Полный текст (6 158 стр.). Показаны 3676–3715 · переход к 3681.
стр. 3676
في يوبيل أنستانس الذهبي
قصيدة لشاعر الفلاسفة وفيلسوف الشعراء جميل صدقي الزهاوي:
سلام على عهد الرقي المحبب ... سلام على حزب الشباب المهذب
سلام على المستشرقين وعطفهم ... على النخبة الأنجاب من نسل يعرب
وإني محيي للعروبة إنها ... قد استيقظت من نومها بعد أحقب
وقد أخذت تعدو لتبلغ سؤلها ... برغم الرزايا والشقاء المخيب
وإن لأبناء العراق تأهباً ... ولا تكذب الآمال في المتأهب
إذا جن ليل الخطب أو طال ساجيا ... تألق منهم كوكب بعد كوكب
لهم أمل أن يدركوا شأو غيرهم ... وإن شط عنهم وهو أفضل مأرب
فساروا على فجر من الحق صادق ... وليس على وعد من البرق خلب
ولا أدعي أنا بلغنا مرادنا ... ولكننا فوق الطريق المقرب
فيا عين قري بالذي تشدينه ... ويا نفس سري بالحفاوة واطربي
وإني لأرجو للعراق تقدماً ... يضاهي هبوب العاصف المتوثب
وإني إذا هبت من الغرب نفحة ... لأول مفراح بها ومرحب
وما إن نما غرس الرجاء من الحيا ... ولكنما من دمعي المتصبب
ومرت ليال كنت فيها لشقوتي ... وحيدا أقاسي غيهبا تلو غيهب
لقد كان مني الروح فيها معذبا ... ولكن ضميري لم يكن بمعذب
ويحسب قوم في التعصب رشدهم ... وما آخر الأيام غير التعصب
وهل يتساوى القصد بين مشرق ... ليدرك غايات الهدى ومغرب
وكنت ركبت الصعب أبلو جاهداً ... فما قل مجهودي ولا ذل مركبي
عشية ما في الرافدين سلامة ... ولا العيش في كل العراق بطيب
عشية لا عبد الحميد بسامع ... دعائي ولا مني فروق بمقرب
وما كان ما تأتي الشعوب بثورة ... ولكن حمى الدم المتلهب
فمنم بريء مذنب من خيانة ... أتاها ومنهم مذنب غير مذنب
ولم ننتفع بالعلم إلا صبابة ... تجرعها مثر بمشهد مترب
стр. 3677
وما ذل قوم أبرموا وحدة لهم ... وإن لم يكونوا ينتمون إلى أب
وما الأرض إلاَّ للتناحر حومة ... ولا فوز إلاَّ للفريق المدرب
ولا عار في زيغ الفتى وشذوذه ... ولكنه في كذبه والتذبذب
ولست أبالي ما به يشتمونني ... وإن كان في قلبي كلسعة عقرب
أقول لمن أرغى ليرغبني صه ... فما أنا خوار ولا أنت مرعبي
ولا شيء يسمو بالبنين إلى العلا ... كتكريمهم للعلم في حفلة الأب
حفلنا بأستاذ تبحر في اللغى ... ولا سيما الفصحى سليلة يعرب
وأن أنستاسا هو السند الذي ... همى علمه للظامئين كصيب
ترهب يرعى العلم خمسين حجة ... فأكبر به من عالم مترهب
تلقى بما أبقى ثناء معطرا ... وهل يتلقى طيب غير طيب
وأنا بهذا الحفل نوفيه حقه ... وأنا نحييه تحية معجب
وقد سر قلب الشرق والغرب حفلنا ... بيوبيله الجم الفخار المذهب
نكرم في تكريمه العلم والحجى ... ونكبر فيه الحذق في كل مطلب
وكم كلم كانت من الشك في دجى ... فأوضحها للطالب المترقب
توصل بعد البحث منه لأصلها ... وبعد جهاد منه في الفحص متعب
نقدت نزيها ما نقدت فلا تخف ... وعيداً وأكمل ما بدأت وعقب
وأنك أنت اليوم خير مثقف ... وأنك أنت اليوم خير مهذب
وقل باسلاً ما ينبغي أن تقوله ... ولا تلتفت للجاهل المتعصب
أتخشى وأنت اليوم في عهد فيصل ... مليك العراق الهاشمي المحبب
شفى قادرا أو كاد داء جمودهم ... برأي الطبيب العبقري المجرب
وكنا جميعا قبله رهن محنة ... نحاول تحقيق الرجاء المخيب
رأيت بني الحاجات قد نبتوا ضحى ... على بابه نبت الحمام بمعشب
له من ذكاء العقل في العين ومضة ... متى صدمت عين المخاطب تخلب
стр. 3678
ورب قصيد فيه تروى كأنها ... إذا خطرت أبياتها سرب ربرب
وأني إلى رأس الوزارة محسن ... لمهد ثناء عرفه جد طيب
همام إذا ما الدهر قطب وجهه ... كفاه بوجه منه غير مقطب
يقوم بأعباء الأمور ثقيلة ... بحزم القوي اللين المتصلب
ويكرم أهل العلم من كل نحلة ... ومن كل دين ثم من كل مذهب
شد الشعر بعد الصمت يطرب أمة ... فيا شعر قد أحسنت فأشد وأطرب
وليس بفعل المرء يكبر شعره ... ولكن بما في روحه من تكهرب
وللشعر عين ماؤها متدفق ... متى يأت من صيابة القلب يعذب
وكنت له جدبت بين مخطئ ... يعنفني في قرضه ومصوب
يؤنب في تجديدي الشعر صاحبي ... فيا صاحبي أفكر جيداً ثم أنب
وقال أتلقى في الفسيل نظير ما ... تراه على النخل الرفيع المشذب
أليس الجديد ابن القديم الذي شدا ... به القوم بعد القوم من عهد يعرب
فقلت له ما أنت للحق خاضع ... وأني لما تدلي به في تعجب
فأنا وإياهم كالخمر لا ترى ... سناها بماء الكرمة المتحلب
شعرنا بما لم يشعر القوم قبلنا ... شعور السليل الناهض المتهذب
وأن الجديد الغض في عنفوانه ... كبكر كعاب والقديم كثيب
ولست على العالات أجحد فضلهم ... ولكنما تقليدهم غير معجبي
فكذبني للجهل فيما صدقته ... وأي صريح ما له من مكذب
وماذا علي اليوم والحق غايتي ... إذا كان لا يرضى الجماهير مذهبي
وقد كان يهدي الشعر للحق حزبه ... فلم يك حزب الشعر بالمتنكب
وقد كان في أدواره الشعر كلها ... يسايرني في موكب ثم موكب
ولولا ضياء الشعر ما فزت بالهدى ... ولولا كفاء الشعر ما حزت منصبي
ولا خير في شعر أريد انتقاصه ... ولم يتحفز للدفاع ويغضب
أنا اليوم من كر الحوادث أشيب ... ولمن شعري كله غير أشيب
стр. 3679
ويا شعر أنت اليوم أكبر مرشد ... لمن ضل عن قصد الطريق الملحب
ويا شعر حرر ما تشاء من النهي ... ويا شعر بعد من تشاء وقرب
ويا شعر أن القلب أنت سفيره ... إلى كل قلب وافر الحزن مكئب
أبث شعوري فيك غير مقلد ... وأعرض آمالي ورأيي ومذهبي
وأنك طورا عندليب مغرد ... وطورا عقاب قد أدل بمخلب
نذكر الآن ما جاء في اليوبيل منذ أوائله شيئا بعد شيء:
لجنة اليوبيل الكرملي
اعتاد أبناء الغرب أن يكرموا عظماءهم من علماء وشعراء وأدباء، اعترافا بفضلهم وتقديرا لخدماتهم وأتعابهم الكثيرة. والصحف الغربية مشحونة بوصف الحفلات العظيمة التي يقيمها وطنيوهم لتبجيل رجالهم. وقد أنتجت هذه الفكرة ثمرة يانعة. فانتقلت إلى الديار الشرقية وطفق أبناؤها يشعرون بما لعظمائهم من حق عليهم.
وقد توالت على الأمة العربية مصائب ونكبات كادت توردها الحتف وتلحدها أبد الدهر لولا اللغة العربية التي كانت السبب الوحيد للم شعث العرب وجمع شتاتهم.
ولما كان الأب أنستاس ماري الكرملي العربي أرومة ومحتدا ونشأة قد خدم لغة الناطقين بالضاد خدمة تقارب نصف قرن رأى فريق من المفكرين اعترافا بخدماته وتقديرا لها أن يكرموا ذاك الذي ابيضت لمته وعارضاه في البحث والتنقيب عن كنوز اللغة. وقد أنشئت لجنة لتكريمه قوامها كل من حضرات السادة الآتي ذكرهم:
صاحب المعالي يوسف أفندي غنيمة وزير المالية
الحاج عبد اللطيف جلبي آل ثنيان
يعقوب أفندي نعوم سركيس
السيد طه أفندي الراوي
سليم أفندي حسون
معروف أفندي جياووك نائب أربل
المحامي شاؤل أفندي أسود
أحمد حامد أفندي الصراف
محمود أفندي الملاح
المحامي طاهر أفندي القيسي
وانتخبوا بالإجماع شاعر العرب الأستاذ جميل صدقي الزهاوي رئيسا
стр. 3680
لها وقد عينوا يوم الاحتفال ١٦ أيلول من سنة ١٩٢٨
بغداد في ١٤ حزيران ١٩٢٨
سكرتير اللجنة أحمد حامد الصراف
دعوة الزهاوي
(رئيس لجنة اليوبيل الكرملي)
الغرب قد سبق الشرق، والشرق قد انتبه وسار يحاول أن يلحق بالغرب. وقد مضى اليابان في سبيل التقدم كقنبلة خرجت من فم مدفع ضخم وهبت العروبة من رقدتها. ونفضت عنها غبار الكسل، فأخذت تسرع الخطى إلى الأمام برغم الأثقال التي تثبطها. عالمة أن حياة الأمم ي تقدمها وأن الأمة التي لا حراك لها في هذا السياق العام تسحقها الأرجل. والأمل أن تكون في مقدمة الأمم الشرقية، فترجع تراث أجدادها من مجد ضائع وتزيد على ذلك المجد التليد مجدا طريفا فتثبت للملأ أنها تستحق الحياة وأنها سوف تحيا ثم تحيا.
ولما كان العلامة الأب انستاس ماري الكرملي من الذين أنجبهم العراق نابغة في العلوم العربية وقد خدم اللغة بصدق خمسين عاما خدمة لا يجحدها كل من طبعت نفسه على الإنصاف، وكان من تباشير كل نهضة صادقة أن تقدر الأمة جهود علمائها الفطاحل، رأى فضلاء العراق أن الواجب يدعوهم إلى تكريمه، اعترافا بفضله الجم، فتألفت في بغداد لجنة لهذا الغرض الشريف وشرفتني برئاستها فجئت أدعو باسم اللغة العربية المحبوبة رجال العلم والأدب في العراق وبقية الأقطار العربية من شعراء وعلماء وكتاب إلى الاشتراك في تكريم الأب الذي نكرم فيه العلم واللغة. وذلك في ١٦ أيلول القادم راجيا الحضور في بغداد عند حلول الموعد أن أمكنهم ذلك، أو إرسال ما تجود به قرائحهم من نظم أو نثر طالبا من الله تعالى أن يوفق الأمم الشرقية عامة، والأمة العربية خاصة، لكل خير وأن يسدد خطاها حتى تصل إلى مصاف الشعوب الراقية الجديرة بالحياة.
