القارئ إنك ترجع الضمير إلى الطبيعة قبل ثلاثة أبيات كلها في وصف البلد وفيها كثير من الضمائر مذكرة ومؤنثة لا يرجع منها واحد إلى الطبيعة.
وقال يوجه قوله:
ما كان أول مغرب ... شهدت علي مر العصور
بقوله (من واجب هذا الدعي (يعنيني) أن يعقل قبل أن ينقد فإن التأنيث هنا للشمس التي يعود إليها الكلام كله في الأبيات السابقة وأولها:
والشمس شاخصة تكا ... د تنوء من جهد المسير
والأستاذ كما قال الشاعر: (يريد أن يعربه فيعجمه) فهو يرجع ضمير (شهدت) إلى الشمس قبل خمسة أبيات ويقول قبل البيت. أولهما:
وعلى الروابي والهيا ... كل مسحة الشفق الأخير
وفيه دلالة على أن الشمس كانت ساعتئذ غاربة وكانت مسحة شفقها الأخير على الروابي والهياكل. فكيف شهدت حينئذ والظاهر أن الأستاذ أحس بضعف توجيهه هذا فالتمس غيره بقوله: (على أن المغرب تؤنث. وتذكر مؤنثة في كتب الفقه واللغة) أما في كتب اللغة فلم أعثر على ما ادعاه وأما في كتب الفقه فلعلهم ذكروا (صلاة المغرب) وارجعوا إليها ضمير
المؤنث على أن تأنيثهم للمغرب (إن صح) لا يصح أن يكون مأخذا لمثل الأستاذ وهو ذلك الشاعر الذي دعواه في الفصاحة طويلة عريضة!!!
وقال يوجه قوله: (أيها أبا النور أطربنا) رادا على قولنا (أيها) للإسكات بقوله: (أخطأت وجهلت يا علامة راجع لسان العرب تعلم أن (أيها) ترد بمعنى التصديق والرضى بالشيء كما ترد بمعنى الإسكات).
ونحن نورد نص ما جاء في لسان العرب قال: (وإذا قلت (أيها) بالغضب
стр. 3547
فإنما تأمره بالسكوت و (أيها) تأتي للزجر بمعنى حسبك عن أين سيده. و (أيها) كف. أما الأغراء فيقال فيه: (ويها) وإذا تعجبت من طيب شيء قلت: (واها ما أطيبه) وقال: (قال ابن الأثير وقد ترد المنصوبة بمعنى التصديق والرضى ومنه حديث ابن الزبير لما قيل له يا ابن ذات النطاقين فقال: أيها والله أي صدقت ورضيت بذلك ويروى: (إيه) بالكسر أي زدني من هذه المنقبة) أهـ. وأنت ترى أن الرواية عن ابن الأثير وحده على إنها تختلف فيها فهناك رواية ثانية هي إيه بالكسر. وقال يوجه قوله:
أراك تغوينني بوحي ... إلى السماوات يزدهيني
بقوله نعم ولكن يقال بوحي إلى السماوات فأقول هذا من حيث اللفظ جيد ولكن ما علاقة الوحي إلى السماوات بإغوائه ولعله أراد (بالسماوات الأرض). لأن الأرض سابحة فيها.
وقال يوجه قوله:
يا طالما تخدع الدراري ... لواحظ الشاعر الحزين
رادا على قولنا في نقده: (وتخدع مضارع فهو للحال أو المستقبل. والمستقبل لم يجيء بعد والحال اقصر من أن يطول فضلا عن كونه لم يطل في الماضي. نعم يجوز أن تقول طالما خدعت ولكن لا يجوز طالما تخدع). بقوله (هكذا يعلل العربية هذا العلامة. ولو كان يتهجى النحو لعلم أن (ما) المصدرية تدخل على المضارع أكثر من دخولها على الماضي. أهـ. فأقول: رويدك أيها الأستاذ المغرور إنك لا تدري ما تقول. إنك لم تدخل (ما) في بيتك على المضارع لتؤيد هذا الإدخال بأقوالك الفارغة هذه بل ألحقتها بطال فقلت (طالما) وهو فعل ماض ثم أن (ما) في طالما ليست مصدرية كما زعمت بل هي زائدة كافة تمنع الفعل من طلب الفاعل كما صرح بذلك أئمة العربية. قال ابن هشام في مغني اللبيب: (الوجه الثاني
أن تكون (ما) زائدة وهي نوعان: كافة وغير كافة. والكافة ثلاثة أنواع: أحدها الكافة عن عمل الرفع ولا تتصل إلا بثلاثة أفعال: قل، وكثر، وطال) إلى آخر ما هنالك. وقال (ابن هشام) في تقسيم آخر: والثاني أن تكون مصدرية. وهي نوعان: زمانية وغيرها فغير
стр. 3548
الزمانية نحو: عزيز عليهم ما عنتم. ودوا ما عنتم. ضاقت عليهم الأرض بما رحبت. فذوقوا بما نسيتم لقاء يومكم. لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب. ليجزيك اجر ما سقيت لنا. والزمانية نحو: ما دمت حيا) وعسى أن يعلم الأستاذ من هذه الشواهد إن (ما) المصدرية تدخل على الماضي في الأكثر.
وقال: (وان المضارع يكون للاستمرار ولا يجوز هنا أن تقول طالما خدعتنا الدراري لأنها تخدعنا ولا تزال تخدعنا في كل حين فلا ينقطع الخداع بانقطاع زمن مضى كما يتصور هذا اللغوي العجيب) فأقول: ليس النزاع في استمرار خداع الدراري بل في عدم جواز أن يجعل الشاعر ما يكون في الحال قد وقع في الماضي بقوله طالما تخدعنا فإن (طال) ماض و (تخدع) مضارع.
وقال يوجه قوله (كفاكم نومة المنون) ردا على قولنا في نقده (يريد تكفيكم فانهم لم يموتوا بعد) بقوله (ولو أن هذا الأعجمي يقيم فهم الجمل العربية كما يفهمها السوقة والصبيان على الأقل لفهم أن العرب تقول: (هداك الله وعلمك العربية، وكفاك شر الادعاء) والأستاذ هو الذي لا يقيم فهم الجمل العربية فإن الأمثلة التي أوردها خاصة بالدعاء والعرب تأتي فيه على الأكثر بصيغة الماضي وأما قوله كفاكم نومة المنون فليس من قبيل الدعاء بل هو للأخبار فقد أورده دليلا على ما نهاهم عنه في الشطر الأول وهو قوله (لا تنقصوا ليله بنوم) فهو يريد لا تنقصوا بالنوم ليلكم فإن نومة المنون في المستقبل تكفيكم فهل يناسب الدعاء هذا المقام؟
وقال يوجه قوله (يمن الله سعيه من رسول) بقوله يتعدى يمن بنفسه ولهذا يجيء منه أسم المفعول على ميمون) فأقول لم يصب الأستاذ في كل ما جاء في ردوده إلا في هذه فإني اعترف إنه على صواب وأنا على خطأ والسبب أني عندما قرأت الكلمة (يمن) قرأتها بالتشديد لا بالتخفيف بناء على أن التام من تفاعيل البحر الخفيف هو فاعلاتن مستفعلن فاعلاتن.
وقال يوجه قوله (أذكرتني بك الكواكب) ردا على نقدي الذي قلت فيه (والصواب أذكرتني إياك فإن اذكر يتعدى بنفسه إلى مفعولين) بقوله: (أن الذكر مجردا ومزيدا يتعدى بالباء وكما جاء في القرآن الحكيم: (ولقد أرسلنا إلى
стр. 3549
موسى أن أخرج قومك من الظلمات إلى النور وذكرهم بأيام الله). ولو كان الأستاذ صادقا لأتانا بشاهد لتعدية (اذكر) بالباء من آية أو بيت شعر أو قول إمام لغوي ولكنه أتى بمثال لتعدية ذكر من باب التفعيل وليس النزاع في تعديته بالباء.
ثم قال (أن الباء لا تكون للتعدية وحدها ولكنها تأتي لاثني عشر معنى وتدخل في بعض هذه المعاني على الاسم الذي يتبع الفعل المتعدي) وأورد شواهد منها قول الراعي في بيت له (لا يقرأن بالسور) وقول امرئ القيس (هصرت بغصن) وقول الأعشى (ضمنت برزق عيالنا ارماحنا) وقول القرآن العظيم: (ولا تأخذ بلحيتي ولا برأسي) وقوله (وهزي إليك بجذع النخلة) أهـ إلى غير لك. ومن العجيب أن الأستاذ لم يذكر معنى الباء هذه التي تدخل على الاسم الذي يتبع الفعل المتعدي في الشواهد التي استشهد بها. . . وإذا كانت هذه الباء التي قال الأستاذ إنها تدخل على الاسم الذي يتبع الفعل المتعدي ذات معنى فلا غرابة في أمرها ومن ذا ينكر دخول الباء الجارة على الاسم الذي يتبع الفعل المتعدي ولعله يريد إنها الزائدة للتوكيد وهذه ليست بذات معنى وتزداد في ستة مواضع. قال ابن هشام والثاني (من الستة) المفعول كقوله (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وقوله (وهزي إليك بجذع النخلة) وقوله (فليمدد بسبب إلى السماء) وقول الشاعر:
نضرب بالسيف ... ونرجو بالفرج
وفي شرح مغني اللبيب أن الزيادة في المفعول غير مطردة. وأظن أن في هذا الدرس كفاية للأستاذ.
في (قواعد اللغة العربية)
جاء في هذا الكتاب (ومن اللفظ ما يدل على الجماعة ولا واحد له من لفظه ويقال له (اسم جمع) (كركب) أهـ. فأقول ليس الركب لا واحد له من لفظه لأنه ومفرده (راكب) وبذلك يخرج عن كونه (اسم جمع) ونظائره كثيرة مثل (صاحب وصحب وناصر ونصر وقائل وقيل وسائق وسوق) وربما لم يذكر النحويون هذا الوزن مع أوزان جمع التكسير.
الكاظمية: مصطفى جواد
стр. 3550
جناية الرواة على الشعر .
بقلم الأديب الناقد البصير الأستاذ عبد القادر عاشور من كبار أساتذة الإسكندرية
بمصر
إذا كان الشعر عند الغربيين مظهرا من مظاهر الصراع بين الحق والباطل فإنه عند العرب أعم وأوسع، إلا أن الذكر الحكيم كفى شعراء العربية مؤونة التعرض لكثير من الأغراض كأخبار الأولين والحث على اتباع ما كمل من العادة والأخلاق، وكأن الشعراء عندما بهرتهم بلاغة القرآن سقطوا في أيديهم ونسوا الحرية والصراحة اللتين هما أساس نمو الشاعرية وتلهب الوجدان، وأجبل منهم من أجبل، حتى أن لبيد بن ربيعة هجر الشعر ولم يرو له في الإسلام غير بيت واحد، وهو - على بعض الروايات:
ما عاتب الحر الكريم كنفسه ... والمرء يصلحه الجليس الصالح
وكان إذا سئل عما قال من الشعر بعد الإسلام يتلو بعض آيات من القرآن! وأيقن كثير من الشعراء بعد ذلك أنهم لن يتمكنوا من الظهور كشعراء إلا بعد أن يتخذوا لهم إماما من شعر السابقين يحتجون به إذا اعترضهم معترض ومن شذ منهم عن هذه القاعدة وركب متن الحرية سلم من التقليد وقصر العاطفة وجاء شعره كله إبداعا في إبداع كابن ربيعة وابن أذينة والعرجي.
وفي بدء عصر بني أمية ظهر الرواة الذين أفسدوا الشعر وانتحلوه وأجبروا الشعراء على ارتكاب ما سود صحيفته ونزل به إلى الحضيض وأملوا عليهم رغباتهم واضطروهم إلى الشطط في الصناعة والتكلف واصطياد الغريب والحوشي ومكانتهم السامية لدى الملوك والأمراء وكلمتهم النافذة في الحكم على الشعراء أخذت بلب كثير من محترفي الشعر فأصبحوا ولا هم لهم غير إرضاء الرواة والتزلف إليهم أو معارضتهم والظهور عليهم كما كان يفعل الطرماح بن حكيم فإنه كان يسأل الأعراب عن الغريب ويضعه في شعره ليتحدى به علماء الشعر ونقدته وبهذا سمت منزلته عندهم حتى أن أبا عبيدة والاصمعي فضلاه على غيره من الشعراء وزعما إنه أشعر الخلق في بيتيه:
стр. 3551
مجتاب حلة برجد لسراته ... قددا واخلف ما سواه البرجد
يبدو وتضمره البلاد كأنه ... سيف على شرف يسيل ويغمد
وكلنا يعلم أن في هذا الاستحسان من الخطل ما فيه! غير أننا بازاء هذا الاختيار نعذر الشعراء ونضع اللوم كله على عاتق ما نصبوا أنفسهم للتقدير والحكم وكيف لا نلوم الأصمعي على استحسانه الاستحسان كله قصيدة المرقش:
هل بالديار أن تجيب صمم ... لو أن حيا ناطقا كلم
مع إنك لو جست خلالها لوجدتها معقدة اللفظ رديئة السبك خاملة الخيال مختلة الوزن؟!! ولا أدري كيف استحسن قول الشاعر:
ولو أرسلت من حب ... ك مهبوتا من الصين
لوافيتك قبل الصب ... ح أو حين تصلين؟!
ومن الرواة من كان يستحسن الفج الغليظ من الشعر ويستملح ما كان على شاكلة قول ذي الرمة:
رمتني مي بالهوى رمي ممضغ ... من الوحش لوط لم تعقه الاوالس
بعينين نجلاوين لم يجر فيهما ... ضمان وحيد حلي الدر شامس
ولم يحفل بشعر ابن أبي ربيعة وقصيدته التي ابتدأها بقوله:
أمن آل نعم أنت غاد فمبكر ... غداة غد أم رائح فمهجر
على ما فيها من إبداع وطول نفس! وأنها لتحمل قارئها على السير فيها بشوق ولذة. ولما سمع المخزومي قول عروة بن أذينة:
ولهن بالبيت العتيق لبانة ... والبيت يعرفهن لو يتكلم!
لو كان حيا قبلهن ظعائنا ... حيا الحطيم وجوههن وزمزم!
إلى آخر الأبيات قال: إنه اهجر واخطل!! ويعلم الله أي الرجلين اهجر واخطل. . . وزعم العتبي أن قول جرير:
أن العيون التي في طرفها حور ... قتلننا ثم لم يحيين قتلانا!
يصرعن ذا اللب حتى لا حراك به ... وهن اضعف خلق الله أركانا!
ليس له كبير معنى!. . مع أن معناه - كما قال أبو هلال العسكري - غاية الحسن والجودة.
стр. 3552
ولما شاهد الرواة روج التجديد تكتسح القديم وتطرده من ربوعها قابلوا ذلك بازدراء الحديث وإنكار فضله، وبالتشهير بكل من يعرفون فيه بعض التمرد على القديم، من ذلك أن إبن الأعرابي كان يأمر أن يكتب جميع ما يجري في مجلسه فانشده رجل يوما أرجوزة أبي تمام في وصف السحاب على إنها لبعض العرب:
سارية لم تكتحل بغمض ... كدراء ذات هطلان محض
موقرة من خلة وحمض ... تمضي وتبقي نعما لا تمضي
قضت بها السماء حق الأرض
فقال ابن الأعرابي: اكتبوها! فلما كتبوها قيل له إنها لحبيب بن اوس فقال: خرق خرق لا جرم أن أثر الصنعة فيها بين!! فأنت ترى أن أبا تمام أغرب فيها الأغراب كله وتتبع آثار من سلفوا من الرجاز كابي النجم ورؤية حتى أشكلت على ابن الأعرابي ولكن ذلك كله لم يشفع له بل خرقت تخريقا!! لا لأن أثر الصنعة فيها بين بل لأنها شعر حديث! ومن أين يأكل ابن الأعرابي وأمثاله إذا حل الحديث محل القديم؟! على أن كثيرا من الشعراء اشتد حرصهم على إرضاء الرواة وتغالوا في أن يكون لكل بيت من قصيدهم معنى يستقل به عن سابقه ولاحقه مع تحميل بعضها ما لا يطاق من لفظ غريب وقواعد شاذة ليسير سير المثل وليتداوله الرواة في مجالسهم وعلماء النحو والغريب في حلقات الدرس!! وكان الفرزدق شيخ الشعراء الذين نحوا هذا المنحى واتبعوا هذه الطريقة شهد له بذلك ابن سلام في قوله: (كان الفرزدق أكثرهم بيتا مقلدا) والمقلد البيت المستغني بنفسه المشهور وذلك كقوله:
ولو خير السيدي بين غواية ... ورشد أتى السيدي ما كان غاويا
ومن الذي كان يعجب النحويين هذا البيت:
وما مثله في الناس إلا مملكا ... أبو أمه حي أبوه يقاربه!
ومن الذي كان يعجب النحويين هذا البيت:
وما مثله في الناس إلا مملكا أبو أمه حي أبوه يقاربه!
وكذلك:
ألستم عائجين بنا لعنا ... نرى العرصات أو أثر الخيام؟
فقالوا:
إن فعلت فاغن عنا ... دموعا غير راقئة السجام
هذه الأشياء كلها مجتمعة جوزت للشعراء ما لا يجوز وأباحت لهم الانتحال والسرقة والغصب وحصرت الشعر في دائرة ضيقة! وكم من شعر نسب إلى
стр. 3553
غير شاعره وشعراء لم يأنفوا من اغتصاب ثمرة مجهود غيرهم الفرزدق يغتصب قول جميل:
ترى الناس ما سرنا يسيرون خلفنا ... وإن نحن أومأنا إلى الناس
وجرير ينتحل قول العملوط السعدي:
أن الذين غدوا بلبك غادروا ... وشلا بعينك لا يزال معينا!
غيضن من عبراتهن وقلن لي ... ماذا لقيت من الهوى ولقينا؟!
وينتحل أيضاً قول طفيل الغنوي:
ولما التقى الجمعان ألقيت العصا ... ومات الهوى لما أصيبت مقاتله!