بغداد في ٢ تموز سنة ١٩٢٨
جميل صدقي الزهاوي
(ملاحظة) وقد نقل يوم الحفلة إلى ٧ تشرين الأول (أكتوبر) لأسباب يطول ذكرها. والآن نورد صورة الدعوة التي وزعت قبل يوم اليوبيل بأسبوع ثم صورة المنهاج يعقبها الخطب كما تليت في اليوم المذكور.
стр. 3681
حفلة يوبيل العلامة الكرملي
بإشراف معالي وزير المعارف
أتشرف بدعوة. . . إلى حضور حفلة يوبيل العلامة الكرملي في دار فخامة رئيس الوزراء يوم الأحد الموافق ٧ تشرين الأول ١٩٢٨ في الساعة ٤ بعد الظهر ولكم مني الاحترام.
رئيس لجنة يوبيل الكرملي جميل صدقي الزهاوي
بغداد (العراق)
منهاج
حفلة يوبيل العلامة الكرملي
١ - كلمة ترحيب للأستاذ الزهاوي.
٢ - بيان سكرتير لجنة اليوبيل أحمد حامد الصراف.
٣ - كلمة المجمع العلمي بدمشق يتلوها الأستاذ الزهاوي.
٤ - ترجمة المحتفل به لرفائيل طي.
٥ - قصيدة الأستاذ الزهاوي.
٦ - كلمة صاحب المعالي وزير المعارف.
بغداد في ٧ تشرين الأول (أكتوبر) سنة ١٩٢٨
شكر وترحيب
أشكر ما للسيد الجليل المبجل رئيس الوزارة فخامة محسن بك السعدون من العناية بالعلم والعلماء كما تفعل الوزارات الرشيدة وأكبر برهان على ذلك هو إقامته هذه الحفلة المباركة في داره العامرة بإشراف وزير المعارف المحترم معالي الأستاذ توفيق بك السويدي وأرحب بالذين أجابوني على دعوتي فأولوني الشرف بحضورهم من وزراء فخام ونواب كرام ووجوه وعلماء ومحررين أكفاء.
وما الحفل بيوبيل العلامة الكرملي إلا حفل بالعلم في شخصه الذي خدم لغة
стр. 3682
العرب أكثر من خمسين سنة بأمانة وصدق وهو الحفل الذي أذعنا قبل أشهر نبأه فرددت صداه الصحف في الشرق والغرب وتوالت من كبار المستشرقين في عواصم أوربة ومن المجمع العلمي
العربي في دمشق ومن مصر وسورية وإيران رسائل وبرقيات وقصائد يهنئون بها العراق ويستدلون على رقي أهله بتقديرهم لعلمائهم مهما اختلفت أديانهم ولا غرو فأن الأمة أخذت توسع خطاها لبلوغ شأن الذين سبقوهم في مضمار الحياة العلمية من الأمم الراقية بعد أن فقهت ما للعلم من الشأن في ترقية المجتمع وذلك برعاية جلالة ملكها المعظم فيصل الأول جعل الله عهد حكومته سلاما على الأمة وعصمة لها!
فليحيي الملك المعظم فيصل الأول ولتسعد الأمة في ظل عرشه الوارف!
كلمة كتوم اللجنة (سكرتيرها)
في ظل عرش صاحب الجلالة، وفي بيت فخامة رئيس الوزراء، وبإشراف معالي وزير المعارف، ورئاسة فيلسوف العراق وشاعرة الأعظم، وبمحضر هذه الوجوه الكريمة نكرم اليوم شيخاً من شيوخ اللغة وعلما من أعلام الأدب ورجلا أنقطع في ديره منزويا خمسين حجة يبحث خلالها في كنوز اللغة الفصحى ويدافع عن منزلتها وكرامتها دفاع الصب المغرب عن حبيبته بل دفاع الكمي الشريف عن عرضه وشرفه. في هذا اليوم المبارك نكرم رجلا عربيا عراقيا قد ترك الدنيا وما فيها من زخرف وبهرجة وجمال. واختفى في صومعة تارة يذكر اسم الله وطورا يقلب المعاجم اللاتينية واليونانية ويسترجع ما استعارته الأقوام من الأمة العربية ويسلها من مكمنها ويضيفها إلى أخواتها ويعيدها إلى وطنها الأصلي.
نكرم اليوم الأب أنستاس ماري الكرملي العربي محتداً وأرومة ذلك الرجل الذي خدم لغة القرآن منذ حداثته حتى كسته الأعوام إكليلا من أكاليل الوقار وهو (الشيب) الذي يلوح في رأسه وفي عارضيه. واحتفال هذه الوجوه الشريفة بهذا الرجل العالم دليل على أن العراق الواثب الناهض السباق إلى كل مكرمة يقدر علماءه وعظماءه على اختلاف نحلهم وعقائدهم حق التقدير
стр. 3683
ويوفيهم حقهم ويجلهم إجلالا عظيما.
خدم الأب لغتنا المحبوبة ورفع شأنها وخدمها خدمة صادقة فهو لذلك جدير بالتكريم والتبجيل والاحترام الكثير، ولكل لغة في الحياة صلة قوية بالقومية وعلاقة كبيرة بحياة الأمم السياسية والاجتماعية وقد أجمع العلماء على أن للغة تأثيرا عظيما في حياة الشعوب لأن اللغة أداة لبث الإحساس والشعور وهو قوام الأدب. والأمة التي لا يتفشى فيها الحس
الأدبي لا يتفشى فيها الإحساس الوطني وقد عانت الأمة العربية خلال أربعة عشر قرنا مصائب جمة وتوالت عليها النكبات ونزلت بها الملمات والطامات. وثقوا أيها السادة الأفاضل لولا القرآن الذي يتلوه العربي في العشية والضحى لأصبحت الأمة العربية أثراً بعد عين.
إلا فليعش القرآن! ولتعش اللغة العربية المحبوبة!
أيها السادة في منتصف القرن الرابع الهجري ولد في مدينتنا بغداد هذه علويان شريفان زكيان هما السيدان الشريفان الرضي والمرتضى ولدا العلوي الشريف أبي أحمد الحسيني نقيب نقباء الطالبيين وقد تتلمذا لعلامة عصرهما صاحب الحجج القاطعة الشيخ المفيد ﵀ وأخذا العلوم العربية الأخرى عن عظماء النحويين والمحدثين والمفسرين واللغويين كابن جني والسيرافي وغيرهم.
وقد نشأ الرضي وبين جنبيه نفس شريفة لا تضام وفي عروقه دم عربي هاشمي وقد غلب على طبعه الشعر كما غلب على طبع أخيه العلم وكان الرضي شاعر قريش وأديب الطالبيين شجاعاً جريئاً كبير الروح فخوراً شريفاً غير آبه لسلطان الخليفة. ومن شعره الذي يخاطب به الخليفة قوله:
مهلا أمير المؤمنين فأننا ... في دوحة العلياء لا نتفرق
إلاّ الخلافة ميزتك فأنني ... أنا عاطل منها وأنت مطوق
وقد نشأ في ذلك اليوم أيضاً أديب كبير وكاتب تحرير هو أبو أسحق الصابئ صاحب الرسائل الشهيرة وكان كاتب الدولة إذ ذاك فتعرف بالسيد الشريف الرضي وتوثقت بينهما عرى الصداقة والمودة وألف الأدب بين قلبيهما حتى أفتتن كل واحد بصاحبه وكان إذا حل شهر رمضان صام أبو أسحق الصابئ مجاراة للرضي وكان إذا قصد أبو أسحق الصابئ الذهاب إلى الرضي مشى إليه
стр. 3684
حافي الأقدام إجلالا لقدره ولما خطفت يد المنون روح أبي أسحق حزن الرضي حزنا شديدا وبكى صديقه ورثاه بقصيدة عصماء خلد بها ذكر أبي أسحق وهي التي قال في مطلعها:
أرأيت من حملوا على الأعواد ... أرأيت كيف خبا ضياء النادي
ومن الشواهد على مروءة الرضي ووفائه أنه مر ذات يوم بقبر أبي أسحق الصابئ صاحبه
وخليله فترجل هو وحاشيته ووقف على قبر الصابئ باكيا منشدا:
لولا يذم الركب عندك موقفي ... قبلت قبرك يا أبا أسحق
وقد شاء الله أن يقذف ذلك الحب المتبادل بين الرضي والصابئ بعد عشرة قرون في قلب حكيم عراقي وشاعر عظيم إذا قال كلمة أحدثت تلك الكلمة دويا في أرض الله وهزت النفوس والأعصاب هو أستاذنا شيخ الشعراء جميل صدقي الزهاوي الذي يكرم اليوم الكرملي كما كان يكرم الرضي صاحبه الصابئ في مجلسه العظيم.
إن هذا الوداد المتبادل بين الرضي والصابئ قبل قرون وبين الزهاوي والكرملي اليوم برهان ساطع على أن المسلمين من العرب يعيشون مع إخوانهم العرب المسيحيين بوئام ووفاق وإخاء تجمعهم الجامعة الوطنية وتربطهم الرابطة القومية وسنتهم الدين لله والوطن للجميع:
وعشنا وعاشت في الدهور بلادنا ... جوامعنا في جنبهن الكنائس
وسوف يعيش الشعب في وحدة له ... عمائمنا في جنبهن القلانس
إن للأب المحتفل به شهرة واسعة في الغرب والشرق ومكانة عظيمة في قلوب العلماء الإجلاء ما يدل على فضله وتضلعه من اللغة ولا أدعي أن الأب معصوم من الخطأ فهو إنسان ولكل إنسان خطيئات وحسنات إلا أن الحسنات يذهبن السيئات ونحن في تكريمنا الأب نكرم العلم في شخصه مقدرين أعماله وحسناته وفضله غير ناظرين إلى شيء سوى ذلك. والواجب على كل شخص منصف أن يفكر في أعمال الرجال لا في الرجال جريا على قاعدة (فكروا في آلاء الله ولا تفكروا في الله) تلك القاعدة العظيمة التي وضعها السادة الصوفية.
أحمد حامد الصراف
стр. 3685
رسالة المجمع العلمي العربي في دمشق
دولة سورية
وزارة المعارف
المجمع العلمي العربي
الأستاذ العلامة السيد جميل صدقي الزهاوي
أرسل إليك إليها الأخ الكريم مدحة نثرية كي تتلى باسم مجمعنا العلمي في حفلة تكريم عضو مجمعنا العلامة الأب أنستاس الكرملي.
ولعل ترؤسك لهذه الحفلة لا يمنع من اعتبارك مندوبا لمجمعنا العلمي في شهودها وإذا أنضم إلى ذلك تلاوتك المدحة بنفسك كان ذلك أقصى ما يتمناه الجميع ويتطال إليه.
وفي الختام أقبلوا احتراما واحترام رجال المجمع مع تقديم تهانئنا جميعا لأخينا الجليل المحتفل به ودمتم. والسلام عليك سيدي.
في ٢٢ آب سنة ١٩٢٨
وكيل رئيس المجمع العلمي العربي المغربي
دولة سورية
وزارة المعارف
المجمع العلمي العربي
إن كان علامتنا الأب أنستاس أحق علمائنا المعاصرين بالحفاوة والتكريم فأن مجمعنا أو (محفانا) أحق بالسبق إلى تكريمه والتنويه بفضله.
ذلك أن مجمعنا منذ يوم نشأته وجد في الأب الكرملي العضو الذي يحتاج إليه. والندب الذي يعول في خدمة هذه اللغة عليه.
فكنا وإياه من المساندة، وجميل المساعدة، كأننا نعمل بفكر واحد، أو يد واحدة.
стр. 3686
أشتهر الأب أنستاس في خدمة لغتنا العربية وتحقيق أبحاثها، وكشف الغطاء عما أشتبه حاله من غريب كلماتها - بما لم يشتهر به غيره من علماء اللغة في عصرنا. حتى لم يعد يفهم من اسم (الأب أنستاس) إذا أطلق معنى الإنسان الذي ينطق بل معنى المعجم الذي يدقق ويحقق.
كثرة اشتغال الأب أنستاس في اللغة العربية أنسى الناس المعنى الكهنوتي المراد من كلمة (الأب) وجعلهم لا يفهمون منها إلاّ المعنى اللغوي - معنى الولادة والنسب - فهو للغتنا العربية أب كريم يحنو عليها حنو المرضعات على الفطيم، على حد قول شاعرنا العربي:
وكان له عما لطيفا، وولدا ... رؤوفا، وأما مهدت فانامت
لا يضر العراق أن لا يكون فيها محفى لغوي وهذا الأب أنستاس قائم بجميع ما يطلب من المحافي اللغوية - فهو واحد في شخصه وجمائه لكنه ألف في مجزئته وغنائه.
فحيا الله علامتنا الكرملي وأطال عمره حتى يرى ما يتمناه للغته العربية من الظهور على جميع اللغات، ويرى أبناؤها ما يحبونه له من الهناء وطيب الحياة.
٢٢ آب ١٩٢٨
المجمع العلمي العربي في دمشق
برقيات المستشرقين
برقية من لننغراد في ٩ أيلول ١٩٢٨
بغداد - أحمد حامد الصراف
تحياتي القلبية منبعثة من شمالي البلاد إلى المحتفل به عالم العراق الكرملي.
لننغراد: كراتشكوفسكي
برقية من باريس في ١٤ أيلول ١٩٢٨
إلى الأستاذ الزهاوي من أعيان بغداد
إني سعيد في إرسال تهانئي بخصوص يوبيل الكرملي.
باريس: ماسنيون
стр. 3687
برقية من برلين في ١٦ أيلول ١٩٢٨
بغداد - لجنة يوبيل الكرملي
بارك الله في من يخدم نهضة الناطقين بالضاد
الأستاذ كافماير
رسائل المستشرقين
من الأستاذ د. س. مرجليوث
حضرة الشاعر المطبوع والخطيب المصقع والفيلسوف المدقق جميل صدقي الزهاوي.
بعد تأدية واجبات الإكرام والاحترام والاعتراف بفضلكم اعرض أنه قد وصل خطابكم الذي تاريخه الثاني من تموز ومضمونه الدعوة إلى الاشتراك في تكريم الأستاذ الكامل والحبر الفاضل الأب أنستاس ماري الكرملي الذي اشتهرت فغي الأقطار فضائله وذاعت وشاعت مناقبه بالحضور في مدينة السلام عند احتفال المحفل الجاري فيه تعداد خدم الأستاذ للغة العربية وتهنئته بما وفق إليه من رفع ذكرها وتقفية آثارها وإحياء دراسها وأداء ما يستحقه من الشكر على ما أنعم به على المنتسبين إلى الشرق والاستشراق في الأقاليم والآفاق ولولا شط المزار وضيق الوقت وكثرة الأشغال الشواغل لكنت أسرعت إلى الانتظام في سلك
المحتفلين والدخول في زمرة المادحين والشاكرين والالتذاذ بسماع ما يلقى من الخطب وينشد من القصائد والانتفاع ببلاغتها وفصاحتها ولما لم تفسح المقادير بالمراد فقصاراي أن أبلغ حضرتكم دعائي بنجاح مشروعكم المحمود ورجائي إلا يقصر عن الغرض المقصود حتى يتيقن الأستاذ الفاضل تقدير العلماء لأعماله وتحمل الغيرة غيره على النسيج على منواله ولا يبقى مما يقال إلا الدعاء بحسن المآل
اكسفرد في ٢٢ آب سنة ١٩٢٨: المخلص د. س. مرجليوث
стр. 3688
من الأستاذ فريتس كرنكو
سيدي المفاضل المحترم أحمد حامد أفندي الصراف أدام الله تعالى عزكم.
بعد السلام والتحية أني أحب أن أوافقكم والسادة أعضاء لجنتكم من باطن قلبي الخالص الصداقة في التهنئة للأب أنستاس عن بلوغه خمسين سنة في خدمة الآداب العربية فقد أشتهر اسمه بعيدا عن بلاد الذين يتكلمون بالضاد وهو مشهور شرقا وغربا بمعرفته الواسعة في اللغة العربية وآدابها،. نحن هاهنا في المحفل العلمي للمستشرقين في اكسفورد (وأنا أكتب كتابي هذا هنا) نذكره ونتأسف أنه ليس بيننا في هذه الأوقات ولكن ما يكون فقدنا يكون ربحا لكم، ودعائي أن الله تعالى يبقيه بينكم وبيننا سنين كثيرة في الصحة والقوة التامة يشتغل في إحياء العلوم وترقي الآداب في بلادكم ولا سيما مدينة السلام كما كان يشتغل في الماضي. لست أنا إلا من أبناء الأعاجم المحبين للغة العربية ولم يمكني أن أوضح في كتابي هذا كل ما كنت أشتهي أن أقول ولكن سيكون فكري معكم وقت احتفالكم. وفي الختام أقبلوا سيدي المحترم تحقيق احترامي ووافر تحيتي.
٢٩ آب ١٩٢٨: المخلص لكم فريتس كرنكو
من الأستاذ لوي ماسنيون
أيها الأب الجزيل الاحترام
. . . سأبرق بعد قليل إلى العين جميل صدقي الزهاوي لاشترك من صميم قلبي في اليوبيل الواقع في ١٦ أيلول وأنت تعلم لمن هذا المهرجان.
وإني لأشكر شكرا مقرونا بالجميل لكتوم اللجنة أحمد حامد أفندي الصراف على أنه فكر
بي فأرسل إلي بنسخة من الدعوة.
باريس ١٦ أيلول ١٩٢٨: لويس ماسنيون
من الأستاذ اغناطيوس غويدي
إلى حضرة طاهر أفندي القيسي في لجنة تكريم الكرملي
سيدي الفاضل: بلغني دعوة الزهاوي إلى تكريم الأب أنستاس الكرملي في هذه
стр. 3689
الأيام وكنت أود أن أحضر بنفسي في يوم الحفلة ويطيب لي هذا الأمر حقيقة لأتمكن من أن أبدي إلى الأستاذ المحترم شواعر إعجابي بما أنتج من الأعمال لترقية الدروس العربية ولا سيما لكي أظهر له إخلاص شكري مما أحسن به علي ولا جرم أنك تفهم أن المانع لحضوري هو تقدمي في السن فلا يمكنني أن ابتعد عن مقامي ولهذا أنيب كتابي هذا عني متمنيا لصاحب اليوبيل الأستاذ المكرم كل خير وهناء.
فرسكاتي (قرب رومة) في إيطالية ١٢ أيلول ١٩٢٨: خادمكم الصادق اغناطيوس جويدي
أحد أعيان مملكة إيطالية
من الأستاذ ج. كافماير
إلى حضرة الأب أنستاس ماري الكرملي في بغداد.
أيها الأب الفاضل
أسمح لي بأن أبدأ هذه السطور بتجديد الدعاء الذي اطرته على جناح البرق في هذا اليوم عينه وهذا نصه: (بارك الله من يخدم نهضة الناطقين بالضاد).
إنك أوقفت نفسك للمباحث العربية ولقومك العرب الذين تنتمي إليهم وحبستها بصورة دائمة كل هذا الدوام فأنتجت ذلك النتائج على مدى هذه السنين الطويلة. أطال الله هذه الحياة وتوجها بآلائه وبركاته.
برلين دهلم في ١٦ أيلول ١٩٢٨: الأستاذ الدكتور ج. كافماير
لغة العرب
تحية مجلة (لغة العرب) وصاحبها العلامة الأب أنستاس ماري الكرملي في مستهل عامها السابع
في عيد مجدك يهتز الألباء ... وتحمل البشر للأبناء أنباء
طلعت عنوان فضل - لا يحد له ... نبل - لمن أمتعوا براكما شاؤوا
وكنت شارة خل كله شمم ... حيا جلاله ماضيه الإجلاء
стр. 3690
في نصف قرن بنى علما وتجربة ... وحكمة فوق ما يرجوه بناء
ولا يزال عظيم الجهد مبتدعا ... له أياد على الإصلاح غراء
إن كنت ابنة ست في الستين فكم ... في دفتيك من الأعوام أحياء
وذمة مثل حد السيف قاطعة ... وبسمة للذكاء الجم حسناء
ما بين بأس عظيم البطش في ثقة ... بالحق أن عصفت بالحق أهواء
وبين مرحمة بالفكر بالغة ... وبالتراث المعلى فهي انداء
وبين نار تلظى، من تأججها ... هذي العقول وإشعاع وعلياء
وبين سعي لدفع بل مقاتلة ... للجهل، والجهل أدواء وأرزاء
جمعت شتى من الدنيا، وما وهبت ... لرشدنا همة شماء قعساء
أهلا بيوم (انستاس) تكرمه ... مآثر هي للتاريخ صهباء
كم تضحيات أضاءت حولنا قبسا ... والتضحيات حرارات وأضواء
حياته سيرة للنفع دائمة ... (موسوعة) ولها الأعوام أجزاء
أعاد مجدا من الأسلاف مندثراً ... إلى (لسان) له (الآباء) آباء
الرافعون منارا من سماحتهم ... والعالمون الإجلاء الأعزاء
كأن (بغداد) قد عادت لعزتها ... و (للخليل) بها وحي وإيماء
ولم يفت (سيبويه) - تقصمه ... وجدانك الحي - إرشاد وإفتاء
قضى عليه (الكسائي) في مناهضة ... زورا، وطعنتك الغراء نجلاء
تأثرت للعلم، فليخسأ محاربه ... فما لنا بعد للحساد إصغاء
هذي صحائفك البيضاء ساطعة ... وحسبنا صفحة في الحق بيضاء
أغنتك في موقف عز النصير ففي ... مبادئ الحر تعزيز وتأساء
إن شاء أن يتعامى عن مفاخرها ... غر فللوهم إضحاك وإبكاء
أو شئت أنت احتجاجا عن علانية ... فللمآثر مثل العطر إفشاء
أو ناظرتك عقول جد مجدبة ... فما تحس بجدب الترب فيحاء
أو صورتك بأغراض مزعزعة ... فإنما مقلة الأغراض عمياء
стр. 3691
أو عاب حكمك من يهوى مجاملة ... فليس في العدل إيثار وإقصاء
إن العظيم عظيم النقص عن شرف ... يعنو لهيبته رعد وأنواء
وليس من شاد فوق المال هيبته ... وهما، وهيبته جوفاء خرساء
بل من تعيد في تعييده أمم ... طوعا، ويتبع نجواه الألباء
أحمد زكي أبو شادي
العلامة الكرملي في حفلة تكريمه
عن الأهرام الصادر في يوم الخميس ٣٠ أغسطس (آب) سنة ١٩٢٨
قصيدة شاعر مصر الكبير الأستاذ أحمد محرم
تستعد عاصمة العباسيين استعدادا فخما للحفاوة باليوبيل الخمسيني للعلامة اللغوي الشهير الأب أنستاس الكرملي صاحب مجلة (لغة العرب) الذي سيقام فيها بعد أسابيع قليلة. وقد أذاعت لجنة الاحتفال المركزية من بغداد منشوراً بليغاً للدعوة إلى الاشتراك في هذا الاحتفال الأدبي الكبير مذيلا بتوقيع رئيسها الشاعر الفيلسوف الأستاذ جميل صدقي الزهاوي. والمنتظر أن يقبل على الاشتراك فيه كثيرون من أعلام الأدب وعلماء العربية في جميع الأقطار، فضلا عن كبار المستشرقين ومعاهد الأبحاث اللغوية في أوربة. والمأمول أن يكون لأدباء مصر مذكور من الحفاوة الواجبة بصاحب اليوبيل الجليل المآثر.