وكان أبو نواس يبني أكثر شعره على معاني غيره: يدل ذلك على ما جاء في (الأغاني) من أن اسحق الموصلي انشد شعرا لأبي الهندي في صفة الخمر فاستحسنه وقرظه فذكر عنده أبو نواس فقال: ومن أين أخذ أبو نواس معانيه إلا من هذه الطبقة وجعل ينشد بيتا بيتا من شعر أبي الهندي ثم يستخرج المعنى والموضع الذي سرق الحسن فيه حتى أتى على الأبيات كلها واستخرجها من شعره. وذكر صاحب (الأغاني) أيضاً أن قول أبي نواس: (وداوها بالتي كانت هي الداء) مأخوذ من قول الأعشى: (وأخرى تداويت منها بها) وإن قوله: (أن الشباب مطية الجهل) مأخوذ من قول النابغة الجعدي: (فأن مطية الجهل الشباب) ولكنه أبو نواس شاعر الخلفاء والمشهود له بالفضل بين جمهرة العلماء. . .!! وهكذا ظلت هذه العيوب لاصقة بالشعر حتى يومنا هذا ولم يجرؤ أحد من شعراء نهضتنا الحالية على مناوأتها والقضاء عليها غير نفر قليل وعندما حبب إلى (أمير الشعراء) شوقي) التجديد نهاه عن ذلك (آفة اللغة الجامدون) وأغروه بأماني أسرت لبه وصادفت هوى في نفسه فرجع إلى القديم من الشعر يتوكأ عليه ويحتذيه والى الغريب من اللفظ يفسد به شعره والى الحكم المعادة والأمثال البائدة (يحشرها) في كل قصيدة من قصائده ليكون حافظ اللغة وحجتها ولو علم لترك شاعريته تنمو وبيانه ينطق بما يعتقد ولم يسمع لهؤلاء الذين أخمدوا قريحته
وحادوا به عن الجادة ولكن ما الحيلة والله لم يرد إلا أن يكون كذلك؟!
стр. 3554
اللغة الكردية
لم ينبغ شاعر من الشعراء البارزين حتى عهد الأديب المعروف بمحمد الفقيه التيراني من أفراد عشيوة (مكري) الهكارية وكان أديبا مشهورا. وله عدة تآليف معروفة في القرن التاسع. ويعقبه الملا أحمد من عشيرة (باتا) من الهكارية أيضا. اشتهر هذا بتأليفه كتاب (المولد النبوي) وهو كتاب لا يزال يتلى في المحافل والأندية الدينية. وانتشرت العشيرة الهكارية بعد عهد هذين الشاعرين حتى منطقة (بايزيد) حيث رسخت أقدامهم.
وفي هذه البقعة نشأ شاعر من أشهر شعراء الكرد وأكثرهم تأليفا. وإنتاجا في الأدب والشعر، اسمه (احمد خان) الهكاري ولا تزال كتبه في العلوم والمعارف والآداب أحسن مما كتب في اللغة الكردية. وانشأ هذا الأديب مدرسة في (بايزيد) وشيد بجانبها مسجدا للمصلين ومن تآليفه معجمه (نوبهار) وهو من اللغة العربية إلى الكردية ولا يزال محفوظا حتى يومنا هذا في دار التحف البريطانية.
ويتلوه تلميذه (إسماعيل) وهو وإن كان دونه شهرة إلا أن مقامه في عالم الأدب غير مجهول. وشاهد ذلك العصر أكبر كاتب من كتاب الكرد وهو (شريف خان) الهكاري الذي ألف تاريخ الأكراد المسمى (شرفنامه) وهذا الكتاب هو التصنيف الوحيد المعول عليه حتى اليوم في مراجعة تاريخ الأكراد. وله عدا ذلك تآليف جمة في اللغة الكردية ودواوين شعر عديدة.
والفاضل الثاني الذي تثبته الكتب الأدبية بعد شريف خان (مراد خان) الهكاري المولود في (بايزيد) ولكنه لم يكن واسع الشهرة. وتوفي في عام ١٧٨٤م.
هؤلاء معظم مشاهير شعراء الأكراد المشهورين في كردستان الشمالية. أما في كردستان الجنوبية فقد نبغ عدد كبير من الشعراء ولاسيما في ديار عشيرة (كوران خان) الاردلانية في (سنا) إلا أن معظم ما كتبه
стр. 3555
هؤلاء كان منحصرا في شعر وقصص عشيرتهم التي ينتمون أليها. ولم يظهر في كردستان الجنوبية شعراء عظام حتى أواخر القرن الثامن عشر. ولكن بعد ذلك أصبحت مدينتا (السليمانية) و (كركوك) موطني عدد جسيم من الكتاب الكبار والصغار يضيق بنا المجال عن ذكرهم هنا.
وتعد عشيرة (الملي) أكبر عشيرة بين العشائر الكردية في يومنا هذا، وموطنها في غربي كردستان الغربية.
وعشيرة (حسنانلو) التي تقطن سهلا من سهول أرمينية:
وعشائر (الهكاريين ومن معهم الذين تقع مواطنهم بين (وان) و (بتليس) وشرقي حدود فارس، ووادي الزاب الأعلى، وجزيرة ابن عمر، حتى تصل إلى حدود اربيل.
و (عشائر راوندوز) من الجنوب ومن معهم من العشائر القاطنة في غربي السليمانية وشماليها. كل هذه العشائر هي من (كرمانج) ومن ثم هي هكارية.
وتمتد منطقتهم نحو الجنوب إلى مدى بعيد حتى تصل إلى (قزل رباط) وطريق بغداد والى كرمنشاه، حيث عشيرة (الجاف) وهي عشيرة كبيرة لا تقل بيوتها عن عشرة آلاف خيمة كلها من الرحل ولغة هذه القبيلة هي الكردية الاصلية، ولكنها أصبحت اليوم مزيجا من لغات أخرى إذ لا تخلو من اصطلاحات وكلمات خاصة بقبيلة اللور.
ولغة (المكري) الذين تقع أراضيهم في جنوبي ارمية من حدود فارس ربما كانت افصح لغة كردية موجودة في يومنا هذا. وإذا قسنا عدد الأدباء المشهورين من أدباء الأكراد بهذا العدد الواسع من العشائر المعروفة نجده ضئيلا لا يكاد يذكر ولكن يجب أن لا ننسى أن عدم الدراسة والتنقيب في تاريخ هذه اللغة هما من الأسباب التي تطلعنا على سر هذه القلة أو الضآلة فالمستشرقون من علماء اللغات والآثار لم يهتموا بالتنقيب عن هذه اللغة ولا عنوا بدراستها عنايتهم بغيرها من اللغات وإذا فتشنا في بطون الكتب عن الذين تفرغوا لهذا البحث نجد الأمة الإنكليزية أقل الأمم اعتناء بها. وليس من الخطأ القول إننا لم نسمع بأن مستشرقا إنكليزيا في عصرنا هذا كتب شيئا أو ألف كتابا عن
стр. 3556
اللغة الكردية اللهم إلا المستر صون الحاكم السياسي في السليمانية. وهذا الفاضل لم يأت إلى كردستان باحثا أو دارسا، إنما جاء بمهمة سياسية قضت عليه أن يبقى بين العشائر الكردية أعواما قبيل الحرب وبذلك تمكن من الوقوف على أسرار هذه اللغة فألف كتابين مهمين لا يستغني عنهما الطالب.
وأهم الكتب التي ألفت باللغات الغربية عن اللغة الكردية يعود تاريخها إلى عام ١٨٥٠ إلى ١٨٩٠ ويعود القسم الأعظم من هذه المؤلفات إلى مصنفين روس أذكر في مقدمتهم
الموظفين منهم وأشهرهم جابا المستشرق الروسي الذي كان موظفا في السفارة فإنه نشر عام ١٨٦٠ كتابه المسمى بما معناه (مجموعة فوائد وحكايات كردية) طبع في بترسبورغ (اليوم لنينغراد) وهو مجموعة قصص أدبية، وقصائد شعرية باللغة الكرمانجية. ترجمت إلى اللغة الافرنسية ولكن بغير تعليق أو ملاحظة وهذا الكتاب مصدر بمقدمة بقلم المستشرق مؤلف كتاب أي أبحاث في الأمور الكردية والإيرانية وهو مطبوع في عام ١٨٥٧ وهو كتاب جامع ومفيد بحث في صاحبه عن لغتي كرمانج وزازا وأطال القياس وضرب الأمثلة بينهما وبين اللغة الفارسية ولم ينس ترجمة قصص وقصائد من القصص والقصائد الكردية المشهورة ونشر سوسين وبريم ومجموعة أسمياها منتخبات كردية طبع بترسبورغ عام ١٨٨٧ وهي مجموعة تضم مختارات وقصائد جمعها صاحباها أثناء سياحتهما في ديار التيارية والهكارية ولكنهما لم يبحثا عن القواعد الكردية وإن أضافا إليه في الآخر معجما مختصرا للكلمات العويصة الواردة في مطاويه. فهذا التأليف وإن كان مفيدا لمن يحسن اللغة الكردية لكنه لا يفيد شيئا من يجهل القواعد الكردية ولا المبتدئين. وكأني بجستي يشعر بهذا النقص فيسده في كتابه (غراماطيق كردي) (بترسبورغ ١٨٨٠) والشيء الذي يؤخذ عليه إنه ارصد ١٠٥ صفحات من أصل صفحات الكتاب البالغة ٢٥٠ للبحث عن الحروف الصوتية وغير الصوتية الأمر الذي ما كان يقع في أكثر من عشرين صفحة لو راعى الغرض دون الإطالة كما أن أبحاثه عن القواعد وإن جاءت وافية بالمرام إلا إنها لم تكن مرتبة ترتيبا يرتاح له القارئ.