وقد أتيح لنا الإطلاع على القصيدة المشرقة العصماء التي نظمها لهذه المناسبة السارة الشاعر القدير الأستاذ أحمد محرم وأرسلها على جناح الطيارة إلى بغداد فراق لنا أن ننشرها أداء لواجبين، ووفاء لحق اللغة والأدب.
(الأهرام)
يا برق هل لك في الجمي ... ل وهل تعين على الذمام؟
أنت البقية من أيادي ال ... عبقريين الكرام!
لك نجدة الحر الوف ... ي، ونهضة البطل الهمام!
ما أن عييت بمطلب ... وعر المسالك أو مرام
تدني الممالك والأنا ... م من الممالك والأنام
стр. 3692
ما الدهر فيك سوى ثوا ... ن من نهار أو ظلام!
يا برق بالذمم الجسا ... م وبالمواثيق العظام
أد الرسالة من ربى ... (مصر) إلى (دار السلام)
دعها فقد علقت بأج ... نحة العواصف والغمام!
تمضي بكل محلق ... متقاذف الأرجاء سام!
في جوف خافقة الجنا ... ح يهيجها طول أعوام!
بنت الجواء رمى بها ... رامي الكواكب بالسهام!
يحملن من جن الحضا ... رة كل مستعر العرام!
يغتال كبر المستحي ... ل وعزة الموت الزؤام!
تناسب طاغية القوى ... وتمر طامحة الزمام
عصفت بمملكة النسو ... ر تريد مملكة الحمام
دار (الرشيد) وما رمي ... ت صاحبتي فيها بذام
أولى المصاقع بالمنا ... بر، والسواجع بالبشام
جمعوا المواسم كلها ... في موسم الأدب المقام!
هتفوا بذكر (الكرمل ... ي). فقلت بورك من إمام!
ونهضت أستبق القري ... ض فردني جللا مقامي
مارسته، فرميت من ... هـ بزاخر الآداب طام
عزت به أم اللغا ... ت أبا يناضل كل رام!
يحمي جوانب ملكها ... ويهيب بالهمم النيام
ويقيم ما هدم الغزا ... ة من الحوائط والدعام
إن كنت جاهله فسل ... هـ عن المجاهل والمعامي
تلك المعالم وضحا ... فخذ السبيل إلى الخيام
عند الأعاريب الكرا ... م شفاء ما بك من هيام
سر في ذمام (الكرمل ... ي) وفي حمى الأدب الحرام
وقل: السلام عليك يا ... أم الغطارفة الفخام
стр. 3693
لا تذكري مجرى الجيا ... د ومرتمى الجيش اللهام
ناب الكتاب عن الكتا ... ئب، واليراع عن الحسام!
هذا (الإمام) فلن ترا ... عي في حماه ولن تضامي!
نظم المشارق علمه ... والعلم أشبه بالنظام
ما للممالك أن هوى ... ركن المعارف من قيام
تقدير النبوغ والعبقرية
الاحتفال بالعلامة الكرملي
حضرة الأديب العلامة الجليل الأستاذ الفاضل سكرتير لجنة يوبيل العلامة الكرملي الموقر
تحية واحتراما وبعد:
أعلمني صديقنا العلامة الفاضل النطاسي البارع الأستاذ أحمد زكي أبو شادي وأنا على فراش المرض بتكريمكم للعلامة الكبير أستاذنا الموقر الكرملي فأكبرت فيكم وفي إخواننا القائمين بهذا الأمر جلال عظمتهم المجيدة التي قامت لتقدر العبقرية والعلم والنبوغ. وقد دفعتني عواطفي الجياشة وأنا في حالتي المرضية بأن أنظم هذه الأبيات ولي الشرف بأن أقدمها للجنة مع هذا الخطاب حتى لا يفوتني انتهاز هذه الفرصة المباركة دون الاشتراك في هذا المهرجان العلمي العظيم. وطد الله بكم دعائم العلم والأدب وتفضلوا بقبول أجل وأجمل تحيات المخلص
يا جارة البان بين النيل والهرم ... وربة الشدو يا ورقاء والنعم
صاغت إليك فتاة الشعر قافية ... يسري مع البرق رياها وفي النسم
هيا امتطي أفق الجوزاء وانطلقي ... لروضة المجد والعلياء والكرم
وردديها على الأسماع شادية ... في دوحة العلم والآداب والحكم
فندوة الضاد يا ورقاء قد جمعت ... أهل الفصاحة في (بغداد) والعظم
стр. 3694
فأن شهدت بها شمسا ونابغة ... وفيلسوفا غدا كالبدر في الظلم
وعبقريا وفذا بالعلا كلفا ... في دولة العلم أضحى صاحب العلم
على محياه نور العلم مؤتلق ... فصار في نوره كالنجم في الغسم
وحوله سادة غر عباقرة ... غير النبوغ وغير العلم لم ترم
فلتعلمني أنه (الكرملي) من حفلت ... بمجده وعلاه دولة القلم
علامة الشرق فخر العرب من شهدت ... أم اللغات له بالفضل والحكم
النابه الذكر من جاز السهى شرفا ... المبلغ اللغة الجوزاء بالهمم
يا جارة البان أن أدركت ساحته ... فقد بلغت رحاب المجد والحرم
فغضي طرفك يا ورقاء خاشعة ... وأقضي حقوق العلا والمجد والعظم
فسوف تشجعك يا ورقاء رقته ... وحكمة وعلاء غير منصرم
فأن سعدت بخلق كالحيا طلقا ... يحوي العلا والندى فأثني على قلمي
وبلغيه تحايا العلم عاطرة ... من شاعر بربوع النيل والهرم
أدي الرسالة يا ورقاء موفية ... حاشاك أن تنكثي بالعهد والذمم
هيا أعتلي الجو واجتازي مرفرفة ... البر والبحر لا تخشي من الرخم
(دار السلام) لواء المجد ينشره ... على رباك شموس العلم بالهمم
العبقرية في واديك ماثلة ... حجت إليها ملوك العلم والحكم
يا نخبة الشرق في علم وفي أدب ... يا مالكين عنان الطرس والكلم
يا أنجم العلم في عرب وفي عجم ... يا ناشرين لواء العلم في الأمم
يا معتلين من العلياء دوحتها ... وفضلكم في الورى أنساب كالديم
قياصر الأدب العالي وأيكته ... وأسرة الفضل والأخلاق والشمم
جددتمو اليوم للتاريخ ما هدمت ... يد الدهور بملك باذخ سنم
(هارون) في رسه قد بات مغتبطا ... يهوي لو استطاع يلقاكم على قدم
لولا صروف لدهر من حوادثه ... قضيت عمري في حزن وفي ألم
شددت رحلتي كي أحظى بفضلكمو ... وكنت أول من للفضل مغتنم
الإسكندرية ٤ سبتمبر ١٩٢٨: محمد صالح إسماعيل
стр. 3695
يوبيل الأب أنستاس ماري الكرملي
حضرة الزميل الكبير والأخ الأجل الأستاذ الزهاوي الشهير:
تحيتي إليكم وإجلالي (وبعد) فأرسل لحضرتكم هذه القطعة تلبية لطلبكم الكريم وتقديرا لحضرة المحتفل به. وتفضلوا بقبول تحياتي وشكري وحفظكم الله ورعاكم:
نحيي على بعد المدى ونكرم ... ونهتف بين الهاتفين وننظم
ونزجي (لبغداد) القريض كأننا ... حضور به في حفلها نتكلم
قواف اطارتها إليكم شجونها ... وكان لها في حبة القلب مجثم
أهاب بها صداح (دجلة) فانبرت ... سراعا له من (نيلها) تترنم
حمائم لم تهبط على الحب مرة ... فتلقطه. بل همها اللحم والدم
بعثنا بها نحو (العراق) إلى امرئ ... ترف عليه ورقه وتسلم
فما هو إلاّ الروض يجزي نميره ... ويضحك فيه زهرة المتبسم
غذته عقول الناس خمسين حجة ... أقام بها يسقي الرحيق ويطعم
جنا قطفه دان، وماء مصفق ... وظل على كل البلاد مخيم
فمصر، وأرض الشام منه بجنة ... وحومانة الدراج. والمتلثم
مآثر غفي عرض البلاد وطولها ... تحيي فتاها مثلنا وتعظم
وأعمالنا مثل الأناسي، ناطق ... فصيح وذوعي، وآخر أبكم
وتلقى من الأعمال ما هو شاعر ... وتلقى من الأعمال ما هو مفحم
ومن شيد العلياء قامت وشيدت ... له من جميل الذكر ما ليس يهدم
يقولون شاب الكرملي - ولم يشب - ... ومن هذه آثاره كيف يهرم
يزيد على كر العشيات روعة ... كذلك يروع النسر والنسر قشعم
أراني منه في خضم. فإن يطل ... مديحي له. أو لم يطل فهو أعظم
لقد جل عن شعري - وإن جل نظمه - ... وقصر عنه القول. فالصمت أسلم
٩ سبتمبر ١٩٢٨: محمد الأسمر
стр. 3696
في موقف التكريم
حلمت أن قد صفت في العيش أيامي ... فلم تصح من الأيام أحلامي
إني فكرت مليا في حقيقتها ... فلم يزدني فكري غير أوهام
ما جن ليلي إلاَّ هاج بي شجن ... وآلمتني نفسي أي إيلام
كم ليلة بت والسمار قد رقدوا ... فريسة بين أوجاع وآلام
قد شاب رأسي من برح الهموم ولم ... يمر لي من حياتي غير أعوام
لولا طموحي إلى مجد يشرفني ... ما طال في العيش انجادي واتهامي
وما يؤمن في الدنيا سعادته ... غير امرئ هازئ بالكرب مقدام
ماذا ستنفعني الشكوى ارددها ... والدهر نكس قبل اليوم أعلامي
إن لم أقم لرجال العلم منتصرا ... فلا مشت بي إلى العلياء أقدامي
أبجل العلم مهما دان صاحبه ... وذاك لا غيره ديني وإسلامي
يا مكرمي الكرملي الفذ أنكم ... أكرمتمو العلم فيه أي إكرام
قوموا إلى الأب في يوبيله زمرا ... وصافحوه بتبجيل وإعظام
وأنشدوا الشعر تقديرا لخدمته ... ولا تبالوا بحساد ولؤام
عاثوا بمملكة الآداب من شره ... عيث الذئاب - وقد جاعت - بأغنام
أصغوا إلى الشعر يتلى أنه عظة ... وأنه خير نهاض بأقوام
الشعر ما وضح المعنى به وصفت ... ألفاظه وخلا عن كل إبهام
وما البلية إلاَّ أن يزاوله ... من لم يكن فيه ذا حذق وإلمام
شببت والحب في مهل تمارسه ... وقد سبحنا معا في بحره الطامي
أيامه مثل أيامي مكدرة ... وعل أيامه تصفو وأيامي
أخشى إذا نحن لم نأس الجراح به ... أن يقضي الشعر من جرح به دام
ما ألهمتني وحي الشعر آلهة ... بل أنها النفس منها كل إلهامي
أسديت شعري الشبان أطربهم ... فقد تسر شباب اليوم أنفاسي
من يرمق الزهر من بعد القطار ... فلا يلقاه إلاَّ بوجه منه بسام
стр. 3697
في روضة ظل رجاس ازاهرها ... حتى تفتح أجفان لأكمام
أقول والطير قد هبت مغردة ... أملأ لي الجام فاللذات في الجام
هلم نأوي إلى الآداب رائعة ... ونستظل ضحى في صرحها السامي
في عهد فيصل ما أسماه من ملك ... معصب من بني عدنان قمقام
بتاجه الشعب كل الشعب مغتبط ... ما أحسن التاج معقودا على الهام
وأنه هو مولاه وسيده ... وأنه هو في الجلى له الحامي
الشعر في ظله عصفورة غرد ... والعلم مخضوضل من غيثه إلهامي
لو لم أجد لي في الأقلام تسلية ... كسرت من عنت الأيام أقلامي
صفحا إذا كان خنذيذ القريض كما ... فلم يساعد على جريي وأقدامي
بغداد: أكرم أحمد
نشيد وتفنيد
يا رابضا وبه الآمال تصطخب ... إن قبل ممن؟ يقل آبائي العرب
أنت البقية من شعب ذوي عظم ... أوهاهم العجز والتفريق والوصب
ملوا الجهاد فظلوا في عمايتهم ... كأنهم تائه أودي به التعب
أصوب الطرف فغي أحوالهم فأرى ... بؤسا يحيط بهم من بعد ما غلبوا
من بعد تحليقهم في أوج رفعتهم ... لقد هووا مثل مقطوع به السبب
يستنجدون وما من منجد لهم ... ويستغيثون إذ أصمتهم الكرب
والله كم سال دمعي عند رؤيتهم ... وكم بقيت بلج الحزن أضطرب
شتان ما يومهم والناس تخدمهم ... ويومهم قد نكى في جمعهم عطب
أين البهاليل من شعبي فيا أسفي ... أودت (قعاد) بهم لما بها طربوا
وقد تفانوا وما كفوا تفانيهم ... عن قتل أمتهم حتى معا عطبوا
يا للتعجب من شعب يذوب كما ... ذاب الضريب بنار هاجها حصب
العرب هل أصبحت فتيانهم حمما ... وكم براقش تجني بل وكم تثب؟
قد دنسوا الحق تدنيسا وما ارتدعوا ... عن منكرات بهن الذل والكلب
стр. 3698
أسدد فمي قبل بوحي بالذي عجزوا ... عن ذكره فزمان البوح مقترب
غاض الكرام وقد غاض اللئام فلا ... نصح يفيد ولا علم ولا كتب
لئن ذكرت رجال اللؤم أحرقني ... جوى كمين وفي قلبي له ندب
أف لهم ولما يبغون من أرب ... مدنس مات فيه العز والأدب
قلوبنا ضعضعوها وهي صابرة ... على الأذى وبنار الطعن تلتهب
تعسا لقوم عتوا صدت بصائرهم ... عن الصلاح وبالتضليل تنتقب
نرى الأذلة ترمينا بقسوتها ... وأنها لفلول الخبث منقلب
غشوا نفوس ضلالات بثوب هدى ... كأنهم نجس بالخز محتجب
هم الذين أضاعونا بخستهم ... يزجون غدرا إلى خبث ولن يجبوا
وا حسرتاه على حر يذوب أسى ... على العروبة والأعراب تحترب
وا حسرتاه علينا إذ سفينتنا ... أضحى بها الجهل ربانا ويا عجب
هذي الجزيرة مجتاحا ومضطربا ... في كل يوم بها حرب ومستلب
ضاع التراث كما ضاعت سعادتنا ... وقد وقفنا فلا غذ ولا خبب
لم يبق من أمتي العظمى سوى لغة ... ظلت على طول هذا الدهر تنتحب
كم أعجمي غزاها وهي آمنة ... وجيشه لجب من عجمة تعب
فانصاع مكتئبا تحدوه خيبته ... والجيش منحطم أعضاؤه تعب
يا سائرا ووجيب القلب صاحبه ... لنا ببغداد من بين القسوس (أب)
أقرأ عليه سلامي خالصا عطرا ... فأنه من معين الحب منسكب
أب عزيز وذو علم ومعرفة ... قضى السنين بسوق العلم يكتسب
حنا على لغة القرآن حنو أب ... على الوليد وعنه تنطق الحقب
له أياد على أبناء يعرب ما ... دامت لغاتهم أثوابها قشب
عقل منير وأخلاق معظمة ... ودربه سيلها للعلم مصطحب
ذاكم (انستاس) معروفا ومرتويا ... من بحر علم وللإصلاح منتدب
عرفته فاضلا من قبل ما نظرت ... عيناي وجها له للطف ينتسب
حلو الحديث دميث الخلق ذو أدب ... عال ومجلسه للعلم منتهب
стр. 3699
طلاب حق وإصلاح ومكرمة ... وصفو علم وفي أعماله سرب
صافي السريرة ضحاك إذا ضحكوا ... ماضي العزيمة ذو حلم إذا غضبوا
قد (يوبلوه) فأبقوا خير مأثرة ... لهم فيوبيله بالفخر مختصب
لم ينقموا منه إلاَّ أنه كلف ... بالبحث لا مدع جهلا ولا غضب
حامي الحقيقة إن شطت وإن قربت ... مهذب ولشطر الدهر محتلب
كم لقلق صات في يوبيله حسدا ... وكم غراب نعى والقلب ملتهب
قد جلوا جهلهم ما كان أغربهم ... والجهل ينفق في إفنائه الذهب
كل له دينه والعلم مقتسم ... فلا ازدراء ولا حقد ولا صخب
بلى أنستاس أهل للذي فعلوا ... بخلقه ومساع جلها شهب
بغداد: مصفى جواد
كتاب صاحب المعالي وزير المالية
حضرة العلامة الفاضل الأب أنستاس الكرملي المحترم
دعاني الواجب إلى أن أغيب عن العاصمة يوم يوبيلكم الميمون، فلبيت صوت الواجب وفي قلبي لواعج من الشوق للاشتراك بتكريم العلم في شخصكم النبيل والإشارة بمفاخر لغتنا العربية التي أفنيتم العمر العزيز في الوقوف على أسرارها والبحث عن مكنوناتها الثمينة والتنقيب عن كنوزها العجيبة الساحرة الفتانة.
إن حرمت حضور الحفلة وسماع ما يلقى من الدرر المنثورة واللآلئ المنظومة في مدحكم والثناء على خدماتكم المشكورة وأعمالكم المبرورة في الجهاد في سبيل العلم واللغة والتدريس فأن لي من أسباب السرور والحبور ما ينسيني هذا الحرمان ذلك أن فخامة رئيس وزارتنا المحبوب عبد المحسن بك السعدون قد تكفل بإقامة هذه الحفلة في داره العامرة وأن زميلي العزيز معالي توفيق بك السويدي وزير المعارف قد أقام يوبيلكم تحت إشرافه.
стр. 3700
فنظرا إلى التضامن الموجود بيننا نحن أعضاء الوزارة السعدونية فأني أعد نفسي مشتركا في هذه الحفلة وإن لم أكن حاضرا
وهنا لا بد لي من كلمة أقولها ألا وهي: إن الأب أنستاس الكرملي موضوع فخر ومباهاة للوطن ولأبناء اللغة العربية الناطقين بالضاد فقد حمل مصباح العلم والعرفان مدة خمسين سنة وقد أقتبس من نوره الوضاح تلامذة يعدون بالمئات. وقد أسعدني الحظ أن أكون أحدهم بما أخذته عنه بعد مغادرتي المدرسة من الفوائد الفرائد.
لم تقتصر خدمات الأب الجليل على التعليم والتهذيب والتلقين بل هي أوسع نطاقا من ذلك. فها أن أبحاثه الجليلة اللغوية والتاريخية أكب شاد على ما أقول وها أن تنقيباته الأدبية لأعظم حجة على ما ألمع إليه.
لا يذكر اسم الكرملي إلا وينتصب في الذاكرة شبح كتاب (الإكليل) و (الموعب) وكتاب (العين) وغيرها من تراث الأقدمين التي كانت مفقودة فوجدها.
أما مجلة (لغة العرب) فاسمها يغني عن البيان والتبيان فهي كنز لغوي وتاريخي.
إن حب أنستاس للعرب والعربية جعله يتحمل مضض النفي والإهانة في عهد دولة مضت أيامها ودالت دولتها.
حيا الله الشعور العربي الصميم المتغلغل في قلب الأب المحترم. وهل من حجة لامعة على
هذا الحب أكبر من العذاب في سبيله؟
فإذا قرعت طبول البشائر في يوبيل العلامة الأب أنستاس فلا عجب. فما ذلك إلا دليل باهر على أن البلاد وأهل البلاد وحكومة البلاد تقدر العلم وتحترمه في شخص رجاله الذائبين في سبيله.
حيا الله الأب أنستاس الكرملي حامل مقياس العلم وعلم العربية. وحيا البلاد والرجال الذين يكرمون العلم.
بغداد ٥ تشرين الأول ١٩٢٨: المخلص يوسف غنيمة
стр. 3701
الأب أنستاس ماري الكرملي
عماد للنهضة الحديثة
- ١ -
كان النصف الثاني للقرن التاسع عشر مبعث النهضة الأدبية في الشرق العربي بعد أن قطعت العواصف السياسية والاجتماعية علاقته بماضيه الوضاء ومهما يكن من الأسباب التي بعثت هذه النهضة المباركة، فأنها من غير شك كانت تقوم في جهات ثلاث: الشام، ومصر، والعراق، ويظهر أن الأسبقية إنما كانت للشام لتزاحم البعوث والإرساليات الأمريكية إلى هناك فتمكن رجالها من بذر البذور المباركة للحركة الأدبية والعلمية في هذا الشرق وقد تبعتها مصر منذ انتظمت حياتها الحسية وأسست على قواعد ثابتة تضمن للنهضة النجاح والاطراد، وقد نافستهما العراق منار الثقافة الإسلامية العربية في عهد (دار السلام).
وهنا يجب أن نقرر - إنصافا للحقائق التاريخية - أن هذه النهضة التي كانت في مصر وسورية والعراق كانت تقوم على أعمدة ثلاثة: مدرسة دار العلوم بمصر، ومدارس الإرساليات بالشام. والأب أنستاس ماري الكرملي بالعراق.
- ٢ -
ليس من المبالغة أو العصبية أن نضع الأب الكرملي في العراق تجاه مدرسة عتيدة بمصر، وعدة مدارس بسورية، فأننا إذا فهمنا مقومات هذه النهضة أول الأمر علمنا صدق هذه
الدعوى، وأننا لم نشتط حين وضعناه في هذه المكانة، فأنه حين حاولت البلاد أن تحيا حياة أدبية أواخر القرن الماضي كانت لوثة العجمة شائعة في الألسن العربية، ولم تكن ترى شخصا يحسن التكلم باللغة الفصيحة، وكانت اللغة العامية خليطا من لهجات شتى، بعيدة النسب عن العربية فضلا عن أن النفس الشرقية كانت مقفرة من أية ثقافة إلا الجهل المطبق، والظلمة الحالكة، والانحلال الشائن، فكان لا بد لكل غيور على هذا الشرق العربي أن ينقذ هذه
стр. 3702
الطوائف من جهالتها محاولا تقريبها إلى المثل الأعلى لتلك الحضارة الأدبية الماضية مراعيا في ذلك آثار الزمان والمكان، ودواعي الفروق بين الحالة الحاضرة أمامه وبين الحالة السالفة أمام العصر العباسي حيث ازدهرت الدنيا بآثار العربية وكنوزه الثمينة. . . وأي شيء يجب البدء به سوى تقويم الألسنة وتطهيرها من الأخطاء اللفظية والكلمات الأعجمية حتى إذا استقامت واشتد ساعدها كان على المصلح أن ينظر في محاولات أخرى معنوية وموضوعية عله يتم ما بدأ؟!