خلف شوقي أمين الداودي
стр. 3557
اسم الفاعل في لغة عوام أهل العراق
أسم الفاعل هو ما دل على ما وقع منه لفعل. ويبنى من الثلاثي وزن فاعل نحو ضارب وكاتل. ومن غير الثلاثي على وزن المضارع بأن يحذف حرف المضارعة ويؤتى في مكانه بميم مكسورة ثم يكسر ما قبل آخر الفعل نحو مجتهد ومتعارك ومكربس.
تصريف أسم الفاعل من السالم
أسم الفاعل أما مذكر أو مؤنث وكل منهما أما مفرد أو جمع إذ لا يستعملون فيه التثنية فتكون له أربع صيغ وجمع أسم الفاعل المذكر لا يكون إلا بالياء والنون في جميع الأحوال فيكون تصريفه هكذا:
ضارب ضاربين ضاربة ضاربات
تصريف اسم الفاعل من المضاعف
لا يفك إدغامه إلا في لغة قليلة فيقال في ماد مادد وفي شاد شادد لكن الأكثر فيه الإدغام هكذا:
ماد مادين مادة مادات
تصريف أسم الفاعل من مهموز الفاء
قد علمت إنه لا يوجد في كلام العامة من مهموز الفاء سوى أخذ وأكل وأمر وهم يشذون في بناء أسم الفاعل من هذه الأفعال الثلاثة فيبدلون فاءه التي هي الهمزة ميما فيقولون في آخذ مآخذ وفي آكل مآكل وفي آمر مامر إلا أنهم في هذا الأخير قد يقولون آمر أيضاً على الأصل. فتصريفه هكذا:
ماخذ ماخذين ماخذة ماخذات
تصريف أسم الفاعل من مهموز العين
قد يبدلون الهمزة منه ياء وذلك في المفرد المذكر منه فقط والأكثر إبقاؤه هكذا:
стр. 3558
سائل سائلين سائلة سائلات
تصريف أسم الفاعل من مهموز اللام
قد علمت إنه لا يوجد في كلام العامة من مهموز اللام سوى قرأ وجاء فأما قرأ فقد علمت
أنهم يجعلون همزته ألفا ويصرفونه تصريف الفعل الناقص فيكون أسم الفاعل منه أيضاً كاسم الفاعل من الناقص هكذا:
قاري قارين قارية قاريات
وإما جاء فقد علمت أنهم يحذفون اللام أي الهمزة منه غير أنهم إذا بنو منه أسم الفاعل حذفوا عينه وقلبوا لامه اعني الهمزة ياء ساكنة فيقولون جاي واصله جايئ حذفت عينه وهي الياء وقلبت لامه وهي الهمزة ياء. هذا في المذكر وإما في المؤنث فلا يحذفون عينه بل يكتفون بقلب لامه ياء ويدغمون العين في اللام فيقولون جاية واصلها جايئة قلبت اللام ياء وأدغمت الياء في الياء. فيكون تصريفه هكذا:
جاي جايين جاية جايات
تنبيه - إن أسم الفاعل المفرد المذكر من جاء قد يستعمل في كلامهم استعمال الظرف المكاني بمعنى قريب كما أن أسم الفاعل المفرد المذكر أيضاً من غدا يستعمل في كلامهم كالظرف المكاني بمعنى بعيد كقولهم (تعال جاي) أي تعال قريبا أو إلى مكان قريب وكقولهم (روح غادي) أي روح بعيدا أو إلى مكان بعيد. ولاشك أن (جاي) و (غادي) هنا قد خرجا عن كونهما أسمى فاعل وصارا في المعنى من قبيل الظروف المكانية. ويكون حاصل المعنى في قولهم (تعال جاي): تقرب. وحاصل المعنى في قولهم (روح غادي): تبعد.
تصريف أسم الفاعل من المثال
واعد واعدين واعدة واعدات
تجعل عينه ياء سواء كان واويا أو يائيا فيقال من قال كايل ومن قام كايم ومن باع بايع ومن خاف خايف وتصريفه هكذا:
شايف شايفين شايفة شايفات
стр. 3559
تصريف أسم الفاعل من الناقص
رامي رامين رامية راميات
تصريف أسم الفاعل من اللفيف
اللفيف المفروق
وافي وافين وافية وافيات
اللفيف المقرون
شاوي شاوين شاوية شاويات
اسم المفعول
اسم المفعول هو ما دل على ما وقع عليه الفعل. ويبنى من الثلاثي على وزن مفعول نحو مضروب وممدود. ومن غير الثلاثي يبنى من المضارع بأن يحذف حرف المضارعة ويؤتى بدله بميم مكسورة كسرة ضئيلة ثم يفتح ما قبل آخر الفعل نحو مكربس ومجرح ومكاسر.
تصريف أسم المفعول من السالم
مضروب مضروبين مضروبة مضروبات
تصريف أسم المفعول من المضاعف
مشدود مشدودين مشدودة مشدودات
تصريف أسم المفعول من المهموز
مهموز الفاء
تجعل فاءه وهي الهمزة ألفا لينة هكذا:
مأخوذ مأخوذين مأخوذة مأخوذات
مسئول مسئولين مسئولة مسئولات
مهموز اللام
يصرف كاسم المفعول من الناقص اليائي وتخفف ياؤه في المفرد المذكر فقط.
مقري مقريين مقرية مقريات
تصريف أسم المفعول من المثال
موعود موعودين موعودة موعودات
стр. 3560
تصريف أسم المفعول من الأجوف
تجعل عينه ياء سواء كان واويا أو يائيا ويبقى على حاله بلا إعلال ولا حذف فيقال من قال مكيول ومن باع مبيوع ومن دان مديون ومن عاب معيوب فيكون تصريفه هكذا:
مبيوع مبيوعين مبيوعة مبيوعات
تصريف أسم المفعول من الناقص
قد علمت إنه ليس في كلامهم ناقص واوي بل إن كان فعل ناقص يائي عندهم وان كان في الأصل واويا فاسم المفعول من الناقص تقلب واوه الزائدة ياء وتدغم في الياء الأصلية إلا في المفرد المذكر فانهم يخففونه أي يحذفون إحدى الياءين فيكون تصريفه هكذا:
مرمي مرميين مرمية مرميات
مغزي مغزيين مغزية مغزيات
تصريف أسم المفعول من اللفيف
اللفيف المفروق
موفي موفيين موفية موفيات
اللفيف المقرون
مشوي مشويين مشوية مشويات
الفعل المنحوت
إن (جاء) في اللغة الفصحى فعل لازم يتعدى بالباء فيقال جاء به والعامة قد أخذت هذا الفعل ومزجته بحرف التعدية بعد حذف الهمزة من آخره فصار (جاب) واستعملته فعلا متعديا بنفسه بمعنى جاء به في اللغة الفصحى وصرفوه كفعل أجوف يائي فقالوا جاب كذا ويجيب كذا ومصدره الجيب والجيبة وقالوا في أسم الفاعل منه جايب وفي أسم المفعول مجيوب. وقد يستعملونه بمعنى الولادة فيقولون جابت المرأة أي ولدت ومصدر هذا الجيبوبة. وتركيب هذا الفعل في كلامهم من كلمتين اجدر أن يعد من قبيل النحت فلذا سميناه بالفعل المنحوت. ويوجد في كلامهم أيضاً أفعال قد أخرجوها عن اصلها بزيادة أو نقص أو تغيير وسنعقد لها فصلا نذكرها فيه إن شاء الله تعالى.
стр. 3561
الصفة الثابتة وهي الصفة المشبهة
بين الصفة المشبهة وبين أسم الفاعل فرق من وجوه أحدها إنها لا تكون على وزن فاعل من الثلاثي إلا نادرا. الثاني إنها لا تصاغ إلا من الفعل اللازم. الثالث إنها تدل على الثبوت بخلاف أسم الفاعل فإنه يدل على التجدد والحدوث أي إنها تدل على صفة قائمة
بالموصوف بدون اعتبار الزمان بخلاف أسم الفاعل فإنه يعتبر في معناه الزمان. وسميت بالصفة المشبهة تشبيها لها باسم الفاعل في إنها تعمل عمل الفعل مثله فترفع الفاعل. ولما كان الإعراب معدوما في كلام العامة لم يبق لتشبيهها باسم الفاعل من سبب فوجب أن تسمى في كلام العامة بالصفة الثابتة لأنها تفارق أسم الفاعل في دلالتها على الثبوت دونه.