أفليس الناس إذ ذاك أشبه شيء بالطفل الناشئ يجب إصلاح لسانه ثم يتلقى بعد ذلك المعلومات؟ أريد أن أفصح أكثر من هذا فأقول: كانت النهضة محتاجة إلى تقويم جسمها قبلا حتى يتمكن من حمل ما يلقى فيه من الروح الحديثة التي هي في الحقيقة الغاية أو الوسيلة للرقي العام.
هكذا كانت تعمل دار العلوم بمصر أول نشأتها فكانت معنية بدراسة الأدب العربي القديم وتقليده بعض الشيء لفظاً وأسلوباً، وكان المتخرجون فيها يجتهدون في تقويم الناشئين بهذه الأساليب حتى تأسست الدراسة المصرية على نهج قويم، وقريباً من هذا في شيء من التجديد عمل رجال سورية لاتصالهم أكثر من سواهم بالحضارة الأجنبية فلانت لهم الأساليب وجروا شوطاً ليس بالقريب.
أما الأب الكرملي فقد كان ترتيبه الطبعي أسبق من ذينك العاملين: كان فقيها لغويا عليه وحده نعتمد في الإصلاح اللفظي: الأفرادي والتركيبي لأنه أتيح له ما لم يتح لقرينيه ففاز بخير نصيب.
- ٣ -
نعم أتيح له ما لم يتح لغيره من جميع المشتغلين باللغة العربية في هذا العهد فكان طبيعيا
أن يكون عمله أجدى من ناحية، وأن يكون (صاحب الشريعة الغوية) أن أباح لنا هو هذا التعبير من ناحية ثانية.
من هذه الميزات ولوعه منذ الصغر باللغة وآدابها، وإذا علمت أن أول دراسته كانت في كتب الصرف تبين لك من أول الأمر ذلك المذهب الذي سيعتنقه هذا الصبي بعد. . . بناء اللغة وتكوينها وفهم أسرارها.
ومنها إكبابه الطويل على دراسة اللغة والبحث في معاجمها وجمع الكتب التي تصادفه وتفيده في هذا الباب، فحصل على أكبر قسط من المعارف اللغوية التي
стр. 3703
تجعله بحق حجة وحده ومرجعا للباحثين.
ومنها معرفته عدة لغات شرقية وغربية مما يفيد في وسائل إثراء اللغة وطرق درسها وإنمائها، ثم الوقوف على فقهها وتاريخ نشأتها منذ عرفها التاريخ ولا أعرف رجلا غيره تيسر له الوقوف على هذه اللغات الشرقية بهذا الإتقان ثم الانتفاع بها في تحقيق الأصول العربية، فليس من الغريب إذا أن يكون كعبة الأساتذة والمستشرقين وطلاب التحقيق الفقهي للغة العربية.
ومنها رحلته إلى أوربة وبلاد الشرق ووقوفه على مظاهر الحضارة القديمة والحديثة وآثارهما مما جعله أوسع معرفة وأدرى بمقتضيات هذا العصر من تجديد واصطلاح وتواضع على ألفاظ خاصة لكل جديد حتى لا ترمى اللغة بالفقر والعجز عن مجاراة الحضارة الجديدة.
- ٤ -
أفبعد هذا يكون من الغريب أن يكون الأب الكرملي محط آمال المجتمعات اللغوية العلمية. وإن تتهافت النوادي الشرقية في أوربة والشرق على انضمامه إليها ليكون عتادها الأوحد ومرجعها الذي لا مرد لحكمه؟! ولم لا تترجم آثاره إلى اللغات الأجنبية التي يعنى ذووها بدرس الآثار الشرقية. وفهم هذه النفس الجباة التي كانت مثال النبوغ في مظاهرها المتنوعة، مظهر الدين ومظهر الفلسفة ومظهر اللغة وعلومها؟ ولم لا يضطهده الأتراك أعداء العرب وهو يعنى بإحياء الحضارة العربية ويذيع ما كان لهم من مجد تليد وعلم جم؟ أليس هذا رجلا في أمة وأمة في رجل؟
لا أذكر مؤلفاته وآثاره المطبوعة والمخطوطة الباقية والبائدة، لا أذكرها فهي شيء ذائع معروف سيحفظها التاريخ في إثباته، وينتفع بها الناس بعد أن يحصلوا عليها.
إنما أذكر (لغة العرب) التي كانت - ولا تزال - صدى الحركة اللغوية في العالم العربي وغير العربي، عند كل متعلم وأستاذ، ناشئ وشاد، أذكر (لغة العرب) التي عودتنا النقد النزيه، الحق، والتواضع الكريم والاعتراف لكل مجتهد بجهده، وأخيرا كانت خير صلة بين الناطقين بالضاد وخير عامل على حراسة اللغة من عوامل الفناء والجمود والاضطهاد.
стр. 3704
- ٥ -
فإذا كان من الحق على العالم العربي اليوم أن يكرم عالمنا الفذ، وأكبر مضح بعمره وماله، فأنه يكرم عنصرا قويا لا ندري ماذا كنا نكون لولاه،
نعم إن هذه النهضة الحديثة أخذت الآن تتحول إلى ناحية حديثة من الثقافة المعنوية الفلسفية، ولكنها في حاجة عظيمة إلى ذلك الأب البار يرؤمها ويرقبها في سبيلها، خوف الاضطراب والشذوذ والعثرات التي كثيرا ما تعترضها، اللهم إنا نحتسب عندك هذا العمر الذي أنفقه وذاك الجهد الذي قاساه ونرجو أن يمد الله عمره حتى يتم ما بدأ، ويصل بهذه الروح الشرقية إلى دور النضج التام.
فباسم مصر، وباسم الشرق، وباسم اللغة العربية، وباسم الآمال التي نعقدها على حياته. . . نقدم له أنفسنا مخلصة، ووفاءنا خالدا ونتقدم إلى لجنة الحفل بالمقترحات الآتية للسعي معنا في تحقيقها:
١ - أن يعين في الجامعة المصرية أستاذ الفقه اللغة العربية.
٢ - أن تعنى لطبع مؤلفاته ونشرها.
٣ - أن تحتفظ بخزانة وتسعى في الانتفاع بها.
٤ - أن يكون هذا التكريم في كل من مصر والشام والعراق وغيرها من الأقطار العربية تكريما عمليا مؤديا للانتفاع الأوفى بآثاره الغراء.
الإسكندرية في ٢ أكتوبر سنة ١٩٢٨: أحمد الشايب
من الدجيلي
حضرة سكرتير لجنة تكريم الأب انستاس المحترم
بعد السلام فإني أشكركم على تقديركم إياي باللياقة للاشتراك في الاحتفال الذي ستقيمونه في بغداد في اليوم السادس عشر من شهر أيلول من هذه السنة ومن حيث أني في لندن والشقة بعيدة بيني وبينكم وكثرة النفقات تمنعني من
стр. 3705
الحضور في ذلك الاحتفال الميمون رأيت أن استعيض بالكتابة عن الحضور بالنفس، متأسيا بقول من قال: (المراسلة نصف المواصلة) فإذا رأيتم ما كتبته مستحقا للقراءة والنشر فافعلوا ذلك وإلا فألقوا به عرض الحائط واتركوه في زوايا الإهمال وأنا لكم من الشاكرين. وفي الختام أهدي جميع أعضاء لجنتكم المحترمين السلام.
لندن ٣٠ آب ١٩٢٨: المخلص كاظم الدجيلي
سيدي وأستاذي العلامة معالي الرئيس المحترم
سادتي المحتفلين الكرام
إن تكريم الأحياء سنة قد جرى عليها الأولون والآخرون من البشر والقصد منها تشجيع الناس على إتيان الأعمال العظيمة التي يستفيد منها وطنهم وأبناؤه.
ولما كانت النفوس تميل - بطبيعتها - إلى تعظيمها وتبجيلها أخذت تسعى في مصلحة مبجلها والمعترفين بجميلها عليهم. وبهذه السنة صارت مصالح الفريقين تتبادل وقوادهم تزداد ومنافعهم تتكاثر. إلا أن سنة التكريم هذه لم تدم في الشرق كدوامها في الغرب الذي ازداد اعتبارها وعظم شأنها فيه. ولا غرابة في ذلك إذ التربية والآداب في الشرق انحطت فأنحط كل شيء بانحطاطها.
أما في الغرب فالحالة على خلاف ذلك حيث ترى للتربية والتعليم حياة راقية وآدابا سامية.
إننا في تكريمنا حضرة العلامة الأب انستاس - الذي هو أهل لذلك - نكرم في الحقيقة سواه من أبناء العراق إذ نبعثهم بعملنا هذا على الاجتهاد في إبراز الأشياء النافعة للجمعية العراقية خاصة والبشرية عامة بحيث تكون تلك الجمعية شاعرة كل الشعور بوجوب تكريمهم واحترامهم.
إننا في تكريمنا حضرة الأب أنستاس نثبت لأبناء العراق النبهاء العمل بقوله تعالى: (من يعمل مثقال ذرة خيراً يره).
إن للأب أنستاس فضلا على كثير من شبان بغداد بل العراق وكتابه الحاضرين إذ درب
الكثيرين منهم على معرفة الآداب العربية وحسن الإنشاء بها بل النبوغ فيها، وأنجى بصنعه الجميل نبغاء الكتاب من الوقوع في أغلاط كانوا يجهلونها قبله
стр. 3706
لو كان من المتعارف أو المستحسن أن يقص المرء سير الأحياء من غير متاقاة أو محاباة لقصصت عليكم من أخباره الطوال ما يستوعب كل وقتكم.
لحضرة الأب أنستاس منة لا تنكر على اللغة العربية وأبنائها لأنه يغار عليها أكثر مما يغار على أي شيء سواها ويحب إعلاء شأنها إلى السموات العلى ومن فرط حبه لها ينتقد مفسديها انتقادات مرة قد يرى المتعصبون الجاهلون لها أنه عدوها اللدود، وفي الحقيقة أن انتقاده هذا ما هو إلا كضرب الوالد الشفيق لولده الجاهل إذا أراد تأديبه وتدريبه على محاسن الأخلاق وطلب العلم.
إن إصدار مجلة لغة العرب مما رفع ذكر العراقيين في الآداب العربية وأحيا ميت أسمهم فيها. قد لاقيت غير واحد من المستشرقين في أوربة فكان أول شيء منهم إعجابهم بمجلة لغة العرب والتحدث عن مزاياها وفوائدها الجمة. ورأيتهم يقدرون كل التقدير اختيار الأب للكلمات التي يعبر بها عن المسميات العلمية والفنية الحديثة، وإن كان في بعضها مما يثقل على السمع تلقيه أو أصبح بحكم المهجور.
للأب أنستاس سعة صدر وحلم عظيمة، وكيف لا يكون كذلك وهو أحد الرهبان الذين من سيرتهم غفران الذنوب والإحسان للمسيء.