الصفة الثابتة تبنى من الثلاثي على أوزان مختلفة سماعية نحو حسن وكريم وشجاع وغير ذلك إلا إذا دل على لون أو عيب فتبنى الصفة الثابتة منه حينئذ على وزن افعل نحو أحمر واسمر واملح وادغم واعرج واشرح واعور واثول وغير ذلك.
ومن غير الثلاثي تبنى على وزن المضارع كاسم الفاعل نحو مستقيم.
اسم التفضيل
هو بمعنى أسم الفاعل إلا إنه يصاغ على وزن افعل من الفعل الثلاثي مقصودا به تفضيل شخص أو شيء على غيره نحو عباس اعقل من جاسم وهذا الثوب أحسن من ذاك. فالمقصود هو تفضيل عباس في العقل على جاسم وتفضيل هذا الثوب في الحسن على ذاك. ولا يبنى أسم التفضيل إلا من الثلاثي فقط وقد أجازت العامة بناءه من الأفعال الدالة على لون أو عيب وذلك غير جائز في اللغة الفصحى فأحمر واعرج وما أشبههما من الصفات الثابتة تستعمل في كلام العامة أسم تفضيل أيضاً يقولون هذا أحمر من ذاك أي أشد حمرة منه وهذا اعرج من هذا أي أكثر عرجا منه.
ويستعمل أسم التفضيل في كلامهم على وجهين أحدهما أن يكون مضافا غير مقترن بمن نحو اعقل الناس والثاني أن يقترن بمن كالأمثلة السابقة. وهو في كليهما يستوي فيه المذكر والمؤنث تقول زينب أحسن النسوان وجاسم
стр. 3562
اعقل الناس وإما مؤنث أسم التفضيل فلا وجود له في كلامهم أصلا.
أمثلة المبالغة
هي أوزان يقصد بها الدلالة على كثرة اتصاف الموصوف بها وتأتي في كلام العامة على أربعة أوزان (١) فعال (بتشديد العين) نحو ضراب وجذاب. ومنه المثل العامي: (كتال الكملة بالسيف) يضرب لمن يستهزأ بشجاعته. (٢) فعول قولهم (فرس عزوم) للفرس الجموح التي لا يرد رأسها والفرس في كلام العامة لا تطلق إلا على الأنثى وإما الذكر
فيقال له حصان. (٣) مفعيل نحو مسكين ومعميل. (٤) فعل (بكسر العين) نحو نحر (نكر). ولا تبنى أوزان المبالغة إلا من الثلاثي.
اسم المكان والزمان
اسم المكان ما دل على موضع وقوع الفعل واسم الزمان ما دل على وقت وقوع الفعل. ولهما صيغة واحدة وهي من الثلاثي على وزن (مفعل) بكسر الميم وقد تفتح. وبفتح العين إذا كانت عين مضارعه مضمومة أو مفتوحة نحو مطبخ ومذبح ومنه قولهم وهو من هوساتهم (هاي نكرة الدم وهاي مذبحتهم) وشذ المغرب بكسر الميم والراء لوقت الغروب والمسجد بكسر الجيم لأن عين مضارعهما مضمومة. وإما إذا كانت عين مضارعه مكسور فلا يكون إلا بكسر العين نحو مجلس. وكذلك إذا كان من المثال نحو موجب (موكب). وأما من غير الثلاثي فلم أجده واقعا في كلامهم.
(تنبيه) إذا كثر الشيء في المكان فلاسم المكان وزن مفعلة نحو مملحة ومصبغة ومدرسة ومكبرة ومذبحة.
ومما شذوا فيه قولهم للمجرة (مسحال الجبش) أي مجر الكبش فإن مسحال هنا أسم مكان للسحل المستعمل في كلامهم بمعنى الجر يقال سحله إذا جره على الأرض. والقياس يقتضي أن يقال مسحل لا مسحال.
بغداد: معروف الرصافي
стр. 3563
أحمد لطفي السيد
وزير المعارف المصرية كما عرفته -
بقلم الأديب المعروف الأستاذ نجيب شاهين المحرر في صحيفة (السياسة) المصرية
جمعني وبعض الأصدقاء مجمع عرض فيه ذكر المقال الذي حشاه صديقي عباس محمود العقاد طعنا في رجل من خير رجالات مصر وهو أحمد لطفي السيد وزير المعارف الحالي. فقال أحد الحاضرين وهو محام مصري طويل الباع في الأدب (أنا لا أعرف العقاد ولم أر له صورة وجه ولكني استدل من كتابته على إنه شديد الذكاء وإن لم ينل قسطا وافرا من التربية الحديثة فقد تحامل على شوقي مثلا وهو شاعرنا الأوحد ويخيل إلى غير الأديب الحق وهو يقرأ انتقاده لشوقي أن شوقي ليس بناظم فضلا عن أن يكون شاعرا فذا منقطع النظير. ولا أذكر إنه مدح أحدا مختارا أو إنه تطوع لبيان فضائل فاضل وهذا شر ما يصاب به (أديب).
والغريب أن يكون هذا شأن كاتب مشهود له بالذكاء والأدب الكتابي كأن يكون الأدب الكتابي والأدب الخلقي نقيضان فيه لا يجتمعان. والأصل واحد والاشتقاق واحد ورحم الله القائل:
كذاك أدبت حتى صار من خلقي ... أني وجدت ملاك الشيمة الأدب
وفي الحق أن الأدب الخلقي الذي أراده الشاعر إنما هو سيد الأخلاق ولا يحسب الكاتب الأديب أديبا ما لم يكن على خلق عظيم.
تناول صديقي العقاد أستاذي أحمد لطفي السيد في مقاله ونال منه كل منال ولج في خصومته ولد في عداوته ولم يترك مكانا للصلح - فعل هذا كله متطوعا مختارا - إذ لا يعقل أن مثل هذا السباب البذيء يكلفه إياه أحد حتى ولو كان من حثالة خصومه السياسيين. وهكذا ترى إنه أديب يتطوع للشر ويقترح عليه الخير فلا يلبس إلا مكرها. وهذه أدنى دركة ينزل إليها الأديب، وهذا ما يحملنا على الظن أن المقال لم يعرض على صاحب البلاغ ورئيس تحريره عبد
стр. 3564
القادر حمزة. فقد زاملناه في أواخر أيام (الجريدة) وكان الأستاذ لطفي السيد رئيسا لنا فجعل عبد القادر يده اليمنى في التحرير حتى حين وأحاطه برعايته وكان يلقنه ما يريد أن يقول وبقي ذلك شأنه حولا أو أكثر حتى انتدب لتحرير
(الأهالي) في حديث ليس هذا مجاله. فما نظن الأستاذ عبد القادر كان يسمح بنشر ذلك المقال لو اطلع عليه وكان ممن يعرف الجميل ويذكر المعروف.
أراد الأستاذ العقاد أن ينتقص فضل رجل لو كان في مصر عشرات مثله لكانت ذات استقلال تام من تلقاء نفسها ومن غير أن يحتاج في ذلك إلى السياسة ووسائلها. أراد أن ينتقص فضائله (فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل) ولست أدري لم يغضب الأستاذ العقاد من أن يسمى أحمد لطفي السيد أستاذا وكل محام أستاذ وكل طبيب أستاذ وكل معلم أستاذ. أتراه يسلم بأستاذية هؤلاء جميعا إلا أستاذية أحمد لطفي السيد؟
وبالطبع أن من ينكر على رجل كونه أستاذا أحر به أن ينكر عليه كونه فيلسوفا. ولكن هل كلف أحمد لطفي السيد أحدا يلقبه بالفيلسوف أو أوعز إلى أحد بذلك. وإن كانت السياسة هي أول من أشاع هذا اللقب فهل هي التي أوعزت إلى غيرها أن يحذو حذوها. لا يهولنك يا صديقي العقاد أن يلقب أحمد لطفي السيد بالفيلسوف لأنه إذا كان فيلسوفا فلست تقف أنت عقبة في سبيل هذا اللقب وإن لم يكن فيلسوفا فلسوف يزول هذا اللقب عنه من نفسه يوم يقوم في البلاد رجال أكثر استحقاقا لهذا اللقب منه.
ونحسب أن خلو كتاب الأخلاق الذي ترجمه من مقدمة له دليل على ذوقه السليم وانه يقدر الأشياء قدرها فاكتفى بالمقدمة الفرنسية لوفائها بالغرض وفي هذا أعظم دليل على البعد عن الدعوى الذي يلصقه العقاد.
ولست أدري لم تكون معرفة نيتشه أو تولستوي هي مقياس الفلسفة ولا يكون مقياسها معرفة أرسطو أو أفلاطون أو سقراط أو ابن رشد أو الغزالي أو ديكارت أو هيجل أو سبنسر. ثم أن فلسفة نيتشه ليست مجهولة كل الجهل عندنا فقد رأينا مقالات كثيرة عنها لكثير من كتابنا في كثير من مجلاتنا أفلا يجوز أن يكون أحمد لطفي السيد قد أطلع على إحداها ليدرك ماهية فلسفة نيتشه!!
стр. 3565
صدقني يا صاحبي العقاد إن مقالك كله هزل ليس فيه جد وهو من نوع الهزل الذي يسميه الإنجليز لا من النوع الذي يسمونه والفرق بينهما أن الأول يكتب بروح الانتقاد والثاني يكتب بقلم بريء خال منها كلها فصاحبه ظريف حقا. فإن شئت يا صاحبي أن تعرف من هو أحمد لطفي السيد فاعلم:
إنه في مقدمة الذين سعوا في إنشاء حزب الأمة و (جريدته) وهو الذي وضع برنامجه وخطب الخطب الكثيرة ودبج المقالات العديدة في تأييد سلطة الأمة ولقي الاضطهاد الكثير مع (جريدته) في سبيل فصل شخصية الأمة المصرية عن الشخصيات الأخرى ورأى ذلك مقدمة لازمة للاستقلال المنشود فعارضه (المؤيد) صنيعة الخديوي السابق وعارضه (اللواء) القائل بالتعلق بالأهداب العثمانية وعارضته الصحف الأخرى القائلة بممالأة هذه الدولة الأجنبية أو تلك. ولما ظهرت (الجريدة) دعانا نحن محرريها وكان فيهم الأستاذ المرحوم عبد الحميد الزهراوي شهيد الحرية فقال أن الذين ينتمون إلى الدولة العثمانية منكم قد يريدون أن يعلموا خطة هذه الجريدة. فخطتها هي هذه: تناول قلما وقرطاسا ورسم دوائر خارجا بعضها عن بعض فكتب في دائرة مصر وفي الدوائر الأخرى تركية وغير تركية وقال هذه خطتنا السياسية إننا مع اتصالنا بالبلاد الإسلامية دينا، لا صلة سياسية لنا بها البتة.
واحمد لطفي السيد في مقدمة الذين سعوا في إنشاء حزب الأحرار الدستوريين وجريدة (السياسة) لسان حالهم. وهو الذي قضى ثماني سنوات يكتب المقالات الافتتاحية في (الجريدة) بيانا لسلطة الأمة وتعليقا على مناقشات الجمعية التشريعية ومجلس الشورى وغيرها من مقالات التشريع والأخلاق أيام كان بعض الكتاب يقضون الساعات الطوال بين بشار وأبي نواس وصريع الغواني وابن الشمقمق!!
ولم يشك أحد من العقلاء في وطنيته المصرية يوما. غاب عنا أياما ونحن في (الجريدة) لمرض اعتراه وكان منزله في دار الجريدة فدعاني صبيحة ذات يوم إليه يسألني عن التحرير فرأيته كاسف البال فجلست فسمعته يتأوه فظننت ذلك من
стр. 3566
شدة وطأة الداء عليه وما أبطأ أن قال (ضاع البلد من أيدينا)!
كان ذلك على ما اذكر عند إعلان سياسة الوفاق في عهد السر الدون غورست وعلى أثر مشادة سياسية لا اذكرها تماما علم منها أهل الرأي في البلد حقيقة سياسة إنجلترة المصرية.
أما أخلاقه فإلى القارئ مثلا عليها: أقلت من (الجريدة) في السنة الأخيرة من سنيها طلبا للتوفير فلم يشأ أحمد لطفي السيدان يبلغني خبر الإقالة فعهد في ذلك إلى المرحوم حسن باشا عبد الرازق شهيد حادث شارع المبتديان وبينا كنت أقرأ مسودات الجريدة في ذلك
اليوم رأيها بها خبرا عن إقالتي (فشطبته) فسأل المدير عنه فقيل له أني حذفته فدعاني إليه وشدد النكير علي بحضور المرحوم إسماعيل بك ذهني حسبان أن في ذلك اعتداء على حقوقه. وفي اليوم التالي جاءني من يقول أن إسماعيل بك ذهني قال أن لطفي بك (ادالك جامد) وقد كان اجمد ما قاله لي (هل تعتدي على حقوقي)؟
ومضت الأيام فلقيته ذات يوم في إدارة المقتطف يزور المرحوم الدكتور صروف فسلم علي هاشا باشا ولمحت في وجهه نور الاطمئنان علي في عملي. وفي سنة ١٩٢٢ قصدت الشام للتصييف ولما عدت قصدت دار الكتب فاخبرني صديقي حافظ إبراهيم أني عينت محررا في (السياسة) براتب حسن وكان ذلك أول ما علمت عن ذلك التعيين وإن لطفي بك هو الذي عينني.
هذا شيء عن علم رجل من رجالات مصر ووطنيته الصحيحة وأخلاقه العالية. أفي رجل مثل هذا تكال مقالات الطعن البذيء جزافا؟ أرأيت يا صديقي العقاد إن كان معالي وزير المعارف الحالي وفديا أو عضوا في وزارة ائتلافية هل كنت تقول فيه ما قلت في مقالك هذا؟ لقد بلغنا السن التي ينتظر قراؤنا منا فيها أن نكون أكثر تأنيا وإنصافا في إصدار أحكامنا على الناس واعلم أن مقالات الكاتب منا أكثر دلالة عليه منها على من يتناولهم فيها واصدق حكما علينا منها عليهم. وإني أدعو إلى الله ألا يكون حظي منك مقالة مثل هذه المقالات!!
стр. 3567
فوائد لغوية .
الأوهام الشائعة
أردت بالأوهام الشائعة: الغلطات العظيمة الذائعة، كقول العقاد في البلاغ الأسبوعي ال ٥٢ (فيصدق تصديق البلهاء) لأنه جمع (أبله) على (بلهاء) والصواب (بله) على وزن (خضر) جمع أخضر وخضراء. ولسهولة تتبعها جعلتها معددة بأعداد متوالية:
١ - قال أحد المدعين: (القضيتان الأشد ضيقا) وقوله غلط لأن أسم التفضيل تجب مطابقته للموصوف وصفا حقيقيا إن كان مصدرا بال والمطابقة تكون في الأفراد والتثنية والجمع والتذكير والتأنيث. فالصواب (القضيتان الشديان ضيقا) أو على ما هو مشهور القضيتان اللتان هما أشد ضيقا أو القضيتان الأشد ضيقهما.
٢ - وقال أحد المختبرين: (وأي طريقة من (الطرائق الأربعة) المذكورة يمكنك تطبيقها على كل فرض من فروضك الكتابية؟) والصواب (الطرائق الأربع) بتذكير الاسم الثاني لأن مفرد الأول مؤنث وهو (طريقة) قال تعالى: (وليال عشر).
٣ - وقال أحدهم: (حادثته أمس الأول) وليس في العربية (أمس أول) ولا ثان ولا ثالث و. . . لأن كلمة (أمس) مختصة باليوم السابق ليومك الذي أنت فيه. والصواب (حادثته أول من أمس) أي اليوم الذي قبل أمس. أو كما قال بعض الفصحاء قبل أمس بيوم. أو قبل البارحة بليلة.
٤ - وقال أحد المتفقهين: (ولعشر فروض يتأنى الطالب في إنشائها خير من مائة فرض يكتبها مستعجلا) وهو مخطئ والصواب ولعشرة فروض الخ. .) لأن المعدود (فرض) وهو مذكر يجب تأنيث العدد معه من الثلاثة إلى العشرة غير مركبة.
٥ - وقال أحد الأدباء: (خصوما وأنت مجتهد) ووضع الواو بعد المصدر
стр. 3568
العامل (خصوصا) غلط صريح والصواب حذفها. وتبديل الجملة بقولنا: (خصوصا أنك مجتهد) لنجعل (أن واسمها وخبرها) في تأويل مصدر مفعول به ل (خصوصا).
٦ - وقالت الناس: (فعمله رغما من المصاعب). والفصيح (على رغم المصاعب). قال الخليفة العباسي للشريف الرضي: (على رغم أنف الشريف). وذلك بعد قول الشريف. (إلا
الخلافة ميزتك) الخ. . . لأن قولهم (رغما) يجعل (رغما) مفعولا من اجله أي سببا للفعل السابق والحقيقة غير ذلك ولهذا لا يجوز ذاك التعبير القبيح أبدا.
٧ - وقال واحد: (لا حاجة بنا لإسداء الوصية والتنبيه) وهو الذي نقل قول ابن الأثير في المثل السائر (فلا حاجة إلى ما ذكر من تلك الخصائص) فالصواب أن يقول: (لا حاجة بنا إلى إسداء. . .) بوضع (إلى) موضع اللام.
٨ - ومنهم من قال: (يجب أن يحذر من الوقوع في عبارات الانفعال) والصواب (يحذر الوقوع) لأن الفعل متعد بنفسه.
٩ - وقال حامل يراعة مرضوضة: (جبل مجلل بأجمعه بالمنازل المحاطة بمزارعها) وهو مخطئ في قوله (المحاطة) لأن الكلمة أسم مفعول من فعل متعد بالباء هو (أحاط) ولا يجوز أن تظهر فيه علامة التأنيث. فالصواب: (بالمنازل المحوطة بمزارعها) أو (بالمنازل المحاط بها بمزارعها).