إن صلتي بالأب أنستاس قد تزيد على الخمس وعشرين سنة وهي متينة لم يصبها أي خلل طوال هذه المدة مع أنه راهب كاثوليكي - ومن مبادئ الكاثوليك الدعوة إلى المسيحية - وأنا شيعي أصولي - ومن مبادئ الأصولية التصلب في الدين والتنجس من غير المسلمين - يشهد الله علي أنه ما دعاني يوما إلى دينه ولا دعوته أنا إلى ديني، أو تناقشنا في هذا الباب كثيرا. فصحبتنا كانت ولا تزال أشبه شيء بصحبة الرضي والصابئ بل على ما أظن أقوى وأمكن.
(الفضل ناسب بيننا إن لم يكن ... شرفي يناسبه ولا ميلادي)
قد كنت أحيانا اسمعه - بغير قصد - بعض الكلم التي لا يجب سماعها المتدينون مثله فيتشاغل عن سماعها بسواها ويغير الموضوع بأدب وحكمة. وإني أتذكر عند كتابة هذه
الأسطر حادثة من هذا القبيل حدثت بيني وبينه - شهدها حضرة محمود أفندي الشيخ علي والد المفاضل علي محمود المحامي، وقد يقصها
стр. 3707
لمن يريد سماعها فظهر فيها الأب مظهر من أتبع المسيح وعمل بأقواله.
ذكرت هذا دحضا لقول المتقولين على حضرة الأب أنه يفسد على أبناء المسلمين دينهم وينصرهم. سبحانك اللهم أن هذا لهو البهتان المبين.
حسدوا الفتى إذْ لم ينالوا فضله ... فالقوم أعداء له وخصوم
قد قرأت في بعض الجرائد الأميركية أن جماعة احتفلوا بأحد نوابغ أميركة وقد دعوا إلى تكريمه عددا غير قليل من مشاهير الأميركيين وكان بين المدعوين أحد الأغنياء فأحب أن يسلك طريقة جديدة في التكريم فكتب صكا بمائة ألف دولار ووضعه في جيبه ولما جاء دوره للخطابة رقي إلى المنبر وأخرج الصك من جيبه وقال للحاضرين هذه خطبتي ثم سلمه إلى المحتفل به فكان لصدى هذا الخبر دوي بلغ مسامع أوربة فذكرته جرائدها بإعجاب عظيم.
فهل للمحتفلين بالأب أنستاس أو للعراقيين عامة - أن يعملوا لحضرته شيئا من هذا القبيل أي طبع ما جمعه حضرته من المصطلحات العلمية، وما علق على كتب اللغويين من تصحيح واستدراك، ثم إهداء نفعه بعد استخراج نفقاته إلى حضرته ليعم نفعه فيكون العراقيون قد خلدوا لهم بهذا العمل المبرور ذكرا جميلا، ونفعوا البلاد العربية نفعا جما وما خسروا شيئا؟ فأنا أول المستعدين للاشتراك في الإنفاق على هذا المر الجليل.
وأختم كلامي هاتفاً عن بعد: ليحي الأب أنستاس وليشكر القائمون بتكريمه!
لندن ٣٠ آب ١٩٣٨: كاظم الدجيلي
الكرملي
الكرمل أحق بلاد الله بتكريم العلامة الأب أنستاس ماري الكرملي الذي تشرف بالانتساب إلى هذا الجبل الذي استعير في العهد القديم لعظائم الأمور في حين إنه كان لها من الجلال والجمال بحيث صاروا يعبرون عن وقوع بلية بذبول أشجاره الغضة وأزهاره اليانعة.
و (عبد الله المخلص) أولى الناس بتعظيم (عبد يسوع المخلص) الذي أجتمع به لأول مرة في رأس هذا الجبل المشرف على بحر الروم كان فيه منارة علم يستضاء
стр. 3708
بنورها إلى
جانب منارته الزجاجية التي تنير السبل للجواري المنشآت في البحر.
أجل أن الأب أنستاس الذي أقام في ديري الكرمل وأعني بهما دير (مار الياس) في رأس ناحيته الغربية و (دير المحرقة) في آخر سلسلته الشرقية وسكن بدار إيلياء النبي ومسكن اليشع أو بجوارهما قد أفاض علينا من فيض علمه ما نذكره له بكل شفة ولسان وفي كل زمان ومكان.
ولم يكن اغتباطنا بتكريم هذا الكريم بسبب حرفة الأدب التي تجمعنا جامعتها ولا للصداقة التي تربطنا روابطها وإنما كان لأن هذا العالم العامل والتقي الورع المنقطع إلى عبادة ربه وخدمة عباده قد نال في هذه الحياة الدنيا بعض ما يستحقه من الإكبار والإجلال فكان له في ذلك بعض العزاء والآخرة خير وأبقى.
وعلماء العراق الذين قاموا قياما على أمشاط أرجلهم للعمل على تكريم هذا العالم الفحل هم من أئمة الأدب العربي فكان حقيقا بنا أن نقلدهم ونشكر لهم هذا المسعى الحميد الذي أثلج الصدور وأقر العيون من الناطقين بالضاد العارفين فضل الأب على لغتهم الشريفة.
ولا يهمني قول البعض إن الأب الكرملي يكتب الصفحات الطويلة في سبيل كلمة من كلمات اللغة وأنه لو أنفق هذا الوقت أو بعضه في سبيل آخر لأفاد أكثر فذلكم التطويل دليل الغيرة على اللغة الفصحى وبرهان الاهتمام في الاحتفاظ بذلك التراث الذي ورثناه من الآباء والأجداد ومن علم أن بعض علماء المشرقيات يكتب مئات من الصفحات في سبيل بيت أو قصيدة عربية عذر الأب الغيور على تقصيه وبحثه بل عذله لأنه لم يزد في النكاية بهؤلاء المتشدقين الذين كادوا يفسدون علينا أمر لغتنا.
وأذكر أن أحد علماء البيان قال لي مرة أن كتابات صاحبك الأب أنستاس خالية من الصناعات البديعية فلا تجد فيها كناية ولا استعارة ولا عبارة جزلة ضخمة فأجبته أن صديقي الصادق يكتب في موضوعات علمية وبلغة علمية فلو أضطر مرة إلى كتابة خطاب حماسي أو مقال خيالي ربما جاء فيهما بالمبدع وحملك على الاعتراف معي بأن الذي يكتب هذا السهل الممتنع لا يعجز عن الكتابة بذلك الشكل الطنان الرنان الذي لا يسمن ولا يغني من جوع فسكت وانتهى الجدال.
стр. 3709
وإذا ما ذكرت للأب علمه الجم وفضله الغزير وأنه خير من تضرب له آباط الإبل وتشد
إليه الرحال فلا أنسى أن أذكر له مزية قلما نجدها في أمثاله من رجالات الدين هو ابتعاده عن التعصب الممقوت. على أن هذه الخلة لا تضير الذين اشتروا الآخرة بالدنيا فهجروا نعم الثانية في سبيل نعيم الأولى. أما دليلي على ذلك فهو وقوفه في وجه كاهن مثله ورده عن تنصير بعض الشعراء الجاهلين أو قل دفاعه عن حقيقة تاريخية دون أن يتأثر بما أريد أن يخلط فيها من أمور الدين.
وإني لا أزال أذكر رحلة صغيرة قمنا بها نزولا على رغبة الأب المحتفل به إذ كان يريد زيارة العش الذي درجت منه القديسة ماري ليسوع المصلوب الكرملية في قرية تدعى عبلين فبعد أن وصلنا بالمركبة إلى شفا عمرو وعلمنا أنه لا يمكن الوصول إلى عبلين إلا مشياً على الأقدام بضع دقائق أخذنا بالمشي والشمس في الهاجرة فقطعنا برهة زادت على البضع دقائق التي ذكرت لنا تهوينا وتشجيعا للمضي وقال لنا الدليل أننا سنضطر إلى قطع مسافة أكبر من التي قطعناها فوقفت وقلت للأب أقرأ لروحها الفاتحة على طريقتنا الإسلامية وأبعث بها إليها من هنا فابتسم وقال لي أن محاولتي زيارة البيت الذي ولدت فيه تلك القديسة هو لأنها شرقية عربية اعترف لها الغرب بهذا الحق وأوصلها إلى هذه المرتبة العليا فأعجبت بروح الأب العربية وعدنا أدراجنا إلى شفا عمرو ومنها إلى حيفا بالمركبة والأب العالم يطرفنا بحديثه الطلي الشهي وبعد فأنني أرجو لصديقي العزيز السعادة والهناء وللأمة العربية ما تتمناه من الأماني والآمال.
حيفا في ٦ أيلول سنة ١٩٢٨
عبد الله مخلص
стр. 3710
من طرابلس لبنان
إلى لجنة تكريم العلامة الكرملي.
سادتي الأفاضل:
كتابي أطال الله بقاء السادة وأعز بهم العلم والأدب. وأنا شاكر لهم عملهم الطيب الذي نابوا به عن الناطقين بالضاد في تكرمة العلامة الكبير والبحاثة الذائع الصيت الأب أنستاس ماري الكرملي لأنه قضى عشرات السنين في خدمة العلم بين تحقيق وتدقيق ونشر وإفادة حتى غدا ومعظم القراء من تلاميذه.
وإني ولئن كنت بعيد الدار فما فاتني أن أستفيد من بحوثه علما وأن أقتطف من جهوده ثمرا شهيا ولذلك احسبني من تلاميذه الفخورين بهذه النسبة. ولكم قرأت من كتاباته المفيدة مقالا أحسبه غاية ما يصل إليه براعة أو يتطال إليه فكره ولا أكاد أنتهي من دراسته حتى أفوز بما هو أعلى وأسمى وأجزل نفعاً.
ولا عجب من قولي عن دراسة كتاباته فإني لم أتجاوز الحقيقة إلى المبالغة والصدق كل الصدق أن معظم ما قرأت لعلامتنا الجليل من مثل ما أقرأ لأمثاله العلماء الأعلام الذين تؤخذ أقوالهم كدروس تلقى على الطلاب. وهذه مجلته لغة العرب فإني أقرأ العدد الواحد منها المرة بعد الأخرى ولولا شيخوختي لوعتها حافظتي.
وفوق هذا فالعلامة رجل كلما زادك إفادة تنظر خلال سطوره فتراه متصاغرا متضعا كأنه لم يكن مفيدا وهذا غير ما نرى من بعض رجال العلم والأدب وكلما قلدت من بحوثه درة غاص عليها حتى العباب نظر إليك كأنه هو المستفيد منك. فلله دره!
وأنتم يا سادتي الأفاضل لا تؤاخذوا جرأتي على مخاطبتكم فأني محب للمحسنين المجيدين ولو استطعت لركبت البر إليكم فاستأنست بحفلة تكريم أستاذي وبرؤية خيرة الرجال. وهاأنذا اجتزئ بتكرار الشكر وبالدعوات الصالحات للفيفكم الموقر. ودوموا معافين بمنه تعالى وكرمه.
طرابلس - لبنان في ٢٣ آب ١٩٢٨
الداعي جورج يني
стр. 3711
اليوبيل في التاريخ
اليوبيل كلمة عبرية اصطلاحية معناها (التهليل) وقد خصها الإسرائيليون بعيد الشابؤوث عندهم أي (عيد نزول الوصايا العشر على موسى (ع) فوق جبل سيناء) وأطلقوها على يوم مخصوص من السنة التي تلي سني حاصل ضرب سبع في سبع (أي السنة الخمسين).
ومعلوم أن السبعة عدد مقدس عند اليهود كما هو مقدس عند معظم الأمم، ففي اليوم المخصص من السنة الخمسين عند اليهود تقام الولائم والأفراح ويطلق سراح جميع المسجونين وترد العقارات المغصوبة إلى أصحابها وتبطل جميع الأشغال والدوائر الإسرائيلية ويتنازل أصحاب الديون عن ديونهم ويعتق النخاسون جميع عبيدهم ويمتنع
المثرون عن زرع أراضيهم وعن حصد غلتها لأنهم يتركون ذلك للفقراء والمساكين وعلى وجه العموم هو يوم مقدس عظيم لا يصادفه الإسرائيلي في حياته إلا مرة واحدة وقليلون هم الذين يتمتعون بنعمه مرتين اتفاقا.
وقد سرت هذه العادة عند النصارى أيضا ودخلت في آدابهم الدينية. ففي السنة اليوبيلية المسيحية تغفر جميع الخطايا والذنوب ويتمتع المسيحيون باستحقاقات المسيح (ع) وأوليائه وهو عندهم يوم مسامحة وصفح وغفران ولهذا يعظمونه كثيرا ويحتفلون به احتفالا كبيرا.
وقد أنبأنا التاريخ عن أول يوبيل نظامي أدخله المسيحيون في آدابهم الدينية وإنه كان في عام (١٠٠٠) المسيحي. فإن البابا سلفسترس الثاني لما أفتتح كنوز النعم الروحية للشعوب النصرانية بعد أن أرتبك الناس بتوقعهم قرب انتهاء العالم في تلك السنة. أدخل عادة شريفة في الدين المسيحي بأن يفتتح كل قرن بقصد (رومة) لأداء المناسك الدينية ونيل غفران الأثام.
ثم رأى خلفاء بونيفاشيوس ما ولدته هذه العادة من الخير والنعم على البشر بنتيجة اليوبيل الذي أقيم عام ١٣٠٠م فأحب أن يجدد هذه الذكرى الحميدة في كل خمسين سنة كما هي العادة عند اليهود وهكذا كان. غير أن الناس استطالوا هذه
стр. 3712
المدة أيضا واسترحموا من (اربانس الثامن) ثم من بولص الثاني أن يجعلا اليوبيل أنواعا. ومنذ ذلك الحين بدأت النصارى تحتفل بذكرى اليوبيل كل ٣٣ سنة مرة إكراماً للسنين التي قضاها السيد المسيح (ع) على الأرض وبمرور كل ٢٥ سنة مرة (أي كل ربع قرن) وهي العادة الجارية اليوم فأنهم يحتفلون بيوبيل كل كبير ديني عندهم إذا قضى في منصبه خمسة وعشرين عاماً.
ومن اليوبيل الديني أشتق الملوك والعظماء والأدباء اليوبيل المدني وجعلوا أنواعه أربعة هي:
١ - اليوبيل الفضي: وهو الذي يقام في حفلة شائقة لكل من أدى للوطن وللبلاد خدمة جليلة مدة ٢٥ سنة.
٢ - اليوبيل الذهبي: وهو يقام للذي يؤدي خدمة جليلة مدة ٥٠ سنة متواصلة.
٣ - اليوبيل الألماسي: وهو الذي يمنح لمن يخدم البلاد والوطن ٧٥ سنة متتالية.
٤ - اليوبيل القرني: لمن مضى على حياته مائة سنة وهو جاد في خدمة البلاد والوطن.
وقد سبقت مصر بقية الأقطار العربية - شأنها في جميع الأمور - فأكرمت بحفلة يوبيل أول أديب عربي نعني به المرحوم سليمان البستاني صاحب المؤلفات القيمة. ومنذ ذلك الوقت أعتاد أدباء العرب أن يكرموا رجالاتهم بحفلات يوبيلية. ومن مصر أنتقل اليوبيل إلى سورية ومنها إلى العراق.
ولم تقم حتى الآن أية حفلة يوبيلية لأي أديب أو شاعر عراقي. ولكن الهمة الناشطة التي بذلتها جماعة من أدباء بغداد وفضائلها لإقامة حفلة يوبيلية تكريما للعلامة الأب أنستاس ماري الكرملي صاحب (لغة العرب ببغداد) بعثت في القلوب فرحا وحبورا إذ شعر العراقيون بضرورة تقدير خدمات الذين أفنوا أعمارهم وقضوا أوقاتهم في سبيل خدمة بلادهم خدمات جليلة مشكورة. إن كنا قد جهلنا أثمانها وفوائدها الأدبية فالتاريخ مسجلها لحضراتكم بمداد الفخر والمباهاة إذ أنه سيد المنصفين.
стр. 3713
وقد تقدمني جماعة من الفضلاء فعددوا محاسن الكرملي ومزاياه وأطنبوا في مدح خدماته للغة الشريفة وما أنتجته من ثمار يانعة عادت عليها بالنفع الجزيل ولم يبقوا لي إلا لذكر آية محمدة تفرد بها الأستاذ الكرملي. لهذا اضطررت إلى أن أبحث عن تاريخ اليوبيل والأدوار التي مرت عليه وصورة انتقاله من الصبغة الدينية إلى الشؤون الأدبية والمدنية وأن اكتفى بما قدمه وبأن أختم بحثي قائلاً:
(إن كانت الحفلات اليوبيلية التي أقيمت لأدباء الشرق قد رددت صداها الأقطار الشرقية فستردد المحافل الأدبية والعلمية في الشرق وفي الغرب معا ذكرى احتفال العراقيين بيوبيل الكرملي لخدماته التي أسداها إلى لغة الضاد خمسة وثلاثين عاما متتالية).
فليعش الأب أنستاس ماري الكرملي مستميتا في خدمة لغتنا الشريفة وليخسأ الذين يقيمون الحرب العوان على علماء القطر وأدبائه حسدا منهم فالله نصير الحق في كل أوان والسلام.
السيد عبد الرزاق الحسني
لغوي العرب في القرن الرابع عشر
إن للإفرنج عادات جميلة في تكريم نوابغهم والاحتفال برجالهم وعظمائهم فلتكريم النوابغ والعظماء فوائد عظيمة ومنافع جزيلة إذ أنه ينهض الهمم ويدفع الناس إلى أن تشرئب أعناقهم إلى ما في قمم المعالي من العز والسعادة الأبدية. وفضلا عن ذلك أن الرجل النابغة
نفسه إذا وجد قومه يقدرون له خدماته يضاعف سعيه في سبيل العلم والإصلاح والوطن وغيرها ويزيد شوقه إلى خدمة أمته ووطنه، أما إذا وجد قومه يهينونه ولا يعتنون بأعماله الخطيرة بل ربما كانوا غير مبالين بما قام به من الأفعال الجليلة فبالطبع يتقهقر ويكر راجعا إلى الوراء. والعراق إذا أرادت أن تنهض من كبوتها وتستوي في مصاف الأمم العظيمة فما عليها إلا أن
стр. 3714
تحيي مآثر عظماء رجالهم العاملين وعلمائها المصلحين.
فالعراق اليوم يفتخر بأبنائه الذين استجابوا دعوة العلم والأدب إلى تكريم لغوي العرب.
يعلم الجميع ما كان للأسماء الدينية والتحزبات المذهبية من المضار ولا سيما كانت وسيلة إلى تغلب أهل الغرب على أهل الشرق فأنزلوا فيهم المحن والبلايا؛ وما أشد سروري عندما بلغني أن أبناء دار السلام يقصدون الاحتفال بالرجل النصراني الذي خدم العلم والأدب خدمة يسجلها له التاريخ بسطور من ذهب فهذا يفيدنا أن الإخاء والصداقة قد أشتد ساعدهما وعظمت شوكتها بين أبناء الرافدين ورجع النفاق بخفي حنين.
الكرملي عربي صميم ينتمي إلى ميخائيل جبرائيل من بيت عواد. وهو بيت قديم في جبل لبنان، يرجع أصحابه في نسبهم العريق إلى بني مراد الشهيرين في تاريخ العرب في عهد الجاهلية. ظعن جدهم الأعلى إلى لبنان وهناك بقي مع ذريته إلى عهدنا هذا وتفرغ منه فرع في بغداد. أما أمه فمن بيت جبران وهو أقدم بيت نصراني في بغداد. وكان جبرائيل عواد رجلا دينا هبط بغداد فأتخذ له اسم (ميخائيل ماريني لأمور سياسية ألجأته الأحوال إليها.
الكرملي أديب أوتي قدرة بارعة على البيان يستطيع أن يتصرف فيها كيفما يشاء فينقل بواسطتها إلى مخاطبة كل ما توحيه إليه قواه العقلية التي لا تقل عن قدرته البيانية براعة.
الكرملي كاتب ينظم جواهر الألفاظ بسمط البلاغة ويجليها بإكساب الفصاحة ثم يعلقها على معان وزنها العقل السليم وأنتجها الفكر المستقيم فكلامه خفيف الوقع على الأسماع عظيم التأثير في الطباع شديد التعلق بالقلوب.
الكرملي أول من أنشأ مجلة في الوزراء أسسها عام ١٣٢٩هـ واسماها (لغة العرب) كانت سببا عظيما لرقي اللغة ونشر الفصحى من قبرها وستجد لغة عدنان بفضل الكرملي - حياتها الخالدة.
الكرملي شيد صروح فن الانتقاد في العراق فوزن الكتب والآثار في مجلته وفي غيرها بقيمة الإنصاف وانتقدها انتقادا سالما من الأغراض منزها عن شوائب
стр. 3715
الغايات.
الكرملي عرف الناس بتاريخ هذه البلاد نشر من المؤلفات وما أورد في مجلته عنها. كانت الناشة العراقية تجل تاريخ بلادها من غير أن تعرفه فصارت عالمة به بعد ما وقفت على (خلاصة تاريخ العراق) و (الفوز بالمراد) اللذين استخرجهما من كتب السلف والعلماء والمستشرقين، نعم أن البعض من حاضر وسلف وضعوا مصنفات في هذا الموضوع إلا أن نواقصها كانت كثيرة ومنها عدم إيرادها لتاريخ العراق في القرون الأخيرة فالكرملي سد هذا الخلل بهمته الشماء.
هذا ما أكتبه الآن خدمة للتاريخ وتلبية لطلب رئيس اللجنة أعزه الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
سبزوار (إيران)
من خادم العلم والدين محمد مهدي العلوي
من زنجان
حضرة العلامة الجليل الأستاذ الزهاوي الكبير
تلقيت دعوتكم في وقتها وشكرت فضلكم. أحب شعراء قطرنا وأدباؤه أن يشتركوا بفخر في إجلال العلامة النابغة الكرملي الذي هو أهل له بخدمته العظيمة التي تذكر وتشكر مدة نصف قرن كما أن حسن صنيعكم بالقيام بتأسيس هذه الحفلة يحمد لكم حمدا صميما فقدم الشاعر المفلق الجليل الميرزا أبو الفضل (كرمان) قصيدة تعرب عن حسه الدقيق لفعل الجميل بكل معنى الكلمة وهذا الشاعر الجليل ولد في سنة ١٣١٤هـ ومنخرط في سلك أحرار الوزارة المالية في إيران.
وقدم إلينا قصيدة أخرى الشاعر الكبير خسرو ميرزا المولود سنة ١٣١٠هـ وهو من أعيان قطرنا والرجاء أن تنال قصيدتهما قبولا لديكم وتكون دليلا على حسن نظر الفارسيين وإجلالهم للعلم وذويه من غير فرق بين قوم ونحلة فأن دولة العلم يجمع تحت لواءها جميع محبيه وأهله. . .
المخلص لكم أبو عبد الله الزنجاني
следующие страницы →