١٠ - ومنهم من قال: (ورتبة المفعول تالية للفاعل. . . وكذلك المفعول المطلق) ولكنه خالف ما قال بقوله (كثيرا ما نعتقد أكنا متكلمين أم كاتبين) وقوله (ولغة العامة فضلا عن لغة الكتابة تشتمل على كثير من المجاز والتشبيه) وقوله (وفضلا عن ذلك نرى أن مطالع الكتب. . .). وقد قدم المفعول المطلق فما هذا التناقض في أقواله مضافا إلى أن دعواه باطلة؟
١١ - وقال واحد في مقدمة كتابه: (مستشهدا بهذه المختارات في مواطنها والفصيح الشهير أن يعدي (مستشهدا) بنفسه فيقال (مستشهدا هذه المختارات في مواطنها) واسم الفاعل كفعله إذا عمل. قال صفي الدين الحلي: (واستشهد البيض هل خاب الرجا فينا).
стр. 3569
١٢ - ومنهم من قال: (وعليه أن يتثبت صحة معانيه) فجعل (يتثبت متعديا بنفسه) وما هو إلا متعد ب (في) والصواب (وعليه أن يتثبت في صحة معانيه).
١٣ - وقال واحد من المتبجحين: (إذا فليسكن روع الجبناء الذين لا يستجرؤون على تبيين مرامهم) ولم يعلم أن هؤلاء الذين نعتهم بالجبناء (شجعان) عند الناس لأنهم (يجرءون على تبيين مرامهم لا يستجرئون) والمستجرئ هو الذي يتكلف الجرأة. فكيف يذمهم هذا القائل لكونهم لا يتكلفون الجراءة؟ ولعله (أصلحه الله) أراد (الذين لا يجرؤون. . .)
١٥ - وقال هو نفسه (وهذا كله. وإن كان لا يخلو من النقص إلا إنه سائر في سبيله) وهو مخطئ كما اخطأ الذين من قبله لأنه أفحم (إلا انه) بين المبتدأ وخبره فافسد المعنى والمبنى فالصواب (وهذا كله وإن كان لا يخلو من النقص: سائر في سبيله) فهذا مبتدأ و (سائر) خبره. واصل الكلام (وهذا كله سائر وإن كان لا يخلو من النقص).
١٦ - وقال كاتب: (بقصد ومهارة ويا للأسف) وهو مخطئ كغيره فالأسف إذا فتحت فيه لام الجر (صار مستغاثا به) والكاتب لا يستغيث الأسف كما ظهر للقارئ وإذا كسرت صار (مستغاثا له) وهو لا يستغيث للأسف. وإن قصد الكاتب (لام التعجب) كقولهم: يا للعجب فإنه ذكر الأسف بدلا من العجب. فالصواب أن يقول (يا أسفاه) وإن اتصل كلامه بما بعده قال (يا أسفاه) وقد قال يا أسفا على يوسف. وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم).
١٧ - وله أيضا: (ولا يزال الشيء الكثير من القديم (باق) على قدمه) والصواب (باقيا) لأن هذا الاسم (خبر) يزال.
١٨ - وقال أحد الناس: (وأما (هل) فلا يطلب بها إلا التصديق وحده ولذلك لا يذكر معها معادل. . . وهذا هو السبب الذي من اجله يمتنع أن نقول: (هل جميل نجح أم خليل) ولكنه سحق إرشاده بقوله: (هل ينتبه بالقرائن أم لا؟ وقال أيضاً (هل الفقرات كافية أم لا؟ وقال غير ما ذكرنا لأن أغيارنا
стр. 3570
بسطوه قبلنا. ونقله تلك القاعدة البالية ورضاه بها من الجمود العصري لأن المولدين قالوا ذلك كثيرا. قال ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة في المجلد الأول من طبعة مصر في الصفحة ٢٣: (هل يحسن تقديم خلق الجماد على الحيوان أم لا؟) ونحن لم نورد كلامه إلا لنظهر ما فيه من التناقض.
١٩ - وقال أحدهم: (فيجب على ذلك أن نهجر: الصفات الحشوية التي يفيد حذفها نحو (سخرية مرة) فأقول إذا كانت كلمة (مرة) صفة حشوية عند الكويتيب المذكور فكل الصفات التي وصف بها أسلافنا العرب (حشوية) عنده والقرآن العظيم مشحون بما كرهه من أوله إلى آخره. ولكنه لم يخجل من قوله (منشئ أحد الفروض يؤكد أن الضعف يؤدي إلى ارتكاب (القبائح السافلة)؟ فهل في القبائح (سافلة وغير سافلة)؟ هذا يدل على فكر سقيم وجهل عظيم.
٢٠ - وقال واحد: (والأفكار الناضجة المنيرة. لأن الإنشاء يمتاز لا محالة بمزايا صاحبه)
وليس من الذوق الحسن أن يصف الأفكار بالناضجة وبالمنيرة معا لأن الإنارة بعيدة عن النضج فالصواب أن يقول (الناضجة الطرية) أو (المحكمة المنيرة) وإذا كان ذوق الكاتب فاسدا فما يكون ذوق المستمع المسترشد له؟
٢١ - وقال أحد أدعياء الأدب العربي: (كان زهير سيدا موسرا حليما ورعا مؤمنا بالله (وعمر ومات قبل البعثة بسنة) فجعل الظرف متعلقا بالفعلين (عمر ومات) وبذلك يفهم أن زهيرا (عمر قبل البعثة بسنة ومات قبلها بسنة فيكون عمره (صفرا) والعياذ هو الله. فالصواب (عمر قبل البعثة ومات قبل وقوعها بسنة) ليكون الفعلان منفصلين بظرف زمان.
٢٢ - وقال من قال (عن الترقي الذي ترقيناه) وهذا مضحك كقول من قال (عن الصعود الذي صعدناه) لأن الترقي لا يترقى إليه والصعود لا يصعد عليه. والصواب عن (ترقينا) وهو أبلغ وأوجز من ذلك القول الواهن. أو (عن المرتبة التي ترقينا أليها).
٢٣ - وقال واحد (فيضطر بالطبع، للبحث عن معانيها) والصواب أن
стр. 3571
يعدي الفعل (اضطر) إلى مفعوله الثاني ب (إلى) وكذلك يبقى إذا بني للمجهول فالصواب (فيضطر بالطبع إلى البحث. . .) ويجوز على قول المولدين الفصحاء (على البحث عن معانيها).
٢٤ - وتفيهق أحدهم فقال: (وسأل نفسه قائلا: لماذا كانت عبارات القطعة المتحداة أبلغ (من عباراته التي أنشأها) والصواب (ابلغ من عباراتي التي أنشأتها) لأنه يخاطب نفسه على طريقة السؤال.
٢٥ - وقال ثرثار خباط (يتمرن بها طالب الإنشاء على زوائد الحروف الداخلة على الأفعال المجردة كحروف المضارعة والاستقبال) فأقول: لم يعلم لهذا الخباط أن (حروف المضارعة والاستقبال تدخل على الأفعال المجردة والمزيدة ولجهله اختصها بالمجردة. وللعلم درجات وللجهل دركات.
٢٦ - وقال مدع: (وعلى الزوائد المقلوبة نحو اضطلع واتزن) فقوله (اتزن) ليس فيه زوائد مقلوبة ويدرك ذلك كل مطلع ولو قليلا حتى غلف القلوب وإنما فيه (اصل) مقلوب هو الواو لأن أصل الفعل (اوتزن) فقلبت الواو تاء وأدغمت في التي بعدها فصار الفعل (اتزن) مثل (اتجه وأتضع واتفق واتأد واتقد) وغيرها كثير.
٢٧ - وقال مدع (الخبز: هو غذاء من دقيق معجون بعجينة محمضة لتخميره ثم أنضجته الحرارة) وقد أراد به تعريفا عجز عنه الأولون والآخرون ولكنه مضحك للعقلاء لدى الحقيقة لأمور أولها (انه معجون بالأيدي أو ما ينوب عنها) وثانيها (انه اختار (عجينة محمضة) مريدا (الخمير أو الخميرة) وما أبعد قوله عن الصواب!) وثالثها قوله (أنضجته الحرارة) وما أنضجه إلا الجراثيم كما اثبت العلماء الغربيون. فالتعريف الصحيح هو (الخبز: غذاء من دقيق معجون مخمور أنضجته الجراثيم وشوته النار مباشرة أو انتقالا).
٢٨ - وقال واحد (ولكني أشاهد مع ذلك قلبه وعقله - واليد التي عربت مثل (كليلة ودمنة) قد بليت والمعروف أن العقول هي التي تعرب لا الأيدي كما قال الكويتب. وقد يجوز أن يكتب بعض المعربين ما يعربون ولكن لا ينسب الفضل
стр. 3572
إلى أيديهم بل إلى عقولهم.
٢٩ - وقال أحدهم (بالشرير المتظاهر بصالح العمل) والمتظاهر هو المستعين أو المتعاون فكيف يكون المستعين بالعمل الصالح شريرا؟ هذا غريب من المعاني العجيبة. والأفصح (بالشرير المرائي) ولو جاء (المظاهر) دالا على التصنع لتركناه خشية الالتباس فعندنا (الرياء والتصنع والتكلف) وغيرها.
٣٠ - وقال ناصح غيره مهمل نفسه (لان أقل سهو يحدث للمطالع يكفي (لإنقاص) إفادته وإمتاعه) والإنقاص لغة رديئة لا يستعملها الفصحاء لأن (النقص) متعد بنفسه إلى مفعول واحد والى مفعولين عند الحاجة. كقولنا: نقصك خالدا حقه ظلم ظاهر. فالفصيح أن يقول (يكفي لنقص إفادته). وبالنقص لقب يزيد الناقص لأنه نقص أعطية الجند.
مصطفى جواد
المدرس اللغوي
يا من على النشء والأخلاق يؤتمن ... وتستقيم به الأديان والسنن
بينا نهذب نشأ كي نثقفه ... دبت بخلقك في أخلاقه الفتن
لا در درك من غاو لامته ... منه تشعبت الأهواء والمحن
كنا نعدك تبني ركن صالحة ... حتى رأينا بك الأخلاق تمتهن
والشعب جسم وروح الشعب في خلق ... فان وهي الخلق يوما يوهن البدن
أنت المؤسس والباني لامته ... وفي يديك علاء الشعب مرتهن
أكرم بمنزلة التعليم من شرف ... يسمو به في الشعوب المصلح الفطن
ماذا تفيد دروس صرت تنشرها ... إذا غدوت لسوء الخلق تختزن؟!
هب أنت أعلم من إبليس مرتبة ... كل المصائب من إبليس والمحن!
بالله دع مهنة التعليم طاهرة ... واطرق سواها وإن ضاقت بك المهن!
رفقا بأخلاقنا رفقا بأمتنا ... فما لأخلاقنا يا مجرما ثمن
بكيت منك وأفرى مهجتي أسف ... ولج بين ضلوعي الحزن والشجن
الإسكندرية (مصر): محمد صالح إسماعيل
стр. 3573
باب المكاتبة والمذاكرة
العقاد يكذب العقاد
مثال لشهوة الحقد والتقلب والخداع
قالت زميلتنا (السياسة) الغراء اطلع الذين يقرءون (البلاغ على ذلك السر الذي تناول به أحد محرريه عباس أفندي العقاد أعضاء الوزارة الحاضرة، إشباعا لشهوة الذين يعمل حضرته لحسابهم، ناسيا إنه هو نفسه قال في كثيرين، أعضاء هذه الوزارة نقيض ما يقوله اليوم. على إننا لا نود أن نناقش كاتبا يصل به التدهور في المروءة إلى أن يعيب إنسانا بأنه أجريت له عملية جراحية فالرجل الذي لا يقدر ما في هذا التصرف من نقص في الخلق حرام أن يناقش أو يعاتب! ولكننا نود - وقد كان مما تناوله العقاد أدب الأستاذ لطفي السيد وترجمته لكتاب (الأخلاق) - نود أن ننشر للقراء رأي العقاد نفسه في هذه الترجمة، وهو الرأي الذي نشره في عدد (البلاغ) رقم ٦٧٧ الصادر بتاريخ ٣يونيه سنة ١٩٢٥. ضمن مقال في كتاب (الأخلاق)، مع العلم بأن العقاد أشد الناس حقدا على الناس. والحقد في نفسه طبيعة ليس من السهل التخلص منها فنحن لا نأخذه بما طبع عليه ولكننا نخاطب غير العقاد ممن لم تملأ السخيمة نفوسهم وهذه شهادته التي أشرنا إليها:
(عرفت اللغة العربية أرسطو قبل عدة قرون وأخذت بنصيب من هذا العقل الشائع كما أخذت بنصيب من المدنية والتاريخ ولكنها لم تحفظ لنا أثرا من آثاره الكاملة ولم تبق لنا من قضاياه وآرائه إلا ما تفرق في أثناء الكتب من نبذ مبتورة تنسب إليه تارة وتغفل من النسبة تارات. فلا نخطئ إذا قلنا أن اكمل آثاره في اللغة العربية هو هذا الكتاب الذي بين أيدينا الآن وهو كتاب (علم الأخلاق) الذي نقله عن الفرنسية الأستاذ الفاضل أحمد لطفي
стр. 3574
السيد وأتم طبعه في العام الماضي، فبر به لغته اصدق البر ورد إليها حقا وافيا من حقوقها بين اللغات في المعلم الأول، وجاءنا بدليل جديد على أن هذه اللغة اصلح في عصرنا حالا وأوفر قسما من العلم والأدب مما كانت في أبان المدنية العربية والدولة الإسلامية. لأننا نقابل بين ترجمة كتاب (الأخلاق) وبين ما اطلعنا عليه من بقايا ارسطو في الكتب المتفرقة
فنجد التفاوت واضحا بين الترجمتين ونرى مواضع كثيرة يبز فيها الأستاذ لطفي من تقدموه في الدقة والفهم وصفاء العبارة، وقل أن نرى موضعا ينعكس فيه هذا الحكم ويظهر فيه فضل للمتقدمين على الأستاذ في هذه الأمور).
بقي افتراء العقاد أن الأستاذ لطفي السيد لم يضع مقدمة لتعريبه كتاب (الأخلاق)، ويكفي في تكذيب حضرته أن يرجع القارئ إلى كتاب (الأخلاق) ليقرأ في أوله ذلك (التصدير) البليغ الذي صدر به الأستاذ الكتاب والذي استغرق ٥٥ صفحة كاملة. وليحكم بعد ذلك على مبلغ أمانة (عبقري) البلاغ وصدقه. أهـ.
(لغة العرب) نأسف جد الأسف على هذا التدهور الخلقي والأدبي معا عند أديب مصري معروف يتشدق بنزاهة النقد ويتطلع إلى القيادة والإرشاد!
الكلمات تموت بعد استعمالها
قالت الأخبار: إن في اللغة الإنجليزية ٢٠. ٠٠٠ كلمة غير وهناك مستعملة دعوة حارة لإحيائها باستعمالها.
فماذا نقول نحن ومعظم كلمات اللغة العربية غير مستعملة. إلا أن الوقت قد حان للتزود من المادة اللغوية فإن من العار أن نهمل لغتنا إلى هذا الحد المزري. والذي جعل اللغة العربية تكاد تكون من اللغات الميتة أو التي يصعب استخدامها لنقل العلوم والمعارف والآداب وما هي كذلك وإنما كل لغة بأصحابها فإن نشطوا وبدت عليهم إمارات الحياة نشطت لغتهم ونمت وترعرعت.
وقد لفتنا نظر الأدباء والمشتغلين بنقل العلوم إلى العربية إلى ذلك.
ونهيب بهم مرة أخرى أن يفزعوا إلى المعاجم وأن ينقبوا في الكتب القديمة المهملة ويحيوا قدر ما يستطيعون في الكلمات والتعابير والاصطلاحات). أهـ.
стр. 3575
أسئلة وأجوبة
إيضاح
إلى حضرة عبد المسيح أفندي وزيريان المحترم:
ذكرت في العدد ١٣٤٧ من العراق الصادر في ٧ آب (أغسطس) إنك لم تقل في ترجمتك للثورة العربية (على خمسة أقدام بل خمس أقدام) (ص ٨ س ٣ من الثورة) ولم تقل: (عقد وصديق له ميثاقا أكيدا) بل: (عقد وصديقا ميثاقا (ص ١٧ س ١٣) وانك لم تقل: (لم يتمكنا (لورنس والأمير فيصل) من حمل الفرنسيين على تعديل الخطة التي رسموها ولم يتح لهم الحصول على حكومة ذاتية مستقلة) بل: (الخطة التي رسموها ولم يتح لهما). ونسيت إننا قلنا أننا اعتمدنا في كلامنا هذا على ما جاء في مجلة (الهلال) (٣٦: ٩٧٣ إلى ٩٧٦ راجع لغة العرب ٦: ٦١٤) أما أن النسخة المطبوعة على حدة هي غير المقالة المطبوعة في المجلة المذكورة. فنصدق ونستعيد كلامنا وتغليطنا المختصين بهذه الغلطات الثلاث لكن هناك ١٩ غلطة أخرى فما قولك فيها؟ وعلى كل حال إننا مستعدون أن نرجع عنها إذا أظهرت لك عذرا ولها وجها.
أما أن اللغة التي نشأت عليها هي العربية لأنها اللغة التي رضعتها مع حليب أمك (وهي أيضاً لغة والدك ووالدتك وآبائك وأجدادك) وانك بعيد عن أرمنية. . .) فنصدقك على كلامك وكذلك لا نكذبك في قولك: إن الحكومة التي تستخدمك تقر لك بطول الباع في الترجمة واللغة العربية. وأنها (لا تستغني عنك) فنهنئك بالثقة التي حزتها (ونخبرك بأننا عتيدون أن نرجع حالا عن كل وهم تنبه عليه إذا كان (سهوا) حقيقيا) كما صرحنا به مرارا. والسلام على كل من اتبع الهدى.
ابن خلكان
س - اربل - س. ك: كيف تضبط كلمة خلكان في قولك ابن خلكان،
следующие страницы →